إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله، فلا مضل له. ومَن يُضلل، فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا مثال له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وعظيمنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، ونجيبه من عباده. صلى الله تعالى عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه سبحانه ومخالفة أمره، لقوله عز من قائل مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ *.

ثم أما بعد/

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات/

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ * وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ *

صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلكم من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين، اللهم آمين. ربنا افتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين، واهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي مَن تشاء إلى صراط مُستقيم. اللهم ألهمنا رُشدنا، وأعذنا من شر نفوسنا.

إخوتي وأخواتي/

يسر المرء أن تلقى مثل هاته الموضوعات، التي تُنولت بقدر غير قليل من الجراءة والجسارة والقطع إلى حد بعيد مع السائد الشائع، بين المسلمين، عامتهم وعلمائهم، يسر المرء أن تلقى هذا القدر الكبير من الترحاب الغامر، لكن للمرء أن يُلاحظ أن عُظم هذا الترحاب الغامر وهذا القبول الحسن، إنما أتى من عوام المسلمين، وأن عُظم الاعتراض – أيها الإخوة – والدفع والمُمانعة والإنكار، إنما كانت من المشايخ والدُعاة، والعلماء أيضا! وأنا أقول هذا على تحفظ في حق البعض للأسف الشديد؛ لأنك تقف على كلام – حقيقة لا أقول أقل من هذا – يُحزنك ويؤسيك ويملأ نفسك حسرة وأسى. علماء ومُتخرجون بأعلى الشهادات ولهم مُصنفات، يتغلطون في مبادئ العلوم الشرعية واللغوية، وخاصة إذا تكلموا في هاته الشؤونات، ويتكلمون فيها بضرس قاطع، ساخرين من الذين سلكوا طريقا أُخرى، وما راموا – على الأقل فيما نعلم من بعض – إلا رضوان الله تبارك وتعالى، والإفراغ عن منطق رحمته الواسعة، التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ *.

هذه الآية التي يعلمها الكافة الآن، بالذات في هذه الآونة الأخيرة، تكلم فيها مَن ينتسب إلى العلم، وكأنه من أدنى العامة! يقولون وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ *، لكنه قيدها. كيف قيدها؟ مَن يقول هذا؟ هذا يُقبل من عامي، لكن لا يُقبل مِمَن شدا من العلم الشرعي واللُغوي حروفا يسيرة. الله قيدها؟ أين؟ ونحن احتججنا عليهم بالآية الموالية؛ فَسَأَكْتُبُهَا *. الله قال فَسَأَكْتُبُهَا *. ألم تعودوا إلى جهابذة وجلة المُفسرين؟ جهابذة وجلة المُفسرين! وظاهر الآية – أيها الإخوة – ولُغتها، وهي العربية، الأفصح والأبين! تقول فَسَأَكْتُبُهَا *. أي سأُثبتها كما قلت في الخُطبة السابقة إثباتا خاصا. الآية تتحدث عن إثبات خاص. ولا تُقيد هذه الرحمة، وتبقى الرحمة واسعة لكل شيء؛ لأن هذا خبر – أيها الإخوة -، ولا يُمكن أن نُخصصه إلا بدليل يُلجئنا إلى ذلك، فيبقى على عمومه! وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ *، فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ *، وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا *.

ولذلك كان حقيقا بمَن يُريد أن يُحقق القول في المقام ولا يخرج عن الغرض، كان حقيقا أن يُغلغل النظر في المقصود من سعة هذه الرحمة. كثير من المُفسرين ذهبوا إلى أنها الرحمة الدنيوية! رحمة الله في الدنيا عمت البر والفاجر، المؤمن والكافر. وهذا القول لا أرتضيه ولا أستروح إليه البتة، وإن قال به كثيرون! لماذا؟ لأن رحمة الله في الآخرة كما تعلمون، والأحاديث الصحاح في ذلك واضحة جدا، لا تخفى على أحد! رحمة الله الأُخروية أكبر وأوسع بما لا يُقادر قدره، تسعة وتسعون جُزءا أُمسكت؛ ليُرحم بها الخلائق في الآخرة، أتقولون إن رحمته في الدنيا أوسع من رحمته في الآخرة؟ ما هذا؟ هذا لا يستروح إليه المرء.

إذن رحمة الله واسعة. لا أُريد الآن أن أُعدد؛ لأنه مَن وقف على أي كتاب من التفاسير المشهورة، سيقف على بضعة أقوال في تفسير هذه الرحمة الواسعة، وأمامي كلام طويل كثير، فأُريد أن أوجز وأن أختزل وأن أختصر في المقام، بما يخدم الغرض – إن شاء الله تبارك وتعالى -، ومن الله تُستمد المعونة والتوفيق والهداية والتسديد والتأييد. اللهم اجعلنا من أهلها جميعا يا رب العالمين، نحن وسائر المسلمين والمسلمات.

إخوتي وأخواتي/

الذي انشرح به صدري، بالجمع بين هذه الآيات، على الأقل التي تلوت قُبيل قليل، أن معنى كون رحمة الله واسعة، أن هذا نعتها ووصفها، بمعنى أنها لا تضيق عمَن أراد الدخول فيها. وسيثور سؤال من فوره؛ وهل ثمة مَن لا يُريد أن يدخل فيها؟ طبعا، كل مَن ألحد وعند وجحد وكفر واستكبر، بعدما جاءته البينات ولزمته الحُجة وقُطع عُذره، هو لا يُريد أن يدخل فيها. ماذا يفعل له الله تبارك وتعالى؟ ولذلك وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ *، لا إله إلا هو! فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ *. حتى من بعد تكذيبهم، إن عادوا عن تكذيبهم وتابوا وأنابوا وثابوا إلى المهيع المُستقيم، الرحمة لا تضيق عنهم. 

وفي هذا – أيها الإخوة -، في هذا المعنى، يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام وآله – كل أمتي – والحديث في الصحيح – يدخلون الجنة، إلا مَن أبى. هناك مَن يأبى! هناك مَن لا يُريد الجنة ولا يُريد أن يدخل في الرحمة ولا ينضوي تحت لوائها! ماذا نفعل له؟ في الدنيا ندعو له بالهداية، كما فعل النبيون المُبشرون المُنذرون، لا أكثر من هذا! ثم هو بعد ذلك وما اختار لنفسه، ثم هو بعد وما اختار لنفسه! قالوا يا رسول الله، ومَن يأبى؟ قال مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى. طبعا! قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ  *. هو هذا!

إذن هذا معنى كون الرحمة واسعة، أنها لا تضيق عن ذنب، وإن فحش! لا تضيق عن ذنب، وإن عظم! وفي هذا المعنى قال عز من قائل وجل ثناؤه دائما وأبدا قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ  *. بما فيها الشرك؟ طبعا بما فيها الشرك. وهذا سؤال عامي طبعا، لا يسأله طالب علم، لكن تسأله العامة! يقولون بما فيها الشرك؟ طبعا بما فيها الشرك، طبعا بما فيها الشرك! 

فما معنى قوله إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ *؟ مع الموافاة. لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ * مع الموافاة! ومعنى الموافاة أن يموت المُشرك أو الكافر على شركه وكفره. في الدار الآخرة لا يُغفر له شركه، لا يُغفر له كقاعدة عامة، كقاعدة عامة! وهذا لا ينفي أننا سنُفاجأ – أيها الإخوة – يوم القيامة بكفار كثيرين، بمُشركين كثيرين، بدوا لنا هكذا، وماتوا على شركهم وكفرهم، يدخلون الجنة، وسنعود إلى هذا، ونُدلل عليه من الكتاب والسُنة، ومن قواعد وأصول اعتقادات المسلمين – بفضل الله تبارك وتعالى -، وإن كره بعضهم، ورغم بعضهم، وورم أنف بعضهم! 

هذه الحقائق، ونحن سعيدون جدا بأن نُزها برحمة الله، وزهونا برحمته على قدر ما لا يُقادر من رحمته، لا ندري! وكما قلت نحن نُبالغ ما شاءت وما وسعتنا المُبالغة في احتمال رحمة الله لكل مُذنب – إن شاء الله تعالى -، ولا نُصادم قاطعا، حاشا لله! وإلا كفرنا. نحن نُريد أن نلتمس وأن نحتمل الرحمة لمَن لا يستحقها في ظاهر الأمر، وثمن ذلك أن نُهلك أنفسنا؟ إننا إذن لمن أحمق الحمقى، إننا إذن لمن أخسر الخُسار، من أخسر الخاسرين! نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الخذلان بعد التوفيق.

إذن نعود إلى ما كنا فيه، إخوتي وأخواتي؛ هذا هو الذي يلوح من معنى سعة رحمته! لا يتعاصى ذنب أن يُغفر، إن تاب العبد منه، حتى وإن كان الشرك والإلحاد والكفر، إن تاب منه، ولم يواف به! الشرك، أقصد الشرك والكفر – والعياذ بالله -، الشرك الأكبر طبعا، وليس الشرك الأصغر، واضح يا إخواني؟ هذا تقريبا الذي يستريح إليه المرء، وهذا ما تُعطيه الآيات، النظر في مجموع الآيات الكريمات! وهذا الذي يُساعد ويُسعد عليه وبه السياق، وذلكم أن الدعاء المتلو في المقام هو من دعاء الكليم – عليه وعلى نبينا وسائر أنبياء الله ورُسله وآل كلٍ الصلوات والتسليمات -، وقد…ماذا أقول؟ وقد شقيَ بقومه مرتين على التوالي؛ 

مرة إذ عاد إليهم من الطور، فوجدهم عكفوا على عبادة عجل، صنعوه بأيديهم! وكان ما كان. والمرة الثانية، وهي مُعتلقة بالأولى أصلا، امتداد له! حين اختار من قومه؛ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ *، منصوبة على نزع الخافض، ادْخُلُوا أَبْوَابَ *، أي من أبواب، منصوبة على نزع الخافض! وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا *. أعان الله كليم الله موسى، وصدق نبينا – عليه الصلاة وأفضل السلام وآله – حين قال لقد لقيَ – أي أخي موسى – أكثر من هذا، فصبر. شقيَ شقاء عظيما بقومه، موسى – عليه السلام -!

أي هذا بعد أن احتقبتم هذه الخطيئة العُظمى الفاحشة، ولا أفحش! عبادة العجل! حتى قال بعض العلماء لما – مُبالغة – تجف أقدامهم – أيها الإخوة – من ماء البحر، الذي جعله الله لهم طُرقا سربا! قيل اثنا عشر طريقا! كل سبط في طريق! الله أعلم بحقائق هذا الكلام، لبعض المُفسرين. على كل حال، ولو كان طريقا واحدا، كفى مُعجزة وخرقا للعادة. ثم عبدوا العجل الذهبي! الآن يصطفي منهم سبعين، من خيرتهم! هؤلاء هم خلصانهم، خيرتهم، أفضلهم! يذهب بهم وفدا، إلى الله تبارك وتعالى؛ لكي يستشفعوا لقومهم. يأتي هؤلاء السبعون بذنب فاحش آخر! لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً *. لا إله إلا الله! فهؤلاء أُميتوا، أماتهم الله تبارك وتعالى. فجعل نبي الله يبكي، يبكي! لا أقول أكثر من هذا، أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء *، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ *، بماذا أرجع إلى بني إسرائيل؟ ماذا أقول لهم؟ خياركم وأفاضلكم فعلوا ما فعلوا، وأماتهم الله، مسخوطا عليهم، وربما ملعونين، في غضب الله؟ 

جعل يبكي – عليه الصلاة وأفضل السلام -! لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي – لا يُوجد بها، تهدي فقط – مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا *، دعاء موسى هذا! هذا من جُملة دعاء موسى! وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ *. يستشفع لقومه ويستغفر ويسترحم، وفعلا بعثهم الله أحياء له، وتجاوز عنهم، وتقبل دعوته، و: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ *، فلا يتكاءدها ولا يعتاص عليها أن تغفر هذا الذنب! ذنب طلب ماذا؟ الرؤية قبلا! أرادوا الرؤية كفاحا، قبلا، مواجهة، عيانا – والعياذ بالله -. ما أضيق أعطانهم! ما أضيق أعطانهم! وما أبلدهم! وما أغلب الحسية عليهم!

هؤلاء القوم كانوا – سُبحان الله – حسيين! ولا تزال فيهم هذه النزعة الحسية العجيبة! لذلك كما قلت غير مرة كلما أراد الله تبارك وتعالى أن يُذكرهم وأن يمتن عليهم بما سبق منه المن، قال اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ *، يُذكّرهم بماذا؟ بالمن والسلوى. هو هذا! أما لهذه الأمة المُحمدية المُصطفوية الشفافة العالية المُتألهة، وأعني صُلحاءهم – جعلني الله وإياكم جميعا من صُلحاء هذه الأمة ومُباركيها -، فقال فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ *. لم يذكر لا منا ولا سلوى، بالعكس! وصح عن نبيه أنه كان أخشى ما يخشى على هذه الأمة أن تُفتح عليهم الدنيا، أن تُفتح عليهم مصادر المن والسلوى! ليس هذا ما يُمكن أن يُمتن به على الأمة، وإن كان فيه منة جزيلة وعظيمة، بلا شك! لكن فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ *. فرق كبير كما بين المشرق والمغرب، كما بين السماء والأرض!

فهذا من جُملة دعاء موسى! فأخبره الله، قال قَالَ عَذَابِي *. لمَن قال؟ لموسى. عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي *، يا موسى، يا كليمي، وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ *. بمعنى أنني أغفر هذا الذنب أيضا، كما غفرت الذي قبله! كما غفرت الذي قبله، لكن بشروط، مذكورة في البقرة؛ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ *، إلى آخره! حسن، ثم قال تبارك وتعالى فَسَأَكْتُبُهَا *. هذه الرحمة التي وسعت مثل هذا الذنب العظيم، سأُثبتها إثباتا خاصا، لأُناس من قومك. وأشار هنا إلى عيسى – عليه السلام -، بقوله وَالإِنجِيلِ *. وموسى كان يعلم أن أخا له سيتلوه في أثره، هو عيسى – عليه السلام -، ويعلم أن محمدا ستُختم به السلسلة النورانية الربانية العلوية النبوية الرسالية، كان يعلم هذا. قال له فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ *.

لماذا لم يقل يُقيمون الصلاة؟ والصلاة في الأصل ماذا؟ دعاء وابتهال. هم يُصلون، ولعلهم كانوا يُصلون كثيرا، يبتهلون ويضرعون في ماذا؟ في منن الدنيا وأعراضها. أما الذي كانوا يتجافون عنه ويتحايدونه، فهو ماذا؟ إنفاق المال. وحُبهم للمال معلوم، حُبهم للمال معلوم! هذا ما أفاده بعض حذاق المُفسرين، قالوا ولذلك خص إيتاء الزكاة هنا، دون إقام الصلاة. انظر إلى القرآن! القرآن دقيق جدا! الكلام عن مَن؟ عن بني إسرائيل. ليس عن كل البشر، ليس عن المسلمين! عن بني إسرائيل، عن قوم موسى. وفي آخر السياق الكريم وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ *، ليسوا كلهم لفقا واحدا، خامة واحدة! منهم أُناس طيبون، مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ  – في المائدة – وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ *، لَيْسُوا سَوَاءً ۗ  *، القرآن دائما هكذا! وهذا من عدل القرآن، الذي تفتقر إليه الأمة اليوم! لا عدل لدينا، لا في الحُكم على يهودي، ولا مسيحي، ولا على مسلم، والله! ولا على مسلم، والله! 

وأنا إذ أتحدث عن رحمة الله، وما عسى أن يُغفر من الذنوب، في البال كلام كثير جدا، يصيب المرء المُحب حقا لأمته بالكُباد والمُرار، عن تورط فرق هذه الأمة وطوائفها عبر العصور، في تكفير بعضهم بعضا. وسأذكر هذا ربما في مرحلة لاحقة – إن شاء الله تبارك وتعالى – يذكرون هذا، ويتبجحون به، الكبار والصغار! وطبعا هذا سيفتح كوة، سيفتح نافذة، لقائل؛ لكي يقول إذا كان حال هذه الأمة مع كتابها ومع نصها الإلهي المحفوظ الخاتم على هذا النحو، بحيث لم يتورع، أو لم يُطق بعضهم التورع، عن تكفير بعضهم، فكيف حالهم مع غيرهم؟

قبل أيام يسيرة أقرأ لأحد…ماذا أقول؟ الكاتبين. يكتب الآتي! الكلام الذي تكلم فيه صحيح في الجُملة، لكن ما مثل به قف له شعر بدني! قال الله تبارك وتعالى أخذ الميثاق في عالم الذر على عباده. وسيأتي حديث الميثاق بُعيد قليل – إن شاء الله، إن وفى الوقت به، إن وفى الوقت به ولم يضق عنه -. قال الله تبارك وتعالى الواضح من النصوص أنه أخذ الميثاق عليهم بالتوحيد. بتوحيده، بعبادته وتوحيده، وعدم الإشراك به. أما التفاصيل، فالظاهر أنه لم يأخذ عليهم فيها الميثاق. فالميثاق جُملة، جُملة واحدة، انتهى! وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ *، الميثاق جُملة واحدة، أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ *. مَن الرب الواحد الأوحد؟ أنت يا رب. انتهى! أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ * استفهام تقريري، جوابه بلى. لو قالوا نعم، لكفروا. 

ثم ذهب هذا الكاتب – عفا الله عني وعنه وعن أمثالنا – يُمثل، فيقول مثلا السُبكي! مَن هو السُبكي؟ شيخ الإسلام، مُجتهد الشافعية، ذكرته في الخُطبة السابقة، وقيل مُجتهد الدنيا في وقته! أبو الحسن علي بن عبد الكافي السُبكي – رضوان الله عليه -، الذي ورد في بعض ترجماته – علم الله قرأتها من أكثر من أربعين سنة، وإلى الآن أذكرها، لا أزال أذكرها – أنه رجل كان يتكلم في أكثر من عشرين علما، العلماء لا يعرفون أسماءها. حتى الأسماء لا يعرفونها! رجل من بواقع الدهر، بحر من بحور العلم – رضوان الله عليه -، هذا السُبكي!

يقول السُبكي، والبكري – الذي رد عليه ابن تيمية، رحمة الله على الجميع، وعفا الله عن الجميع -، والسيوطي، هؤلاء وقعوا في شرك؛ شرك الاستغاثة! حين جوزوا الاستغاثة برسول الله. وهذا شرك، لا ريب! هو يقطع، ما شاء الله! لكن لاحظوا المُلاحظة التي سجلتها وعلقتها صدر الخُطبة، مُلاحظة خطيرة جدا! تجد عوام المسلمين أميل إلى الليان، إلى المُسامحة، إلى الرحمة، ويسعدون بهذا، يُحبون أن تكون رحمة الله أفسح مما ظنوا وتوهموا، وتجد العلماء خصوصا يغيظهم هذا، ويُحنقهم، ويُغضبهم، ويقومون يرمون أمثالي عن قوس واحدة، وكأنه جاء شيئا إدا! كأنه مرق مروق السهم من رمية الدين! شيء عجيب يا أخي! لماذا؟ لأن هذا العلم الذي يتدارسونه ويتحفظونه في جامعاتهم اليوم وكليات الشريعة! ولا أُحب أن أتكلم بأكثر من هذا، فهناك شيء عجيب!

اتصل بي أحد أهل العلم، من فُضلاء العلماء الذين أعرفهم، قال لي يا شيخ، الجُمعة السابقة حدث معي ما لا يُحمد لخطيب! اعتلوت المنبر، أخطب في الناس. وانظروا الحماقة كيف تغلب على البشر! يا رجل، لو كنت عالما، اخرج أنت، اخطب إذن. شيء عجيب في هذه الأمة الآن! شيء عجيب وغير مسبوق على فكرة! هذه الحالة بالذات التي نحن فيها هذه الأيام، في آخر سبعين، ثمانين سنة، غير مسبوقة، وطبعا أنا أعلم وتعلمون أسبابها. قبل ثمانين، تسعين سنة، والله، ما كان يجرؤ كل مَن هب ودب أن يعتلي منبرا، يخطب في دين الله، مُستحيل! 

هذه الحالة لم تكن موجودة. ولربما كان عالما كبيرا، لا يُشق له غُبار، ولا يُطار له في مطار، لكن في تخصصه، وليس من أهل العلم الديني، ربما كان عالما لُغويا كبيرا! عالما في النحو والصرف، عالما في البلاغة بفنونها المُختلفة، لكنه ليس عالما بأصول الدين وفروعه، لا أقول يجفل، يمتنع امتناعا مؤكدا، عن أن يعتلي منبر رسول الله، ويتكلم في الدين، مُستحيل! ثم حدث من نحو ثمانين سنة، أن صار الغلمان والعيال، يعتلون المنابر، يتكلمون، أول ما يذبحون، العربية بعلومها! لا نحو ولا صرف ولا إعراب! وإذا ذُبحت العربية، فلا تسل عن الدين ما مصيره! لا يُوجد دين ولا يُوجد علم! يُوجد مثل هاته الحالة من الفوضى المُزرية، التي نعيشها اليوم، شيء لا يكاد يُصدق!

قال لي يا شيخ، وخطبت، وتكلمت على نحو قريب مما تكلمت أنت في خُطبتك. ورجل عالم، مُحقق الرجل، مُدقق، تعبان على نفسه! قال فإذا بالعامة تتصايح! ومَن يسب، ومَن يشتم، ومَن يستنزلني من على المنبر! وكانت فتنة كبيرة – قال –  وقى الله شرها تبارك وتعالى بلُطفه. قلت ما هذا؟ ما شاء الله، ما شاء الله، ما شاء الله على الأدب، الذي تتلقاه العامة. عامي ويُريد أن يُقوّم عالما! يا رجل، ما مثلك أنت في كتاب الله؟ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ  *، هذا في مَن؟ في مَن كانوا يحملون كُتب العلم، ولا يفقهون ما فيها. كيف بمَن لم يحمل كتاب علم أصلا؟ لا شأن له بالعلم! ثم يأتي يصرخ على عالم، ويصيح بعالم، ويستنزل عالما من على المنبر! ما شاء الله؛ لأن غيرته على الدين أكثر من العالم! لأن فهمه في الدين أعمق من العالم! من أين لك هذا أيها المغرور؟ من أين لك هذا أيها الحمق؟ هذا حُمق، هذا غرور عجيب جدا يا إخواني! ماذا أقول؟ هذا يحتاج إلى كلام طويل، ومُعالجة هذه النُقطة والله إن لم تتم على النحو المرضي المأمول المطلوب، ليتسعن الخرق على الراتق والراقع يا إخواني. صعب جدا، الأمر صعب جدا.

يقول لك السُبكي والبكري والسيوطي أجازوا الشرك، لكن طبعا هؤلاء مُتأولون. هؤلاء لم يكونوا مُتعمدين، لكن لم يعلموا. لم يعلموا؟ ما شاء الله! وأنت الآن يا أستاذ، يا كاتب، في القرن الخامس عشر الهجري، عندك ما تُعلّم السُبكي وعندك ما تُعلّم الحافظ السيوطي؟ ما هذا؟ والله أتكلم، أُقسم بالله وشعر بدني واقف كله. ما هذه الحالة؟ اللهم غوثك، اللهم غوثك، غوثك لهذه الأمة المسكينة. 

ثم يقول لك من أين تأتينا هذه الزوابع والزعازع والعواصف الملعونة، من التطرف والقتل والتكفير والكراهية – أيها الإخوة – والتمزق في الأمة والتشرذم؟ لذلك أنا دائما – أيها الإخوة – قولي ثقيل على معاشر العلماء وطلاب العلم، ولا يُرضيهم هذا ولا يُعجبهم، لكن لا بُد أن أقول هذا، ولا بُد أن أقول مثله، اتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في أمة محمد، واصدقوا! اصدقوا، كفاكم كذبا مع أنفسكم، وكفاكم كذبا مع الحقيقة. تعرفون لماذا أقول هذا؟ لأن الذي يأتي ويظهر له وجه على الأقل من أوجه الحق، ثم يأبى إلا أن يُكابر، ويدّعي أن هذا الوجه ليس من أوجه الحق، وأن الكلام غير صحيح، أقول له يا رجل، أنت تكذب، ليس على مَن تُريد أن تُزري به أو تتنقصه، أنت تكذب على القرآن، تكذب على الحقيقة الدينية، وهذا خطير جدا جدا! كيف سيكون حالك بين يدي الله تبارك وتعالى؟ 

يقول لك ليست كذلك أبدا، الرحمة هذه مُقيدة. ليست مُقيدة! الكتب هنا كتب خاص، لا تناف بين سعة الرحمة وبين كتب الرحمة بطريقة خاصة لأُناس منعوتين في الآيات، ما علاقة هذا بهذا؟ ثم هؤلاء المنعوتون في الآيات من بني إسرائيل. يقول لك لا، من بني إسرائيل؟ الله قال الَّذِينَ *. ما هذا؟ هذا الذي أحزنني، وملأ جوانح نفسي وجنبات نفسي أسى ومرارة. قال لك الله قال الَّذِينَ *، والذين اسم موصول، من ألفاظ العموم. ما شاء الله على العلم! ما شاء الله على العلم! يا أخي ما هذا؟ طبعا الآن اعذروني، ربما الذين لا دراية لهم لا بالنحو ولا بعلم أصول الفقه، ربما يعتاص عليهم فهم هذا الكلام، لكن سأُبسطه دون أن أُصدعكم بمباحث أصولية أو حتى لُغوية.

حين تسمع قوله تبارك وتعالى الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ *، بالله عليك تظن أن الَّذِينَ * هذه تعم كل المسلمين، أم الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ *؟ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ *، الَّذِينَ * المقول لهم كل الدنيا؟ لا طبعا. نفر مُعينون مخصوصون من المسلمين، وهم المقول لهم، بدليل؛ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ *، الله نعتهم بالناس، إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ *. لدينا الآن ثلاث فرق من الناس؛ المقول لهم، والقائلون، فرقة القائلين! وفرقة مُخبر عنها بالجمع، أنها تجمع! كيف إذن هذا؟ ولذلك من مبادئ علم أصول الفقه، من مبادئها! المبادئ هذه كما قلت لكم! الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ *، من المعلوم أن هذا من مبادئ علم أصول الفقه يا إخواني، بالعكس! حين كنا في الابتدائية، درسنا أن الأسماء الموصولة معناها غير تام، معناها غير كامل. حين تسمع الذي، تقول لي الذي ماذا؟ الذي مَن؟ لا تفهم. التي! لا تفهم. اللذان! اللتان! الذين! اللائي! اللاتي! لا تفهم، لا تفهم شيئا. الأسماء الموصولة لا يكمل معناها، إلا بجُملة؛ اسمية أو فعلية، بغض النظر! بجُملة تتبعها، تُدعى ماذا؟ صلة الموصول. ولا بُد أن تحتوي على ضمير، يعود على ماذا؟ الموصول. درسناه في الابتدائية، في الابتدائية! واضح؟ 

في علم أصول الفقه الأسماء الموصولة، ومثل أيضا أسماء الاستفهام، ومثل أسماء الشرط، الأسماء الموصولة تعم المنعوت والموصوف بصلتها، مبادئ الأصول! الأسماء الموصولة، كأسماء الاستفهام، كأسماء الشرط، الموصولة لا تعم إلا مَن وُصف أو ما وُصف بصلتها، ما نُعت بصلتها. أما أسماء الاستفهام، وأسماء الشرط، فلا تعم بذاتها، إنما تعم – أيها الإخوة – ما وُصف وما نُعت بخبرها، بجوابها! 

هذا من مبادئ اللُغة، ومن مبادئ علم أصول الفقه. تأتي ترد وتُريد أن تُحرّف معنى الآية، وتقول لا، الآية عامة؛ لأن عدنان إبراهيم المسكين قال إنها في بني إسرائيل. القرآن قال هذا، واللُغة تقول هذا، وعلم أصول الفقه، يا رجل. شيء لا يكاد يُصدق! يقول لك الذين من ألفاظ العموم. لا إله إلا الله! أين أنت من صلة الموصول؟ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ *، يَجِدُونَهُ * هم، مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ *، هؤلاء مسلمون؟ هؤلاء البشرية كلها؟ هؤلاء أُناس من بني إسرائيل، قبيل من بني إسرائيل. أين يُذهب بنا؟

ثم أيضا قيل الآتي تعقيبا على قوله تبارك وتعالى أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *! السياق الكريم يتحدث عن هذه الفئة من بني إسرائيل، المُبشرة بأن الله سيكتب لها الرحمة كتبا خاصا. سيسأل أحدكم – وهذا من باب العلم – ما هو هذا الكتب الخاص؟ كيف؟ الله تبارك وتعالى أعلم، أن هذا الكتب الخاص، خلافا لمعناه المُقرر عند السادة المُفسرين، أنه كتب ثابت، لا يُغير بإذن الله، كأن الله يقول لهم حق لهم أن أرحمهم. هذا المعنى! حق لهم أن أرحمهم. أي حق لهم، لا أُريد أن أقول حق عليه، مع أنه وارد في الأحاديث أيضا؛ حق الله على العباد، وحق العباد على الله. لكن حق لهم أن أرحمهم، حق لهم أن أرحمهم وأن…وأن…وأن…! لكن كيف؟ ما المظهر؟ قد يُفسر هذا بأنهم يؤتون أجرهم مرتين. هو هذا الكتب الخاص! الكتب الخاص أنهم يؤتون أجرهم مرتين. قال تعالى في القصص أُوْلَٰٓئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ *. 

وفي الحديث الصحيح، وهو حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين وغيرهما عند أهل السُنن، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين. وذكر منهم رجلا آمن بنبيه، ثم آمن بي. وفي رواية أُخرى في الصحيح رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، ثم آمن بي. عيّنه، أنه من أهل الكتاب بالذات! لأن الذين لهم كتاب على جهة الوضوح والقطع، هم اليهود والنصارى. المجوس لهم؟ مُختلف فيه. الذين اختُلف في كتابيتهم؛ هل لهم كتاب، أو ليس لهم كتاب؟ يُقال لهم شُبهة كتاب. فالمجوس لهم شُبهة كتاب، اليهود والنصارى لهم كتاب بنص كتاب الله تبارك وتعالى.

المُهم، قال قالوا وهذه الآية فيها قصر. نعم، طبعا فيها قصر، لكن لم يُخبرنا هل هذا القصر حقيقي أم إضافي؟ مُهم جدا جدا، إذا أردت أن تتحدث عن القصر. والقصر له طبعا أساليب كثيرة، وأشيعها أربعة، لكن هنا مثلا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *، تم القصر بسبيلين: سبيل تعريف طرفي الجُملة الاسمية: أُوْلَئِكَ *، الْمُفْلِحُونَ *، واضح! وبتوسيط ضمير الفصل؛ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *، وهذا أبلغ! وهذا أبلغ في القصر والتخصيص أو الاختصاص، أبلغ فيه! لكن القصر قد يكون إضافيا، وهو الظاهر. هذا قصر إضافي؛ لأن السياق يُعين عليه. كيف قصر إضافي؟ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * بالقياس إلى الذين يكفرون بمحمد من أهل الكتاب. قصر إضافي! يُمكن أن يكون قصرا حقيقيا، هذا من علوم البلاغة، ولكن قصرا حقيقيا، ليس تحقيقيا، قصرا حقيقيا ادعائيا! أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * بمعنى ماذا؟ الفلاح الحقيق أن يُعد فلاحا. وكأن سائر ضروب الفلاح سواه كلا فلاح، كلا فلاح! كأنها ليست فلاحا! فأصبح قصرا ماذا؟ ادعائيا. حقيقيا صحيح، أصبح قصرا حقيقيا، لكنه قصر ماذا؟ حقيقي، ليس تحقيقيا، إنما قصر حقيقي ادعائي.

لا بُد أن يُفهم القرآن بلُغة العرب، بقوانين العرب. وهذا المطلوب من أي عالم يشدو من العلم حروفا، فضلا عمَن يتصدر لتدريس الناس وتخريج أفواج الطلاب في الجامعات، والله المُستعان. على كل حال، لا نُريد أن نُطوّل بأكثر من هذا. إن خرجنا بفائدة أن رحمة الله الواسعة هنا، معناها كما قلت لكم أنها التي لا تضيق عن ذنب، وإن فحش، وإن عظم، كما تدل آيات الكتاب، وكما يدل السياق الكريم، فهذه فائدة – إن شاء الله – تُعتقد – بإذن الله تعالى -، فائدة تُشد عليها الخناصر – بإذن الله تبارك وتعالى -. ومن اللطيف أني وجدت الإمام الأخفش الأوسط؛ أبا الحسن سعيد بن مسعدة – رحمة الله عليه -، قال الآتي! صاحب معاني القرآن، وهو مطبوع، من تلاميذ، بل من قرناء وليس من تلاميذ، من قرناء سيبويه. أبو الحسن الأخفش – سُبحان الله – فسر الآية على هذا النحو! قال واسعة لمَن دخل فيها. كل مَن يُريد أن يدخل، لا تضيق عنه. وهذا الصحيح، هذا ذوق العربية. 

والعجيب – أيها الإخوة – أن السيد المسيح – عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء والمُرسلين وآل كل وأصحابه الصلوات والتسليمات – ضرب مثلا قريبا جدا، يؤشر إلى معنى قريب جدا من هذا المعنى! وهذا المثل مضروب في موضعين من لوقا. إنجيل لوقا بالذات معني بالمواعظ وترقيق القلوب والأمثال الرمزية، من بين الأناجيل الأربعة، أي هو أعرقها في هذا المعنى. على كل حال، في إنجيل لوقا باختصار، لا أُريد أن أُطوّل، المسيح – عليه السلام – يضرب لهم هذا المثل المرموز، بأن سيدا مُتمولا غنيا، بعث غلمانه إلى أُناس من علية القوم، من وجهاء القوم؛ لكي يحضروا مأدبة عُرس عنده، مأدبة كبيرة فارهة غنية كريمة! فأحدهم اعتذر بخمسة فدادين اشتراها في ذلك اليوم، يُريد أن يُعالجها. الآخر اعتذر بحقله، الذي يُريد أن يزدرع فيه. الثالث اعتذر بزواجه، أنه تزوج، ويُريد أن ينفرد بزوجه. وهكذا! 

فغضب صاحب المأدبة، وقال لغلمانه عودوا، فائتوني بالفقراء والعُمي والعُرجان والمُشوهين، وليدخلوا هذه الوليمة. فجاءوا، وقال لا يأكل من هذه الوليمة أولئك المدعوون. يُريد مَن؟ المدعويين أولا. إذن هذا المعنى! وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ *، وَٱللَّهُ يَدْعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ *. فمن الناس مَن يأبى، لا يُريد أن يدخل دار السلام، فهذا الرحمة واسعة له أو غير واسعة؟ واسعة، لكنه أبى ماذا؟ من دخولها! وهذا الأفصح! يُمكن أن تقول عن أو كذا، ويُمكن بغير حرف الجر. أبى دخولها، أو أبى من دخولها، كلاهما فصيح! أبى دخولها. 

هو أبى أن يدخل تحت هذه الرحمة، أبى أن يدخل دار السلام، أو في دار السلام، انتهى! كما نقول بالعامية ذنبه على جنبه، هو ما اختار، هو وما أراد لنفسه! فالأنبياء – سُبحان الله – فعلا إخوة لعلات! ويقبسون – أيها الإخوة – من مصدر واحد، لا إله إلا الله! من مشكاة واحدة. النبي يقول كل أمتي يدخلون الجنة إلا مَن أبى. المسيح يضرب مثلا لمَن يأبى ولا يُريد. انتهى، أنت وما اخترت! ولن تُصيب من هذا الطعام الطيب. لن تُصيب من نعمة الله، من رحمة الله، لا لأنها ضاقت عنك، بل لأنك استكبرت عن الدخول، أو استغنيت. الله يُعبر أيضا في آيات كثيرة بماذا؟ بالاستغناء! استغنوا، لا يُريدون! إذا استغنيتم عن رحمة الله وعن عطاء الله وعن هداية الله، فالله هو الأغنى، لا إله إلا هو! وهو الغني الحميد والعزيز، لا إله إلا هو! آمن العباد، أم كفر العباد.

إخوتي وأخواتي/

في هذا المقام أيضا يجتلب العلماء ويستشهدون بآية عظيمة، ضمن المُحاورة الجليلة المُخيفة، بين رب العزة – لا إله إلا هو – وبين روحه وكلمته عيسى – عليه الصلاة وأفضل السلام -؛ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ *…الآيات! إلى أن يقول روح الله عيسى إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ *…ماذا؟ انتبهوا، لم يقل الغفور الرحيم! الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *! إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *. الكلام طويل الذيل أو الذيول في هذه الآية، لكن أُريد أيضا أن أنتهي معكم وأخلص معكم إلى الخُلاصة – بإذن الله تعالى -.

أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية أن عيسى – عليه الصلاة وأفضل السلام – لم يُرد أن يشفع لقومه، عرّض بالشفاعة! لكن هناك رهبة المقام، المقام بين يدي الله! الله يتحدث عن أعظم حق في الوجود جرى انتهاكه، وهو حق أن يُعبد وحده، لا إله إلا هو! ولا يُشرك معه ولا به أحد، لكنهم فعلوا للأسف الشديد، وعبدوا يسوع أو عيسى – عليه السلام – وأمه، منهم! شيء مُخيف ومُرعب، ومقام مُخيف. في هذا المقام بالذات الله يسأل الرُسل مَاذَا أُجِبْتُمْ *؟ 

وبديه، أنا وأنت، فضلا عن الرسول نفسه، نعلم بماذا أُجيب كل رسول. سنقول لرب العالمين يا ربي نوح لم يُجبه إلى دار السلام إلى قليل، وسائر قومه استعصوا عليه وعندوا وكفروا، وأنت أعلم. نعلم هذا! عيسى نعلم بماذا أُجيب، محمد نعلم بماذا أُجيب. ولذلك نحن شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ *، لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ *. فُسرت في حديث الإمام أحمد بهذا المعنى! أننا يوم القيامة نُصدّق الأنبياء، نقول نعم يا ربي، نوح أُجيب بكذا، إبراهيم أُجيب بكذا، فلان أُجيب بكذا. وهكذا! فنكون شُهَدَاءَ *، هذا معنى الشهادة، وليس المعنى الإسلامي الحركي، الذي سوغوه لنا عبر سبعين سنة! الأستذة على البشرية، وقيادة البشرية والركب البشري! الكلام الإنشائي العجيب هذا! لا، هذه هي الشهادة الواردة في الأحاديث عن رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وكان ينبغي أن تُعطى هذه المعاني للناس.

على كل حال، إذن مَاذَا أُجِبْتُمْ *؟ ماذا يقولون؟ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ *. قال السادة المُفسرون رهبة المقام، وجلال وعظم السائل – لا إله إلا هو -، عقدت لسانهم عن الكلام. كأنهم أُنسوا! لا نعرف ما الذي حصل، أنت أعلم، أنت أعلم يا رب، أنت أعلم. فإن لم يكونوا أُنسوا، وهذا بعيد، فإنما هو ماذا؟ الهيبة، ألزمتهم ماذا؟ الإيجاز. العلم عندك، أنت تعلم! لكنهم قالوا ماذا؟ لاَ عِلْمَ لَنَا *. فتقول كيف نفوا العلم؟ نعم، قد لا يكون نسيانا، وإنما لاَ عِلْمَ لَنَا * بالحقائق كلها، بحقائق كل مَن عند ومَن جحد ومَن أبى. لا ندري يا رب! 

لأن الكفر – أيها الإخوة – وإن انقسم في المشهور إلى أربعة أقسام، إلا أن أسبابه كثيرة، وبعضهم يخلط بين ماهيات الكفر الأربعة، وبين ماذا؟ أسبابها وبواعثها. أسبابها كثيرة! ما الذي يُمكن أن يقوم منها عُذرا عند الله وما الذي لا يقوم، لا يعلمه إلا الله. على كل حال، قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ *. مقام مُخيف! فبعيد في مثل هذا المقام أن يتطلع المسيح – عليه السلام – إلى ماذا؟ إلى الشفاعة، لقوم أشركوا مع الله أحدا، وهو المسيح نفسه وأمه! وخاصة أنه هو المُقام عليه الدعوى – إن جاز التعبير -! أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ *، شيء مُخيف مُرعب. سُبْحَانَكَ *، مقامك أنزه وأقدس من أن يحصل هذا من نبي أرسلته. 

يقول عيسى بعد ذلك إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ *. آية عجيبة هذه الآية! هذه الآية كما قال الحافظ ابن كثير – رحمة الله عليه – لها شأن ونبأ عجيب! الآتي في سُنن الإمام أحمد، ورواه النسائي، ومروي أيضا بأنحاء مُختلفة! عند أحمد، وعند النسائي، عن أبي ذر – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، أن النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام وآله – قام ليلة بطولها، ما بين سواديها، بآية! يركع بها، ويسجد. أي قائم بها، ويركع بها، ويسجد أيضا! إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *. فلما أصبح – عليه الصلاة وأفضل السلام – قال أبو ذر – رضوان الله عليه – يا رسول الله، رأيتك قمت الليل بآية. آية واحدة، ليس سياقا كاملا، آية واحدة! أي تُرددها، تُكررها. 

قال نعم، سألت ربي الشفاعة لأمتي، وهي نائلة منهم مَن لم يُشرك بالله. إن شاء الله، هذه لكل مَن مات على التوحيد، بعون الله تبارك وتعالى! وهذه بُشرى عظيمة، من أعظم البُشريات لهذه الأمة المرحومة! كل مَن مات منا على التوحيد! اللهم أحينا على سُنته، وأمتنا على ملته، ولا تردنا على أعقابنا مُنكرين أو جاحدين أو كافرين أو ناكصين، اللهم آمين، نعوذ بالله من الحور بعد الكور. وهي نائلة – أي مُصيبة – منهم كل مَن مات ولم يُشرك بالله. اللهم اجعلنا منهم. 

ولذلك أيضا في الخبر الآخر، وهو في الصحيح – الخبر الآخر في الصحيح -، عند مُسلم، أنه – عليه الصلاة وأفضل السلام – تلا قول الله تبارك وتعالى – على لسان مَن؟ على لسان إبراهيم، حكاية لقول إبراهيم – رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *. إبراهيم يقول وَمَنْ عَصَانِي * في دعوتي إليك وإلى دينك وتوحيدك وشرعك وملتك، فأنت غَفُورٌ رَّحِيمٌ *، فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *. وقول الله – حكاية عن قول عيسى – إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *. ثم رفع يديه وجعل يبكي – عليه الصلاة وأفضل السلام -، يقول أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي. ما أعظم هذا النبي! ما أعظم حنوه! ما أوفر شفقته وعطفه وحُبه الصادق بنا وعلينا! لا إله إلا الله، نحن مساكين، غفر الله لنا تقصيرنا. 

فأمر الله تبارك وتعالى جبريل بأن يهبط إليه، قال يا جبريل، انزل إلى محمد، سله ما به؟ وهو أعلم. فجاء، فأخبره النبي. فعاد، فقال له يا جبريل، انزل إلى محمد، وأخبره أننا سنُرضيك في أمتك ولا نسوءك. لا إله إلا الله! وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى *. والحديث صحيح، لكن انظروا؛ النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – كأنه استشفع بالآيتين؛ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *، فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *، إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *.

أٌريد أن أختم فقط بهذه الآية، ثم نمضي إلى صلاتنا – إن شاء الله تعالى -؛ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ *، فيها معان عجيبة جدا! إشارات من ألطف ما يكون! كيف؟ يقول عِبَادُكَ *، وأنت ربهم، وأنت خالقهم، وأنت سيدهم، وأنت أرحم بهم من أنفسهم. فكأنه يقول إِن تُعَذِّبْهُمْ * يا ربي، وأنت ربهم، وهم عِبَادُكَ *، فلأمر مُفظع عظيم! استحقوا عليه ماذا؟ عذابك. فليس من اللائق، وليس من المقبول، أن يشفع أحد، في ماذا؟ فيهم. أو يتكلم في الشفاعة! لماذا؟ لأن أرحم الراحمين بهم، أرحم بهم من أنفسهم، قضى بتعذيبهم، على أنهم عباده، على أنهم المربوبون له، الكائنون في قبضته، لا إله إلا هو! إذن هو أمر عظيم مُفظع، الذي أوجب ماذا؟ عذابهم. لا كلام! إذن هذا مقام شفاعة أم مقام تفويض؟ تفويض. هو لا يعلم، الله أعلم – لا إله إلا هو – بمَن يستحق العذاب، وبمَن هو حقيق بماذا؟ بالمغفرة والتجاوز.

ثم قال وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *. عزة الإلهية وحكمة الربوبية، هي التي تكون قضت بالمغفرة، لمَن نالته مغفرتك! على أن البادي الظاهر من أمرهم، أنهم ماذا؟ أحقاء بالعذاب! لأنهم كانوا كفارا، لأنهم كانوا مُشركين! لكن أنت قضيت بماذا؟ بأن تغفر لهم. لا إله إلا الله! كيف جرت المغفرة لمُشرك؟ كيف جرت المغفرة لكافر؟ هنا المقام مقام ماذا؟ مقام تصرف عزة الإلهية وحكمة الربوبية. إلى الآن عيسى موقفه موقف شافع أم موقف مُفوض؟ مُفوض! لكن أليس في هذا التفويض، ألا يُشتم من وراء هذا التفويض، رائحة شفاعة؟ بلى، تُشتم. لذلك النبي، وهو أعلم منا وأذوق للقرآن ومعانيه وأغواره، كأنه استشفع بالآية! ويرفع يديه ويبكي، يقول أمتي أمتي. واضح يا إخواني؟ هذا فهم عجيب وغريب!

أُريد – أيها الإخوة – فقط أن أُعرج على قول قاله بعض المُفسرين، واستحسنه كثير من المُتأخرين! قالوا إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ *؛ إن تُعذب مَن يستحق العذاب منهم، وهم المُشركون، مَن أشركوا بك! فهؤلاء يستحقون. أي عيّن، عيّن ماذا؟ مَن هم أحقاء بالعذاب. وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *؛ إن تغفر لمَن تاب ووافى بتوبة على التوحيد. وهذا ليس بحسن، هذا ليس بحسن! لماذا؟ لأن التعبير في هذا المقام الجليل المهيب العظيم، جرى بماذا؟ بضمير الجنس؛ تُعَذِّبْهُمْ *، تَغْفِرْ لَهُمْ *. بضمير الجنس! وضمير الجنس يصدق ولو ببعض أفراده، يصدق ولو ببعض أفراده يا إخواني! 

إذن ما معنى هذا؟ نعم، لكن ضمير الجنس الصادق ببعض أفراده أتى هنا في مقام ماذا؟ في مقام تفويض. فليس من الأدب مع الله تبارك وتعالى التعيين، أن تقول إن عُذب أحد منهم، فهو مَن أشرك. وإن غُفر لأحد منهم، فهو مَن تاب من الشرك. هذا تعيين، هذا تعيين يُجافي ماذا؟ الأذب في مقام التفويض. وخاصة أنه كما قلت لكم عُبّر عن ذلك بماذا؟ بضمير الجنس، الذي يصدق ببعض أفراده. ولذلك إِن تُعَذِّبْهُمْ *؛ أي تُعذب مَن أشرك، أو بعضهم، ليس الكل طبعا، وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ *؛ ليس تغفر للكل، لمَن تقضي حكمتك بالمغفرة، واضح؟ لكن أن تُعين مَن هو الذي يُمكن أن تقضي الحكمة بالمغفرة له، وهو الذي تاب وأناب، ومَن يقضي العدل بتعذيبه، وهو مَن وافى بالشرك، فهذا مُناف لمقام الأدب أو للأدب في مقام التفويض. هذا فهم بالغ الحُسن والعُمق والدقة في التعاطي مع هذه الآية الجليلة.

نسأل الله تبارك وتعالى بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا أن يُعلمنا وأن يفتح علينا فتوح العارفين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وفقها ورشدا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، فيا فوز المُستغفرين!

 

الحمد لله، الحمد لله الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ *. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلم تسليما كثيرا.

إخوتي وأخواتي/

قد يقع بعضكم حين يُراجع هذه المسألة على قول لبعض المُفسرين، وهذا بحد ذاته دليل على أنه ليس كل مُفسر وليس كل مَن كتب أو اجتهد، يُصيب دائما في كل مرة. يقع الخطأ من العلماء الكبار والصغار، الكبار والصغار! وعلى ناشد الحق والحقيقة أن يتخير لنفسه. نسأل الله أن يُلهمنا ما يرضاه عنا ومنا. 

بعضهم يقول عيسى هنا شفع. لم يقل فوض. عيسى شفع، وربما لأنه لم يكن في شرعه أن الله لا يغفر الشرك. وهذا شيء غريب جدا أن يقوله أحد! وقاله غير مفسر، هذا قاله أكثر من مُفسر! ربما ليس هذا في شرعه! وقالوا هذا في حق الخليل إبراهيم أيضا! لعل إبراهيم لم يكن هذا في شرعه، وإن كان في شرع مَن سبق! مع أنه ماذا؟ أبو الحُنفاء! حَنِيفًا مُّسْلِمًا *. فربما لم يعلمه! قالوا ولا يجب في حق النبي أن يعلم كل الأدلة السمعية في وقت واحد، بل يتدرج! كلام عجيب وضعيف مُتهافت مُتدارك، بلُغة القرآن الكريم؛ بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ *، كلام مُدارك هذا! لماذا يا إخواني؟ لماذا؟ 

في حق عيسى – عليه السلام – الأمر واضح جدا جدا. عيسى نفسه هو الذي حكى الله عز وجل في المائدة عنه أنه قال إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ *. بالله عليكم أيقول بعد هذه الآية، وهي نص في الموضوع، مُفسر هذا؟ لكنهم قالوا! إنه قد يكون في شرع عيسى أن الشرك ربما كان مغفورا! من أين؟ من أين لكم هذا؟ هذا دين، أصل الدين من لدن آدم إلى محمد أن: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ  *، اعْبُدُوا اللَّهَ *، لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، هذا هو الدين أصلا، بغير هذا لا دين. إذن من أيام آدم، من لدن آدم، لا يوجد مساغ للشرك، والشرك لا يُغفر. هذه حقيقة الحقائق، بعد حقيقة وجود الله، لا إله إلا هو! 

حقيقة الحقائق أنه إله واحد أحد، لا يقبل أَن يُشْرَكَ بِهِ *، مِمَن وافاه بالشرك (ولا يُوجد أي عذر له)، نقول هذا بين قوسين؛ لأن هذا موضوع ثان طبعا، لا نُريد أن نكون كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا *، لكن هذا هو نفس الموضوع. بعض الناس قد تكون لهم أعذار، الله يفصل فيها، لسنا نحن. نحن لا نقطع لأحد، ولا لأنفسنا، لا بجنة، فضلا عن أن نقطع للآخرين بالنار، واضح؟ إلا مَن جاء به الوحي المعصوم، فنقف عند الوحي – إن شاء الله تبارك وتعالى -.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وفقها ورشدا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم إنا نسألك أن تُبرم لهذه الأمة المُحمدية المرحومة أمر رشد، تُعز فيه أولياءك، وتُذل فيه أنوف أعدائك، يُعمل فيه بطاعتك، يُتآمر فيه بالمعروف، ويُتناهى فيه عن المُنكر، وتأمن فيه سُبل المؤمنين، اللهم آمين.

اللهم اجمع شمل المُوحدين، اللهم لم شعثهم، اللهم وحد صفوفهم، اللهم قهم الفتن والإحن، ما ظهر منها وما بطن، يا رب العالمين. اللهم ألهمنا رُشدنا، وأعذنا من شر نفوسنا. اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك إنك سميع قريب مُجيب الدعوات.

عباد الله/

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *، وأقم الصلاة.

(20/5/2022)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: