إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

 أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سُبحانه من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد: 

أيها الإخوة المسلمون الأفاضل، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول المولى الجليل – سُبحانه وتعالى – في مُحكَم التنزيل بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: 

فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ۩ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ۩ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۩ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ۩ لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ۩ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ۩ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ ۩ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ۩ فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ۩ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ۩ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لّا تُبْصِرُونَ ۩ فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ۩ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۩ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ۩ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ۩ فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ۩ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ۩ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ۩ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ۩ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ۩ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ۩

سُبحان ربي العظيم، صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأفاضل، أيتها الأخوات الفاضلات:

ما الذي يُزهِّد الناس في رضوان الله سُبحانه وتعالى؟ ما الذي يُزهِّدهم في سلوك طريقه وسوائه؟ ما الذي يُزهِّدهم في قُربه ووده ومحبته – عز اسم، وجل مجده -؟ سؤال عجيب ومُحيِّر، لأن الناس – إلا مَن رحم الله – أكثرهم كذلك، وإن زعموا غير ذلك، زاهدون في رضوان الله، زاهدون في قُربانه، وزاهدون في محبته، وشيئ عجبٌ! أن يُزهَد في الله – سُبحانه وتعالى – شيئ عجيب.

سأضرب مثلاً لعله يكشف النقاب عن وجه الجواب عن هذا السؤال الجلل، تُرى أيها الأخ المُسلِم وأيتها الأخت المُسلِمة لِمَ لا يجهد الناس في جمع الحجارة والأصداف العادية؟ إنهم لا يفعلون ذلك، حين نمر بهذه الحجارة على جنبتي الطريق أو في خلله أو في خللها فإننا لا نجمعها، بل لا نكاد نلتفت إليها أصلاً، لكننا نجمع المال، ونُحِبه حُبًّا جَمًّا ۩، ونأكله أَكْلًا لَّمًّا ۩، ونحرص على جمعه – قل أو كثر -، ونُفرِّط في وظائفنا الدينية وفي واجباتنا والتزاماتنا الأخلاقية، نُقطِّع أرحامنا أحياناً، نُفسِد صداقاتنا أحياناً، نُغضِب مولانا في أحيان كثيرة من أجل هذا المال، ونحن شرهون وحريصون حرصاً غريباً عليه، كأنه معبودنا من دون الله والعياذ بالله، لكن لماذا؟

أنا أعتقد أن هذه الخُطة سليمة إلى الآن، أن نجمع المال ونغفل جمع الحجارة، لأننا – إن جرَّبنا وحتى إن لم نُجرِّب، فهذا مُقرِّر لدينا – لن ننتفع بهذه الحجارة، ما عساها تفعل لنا هذه الحجارة؟ إن ملأنا أكياسنا وخزائننا حجارة فإنها لن تعود علينا بخير، لن نستطيع أن نُبادِل بها أي منفعة أو أي عين من الأعيان، أما المال فيفعل هذا، المال يفعل هذا! تستطيع أن تشتري به ما تُحِبه، تشتري به لنفسك أو لغيرك ما تُحِب.

لذلك – وهذا مُجرَّب ومُقرَّر – نحن حريصون على جمعه، إلى هنا القضية منطقية ومفهومة، يُزهِّدنا في محبة الله وفي رضوان الله وفي القُرب من الله – تبارك وتعالى – وفي شرع الله وفي العلوم والمعارف والأذواق المُقرِّبة إلى الله والكاشفة عن أسرار الطريق إليه – سُبحانه وتعالى – أننا لم نُجرِّبها أو جرَّبناها ووجدنا غير مُجدية، انتبهوا! جرَّبناها ووجدناها غير مُجدية.

أنت الآن أيها الأخ أو أيتها الأخت لو اعتدت ودأبت أن تعتاد الاختلاف إلى عيادة طبيب مُعيَّن لكنه في كل مرة لا يُفلِح، هو حائز على أعلى الشهادات، حسبما تقول الشهادات المُعلَّقة، إنه حائز على أعلاها، عنده أكثر من شهادة، لكنه لم يُفلِح مرة أن يُشخِّص داءك تشخيصاً سليماً وأن يصف لك العلاج الناجع – كما يُقال – والنافع، فإنك بعد ذلك سوف تكفر بشُهرته وتكفر بشهاداته، ولن تحرص أن تعتاد الاختلاف إليه بعد ذلك، لن تختلف إليه، جرَّبته ووجدت أنه غير مُجدٍ، ستُفضِّل عليه طبيباً عاماً عنده بكالوريوس فقط، لكنه في كل عشر مرات يُصيب تسع مرات على الأقل، هذا أفضل لي، أنا جرَّبته، هذا غير مُجدٍ.

هذا ما وقع ويقع للناس مع قضية الإيمان والعبادة والعلاقة بالله والتقرب إلى الله سُبحانه وتعالى، جرَّبوا ذلك على وجه مُعيَّن – ليس كما أراد الله – ووجدوه غير مُجدٍ، انتبهوا! الآن لو أُعلِن عن هذه الخُطبة، ولو عُلِم موضوعها سلفاً وقلنا موضوع الخُطبة سيكون كيف نتقرَّب إلى الله وما معنى القُرب من الله، أعتقد أن الذين سيحضرون هم الذين يحضرون في كل جُمعة، لن تُثير زوبعة، ولن تُثير حرصاً وفضولاً لدى كثيرين من المُسلِمين، قد يُقال هذه قضية معروفة، وإذا أردنا أن نعرفها بأنفسنا عرفناها، فلن نذهب، لكن لو قيل سيأتي الملياردير أو حتى المليونير فلان الفلاني – وهذا فاتح أبوابه للجميع، ويُعطي أي أحد فُرصة عشر دقائق أن يلتقي به – سوف يركب الناس بعضهم بعضاً، سيقتتلون، سيموت المئات هنا، هنا المئات سيموتون، في المساجد حتى وعلى أبواب المساجد التي بُنيت وشُيدت لعبادة الله، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ۩، سيموتون هنا، ليس لله وليس في وجه الله، من أجل الدينار والدرهم، المليونير!

كل أحد سيأخذ زينته وأهبته، وسيبدأ إن كان ذكياً يُحسِن التأتي – كما يُقال – والتحيل، ولو صح منك العزم هُديت للحيل، سيُحسِن التأتي والتحيل، وسيُعِد ملفاً عن هذا المليونير، مَن هو؟ ما الذي يُحِبه؟ هل هو مُثقَّف أو غير مُثقَّف؟ هل هو مُلتزِم دينياً أو غير مُلتزِم؟ ما هي الألوان التي يُفضِّلها؟ ما هي الروائح ربما التي يُحِبها؟ سيُحاوِل أن يتقرَّب إليه بما يُحِب، حتى يقع منه موقعاً، وربما يأخذ دورة سريعة في علوم مُعيَّنة كالبرمجة العصبية، سيقول سآتي بعض الأشياء حتى أُؤثِّر فيه وأترك أثراً فيه، لماذا؟ من أجل أن يعود عليك ببعض هذا المال الذي نعبده من دون الله، ببعض هذا المال! المال الذي أفسد شخصياتنا، الذي أصاب روحانيتنا بالاضمحلال والتآكل دون أن ندري، المال هو سبب العُجب، سبب الغرور، سبب الفيهقة والانتفاخ والكبر، سبب الكز والشحاحة والحرص، سبب التقصير في حقوق الله – كما قلت – وفي حقوق الأهل والأرحام والأصدقاء والأقربين، المال المال المال! مثل هذا المال لعنة الله عليه، أما المال الصالح فلا يكون صالحاً إلا بيد عبد صالح، نعم المال الصالح للرجل الصالح.

إذن سنهتم جداً بقضية التقرب من هذا المليونير، سنهتم جداً! لأنه سينفعنا، هذا القُرب سينفعنا، ولو بدُريهمات يسيرة، شيئ أحسن من لا شيئ، فماذا عن القُرب من الله؟ هل لم ينفعنا؟ هل جرَّبنا أن نقترب من الله – مصدر كل خير وكل نعمة وكل جمال وكل جلال وكل نُصرة وكل منعة وكل إحساب وكل كفاية وكل رزق وكل موهبة وكل عطاء وكل… وكل… حتى ينقطع النفس ولا ينقطع -؟ هل جرَّبنا وفشلنا؟ يبدو أننا فعلنا، لذلك نحن زاهدون، لو جرَّبنا ونجحنا لاستمررنا، لواصلنا الطريق، لعلمنا أنه الكنز الذي يفنى، العلاقة بالله الكنز الذي لا يفنى، صدق العلاقة بالله.

لا ألذ ولا أشمل ولا أكرم ولا أبعث على السكينة والطمأنينة والغنى والسعادة والراحة من أن تكون لك علاقة حقيقية بالله سُبحانه وتعالى، أقول حقيقية، انتبه! لا تُكثِر الكلام ولا تُكثِر التنظير ولا تُكثِر تزكية النفس، اترك هذا كله، كُن ذا علاقة وفقط، اترك هذا، لا تتزيَّن بهذا للناس، لا تتحدَّث عن هذا للناس، لا يكونن هذا همك، فهذا يُفسِد العلاقة، الله لا يقبل التشريك، ولا يقبل الشركة.

ولذلك يا إخواني – كما قلت في جواب السؤال أيضاً – نحن غير حريصين عن المعارف والشواهد والإشارات والمواجيد والأذواق والخواطر والدقائق والنكات التي تُقرِّب إلى الله، التي هي قضية جوهر الإيمان، لسنا حريصين، لماذا نبني هذه الأشياء؟ لا نُحِب أن نسمعها، ولسنا حريصين حتى أن نقرأها ونُتعِب أنفسنا، لسنا حريصين!

إذن هذه المعارف وكل ما ذُكِر هي حجارة بالنسبة إلينا، ولذلك نحن زاهدون في الحجارة، حجارة! لو ثبت أنها أعز من المال وأنفع من المال لحرصنا عليها، ستعجبون حين تسمعون – وقد سمعتم – أن أسلافنا كان يموت ابن أحدهم فلا يُقصِّر في درس شيخه، أي في درس العلم، يأمر ويُوكِّل مَن يدفن ابنه، لأن وقت الدفن جاء في وقت درس إمامه، هذا ما حصل مع أبي يوسف، مع شيخه الإمام أبي حنيفة، رضيَ الله تعالى عنهما وأرضاهما، مات ابنه فقال لا، ادفنوه أنتم، لأن هذا وقت الدرس، ماذا يُريد بهذا الدرس؟ يُريد به أن يتقرَّب إلى الله، هو يعلم أن كل ما يتحصَّل عليه من علم – دقه وجله – إنما يُقرِّبه من الله، منازل ومراحل، ولذلك لا يُفرِّط فيه، لا ولد ولا زوجة ولا تاج ولا مال ولا أي شيئ، جرَّبوه وعرفوا قيمته، كيف يُفرِّطون فيه؟ يستحيل أن يُفرِّطوا فيه، هم حريصون حرصاً حقيقياً، لم يأخذوه للتشهي، للمُراءة، للتجمل، للتزين، للتكثر، وللتمعيش، لا! أخذوه لله، ودلهم على الله، قطعوا به مراحل إلى الله، اللهم اقطع بنا مراحلنا إليك، كما قطعت بهم يا رب العالمين، اللهم اقطع بنا المراحل إليك، وأوصلنا إليك على نحو مما أوصلتهم إليك.

أيها الإخوة:

ولكن قد يسأل سائل – وهذا غريب بالنسبة لغير المُسلِمين، مَن لم يقرأ القرآن والسُنة لا يفهم هذا – ويقول الله – سُبحانه وتعالى – بحسب القرآن الكريم أو بحسب عقائد المُسلِمين مُتعالٍ وسامٍ سمواً مُطلَقاً، الله مُتعالٍ على الزمان – وهذا حق – ومُتعالٍ على المكان – هل يُمكِن أن نفترض حتى مُجرَّد افتراض أن الأرض فضلاً عن هذا المسجد فضلاً عن الكعبة يُمكِن أن تحصر الله عز وجل؟ مُستحيل، هل يُمكِن أن تكون حاصراً أو مكاناً أو منزلاً لله؟ أعوذ بالله، هذا إلحاد، الكون كله من فعله، وهو كان قبل أن يُكوِّن هذه المُكوَّنات، وهو على ما عليه كان، كما هو، لا إله إلا هو! ولذلك أيضاً لا يُمكِن أن يحصره الزمان، لا ماضٍ ولا حاضر ولا مُستقبَل، كله كلام فارغ، هو الذي مكَّن المكان وزمَّن الزمان، وهو أحدٌ إلى ذلكم في ذاته وصفاته وأفعاله، فمثلاً في قضية القُرب والمعاني المُتبادَلة هو غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ۩، إنه غني عنا -، إذن لماذا يكون قريباً منا؟ هل يُريد أو يُحِب أن يكون قريباً منا؟ هل يُحِب لنا أو منا أن نكون قريبين منه؟ هل يُحِبنا أصلاً؟ وهل يُحِب أن نُحِبه؟ وهكذا وهكذا إلى سائر هذه المعاني المُتبادَلة! هل يُوالينا ويُريد منا أن نُوليه؟ غير المُسلِم لا يفهم هذا، يقول بما أنه مُتعالٍ مُطلَقاً، إذن لن أستطيع أن أفهم قضية القُرب والموالاة والمحبة، إنه مُتعالٍ، ماذا يُريد منا؟ مُستحيل! لا مُناسَبة، نقترب من بعضنا البعض لأن هناك مُناسَبات، أنت غني وأنا فقير، أنا أحتاج إلى ما عندك وأنت تحتاج إلى مَن يُشعِرك بالعطاء، أنك تُعطي وأنك تتفضَّل، حتى على المُستوى النفسي الصرف، حين تكون صادقاً بارئاً من الرياء، من التسميع، ومن الشهرة، أيضاً تُحِب في نفسك ومع نفسك أن تشعر بأنك فاضل، خيّر، أخلاقي، وتُعطي، فقط! تحتاج إلى هذا، الله لا يحتاج إلى هذا، إذن لماذا؟ كيف؟ وهل هناك إمكانية؟

دون أن ندخل في تفصيلات فلسفية – وهنا يُوجَد جانب فلسفي عميق جداً لهذه المسألة، لكننا سنترك هذا، لأنه لا يتناسب مع خُطبة وعظية – الذي نقوله بحسب الكتاب العزيز أقصر طريق وأقربه إلى معرفة الله هي أن نتأمَّل في كتابه الكريم، لأنه تعرَّف إلينا عبر كلامه، أعظم منّة علينا أنه خاطبنا، أعظم منّة أنه خاطبنا، أنه نادنا، وأنه أنزل علينا هذا الكلام الذي هجرناه، حتى مَن يتلوه – إلا مَن رحم الله – لا يفقه ما يتلوه للأسف الشديد، يتلو ولا يفقه ما يتلوه، ولا يعنيه أن يفقه، وهذه مسألة أُخرى، نعود إلى الدُر والبعر وإلى الحجارة والجوهر، حجارة! ماذا نُريد من هذه المعاني؟ لذلك لا نُجمِّعها، لسنا حريصين عليها، معاني كلام الله حجارة، ليست مالاً، ليست شيئاً مُفيداً، لذلك نحن زاهدون فيها، نقرأه أربعين سنة ثم نُسأل فيه ألف سؤال ولا نُجيب عن أي سؤال، أسئلة بسيطة جداً جداً، تتعلَّق أحياناً بمعاني المُفرَدات، ولا نعرف، كارثة كارثة كارثة لدى هذه الأمة.

ولذلك لا يصح لنا أن نتبجَّح بأننا صحونا وبأننا نُحِب ديننا وبأننا أهل هذا الدين، بأي معنى؟ بأي معنى إن لم نفقه حتى رسالته إلينا وكلامه؟ وقد قيل إنه لو بلغتك رسالة من أحد ملوك الأرض لاجتهدت الاجتهاد كله أن تفك مغالقها وأن تفهم ترميزاتها وأن تُدرِك مراميها وإشاراتها حتى وإن كانت بغير لُغتك، قد تكون باللاتينية أو بالفرنسية أو بالإنجليزية أو بأي لُغة، لأنها من ملك، فكيف برسالة ملك الملوك – لا إله إلا هو -؟ لماذا لست حريصاً على فهمها، لأن فهمها يُشكِّل لك حجارة، ليست مُهِمة، المال أهم من هذا، الدنيا الدنيئة أهم من هذا، مساكين نحن! مع أن القرآن الكريم يقول غير هذا.

قرأت لغير عالم ولغير واعظ مِمَن دأبوا على أن يصفوا مراحل وجود الإنسان – المرحلة الرحيمية والدنيوية والبرزخية ثم الأُخروية – بأنها الدور، قرأت لغير واحد يقول الدور الأربع أو الأربعة – كلاهما طبعاً صحيحان -، وهذا غير صحيح، مَن قال لك إن الدنيا دار؟ هل قرأتم في كتاب الله في موضع واحد أن الله وصف الدنيا بأنها دار؟ لم يحصل هذا، انتبهوا! هذا القرآن يا إخواني، ليس كلام العلماء والوعّاظ، هذا القرآن، ولا مرة ذكرها بأنها دار، لم يحصل في آية واحدة أن الله – واقرأوا القرآن وعودوا إليه – وصف الدنيا بأنها دار، دائماً يذكر الدنيا والحياة الدنيا في قُبال ماذا – أي في مُقابِل ماذا -؟ في قُبال الدار الآخرة، يقول الدار الآخرة، تلكم دار، هذه ليست داراً، سيقول لنا يوم القيامة هل أنبأتكم أنها در حتى أحببتم أن تستقروا فيها؟ سنقول له يا رب نحن استمتعنا في الدنيا واستفرغنا الوسع كله لكي يبقى، سيقول لنا هل كذبت عليكم؟ هل خدعتكم؟ هل وصفتها مرة في كتابي بأنها دار، أم وصفتها بأنها مُجرَّد حياة دنيا؟ ودنيا هي فُعلى من الدون، أي حياة حقيرة، هذا معنى الحياة الدنيا، الحياة الحقيرة، الحياة الواطئة، الحياة السافلة الصغيرة، دنيا فُعلى من الدون، فُعلى من الدون كما يقول الصرفيون، ولا مرة ذكرها بأنها دار، ودائماً يقول الدار هناك، امهد لنفسك حتى تستقر هناك، كيف ستستقر هناك؟ وعلى أي حال؟ وفي أي هيئة؟ بحسب ما تعمل هنا، مصيرك هناك يُحدَّد هنا، فانتبه! فهذا القرآن الكريم، لكننا في الحقيقة – بالعكس – خرَّبنا دارنا من أجل هذا المعبر اليسير، الذكي لا يفعل هذا!

لو كان أي واحد منا عنده إمكانية مادية أن يبني فيلا أو عمارة أو شُقة ممُتازة فارهة وواسعة المرافق كما يُقال – عنده الإمكانية المادية، عنده! يستطيع، ويحتاج إلى تعب طبعاً لستة أشهر أو سبعة أشهر أو سنة، من أجل مُتابَعة البناء وأعمال البناء والخُطة والتجهيز، يحتاج بلا شك إلى هذا، كل شيئ يحتاج إلى ثمنه، وهذا الثمن -، هل يُمكِن أن يُضيِّع حياته وأيامه يتنقَّل من تحت ظل أو فيء شجرة إلى فيء مسكن إلى فيء شاخص من الشواخص؟ مُستحيل، هو لا يُريد هذا، وسيقول لماذا؟ ماذا أُريد بهذا؟ أنا سأبني داراً أستقر فيها، فيها كل المرافق والمنافع، ماذا أُريد بهذا الفيء؟ الدنيا فيء، مثل فيء شجرة، والنبي قال هذا، قال ما لي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في يوم قائظ شديد الهاجرة تحت شجرة – أي تحت ظل شجرة – ثم قام وتركها، قال مُستحيل، هذه ليست داراً، لماذا أستفرغ جُهدي فيها؟ لا، سأستفرغ جُهدي هنا، سأنفق كل إمكاناتي من أجل أن أبني داري أو فيلاتي هناك، هناك! قيل لأبي الدرداء أليس عندك متاع؟ نزلوا عليه أضيافاً ببيته، وليس عنده مراتب حتى ولا ألبسة ولا أغطية، فقيل له يا أبا الدرداء أليس عندك متاع؟ فقال عندنا متاع، قالوا أين المتاع؟ هو كان ساكناً على الأرض في دمشق، قال لنا دار أُخرى نُسيِّر إليها، كل شيئ نبعثه إلى هناك، ليس هنا، هؤلاء هم الذين فقهوا عن الله تبارك وتعالى، اللهم فقِّهنا عنك وعلِّمنا، مُحال أن نصل إلى هذه الدرجات، لكن نتشبَّه.

فتشبَّهوا إن لم تكُونوا مِثلَهم                                  إن التَشبّه بِالكِرامِ فلاحُ. 

عوداً، القرآن العظيم يُؤكِّد – انظروا إلى هذا، انظروا ماذا يُؤكِّد – هذه المنن وهذه المنح التي لا نستطيع وصفها، نحن عاجزون حقيقةً عن وصفها، ماذا نُسميها؟ هل نُسميها تواضعاً من رب العزة؟ لا، هذا لا يليق بالله، لا يليق أن تقول تقول تواضعاً، طبعاً هذا لا يليق، لا تستطيع أن تُسميها، يُؤكِّد وجود المعاني المُتبادَلة، يقول لك اقترب مني وأنا سأقترب منك، أنا أُريد هذا، أنا حكمت بهذا، يا رب هل هذا مُمكِن؟ نعم، قال لا تُوجَد مُشكِلة، أنا سأقترب منك وأنت اقترب مني، سأُعطيك هذا، أتُعطيني هذا يا رب؟ لماذا؟ لماذا؟ ما الذي في يستحق هذا وقد خلقتني من لا شيئ؟ يقول أحبني وسأُحِبك، أهذا حُب مُتبادِل؟ هذا حُب مُتبادَل، سأُحِبك! الله هو الذي يُحِب، والحبيب من الحبيب قريبُ، إذا أحبك قرَّبك، وإذا قرَّبك أعطاك، وإذا أعطاك لا أحد يدري ماذا سيُعطيك، لا أحد! انتبه، لا أحد، إلا أن تدري أنت بنفسك وأن تعيش هذا، لا أحد! بالذات الذين يأكلون التراث أَكْلا لَمًّا ۩، لا يعرفون ولن يعرفوا إن بقوا في هذه الخُطة السيئة، لن يعرفوا حتى يُجرِّبوا.

للأسف كثيرون من الناس اعتادوا أن يصفوا الدين والهدايات الإلهية بأنها أدوية شافية، ولنا تحفظ، يُمكِن أن يُضلِّلنا هذا المجاز، لا! الشفاء يأتي في عُرض الطريق أو في عُرض الرحلة، أما الدين نفسه فليس شفاءً، وليس دواءً، إنه صراط مُستقيم، والهداية كلها تعمل على تبيان هذا الصراط، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۩، ماذا أُريد أن أقول؟ المعنى عميق وهو قرآني، المعنى قرآني! أُريد أن أقولك إنك حين تعتل صحتك وتنحرف عافيتك يُمكِن أن تتناول بعض الأدوية دون أن تدري حتى اسمها التجاري فضلاً عن العلمي الكيمياوي، لا تعرف ما اسمها، قد تكون أُمياً، تتناولها وبمُجرَّد تناولها ستأخذ طريقها إلى سريان مفعولها، وذلك بعد ساعة أو ساعتين أو ثلاث، ثم تبدأ تشعر بالتحسن إذا كان الدواء ناجعاً، أليس كذلك؟ لا عليك أن تفهم هذا الدواء، ما اسمه؟ ما تركيبته؟ ما فاعليته؟ وما المادة الفاعلة فيه طبعاً؟ هذا غير مُهِم لك، الصيدلي يعرف هذا، الطبيب المُختَص يعرف هذا، لكن أنت لا عليك من هذا، الدين ليس هكذا، لا! لا يُمكِن أن تقول لي سأُصلي مُجرَّد طقوس وسأستفيد، لن تستفيد، سأُخرِج وسأعبد وسأذكر مُجرَّد هكذا التزام، لن تستفيد، كأنك ما عبدت وكأنك ما فعلت شيئاً، كما قال النبي ليس لك من صلاتك إلا ما عقَّلت منها، أي ما أدركت، ما كنت حاضراً فيه، وما فهمت، لماذا؟ لأن الدين – وفي أول سور القرآن الكريم ترتيباً في المُصحَف طبعاً اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۩ – صراط، لابد أن تُسلَك، إذن لابد من تجلربة ماذا؟ المُعايشة، فليس شيئاً تأخذه دون أن تدري شيئاً عنه، لا! هذا صراط، ومَن أحق مِمَن يسلك هذا الصراط بوصفه؟ أنت طبعاً ستصفه بدقة، ستقول لي منازلي ومُتنقَلاتي ومراحلي ومُنتجَعاتي في هذا الطريق هي على النحو الفلاني أو الكذائي، كذا أو كذا أو كذا أو كذا، طبعاً لأنك سرت في هذا الصراط، لابد أن تسير، إن لم تسر لن ينفعك أن تتلو ستة آلاف آية وأزيد عن هذا الصراط وعن هذه الهداية، لن تنتفع بشيئ، ستبقى فقيراً تماماً، كما قال إقبال ليس كل مَن درس النحل أكل العسل، ستدرس علم النحل لكن لن تأكل عسلاً، حتى تُحاوِل أن تجتنيه أو تشتريه، وهكذا الصراط!

وحين يعرض لك عارض هناك أدوية وأشفية في الصراط، تأخذها ويسري مفعولها، لكن مُنذ متى؟ متى تكون؟ مُنذ البداية لابد من وعي، لابد من إرادة، لابد من إدر اك، وكلما زاد وعيك الروحاني الديني العرفاني ازدادت خياراتك تعقيداً وصعوبةً، كلما أصبحت عريقاً في معنى المُجاهَدة، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۩، كلما أدركت وجوهاً من اختيارات لا يُدرِكها الإنسان الساذج البسيط، وتُصبِح المُعاناة أكبر، ويُصبِح الانكشاف أيضاً أعظم بإذن الله، التنور والاستبصار يُصبِح أقرب وأسبغ بإذن الله تبارك وتعالى.

نعود، إذن قُرب مُتبادَل، محبة مُتبادَلة، قال تعالى يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ۩، مُتبادَلة! قال أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، الله أكبر! أي يذكرهم ويذكرونه، مُتبادَل! إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، لا إله إلا هو! وإن ذكرني في ملأ – اللهم اجعلنا منهم – ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرَّب إلىّ  شبراً تقرَّبت منه ذراعاً، وإن تقرَّب منه ذراعاً تقرَّبت منه باعاً، وإن أتاني مشياً أتيته هرولةً، الله أكبر! ما هذا الكرم يا رب؟ ما هذا الكرم؟ يقول لنا ليست القضية فقط أنني لا أتخلى عنكم، قضية أنه لا يتخلى عنا تُصدِّع القلوب، لا يتخلى عنا، لا إله إلا هو! مع أن كثيرين منا – من البشر أعني، لا أعني المُسلِمين، البشر بشكل عام، أي من بني آدم – جديرون أن يُتخلى عنهم، لجحودهم، لنكدهم، لكفرهم، لمُشاكساتهم، ولركوبهم – والعياذ بالله – مراكب الشرك والجحود والوثنية والعناد والكبر والغطرسة والكفر، لكن الله لا يتخلى عن عباده، لا يتخلى! لا يتخلى حتى آخر لحظة.

معنى أنه يقبل التوبة في آخر ساعتك من حياتك أنه لا يتخلى عنك، لا يُريد أن يتخلى عنك، ما هذا الكرم يا رب؟ فكِّر في هذه المعاني بعمق، وفكِّر أنه فعلاً لم يتخل عنك يوماً، وكلما عُدت إليه وجدته أمامك بالقبول، لا إله إلا هو! يتقبَّلك، يأسو جراحك، يُعطيك إشارات أنه تقبَّلك، لكن عليك أن تستجيب له أنت أيضاً، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ۩، لأننا نحن المُفتاقون والمُحتاجون إليه، ليس هو، لا إله إلا هو! 

نُصرة مُتبادَلة، قال إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ۩، انصروني انصرنكم، نُصرة مُتبادَلة، حنين مُتبادَل، في حديث داود قال اذكرهم ويذكروني، وأشتاق إليهم ويُشتاقون إلىّ، الله أكبر! الله أكبر! شيئ عجيب، شيئ غريب وعجيب أن يمن علينا بهذه المنن، كان يكفي أن يخلقنا وأن يبعث إلينا رُسله ويُنزِّل هداياته غير المشفوعة حتى بكل هذه الوجوه من التحنن والرحمة والاستدراج إلى الخير، كان يكفي أن يقول أنا ربكم الأعلى، أُريد منكم كذا وكذا وكذا، وأنهاكم عن كذا وكذا، وانتهى كل شيئ، مَن أطاع فله الجنة، مَن عصى فله النار، وانتهى كل شيئ، لكنه لا يفعل هذا، حين يُكلِّفنا حتى بأبسط التكاليف يتحنن ويتوسَّل وسائل لكي يستدرجنا بها إلى الاقتناع، يذكر لنا الحكمة ويذكر لنا العلة كما يُقال، يذكر لنا المصلحة ويُبيِّن لنا المفسدة، يقول لنا ولستم بدعاً من الأمم، لستم أول المُكلَّفين، كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ۩، غيركم أيضاً صاموا فصوموا أنتم، انتبهوا! ليست كبيرة، ليست شيئاً عظيمة، حاولوا يا عبادي، ما هذا؟ 

ثم يُنادينا وهذا أكبر شرف لنا، أكبر شرف! أنت تشعر بالإهانة لو أن عظيماً من العظماء أو حتى إنساناً عادياً قال لك يا هذا أو يا أيها الرجل، تشعر بالإهانة! لكن لو ناداك باسم خاصة إذا كان عظيماً تشعر بالفخار، يقول لك يا محمد بن سعيد، تشعر بالفخار وتقول إنه يعرف اسمي، شيئ عظيم جداً، والناس سيحسدونك على أن هذا العظيم – هو رئيس أو ملك أو إنسان غني مُتموِّل جداً ومشهور بالغناء – ناداك باسمك، لكنه يُنادينا بأحسن ألقابنا، يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ۩، يُنادينا ويقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ۩، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ۩، يقول يَا عِبَادِيَ ۩، ينسبنا إلى نفسه، يَا عِبَادِيَ ۩، ما هذا التحنن؟ ما هذه الرحمة؟ وما أتعسنا! ما أجهلنا! ما أقل فكرتنا في الله! ما هذا؟ ليس لنا فكرة حقيقية، وإلا كل كلمة من هذا الكلم الإلهي جدرية فعلاً أن تصدع قلب المُؤمِن، جديرة أن تُحدِث له تحولاً حقيقياً في حياته الروحية، والله! لكن مَن كان له فكرة، كان له في كل شيئ عبرة، المُهِم الفكرة، والفكرة لا تأتي من نفس مُلتاثة ونفس جوّالة في الآثام والشهوات.

وكيف تَرى لَيلَى بِعين تَرى بهَا                      سِواها؟ وما طَهَّرتها بالمدامع.

وتلتذُّ مِنها بالحَديثِ وَقَد جَرَى                    حديث سوَاها في خروقِ المسامع.

 صعب! أنّى تتأتى لغريق الشهوات وأسير المألوفات والمُقيم على المُوبِقات القاطعات عن رب العزة وعن رب الأرض والسماوات؟ كلا.

نعود إلى قضية القُربان، إذن هي مُمكِنة، بلا شك مُمكِنة، القرآن قطع بهذا، مُمكِنة! كيف يُمكِن أن نقرأ مُفرَدات النصوص المُتعلِّقة بهذه القضية الخطيرة؟ لأن السادة العارفين بالله – عرَّفنا الله به ودلنا عليه دلالة العارفين الصادقين – قطعوا بأن أعظم المقامات المطلوبة لذاتها هو مقام القُرب من حضرة ذي الجلال، لا إله إلا هو! الله يُمكِن أن يُقرَّبك وتُصبِح من المُقرَّبين، كما قال في أملاكه الطائعين المُخبِتين – عليهم السلام – لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۩، لقد وصف خاصة عباده بهذا الوصف، القُرب والقُربان! كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ۩ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ۩ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ۩ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ۩، مثلاً هذه آيات من سورة المُطففين، نحفَّظها أو نتحفَّظها ونحن صغار، صغار! هل فكَّرنا أن نقف مع أمثال هذه الآيات لنعرف ما لنا عند الله؟ هل نحن من الأبرار، أم نحن من السابقين المُقرَّبين؟ ثم إن كنا من الأبرار ما معنى أن كتابنا في عليين؟ ما هذا العليون أو ما هذه العليون؟ أهذه جمع أو مُفرَد؟ المُهِم ما معنى يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ۩؟ ما معنى أنه مَّرْقُومٌ ۩؟ لا نُفكِّر، لأن مصيرنا لا يهمنا حقاً، صدِّقوني! لا يهمنا حقاً.

أما حين نُريد أن نعمل تجارة أو ننجح في مشروع أو نُحرِز شهادة فإننا قد نقضي عشر سنوات –  ليل نهار دراسة وتعب وعمل – حتى نتحصَّل على هذا الشيئ التافه، وهو تافه حقاً، لأنه في دنيا تافهة، أما أن نعرف مصيرنا الحق عند رب العزة – لا إله إلا هو، أي ما لنا؟ – وأن نتفلسف حتى في هذا – نُصبِح فلاسفة ومُتفقِّهين حقاً – فهذا لا يهمنا، لو تسأل أي مُسلِم من عُرض الناس هكذا وتقول له هل هناك فرق بين البر والمُقرَّب؟ يقول لك لا أدري يا أخي، ربما هما شيئ واحد، لا يدري ولا يهمه، هو لم يشتغل يوماً بتصنيف نفسه، هل أنا من المُكذِّبين الضالين أم من المُقرَّبين السابقين أم من الأبرار أصحاب اليمين؟ كيف أكون هكذا أو هكذا أو هكذا؟ ما هي الموازين؟ وما هي المعايير؟ غير مُهِمة القضية عنده بالكامل، ويعيش هكذا، دينه دين تقليد، هذه المُشكِلة! دينه دين تقليد، وجد الناس يُصلون فيُصلي معهم، وجد الناس يشهدون فيشهد معهم، وجد الناس يقولون أشياء فيقولها معهم، وهكذا! ليس حازماً وجاداً في تقرير مصيره عند الله، ليس حريصاً، يا خيبةً لأمثال هؤلاء! اللهم لا تجعلنا منهم، لابد من حرص حقيقي، ديننا هذا، ديننا يُساوي سعادتنا الأبدية ومصيرنا الأبدي المُطلَق، أهم شيئ! لا شيئ أهم منه على الإطلاق والله، على الإطلاق!

لذلك علينا ألا نعجب حين نقرأ عن صحابي لم يكتف بأنه حصَّل شطراً أو شيئاً من علم رسول الله، لعله لم يُؤمِن في أول ساعة، حتى وإن آمن في أول ساعة لعله لم يشهد المشاهد كلها، لم يجلس في مجالس رسول الله كلها، ويُسافِر من المدينة المُنوَّرة إلى مصر – انظروا إلى هذا، على بعير يُسافِر – ليأتي إلى صحابي آخر كان والي مصر في وقتها، وحين رحَّب به وطلب إليه أن يدخل ليُكرِمه كرامة الضيف رفض، قال ما أتيت لهذا، مُسافِر يا أخي فترة طويلة جداً – أيام وليالٍ -، من أجل ماذا؟ فلتسترح قليلاً، قال لا، ما جئت لأستريح وما إلى ذلك، جئت أسألك عن حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله، أُريد أن أسمعه منك مُباشَرةً، يا أخي ما هذه الأرواح؟ ما هذه النفوس؟ ما هؤلاء الناس؟ كانوا ربانيين باختصار، هؤلاء ربانيون، هؤلاء رجال الله، هؤلاء مُسلِمون، مُؤمِنون، أولياء صالحون، ومُقرَّبون.

هذه القضية! ليست قضية أن تزهد ربما في العلم كُله، وكأن العلم الشرعي كُله غير مُهِم، هناك مَن لا يختم القرآن ربما إلا في رمضان مرة، ثم لا يفتحه بعد ذلك في أي شهر من أشهر السنة، شيئ عجيب جداً، لا يُصدَّق يا إخواني، ثم نسأل لِمَ دهانا ما دهانا؟ لِمَ نحن هكذا مُنحَطون؟ ونتسائل لِمَ تخلى الله عنا؟ لِمَ لا ينصرنا؟ مَن نحن؟ ماذا فعلنا أصلاً؟ بماذا تحقَّقنا نحن؟ مساكين نحن! نضحك على أنفسنا – صدِّقوني – ونكذب على أنفسنا، هل نُقارِن أنفسنا بهؤلاء؟ يُسافِر أياماً وليالٍ في سبيل أن يُشرِّف آذانه وأن يتشرَّف وأن يتكرَّم بسماع حديث بواسطة واحدة، صحابي سمعه من رسول الله، يُريد أن يسمعه مُباشَرةً هو، قطعاً كانت هناك فُرصة أن يسمعه من صحابي آخر سمعه من هذا الصحابي، لكن يُريده بعلو كما يُريد علماء المُصطلَح، يُريده عالياً، ما معنى يُريده عالياً؟ أي رجال إسناده قليلون، برجال إسناد أقل، اسمه العلو في الحديث،  وهذا شرف له، أن يكون بينه وبين الرسول شرف في هذا الحديث، مع أنه كان صحابياً هو أيضاً، شرف! عندهم حرص لأنهم يعرفون قيمة العلم وقيمة الهداية.

هذا لو قلت له أنا سأُعطيك عشرة آلاف دينار وأعطني هذا الحديث أو كأنك لم تسمعه،  سيقول لك لا، هذا لا يُمكِن، إنها صفقة المغبون، قل له أعطني عشرة آلاف وأنا أُبلِّغك سماع هذا الحديث، ومُباشَرةً سيقول لك نعم، خُذ كل ما عندي، وبلِّغني هذا عن رسول الله، يعرفون قيمة الهُدى، يعرفون قيمة هذه الأشياء، ليسوا كنحن، ليسوا مثلنا، ضائعون نحن وتائهون، مساكين والله! والله مساكين، أنا أُفضِّل أن أقول مساكين دائماً، مساكين! لم نتنوَّر حقاً، إذا حل النور الإلهي في القلب صار للإنسان طريقة في التفكير مُختلِفة تماماً، والله العظيم! صار له طريقة في الموازين والتعيير مُختلِفة تماماً، تهون عليه الدنيا، يهون عليه كل ما في الدنيا، في سبيل شيئ آخر، في سبيل أن يرضى – لا إله إلا هو – وأن يُرضينا، رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۩، معانٍ مُتبادَلة أيضاً، أليس كذلك؟ معانٍ مُتبادَلة، يرضى عنا ونرضى عنه، يُحِبنا ونُحِبه، يتقرَّب إليه ونتقرَّب إليه.

المُهِم أننا سنعود إلى سؤالنا، ما هي مُفرَدات بحث هذه القضية في كتاب الله وسُنة رسوله؟ نُريد أن نعرفها في كل الآيات والنصوص، حتى نُصبِح فعلاً فلاسفة ومُتفهقِهين في هذه القضية، هذه قضية مصيرية خطيرة ومُهِمة وشريفة، ما أشرف من هذا! أعظم المقامات مقام القُرب من حضرة ذي العزة والجلال، لا إله إلا هو! اللهم قرِّبنا يا رب، قال وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ۩، قال وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۩، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ۩ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ۩، قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ۩ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ۩، أجدني ملزوزاً الآن بمُناسَبة ذكر هذه الآيات أن أُفسِّرها، لأنني أعلم أنها غير واضحة لكثيرين، ما معنى قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ۩ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ۩؟ ليس واضحاً المعنى.

كان هناك من المُشرِكين – والعياذ بالله – مَن يعبد بعض الصُلّاح أو الصُلحاء، كانت تُعبَد الملائكة أحياناً، وعُبِد المسيح بن مريم عليهما السلام، كما عُبِد عُزير، وهؤلاء كلهم صالحون، كلهم صالحون! أي الملائكة والمسيح وعُزير، عبدوهم وزعموا أنهم ينفعون ويضرون لذواتهم، فالله أكذبهم في هذا، قال هذا غير صحيح، ادعوهم الآن، ادعوا الملائكة – ادعوا جبريل أو إسرافيل أو ميكائيل أو ملك الموت – وادعوا ما أردتم ومَن أردتم مما لا يعقل ومما لا يعقل – لكن المقصود هنا بالذات العقلاء في أرجح التفاسير -، هل سيستجيبون لكم ويكشفون عنكم الضر إذا نزل بكم ضر؟ لن يفعلوا، ثم قال – تبارك وتعالى، وهذا الجُزء غير واضح في الآية التي والتها – أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ۩، أُولَٰئِكَ ۩ إشارة، إلى مَن؟ إلى هؤلاء المعبودين، الَّذِينَ يَدْعُونَ ۩، الضمير – ضمير يَدْعُونَ ۩ – خاص بمَن؟ مَن هو؟ ضمير مَن؟ قال أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ۩، في التفسير الشهير قالوا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ۩، وضمير يَدْعُونَ ۩ خاص بالكفرة المُشرِكين، الله يقول هؤلاء المعبودون أنتم تدعونهم، ما معنى تدعونهم؟ أي تُسمونهم آلهةً، أو تدعونهم بمعنى تضرعون إليهم، لاستجلاب المنافع ودفع المفاسد والمضار، قال أنتم تدعونهم هكذا، بمعنى الدعاء، أي التسمية، فهم آلهة، أو بمعنى الدعاء، أي الضراعة والابتهال، هذا معنى الآية، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ۩، الله يقول هؤلاء المدعوون من دون الله آلهةً أو هؤلاء المُبتهَل إليهم من دون الله في الخير والشر ما قضيتهم؟ قال أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ۩، قال هم أنفسهم يتسابقون ويتسارعون في ماذا؟ في الازدلاف إلى الله، في أن يتقرَّبوا من الله، هم أنفسهم عبيد مثلكم، قضيتهم نفس القضية التي كان ينبغي أن تكون قضيتكم أنتم، وهي ماذا؟ المُسارَعة إلى التقرب من الله تبارك وتعالى، ليس في جمع المال والحُطام، إنما في أن نتقرَّب من الله تبارك وتعالى.

حين تأتيك ساعتك يا أخي المُسلِم ويا أختي المُسلِمة ستكون مُمدَّداً هكذا، وهنا الرهان! هل ستكون مُرتاحاً؟ هل ستكون سعيداً، حريصاً على لقاء الله، وفرحاً بلقاء الله، أم ستندم؟ رَبِّ ارْجِعُونِ ۩، ستقول يا رب جمعت كثيراً من المال والعلم والأشياء، ولم أعمل بها، يا رب ارجعني حتى أُنفِق، لكنه سيقول لك انتهى كل شيئ، أعطيتك أربعين سنة أو خمسين سنة، لا! انتهى، الآخر لن يندم، سيفرح، سيقول الحمد لله، فعلت ما كان بوسعي أن أفعله، جاهدت نفسي حقاً، فعلت ما كان صعباً على نفسي، تجاوزت نفسي – كما يُقال – أو حقَّقت نفسي، في سبيل مرضاته، لا إله إلا هو! وَالَّذِينَ جَاهَدُوا ۩، المسألة تحتاج إلى جهاد.

أنا أقول لك كل ما تفعله وتشعر أنه ليس جهاداً كُن في شكٍ منه، بمعنى أن هناك مَن عنده مليون، لكنه يُعطي عشرة ملاليم، هو يُعطيها بسهولة، لأنها طبعاً ثمن سيجارة، أنا أقول لك أنا في شك من أنه سيُؤجَر في هذا الشيئ القليل، سيُسأل عن الكثير الذي منعه هذا المسكين، فانتبه ولا تلتفت إلى القليل الذي أعطيته، لكن حين يكون عندك مليون وتُريد أن تُعطي – مثلاً – عُشره سيحتاج هذا إلى قرار حقيقي، إلى خُطة مع الله عز وجل، وإلى مُتاجَرة، هذه مائة ألف، أنت ستُعطي عُشر ثروتك، ليس كل أحد يفعل هذا، لكنك – إن شاء الله – ستفعل، وحين تفعل ستشعر براحة عجيبة جداً جداً، وبثبات إيماني، وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۩، ولذلك لا يُقبَل من أصحاب الملايين أن يُعطوا الملاليم، انتبه! لا يُقبَل منهم هكذا، أهكذا الجهاد؟ أين الجهاد؟ لابد أن تُجاهِد، لا يُقبَل أن تترك نفسك على هواها ومُشتهاها وأنت شاب، مُندفِع الشهوة، وقوي البنية، ترتكب كل المحظورات، حتى إذا هرمت وعلت سنك تقول نعم، الآن – إن شاء الله – أعود وأتوب إلى الله، لا أُريد شهوات النساء ولا شهوات الفسق، متى يا حبيبي؟ متى؟ على كل حال نحن لا نُيئس أحداً، التوبة مقبولة دائماً إن شاء الله، والله لا يُضيع أَجْر مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ۩، لكن متى يا رجل؟ كان ينبغي أن تُجاهِد نفسك حين كانت الداعية قوية، شهوة قوية وتقول لها لا، إني أخاف الله، انتهى، لن أفعل هذا، هنا الجهاد، هنا سيُقرِّبك الله تبارك وتعالى، وسيهديك سبيله، وسيفتح عين بصيرتك، لابد أن تُجاهِد حقاً، هذا لله، أنت لا تعمل هذا لأحد، أنت تعمل هذا لله، وفي الحقيقة أنت تعمله طبعاً لنفسك في نهاية المطاف ولسعادتك أنت، لا تمتن على أحد، لا تقل لأحد إنني فعلت وعملت، هذا ليس لهم، لك أنت، أنت المُستفيد!

ولذلك انتبه، السلف الصالح كانوا بصدق كامل يشعرون بالمنّة، تجاه مَن؟ تجاه مَن يأخذ صدقاتهم، هل تعرف لماذا؟ لأن الله امتن علينا أنه يقبل منا صدقاتنا، هل فكَّرت مرة في هذه الآية؟ هل فكَّرت أن الله يمتن علينا في قبول صدقاتنا؟ يقول لك أعط، أعط ما تُريد، أعط عُشر ثروتك أو نصف ثروتك، وأنا سأمتن عليك وسأقبل هذا إذا كانت من حلال، سأقبل هذا يا عبدي رحمةً مني، تقول لي كيف هذا؟ طبعاً رحمة ومنّة، فكِّر في هذا، من أعظم نعم الله أنه يقبل هذا، ويقبله عن طريق عباده المُحتاجين، ولذلك هم واسطة، الله يفعل من خلالها، الله يرحمنا ويقبلنا ويُسعِدنا ويُعلينا من خلال هؤلاء، لذلك نرى المنّة لهم أيضاً علينا، ونرى أنهم الأعلى حقيقةً، وإن كنا الأعلى ظاهراً، نُعطيم ويأخذون، هل تعرف كيف؟ سأُوضِّح هذا.

يُسعِد كل أب الآتي، هذا يُسعِدني شخصياً وأعتقد أنه يُسعِد كل أب وكل أم، ورزق الله مَن ليس عنده ولد، اللهم آمين، يُسعِد كل أب وكل أم أن يستوهبه ابنه أو ابنته مبلغاً من المال، ثم يذهب يشتري به شيئاً، ويجتزئ بشيئ من هذا المُشترى هديةً لأبيه أو لأمه، يقول بابا هذا الشيئ هدية لك، يُسعِدك أن تأخذ هذا، وتفرح به جداً، مع أنه أعطاك ما هو لك، ومع أنك لست مُحتاجاً إلى هذه الهدية، هي بعشرة يورو أو بعشرين يورو، وأنت لست مُحتاجاً حقيقةً، أنت أعطيته مائة يورو أو أعطيته إذا كان مُراهِقاً ربما خمسمائة يورو أو ألف يورو، لا تحتاج إلى هدية بعشرة يورو أو حتى بيورو، وأحياناً تكون بأقل من هذا، يأتيك طفلك الصغير – ابن أربع سنوات – ويقول لك بابا هذا الشيئ هدية لك، تأخذه وتُقبِّله في جبينه وفي وجنتيه وتفرح جداً، ما الذي أغراك؟ ما الذي يُفرِحك بهذا؟ مع أنه أعطاك ماذا؟ ما هو لك، هذا لي أصلاً، من مالي، أنا أعطيته الآن أو الساعة هذا، فذهب واشترى به، ما الفكرة الكامنة وراء هذا؟ ما هي الفكرة؟ مَن يقول لي ما هي الفكرة الكامنة وراء هذا؟ التحبب والتقرب، يُحِب أن يتحبَّب إليك، وفعلاً تجده مُحبَّباً، يُحِب أن يتقرَّب إليك، وفعلاً تجده قد تقرَّب، تُحِبه أنت أكثر وتُقرِّبه أكثر، لا إله إلا الله! لله المثل الأعلى، رب العزة في السماوات هكذا، بما يليق بجلاله طبعاً، ليس على النحو الذي فهمه العاثر فنحاص بن عازوراء، حين قال للصدّيق يا أبا بكر والله ما نحن بحاجة إلى ربك وما نحن بفقراء إليه، إنما هو فقير إلينا، هو يستقرضنا كما زعم صاحبكم، فإن كان غنياً فلِمَ يستقرضنا؟ شاهت الوجوه! كما يقولون ضرط إبليس على هكذا منطق وعلى هكذا غباء وبلادة، ما هذه البلادة؟ ما هذا الإلحاد والجحود الغبي الذي يحكي نفساً مُلتاثاً وعقلاً معكوساً منكوساً؟ ليس هكذا أيها الغبي!

مثل هذا الغبي – كان حبراً من أحبار اليهود، وكان غبياً وبليداً – لم يفهم حتى المثال الذي أوردته الآن، لا يستطيع أن يفهمه لأنه بليد، هذا لا يستطيع أن يتواصل مع البشر أمثالنا، لا يستطيع أن يفهم كيف يتواصل مع أبنائه، أيود أن يتواصل مع رب العزة؟ إنه أحقر من هذا، وإن كان حبراً دينياً، إن الله يُبغِض الحبر السمين كما قال النبي في إشارة إلى هؤلاء العاثرين النُفاة الملاحدة، بالعكس! الصحيح ما فهمه الحسن البِصري، رباني أمة محمد، ماذا قال الحسن البِصري؟ قال أنفس هو خالقها، وأموال هو واهبها، ثم يُتاجِرنا ويستقرضها ويُثيبنا عليها، فجل ما أكرمه! قال هذا، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ ۩، هل أنا خلقت نفسي؟ مَن الذي خلقها؟ هو الذي لا إله إلا هو، وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۩، مَن الذي وهبني المال؟ مَن الذي أعطاني وموَّلني؟ هو لا إله إلا هو، لكنه يُحِب لك ويُحِب منك أن تتقرَّب إليه، أن تزدلف إليه، وأن تتحبَّب إليه، ببذل مُهجتك في سبيله، وقد منَّن عليك وقال لك سأقبلها.

هل تعرف مَن يعرف هذا المعنى حقاً؟ كما قلنا الأب الرؤوف، الأم الحنون، وأيضاً المُحِب الصادق، تشعر بهذا حين تُحِب إنساناً من كل قلبك، محبة ليس وراءها لا رغبة ولا رهبة ولا مصلحة ولا تخطيط ولا تزين، انتبه! المعاني دقيقة جداً، بعض الناس يُحِبك – ليس محبة صادقة – ليتزيَّن بك، تكون أنت مسؤولاً في الدولة أو وجيهاً في الناس، وهو يظن أنه يُحِبك، هو يُحِبك فقط لأنك وجيه في الناس، كأنه يقول لهم هذا الوجيه المشهور والذائع هو صديقي، عادي! أنا أدخل بيته وهو يدخل بيتي، نحن إخوة، مسكين! هذا لا يُحِبك، انتبه! هذا يُحِب نفسه، هذا أناني وجاهل، لذلك مَن كان مشهوراً وذائع الصيت وأحب أن يعرف مقامه عند الناس فليختبر محبة الناس له وفيه بعد أن يترك منصبه وشهرته، سينفض عنه أكثر مَن حوله، إلا مَن كان مُحِباً صادقاً، وهؤلاء أنا أزعم أنهم سيُعَدون بأنصاف أصابع اليد، ربما نصف واحد أو واحد، لذلك سُئل جعفر الصادق عن هذا، وهو الإمام الجليل، الإمام الخامس في الإسلام، عشرات الآلاف تخرَّجوا من تحت يديه، كان يُعلِّم عشرات الألوف وهو ابن رسول الله، إمام جليل، اجتمع له من الشرف ما لم يجتمع لغيره من الأئمة، قال مولانا الإمام أبو زهرة حين أرَّخ له لو أردت أن أبدأ بالأئمة – وهو أرَّخ للأئمة الثمانية – بحسب شرفهم وعلو مقامهم لانبغي أن أبدأ بجعفر الصادق، طبعاً ينبغي أن يُبدأ به قبل الشافعي وأبي حنيفة ومالك، ابن رسول الله يا حبيبي هذا، وهو أستاذ أبي حنيفة وأستاذ مالك في نفس الوقت، تعلَّما منه، سُئل يا إمام، يا أبا عبد الله، كم أصبت من أخ صادق في حياتك – من الآلاف هؤلاء الذين حولك وتَلاميذك -؟ فقال رجلاً واحداً، أنا أزعم أن بعض الناس لو صادق نفسه سيقول لم أُصِب أحداً إلى الآن، هذا إذا كان يفهم معنى المحبة الصادقة ومعنى الأخوة الحقيقية ومعنى العلاقة التي فعلاً لله والتي تُحِلنا يوم القيامة مقاماً يغبطنا عليه الأنبياء والشهداء، اللهم اجعلنا في ذلكم المقام ومن أولئكم المُقامين في ذلكم المقام، صعب جداً!

لذلك نعود، المُحِب الصادق سيفهم ذلك، كيف؟ المُحِب حين يُحِب أحداً حُباً صادقاً ويُعطيه شيئاً، فعلاً يُعطيه ويُحزِنه جداً ألا يقبله، فإن قبله الحبيب شعر بالمنّة له، شعر بأنه أنعم عليه، يقول امتنّ علىّ بأنه قبل هديتي، مهما كانت عظيمة وثمينة يشعر بمنّة حقيقة، أنه قبل، وفعلاً لو أنه ردها لكسر خاطرك، أليس كذلك؟ ولأفهمك أنك لست من حُبه وقُربه بالمكان الذي تحسب، ليس مثلك مَن تُقبَل هديته، سيعتذر عنها بألف أسلوب وأسلوب، فما بالكم برب العزة وهو يقبل عطايانا؟ يعدنا ويقول أعطوا وأنا سأقبل، يا رب لك الحمد والمنّة، سنكون إذن جاهلين وغير عارفين بالله إذا أعطينا وشعرنا نحن بالمنّة لأنفسنا ولو لحظة من زمان، سنكون غير عارفين وبعيدين جداً من الله لو أعطينا مهما أعطينا – لو أعطينا ثروتنا كلها – وشعرنا أن لنا الحق بعد ذلك أن تُستجاب دعوتنا، سنكون كذبة، لم نفهم ولم نعرف الله حقاً، ليس هكذا، ليس لينا على الله حق واجب أبداً أبداً، كل ما فينا وعندنا ولنا هو منه وله، لا إله إلا هو! وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنْ اللَّه ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ۩، الله يقول غداً أسلبك نعمتك كلها، كما سُلِب أيوب أهله وماله، كل شيئ انتهى، حتى عافيته سُلِبت، جلس هكذا وحده بلا شيئ، مات أهله كلهم، أزواجه وأبناؤه وبناته وبناته، وهلك ماله عن آخره أو من عنده آخره كما تقول العرب، لكنه صبر واجتاز الامتحان، فإذا سُلِبت النعمة ستجأر إلى مَن؟ إليه وحده، لا تنس هذه الحقائق، لا تنسها ولا تحفظها لكي تحفظها، احفظها لتسير في هُداها، لأن الدين هو في نهاية المطاف – كما قلنا – صراط مُستقيم، لابد أن تُقطَع مراحله، بالعيش وبالتجربة.

إذن قلنا آيات القُرب، كل ما له علاقة بالقُرب والتقريب هو من مُفرَدات القضية، كل ما له علاقة بالولاية والمُوالاة له علاقة بقضية القُرب، لماذا؟ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا ۩، أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۩، لكي نفهم هذا لابد أن نشرح، ما معنى الولِي؟ أولياء – أولياء الله – جمع ولِي، الولِي على وزن فعيل صرفاً، ولِي! مُشتَق من ماذا؟ الأرجح أنه مُشتِق من الولْي، الولْي بتسكين اللام، الولْي! ما هو الولْي؟ القُرب، فالولِي هو القريب، إذا أحببت أن تعرف قضية الله والتقرب فاقرأ كل ما يتعلَّق بالولاية، هذا مقام جامع، هذا رأس المقامات وذروة المقامات، لأن الولي من الولْي وهو القُرب.

سمعتم بحديث النبي – حديث عمر بن أبي سلمة – الذي قال فيه قل باسم الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك، أي مما هو قريب منك، وفي الحديث المشهور في السُنن قال ليلني، ما معنى ليلني؟ ليقف خلفي مُباشَرةً، هذا أقرب واحد مني، في الصف الذي خلفي مُباشَرةً، قال ليلني منكم أولو الأحلام والنُهى، فالولْي هو القُرب، وقيل الولِي فعيل مُشتَق من الولاء، بمعنى المحبة والنُصرة، على كل حال كلاهما مُتلازِمان، لأن مَن كان قريباً مُزدلَفاً أو مُزلَّفاً كان ماذا؟ كان حبيباً، وله الحق النُصرة، وأنت لا تنصر إلا مَن كان قريباً حبيبياً، يستحق هذا، فالمعنى لا يتناقض مع المعنى.

ثم بعد ذلك صيغة فعيل – نقول ولِي، ولِي الله، اللهم اجعلنا من أوليائك وخاصة عبادك، الولِي فعيل، صيغة فعيل – في علم العربية يسوغ فيها دائماً أن تُحمَل على اسم الفاعلية وعلى اسم المفعولية، دائماً! احفظوا هذه القاعدة الصرفية، صيغة فعيل يسوغ فيها الحمل على الفاعلية وعلى المفعولية، فأيهما مُراد في المقام؟ الآن نقول ولي، وهذا ولي الله، أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ ۩، المُراد هو اسم الفاعلية أو اسم المفعولية؟ نقول الاثنان، ولا يتناقضان بل يتلازمان، والمعنى – الشرح – أن في اسم الفاعلية يكون الولِي بمعنى المُتقرِّب إلى الله، هذا فاعل، هو يسعى القُرب، يتقرَّب إلى الله، فعلاً الولِي يتقرَّب إلى الله، إذا حملناه على المفعولية فالولِي هو الذي قرَّبه الله، شيئ ليس منه، شيئ فُعِل فيه وفُعِل له وصُنِع له، قرَّبه الله، فهو مُقرَّب، مفعولية مُقرَّب، فاعلية مُتقرِّب، والولِي بلا شك مُقرَّب مُتقرِّب، فالمعنيان مُتلازِمان.

فاقرأ كل ما يتعلَّق بالولاية، وتعمَّقه وتفقَّه فيه، وهذا يحتاج إلى طول زمان، فهذا يُضيء لك مقام القُرب من الله تبارك وتعالى، قال مَن عادى لي ولياً – حديث الولي رأس، ويُسمى حديث الأولياء – فقد بارزته بالحرب، وفي رواية آذنته بالحرب، وما تقرَّب إلىّ عبدي… إذن الله مُباشَرةً ربط قضية الولاية بقضية ماذا؟ القُرب، لأن حقيقة الولاية هي ماذا؟ القُرب، قال مَن عادى لي ولياً فقد بارزته بالحرب، وفي رواية آذنته بالحرب، سيقول أحد يا رب أنا أُحِب هذا المقام، أُحِب أن أرتقي لأُصبِح من أوليائك ولتنتصر لي ولأكون في إحسابك وكفايتك وعزتك وكنفك وكلاءتك ورعايتك، لكن كيف الطريق إلى ذلك؟ يقول أنا سأقول لك، قال وما تقرَّب – الله أكبر، منطق عجيب يا أخي – إلىّ عبدي بشيئ أحب إلىّ مما افترضته علىّ، ولا يزال عبدي يتقرَّب إلىّ بالنوافل حتى أُحِبه، فإن أحببته أصبحت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصِر به، ويده التي يبطش بها… إلى آخر الحديث، حديث الولي!

أيضاً هناك الآيات والأحاديث التي تتحدَّث عن المعية الخاصة، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ۩، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۩، إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ۩، وأنا معه إذا ذكرني، اقرأ كل ما يتعلَّق بالمعية الخاصة في الكتب والسُنة، ستتنوَّر مزيد تنوّر – إن شاء الله – واستبصار بمقام القُرب من الله تبارك وتعالى.

اقرأ كل ما يتعلَّق بمواطن الإجابة، متى يُجيب الله عبده الصالح طبعاً؟ وقد يُجيب الكافر إذا كان مظلوماً، لكننا نتحدَّث عن الصُلحاء فقط، متى يُجيب الله صالحي عباده؟ في أي أحوال؟ وفي أي أوقات؟ وفي أي أمكنة؟ وتفقَّه في هذه الأحوال والأزمان والأمكنة، لتتفَّقه في مقام القُرب من الله تبارك وتعالى، لماذا؟ النُكتة: لأنه حين يُجيب يكون قريباً من عباده، قال ماذا؟ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ۩، أليس كذلك؟ في سورة هود! إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ۩، وَإِنِ اهْتَدَيْتُ – في سبأ – فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ۩، إذن مواطن الإجابة، لكي يسمع دعاءك لابد أن تكون من أهل الدعاء الصالح للسماع، نعوذ بالله من دعوة لا تُسمَع، وإن كنت مِمَن يُسمَع دعاؤه فأنت من المُقرَّبين بإذن الله تعالى، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ۩، إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ۩، لا إله إلا الله! مواطن الإجابة تفقَّه فيها، لها علاقة بموضوعنا.

بعض العلماء يظن أن ما يتعلَّق بالقُرب من الله – تبارك وتعالى – هو ما صُرِّح فيه بلفظ القُرب، لا! ليس هذا فقط، القرآن مملوء ومحشو بما يتعلَّق بهذا المقام الجليل، هذا رأس المقامات، وهو مقام جامع، فاقرأ في كل هذه الموارد وفي كل هذه المصادر الإلهية وفي الكتاب والسُنة.

اقرأ أيضاً ما يتعلَّق بتنزلات الله، تنزلات تليق بجلاله – لا إله إلا هو – بالمعنى الذي يعلم ولا نعلم، لا نعلم كيف ذلك، فهو يتنزَّل – لا إله إلا هو – كل ليلة، إذا ذهب شطر الليل، وهناك روايات في هذا، المُهِم أنه يتنزَّل، وخاصة في وقت السحر، ويقول – لا إله إلا هو – هل من سائل فأُعطيه؟ هل من داعٍ فأُلبيه – وفي رواية فأُجيبه -؟ هل من مُستغفِر فأغفر له؟ مَن أراد أن يتقرَّب من الله فليتقرَّب في هذه الأوقات أيضاً.

عشية عرفة يدنو – لا إله إلا هو – من خلائقه، ليس دنو تماس وليس دنو أجسام – فليس بجسم – وليس دنو أشياء، انتبه! الدنو اللائق بجلاله، لا إله إلا هو! يدنو من عباده ويتجلى عليهم بالرحمة ليُجيب دعوتهم ويُلبي طَلِباتهم، فاحفظ هذه الأوقات، احفظ كل أوقات الدنو والتنزل.

لكن أجمع ذلك وأفضله على الإطلاق الصلاة، حين تكون بروح ومعنى، قال – عز من قائل – كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ۩، قال كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ۩، وكذلك الزكاة، وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۩، في التوبة، أي في براءة.

ولذلك انتبه، الله أمر محمداً بأن يسجد ليقترب، وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ۩، يسجد ليقترب، السجود! وفي الحديث الصحيح أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وفي الحديث الآخر أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل الآخر، تنزلات! هذا لقاء التنزلات، فلو اجتمع الأمران اجتمع السعدان، أن تكون ساجداً في لحظات تنزل الرحمة الإلهية، لا إله إلا الله!

يا خسارة النائمين! يقطعون يومهم سهراً ثم نوماً، يا خسارة – والله خسارة، والله خسارة – النائمين! اللهم أعنا على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، أمر محمداً أن يسجد ليقترب، ووصف موسى بأنه قُرِّب، وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ۩، أما عيسى – عليه السلام – ففي أمره نُكتة، هو موصوف بأنه من المُقرَّبين – وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۩ -، هذا المقام ثابت له، مقطوع له به، انتهى! لماذا؟ فكَّرت في هذا طويلاً، ثم وجدت – سُبحان الله – القرآن والسُنة يتعاونان ليُفسِّرا هذه الحقيقة العجيبة المُحيِّرة، قال وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ۩، أعظم أسباب القُربان الصلاة وإنفاق المال، قال الحسن البِصري لا شيئ أصعب وأشق من صلاة الليل ونفقة هذا المال، لذلك قال الله تعالى تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ۩ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۩، هذا مقام القُرب، لأنه لا أحد يعلم حقيقة هذا القُرب من أعظم عظيم وأعلى عليّ وأجل جليل، لا إله إلا هو! شيئ لا يُوصَف ولا يُعرَف، لذلك عيسى أشار فقال وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ۩، لذلك كان من المُقرَّبين – وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۩ -، صلوات الله عليه وسلامه وآله وآل كل نبي وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم إنا نسألك ونبتهل إليك في هذه الساعة المُبارَكة من هذا اليوم الكريم ألا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرَّجته، ولا كرباً إلا نفَّسته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه.

اللهم أعنا على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، واجعلنا هُداةً مُهتدين، غير ضالين ولا مُضِلين، أكفنا ما أهمنا من أمر دنيانا وأمر أُخرانا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا وبالسعادة آجالنا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من فضله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

 (19/10/2007)

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: