أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ۩ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ۩ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۩ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي ۩ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ۩ لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ۩ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ۩ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ۩ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ ۩ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ۩ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ ۩ أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ۩ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ۩ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ۩ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ۩ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ۩ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ۩ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ۩ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَّجُلا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ۩ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ۩ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ۩ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ۩ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ۩ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ۩ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ۩ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
الحمد لله رب العالمين، يا رب لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مُبارَكاً فيه كما تُحِب وترضى، لا نُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً، واهدنا لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراط مُستقيم.

أما بعد، أيها الإخوة الأفاضل، أيتها الأخوات الفاضلات:

أُحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أيها الإخوة الأفاضل، أيتها الأخوات الفاضلات:

من أكبر محن الله – سُبحانه وتعالى – ومن أعظم فتنته التي ابتلى بها عباده هي ما قضاه وقدَّره – سُبحانه وتعالى – من اختلاف نِحلهم وتباين مِللهم ومُعتقَداتهم، وترون كلاً مُعجَباً بما انتحل، راضياً بما اعتقد، فرحاً – على حد قوله كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۩ – بما تحزَّب له وشايع عليه وتعصَّب له وتولى وتبرَّأ وفقاً له.

هذه من أعظم الفتن ومن أعظم المحن، يكفي التفكير فيها، مُجرّد التفكير في هذه المسألة يجعل الإنسان يطلع على حجم هذه الفتنة، لأن المرء حتماً يقول لنفسه عجيب! عجيب أن تدين هذه المئات من الملايين بالنِحلة الفلانية وفيهم الأذكياء وفيهم العباقرة وفيهم النُبغاء وفيهم أصحاب الإرادات وأصحاب الهمم وأصحاب الرياضات الشاقة، ليسوا من أصحاب النزوات والأهواء والشهوات، بل من أصحاب القصد الصادق والإرادة المُصمِّمة النافذة لمعرفة الحقيقة وتقيل طريقها والتزامها وسلوكها، ومع ذلك هم لا يرون غيرهم ضلالاً، وغيرهم يرونهم ضلالاً، وهلم جرا!

هذه من أعظم المحن، ولذلك بعد أن نفرغ – إن شاء الله – ربما من جُملةٍ أو من طائفةٍ من هذه الدروس حول الأديان المُقارَنة سيكون حريٌ بنا أن نطرح هذا السؤال وحريٌ بنا طرحه في كل آن: لماذا نعتقد نحن المُسلِمين أننا على حق وأن ديننا هو الحق؟ لماذا؟ ما المُبرِّر؟ كيف عرفنا هذا؟ الكل يعتقد هذا، وبلا شك أن في أهالي المِلل الأُخرى مَن هم أذكى منا ذكاءً وأكثر منا عبقريةً وأنبغ منا نبوغاً، منهم حاصلون على جوائز نوبل Nobel – مثلاً – في العلوم والفلسفات والآداب والتاريخ، لا يُمكِن أن يُقاس واحدنا – واحد من عموم المُسلِمين أو من عوام حتى علماء المُسلِمين أو من مُفكِّري المُسلِمين العاديين – بهؤلاء، أذكى منه ذكاءً بلا شك وأعظم عبقريةً وأنبغ نبوغاً، وهم ينتحلون مُنتحَلهم بصدق وإخلاص ويقين، فهل تغدو المسألة في النهاية نسبية هكذا؟ هل الكل طرق إلى الله – مثلاً – كما يعتقد الهنادكة أو الهندوس الذين سنُعرِّف اليوم – إن شاء الله – أو في الحلقة ربما المُقبِلة وربما في التي بعدها بدينهم؟ لأنه دين مُمتَد وكبير وعريض وعميق جداً وإشكالي، من الصعب جداً أن تعرض له في مُحاضَرة واحدة، بل من المُستحيل تقريباً، وإلا نكون قد شوَّهنا حقيقته وما وقفنا إلا على رسوم لا تُسمِن ولا تُغني من جوع كما يفعل أكثر مَن يتكلَّم في هذه المسائل، يُلخِّص ديناً بهذا الحجم وبهذه العراقة التاريخية وبهذا الاستبحار العلمي والعرفاني في خمس صفحات أو في خمسين صفحة حتى، لا يُمكِن هذا، مُستحيل! أنت ما عرفته وهو لا يُشوَّه.

على كل حال سنطرح هذا السؤال، على الأقل أنا عندي جواب أنا مُقتنِع به، لماذا أعتقد أنني كمُسلِم على حق؟ لدي جواب! وطبعاً ينبغي أن يطرح كل مُسلِم يُريد أن يُبرِّر اعتقاده ويُبرِّر إيمانه ويُبرِّر انتماءه وانتحاله لهذا الدين هذا السؤال طبعاً، لكن أكثر الناس لا يطرحون هذا السؤال، لماذا؟ لأن أكثر الناس – كما أُكرِّر وأقول دائماً – ينتحلون ما ينتحلون ويدينون بما يدينون تحت تأثير المُجتمَع، يُقلِّد الواحد منهم غيره فقط، هو يفعل كما فعل غيره، في الحقيقة هو لم يختر، اختير له! هو اقتيد إلى هذا الاعتقاد أو هذه المِلة فقط، هذا شأن مُعظَم الناس، ليس شأن المُسلِمين فقط، شأن المُسلِمين واليهود والنصارى والهنادكة والبوذيين والجينيين والشنتاويين في اليابان وإلى آخره، الكل! وهو شأن حتى الماركسيين والملاحدة، يدين الواحد بما يدين به المُجتمَع، بما وجد آباءه وأجداده وأهليه وجيرانه وأساتيذه يدينون به، ولذلك هو لا يطرح هذا السؤال والمسألة عنده مفروغ منها، نحن على الحق والآخرون على باطل، فكلٌ يقول هذا! نحن أيضاً لا نعتقد أن هذه كلها طرق إلى الله تبارك وتعالى، لا! هذا غير صحيح، ليست كلها طرقاً إلى الله، هناك طريق واحد إلى الله، إنه طريق الأنبياء، إنه الصراط مُستقيم، لماذا؟ لماذا هذا الطريق أو هذه الطريق – يُذكَّر ويُؤنَّث، وتأنيثه أفصح ربما – بالذات؟ لماذا هذه الطريق بالذات؟ لماذا؟ هل لدينا جواب؟ سنتطرَّق إلى جواب هذا السؤال بعد حلقات بإذن الله تعالى، بعد أن نكون استوعبنا جوانب!

حتى لا نُطوِّل على عادتنا بالمُقدِّمات نُريد أن ندخل في موضوعنا بسرعة إن شاء الله تعالى، نُعطيكم – إن شاء الله – في البداية لمحة تاريخية، هكذا أنا سأُوزِّع مُحاضَراتي على جانبين: أولاً الجانب الوصفي، أعرض فيه لبعض الأشياء التي تتعلَّق بهذا الدين وبتاريخه وبكُتبه وبعباداته وبعقائده على سبيل الوصف السريع، ثانياً الجانب التحليلي، نصف فيه الأشياء بعمق حتى نكون قد وقفنا – بإذن الله – بشيئ من التعمق والصدق على حقيقة مذاهب هؤلاء، هذا من باب الموضوعية والحيدة العلمية.

إذن حديثنا اليوم الديانة البرهمية المعروفة بالهندوسية، أي Hinduism بالإنجليزية أو Hinduismus بالألمانية، هذه الديانة متى نشأت؟ طبعاً إذا عُدنا إلى كُتب الديانات المُقارَنة بالألمانية أو بالإنجليزية أو بأي لُغة شئتم فإننا سنجد أن كل هذه الكُتب تقريباً تُقرِّر هذه الحقيقة: هذا الدين لا يُستطاع بسهولة ولا حتى بصعوبة أن يُقال متى نشأ، لأن هذا الدين بلا مُؤسِّس، ليس له مُؤسِّس Founder، أين مُؤسِّس هذا الدين؟ ليس له مُؤسِّس واضح يُقال عنه هذا هو مُؤسِّسه، لا! هذا الدين ليس له كتاب واحد، له كُتب كثيرة، المُسلِمون – مثلاً – لهم القرآن وهذا واضح، هذا كتابهم المُقدَّس، النصارى لهم الإنجيل أو الأناجيل Gospels، اليهود لهم كُتبهم المُقدَّسة وفي مُقدَّمها التوراة ثم الأسفار الأُخرى، وهكذا! لكن الهنادكة أو الهندوس لهم كُتب كثيرة، سنقف اليوم على جُملة هذه الكُتب سريعاً إن شاء الله تعالى، وهذا كتاب منها – من أشهر مثلاً – وهو نشيد المولى، البهاغافاد غيتا Bhagavad Gita! وهو من شروح الفيدا Vedas، من تفريعات الفيدا Vedas! فليس لهم أيضاً كتاب، تعاليمهم مُختلِفة جداً، خضعت للتطور الدائم ولا تزال تقريباً، لا تزال! لذلك هذا الدين صعب، وهو من أقدم الأديان.

طبعاً دائماً أهل الدين أنفسهم ينحون منحى ماذا؟ منحى إضفاء قداسة زائدة عليه وعراقة، ليس فقط قداسة بل وعراقة أيضاً، لذلك في الوقت الذي نجد فيه جمهرة مُؤرِّخي هذه الديانة ومُؤرِّخي الآداب والأفكار والفلسفات الهندية يرقون بتاريخ هذا الدين إلى نحو القرن الخامس عشر قبل ميلاد السيد المسيح – عليه السلام – نجد أن مُؤرِّخي الهندوسية أنفسهم من الهنادكة أو الهندوسيين يقولون لا، عمر هذا الدين أكثر من سبعة آلاف سنة، أكثر من سبعة آلاف سنة يقولون! طبعاً يُريدون أن يُضيفوا أو يُضفوا عراقة زائدة، عراقة تاريخية! هذا الدين هو الأصل، لماذا؟ في ماذا يُفيد هذا؟ المنظور التطوري يغلب على المُفكِّر الغربي الآن، لكن هذا المنظور يُحتقَر في الفلسفات والأفكار وضمن المناظير الشرقية، يُحتقَر! الغربي يظن أننا إذا اصطنعنا المنظور التطوري استطعنا أن نعرف السير والمسير، وكلما تطوَّر الشيئ أو الكائن أو الفكر أو الفكرة أو المبدأ كلما اقترب من الكمال واقترب من الجدة، لا! الشرقي يرفض هذا، يقول غير صحيح، أنا شخصياً أتشايع للشرق هنا، ليس لأنني شرقي، لا! هذه حقيقة، لأن الأصل دائماً يكون أطهر، والأصل دائماً يكون أنظف، والأصل يكون أقرب إلى البراءة وإلى البساطة وإلى عدم التعقيد الذي نشأ عن التحريف والتنظير الكثير والزيادات والفضول والذيول التي ضُمَت إلى الأصل، التفكير الشرقي يكاد يُقرِّر حقيقة أن ما جاء على أصله لا يُبرهَن ولا يُطلَب عليه البُرهان، لأنه جاء على أصله! ما جاء على أصله لا يُبرهَن ولا يُطلَب له البُرهان، أليس كذلك؟ هذا يُشايع مبدأ ماذا؟ مبدأ الفطرة لدينا – مثلاً – في الاعتقاد الإسلامي أو في المنظور الإسلامي، هذا شيئ فطري! وبما أنه فطري المفروض أن الفطري لا يقبل التغيير، فإن طرأ تغيير فهو تحريف وتشويه، لا تقل لي ترقية أو تطور بحسب طريقة الغربيين، يُحِبون أن يُطوِّروا كل شيئ، لأنهم كفروا بالثوابت، ما عاد عندهم ثابت هؤلاء المساكين، كل شيئ يخضع للتغير، ولذلك هم فقدوا مركزهم والروح فقدت مركزها فضاعوا المساكين وضلوا وأضلوا، هم يعملون على إضلال العالمين لكنهم لا يستطيعون، فالشرقي على العكس من هذا، يرى أن هناك ثمة قيمة مُعيَّنة، ثمة وجاهة في العراقة التاريخية، لا – كما يظن بعض السطحيين – لأجل أنه قديم، أي أن القدم لا يُعطي قداسة بذاته، لا! بل لأجل أنه أقرب إلى الأصل، تماماً كالماء الذي ينساح، كلما اقتربنا من منبعه كلما كان أصفى صفاءً وأطهر طهارةً، وكلما ابتعد عن المنبع وكسح في طريقه من الأضغاث والوساخات والنجاسات والطين والرواسب والطمي كلما صار شيئاً مُختلِفاً، شيئاً آخر! يكاد يكون مُختلِفاً تماماً، أليس كذلك؟ فهذا هو، ليس لمُجرَّد أنه قديم، لا! القدم له دلالة وليس هو الدلالة، القدم له دلالة ونحن سنبحث عنها، ذكرنا قُبيل قليل، أليس كذلك؟ لكن ليس هو بذاته الدلالة، القدم له دلالته، وهذه دلالته في الجُملة على كل حال، لكن نحن سنسير وسننحو منحى جمهرة المُؤرِّخين الذين يرون أن هذا الدين يرقى تقريباً بلا عهد أو فترة أو حقبة الغزو الآري لشبه القارة الهندية، ما قضية الغزو الآري؟ نسمع بالآري وبالآريين، أليس كذلك؟ ما هو الآري؟

طبعاً الآري كلمة تعني النبيل، والآريون معناها النُبلاء، الجنس الآري هو الجنس النبيل، طبعاً قد تقول لي أوروبا تقول إنها آرية، وهذا صحيح طبعاً، يقولون نحن الجنس الآري، لكنهم يقولون إن إيران أيضاً من الجنس الآري وهذا صحيح، وكذلك الهند من الجنس الآري، اللُغات الهندوأوروبية لماذا تُسمى هندوأوروبية؟ هذه اسمها الـ The Indo-European languages ومنها اللُغة الإنجليزية واللُغة الألمانية، وهذا سر التشابه بين الإنجليزية والألمانية، تشابه غير عادي! وسر التشابه غير العادي بين الفارسية – أنا قرأت لفارسيين مثلاً – والألمانية، غير طبيعي! طبعاً لأنهما من أرومة واحدة، واللُغة السنسكريتية لُغة هندوأوروبية، فما قضية الغزوة الآرية؟

هذه الغزوة الآرية ترقى إلى القرن السابع عشر قبل ميلاد السيد المسيح، حول هذه الموضوعة أو المسألة التاريخية يُوجَد الآن لدينا – الآن هذا آخر شيئ – ثلاثة آراء، طبعاً إذا قرأت كتاباً قبل أربعين سنة أو ثلاثين سنة فلن تجد إلا رأيين، أنا أتحدَّث عن آخر الأبحاث التاريخية، الآن لدينا في هذه الموضوعة أو في هذه القضية والمسألة ثلاثة آراء!

رأي يقول إن هؤلاء الآريين إنما أتوا من أوروبا، مصدرهم أوروبا، منبعهم – المنبع Quelle أو Source – أوروبا، جاءوا واندلعوا وانساحوا فيما حولهم وغزوا بلاد فارس وغزوا شبه القارة الهندية، وكان ما كان! هذا الرأي الأقدم، بعد ذلك على ضوء أبحاث استجدت وبراهين تاريخية ودلائل توصَّلوا إليها قالوا لا، نسخوا هذا الرأي، وصار مُعظَم المُؤرِّخين في الشرق والغرب يقولون لا، إنما أوروبا نفسها كان يقطنها عرق آخر وغزاها أيضاً الآريون، إذن أين منبع الآريين؟ من أين أتى هؤلاء الآريون؟ أتوا من المناطق المُحيطة ببحر الخزر وبالذات – المنبع الأكبر – من التركستان، من بلاد التركستان! من هناك أتوا وغزوا فارس وغزوا الهند وغزوا أوروبا أيضاً، هذا منبعهم الأول!

هذا الرأي ظل تقريباً زُهاء خمسين سنة وهو الرأي الثاني، الآن يُطرَح رأي ثالث، لا أستطيع أن أقول له إنه تبرهن بالكامل، لكن صار يطرحه الآن بعض كبار وثقات المُؤرِّخين في ضوء أبحاث جديدة أيضاً، يقولون لا، الهند لم تخضع لغزوٍ آرٍ، بمعنى ماذا؟ بمعنى أن سُكان الهند الأصليين لم يكونوا الساميين كما يُعتقَد، بحسب الرأي الثاني الهند كان فيها سُكان أصليون، مَن هم؟ الساميون، مَن الذين غزوهم؟ الآريون، يقولون لا، سُكان الهند أصلاً وأصالةً هم الآريون، ولم يحدث غزو أصلاً، عجيب! هذا رأي جديد جداً، حين تقرأ أي كُتب حديثة في القرن الحادي والعشرين أو تُشاهِد برامج وثائقية تاريخية تجد تُدلي بهذا الرأي، كثيرون يدلون بهذا الرأي! لكن لا يزال هذا الرأي تحت التمحيص، هذه خُلاصة هذا المبحث التاريخي!

حين غزا هؤلاء الآريون – هذا العرق النبيل كما يدّعي – شبه القارة الهندية بلا شك شأن الغازي والمغزو والفاتح والمفتوح بدأوا يفرضون مدنيتهم وحضارتهم وثقافتهم، ومن ضمن ذلك ديانتهم، دينهم وتصوّرهم للوجود ولله وللكون وللإنسان ولوضعيته! هذه هي أُسس الدين، التصور الكوني العام! بدأوا يفرضون ديانتهم على شبه القارة الهندية، الهند هل كانت تخلو من ديانة قبل ذلك؟ لا، كان لديها بلا شك هذا، لا تُوجَد حضارة ولا تُوجَد مدنية ولا يُوجَد شعب – حتى ولو من البدائيين – يخلو من دين، سُبحان الله! أينما وُجِدَ المُجتمَع الإنساني يُوجَد الدين، شيئ غريب، مُستحيل! عبر التاريخ الإنساني كما ذكرت في خُطبتي قبل أسابيع، حتى إنسان النياندرتال Homo neanderthalensis كان مُتديناً، وهذا واضح جداً من مقابره ومن هذه الكعورة، واضح كيف كان يُكعَور ويدفنونه بطريقة الجنين في رحم أمه، هذا يعني وجود تصور لحياة أُخرى وبعث آخر بعد الموت، شيئ غريب! هذا النياندرتال Neanderthalensis وهو موجود في فلسطين وفي العراق وفي كهوف ومقابر في بريطانيا، شيئ غريب! موجود هذا، بنفس الوضعية موجود، أينما وُجِدَ مُجتمَع إنساني وُجِدَ الدين، لا مناص ولا محيد!

فكان عند أو لدى الهنود الأصليين – على الرأي الشائع طبعاً وليس الرأي الجديد – الذين كانوا ينميهم العرق السامي – أي ينتمون إلى العرق السامي – دين يُسمى دراما أو دهرما Dharma، هذا دينهم الأصلي، الدهرما Dharma! وهذا الدين يقوم على تقديس وعبادة النار، قريب من الدين الزرادشتي، يقوم على عبادة النار وتقديسها، وكانوا يبنون ويُشيّدون للنار ولعبادتها المعابد ويُظفِّون الكهنة ورجال الدين ويُقرِّبون القرابين من الزروع ومن الثمار ومن الحيوان، يُقرِّبونها! لكن أيضاً لم يكونوا يُوحِّدون النار، إنما كانوا يَشركون معها معبودات أُخرى قريبة منها، أقربها الشمس، والصلة قريبة جداً بين الشمس والنار، كانوا أيضاً يُقدِّسون ويعبدون الشمس! ويعبدون كائنات مهولة مُخيفة كالتنانين Dragons، كانوا يعبدون كائنات ضخمة مثل التنين Drachen! لماذا؟ لأن التنانين دائماً ما تقذف النيران، تقذف من أفواهها النيران! فكانوا يعبدون أيضاً هذه المخلوقات العجيبة، يعتقدون ألوهيتها أو إلهيتها، هذه هي الديانة! طبعاً هذه التفاصيل المُتوفِّرة عنها، أكثر من هذا غير مُتوفِّر، غير موجود لها كُتب ولا أدبيات، انتهى! بخلاف الديانة الهندوسية!

إذن على هذا الرأي – وهو الرأي الأكثر شيوعاً والأكثر رجاحية لدى مُعظَم المُؤرِّخين والباحثين في الأديان المُقارَنة – الديانة البرهمية – نسبة إلى براهما Brahma – أو الهندوسية هي ديانة الفاتحين، الذين غلبوا على العرق السامي في أرضه، في بلاد الهند أو في شبه القارة الهندية، ديانة الفاتحين!

طبعاً بلا شك – وهذه سُنة الاختلاط وسُنة الاندماج وسُنة التفاعل – لابد أن تكون الديانة الأصلية – الدهرما Dharma – ألقت بظلالها وطبعت بطابعها في قليل أو كثير الديانة الفاتحة، لا تأتي ديانة وتبقى محضاً صرفاً، ديانة كما هي، مُستحيل! بالعكس حين يقع ويحصل تناظر أو مُناظَرة أو جدال – وهذا معروف في علم المُناظَرة وفي دراسة الأفكار وتاريخ الأفكار – بين مُفكِّرين أو بين أفكار أو بين مبادئ لابد أن يتأثَّر كل بالآخر، مهما كانا مُتناقِضين أو مُتضادين أو مُتخالِفين لابد أن يُلقي كل منهما بظلاله على الآخر في قليل أو كثير!

طبعاً إذا كان إحدى الفكرتين أو أحد المُتجادِلين أقوى وأذكى وألحن بحُجته فإنه يُلقي بظلاله أكثر من الآخر، لكن حتى الآخر يُلقي بشئ من ظلاله، طبعاً هذا إذا تكلَّمنا عن النقاش العلمي، ليس عن نقاشنا اليوم مثلاً، لا! هذا كلام فارغ، نتحدَّث عن النقاش العلمي، عالم مع عالم أو فيلسوف مع فيلسوف أو مُفكِّر مع مُفكِّر، ليس عالماً مع رجل – مثلاً – من السوقة ومن الرعاع، لا! هذا كلام فارغ، لا يُوجَد تأثير، لا يُوجَد تآثر هنا، هنا يُوجَد فعل من اتجاه واجد، لأنه من أعلى إلى أدنى، مُستحيل! هذا القانون، لكن حين يكونا مُتعادِلين يتم التآثر، مثل الصورتين في مرآتين، أليس كذلك؟ أو مثل الصورة حتى الواحدة في مرآتين، لابد أن يتعاكس وأن يتآثر الفكر، هذه سُنة ماضية! لكن قدر هذا التآثر – يُسمونه الــ Interaction – أو قدر هذا التبادل أو قدر هذا التطابع بين الديانتين البرهمية أو الهندوسية والدهرما Dharma القديمة لا نستطيع أن نقطع فيه ولا أن نُفصِّل فيه، لماذا؟ لأن المعلومات المُفصَّلة عن الديانة القديمة ليست مُتوفِّرة للمُؤرِّخين، غير موجودة، صعب! لكن نقول هذا في الجُملة جرياً منا على القانون، على قانون التآثر والتثاقف!

إذن هذه هي الديانة الجديدة، هذه الديانة لم تكن واضحة لطلّاب المعرفة والدارسين والباحثين دائماً، بالعكس! بل تأخر الوقوف عليها، لماذا؟ أولاً لأن كُتبها المُقدَّسة لم تكن تُكتَب كتابةً، لم يكونوا عرفوا الكتابة، فكانوا يتشافهون بها، وكانت تعاليم الديانة البرهمية أو الهندوسية تقضي بتحريم نقل هذه التعاليم وأسرار الديانة إلى غير أهل المِلة، ممنوع! يُحرَّم حُرمة شديدة، هذه أسرار لنا! وظل الحال على هذا، الشعوب الأُخرى لم تعرف شيئاً، مثلاً في الحضارة الإسلامية – مع أننا ارتبطنا بالهند، أليس كذلك؟ وكان يُوجَد تآثر – لم نتعرَّف على شيئ دقيق وشيئ له جدوى وتحته طائل من الديانة الهندوسية إلا مع أبي الريحان البيروني Abu al-Rayhan al-Biruni، البداية كانت مع أبي الريحان البيروني Abi al-Rayhan al-Biruni ولعلها أول بداية على مُستوى العالم حتى، بل ليس لعلها – هكذا يقول المُؤرِّخون – لأن أول بداية كانت مع هذا الرجل المسقع ومع هذه العبقرية الفذة النادرة، أعني أبا الريحان البيروني Aba al-Rayhan al-Biruni – رحمة الله تعالى عليه – المُتوفى سنة أربعين وأربعمائة للهجرة، أي في القرن العاشر الميلادي.

أبو الريحان البيروني Abu al-Rayhan al-Biruni ذهب مع السُلطان والفاتح العظيم محمود بن سبكتكين Mahmud Bin Subuktigin – محمود الغزنوي Mahmud of Ghazni أصله من غزنة في بلاد أفغانستان، هذا هو محمود الغزنوي Mahmud of Ghazni، مُؤسِّس الدولة الغزنوية محمود بن سبكتكين Mahmud Bin Subuktigin – إلى بلاد الهند فاتحاً، ذهب هذا الفاتح العظيم وذهب معه – أي رافقه – البيروني Al-Biruni، وكان في مُقتبَل عُمره، وهناك عكف أبو الريحان Abu al-Rayhan على دراسة اللُغات الهندية، وهو الرجل النهم المُحِب جداً للمعارف والعلوم والفلسفات والأديان ولكل شيئ، وكان موسوعة مُتحرِّكة، وليس موسوعة حفظ، موسوعة إبداع! علوم كثيرة أبدعها أبو الريحان البيروني Abu al-Rayhan al-Biruni، أبدعها! إبداع جديد من لا شيئ، عقلية غير عادية، الفرس يقولون هو فارسي، الأرمن يقولون هو أرمني، التُرك يقولون هو تُركي، العرب يُحاوِلون – لكن طبعاً هذا لا يُمكِن، هذا كلام فارغ – نسبته إليهم، الك يتنازع نسبة هذا الرجل، لأنه عبقرية غير عادية، أعظم عقلية علمية على الإطلاق في تاريخ المُسلِمين – علمية وليس فلسفية وما إلى ذلك – أبو الريحان البيروني Abu al-Rayhan al-Biruni، لا يُمكِن أن يُذكَر إلى جانبه أي أحد – لا ابن الهيثم ولا ابن النفيس ولا الرازي ولا غيرهم – أبداً، هذا البيروني Al-Biruni، شيئ عجيب، رجل عجيب جداً!

هذا الرجل – رحمة الله عليه – ذهب هناك وحذق اللُغات الهندية القديم منها والحديث بما فيها السنسكريتية، حذقها! درسها كلها لأنه يُريد ان يعرف الثقافة والحضارة والفلسفة هناك، حذقها! وعن طريقها ألم بتراث الهند العلمي والديني، وألَّف كتاباً عجباً – هو هذا – سماه تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، هو هذا الكتاب وهو كتاب عجب، من أعجب ما يكون! شطَّره ثلاثة أشطار، في شطر تحدَّث عن الفلك، في شطر آخر عن الرياضيات – Mathematics – الهندية، وفي شطر ثالث تحدَّث عن الفلسفة والديانة والاعتقاد، وهذا ما يهمنا، عرض فيه لهذا الدين، وهو يُترجِم ترجمات خاصة حسبما يرى، فالفيدا Vedas – مثلاً – العالم كله يُترجِمها الفيدا Vedas لكن هو يُترجِمها البيذ، فإذا قرأت لأبي الريحان Abi al-Rayhan ووجدت أنه يقول البيذ اعلم أنه يقصد الفيدا Vedas، ما البيذ هذا؟ الفيدا Vedas، الفيدا Vedas هي البيذ، يُترجِم فيشنو Vishnu – الإله الحامي – بيشنو، يقول بيشنو! بيشنو هو فيشنو Vishnu، هذه ترجمته! والبيذ هي الفيدا Vedas، وهكذا! له ترجمة خاصة، يتحدَّث الرجل بمعرفة دقيقة جداً جداً جداً، وقف على أسفارهم وترجم منها قطعاً، وكذلك فعل مع مُحاوَراتهم وتراتيلهم وصلواتهم وعاداتهم ومعبوداتهم وشرائعهم وقوانينهم ودساتيرهم بتبصير عجيب، الرجل هذا عجيب رحمة الله عليه، فكانت هذه البداية، بدأ العالم الخارجي – غير الهندي – يتصل بعقائد ومعبودات وطقوس وفنون الهند المِلية عبر أبي الريحان البيروني Abi al-Rayhan al-Biruni في القرن العاشر الميلادي لأول مرة!

بعد ذلك في القرن السابع عشر الميلادي جاء باحث وعالم أيضاً مُتخصِّص فارسي وحذق أيضاً جُملةً من هذه اللُغات وترجم أجزاء من الكُتب الدينية والأسفار المُقدَّسة الهندوسية إلى الفارسية، فكانت هناك إضافة أكثر هنا!

في القرن الثامن عشر والتاسع عشر جاء باحثون غربيون أوروبيون – وخاصة من بريطانيا – لأول مرة أيضاً وأعانتهم معرفتهم وحذقهم باللُغات الهندية القديمة وفي مُقدِّمتها السنسكريتية على أن يُترجِموا أجزاء كثيرة جداً من الكُتب المُقدَّسة الهندية، لأول مرة تُرجِمت! وبدأ المُفكِّر الغربي يقرأ ويطلع على هذه الأشياء، أشياء كانت كنوزاً مخفية، فوجدنا – مثلاً – هنري ديفيد ثورو Henry David Thoreau الذي أسَّس فلسفة ونظرية العصيان المدني – عقدت عنه خُطبة ربما قبل أربع سنوات، استعنت به كثيراً وعُدت إلى كتاباته الأصلية، مُفكِّر أمريكي ناشط ومشهور جداً جداً، هذا هنري ديفيد ثورو Henry David Thoreau – يعزو فكره وعبقريته إلى مصدرين، يقول أنا مدين لكتابين، كل فكري هذا وكل تصوري للعالم وللكون أنا مدين فيه لكتابين: مقال في الطبيعة Essay on Nature لرالف والدو إيمرسون Ralph Waldo Emerson – الفيلسوف والمُفكِّر العظيم الأمريكي، حقيقةً مُفكِّر كبير جداً رالف والدو إيمرسون Ralph Waldo Emerson، له كتاب مقال في الطبيعة Essay on Nature حول الطبيعة – والبهاغافاد غيتا Bhagavad Gita، الكتاب الثاني – قال – هو هذا، البهاغافاد غيتا Bhagavad Gita! قال هذا الكتاب الثاني هو الذي أنشأ شخصيتي وكوَّنني، وهذا أحد الكُتب الشارحة لبعض ما في الفيدا Vedas، قال هذا هو!

تعرفون المهاتما غاندي Mahatma Gandhi، طبعاً العالم استغرب من الجنرال مارشال General Marshall، وأنتم تعرفون مشروع مارشال Marshall وما إلى ذلك، هذا هو نفسه! الجنرال مارشال General Marshall حين اُغتيل غاندي Gandhi على يد قومه طبعاً لتسامحه الزائد صُدِم وقال هذا خبر سيئ جيداً، هذا الرجل كان من أعظم الأرواح الشاهدة على العصر، وكان أمل الكثيرين – قال – في قارته وربما حول العالم، المهاتما غاندي Mahatma Gandhi نفسه – المهاتما Mahatma معناها الروح العظيمة – كتب يقول في حقل نشاطي السياسي أنا أدين بالقوة التي تمدني إلى حقل نشاطي الروحي، قال تربيتي وتحرري الروحي هو الذي أعطاني القوة على النضال السياسي بهذا المُستوى المُعجِز، مُستوى مُخيف جداً، غير طبيعي! رجل دون أن يرمي حجراً قهر أعظم قوة وإمبراطورية في عصره، عجيب! رجل عجيب جداً، ووزنه ستة وثلاثون كيلو جرام، وزن المهاتما غاندي Mahatma Gandhi ستة وثلاثون كيلو جرام! رجل زاهد، تحرَّر من كل شيئ، تحرَّر من الطمع والجشع وحُب الشُهرة وحُب الزعامة وحُب النجاح وحُب الظهور، أنتم رأيتم كيف كان يلبس الرجل هذا، هذا هو! هذا الإنسان في عمقه والإنسان في نُبله، مُتحرِّر من كل شيئ، وهو مُحامٍ وعنده شهادة عُليا ويعرف لُغة القوم الإنجليزية بشكل مُمتاز جداً جداً لأنه درس عندهم، لكن هذا كله كلام فارغ، فهو مهاتي سنياسي، أي  Sannyasin بالإنجليزية! كان سنياسياً الرجل، أي أنه بلغ أعلى درجة!

المُهِم – الشاهد – أنه يقول أدين بهذه القوة التي تمدني في نضالي في الحقل السياسي إلى نشاطي في الحقل الروحي، وإن أعظم ما يصقل الروح ويمدها البهاغافاد غيتا Bhagavad Gita، قال هذا هو، هذا الكتاب قال، قال أنا تعلَّمت من هذا الكتاب، هذا الكتاب كوَّن شخصيتي، هذا أحالني إنساناً آخر، البهاغافاد غيتا Bhagavad Gita! سوف نرى ما البهاغافاد غيتا Bhagavad Gita وما القصة هذه وما علاقتها بالكُتب المُقدَّسة.

وجدنا بعد ذلك أيضاً مُفكِّراً كبيراً ودارساً مشهوراً جداً للأديان الشرقية وهو هاينريخ أو هاينريش زيمر Heinrich Zimmer – أصله ألماني طبعاً لكن هو من جامعة كولومبيا Columbia وعاش فترة في أمريكا – في كتابه الشهير جداً فلسفات الهند Philosophies of India ماذا يقول؟ عنده كتاب من أعظم الكُتب اسمه فلسفات الهند Philosophies of India، يقول فيه هذا الكتاب – مشهور جداً هذا الكتاب عالمياً – إنما أردته لكي أعرض ترداد العالم لزئير آساد غابات الحكمة في الهند، هكذا! 

ويقول في مطلع الكتاب ها نحن الغربيين نقف على مشارف طريق – بداية جديدة هذه قال، غير الخلاص الروحي والفكري، على مشارف طريق الآن نحن قال – في القرن العشرين وقف عليه روحانيو ومُفكِّرو الهند قبل سبعمائة سنة من ميلاد السيد المسيح، قال كم نحن مُتأخِّرون! قال نحن مُتأخِّرون جداً جداً، نحن بدائيون – قال – إذن، نقول نحن الغرب والغرب والغرب، ونقول عندنا فلسفات وعندنا علوم وعندنا تقنيات، وكل هذا كلام فارغ، قشور هذه! الغرب هذا مُتفلسِف جداً ودقيق وذكي في التعامل مع المادة ومع العالم الخارجي، لكنه في معركة الإنسان والحقائق العُليا صفر، هؤلاء لا يعرفون شيئاً!

وهذا الغرب أصلاً لا يعرف معنى الدين على حد تعبير أحد فلاسفة الهنود ربما الخياليين أو المُتخيَّلين الذين أدار وعقد ويل ديورانت Will Durant في مباهج الفلسفة حواراً بينه وبينهم وهم طائفة أُخرى من المُفكِّرين ينتمون إلى نِحلل مُختلِفة بما فيهم أحد الملاحدة، قال هذا الغرب أصلاً لا يعرف معنى الدين، هو لا يُقارِب الأديان، هو أصلاً لا يعرف معنى كلمة دين، بالعمق الحقيقي لا يعرف، لم يعرفها! عليه أن يتعلَّم مُنذ البداية، من الــ ABC، لا يعرف شيئاً! ويظن أنه يتحكَّم في العالم ويُريد أن يتأستذ على العالم كُله، ويُعطي شارات مرور وشارات منع قائلاً أنا مَن يقول! لكن ليس أنت مَن يقول.

إذن هناك غطرسة وجدناها واستمعنا إليها في خطيب الأديب الاستعماري الإمبراطوري روديارد كبلينغ Rudyard Kipling حين قال الشرق شرقٌ والغرب غربٌ ولن يلتقيا، قالها بعُنجهية! هذا شرق مُتخلِّف وهذا غرب مُتقدِّم، طبقة – Schicht – أُخرى! وهما لنا يلتقيا، لأن هؤلاء ميئوس منهم، هذه العُنجهية ينبغي أن تختفي إلى الأبد، يقولها مُتعنجِهاً مثل كبلينغ Kipling لكن لا يقولها فيلسوف كبير أو مُفكِّر عظيم مثل شوبنهاور Schopenhauer – الألماني آرثر شوبنهاور Arthur Schopenhauer – الذي يقول لا يُوجَد كتاب يسمو بالنفس ويُعلِّم التهذيب الروحي مثل الأوبنشادات Upanishads، الأوبنشاد Upanishad ما هي؟ أحد شروح الفيدا Vedas الهندية، البهاغافاد غيتا Bhagavad Gita هو قسم من الأوبنشاد Upanishad، هذا قسم منه! أشهر أقسام الأوبنشاد Upanishad هو هذا الكتاب، شوبنهاور Schopenhauer قال لا يُوجَد كتاب مثله، بحسب اطلاعي – قال – لا يُوجَد كتاب الأوبنشادات Upanishads، قال لقد كانت سلوى حياتي، أكثر شيئ عزاني وسلاني وأعطاني الاستقرار والسكينة هي هذه الأوبنشادات Upanishads الهندية – قال – الفيداوية، وستكون سلواي بعد مماتي، هو كان يُؤمِن بالبقاء الروحي، عنده هذا! قال هذه ستكون سلواي، هذا شوبنهاور Schopenhauer وهو فيلسوف كبير، صاحب العالم إرادةً وتمثلاً، العالم إرادةً وتمثلاً هو كتابه الشهير جداً.

هكسلي Huxley أيضاً – ألدوس هكسلي Aldous Huxley، ليس جوليان هكسلي Julian Huxley المُلحِد التطوري وإنما  ألدوس هكسلي Aldous Huxley صاحب عالم جديد شجاع – كان من المُتأثِّرين جداً جداً بالأوبنشادات Upanishads وبالهندوسية بشكل عام وتخصَّص فيها!

الروحاني والقس والطبيب والفيلسوف والمُفكِّر العالمي والإنساني الكبير ألبرت شفايتزر Albert Schweitzer – الألماني المعروف، صاحب فلسفة الحضارة، والذي قضى الشطر الأخير كله من عُمره في خدمة الفقراء في إفريقيا هو وزوجته، رجل عجيب، هو موسيقار وفيلسوف ومُفكِّر ومُؤرِّخ وصاحب أديان مُقارَنة، عنده كتاب الحمد لله قرأته اسمه فكر الهند وهو من أعجب ما يكون – تعمَّق تماماً في الديانة الهندوسية وأديان أُخرى هندية بما فيها البوذية طبعاً وكان يرى أنها مُجرَّد تفريع، أي أنها ليست ذات قيمة بالنسبة إلى الهندوسية.

رينيه غينون René Guénon – رحمة الله عليه – الفرنسي الذي أسلم وتسمى بعبد الواحد يحيى تحدَّثنا عنه عدة مرات في الفترة الأخيرة، رينيه غينون René Guénon من أكبر المُتخصِّصين على الإطلاق بل يقول بعضهم إنه أول غربي على الإطلاق يعرض الديانة الهندوسية بشفافية كاملة وصدقية وحيدة، كما هي! دون أن يتدخَّل بإبراز أحكام قيمة عليها، أن هذا صحيح وهذا خطأ، هذا جيد وهذا غير جيد، وهذا عميق وهذا تافه، لا! حاول أن يعرضها بشهادة قديسيين وعلماء هنادكة كبار، قرأوا كتاباته وقالوا لا نستطيع ولا نملك أن نعرض ديننا أحسن من هذا العرض، عرض مُنصِف تماماً! فهم عمق ديننا وعمق مِلتنا، هذا رينيه غينون René Guénon! لكن – الحمد لله – رينيه غينون René Guénon انتهى إلى الإسلام، أليس كذلك؟ قضى هكذا مُعظَم حياته، لكن هو يُوقِّر هذه الأديان، خاصة الهندوسية! وكتابه عندي وقد قرأته والحمد لله، إن شاء الله سأُعطيكم خُلاصة عنه في إحدى الحلقات المُقبِلة، كتاب عجيب لرينيه غينون René Guénon عن الديانة الهندوسية، تُرجِم وطُبِع في مصر في المشروع القومي للترجمة – والحمد لله – كتابه هذا.

كُتب كثيرة وأشخاص كُثر جداً عمالقة تأثَّروا بهذه الديانة وبأسفارها وبأناشيدها وتراتيلها وتصورها للكون والإنسان والإله، إذن يبدو أن شأن هذا الدين ليس شأناً بسيطاً – كما قلت – يُمكِن أن يُقتضَب الحديث عنه في صفحة أو في عشرين صفحة أو في خمسين صفحة بطريقة هكذا سيئة كما فعل – أعتقد أنه ربما تُوفيَ – الدكتور أحمد شلبي – رحمة الله عليه – صاحب السلسلة الشهيرة في مُقارَنة الأديان في أربعة أجزاء، للأسف! للأسف عرض للهندوسية في زُهاء أربعين صفحة عرضاً سيئاً جداً ومُختَلطاً ومُشوَّهاً، ليس فيه أي نوع من العمق أو الجمالية، سيئ جداً جداً، للأسف! هذا عرض مُتعجِّل، بخلاف – مثلاً – الناسك والراهب والعالم وأستاذ الديانات المُقارَنة العالمي هوستن سميث Huston Smith في كتابه أديان العالم، الكتاب الذي وُزِّع منه فقط في الولايات المُتحِدة الأمريكية زُهاء ثلاثة ملايين نُسخة، رجل عجيب هذا الرجل، حين يتحدَّث عن الإسلام تقول هذا مُسلِم، وبالمُناسَبة هو يقول أنا يومياً أقرأ من القرآن وأجعله في بعض صلاتي، في كل صلاة أقرأ من القرآن! وطبعاً يفعل هذا أيضاً بالإنجيل وبالتوراة وبالأوبنشادات Upanishads وبعض الأشياء من البوذية وما إلى ذلك، رجل عجيب! وطبعاً سافر من الغرب إلى الشرق مرات عديدة وعاش بين هؤلاء الناس وحاول أن يفهم بعمق، وهذا كتب فصلاً عن الهندوسية في مائة صفحة من أروع ما يُمكِن أن يُكتَب على الإطلاق، أنا أدهشني! أدهشني كيف يُمكِن أن يُركِّز وأن يُكثِّف في مائة صفحة فعلاً جوهر هذه الديانة؟ أنت تقرأ هذا الكتاب – هذا الكتاب ضمن كُتب كثيرة، أنا عندي مجموعة كُتب عن الهندوسية، هناك كُتب كثيرة جداً جداً عن الهندوسية – وتُدهَش، كيف هذا الرجل استطاع أن يُكثِّف بأمانة عجيبة جداً جداً ورائعة؟ عرض أكثر من رائع، بالنسبة إلى هذا مُستحيل.

هذا الكتاب هو أحد الشروح العظيمة لنشيد المولى – كريشنا Krishna عندهم – لم يُفلِح أن يشرح هذه المعاني كما شرحها هوستن سميث Huston Smith حقيقةً، هذا ما يُعطيه الأمانة العلمية والعمق في الفهم، ومع ذلك الرجل بروتستانتي، يقول أنا في نهاية المطاف مسيحي بروتستانتي، أُوقِّر الإسلام واليهودية والبوذية والهندوسية،  وأنا في النهاية بروتستانتي، لكنه يفهم حتى البروتستانتية بشكل مُختلِف وجديد، فيه إبداع وفيه تجديد وفيه جراءة، والرجل ناسك روحياً، ناسك! أي أنه يعبد الله ويتوجَّه إليه بطريقة عملية، هو ليس بروفيسوراً – Professor – نظرياً فقط، لا! يعيش الرجل حياة راهب، عجيب هذا الرجل!

على كل حال نأتي الآن أيها الإخوة لنُعطي لمحة سريعة – هذا طبعاً كما وعدت لأن بعض الإخوة جاءوا مُتأخِّرين، وهذه المُحاضَرة ستكون من جُزئين أو ثلاثة لكي نقف بنوع من التفصيل الهادئ على هذه الديانة العميقة والعريقة طبعاً، العميقة معنىً والعريقة تاريخاً – ونُلقي بعض الضوء على الأسفار المُقدَّسة لهذه الديانة، إذا ذُكِرَت الهندوسية فأول ما يُذكَر الفيدا Vedas، اليوم ذكرتها هنا عدة مرات، الفيدا Vedas! ما هي الفيدا Vedas؟ الفيدا Vedas مجموعة أسفار مُقدَّسة، ليست كتاباً واحدة وإنما مجموعة والمشهور منها أربعة، أي أربع فيدات Vedas، وهذا إذا قلنا الفيدا Vedas مُؤنَّث، لحنها أنها مُؤنَّث هكذا، إذا قلنا السفر أو الكتاب فسنقول إذن أربعة فيدات Vedas!

كما أشرت قُبيل قليل تاريخ الفيدا Vedas غير معروف بالضبط، لأنها لم تُكتَب – أي هذه الفيدات Vedas الأربعة – في وقتٍ واحد، كُتِبت في أوقات مُتفاوِتة وخاصة الرابع، أي خاصة الفيدا Vedas الرابع وهو الآثارفا فيدا Atharva-Veda أو الآثارفانا فيدا Atharvana-Veda، وآثارفا Atharva هذا اسم أحد الحُكماء منهم كما يُقال، أحد الحُكماء والقدّيسين كان اسمه آثارفا Atharva، الآثارفا فيدا Atharva-Veda هذه كُتِبت في وقت مُتأخِّر كما يُرجِّح بعض ثقات مُؤرِّخي الهندوسيات أو الهنديات بشكل عام.

إذن كتابهم المُقدَّس الفيدا Veda، هم يقولون ترقى إلى آلاف السنين قبل ميلاد المسيح، زُهاء خمسة آلاف سنة قبل المسيح! جمهرة المُؤرِّخين الغربيين يقولون لا، هي لا ترقى أكثر من ألف وسبعمائة سنة قبل المسيح، أكثر شيئ! هذه البداية المُطلَقة يقولون، وكما قلنا في البداية كان يُتشافه بها، كان يُتشافه بها مُشافَهةً، وبعد ذلك درست اللُغة السنسكريتية، اللُغة السنسكريتية لم تعد لُغة الخطاب – التخاطب – ولا لُغة الكتاب، وبقيت وقفاً على البراهمة Brahmins، البراهمة Brahmins هم رجال الدين، تعرفون أنهم في الهندوسية – طبعاً سنعرض لهذا في الحلقة المُقبِلة إن شاء الله – يُقسِّمون مُجتمَعهم إلى أربع طبقات، أي Vier schichten بالألمانية أو Four classes بالإنجليزي، أعلى طبقة وأشرف طبقة وأقدس طبقة طبقة البراهمة Brahmins وهم رجال الدين، سنتحدَّث عنهم! هؤلاء يعرفون السنسكريتية، يكتبون بها ويعرفونها ويقرأون بها الأسفار المُقدَّسة، لكنها درست بالنسبة للعوام، أي عوام الناس وجُملة الناس، هل هذا واضح؟ فهذا جعل الوقوف عليها صعباً، والتاريخ مع تاريخها وتفاصيلها وشروحها أصعب، لأن هذا غير مُمكِن، هذه اللُغة أصبحت حكراً على بعض الناس وهم رجال الدين الروحانيين.

والفيدا Vedas هذه شُرِحَت بعد ذلك شروحاً كثيرة، أكثرها تفصيلاً وتعمقاً ما يُعرَف بقوانين أو شرائع أو قانون أو شريعة منو Manou، بعض العرب يقولون مانو، وهذا غير صحيح، اسمها ليس مانو وإنما Manou، منو سمرتي Manusmṛti! منو سمرتي Manusmṛti تعني شرائع أو شريعة منو Manou، تشرح الفيدا Vedas شروحاً مُفصَّلة تماماً.

فنأتي الآن إلى مجموعة الفيدات Vedas، أي السامهيتا Samhita، يُسمونها السامهيتا Samhita، ما السامهيتا Samhita؟ المجموع، مجموع ماذا؟ مجموع الفيدات Vedas الأربعة، فالفيدا Vedas هي أربعة كُتب، أربعة أسفار! هناك أربعة أسفار رئيسة، أولها وأهمها الريجفدا Rig-Veda، الريجفدا Rig-Veda هذه أهمها، وطبعاً كل فيدا Vedas من هذه الفيدات Vedas تنقسم إلى قسمين أيضاً، كل فيدا Vedas تنقسم إلى قسمين! أولاً تنقسم إلى المانترا Mantra، ما هي المانترا Mantra؟ المانترا Mantra هي الصلوات والتراتيل والأدعية، أي أن الجانب الطقوسي التعبدي في الفيدا Vedas يُسمونه المانترا Mantra، أنا حين فهمت المعنى وأنا صغير قرأت كتاباً لعالم إنجليزي عن الــ Meditation – التأمل – والــ Transcendental meditation، تحدَّث فيه بكثرة عن المانترا Mantra باستمرار، واتضح أن هذه كلمة فيداوية أو فيدائية أو بيذية بلُغةأبي الريحان البيروني Abu al-Rayhan al-Biruni، هذه هي! هذه هي المانترا Mantra! إذن عندك أربع فيدات Vedas أو أربعة فيدات Vedas، أي أربعة أسفار أو فيدا Vedas، كل فيدا Vedas منها تنقسم إلى قسمين، هكذا! أي أن كل كتاب منها ينقسم إلى قسمين، أولاً قسم المانترا Mantra، وهو يختص بماذا؟ بالتراتيل والصلوات والأدعية، وثانياً قسم البراهمانا Brahmana، قسم البراهمانا Brahmana يختص بماذا؟ بالتعاليم، بالجُزء التشريعي القانوني، افعل ولا تفعل، والأخلاق والنُظم والمُعامَلات وما إلى ذلك، هذا البراهمانا Brahmana! لذلك بعض الناس يأتي ويتكلَّم عن ثمانية أقسام فيُخربِطك، لكن هن أربعة، أربعة فيدات Vedas، وكل فيدا مانترا Mantra وبراهمانا Brahmana، هناك المانترا Mantra وهناك البراهمانا Brahmana، كل واحدة منهن فيها هذا، فأول فيدا Vedas هي الريجفدا Rig-Veda، والريج Rig معناها النار، أي الفيدا Veda النارية، هذا التقسيم له علاقة بماذا؟ بالطبائع الأصلية وبالعناصر، لكن هو تقسيم ثلاثي إلى هنا، والريجفدا Rig-Veda طبعاً فيها مانترا Mantra وفيها براهمانا Brahman.

بعد ذلك الياچورفيدا Yajur-Veda، أي الفيدا Veda الهوائية، الياچور Yajur هو الهواء، الياچورفيدا Yajur-Veda هي الفيدا Veda الهوائية، وأيضاً تتكوَّن من مانترا Mantra وبراهمانا Brahmana.

بعد ذلك السامافيدا Sama-Veda أو السامانا فيدا Samana-Veda كما يُسمونها، يُمكِن أن تقول الساما Samana أو السامانا Samana، وهنا قد يقول لي أحدكم من هنا كلمة السامانا Samana والسامانيون، ونحن قرأنا رواية الأديب الألماني العظيم هيرمان هيسه Hermann Hesse وهي سدهارتا Siddhartha، عنده رواية صغيرة لكنها عظيمة جداً جداً، ربما أعرض مُلخَّصها في الحلقة هذه أو في الحلقة الجائية إن شاء الله، رواية سدهارتا Siddhartha مُمتازة، وما هو السدهارتا Siddhartha؟ اسم مَن؟ اسم مَن هذا في الأصل؟ اسم بوذا Buddha، بوذا Buddha اسمه سدهارتا غوتاما Siddhartha Gautama، بعد ذلك تلقَّب بالمُستنير: بودا، ليس بوذا وإنما بودا!

إذن هناك رواية السدهارتا Siddhartha، تحدَّث فيها عن السامانيين في الأول وكيف أن سدهارتا Siddhartha هذا ترك أهله والمُجتمَع البرجوازي وذهب ليُصبِح سامانياً، مع طائفة السامانيين، إذن لها علاقة، لماذا؟ لأن الساما Sama هي الشمس، لها علاقة بالاستبصار وبالتنور أيضاً، انظر إلى هذا، السدهارتا Siddhartha يُلقَّب بالبودا أيضاً، أي المُستنير، جيد!

إذن عندنا السامافيدا Sama-Veda أو السامانا فيدا Samana-Veda، السامافيدا Sama-Veda تعني الفيدا Veda الشمسية، إذن لدينا إلى الآن النارية والهوائية والشمسية.

آخر شيئ – وقد ذكرناها قبل قليل – الآثارفا فيدا Atharva-Veda أو الآثارفانا فيدا Atharvana-Veda، هذا الاسم الكامل، مثل السامافيدا Sama-Veda أو السامانا فيدا Samana-Veda، الآثارفا فيدا Atharva-Veda الاسم مُختصَر، يُقال إن آثارفا Atharva هذا أحد حكمائهم وقدّيسيهم، يُقال! هذا ليس منسوباً لطبيعة أو لشيئ أو لعنصر رابع في الكون، لا! هذا اسم شخص، اسمه آثارفا Atharva، وهذه الآثارفا Atharva في جُزء البراهمانا Brahmana – ليس في المانترا Mantra – فيها أشياء مُهِمة جداً، أي في الآثارفا فيدا Atharva-Veda! لماذا؟ تتعلَّق بالتقسيم الطبقي للمُجتمَع، موقع الإنسان في المُجتمَع أو في الهيراركية الاجتماعية، وأنتم تعرفون أن عندهم أربع طبقات رئيسة، وسوف نشرح هذه الطبقات بالتفصيل في المرة القادمة إن شاء الله، فهناك طبقة رجال الدين، طبقة المُحارِبين أو المُقاتِلين، طبقة الفلّاحين والمُزارِعين، وأخيراً طبقة الشودرا Sudras، وهم العبيد والخدم، قد تقول لي ماذا عن المنبوذين Untouchables؟ هؤلاء ليسوا طبقة، هؤلاء شيئ ثان، لا يدخلون في التقسيم الطبقي أصلاً هؤلاء، لأن التقسيم الطبقي يخص الآريين، ومن هم الآريون؟ الجنس الفاتح للهند، هذا الجنس الفاتح وهذا دينه، نحن قلنا إن هذا دينهم، أليس كذلك؟ لكن هؤلاء أهل البلاد الأصليين، سموهم ماذا؟ المنبوذين، قالوا هذا منبوذ أصلاً، ليس له علاقة بنا ولا يدخل في تقسيم طبقي، للأسف وجدت – لن أذكر أسماء حتى لا نُسيء لبعض العلماء الذين يتعجَّلون، يعرضون كما قلت لكم أديان كبيرة عظيمة مثل هذه في عشرين صفحة أو في عشر صفحات أو في خمس صفحات بل في صفحتين – مَن يقول الشودرا Sudras – هم يقولون الشودرية – هم المنبوذون، وهذا خطأ كبير جداً جداً، المنبوذ شيئ والشودرا Sudras شيئ ثانٍ، هذا من الناس المُحترَمين أيضاً، هذا له حيثية في المُجتمَع أيضاً، يخدم الآخرين وما إلى ذلك في نطاق مُعيَّن لكن هو من المُجتمَع وخاضع للتقسيم الطبقي، لكن المنبوذ شيئ مُختلِف تماماً، هذا منبوذ نجس، هذا ليس له أي قيمة، وطبعاً هناك تشريعات ظالمة جداً جداً ولا إنسانية بخصوص المنبوذين.

كان من أكبر حسنات غاندي Gandhi أنه قال هؤلاء المنبوذون لماذا هم منبوذون؟ بالعكس! نحن سنُسميهم عيال الله أو أبناء الله، شعب الله سماهم هو، قال نحن سنُسميهم شعب الله، وحاول أن يُعيد إليهم اعتبارهم، وفي أثره سار مَن أيضاً؟ جواهر لال نهرو Jawaharlal Nehru، جواهر لال نهرو Jawaharlal Nehru الذي كان مُستاءً جداً جداً من هذا التقسيم اللاإنساني ومن هذه العنصرية البغيضة، وأيضاً استاء من أشياء أُخرى، وعنده كتاب في مُجلَّدين اسمه اكتشاف الهند The Discovery of India، الذي قدَّم له وقرأه ألبرت أينشتاين Albert Einstein، أيضاً هذا مطبوع وقرأناه والحمد لله، ينتقد فيه هذا، وربما نقتبس منه بعض الأشياء إن شاء الله.

إذن هذه لمحة عامة عن الفيدا Vedas، طبعاً يُقال هناك فيدا خامسة Fifth Veda، كيف هناك فيدا خامسة Fifth Veda؟ قالوا هناك كتاب أو سفر اسمه الفيدا الخامسة Fifth Veda ويتكوَّن من قسمين: إتيهاسا Itihasa وبورانا Purana، الإتيهاسا Itihasa والبورانا Purana قسمان، مثل المانترا Mantra والبراهمانا Brahmana، لكن هذا يتكوَّن من الإتيهاسا Itihasa والبورانا Purana، هذا اسمه الفيدا الخامسة Fifth Veda، ولكن تقريباً مُعظَم المُتخصِّصين في الهندوسيات يقولون لا، هذا ليس فيدا خامسة Fifth Veda، هذا أحد شروح الفيدا Vedas وهو مُتأخِّر، مُتأخِّر عن الفيدات Vedas كلها، مثل السوترا Sutra، قد تقول لي هناك الكاما سوترا Kama Sutra وهو كتاب في الجنس والأوضاع الجنسية، لكن هذه السوترا Sutra، ليس الكاما سوترا Kama Sutra، وإنما السوترا Sutra وحدها، السوترا Sutra أيضاً أحد الكُتب الشارحة للفيدا Vedas، السوترا Sutra مشهورة جداً، ومنها أيضاً – كما قلنا لكم – الأوبنشادات Upanishads التي منها أيضاً هذا الكتاب المعروف بنشيد المولى، أي البهاغافاد غيتا Bhagavad Gita، فالبهاغافاد غيتا Bhagavad Gita هو نشيد المولى، مَن هو المولى هذا؟ الإله كريشنا Krishna، الإله كريشنا Krishna وليس راما كريشنا Ramakrishna، راما كريشنا Ramakrishna أعظم قدّيس هندوسي في القرن التاسع عشر، لكن كريشنا Krishna إله عندهم وسوف نتحدَّث عنه بعد قليل، يُشابِه تماماً السيد المسيح، المسيح نُسخة مُستنسَخة منه، فليبحث كلٌ عن أصل دينه إذن، ولنبحث عن الأصيل وعن الدخيل وعن الأصيل وعن المُقلَّد، سأعرض لكم شيئاً عجيباً وقد عرضته في خُطبة عن المسيح قبل سنوات تقريباً.

على كل حال إذن الفيدا الخامسة Fifth Veda والسوترا Sutra والأوبنشادات Upanishads والفيدانتا Vedanta – هناك الفيدانتا Vedanta أيضاً – كلها كُتب شارحة للفيدا Vedas.

طبعاً أنا أعرف أن هذا العرض يُعَد جافاً، لذلك أنا سأُقسِّمه – كما قلت – على الحلقات بإذن الله، هذا العرض يُعَد عرضاً جافاً، لا شيئ فيه جذّاب، لكن هذا العرض سنُطعِّمه بعد قليل بأشياء فيها نوع من الجمال وفيها نوع من العمق وفيها نوع من الفائدة – بإذن الله – حين نعرض بالتحليل العميق لطريقة هؤلاء في فهم الإنسان وفهم الكون وفهم الدين، وسوف ترون أن هذه الكُتب لا تخلو من عمق عجيب جداً جداً، عمق ساحر! أي أن هذا ليس أي كلام، لكن هذا بعد قليل، نُوشِك أن ننتهي من هذا بإذن الله تبارك وتعالى.

كما قلنا لكم أيها الإخوة قوانين منو Manou أو منو سمرتي Manusmṛti هي أيضاً من الكُتب الشارحة بتفصيل دقيق للفيدا Vedas، وخاصة الجانب التشريعي، وقد صيغت هذه القوانين أو الشرائع وأُفرِغت في قالب شعري، ثم فُصِّلت في ألفين وستمائة وأربع وثمانين مادة، نقدر على أن نقول في زُهاء ألفين وسبعمائة حتى لا تنسوا هذا، فُصِّلت في ألفين وستمائة وأربع وثمانين مادة، على هيئة فقرات Paragraphs: المادة الأولى، المادة الثانية، المادة الثالثة، المادة الرابعة، وهكذا! هذه شرائع، حدث هذا بتفصيل، مَن هو منو Manou؟ منو Manou هذا شخص مُشرِّع، يُرجِّح المُؤرِّخ الغربي بشكل عام أنه يرقى إلى القرن الثالث الميلادي، إذن متى كُتِب منو سمرتي Manusmṛti؟ في القرن الثالث الميلادي، أصل الفيدا Vedas في السابع عشر قبل الميلاد، آخر الفيدات Vedas – كما قلت لكم – تأليفاً أو ضعاً هي الفيدا الرابعة Fourth Veda، أي الآثارفا فيدا Atharva-Veda أو الآثارفانا فيدا Atharvana-Veda، هذه آخر شيئ، بالنسبة إلى منو سمرتي Manusmṛti – مثلاً – نقول إن منو سمرتي Manusmṛti لا يكاد يذكر في تضاعيف الشرح أو النصوص الفيدا الرابعة Fourth Veda، أي الآثارفا فيدا Atharva-Veda، نكرها مرة واحدة! هذه مُلاحَظة قادت الدارسين إلى التساؤل، لماذا؟ لماذا يستشهد دائماً ويعتمد ويُعوِّل على الفيدات Vedas الثلاثة؟ يُعوِّل على الفيدات Vedas الثلاثة لكنه لا يُعوِّل على الآثارفا فيدا Atharva-Veda إلا في موضع واحد، وهذا يُؤكِّد أن الآثارفا فيدا Atharva-Veda كُتِبَت في وقت مُتأخِّر كثيراًعن الفيدات Vedas الثلاثة، وهذا ما انتهى إليه عالم الهنديات السير وليم جونز Sir William Jones البريطاني الشهير والشهير جداً، هناك اثنان شهيران جداً وهما كولبروك Colebrook والسير وليم جونز Sir William Jones، هما أشهر اثنان، والسير وليم جونز Sir William Jones وكولبروك Colebrook هما اللذان ترجما مُعظَم الأسفار الهندية المُقدَّسة إلى اللُغة الإنجليزية في القرن التاسع عشر، عندهما جهود عجيبة جداً جداً، هذان الاثنان من الخبراء، لكن اختلف رأيهما في هذه المسألة، فالسير وليم جونز Sir William Jones يقول ما ذكرت لكم، ويُخالِفه كولبروك Colebrook، قال إن مُعظَم أو القسم الأعظم من الآثارفا فيدا Atharva-Veda – بالعكس – يرقى إلى التاريخ الذي ترقى إليه الفيدات Vedas الثلاثة، هذا رأي مُختلِف، إذن هناك رأيان مُختلِفان في المسألة، لكن مُلاحَظة قوانين منو Manou هذه ربما تُرجِّح وجهة نظر السير وليم جونز Sir William Jones، لماذا؟ لم يستشهد به، مع أنه في القرن الثالث، هذا مُتأخِّر جداً، أي أن هناك زُهاء ألفي سنة، أليس كذلك؟ هناك ألفا سنة كفرق، ومع ذلك لا يُعوِّل على الآثارفا فيدا Atharva-Veda، مع أن الآثارفا فيدا Atharva-Veda – كما قلنا – في القسم الثاني منها تُوجَد قوانين تتعلَّق بالطبقات وبتنظيم المُجتمَع، فهي مُهِمة جداً، لكنه لم يُعوِّل عليها، يبدو أنها مُتأخِّرة والله أعلم، فهذا بالنسبة إلى قوانين قوانين منو Manou! 

انتهينا من الأسفار المُقدَّسة، سنأخذ فكرة عامة عن الجانب العقدي وخاصة عقيدتهم في الله، إذا ذُكِرَت الهندوسية فلابد أن نذكر ثلاثة دعائم عقدية دينية، أولاً وحدة الوجود، ثانياً التناسخ والكرما Karma، علماً بأن العرب يقولون كارما وهذا غير صحيح، ليست كارما وإنما كرما Karma، هكذا هي! ليست كارما وإنما كرما Karma، وثالثاً عودة الروح إلى الله، إلى الأتمان Atman، إلى المُطلَق الكُلي الأسمى الشخصي، فهو شخصي، ليس مُجرَّد فكرة هو، أي أنه ذات، يُؤمِنون بأنه ذات أيضاً، انتبهوا لأن هذا مُهِم، فهذه هي الثلاثة عقائد.

أبو الريحان البيروني Abu al-Rayhan al-Biruni في هذا الكتاب يقول المُسلِمون لهم علم – ما المقصود بعلم؟ علامة Sign تدل عليهم – الشهادة، المُسلِم مُفاتحه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، هذا مُفتاح المُسلِم، هذا المُفتاح، لا يُوجَد مُسلِم من غير هذه الشهادة، أليس كذلك؟ قال والنصارى شارتهم الصليب، أكثر شيئ يدل عليهم الصليب، يُؤمِنون بعيسى المُخلِّص الذي صُلِب وما إلى ذلك والصليب، كل شيئ يدور حول الصليب، الصلب! أي أن المسيحية بلا صلب لا تبقى مسيحية، أليس كذلك؟ لذلك أنا ذكرت لكم مرة في دروسي عن المسيحية أن السويسري هانس كونج Hans Küng – وهو مُؤرِّخ وعالم ولاهوتي كبير جداً وقس، ألَّف أكثر من ستة وسبعين كتاباً في دينه والأديان المُقارَنة، وآخرهم كتاب عن الإسلام رائع جداً جداً، كتاب في ثمانمائة صفحة عن الإسلام وهو مُمتاز – مثلاً اعترف بأن الله واحد وكفر بالتثليث، قال هذا كلام فارغ، لا يُوجَد ثلاثة، لا تُوجَد ثلاثة جواهر، يقصد الأقانيم Persons، والأقانيم جمع الأقنوم، والأقنوم ما هو؟ الجوهر، ثلاثة جواهر! قال هذا غير صحيح، الله واحد، لا شريك له، مُمتاز! قال الله واحد، ثم قال عيسى مُجرَّد رسول ونبي وعبد، جميل جداً جداً! اقترب من الإسلام، شيئ غريب، سُبحان الله! وهذا ليس أي إنسان، هذا ليس أي قسيس أو أي دارس، بروفيسور Professor كبير هذا، درَّس في سويسرا وفي ألمانيا، وفي مُؤتمَر الفاتيكان Vatican الثاني – من عام ألف وتسعمائة واثنين وستين إلى ألف وتسعمائة وخمس وستين – كان مع سيئ الذكر بندكت السادس عشر Benedictus XVI كأصغر عضوين مُشارِكين، كانا أصغر عضوين مُشارِكين على الإطلاق، كانا شابين صغيرين، في العقد الثالث من عمرهما، هانس كونج Hans Küng وراتسينغر Ratzinger كانا أصغر عضوين، أي أنهما غير عاديين، هذان الاثنان عبقريان، ومع ذلك هذا بعد ست وسبعين كتاباً بل قبل ذلك انتهى إلى أن الله واحد ولا شريك له، التثليث كلام فارغ، ما التثليث؟ قال هذا غير صحيح، عجيب!

هذا كان أولاً، ثانياً فكرة الإخلاص والخطيئة الأصلية Erbsünde، قال هذا كلام فارغ، غير موجود! قالوا عيسى جاء وصُلِب من أجل أن يُخلِّصنا وما إلى ذلك، فقال هذا غير موجود، هذا غير صحيح! لكنه يُؤمِن بالصلب، يقول نعم عيسى صُلِب، لكن ليس من أجل أن يُخلِّصنا، قال هذا الكلام غير منطقي، غير صحيح! كفر به وآمن بمحمد رسولاً ونبياً من عند الله، وأقر بأن القرآن هو كلمات الله، محمد ليس له فيها شيئ، مُوحى بها من عند الله، أي أن هذا ليس تسعة أعشار مُسلِم بل هو مُسلِم تقريباً، الرجل مُسلِم كامل، مُوحِّد ويُؤمِن برسول الله أيضاً، شيئ عجيب! فهو انتهى إلى هذه النتيجة، هذا هو البحث والحمد لله، هذا البحث العلمي! فالحمد لله على نعمة الإسلام، هذا الشيئ يجعل المُسلِم يطمئن بفضل الله، الحمد لله على نعمة الإسلام.

قلت البيروني Al-Biruni يقول شارتهم الصليب، هذا يعني أن من غير الصلب لا تُوجَد مسيحية، لذلك هانس كونج Hans Küng استبقى الصلب، قال نعم هو صُلِب، تخيَّل! هذا صعب، صعب أن المسيحي يتخلى عن الصلب، صعب جداً! تخلى عن التثليث وتخلى عن التكفير وتخلى عن الخلاص وتخلى عن كذا وكذا لكنه لم يتخل عن الصلب، صُلِب قال، القضية مُتواتِرة – قال – عندنا، مَن يتكلَّمون عن التواتر يقولون هذا مُتواتِر، الجماعة رأوا أنه صُلِب، أمه رأته، المجدلية رأته! اليهود رأوه، الرومان سجَّلوا أنه صُلِب، الكل! قالوا هذا مُتواتِر عندنا، كيف تُنكِر الصلب؟ هؤلاء المساكين لا يقتنعون بهذا، والقرآن أعطاك المُفتاح – Key – العجيب، قال شُبِّهَ لَهُمْ ۩، القرآن قال يُوجَد صلب، تم الصلب، هناك رجل صُلِب، لكن حدث لبس، حدث اشتباه، الله يعترف بواقعة الصلب، أليس كذلك؟ قال شُبِّهَ لَهُمْ ۩، لكن مَن الذي صُلِب؟ وكيف؟ هذا كلام طويل، وهذا يُرجِعكم إلى الأسفار الغنوصية، التي هي قبل رسول الله بحوالي ثلاثمائة سنة، وما تُرجِمَت ولا عُرِفَت إلا قبل خمسين سنة، لم يطلع عليها محمد ولا غير محمد ولا يعرفها أي أحد، وذكرت هذا في خُطبة لي، أليس كذلك؟ ومذكور فيها بشكل واضح أن الذي صُلِب ليس المسيح، شيئ غريب! هذه أسفار مسيحية، كانوا يعتبرونها هرطقات وكفراً وزندقة، هؤلاء مسيحيون، هذه فرقة مسيحية، لماذا تقول بهذا؟ أليس كذلك؟ عندهم أدلة على ذلك، تخيَّل! هناك أناجيل، عندهم أناجيل، وتعرف قصة نجع حمادي Nag Hammâdi والمخطوطات – Scrolls – المُكتشَفة، إلى آخره! المُهِم هذه قضية ثانية.

ماذا عن شعار اليهود؟ الإسبات، اليهود شعارهم ماذا؟ يقول البيروني Al-Biruni الإسبات، ما الإسبات؟ تعظيم السبت، دائماً ما يتحدَّثون عن السبت ويقولون نحن أمة السبت، هذا أهم شيئ عندهم، الإسبات! والهنادكة – هو يُسميهم البراهمة Brahmins – أو الهندوس ما علامتهم؟ ما شعارهم؟ التناسخ Reincarnation، مَن لا ينتحل عقيدة التناسخ – يقول البيروني Al-Biruni – يستحيل – لا يُمكِن – أن يُعدوه منهم ولا من جماعتهم، مُستحيل! حين تقول بكل عقائد الهندوسية وتكفر بالتناسخ لا تكون هندوسياً، هكذا هو عندهم! صُلب الدين الخاص بهم يقوم على ماذا؟ على فكرة أو عقيدة التناسخ، هذا كلام مَن؟ كلام الخبير أبي الريحان البيروني Abu al-Rayhan al-Biruni في تحقيق ما للهند من مقولة، رحمة الله عليه، فهذه هي العقيدة الثانية.

إذن هناك ثلاث عقائد رئيسة، أولاً ما يتعلَّق بالله ومفتاحه وحدة الوجود، ثانياً التناسخ والكرما Karma وعرفنا ما الكرما Karma هذه، وثالثاً عودة الأرواح إلى الله، وسنُعطيكم الآن عرضاً إجمالياً سريعاً جداً، وسوف نُفصِّل بعد ذلك – إن شاء الله – اليوم وفي الحلقات الجائية تفصيلاً دقيقاً.

أولاً ما يتعلَّق بالله تبارك وتعالى، هم يعتقدون أن الله – تبارك وتعالى – هو أصل الوجود وأصل الكائنات وأصل كل شيئ وكل شيئ هو الله والله في كل شيئ، أستغفر الله  العظيم، هكذا هو اعتقادهم! أصل كل شيئ الله وكل شيئ مظهر لله والله في كل شيئ، وهذا يعني أن كل شيئ إلهي طبعاً، عندهم كل شيئ إلهي، أنا إلهي وأنت إلهي وهذا إلهي، كذلك الحال مع الخنزير والحية والبطة والوزة والعنكبوت والجمبري – Shrimps – والكابوريا، أي شيئ! أي شيئ إلهي، وكذلك الخشب والمطر إلهيان، كل شيئ إلهي، لماذا؟ سوف نرى لماذا، سوف نرى ما فلسفتهم في الشيئ هذا، هذه عقيدة باطلة طبعاً ومُستحيل!

قالوا كل شيئ إلهي والله في كل شيئ وكل شيئ مظهره، وهذا الإله اسمه الروح الكُلي، الإله الأسمى المُطلَق، الشخصي في المشهور، لأن عندهم مذاهب أيضاً، مثل الشيعة والسُنة عندنا وما إلى ذلك، عندهم مذاهب مُختلِفة، هل هو معنوي ومن ثم هو فكرة فقط أم أنه ذات ومن ثم هو شخص؟ هذا الشرح مثلاً – نشيد المولى – يُؤكِّد مُنذ البداية أنه شخص، قالوا إنه شخص، احذر من أن تكفر، هو شخص، لابد وأن تُؤمِن بشخصية الإله، ليس بفكرية ومعنوية الإله، إذن هذا مُختَلف فيه، هناك مذاهب مُعقَّدة وأشياء كثيرة! اسمه ماذا؟ ليس البراهما Brahma، لا! هذا ليس البراهما Brahma، اسمه الأتمان Atman، قد تقول هل الأتمان Atman له علاقة بالتنفُّس Atmen؟ طبعاً، نفس المصدر، لأن طبعاً هذه لُغات هندوأوروبية، من النفَس ومن التنفُّس، له علاقة كبيرة بالشيئ هذا طبعاً، نفس الجذر هو، وهذا معروف! هذا ليس كلامي، هذا كلام الدارسين أيضاً، إذن هو الأتمان Atman هذا، النَّفس الكُلية! وكما في العربية وكما في السنسكريتية وفي الأوروبية هناك علاقة بين النفْس والنفَس طبعاً، الناس يعتقدون أن ما يُقوِّم نفْس الكاهن هو الروح، أنه يحيا، وهذا بماذا؟ بالنفَس، وإذا توقَّف نفَسه خرجت نفْسه وانتهى كل شيئ، نفس الشيئ نعتقده! النفْس الكلية للعوالم، للأكوان، للموجودات، وللوجود كله هي الأتمان Atman، هذا الله! وحده لا شريك له، الأول الآخر، تخيَّل! شيئ عجيب، هذا يُؤكِّد لك أن هذه الأديان ليست كما يقول البعض، فأنا غير مُرتاح إلى هذا، يأتي إليك أحد الباحثين المُتعجِّلين ويقول هناك الأديان السماوية وهناك الأديان الوضعية وفي رأس الوضعية الهندوسية، ما الكلام هذا؟ الأمر ليس بهذه البساطة، مَن قال لك هذا؟ كونك لا تمتلك دلائل تقول إن هذا دين إلهي وإن أحد الأنبياء اسمه فلان الفلاني لا يعني أنك يُمكِن أن تتعجَّل وأن تقول إن هذا الدين وضعي، لا يُوجَد دين وضعي يقول إن الإله واحد، لا شريك له، وهو الأول الآخر، وطبعاً يقول إنه ظاهر باطن لكن بعبارات أُخرى، يقول ظاهر وخفي، فهو الظاهر والباطن، وفي نظري من أعمق ما يصف الله في القرآن الكريم على الإطلاق آية الحديد هذه: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۩، شيئ غريب وعجيب جداً جداً، وهذه من أبعد الآيات عن فهمنا، مَن يفهم الآية هذه؟ أين هذا؟ كيف يُمكِن أن تفهمها؟ صعب جداً جداً وعجيب، وأنت حين تُحاوِل أن تتناوش فهم الآية تصل إلى الأعماق وتشعر بالغرق التام فيها، وأنت لا تزال تتناوش! هذه المسألة أكبر مما نتخيَّل، لكن الناس مُرتاحون كما قال أبو الريحان Abu al-Rayhan! ويُمكِن أن نقرأ عليكم فصلاً بسيطاً جداً، أول ما يُفرِّق أبو الريحان Abu al-Rayhan بين اعتقاد الخاصة واعتقاد العامة، دائماً الخاصة – اللهم اجعلنا من الخاصة – يُحِبون أن يُمعقِلوا الأمور وأن يُؤصِّلوا وأن يُبرِّروا وأن يُبرهِنوا وأن يختبروا، كل شيئ عندهم خاضع للسؤال، لكن العامة على العكس من هذا، يتلقون ويُلقَّنون ويُحِبون ما يميل إلى الحس، أي أن العامي يُريحه كثيراً أن تقول له الله موجود وكأنه شخص – Person – موجود، موجود ومُستقِر على عرشه فوق السماوات السبع الطباق والسلام عليكم، وعادي! هو يتخيَّله فعلاً أن يجلس فوق – أستغفر الله العظيم – وربما يمد رجليه، طبعاً عندنا علماء لديهم العقيدة هذه، بعضهم قال هو مُستقِر على عرشة حقيقةً بالمعنى الذي يليق به، كيف تقول مُستقِر حقيقة وهذا الهبل؟ إلى أين أنت ذاهب؟ إلى أين تذهب يا حبيبي؟ وبعضهم قال لا، ليس هذا فحسب، فهو ترك عن يمينه خمسة أصابع يُجلِس عليها محمداً إلى يوم القيامة، مثل كلام النصارى في المسيحية! ما الكلام الفارغ هذا؟ هذا الرأي نقول عنه إننا نبصق عليه، مثلما قال أمس أبو ميسرة المالكي لإبليس، نحن نقول أيضاً إننا نبصق عليه، ما الكلام الفارغ هذا يا أخي؟ أين أنت من كلام الله؟ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۩، أليس كذلك؟ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ۩، قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۩، وقال أيضاً وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ۩، لا إله إلا هو! تعالى الله عما يظنون ويقولون علواً كبيراً، لكن هذا تفكير عامي كما قال البيروني Al-Biruni، هذا تفكير العوام! تجد مَن يُقال إنه عالم وإنه شيخ الإسلام لكنه عامي، تفكيره في هذه المسألة عامي فطير، فطير فعلاً! تفكير فطير للأسف، أليس كذلك؟ يرتاح إلى هذا، يقول هو هكذا وينتهي الأمر، ندعوه ونرفع أيدينا إلى فوق لأنه فوق، وينتهي الأمر! نقول يا رب وينتهي كل شيئ، هؤلاء لا يسألون لأن ليس عندهم ظمأ وشوق حقيقي إلى معرفة الله، مُحاوَلة أن نعرف مَن هو الله؟ وما هو الله؟ صعب! تموت أنت وتعيش عمراً قد عمرك بليون مرة ولا تصل إلى النهاية، شيئ كبير جداً جداً، نسأل الله أن يُظمئنا وأن يروينا بمعرفته وحُب معرفته، أعظم شيئ في الكون، أعظم شيئ في الوجود، لكنه هذا يحتاج إلى أهله، اللهم اجعلنا من أهله.

انظروا ماذا يقول أبو الريحان Abu al-Rayhan رحمة الله عليه:

ذكر اعتقادهم في الله، أي البراهمة Brahmins أو الهندوس:

إنّما اختلف اعتقاد الخاص والعام في كل أمة – هذا هو ولك أن تتخيَّله – بسبب أن طباع الخاصة يُنازِع المعقول…

ما المُراد بقوله يُنازِع المعقول؟ ينزع المعقول، ليس المحسوس! العامي يُريد الشيئ المحسوس، يُريد شيئاً يُمسِكه، قديماً الإنسان البدائي اعتقد أن الله موجود في الأول، وهذا صحيح وجيد، هذه عقيدة توحيدية، لكنه بعد ذلك قال نعم هو موجود لكنه يتجلى في أشياء، فبدأ الآن يُوثِّنه، يُريد أن يُحِسه، يُريد أن يُحسِّسه، أي يجعله حسياً، بعد ذلك قال إنه يتجلى في أرواح الموتى، أي أن هذه بين البينين كما يقولون، فهذا في برزخ! بعد ذلك قال أرواح الموتى هذه تحل في طواطم، أي في Totems، هل تعرفون الــ Totems؟ العرب يُسمونه الطواطم، أي التابو Taboo! ما الطوطم Totem؟ حيوان مُعيَّن تدّعي القبيلة البدائية أن روح الجد الأكبر – Urgroßvater – الخاص بهم حلت فيه، فيصير هذا الحيوان مُقدَّساً، لم يعودوا يرونه الآن كحيوان عادي، يُكحِّلون له عينيه ويضعون عليه أشياء ويعبدونه ويسجدون له ويركعون له، لأنه صار محسوساً، انحدروا من التوحيد المعقول المُجرَّد إلى الوثنية المحسوسة، هم يُريدون هذا، العوام يفعلون هذا، لكن الخواص مُستحيل أن يفعلوا هذا، هم يحتقرون هذا ويأبونه ولا يستوعبونه، كلام فارغ هذا! يُمكِن أن يكون الطوطم Totem هذا شجرة أيضاً أكثر مما يكون حيواناً، انتبهوا! يُمكِن أن يكون شجرة، هذه الشجرة طوطم Totem فتُعبَد، هذه الشجرة حلت فيها أرواح الكذا والكذا، هذه الشجرة حلت فيها أرواح الآلهة، إلى آخر هذا الكلام الفارغ! يُريد شيئاً محسوساً، ثم إنه لم يكتف بهذا، قال هناك بقرة وما إلى ذلك، فهيا نعمل صنماً لبقرة، سنعمل صنماً لبقرة وسنجعله معنا في البيت لكي نتعبَّد له ونعكف عليه، يُريدون هذا عندهم لكي يعبدونه وقتما يُرديون، يُريدونه عندهم! طبعاً لأن الواحد منهم يُريد أن يكون الله في جيبه، وفعلاً صنعه له صنماً بمقاس صغير وحمله في جيبه، فصار الله في جيبه، هذه وثنية تليق بطباع العوام الغليظة الجافية، غليظة مُتجلِّدة هكذا! لكن أصحاب العقول وأصحاب التجريد يختلفون عنهم، المُسلِمون وقعوا في نفس الورطة هذه للأسف الشديد ويقعون فيها، أنا أستغرب جداً جداً من هذا، أمس كنت أُناقِش إخواني – أعرف أنني سريع وكثير الكلام، أتكلَّم بسرعة وأحضر خمسين ألف معلومة في لحظة فأُخربِط مَن يستمع، لكن ليس عندي وقت، ليس عندي وقت لكي أُفهِّم الناس الـ ABC ولكي أبدأ من الصفر، عليك أن تفهم، افهم بسرعة وكُن ذكياً، أنا أُحِب سريع الفهم الذي يلتقط الشيئ في لحظة، لا تجلس لكي تُفهِم أحدهم الــ ABC في عشر سنوات، لن يفهم! أرحنا منك يا أخي واذهب، ابحث عن غيرنا، ابحث عن شيخ غيري، هؤلاء يُجننونك – وأقول لهم بالنسبة إلى لا أجدني مُغرَماً – لا أقول لا أجدني ملزوزاً بل أقول لا أجدني مُغرماً حتى ولا أجدني مدفوعاً ولا أستحب هذا – بأن أتكبَّد عناء السفر واجتهاد الرحلة لكي أنتقل من بلد إلى بلد أو من قطر إلى قطر من أجل أن أزور قبر سيدي فلان، لا والله العظيم! باستثناء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا أُريد، لا أي أحد! لا صحابي ولا ولي ولا صالح ولا أي أحد، الصحابي والولي والصالح أقول عن الواحد منهم رضوان الله عليه وقدَّس الله سره عن بُعد، ماذا سأفعل له حين أذهب إليه عنده قبره هناك؟ بعد ذلك هناك سؤال، ماذا فعل لي هو؟ انتبهوا! ماذا فعل لي؟ لماذا أذهب إليه؟ هو ليس شيخي، لو كان شيخي لحماً ودماً وله فضل علىّ وما إلى ذلك لذهبت من أجل زيارة قبره وقراءة الفاتحة له والترحم عليه ثم أعود إلى بيتي، مثل أبي ومثل أمي ومثل أُختي وما إلى ذلك، أهلاً وسهلاً بهذا! لكن هذا ليس شيخي، ماذا فعل هذا الشخص لي؟ ماذا فعل لي؟ أنا ما عرفت الله عبره وهذا أولاً، أنا عرفت الله عبر القرآن والسُنة، ليس عبر سيدي عبد القادر أو سيدي الجيلاني أو سيدي الشاذلي وسيدي ابن مشيش وسيدي ابن عربي وسيدي فلان وسيدي علان، لا! وكذلك الحال مع الحسن والحُسين، هذا غير صحيح! ثانياً هل هذا خلقني؟ لم يخلقني، انتبهوا! هذه الفكرة ليست كأي كلام، فكرة مُهِمة جداً التي أقولها لكم الآن، فكرة عظيمة جداً، ضروري أن يُفكِّر فيها كل واحد منا، وهي تُعطى للعوام قبل الخواص أيضاً، تعلَّموا منها! ماذا فعل لي هذا؟ لم يخلقني هذا، لم يُسوني، لم يُركِّبني، لم يُعطني السمع والبصر والفؤاد، أليس كذلك؟ لم يرزقني، ولا أزال أُرزق إلى أن أموت، أليس كذلك؟ رزقي على الله، لا يرزقني هو ولا غيره، لم يدر بي ولا يدري بي أصلاً هو، ولا يعرف أنا مَن أو ابن مَن أو أبي مَن، ليس له علاقة بي، هو واحد مثلي مثله، عبد لله! لماذا أنا أتوجَّه له بالحُب والعشق والتقديس والزيارة والنذور والدعاء؟ لماذا؟ لأنني وثني، عندي نزعة وثنية، لا أُحِب أن أقول الله حل في هذا، لكنني سأتخيَّل أن هذا الله في نموذج مُصغَّر وسأذهب عنده وأبكي وأقول له يا سيدي كذا وكذا ثم أطلب منه أن يُنجحني وأن يشفي لي ابني أو ابنتي المشلولة وما إلى ذلك، لا أُحِب أن أقول هذا، لكنني أتصرف هكذا بالطريقة هذه مثل البدائي، مثل البدائي الوثني، الذي وثَّن دينه وأراد إلهاً لكي يراه، هو الآن لا يراه وأنا أقول لك أيضاً – خُذ الأفكار هذه وفكِّر فيها كثيراً – حتى الذين يُسمون أنفسهم أولياء وصوفية وما إلى ذلك كثيرون  منهم عندهم هذا الشيئ، وأنا أصبح عندي تقزز منه، أنا صرت أتقزَّز من هذا، وقلت هذا أمس وأُريد أن أُعيده، عندي تقزز، أشعر بالتقزز والاشمئزاز، اقرأ كُتبهم واجلس في مجالسهم وسألتك بالله قل لي عن ماذا يدور عُظم أحاديثهم؟ ها هي كُتبهم وها هي مجالسهم، عن ماذا يدور عُظم أحاديثهم؟ قل لي! (ملحوظة) أجاب أحد الحضور قائلاً عن الشيوخ، فقال له الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم أحسنت، عن الشيوخ أنفسهم، سيدي فلان وسيدي علان، وكرامات وطار وعمل وذهب ورأى النبي ورأى الله وكذا وكذا، ما علاقتي أنا بهذا؟ هل أصبح ديني أنا عن سيدي فلان؟ لا أُريد هذا يا أخي، أنا أُريد مَن يُحدِّثني عن ربي، لا إله إلا هو! حدِّثني عن الله يا أخي، ائتني بأفكار عميقة وتأملات وتجارب روحية عن الله، عن جمال الله، عن عظمة الله، عن جلال، عن وجود الله، وعن كذا وكذا! أليس كذلك؟ أشعرني به، اربطني به، أنا أُريد الله يا أخي، لا أُريد الناس أنا، ماذا أفعل لهم؟ أنا حتى غير مُغرَم بأن أرتبط حتى بشخص ولو كان حتى الرسول هذا الارتباط الزائد عن اللزوم، والله نهانا عنه، لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ۩، أليس كذلك؟ والنبي نهانا عنه وكان يغضب منه، حين رأى الناس غلوا فيه قليلاً قال لهم قفوا، لا تتخذوا – هذا آخر شيئ قاله قبل أن يُتوفى، قاله في آخر أيامه – قبري عيداً، أليس كذلك؟ اشتد غضب الله على أقوام اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ممنوع قال!  وصلوا علىّ أينما كنتم فإن صلاتكم معروضة علىّ، أي لا تذهب وتشد الرحال وتُسافِر من أجل أن تزور قبري فقط، لا أُريد هذا النبي قال، لا أُريد! صلى الله عليه وآله وسلم، جزاه عنا خير الجزاء، انظر إلى هذا، هذا المُوحِّد العظيم، هذا عارف العارفين، بطل الأبطال هذا، هذا رمز التوحيد يا أخي، هذا عبد الله، اللهم اجزه عنا خير الجزاء، لا تعبدوني قال، لماذا تربط نفسك بي؟ اربط نفسك بالله، أينما تُريد سوف تجده، لا إله إلا هو، وقتما تُريد تدعوه يُلبك، أليس كذلك؟ هو هذا يا أخي! وكل ما حولك ينتمي إليه، مُستحيل أن ينتمي شيئ حولي إلى محمد يا أخي، هذه الشمس ما علَّقها في معلقها رسول الله، ليس له علاقة بها، هو جاء وتمتَّع بها كما نحن نتمتَّع بها! هذه الأرض بجاذبيتها ما وضع فيها هذه الجاذبية وهذه الصفات وما إلى ذلك محمد أو غير محمد كسيدي عبد القادر أو غيره، لم يحدث هذا أبداً! الله فعل هذا، أينما أُجيل نظري أجد كل شيئ مُرتبِطاً بالله يا أخي، أليس كذلك؟ كل شيئ ممسوكاً بقدرة الله، لماذا أنا أترك الله وأذهب إلى الأشخاص والأفراد كفلان وعلان يا رجل ثم أُضيِّع حياتي في الكلام هذا؟ هل تعرف لماذا؟ لسببين اثنين، هذا ما أفهمه إلى الآن، السبب الأول القابلية الغبية البليدة – وهذا غباء، هذا رمز الغباء بالمُناسَبة – لدى مُعظَم الناس – من عوام الناس – للحسية والوثنية، الواحد منهم يُريد شيئاً محسوساً، لأنه لم يُفكِّر ولم يتأمَّل ولم يعش تجربة ترقية الإيمان وتصعيد الإيمان عبر مُستويات من التجربة الروحية والترقي الدائم – بإذن الله – لمعرفة الله في طريق الحق، المعرفة الحقة في طريق الحق، لا إله إلا هو! لم يعش هذا هو، هو – كما قلنا في الخُطب – استسلف فكرة عن الله – الله موجود وهو سميع بصير، هناك أسماء وصفات وأفعال – حين كان عمره خمس عشرة سنة، ثم صار عمره ثمانين سنة ومع ذلك يُردِّد نفس الأفكار دون أن يُعمقِّها، لم يأخذ أي عمق جديد، هذا يعني أنه لم يقترب الله حتى في شيئ واحد، ما رأيك؟ والله العظيم! ويظل يتحدَّث عن الإيمان كما كان يتحدَّث وهو ابن خمس عشرة سنة، أين أنت يا بابا؟ أنت طفل صغير يا حبيبي، أنت طفل صغير! أما مللت من هذا التكرار؟ أما مللت من الرتابة العقدية التي عندك؟ أنت طفل، في الثمانين من عمرك وتُردِّد نفس الأفكار في كُتبك، أين تجربتك؟ ليس عنده تجربة أصلاً، هو مسكين! فتجد أنه ينزع إلى الحس، طبعاً هو يُريد شطراً من الله، حتة من الله اسمها الجيلاني أو اسمه الحُسين أو اسمها عليّ أو اسمها مشيش أو اسمها محمد صلى الله عليه وسلم، يُريدهم ويذهب إليهم ويبكي عندهم وما إلى ذلك وكأنه أمام الله، ما الهبل هذا؟ ويستغيث بهم، أليس كذلك؟ يستغيث بهم ويطلب منهم ما لا يُطلَب إلا من الله، ما الهبل هذا؟ هذا السبب الأول، والسبب الثاني – إن شاء الله – لا أنساه، هو سبب مُهِم، وهو أهم من هذا، لأن هذا معروف.

إذن السبب الأول ميل هؤلاء إلى الحسية، الآن كنت أُريد أن أذكر السبب الثاني الذي جاء في بالي لأنه مُهِم جداً ولطيف، لماذا يفعلون هذا؟ اقترحوا أنتم أسباباً، لا إله إلا الله، اللهم صل على سيدنا محمد، ذكرنا الحس والوثنية، العوام يفعلون هذا! الآن سأتذكَّر السبب الثاني – سبب مُهِم ولطيف وأكيد سجَّلته – إن شاء الله، لأن اليوم جاءتني الفكرة هذه فكتبتها، (ملحوظة) أجاب اثنان من الحضور بجوابين فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم نحن قلنا هذا، هذه الحسية والوثنية، عنده هذه النزعة، لأن هذا المسكين ما عرف الله حقاً ويُريد شيئاً حسياً، لكن السبب الثاني سأتذكَّره الآن، وإذا تذكَّرته فإنني سأقوله إن شاء الله.

نرجع، ماذا يقول أبو الريحان Abu al-Rayhan؟

يقول طباع الخاصة يُنازِع – أي أن الطبع يُنازِع – المعقول – أي ينزع إلى المعقول – ويقصد التحقيق في الأصول، وطباع العامة يقف عند المحسوس – العامي يفعل هذا – ويقتنع بالفروع ولا يروم التدقيق وخاصة فيما افتنت فيه الآراء ولم يتفق عليه الأهواء؛ واعتقاد الهند في الله سبحانه أنه الواحد الأزلي – يعرفه – من غير ابتداء ولا انتهاء المُختار في فعله القادر الحكيم الحيّ المُحيي المُدبِّر المُبقي – هذا ليس إنشاء، هو يُترجِم كُتبهم المُقدَّسة بالضبط كما فهمها، كل كلمة هنا عنده دليل عليها، هو لا يأتي بهذا الكلام من عنده، لا! هذا علم، هذا كلام علمي، ليس كلاماً إنشائياً أو كلام تلفزيون Television أو شيئ وثائقي Dokumentar، ليس كذلك – الفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد لا يُشبِه شيئاً ولا يُشبِهه شيء؛ ولنُورِد في ذلك – أرأيت؟ يُريد أن يأتيك بالأدلة الآن – شيئاً من كُتبهم – أرأيت؟ كما قلت يأتي بالأدلة – لئلا تكون حكايتنا كالشيء المسموع فقط، قال السائل في كتاب “باتنجل”: مَن هذا المعبود الذي ينال التوفيق بعبادته؟ قال المُجيب: هو المُستغني بأوليته ووحدانيته عن فعل لمُكافأة عليه براحة تُؤمَّل وتُرتجى أو شدّة تخاف وتُتقى، والبريء عن الأفكار – كلام عجيب، محض التوحيد يا أخي، محض التوحيد هذا، وهذا الذي يجعلك تحتمل أو تقول باحتمال وبإمكانية أن يكون هذا الدين في الأرجح ديناً إلهياً طرأ عليه التحريف، وقال تعالى وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ۩، لكن طرأ عليه التحريف والتثليث وكل هذا الكلام الفارغ، سوف نرى اليوم كيف هذا، لكن أرأيت كيف هو الأصل؟ توحيد صافٍ، ثم استواهم واستجرهم الشيطان، قال والبريء عن الأفكار، لا إله إلا الله – لتعاليه عن الأضداد – يا الله – المكروهة والأنداد المحبوبة – قال كيفما تُفكِّر هو أعلى من هذا، كيفما يُخطِر في بالك هو أرقى من هذا، لا إله إلا هو، هذا هو طبعاً، لأن تفكيرك في النهاية هو تفكير قياسي محكوم بالمقولات، شيئ يُقابِل شيئاً، هذا أكبر وهذا أصغر وهذا أحمر وهذا كذا وكذا، الأضداد! هو فوق كل هذا، الله أكبر -، والعالم بذاته سرمداً إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم وليس الجهل بمتّجه عليه في وقت ما أو حال – علمه أزلي، غير طارئ، غير حادث، لا يطرأ له علم، لا يُقال وقع الشيئ ثم عرفه بعد ذلك، لا يُوجَد مثل هذا عند الله، هذا غير موجود، أرأيت؟ هذه العقيدة الهندوسية في الله، توحيدٌ محضٌ، لا إله إلا الله، عجيب -؛ ثمّ يقول السائل بعد ذلك: فهل له من الصفات غير ما ذكرت؟ ويقول المُجيب: له العلوّ التامّ في القدر لا المكان – الله أكبر، قال هو أعلى شيئ، العلي الأعلى، لكنه ليس العلي مكاناً، العلي ماذا؟ مكانةً، أرأيت؟ هذا ضد الجسيم، وفي المُسلِمين طوائف إلى اليوم يقولون هو العلي مكاناً، أستغفر الله العظيم، هُبل! كأنه جسم، عندهم الله جسم، إذا قلت بأنه العليّ في المكان فهذا يعني أنه مُتمكِّن يا أهبل، وإذا كان مُتمكِّناً فمعنى ذلك أنه محدود مُتحيِّز، له بداية ونهاية، له حدود! وهذا يعني أنه جسم، وهذا يعني أن الكثير جداً من حيز الكون يخلو منه، إذن ليس بعيداً أن يكون هذا الحيز الثاني أعظم منه أيضاً أو حتى أصغر منه، ما الكفر هذا؟ ما الإلحاد هذا؟ لا! عقيدتهم هنا مثل عقيدة المالكية والأحناف والشافعية، له العلو في المكانة، لا في المكان، هذا معنى العلو، ليس العلو الحسي، أي على العرش حساً، انتبه! انظر إلى هذا، قال له العلوّ التامّ في القدر لا المكان – فإنه يجلّ عن التمكن – لا يُقال أين الله بمعنى فعلاً أين، أعوذ بالله، أعوذ بالله! فهو أين كان قبل أن يكون أين؟ أين كان قبل أن يكون آن كما يُقال وقبل أن يكون أين؟ الله بلا آن وبلا أين يا حبيبي، بلا زمان وبلا مكان، هو الذي مكَّن المكان وزمَّن الزمان، قد تقول لي أين الله؟ ومتى كذا وكذا؟ لكن متى ماذا؟ وأين ماذا؟ مَن الذي مكَّن المكان؟ هو، أين كان يا حبيبي قبل أن يكون الأين كله؟ ما لك أنت؟ أتتحدَّث عن شخص أنت؟ أتتحدَّث عن ملك أو عن جسم أو عن وحش كبير؟ ما هذا؟ أتكفر أنت؟ هذا هو، هذا الذي يُعطيه الفكر والتأمل في الله تبارك وتعالى والتأمل في العقيدة، توحيد محض، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۩ -، وهو الخير المحض التام الذي يشتاقه كل موجود، وهو العلم الخالص عن دنس السهو والجهل؛ قال السائل: أفتصفه بالكلام أم لا؟ قال المُجيب – تخيَّل! عقيدة إسلامية أشعرية، والله شيئ يُجنِّن -: إذا كان عالماً فهو لا محالة مُتكلِّم – وهذه عقيدتنا وهذا قرآن كريم، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ۩، لكن كيف هو مُتكلِّم؟ انتبه! ليس مُتكلِّماً بلسان وبلُغة وبألفاظ مثلنا، لا! شيئ ثانٍ تماماً -؛ قال السائل: فإن كان مُتكلِّما لأجل علمه فما الفرق بينه وبين العلماء الحُكماء الذين تكلّموا من أجل علومهم؟ – أي تكلَّموا بعلومهم، علمهم أعطاهم قدرة على أن يتكلَّموا في الموضوع – قال المُجيب: الفرق بينهم هو الزمان فإنّهم تعلّموا فيه وتكلَّموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا مُتكلِّمين ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم فكلامهم وإفادتهم في زمان، وإذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتصال – لا تُوجَد علاقة لله بالزمان أصلاً، لا تُوجَد! لا تُوجَد علاقة للزمن بالله، لا تُوجَد! الله غير مُتزمِّن أصلاً، ولا ينطبق على الله، مخلوق هذا! مخلوق لله هو – فالله سبحانه عالم مُتكلِّم في الأزل – عقيدة الأشاعرة هذه، عقيدة أهل السُنة المالكية والشافعية والأحناف، أزلاً -، وهو الذي كلّم براهم… سوف تقول لي هذا براهما Brahma، إذن جاء كلامك يا عدنان، نعم جاء كلامي، براهما Brahma ليس إله الآلهة، أتمان Atman هو الذي كذلك، هذا هو، وهذا سوف نرجع إليه، لن نُكمِل وإن كان من الجميل أن يُكمِل الواحد منا هذا، لكن الوقت سيطول، ولذا سنترك هذا فيما بعد.

نرجع، إذن عقيدتهم أيها الإخوة أن إله الآلهة – النفس الكُبرى الكُلية الشاملة الأسمى الشخصية – الأتمان Atman، وهذا الأتمان Atman عندهم سُبحانه حين أراد أن يُبدِع الكون وأن يحفظه بسُننه وبقدره على ما أراد صار هناك تعين في ثلاثة جواهر، دخلنا هنا في شيئ شبه مسيحي، المسيحية أخذت هذا منهم، تعين في ثلاثة جواهر! أولاً الإله الخالق، أي الذي خلق وأبدع، الخالق – Creator – الذي أنشأ وأوجد وفطر، هذا اسمه براهما Brahma، هذا براهما Brahma! ثانياً الإله الحافظ، واسمه فيشنو Vishnu، يُسميه البيروني Al-Biruni پيشنو، پيشنو – الباء بثلاث نقاط – هو فيشنو Vishnu وهو الإله الحافظ، هذا الإله الحافظ جعل نفسه بساطاً من أجل أن يستقر عليه الحيوان والإنسان والنبات، بساط للأرض! جعل نفسه سحاباً ومطراً لكي تنبت الأرض ويرعى الحيوان ويشرب الإنسان، وهكذا! هو هذا، كل مظاهر العطاء والجود والمحفوظية والإمداد هو الإله فيشنو Vishnu، وعندهم طبعاً أساطير، كيف خرج كل شيئ من شيئ؟ قصة طويلة، لا نُريد أن نُطوِّل بذكرها، لكن هي موجودة في كل كُتب الأديان المُقارَنة، وبعد ذلك قالوا عندنا مظاهر الحفظ والتجديد والدوام وما إلى ذلك وعندنا أيضاً مظاهر الفناء والدسور والزوالية، أليس كذلك؟ فالوردة – مثلاً – تذبل وتزوي، ثم يعصف بها الريح، أليس كذلك؟ الشباب والفتاء والرواء والجمال والبهاء تغتاله الشيخوخة والهرم والكبر والضعف، أليس كذلك؟ موجود هذا، الحياة والوجود الحيوي هذا يسطو به الموت، يحصد الأحياء بمنجله حصداً، الاستقرار والثبات تهزه الأعاصير والزلازل والفيضانات والطوفانات، موجود هذا! الصحة يعصف بها المرض والأسقام والأوجاع والتباريح والآلام، ما هذا؟ قال هذا فعل الإله شيفا Shiva، الإله المُدمِّر هذا، هذا له ثمانية أذرع، حين تراه تجد أنه مُخيف، وضعوه في شكل صنم وقالوا هذا شيفا Shiva، وهناك مَن يُترجِمه بسيفا أو تسيبا، هذا شيفا Shiva!

إذن هناك ثلاثة، قالوا هؤلاء ثلاثة، الثلاثة هؤلاء يُشكِّلون حقيقة واحدة في النهاية، يُشكِّلون حقيقة! هم ثلاثة أقانيم Persons، ثلاثة جواهر يُشكِّلون حقيقة واحدة، إذن المُوجِد، أي الخالق المُوجِد، بعد ذلك الحافظ المُجدِّد، وبعد ذلك المُفني المُدمِّر، أي أن معنى خالق مُبدئ مُعيد مُفنٍ وما إلى ذلك قسَّموه على ثلاثة أقانيم، انظر إلى عقيدتنا وما أعظمها! وما أبسطها! وما أشد التئامها بالفطرة! هذا غير صحيح، هو إله واحد وينتهي الأمر، هو ذات واحدة وينتهي كل شيئ، لا يُوجَد الكلام الفارغ هذا، هذه مُقدِّمة الشرك، ها هو الشرك تطرَّق إلى البرهمية من خلال الثالوث التعيس هذا، المفروض أن يبقى الأتمان Atman أتمان Atman وينتهي الأمر، لكن هذا دخل فصار هناك تحريف وصارت هناك أكاذيب، مثل كل الأديان للأسف، وهذا لأن الناس غير قادرين – الناس أو الجمهور غير قادر – على استيعاب الفكرة المُجرَّدة العُلية هذا، فدعنا نُبسِّط لك إياها، وهم يقولون بالمُناسَبة نعم العابد والعارف – أي السنياسي Sannyasin هذا – الحقيقي – الروح الكُبرى هذه – يُدرِك المُجرَّد الواحد بلا تثليث، قالوا لكن العوام لا يقدرون على استيعاب هذا، نحن رحمةً بهم عملنا من أجلهم حيلة التثليث هذه لكي يقدروا على استيعابها، أحسن أن يُثلِّثوا مما يُلحِدوا بالكامل، هكذا هم قالوا وهذا مكتوب هنا، في البهاغافاد غيتا Bhagavad Gita مكتوب هذا، قالوا هناك أُناس عبدوا الأصنام لكن هذه ليست مُشكِلة، فليعبد الواحد منهم الصنم على أنه تجلٍ لله أو لابن الله أو لقدرة الله أحسن من ألا يعبد أي شيئ ويُلحِد، وهذا كله من أضاليل الشيطان، أليس كذلك؟ لأن الحقيقة عزيزة، لا تقل لي هذا عسل فاخلطه بالسكر أو اخلطه بالفلفل أو اخلطه بالخل وسوف يكون أحسن من العسل، لا! سوف يصير سيئاً جداً جداً، أحسن منه الهواء، لا عسل ولا كلام فارغ، أليس كذلك؟ الحقيقة عزيزة، تغار! عندها عزة، أليس كذلك؟ كذلك الحال مع المرأة الجميلة الحسناء،  كليوباترا Cleopatra – مثلاً – إذا قلنا لها بدل أن تموتي يا كليوباترا Cleopatra بالسُم – لا تُسمِّمي نفسك – يُمكِن أن نُطيل لك منخارك بمقدار إنش Inch – أي  بمقدار اثنين ونصف سنتيمتر-  فإنها سوف تقول لا، أموت أحسن لي، لا أُريد هذا، حقيقة جماليتها عندها تُساوي كل شيئ، لا تُشوِّهها ثم تقول ستبقى على الأقل أحسن من غيرها، لا! لن تبقى، سوف تستحيل قُبحاً، أليس كذلك؟ هذا الجمال سوف يستحيل قُبحاً، وهذا العسل سوف يستحيل سُماً زؤاماً – والعياذ بالله – إذا وضعت عليه الخل أو الفلفل، انتهى الأمر، أليس كذلك؟ هو هذا! فلماذا؟ لماذا بالذات حقيقة التوحيد – أم الحقائق – شوَّهتموها بالتثليث والخُرافة وقلتم هذا أحسن من لا شيئ؟ إبليس أضلهم بهذا، أرأيت؟ الشيطان ضحك عليهم!

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: