الدرس العاشر
تفسير سورة آل عمران من الآية الثانية والستين إلى الآية الخامسة والتسعين

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا رب لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مُبارَكاً فيه كما تُحِب وترضى، لا نُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغُر الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩، اللهم افتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين، علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً وفقهاً ورشداً، ربنا تقبَّل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا وركعونا وسجودنا ودعاءنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا وبالسعادة آجالنا. اللهم آمين.

أما بعد، أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أمس أيها الإخوة يبدو أننا أُخِذنا بسرد قصة يحيى وزكريا وقصة مريم وعيسى – عليهم السلام أجمعين – عن مُلاحَظة بعض الدقائق في تضاعيف هذه القصة القرآنية الكريمة، مثلاً هنا فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ۩، ثم ما جرى منه أيضاً جواباً لكلام الملائكة، قد يسأل بعضهم وكيف يتأتى للملائكة أن تُخاطِب مُصلياً في محرابه؟ وكيف له ويتأتى أن يُجيب وهو يُصلي؟ والجواب أيها الإخوة أن الصلاة هنا بمعنى الدعاء، لأن الصلاة في اللُغة أصلاً تأتي بمعنى الدعاء، فربما المُراد – وهذا هو الظاهر – أنه كان في محرابه يدعو الله ويبتهل إليه ويُناجيه، وليس الصلاة الشرعية، فالصلاة في اللُغة الدعاء، والله تعالى أعلم. 

أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ۩، قيل أول مَن سُميَ بهذا الاسم هو يحيى بن زكريا، لم يكن هذا الاسم معروفاً من قبل، أول مَن سُميَ بهذا الاسم هو يحيى، مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ۩، وهو طبعاً عيسى بن مريم عليه الصلاة وأفضل السلام، وقد يقول قائل لماذا؟ هذه ليست خصوصية ليحيى أن يُصدِّق بعيسى ابن مريم، كل مَن اتبع عيسى بن مريم صدَّقوا به، فلماذا إذن؟ قيل وجه الاختصاص هنا – وليس هناك اختصاص كامل لكن وجه الاختصاص في هذه الآية – نفي شُبهة إلهية عيسى، لأنه عيسى ابن مريم وليس ابن الرب، على كلٍ أيها الإخوة اجتمع المُسلِمون وأهل الكتاب – أي النصارى – على أن يحيى كان أسن من عيسى، كان أكبر منه سناً، قيل بستة أشهر وقيل بثلاث سنين، ومعلوم لدى الجميع أن يحيى هو الذي عمَّد عيسى – عليه الصلاة وأفضل السلام – بماء النهر، ولذلك هو معروف بيوحنا المعمدان، لأنه هو الذي عمَّد ابن خالته عيسى عليهم الصلوات والتسليمات. 

وَسَيِّدًا ۩، السيد في الأصل أيها الإخوة – في الأصل اللُغوي – هو كل مَن فاق دنيا ودين، الذي يفوق ويبذ أقرأنه في أي شأن دنيوي يُقال سيد، سادهم أي بذهم وبزهم، أو في شأن ديني إن فاقهم وبذهم يُقال أيضاً سادهم، واستُخدِم بعد ذلك توسعاً للذي يكون له أتباعٌ وحشمٌ يتبعونه وينطلقون بأمره وعن أمره، يُقال سيد، سيد القوم! لكن في الأصل لكل مَن فاق دنيا أو دين، وَسَيِّدًا ۩، إذن هنا ما المُراد: الفائق دنيا أو الفائق ديناً؟ الفائق ديناً. 

وَحَصُورًا ۩، ما معنى الحصور؟ فيها قولان مشهوران، الحصور هو الذي لا يأتي النساء مع القدرة، يستطيع أن يأتي لكنه لا يُريد، ينقطع إلى العبادة والتبتل، كما أحب نفر من الصحابة أيها الإخوة، لقد استأذنوا النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – في الاختصاء، في الحديث المُخرَّج في الصحيحين أن عثمان بن مظعون – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – استأذن رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – في الاختصاء، فلم يأذن له، يقول ابن عمر ولو أذن له لاختصينا، وليس معنى اختصينا قطع الأُنثيين، فهذا لا يجوز في شرع وهو تشويه وتمثيل بخِلقة الإنسان، ومعنى الاختصاء هنا أي لتركنا النساء وإتيانهن وغشيانهن، هكذا! أي بمعنى ماذا؟ الغُلمة أو العُزوبة، هكذا! لكن النبي لم يأذن بذلك وقال هذا مُجافٍ لسُنتي، وهو رغبة بكم عن سُنتي ولا آذن فيه، عليه الصلاة وأفضل السلام، إذن الحصور هو الذي لا يأتي النساء مع القدرة، والقول الثاني الذي لا يأتي النساء لأنه عنين، تعرفون ما معنى عنين، أي لا يستطيع أن يأتي النساء، في بعض الآثار وهي ضعيفة جداً وواهية وغير لائقة – في نظري هي آثار غير لائقة ومُستحيل أن يكون النبي قالها، آثار ضعيفة جداً تجدونها في ابن مردويه وابن أبي حاتم، في مظان الضعيف مثلاً والموضوعات أيضاً – أنه ما كان معه إلا بمقدار الأنملة أو مقدار الحبة، كناية عن عضوه، غير صحيح! لأن هذا أيها الإخوة عيبٌ، هذا عيبٌ والأنبياء مُنزَّهون عن العيوب الخِلقية والخُلقية، أليس كذلك؟ في تعريف النبي وتعريف الرسول أنه رجلٌ حرٌ ذكرٌ من بني آدم مُنزَّه عن العيب خِلقاً وخُلقاً…. إلى آخر التعريف، هذا من أهم سمات وصفات ومُشخِّصات النبي، أن يكون مُنزَّهاً عن العيوب الخِلقية والخُلقية، فكيف يُقال ما كان معه إلا كذا وكذا؟ مُستحيل! بالعكس هو كان رجلاً كاملاً، كأحسن ما يكون الرجال، لكنه كان مُتبتِّلاً مُتزهِّداً راغباً عن النساء للانقطاع إلى العبادة، ويحيى له خواص كثيرة، هو أُوتيَ النبوة وهو صغير، قيل كان ابن خمس سنوات وكان نبياً، شيئ عجيب، وقيل هو أيضاً من الذين نطقوا في المهد، وسيأتي ذكرهم الآن – إن شاء الله – بسرعة إجمالاً، وقد قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – ما مِن عبدٍ من عبيد الله – تبارك وتعالى – إلا يأتي الله يوم القيامة بذنبٍ فإن شاء غفر وإن شاء عذَّب إلا يحيى بن زكريا، لأن يحيى لم يهم أصلاً – الهم لم يقع – في يوم من الدهر بذنب، شخص غريب عليه الصلاة وأفضل السلام، هذا يحيى!

هذا معنى وَحَصُورًا ۩، إذن الصحيح في الحصور ما هو؟ ما معناه حتى نحفظه؟ الحصور هو الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن لكنه لا يُريد، مع القدرة على غشيانهن لكنه لا يُريد! 

وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ۩، ما موقع مِّنَ ۩ هنا في قوله وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ۩؟ يُمكِن أن يكون وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ۩ أي ناشيء ومُنشّأ في الصالحين، فــ مِّنَ ۩ تكون هنا ماذا؟ ابتدائية، ويُمكِن أن يكون نبياً معدوداً في الصالحين، فتكون تبعيضية، نبيٌ من صُلّاح الأنبياء وكلهم صالحون، فإما أن تكون ابتدائية وإما أن تكون تبعيضية، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ۩، مَن الذي تكلَّموا في المهد أيها الإخوة؟ في الصحيحين ومُسنَد أحمد وعبد الرزّاق أيضاً قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – لم يتكلَّم في المهد إلا عيسى ابن مريم وغُلام جُريج وصبيٌ آخر، أي صبي كان في زمن جُريج، يقول – عليه السلام – وصبيٌ آخر، إذن قال إلا عيسى ابن مريم وغُلام جُريج  – أي صبي في زمن جُريج – وصبيٌ آخر، الحصر هنا إضافي أيها الإخوة، ليس حقيقياً، لأن الذين تكلَّموا في المهد أكثر من ذلك، وهناك أحاديث صحيحة في بعضهم وأحاديث واهية في البعض الآخر، على كلٍ الحافظ جلال الدين السيوطي على عادته – أي الإمام السيوطي على عادته – في الاستيعاب أيها الإخوة ومُلاحَقة المصاديق دائماً ما يستقصي، ما شاء الله هو علم في هذا الباب، مثلاً إذا مات ابن آدم انقطع عمله، يقول لك من ستة، ستة أشياء وقعت عليها، وهي كذا وكذا، سبعٌة يُظِلهم، يقول هم سبعون، ويأتيك بكل الأحاديث التي فيها مَن يُظلِه الله، يقول أحصيتم وهم سبعون، يأتي بهم من كل الأحاديث، لأنه كان حافظاً كبيراً، سُئل كم تحفظ؟ قال أحفظ مائتي ألف حديث وهي كل ما وصلنا ولو وصلنا أكثر لحفظت، قدَّس الله سره الكريم، فهو عالم ورجل صوفي، ومن الصالحين كان، وهو حافظ وفقيه، شيئ عجيب الجلال السيوطي رحمة الله تعالى عليه، فهو قال أيضاً – له أرجوزة قصيرة – الذين تكلَّموا في المهد أحد عشر، ليس ثلاثة وليس خمسة وليس ستة، المشهور أيها الإخوة منهم ستة، سنذكر الستة والأحد عشر، مَن الذين تكلَّموا في المهد؟ هكذا قال: إبراهيم – عليه السلام – تكلَّم في المهد، مريم عليها السلام، زكريا عليه السلام، يحيى عليه السلام، محمد عليه الصلاة وأفضل السلام، إذن خمسة هؤلاء، ثم بعد ذلك من الذين تكلَّموا في المهد شاهد يوسف، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ۩، قال كان قريباً له وهو غُلام صغير، في المهد أيضاً تكلَّم وشهد ليوسف إن كان قيمصه وإن كان قميصه: إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ۩ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ ۩، إذن شاهد يوسف، غُلام جُريج، علماً بأن قصة جُريج قصة في الصحيح، مُخرَّجة في الصحيح، لا نُريد أن نذكر قصص هؤلاء، يحتاج إلى درس طويل هذا، لكن موجودة في كتب الحديث هذه القصص، إذن غُلام جُريج أيها الإخوة، أيضاً ابن ماشطة بنت فرعون، غُلام – أي طفل صغير – لماشطة بنت فرعون، غُلام الأخدود، في سورة ماذا؟ البروج، وهذا موجود أيضاً في الصحيح من حديث صُهيب الرومي، موجود في صحيح مُسلِم، غُلام الأخدود هكذا يقولون، وأيضاً غُلام المرأة، امرأة كانت تحمل غُلاماً وبعد ذلك رأت رجلاً وجيهاً وغنياً وحوله خدم وحشم فقالت يا ليت أن ابني يكون مثله، قال اللهم لا تجعلني مثله، فتعجَّبت! طفل صغير رضيع يتكلَّم، ثم مروا بجارية يضربونها وقد اتهموها بالسرقة، قالت اللهم لا تجعل ابني مثلها، قال اللهم اجعلني مثلها، مظلومة وعندها الحق، فهذا الغُلام أيضاً، وهذا الحديث أيضاً ثابت، أخيراً الغُلام المُبارَك مُبارَك اليمامة، هذا نطق على يد رسول الله عليه الصلاة وأفضل السلام، ويُدعى مُبارك اليمامة، إذن هم أحد عشر غُلاماً، أحد عشر صبياً نطقوا في المهد، والله – تبارك وتعالى – أعلم، وعنده العلم والحكم وحده.

التالي كله واضح، اللهم صل على سيدنا محمد، نأتي الآن ونُكمِل، أين وقفنا أمس إن شاء الله تبارك وتعالى؟ وقفنا عند المُباهَلة.

۞ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۞

إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۩، إذن قال إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ ۩، هذه الكلمة يُخطيء فيها للأسف الكثيرون، ندر حتى أن نرى مِن العلماء مَن يتكلَّم في هذه الكلمة بحق، الكل يستخدم كلمة القَصص على أنها بمعنى الحكايا، وهذا غير صحيح، نبَّهت على هذا مرات، غير مرة! القَصص مصدر أيها الإخوة، القِصص فعلاً هي الحكايا، القِصص جمع قِصة، وأما القَصص فلا يكون إلا مصدراً، مصدر الفعل قَص يقص قَصاً وقَصصاً، وما معنى القَص؟ القَص هو تتبع الأثر، فكأن القَاص – أي الحاكٍ، الحكواتي – يتتبع الأخبار والأنباء – أي الحكايا – نبأً بعد نبأ وخبراً بعد خبر، ويتتبع المعانى أيضاً معنىً بعد معنى، هذا معنى القَصص، أي إن هذا لهو الإخبار أو الخبر الحق، ولذلك وصفه بقوله إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۩، ولو كان القَصص بمعنى القِصص لقال ماذا؟ إن هذه لهي القِصص الحقة، فهذا لا ينفع، للأسف يُخطيء فيها الكثير، وطبعاً هذا يُزعِج، لماذا أُنبِّه على هذا؟ لأن بعض مَن يُفسِّر القرآن يقول هكذا للأسف، يتصدى للتفسير وهو يعلم الفرق بين الاسم والمصدر، وهذه كارثة للأسف مِمَن نراهم في التلفزيون Television، فيقولون القَصص هي الحكايا، أي جمع قِصة، وهذا غير صحيح، القَصص مصدر، إن هذا لهو الخبر والقَص الحق، المُراد بالإفادة على ما يقول النُحاة الحق، أي أن هذا الخبر الحق وليس ما يدّعيه ويزعمه النصارى مِن أن عيسى كان مِن شأنه كذا وكذا وكذا وكذا مما لا يتوافق مع خبر الله الحق مِن أنه ابن الرب أو أنه هو الرب وأنه صُلِب وأنه كذا وكذا، كل هذا كلام باطل، باطل من القول وزور، الله يقول هذا هو الخبر الحق، ما قَصصناه عليك يا محمد من نبأ عيسى وأمه هو الخبر الحق، وهو مقطع الحق كما يُقال.

۞ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ۞

فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ۩، إذن طريق الفساد ما هو؟ هو تنكب سبيل الرشاد والعياذ بالله، هو طريق الفساد.

۞ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ۞

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ۩، الكلمة أيها الإخوة كما قال ابن مالك: وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمّ، الكلمة تُطلَق على هذه المُفرَدة المُكوَّنة من حروف، وتُطلَق على القطعة من الكلام إذا أفادت، أي على الجُملة، تُطلَق على الجُملة المُفيدة، فهي يُقال لها كلمة، نقول والآن يتفضَّل فلان يُلقي كلمته، أليس كذلك؟ وقد ألقى كلمةً في الحفل الكريم، ما معنى كلمة هنا؟ كلمة طويلة، قال ابن مالك في الألفية – ألفية النحو – وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمّ، هنا تَوجَد كلمة، كَلِمَةٍ سَوَاء ۩ هكذا على الوصف والنعت، ما معنى قوله كَلِمَةٍ سَوَاء ۩؟ كلمة فيها النَصف، نستوي نحن وأنتم فيها، نستوي! فنحن نرضى لكم ما رضينا لأنفسنا، ما هذه الكلمة أيها الإخوة؟ فُسِّرت بقوله أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ۩، إذن هي كلمة ماذا؟ لا إله إلا الله، شهادة العبودية، الكلمة الطيبة، الكلمة التي ضرب الله لنا مثلاً بالشجرة في سورة إبراهيم، هي الكلمة الطيبة، وهذا في الصحيح، ثابت تفسيرها، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ۩، ثم فُسِّرت بقوله أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ۩.

وفي الصحيح أيها الإخوة وفي كل السير طبعاً أن النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – في الكتاب الذي سيَّره إلى عظيم الروم كتب بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على مَن اتبع الهُدى، أسلِم تَسلم وأسلِم – وفي رواية من غير الواو – يُؤتَك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، فيها مبحث طويل هذه، على كل حال قال إثم الأريسيين، ثم بعدها بين قوسين ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ۩)، النبي أتى بهذه الآية في كتابه الذي سيَّره ودفعه إلى هرقل عظيم الروم.

وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ ۩، أيها المُسلِمون، بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ۩، فنحن على الطريق الحق القاصدة إن شاء الله تعالى.

۞ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ۞

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ ۩، لِمَ تُمارون؟ فِي إِبْرَاهِيمَ ۩، كيف تُمارون في إبراهيم؟ فيدّعي اليهود أنه يهودي ويدّعي النصارى أنه نصران أو نصراني، الله يقول لا، هو ليس بيهودي وليس نصرانياً، وكيف يكون يهودياً أو نصرانياً مع أن التوراة أُنزِلت من بعده والإنجيل أُنزِل من بعده؟ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ ۩، فعلاً كلام يدل على عزوب العقل منهم وعنهم، لذلك قال في آخر الآية مُذيِّلاً أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ۩،أي لو كان لكم عقل لما أمكن أن تقولوا هذا، مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۩ في سورة البقرة.

۞ هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ۞

هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۩، إذن يُؤخَذ منها أيها الإخوة تعظيم أن يتكلَّم الإنسان فيما لا علم له به، قال – عز من قائل – وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ۩، هذا أيها الإخوة من أكبر الذنوب، أن نقول على الله ما لا علم لنا به والعياذ بالله، مثل الشرك والعياذ بالله، مثل الشرك لأنه نوع من الكذب على الله، قال – عز من قائل – في الإسراء أو بني إسرائيل وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم إِنَّ السَّمْع وَالْبَصَر وَالْفُؤَاد كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ۩، وفي سورة ص وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ۩، ممنوع أن تتكلَّف علم ما لا تعلم، قل لا أعلم، الله أعلم.

خرج الإمام عليّ – عليه السلام – مرةً يضرب على كبده ويقول ما أبردها على كبدي، والإمام عليّ قال عنه النبي أنا مدينة العلم وعليّ بابها، وهذا حديث ضعيف رواه الحاكم ولكن الصحيح الذي ليس بالضعيف أن عليّاً كان من أعلم العالمين، وهو مشهود له – الكل شهد له – بهذا، من أعلم العالمين بلا شك عليه السلام، الإمام عليّ بحر علم، مُحيط علم كان، ومع ذلك خرج يضرب على كبده ويقول ما أبردها على كبدي، قالوا ما هي؟ قال لا أعلم، سُئلت فيما أعلم فقلت لا أعلم، الله أعلم، باردة! باردة وحلوة بالنسبة إلىّ، لماذا؟ لا يُوجَد إنسان يعلم كل شيئ، الجاهل هو الذي يظن أنه يعلم كل شيئ، ولذلك الإمام عمر ماذا قال؟ إذا رأيتم الرجل يُسأل في كل شيء ويُجيب فاعلموا أن في عقله شيئاً، لابد أن يكون مجنوناً أو ممسوساً، لا يُوجَد إنسان يعرف كل شيئ، أليس كذلك؟ ، لكن الأسف المُصيبة من العامة ومن الخاصة، لكن أول المُصيبة من الخاصة الذين لم يُورِّثوا العوام لا أعلم، أي لو اعتادت العامة أن تسمع من العلماء “والله لا أعلم، لا علم لي بهذا الأمر، نسيت، أُراجِع إن شاء الله، اسألني الأسبوع القادم، لا أعرف، نسيت هذا الشيئ، لا أعرفه، لم يمر، مبلغ علمي أنني لا أعرفه” لاختلف الأمر، لو أن الخاصة – العلماء ومَن يتكلَّم في الدين – أوروثوا الناس هذه الكلمة لعرف الناس أن لا أعلم تُجامِع العلم ولا تُناقِض عالمية العالم، يُمكِن أن تكون عالماً كبيراً جداً ولا تعلم أشياء كثيرة، ليس فيها أي عيب، الإمام مالك ألم يكن عالماً؟ لم يكن عالماً فقط، هو كان إماماً جليلاً، سُئل في أربعين مسألة فأجاب في ستة وفي أربع وثلاثين قال لا أعلم، لا أعلم، لا أعلم…. في أربع وثلاثين! والله العظيم أيها الإخوة لو بُعِث الإمام مالك وأجاب هكذا الآن تقريباً لأطبق الناس على أنه من الجهلاء الكبار، لأننا أجهل، نحن الآن أجهل من الجهل، أليس كذلك؟ الناس ثُريد من الواحد أن يتكلَّم في كل شيئ، لكن لا يُوجَد إنسان يعرف كل شيئ، ابن الجوزي – رحمة الله عليه – صنَّف ثلاثمائة وخمسين مُجلَّداً، أي أنه ترك لنا – ما شاء الله – مكتبة مثل هذه من كُتبه، تأليفات هذه، وهذا يعني أنه قرأ الآلاف، آلاف آلاف آلاف، ربما مئات الألوف، لا نعرف! ثلاثمائة وخمسون مُجلَّداً من المُؤلَّفات، وذات مرة كان على المنبر – أي منبر التدريس، كان يجلس على المنبر لأنه مكان عالٍ – و سأله أحدهم سؤالاً فقال له لا أعلم، فهذا الجاهل غضب، قال له كيف لا تعلم؟ إذا كنت لا تعلم لِمَ تجلس هنا إذن؟ أي على هذا المنبر، وهذا مثل المُصابين بالهبل الذين يظهرون في الأفلام والتمثيليات التُراثية، قال له لماذا تجلس هنا؟ قال له يا رجل هذا المنبر يُعبِّر فقط عن درجات علمي، هو ثلاث درجات، أنا عندي ثلاث درجات في العلم، لكن لو كان المنبر يُعبِّر عن درجات جهلي لانبغى أن يُبنى منبراً إلى السماك الأعلى، قال له جهلي كبير جداً جداً، فوق ما تتخيَّل قال له، ما الذي أعرفه أنا؟ وهذا صحيح، لا تجدون عالماً أيها الإخوة – والله العظيم – إلا وهو يعتقد في نفسه – في الداخل – أنه جاهل، والناس تكون مأخوذة بعلمه وسعة حفظه واستحضاره وقوة عارضته وبديهته، لكن هو يرى نفسه على العكس من هذا، لو فتحت عنه لوجدت أنه يقول لك أنا جاهل، من أجهل الجُهلاء، لا أعلم شيئاً، وهذا برهان العلم، أي أن عنده علم، لماذا؟ لأن فعلاً العلم أكبر وأكثر من أن يُحيط به فرد ولو عاش عمر نوح، أليس كذلك؟ لكن الجاهل إذا حفظ القرآن – فقط حفظ القرآن – يظن أنه أعلم رجل، لأنه حافظ لكتاب الله، ما معنى أنه حافظ لكتاب الله؟ هناك أطفال يحفظونه، وإذا حفظ مائتين أو ثلاثمائة حديث من رياض الصالحين أو من البخاري يظن أنه صار هو البخاري، لأنه جاهل ومسكين، لكن لو اتسعت دائرة علمه لعرف أن المسألة أكبر مما يتخيَّل، فنسأل الله أن يُعرِّفنا أقدار نفوسنا، رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، وعرف حتى طوره.

۞ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۞

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۩، الآية أيضاً هنا في سورة آل عمران.

۞ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ۞

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ ۩، فسَّرناها أمس وقلنا قال – صلى الله عليه وسلم – من رواية ابن مسعود ما بعث الله نبياً إلا جعل له ولاةً وإن ولي أبي خليل الرحمن، قال إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ ۩، مَن هم؟ مَن أولى الناس؟ لا تقل نحن، الذين اتبعوه، مَن الذين اتبعوه حقاً؟ هذه الأمة المرحومة، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ۩.

يا إخواني مَن الذي بنى البنية أو الكعبة؟ إبراهيم، أليس كذلك؟ مَن الذي يستقبل الكعبة؟ أمة محمد، هل يستقبلها اليهود؟ وهم يعلمون أن الكعبة بناها إبراهيم، يُقِرون بهذا، لا يُكذِّبون بذلك، وهم لا يستقبلونها، النصارى هل يستقبلونها؟ لا يستقبلونها، نحن فقط الذين نستقبلها، فنحن أولى الناس بإبراهيم، نحن أولى الناس بإبراهيم عليه الصلاة وأفضل السلام، إبراهيم كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا ۩، ما معنى الحنف حين نقول أنه حنيف؟ الاعوجاج، الحنف هو الاعوجاج، ولذلك يُقال فلان أحنف، مثل الأحنف بن قيس، لماذا؟ بسبب اعوجاج مشيته، حين تكون القدمان فيها اعوجاج يمشي الإنسان بشكل غير سليم، فيُسمونه الأحنف لأن قدميه فيها حنف، فهو رجل أحنف، والأحنف كان فيها حنفٌ فعلاً، هذا الحنف، لماذا يُقال للمُوحِّد السائر في الصراط المُستقيم أنه أحنف أو أعوج؟ ما معنى أنه أعوج؟ مائل، مائل عن ماذا؟ عن كل سُبل الباطل، وهنا قد يقول لي أحدكم هل لا يزال هذا الأهم؟ نعم، الأهم في الأول الكفر بالطاغوت، فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ ۩، الأهم في التوحيد أولاً أن تضمن توحيدك بالكفر بكل السُبل، بكل الطواغيت، بكل ما عُبِد مِن دون الأول في الأول، ثم تُحقِّق الإيمان بعد ذلك، هل هذا واضح؟ لذلك هذا المعنى – الحنف يعني الميل عن كل سُبل الباطل وعن كل طرائق الطاغوت – هو الأهم، وبعد ذلك تتحلى بالتوحيد الخالص، لذلك هذا معنى الحنيفية السمحة، أي الديانة المائلة عن كل المائلين وعن كل طرق الزائغين وعن كل مناهج المُلحِدين والتي يقصد بها أصحابها الصراط المُستقيم والسبيل القويم، اللهم اجعلنا منهم.

وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ۩، هذا واضح.

۞ وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۞

وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ۩، هذا المعنى تكرَّر مرات كثيرة، في البقرة قال ماذا؟ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ۩ والعياذ بالله، أي أنهم يُفضِّلون أن يعود المُسلِمون الصحابة وثنيين يعبدون الأصنام من دون الله على أن يظلوا في طريق إبراهيم، في طريق التوحيد، فلعائن الله عليهم مُتتابِعة إلى يوم الدين، قال تعالى وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۩.

۞ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ۞

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ۩، هذا تشنيع وتبكيت أيها الإخوة، لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ۩.

۞ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ۞

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ۩، واضحة.

۞ وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۞

وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ ۩، أي في البداية، وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ ۩، في آخر اليوم، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۩، هذه حيلة احتال بها – والعياذ بالله – طواغيت وكفرة اليهود لكي يُضِلوا ضعفة المُسلِمين، ولم يبلغوا في ذلك مبلغاً بحمد الله – تبارك وتعالى – وأخسأهم الله، عن بعض المُفسِّرين من التابعين قال صلى يهود – أي جماعة منهم – مع رسول الله الصبح، قالوا سوف ندّعي أننا مُسلِمون وذهبوا وصلوا وراء الرسول، وفي آخر النهار أعلنوا الكفر وأن هذا الدين غير مُعجِب، قالوا لا يُعجِبنا، بصراحة دين باطل، فكأنهم ارتدوا عنه بعد قناعة وبعد سبر وتنقيب وتنقير وخبرة، خبرة يوم – ما شاء الله – أو سبع ساعات، لكن لم يبلغوا في ذلك ما يُؤمِّلون بحمد الله تبارك وتعالى، ولم يرتد أحد من ضعفة المُسلِمين حتى لهؤلاء المناكيد لعنة الله عليهم.

۞ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ۞

وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ۩، ماذا تظنون معنى هذه الآية؟ انتبهوا! لم يقل ولا تُؤمِنوا إلا بمَن تبع دينكم، انتبهوا! وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ ۩، أي بــ ، هذا – صحيح – الإيمان، وهنا قال وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن ۩، فرق بين آمن بــ وآمن لــ ، وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ۩، أليس كذلك؟ أبناء يوسف الأسباط، ما معنى وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ۩؟ وما أنت مُصدِّقنا، وما أنت بمُصدِّقٍ لنا، أليس كذلك؟ هذا المعنى، وهنا – انتبهوا هذا معنى الآية – معنى الآية إذن وَلاَ تُؤْمِنُواْ ۩ أي ولا تطمئنوا ولا تُطلِعوا على خباياكم وأسراركم ودخائلكم إلا مَن تبع دينكم، فقط آمنوا لليهود، كما نقول في العامية ألا تُآمن لي يا أخي؟ ما معنى ألا تُآمن لي يا أخي؟ أليس عندك ثقة في لكي تضع سرك عندي؟ هذا هو معناها، وليس بالإيمان، أي الإيمان الشرعي، لا! وَلاَ تُؤْمِنُواْ ۩ أي ولا تطمئنوا ولا تُدخِلوا على مكنوناتكم وسرائركم وأسراركم ودخيلاتكم إلا أهل دينكم دون الآخرين من المُسلِمين، لماذا؟ سوف نرى، انتبهوا! هذه الآية غير مفهومة فيما يبدو بسهولة، تُوجَد جُملة اعتراضية سوف نتجاوزها الآن مرحلياً: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ۩، اتركوا هذه الجُملة الاعتراضية، ماذا يُصبِح السياق؟ ولا تُؤمِنوا إلا لمَن تبع دينكم أن يُؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم أو يُحاجوكم عند ربكم، لأنكم لو اطلعتم غيركم من المُسلِمين – مثلاً – على أسراركم فسوف يعرفون ما عندكم من علم وسوف يتخذونه حُجةً عليكم، لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۩، وهذا المعنى مُقرَّر في البقرة أيضاً، هذا معنى الآية، لكن دون هذا الفهم تُصبِح الآية مُستغلِقة، وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ… ۩ غير مفهومة.

إذن جُملة قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ۩ جُملة مُعترِضة، لا محل لها من الإعراب، اعتراضية من عند الله، الله ماذا يقول؟ قل يا محمد الهُدى الحقيقي الذي يُوصِل إلى رضوان الله وإلى محابه – تبارك وتعالى – وإلى مُراده من عباده هو الهُدى الذي بُعِثت به، وهو هُدى الله، أي الهُدى الذي بُعِثت به أنا محمد وهو من عند الله، هذا هو الهُدى، دون ما بأيدي اليهود من الكلام المُحرَّف الذي زيد فيه ونُقص منه، أصلاً هو حتى لو اطلعتمونا عليه ليس هُدىً كاملاً، أليس كذلك؟ انتبهوا! وطبعاً بعضه هُدى بلا شك، وفي الحديث الصحيح إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تُصدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم وَقُولُوا آمَنَّا بالَّذِي أُنـزلَ إلَيْنا وأُنـزلَ إلَيْكُمْ ۩، هذه هي، لماذا؟ لأن فعلاً بعض التوراة فيها حق، لكن مدسوس فيها باطل، وإذا لم نستطع أن نميز الحق من الباطل التبس علينا وجه الحق فضللنا والعياذ بالله، فالله قال له يا محمد قل لهم أصلاً ما عندكم لا يصح أن يكون هُدىً كافياً، هُدىً مُغنياً، وهُدىً كاملاً، لكن الهُدى الحقيقي ما بُعِثت به أنا، ثم عاد السياق إلى حاله، قال أَن يُؤْتَى أَحَدٌ ۩، إذن هذا هو، انتبهوا! كما قلت في أحد الدروس حين نقول أن – أن كذا وأن كذا – لا يطرد ولكن أيها الإخوة في الأغلب الأعم حين تأتي للتعليل تُحذَف لامها، أي لأن، لا تُطلِعوا على أسراركم أحداً من غير ملتكم لئلا يُصيب بعض ما عندكم من علم ويتخذه حُجةً عليكم عند ربكم، هل فهمتم كيف معنى الآية؟ هذا معنى الآية، وهناك اعتراض فقط، جُملة مُعترِضة!

أَن يُؤْتَى أَحَدٌ  مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۩، قال تعالى قُلْ – قل يا محمد مرة أُخرى – إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ۩، العلم والحكمة والهُدى والدين كله من عند الله تبارك وتعالى، والله يُعطيه مَن يشاء، ليس جُزافاً هكذا ولكن بحكمته، قال وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ۩، عليم مَن الذي يستحق دون الذي لا يستحق.

۞ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ۞ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۞

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ۩ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۩، ذكر القنطار والدينار، والآية تعرفونها، هذه الآية نزلت على سبب، اؤتمن عبد الله بن سلّام – عليه الرضوان والرحمة – على قنطار فعلاً أو مبلغ كبير فأداه، واؤتمن فنحاص بن عازوراء على دينار فخانه وغله، والله قال لَيْسُوا سَوَاءً ۩، منهم الأمين ومنهم الخوّان الأثيم، ففيهم الخونة، لكن ما مُناسَبة هذه الآية للسياق؟ واضح جداً، الذي يخون أمانات الناس المادية – بعض الدنانير وما إلى ذلك – بالحري أن يخون الأمانة المعنوية، أي أمانة الهُدى والكتاب، مُناسِبة هذه الآية جداً، وهذا طبعاً ينطبق علينا، انتبهوا! ينطبق حتى على الأمة الإسلامية، إذا كان هناك – مثلاً – شيخ أو عالم يخون أمانات الناس المادية ألا يخون الفتوى؟ مليون في المائة يخون الفتوى، لا يتورَّع في المُعامَلات المادية، فهل يُمكِن أن يتورَّع في الفتوى؟ مُستحيل، لا نأخذ من هذا بالمرة، لماذا؟ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ۩، مَن هم الأُميون الآن؟ العرب، المقصود هنا العرب المُسلِمين وغير المُسلِمين الذين ليسوا بيهود، طبعاً كلمة أُميين عند اليهود بشكل عام هم غير اليهود، لكن هنا ما كان إلا العرب في الجزيرة، قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ أي الجوييم Goyim أو الأغيار أو الجنتايل Gentile، نفس الكلمات تتكرَّر هذه، جوييم Goyim يُسمونهم، أي الأمميون – سَبِيلٌ ۩، قالوا في الأميين – أي في الأمميين – ليس علينا سبيل، خُذ أموالهم وانتهك أعراضهم وافعل كل شيئ، ليس لهم حُرمة وليس لهم ذمة، قاتلهم الله، أكذبهم الله في ذلك طبعاً، وهذا ليس من شرع موسى، هذا مما زادوه بالإفك والزور والبهتان في توراة موسى، كذب هذا، مُستحيل! 

ولذلك روى الإمام عبد الرزّاق عن صعصعة بن يزيد أن عبد الله بن عباس – رضيَ الله عنه وأرضاه – قيل له يا أبا العباس إنا نغزو – نغزو غير المُسلِمين طبعاً – فنُصيب من أموال أهل الذمة الشاة والدجاجة، أي من أموال الذميين نأخذ شاة أو دجاجة أو ديكاً أو أشياء مثل هذه، قال ابن عباس فماذا تقولون؟ أي ماذا تقولون لبعضكم البعض؟ بماذا تفتون أنفسكم؟ قال السائل نقول ليس علينا في ذلك من بأس، أي  لاتُوجَد مُشكِلة في أن نأخذ شاة أو دجاجة، قال قلتم كما قال أهل الكتاب، ما شاء الله عليكم، فتوى مُمتازة – قال لهم – هذه، قال قلتم كما قال أهل الكتاب لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ۩، إنهم إنما أدوا إلينا الجزية، فإذا أدوها فلا تحل لنا أموالهم إلا عن طيب أنفسهم، قال له هذه فتوى باطلة، تفتون أنفسكم وأصبحتم مثل أهل الكتاب قال له ابن عباس، انظروا – سُبحان الله – أين ديننا وأين دينهم، ديننا ليس فيه أمميون وأميون وغير مُسلِمين، ليس فيه كل هذا، الأخلاق لا تتجزأ، الأمانة مع الكل، أليس كذلك؟ أد الأمانة إلى مَن ائتمنك – هذا حديث – ولا تخن مَن خانك، انظروا إلى الرسول، هجَّروه من مكة وهو رسول، أليس كذلك؟ من مكة هجَّروه وأرادوا به حتى القتل والذبح وائتمروا عليه كما تعرفون، انحط رأيهم على ذلك، ومع ذلك بيَّت واستخلف ابن عمه وكان من أقرب الناس إليه وعرَّضه إلى الموت لكي يُوصِل إليهم أماناتهم، أرأيتم كيف شرع الرسول؟ واليوم عندنا أُناس هنا ما شاء الله موجودون في أوروبا وعندهم فيز Visas وإقامة ويأخذون مُساعَدة Helfen – كل أنواع المُساعَدة Helfen – ويقولون هؤلاء أموالهم ليس لها عصمة، اسرق من الـ DM واسرق من الـ Billa ومن الـ Bipa ومن كذا وكذا، هؤلاء مُوجودون في بريطانيا، قياداتهم الفكرية مشايخ بلحى تهتز هزاً، في الجزيرة رأيناها تهتز، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ۩، شوَّهوا صورة الإسلام والله العظيم، هذا تشويه لصورة الإسلام، لذلك نحن نشك حتى في أصل هؤلاء الناس، مَن الذي يُوجِّههم؟ مَن الذي يُحرِّكهم؟ ماذا وراؤهم؟ ورقة قذرة سوداء تُستخدَم لتشويه صورة الإسلام والمُسلِمين، هل المُسلِم يكون خوّاناً أثيماً حقيراً؟ كيف يسرق من الـ Billa ومن الـ Bipa ومن الـ C&A وكل هذا الكلام الفارغ ثم يقول إنه مُسلِم؟ ما شاء الله! 

للأسف حدَّثتكم ذات مرة أن في الدنمارك كان يُوجَد شيخ من هؤلاء يؤم الناس على أساس أنه شيخ وعالم ويُعلِّم الناس كيف تُكفِّر بعضها البعض – المُسلِمون يُكفِّرون بعضهم البعض – وبعد ذلك ضبطوا هذا الرجل مُتلبِساً وظهر في التلفزيون Television في الدنمارك، واعترف أنه يُعطي فتاوى بالسرقة وما إلى ذلك، فكانت فضيحة بجلاجل كما يقول المصريون، للأسف! نسأل الله أن يفتح فعلاً عيوننا وبصائرنا حتى لا نَضِل ولا نُضِل ولا نَذِل ولا نُذَل، صح أنت لست عالماً – أنت إنسان عادي – لكن إياك أن يستزلك أحد من هؤلاء المُجرِمين باسم الإسلام كأن يقول لك اذهب وخُذ كذا وكذا فهذا كله حلال، لا ينفع الكلام هذا، وقد حصل شيئ قريب من هذا في أكثر من بلد للأسف، فهذه فتوى ابن عباس، لا يُوجَد الكلام هذا، والنبي أيضاً كما قلنا ليس عنده هذا، فهذه نزعة يهودية، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۩.

۞ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ۞

بَلَى ۩، الله يقول لا، ليس الأمر كما يُصوِّرونه، هم كذبوا! 

بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى ۩، إذا كان هناك أي عهد بينك وبين أي أمة أو بينك وبين أي جماعة أو أي شعب أو أي فرد، قال وَاتَّقَى ۩، واتقى ماذا؟ واتقى سخط الله، بماذا؟ بالبُعد عن ما حرَّم الله، هذا معنى وَاتَّقَى ۩، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ۩.

۞ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۞

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً ۩، تعريض باليهود، أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ ۩، لا حظ ولا نصيب، لا قسم لهم من رحمة الله تبارك وتعالى، فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۩، ماذا عن هذه الآية الكريمة أيها الإخوة؟ في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود – رحمة الله على الجميع – قال: قال – صلى الله عليه وآله وأصحابة وسلم – مَن حلف على يمين وهو يعلم أنه فيها فاجر أو قال مُبطِل ليقتطع بها مال امرئٍ مُسلِم بغير حق لقيَ الله يوم القيامة وهو عليه غضبان، قال الأشعث بن قيس في – والله – كان ذلك، أي أنه قال هذه القصة لها علاقة بي أنا شخصياً، كان بيني وبين يهودي أرض، فجحدني أرض – أي اليهودي – فأتيت به النبي عليه الصلاة وأفضل السلام، يا رسول الله كذا وكذا وكذا، فقال النبي ألك بيّنة؟ أي هل عندك بيّنة؟ هل عندك شهود لكي يشهدوا؟ قلت لا يا رسول الله، والله ليس عندي بيّنة، الكلام كان بيني وبينه فقط، قال فقال له النبي احلف يا يهودي، قلت يا رسول الله إذن يحلف فيضيع مالي، قالوا للكذّاب قال جاءك الفرج كما يُقال، احلف! قال له الأشعث بن قيس يا مُصيبتي! قال له أتقول لليهودي احلف؟ سوف يحلف مُباشَرةً، هذا معروف عنهم، النبي قال له البيّنة على مَن ادّعى واليمين على مَن أنكر، هذه معروفة، فقال له احلف، فقال له يا رسول الله إذن يحلف ويضيع مالي، فأنزل الله – تبارك وتعالى – إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۩، لعنة الله عليهم إلى يوم الدين، فهذه طريقتهم، هذا ديدنهم دائماً عبر العصور والعياذ بالله تبارك وتعالى.

ذات مرة في درس سابق ذكرنا حديث عند مُسلِم وعند غير مُسلِم أيضاً عن أبي ذر النبي قال فيه ثلاثةٌ لا ينظر إليهم الله يوم القيامة ولا يُكلِّمهم ولا يُزكيهم ولهم عذابٌ أليمٌ، مَن هم؟ مَن؟ المنّان بما أعطى والمُسبِل والمُنفِّق سلعته بالحلف الكاذب، بالمُناسَبة هنا أيضاً يُمكِن أن ترجعوا إلى السيوطي لكي تعرفوا مَن الذين لا ينظر الله إليهم، أتى لكم – ما شاء الله – بالعشرات، تُوجَد أحاديث كثيرة فيمَن لا ينظر الله إليهم، ما معنى لا ينظر إليه ولا يُكلِّمه؟ لا ينظر إليه نظر رحمة، انتبهوا! لأن من المُمكِن أن ينظر لكن نظر غضب وسخط، وهو نظر بالعتب فقط، لو نظر إليك بعتب ماذا يحدث؟ اللحم هذا ينزل مُباشَرةً، تعرفون الخضر عليه السلام، سوف نحكي قصة باختصار عند الطبراني وهي قصة طويلة، الخضر – عليه السلام – يُقال كان نبياً ويُقال كان ولياً، والأشهر أنه ولي، الله أعلم بالحقيقة على كل حال، هذا الخضر – أبو العباس عليه السلام – ذات مرة كان ماشياً، وكان يُوجَد رجل عبد للأسف يبدو أن سيده عسف بهم وحمَّله ما لا يُطيق، فقال له يا عبد الله – قال للخضر – أعتقني، قال له يا أخي ليس عندي شيئ لكي أعتقك، فتح الله عليك، قال له بالله عليك أعتقني، قال له لقد سألتني بعظيم، بالله تقول لي؟ قلت لي بالله عليك؟ أف! هذا سُئل بالله، قال له لقد سألتني بعظيم، عزمت عليك أن تأخذني من يدي فتبيعني في السوق، وتأخذ ثمني ثم تشتري نفسك به، وأنا أدخل في العبودية، قال له لا، قال له لا يُمكِن، لابد أن تفعل هذا رُغماً عنك قال له، قال له سأتني بالله أنت، أرأيتم كيف الناس التي تُعظِّم الله؟ ونسأل مَن الخضر؟ ولماذا الخضر؟ وكيف الله أعطاه؟ التقوى! التقوى الحقيقية، ربنا عظيم جداً جداً في قلب الأولياء، هل فهمتم كيف؟ ربنا ليس شيئاً سهلاً.

ذات مرة إبليس أبو مُرة – يُكنى بأبي مُرة، انظروا إلى الكنية الحلوة، أبو مُرة لعنة الله عليه هو إبليس – خرج لرجل – تبدى لرجل – فقال له الرجل يا أبا مُرة مسألة أسألكها، قال سل، قال كيف لي أن أُصبِح مثلك؟ قال له ويحك، ما سُئلت هذه المسألة، أتُريد أن تصير مثلي؟ أتُريد أن تكون كإبليس؟ قال له شيئ أحببته، ما علاقتك بي أنت؟ أنا أُريد أن أكون مثلك، أنا أُحِب هذا الشيئ، قال له لم يقل واحد في حياتي هذا، أعيش من آلاف السنين وأدمِّر في هؤلاء العباد المساكين ولم يسألني واحد منهم هذا السؤال، قال له شيئ أحببته، ما علاقتك بي أنت؟ قال له إذن – طبعاً إبليس فرح، أحسن نُقطة في التاريخ البشري هذا، إنسان غريب – ثلاثة أمور، قال له ثلاثة أشياء تفعلها وينتهي الأمر، سوف تكون أسوأ مني، أستغفر الله العظيم، قال له ما هي؟ قال له ما اشتهت نفسك فأعطها، مبدأ الحداثة! هذا مبدأ الحداثة، الذي تُريد أن تفعله افعله، أتُحِب أن ترتكب الزنا أو اللواط أو القتل أو الإجرام أو تشرب الخمر أو أي شيئ آخر؟ افعل كل ما تُريد، ما يخطر على بالك افعله، ولذلك انتهوا إلى ماذا الآن؟ إلى عبادة الشيطان، أليس كذلك؟ صاروا يعبدونه، يضعون قروناً له في المحافل ويسجدون له، لعنة الله عليهم وعليه، طبعاً هذا هو، هذه سبيل الشيطان، أسوأ مبدأ هذا، مبدأ الذي تُريده افعله، والعياذ بالله مبدأ إبليسي هذا، قال له ما اشتهت فأعطها، أطعِمها، أنِلها، لا تقل لها لا، هذا نصف الطريق، والشيئ الثاني قال له ولا تُصل، احذر من الصلاة هذه، لا نُريد الصلاة هذه، ليست من طريقنا، وانظروا إلى عيسى، قال وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ۩، عيسى يحتاج إلى الصلاة طيلة حياته، ألا تحتاج إليها أنت وأنت وأنت وأنا؟ يأتيك الشيطان ويقول لك لماذا تُصلي الصبح؟ أنت تعبان، نم أحسن لك، وفي المساء يقول لك صل العشاء بعد التمثيلية، وبعد التمثيلية يقول لك نم، التمثيلية أولى ونحن نُريد أن ننام، هل الله يُريد صلاتنا؟ أنا قلبي أبيض وما إلى ذلك، أف! مبدأ إبليسي هذا، عيسى – عليه السلام – الذي كان يُحيي الموتى الله قال له يا عبدي، يا روحي، يا كلمتي انتبه، طالما روحك في بدنك إياك أن تترك الصلاة، لابد أن تُصلي حتى آخر لحظة من حياتك، خطيرة الصلاة، تأمَّلوا هذه الآيات وسوف تجدون أنها خطيرة جداً جداً جداً، فعلاً لا حظ في الإسلام لمَن لا صلاة له، قال مَا دُمْتُ حَيًّا ۩، فإبليس يفهم هذا، قال له إياك والصلاة، تهاون!

قال له والأمر الثالث لا تُبالي حلفت بالله صادقاً أو كاذباً، لا يهمك اسم الله هذا وما إلى ذلك، لأن هذا كفر، لا يُوجَد تعظيم لله، لا يُوجَد توقير، لا يُوجَد إجلال لرب العزة والجلال تبارك وتعالى، قال له ولك علىّ أبا مُرة – ولك علىّ قال له – ألا أُعطي نفسك ما اشتهت – هذا أولاً – وألا أترك الصلاة ما دُمت حياً وألا أحلف بالله لا صادقاً ولا كاذباً، قال له ولك علىّ ألا أنصح لأحد أبداً، لعنة الله عليه، ما هذه المُصيبة؟ قال له ولك علىّ ألا أنصح لأحد أبداً، وكأنه نصح له، هل أنت نصحت له؟ لعنة الله عليك يا بعيد، هل هو نصح له؟ الآن هو مزعوج منكم لأنكم تضحكون عليه وأنتم مبسوطون، لكن انتبهوا منه واحذروا، وأنا أيضاً لابد أن أحذر، احذروا منه، الآن هو مزعوج جداً، هذه حقيقة أقولها لكم وليس مزحاً، هو مزعوج جداً، ربما يقول أتضحكون علىّ؟ سوف أُريكم الليلة ماذا سأفعل، الآن هو يُريد أن يضع رأسه برأس كل واحد فيكم، يُريد أن يُضِله، يُريد أن يتسبَّب في شيئ يُغضِب به ربه فانتبهوا! انتبهوا جيداً، لعنة الله على البعيد، فيظع هو، ليس سهلاً، أضل أبانا وأخرجه من الجنة، فهذه المسألة، فالخضر – عليه السلام – سواء كان نبياً أو ولياً يعرف ما معنى اسم الله وأن تُسأل بالله، طبِّق هذا حين يقول لك أحدهم بالله عليك، هناك أُناس يقولون لك لا، تُحلِّفه فيقول لك والله العظيم والقرآن الكريم، ويحلف كاذباً، أف! والعياذ بالله منه، هذا ليس عنده تعظيم لله، هذا أشبه بالكفّار وهو لا يدري، ماسح! إيمانه ماسح، ليس عنده تعظيم لله، ليس عنده هذا، فالخضر قال له خُذني وبعني فأخذه وباعه، باع المسكين وصار عبداً عند رجل ثانٍ، وهذا الرجل – سيد الخضر الجديد – رآه إنساناً مُنوَّراً سُبحان الله، وكان رجلاً كبيراً في السن، فهو ليس شاباً صغيراً، قال له أنت رجل كبير وكذا وكذا، فأرح نفسك، قال له لا، ما اشتريتني يا سيدي ودفعت في لكي أستريح، كلِّفني بعمل قال له, قال له لا، أنت كذا وكذا، قال له لا، كلِّفني، قال له والله يُوجَد قطن هنا يحتاج إلى الندف، وأنا ذاهب – قال له – أقضي حاجة لي، فاندفه أو اندف منه لأنه يحتاج إلى أيام، رجع بعد ساعة فوجده كله مندوفاً، قال له أنت قويٌ على ما تُكلَّف به، والله فيك – قال له – ما شاء الله خير كثير، قوي قال له، وهكذا! ثم أراد أن يبني بيته، قال له أنا مُسافِر وأُريد أن أبني البيت وأجدِّده، فقال له سوف نأتي باللبن وما إلى ذلك، ذهب الرجل وعاد بعد أيام قليلة فوجد البيت كله في أحسن صورة ما شاء الله، أتى بكل شيئ وبنى وفعل كل شيئ، هذا بقدرة الله، ألم يقل لك في البخاري ومُسلِم عن نوف البكالي فقال بيده فأقامه؟ أرأيت؟ الجدار – جدار كامل، الله أعلم كم طوله، عشرة في عشرين مثلاً وما إلى ذلك – قال بيده فوقف الجدار كله، هناك قدرة وهناك قوة إلهية في يده، لم يكن مثلنا، قال بيده فوقف الجدار كله مُباشَرةً، إذن فقال بيده فأقامه عليه السلام، فلما رجع هذا قال له نبؤك عجيب وخبرك غريب، أخبرني بالأمر سألتك بالله، قال له آآآه هذه التي أوقعتني فيما أنا فيه، أتسلني بالله؟ لا يُحِب أن يسأله أحد بالله، هذه ليس فيها كذب، أنت سألتني بالله، انتهى الأمر، سأُجيب ولو كنت سأموت، عليه السلام الخضر، قال له آآآه هذه التي أوقعتني فيما أنا فيه، قال ماذا؟ لا أفهم أنا، فقال له يا سيدي أنا من نبأي كذا وكذا، قال له أنت أبو العباس الخضر يا سيدي؟ وظل يُقبِّل فيه وقال له يا نبي الله اغفر لي واستغفر لي، قال له لا مُشكِلة، فقط إذا أردت أن تُحرِّرني حرِّرني وجزاؤك على الله، قال له أنت حُر لوجه الله يا نبي الله، احكم في وفي أهلي بما تُريد، أنا عبدك، أنا وامرأتي وأولادي عبيد عندك، ماذا تُريد؟ قال له لا أُريد شيئاً، حرِّرني فقط، فحرَّره عليه السلام، الخضر يُقال إلى اليوم حي، يُقال إلى اليوم هو حي ويظهر إلى أولياء الله الكبار، وظهر لكثيرين من أقطاب الأولياء ومنهم بعض علماء الإسلام رحمة الله عليهم أجمعين.

قصته طويلة جداً عليه السلام، فهذا هو موضوع تعظيم جلال الله، لا تحلف بالله كذباً، لا تحلف! وإذا كان عندك حتى إيمان كبير لا تحلف لا صادقاً ولا كاذباً، هذا أفضل، الإمام الشافعي قال ما حلفت بالله لا صادقاً ولا كاذباً مُذ وعيت على نفسي، انظروا إلي الشافعي رحمة الله عليه، قال مُذ كنت صغيراً لم أحلف أبداً بالله، فقط صدِّقني، إذا أحببت أن تُصدِّقني صدِّقني، إذا لم تُحِب أنت حُر، وخاصة في قضايا الدنيا، لكن في شؤون الدين والتعليم النبي علَّمنا – والذي نفس محمد بيده – أنه يُمكِن أن تحلف، لا تُوجَد مُشكِلة، تحلف على معنى قرآني أو على خبر أو على عقيدة وما إلى ذلك، هذا جيد، لكن لا تحلف في أشياء دنيوية من أجل كيلو جزر أو من أجل طاقية وما إلى ذلك، لا تحلف على شيئ مثل هذا، لا يستأهل! 

قال وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۩.

۞ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۞

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ ۩، يُحرِّفونه، معناها أنهم يُحرِّفون الكتاب، لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ ۩، واضح، وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ۩، نفس الشيئ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۩، كل هذا واضح.

۞ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ۞

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ ۩، هذه الآية قيل عامة في كل الأنبياء، وقيل في محمد عليه السلام، لكن ظاهرها العموم، لأنها تقول مَا كَانَ لِبَشَرٍ ۩، والنكرة في سياق النفي تعم، وهذا الصحيح وإن نزلت في محمد، فهي أيضاً تعم جميع الأنبياء، مُتستحيل أن نبياً يُؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يطلب من الناس أن يكونوا عبيداً له مع الله أو من دون الله، يُوجَد اختلاف في كلمة مِن دُونِ اللَّهِ ۩، قيل مع الله وقيل بحسب ظاهرها من دون الله، مُستحيل أيها الإخوة والأخوات! هذا مُستحيل، ويُقال السبب أن اليهود – لعنة الله عليهم – لما جاء وفد نجران في سنة تسع – النصارى – جاءوا أيضاً، يُريدون أن يُناقِشوا النصارى، فجاءوا وجلسوا في مجلس رسول الله، فقال أحد اليهود – لعنة الله عليه، أبو رافع القرظي اسمه – يا محمد أتُريد منا أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى ابن مريم؟ انظروا إلى الكذب، هل النبي قال هذا؟ متى قال هذا؟ يهودي، “اسفوخس” عليهم! فأحد النصارى – رجل سيد لعله يكون العاقب – كان موجوداً فقال له يا محمد أوذاك ما أردت منا؟ أي هل أنت فعلاً تُريد هذا؟ النصارى هُبل ويُصدِّقونهم إلى الآن، يلعبون لهم في دينهم ويُصدِّقون، ألقى كلمة فالنصراني صدَّق فعلاً، يا أخي اسأل النبي، كيف تُصدِّقه؟ لا! فالنبي قال كلا ومعاذ الله أن آمر الناس بأن يعبدوا مع الله أحداً، لا أنا ولا غيري قال لهم، كيف يُقال أنا أُريد هذا؟ معاذ الله، وأنزل الله هذه الآية مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن – ما القضية؟ – كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ – وهذا الذي طلبه محمد منا ومن أُمته – بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ۩.

قال كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ ۩، ما معنى رَبَّانِيِّينَ ۩؟ جمع رباني أيها الإخوة، ما معنى رَبَّانِيِّينَ ۩؟ قيل علماء فقهاء حُلماء، قال ابن عباس ربانيون: علماء فقهاء حُلماء، طبعاً هي واضحة، وقيل الرباني هو الذي يُعلِّم الناس الخير ويُربيهم بصغار العلم قبل كباره، أي أهل التربية، أهل التسليك، الواحد منهم لا يُلقي خُطباً فقط ومواعظ، وإنما يُربي الناس، يعرف أين أمراض النفس وأين وساوس النفس وأين تسويلات الشيطان وأين كذا وأين كذا، عنده القدرة – سُبحان الله – ويعرف هذه الأشياء، مُربٍ كبير، وبالمُناسَبة ليس كل عالم مُربٍ، انتبهوا! لكن المُربي الحقيقي لابد أن يكون عالماً وعالماً كبيراً جداً جداً، ولابد أن يجمع العلم والصلاح، حين تقرأون لرجل مثل أبي الحامد الغزّالي – رحمة الله عليه – تعرفون هذا، أكيد كلكم قرأتم له إحياء علوم الدين، يشعر الواحد منا بهذا بغض النظر عن ما يُقال في الإحياء، بعض الناس ليس عندهم إلا الكلمة هذه: فيه أحاديث ضعيفة، فيه بعض الفلسفات، هذا الذي يفهمونه فقط، لكنهم لا يقدرون على الاستفادة من الإحياء بأي شيئ، للأسف عندهم هذه الفلسفات الفارغة، والإحياء قال فيه شيوخ الإسلام الكبار الكثير، مثل تاج الدين السُبكي الذي قال لو نظر فيه يهودي أو نصراني بنية لظننت أن الله يهديه، كتاب فيه سر عجيب، أنا أقول الشيئ هذا لله تبارك وتعالى، ما قرأت في حياتي إلى الآن أي كتاب لعالم من علماء الإسلام وأثَّر في نفسي كإحياء علوم الدين، سُبحان الله، إلى الآن لا يُوجَد! شيئ غريب، وبالمُناسَبة لست وحدي مَن يقول هذا، كثير جداً من العلماء يقولون نفس الكلام، فيه سر غير عادي، لماذا؟ أنت أمام مُربٍ، لست أمام عالم وما إلى ذلك أنت، أنت أمام مُربٍ حقيقي، يُحدِّثك عن نفسك كأنه خبير خرّيت بها، فهو يعرفها تماماً، هذا الرباني، يُربّي الناس ويُنشّئهم ويُزيّدهم شيئاً فشيئاً بصغار العلم قبل كباره، انتبه! 

الآن النغمة السائدة في العالم الإسلامي من بعض فرقاء المُسلِمين أنهم – ما شاء الله – أول ما يُربون الناس يُربونهم على المُتشابِه، استوى على العرش أو لم يستو ويد الله وعين الله! أول ما يُربون الناس! الناس والله العظيم لا يعرفون الطهارة، أنا حين كنت في سويسرا ذات مرة – وأعوذ بالله من كلمة أنا – ذهب أحدهم وفتح مسائل مثل هذه، وأنا لا أُحِب أن أتحدَّث مع العوام في المسائل هذه، لا أُحِب هذا أبداً، والرجل يعترض وما إلى ذلك، بعد ذلك بدأ الرجل يسأل فقلت ما هذا؟ هل مدخول أو مجنون هذا الرجل؟ الرجل في كلامه غير مُتماسِك، ثم جلست إليه وإذا بالرجل ماحٍ، لا يعرف شيئاً، وقال لي أنا يا أخي أُصلي مُنذ أشهر يسيرة، وعنده خنافس في شعره، ما القصة هذه؟ فسألتهم وقلت لهم ما القصة؟ قالوا هؤلاء الإخوة الفلانيون أو الجماعة الفلانية تلقَّفوه، هو لم يكن عارفاً لا بطهارة ولا بحدث أصغر ولا أكبر، ولا يعرف شيئاً المسكين في الدين أصلاً، لا يعرف كيف يقرأ القرآن، مُنذ شهرين فقط عبأوا رأسه باستوى على العرش أو لم يستو وبتأويل وأشاعرة وجهمية ومُعطِّلة وكرّامية وسلفية وكذا وكذا، ما هذا؟ ضلَّلتم عباد الله وكفَّرتم الناس، اتقوا الله في الإسلام وفي المُسلِمين، المُربي على عكس ذلك تماماً، يُربي الناس بصغار العلم قبل كباره، بحيث يعرفون دينهم شيئاً فشيئاً وخُطوة خُطوة، وهذا من رحمة الربانيين بأمة محمد عليه الصلاة وأفضل السلام.

بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ۩، قيل وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ۩ أي تتلون وتُكرِّرون، لأن الدراسة في الأصل – كلمة الدراسة – ما معناها؟ ليس النظر في الكتاب وإنما تكرار النظر في الكتب، تطلع ثم تعود وتنظر ثم تعود وتنظر ثم تعود وتنظر، يُسمونها ماذا؟ الدراسة، هل هذا واضح؟ إذن وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ۩ أي وبما كنتم تُكرِّرون وتُعيدون النظر وتُجيلون أنظاركم في هذا الكتاب الإلهي، قال بعضهم وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ۩ أي وبما كنتم تحفظون من الكتاب، وهذا قريب من المعنى الأصلي للكلمة، لماذا؟ لأن مَن أكثر وأجال نظره مرة بعد مرة في كتاب حفظه، هذا هو، فهذا قريب وليس بعيداً، الذي فسَّره بالحفظ قريب من الذي فسَّره بتكرار النظر وإعادة تعلمه.

۞ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ۞

وَلاَ يَأْمُرَكُمْ ۩، لماذا يَأْمُرَكُمْ ۩ “بالفتحة على الراء” وليس يأمرُكم “بالضمة على الراء”؟ لأن كل هذه معطوفة، الواو هذه عاطفة على ما قبل، أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ۩، واضح جداً.

۞ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ۞

هذه آية عظيمة، نُريد أن نُخفِّف قليلاً سرعة الحديث لأنها آية عظيمة جداً، من الآيات المحبوبة إلى قلوب المُؤمِنين، لأنها في خصائص مَن؟ مولانا وحبيبنا رسول الله عليه الصلاة وأفضل السلام، وهي مِن أعظم الآيات التي تُبرِز خصيصة رسول الله، خصيصة خاصة ليست إلا له في كل الخلق.

يقول المولى الجليل – عز شأنه وجل مجده – وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ ۩، الميثاق هو العهد المُوثَّق، ليس أي عهد وإنما عهد مُوثَّق، أي عهد مُغلَّظ، هل هذا واضح؟ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۩، هذا هو الميثاق، هذا النص، قَالَ – عز وجل – أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ۩، أنتم تعرفون الإصر، الإصر هو العهد الشديد، العهد الثقيل، ولذلك سُميَ إصراً، لأنه مُشدَّد، أصبح ثقيلاً لتشديده عليك، هذا يعني أنه عهد فعلاً مُؤكَّد ومُغلَّظ، قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ – الله يقول – مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ۩، عجيب!

آية الميثاق هذه، آية غريبة جداً، ما معناها؟ عن عليّ بن أبي طالب – عليه السلام وكرَّم الله وجهه – وابن عباس – رضيَ الله عنهما وأرضاهما – قالا – يُفسِّران هذه الآية – ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه العهد والميثاق لإن بُعِثَ محمدٌ وهو حيٌ – أي يقول وأنت حي أيها النبي – ليتبعنه ولينصرنه وأن ياخذ العهد بذلك، وأنت أيضاً يا عبدي يا فلان خُذ هذا العهد على أُمتك أيضاً، أنه إذا بُعِثَ محمدٌ وأنتم أحياء أن تتركوا اتباعي وأن تتبعوه من دوني، لابد من هذا، هذا انطبق على آدم، على نوح، على إدريس، على إبراهيم، على موسى، على عيسى، وعلى الكل، كل الأنبياء، هنا قد يقول  أحدكم أف! إلى هذه الدرجة؟ إلى هذه الدرجة.

انتبهوا فنحن إلى الآن لم نصل إلى ما نُريد من المعنى، أروع وأعمق وأحسن مَن رأيته غاص على أسرار هذه الآية واغترف من عميق بحر معانيها وأسرارها هو العلّامة الإمام تقي الدين أبو الحسن عليّ بن عبد الكافي بن تمّام السُبكي، هو مَن سُبك، قرية من المنوفية في مصر، لكنه عاش كثيراً جداً من حياته في الشام، في الحقيقة هو ليس شامياً، هو مصري، علّامة فطحل كبير، لعلي تحدَّثت عنه في دروس التفسير بسرعة، السُبكي الكبير هذا، عنده البهاء وعنده التاج وغيرهما، عائلة كبيرة السُبكي، المُهِم هو إمام جليل جداً، عنده رسالة لطيفة من أربع صفحات، كان يُمكِنه أن يجعلها أربعمائة صفحة لكنه ذكر فقط فيها الأشياء التي الله فتح عليه بها في فهم هذه الآية، لم يأت بالأحاديث والآثار والأشياء، فهي موجودة في كُتب التفسير، أتى بالأشياء التي فتح الله عليه بها، سماها التعظيم والمنّة في لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۩، ما معنى في لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۩؟ أي في بيان وأسرار هذه الآية، التعظيم والمنّة في لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۩، شيئ عجب والله، فقدَّس الله سر هذا الإمام، ماذا قال؟ قال هذه الآية تُفهِمنا حقيقة معنى قوله – عليه الصلاة وأفضل السلام – وبُعِثت أو أُرسِلت إلى الناس كافة، فقد كان المظنون والمفهوم منها والمُدرَك أن الناس في زمانه إلى يوم القيامة هم أُمته الذين بُعِث إليهم وفيهم، وأنتم كما تعلمون يا إخواني وأخواني أمة محمد قسمان: أمة الدعوة وأمة الإجابة، الآن هل اليهود الذي يعيشون في العصر هذا وفي كل عصر من أمة محمد؟ من أمة محمد، النصارى، البوذيون، الهندوس، الكفّار، والزن كلهم من أمة محمد، كل البشر من زمان الرسول إلى يوم الدين أمة محمد، لكن بأي معنى؟ أمة دعوة، ولذلك يقول فيما رواه مُسلِم في صحيحه والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌ أو نصرانيٌ ثم لا يُؤمِن بما أُرسِلت به إلا أدخله الله النار، هنا قد يقول لي أحدكم كيف من هذه الأمة وهو قال يهوديٌ ونصرانيٌ؟ ما قصد النبي هنا؟ أمة الدعوة، هل فهمتم؟ أمة الدعوة! كل البشر أمة محمد، لكن أمة دعوة، ليس لهم مزية طبعاً، سوف يدخلون جهنم هؤلاء الناس، مَن الذين لهم مزية؟ الذين أجابوا وأسلموا مع محمد، هؤلاء – إن شاء الله – نحن منهم، إن شاء الله، ونسأل الله أن نعيش وأن نموت على ذلك وعياذاً بالله من خلاف ذلك، هذه الأمة اسمها ماذا؟ أمة الإجابة، نحن من أمة الإجابة بحمد الله تعالى، فقال والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌ أو نصرانيٌ ثم لا يُؤمِن بما أُرسِلت به إلا أدخله الله النار، وفي رواية إلا كان حقاً على الله أن يُدخِله نار جهنم، إذن هذا المعنى مفهوم، السُبكي يقول هذا كلنا كنا نفهمه، السُبكي يقو هذا، كل الناس يفهمون أن الناس في زمانه إلى يوم الدين هم أمة محمد والنبي أُرسِلَ إليهم، قال السُبكي لا، اتضح أن ليست هذه الحكاية، اتضح أن من يوم آدم إلى يوم الدين الخلق أمته وهو مبعوث فيهم جميعاً بمُقتضى هذه الآية، والله صحيح، هذا الكلام صحيح! لماذا؟ لأن كل نبي أعطى العهد والإصر والميثاق الغليظ على أن فعلاً إذا بُعِثَ محمدٌ سوف أتبعه يا رب، هو نبيي ورسولي، وأمتي سوف آخذ عليها العهد بذلك، أرأيتم؟ وسُبحان الله العظيم مصداق هذا القول السليم والسديد – علماً بأنني عقدت أكثر من خُطبة عن هذا لكن في أوقات مُختلِفة طبعاً – أنه لا يُوجَد دين أيها الإخوة عالمي إلا وفيه البشارة بمحمد، إذا أردت التوراة سوف تجد أنها مليئة بهذا، إذا أردت الإنجيل سوف تجد أنه مليء بهذا أكثر من التوراة، إذا أردت الفيدا Vedas – كتاب الهنود المُقدَّس – سوف تجد هذا فيه، وهذا الذي أتيتكم به في خُطبة بحمد الله تبارك وتعالى، أتيتكم بنقول من الفيدا Vedas، أليس كذلك إذا كنتم تذكرون؟ وكان هذا في خُطبة عن ميلاد رسول الله، من كتاب الفيدا Vedas المُقدَّس عند الهنود أتيتكم بأوصاف لرسول الله واضحة جداً جداً، والكتاب موجود إلى اليوم، أنا عندي نُسخة منه، وهو مطبوع بالعربية، ترجمة الزُعبي، المُهِم في الفيدا Vedas موجود، وفي الفيدا Vedas مذكور أن اسمه أحمد وأن عمه أبو النار وأنه سوف يكفر به، مَن هو أبو النار؟ (ملحوظة) أجاب بعض الحضور قائلاً أبو لهب، فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم لا إله إلا الله يا أخي، ثم استتلى قائلاً شيئ يُقشعِر البدن، شيئ يُخوِّف، لكن نحن كُسالى، علماؤنا وما إلى ذلك كُسالى، المفروض لو كنا مثل الأوروبيين باسم الأديان المُقارَنة ألا نترك كتاباً دينياً إلا نقرأه، ونأتي ونُترجِم ونعمل ونقارن ونُثبِت ديننا وصحته، لكن نحن كُسالى، الذي كتبه البيهقي والطبراني كافٍ بل وكثير علينا حتى، لا نبحث ولا نُقارِن! كتاب زرادشت Zaraϑuštra – كتاب المجوس، فهم عندهم كتاب – نفس الشيئ، الأفستا Avesta هذا نفس الشيئ، فيه بشارة بمحمد وهي واضحة جداً، لا إله إلا الله، ويُوجَد عالم هندي – الهنود عندهم عبقرية ما شاء الله – عنده كتاب لي الآن تقريباً خمس وعشرين سنة أتمنى أن أتحصَّل عليه وأقرأه، لكن العرب لا يعرفون قيمته فلم يُترجِموه من الأوردو، أعني العلّامة سُليمان الندوي، عنده كتاب اسمه سيرة محمد – صلى الله عليه وسلم – في خمس مُجلَّدات، فيه أبحاث لم تُكتَب في التاريخ الإسلامي أصلاً، لم يُكتَب مثلها بالمرة، شيئ عجيب، عجيب جداً! أنا قرأت بعضها، شيئ غير طبيعي، لأن هؤلاء الهنود – خاصة علماء الهنود المُسلِمين – عندهم اجتهاد وعندهم عبقرية في العلم غير عادية، يشتغلون ليل نهار، ليسوا كعلمائنا كُسالى يضعون عمائم ويمشون بها دون أن يفهموا شيئاً، كتاب رهيب! يُوجَد عالم اسمه عبد الحق فدرياتي رحمة الله عليه، مولانا عبد الحق فدرياتي عنده كتاب بالأوردو اسمه محمد في الأديان والكُتب العالمية أيضاً لم يُترجَم، وأتى فيه بأشياء من الأفستا Avesta ومن الفيدا Vedas ومن كل الكُتب، ولم يُترجَم للأسف الشديد، فيا ليت نُترجِمه.

إذن ما معنى هذا الكلام؟ لماذا أتيت بهذه الكلمات أو النقولات؟ لماذا؟ لكي نُثبِت أن فعلاً لا يُوجَد نبي من الأنبياء إلا وبشَّر بمحمد وأخذ العهد على أمته أن تتبع محمداً لو بُعِثَ محمدٌ، وهذا سر أن محمداً مذكور في الكتب العالمية الدينية كلها، أليس كذلك؟ شيئ غير طبيعي يا أخي، لكن غيره غير مذكور، هو الوحيد المذكور، صدق الله في هذه الآية إذن وفي كل كلامه، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ۩، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ۩.

إذن محمد هو نبي البشر من يوم آدم إلى أن تقوم الساعة، وهذا معنى أُرسِلت إلى الناس كافة، هو قال  أُرسِلت إلى الناس كافة وهو يعرف ماذا يقول، لم يقل إلى مَن بعدي، إلى الناس قال، ويُوجَد حديث آخر السُبكي أيضاً أضاءه لأول مرة إضاءة عجيبة، تقي الدين السُبكي رحمة الله عليه، اللهم إني أُشهِدك أني أُحِب هذا الشيخ الإمام، من قديم بحمد الله أُحِبه، أُحِبه وأُحِب علماء المُسلِمين الكبار، اللهم احشرنا معهم يا رب العالمين، والله نُحِبهم حُباً جماً هؤلاء الناس، حين تقرأ لهم يا أخي – سُبحان الله – تتمنى لو أنك عاصرتهم ورأيتهم وقبَّلت أيديهم، كانوا علماء وصُلحاء، والله كان يفتح عليهم فتوحات عجيبة، حين تقرأ لهم تجد الشيئ العجيب، عجيب عجيب عجيب! وأُشهِد الله أن المُعاصِرين بالنسبة إليهم لا يعدون إلا أطفالاً، لا شيئ ولا يعرفون شيئاً، فهم أُناس – ما شاء الله – عظام، أمة محمد هذه أيضاً، فهذا السُبكي أضاء هذه الآية إضاءة عجيبة، ماذا فعل؟ قال يُوجَد حديث آخر مشهور، حديث جابر وغير جابر، سُئل متى نُبئت يا رسول؟ فماذا قال؟ إني عند الله لنبيٌ وإن آدم لمُنجدِلٌ في طينته، كيف كنا نفهم؟ هذا ليس كلامي وإنما كلام السُبكي فانتبهوا، كيف كنا نفهم هذا الحديث؟ وكيف فهمه كل الشرّاح قبل السُبكي وبعد السُبكي للأسف؟ أن محمداً وهو في علم الله دائماً كان نبياً، يا سلام! فعلاً ليس فيها شيئ جديد هذه وهي ليست خصيصة، لماذا؟ لأن كل الأنبياء في علم الله أنبياء، صح! ونحن لسنا أنبياء، صعاليك، عادي! معروف هذا في علم الله، أليس كذلك؟ فأين خصيصة محمد إذن؟ نحن فهمنا أنه قال أنا كنت في علم الله نبياً، لكن عيسى في علم الله كان نبياً أيضاً، فأين خصيصة محمد إذن؟ هذه عبقرية السُبكي، قال ليس هذا المعنى، النبوة معنىً ثابت لمحمد حقيقةً وآدم لا يزال لم يُخلَّق، لم يكن بشراً سوياً، ومحمد كان نبياً حقيقةً، لكن ما الناقص في القضية؟ الناقص في القضية أن الذي سيُبعَث إليهم أو فيهم محمدٌ لم يتخلَّقوا بعد، لكن هو فيه قابلية النبوة على تمامها، وهنا قد يقول لي أحدكم مَن محمد هذا؟ محمد لم يكن جسمه مخلوقاً حينها، أليس كذلك؟ هذا يُسميه الأولياء والعلماء الكبار الحقيقة، يُوجَد شيئ اسمه الحقيقة المُحمَّدية، الحقيقة الإبراهيمية، وهي أدق أيها الإخوة وأغمض من أن تنالها عقولنا الصغيرة وعقول أمثالنا، نحن لسنا أولياء ولا من كبار المُحقِّقين في العلوم الدينية، فيُوجَد شيئ اسمه الحقيقة، فالحقيقة المُحمَّدية كانت مُتحقِّقة بالنبوة على كمالها، نبوة حقيقية، ليست فقط في علم الله، علم الله سابق في كل شيئ تبارك وتعالى، هذا هو، فمحمد كان نبياً حقاً، وهو الوحيد الذي عنده هذه الخصيصة، أنه كان نبياً حقاً، ولذلك يقول السُبكي – قدَّس الله سره – ولذلك رآه أبوه آدم وقد كُتِبَ اسمه على عرش الرحمن: محمدٌ رسول الله.

وفي الحديث الذي اختُلِفَ في تصحيحه وتضعيفه – صحَّحه بعض وضعَّفه بعض، حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر – قال – صلى الله عليه وسلم – لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب سألتك بجاه محمدٍ أو بمحمدٍ إلا ما غفرت لي، قال يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه بعد؟ قال يا رب إنك لما خلقتني ونفخت في من روحك نظرت فوجدت مكتوباً على ساق العرش: لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله، فعلمت أنك لم تُضِف اسمه إلى اسمك إلا وهو أحب خلقك إليك، قال صدقت وقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك، ما خلق لا آدم ولا غير آدم، محمد هو ثمرة شجرة الكون كله والوجود، صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم.

الحمد لله يا رب، اللهم لك الحمد عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك أن جعلتنا من أمة هذا النبي الكريم، يا رب لك الحمد، والله أيها الإخوة لو مكثنا – والله العظيم – عمرنا نحمد الله على هذه النعمة – والله العظيم – ما أدينا حقها ولا بعض حقها، اختارنا هكذا واصطفانا، هذا اصطفاء لنا أيضاً أن نكون من أمة هذا النبي، ونرى الآن أُناساً يعيشون كالبهائم، اليوم – والله – رأيت رجلاً أجنبياً شعره يلصف وهو في السبعين من عمره، جميل جداً جداً، نظرت فلم أره إلا دابة والله العظيم يا إخواني، يشرب بيرة ويتلذذ، كالدواب! يعيشون ويأكلون ويشربون ويُمارِسون الجنس ويهتمون بالنسوان، شيئ فظيع، وخطر لي خاطر كبير استغرقني ربما خمس دقائق، قلت للأسف مِن أمة محمد مَن يعيش ويموت هكذا، للأسف! نحن لم نُخلَق لكي نعيش كالدواب هكذا، أليس كذلك؟ عندنا معانٍ سامية راقية وجليلة، ينبغي أن نعيش وأن نموت من أجلها، أليس كذلك؟ يُسرِّح شعره ويُلمِّعه – ختيار كما يُقال عنده سبعون سنة – ويتذوق ويستنكه البيرة التي أمامه ومعه امرأة زوَّقت نفسها، شيئ قرف! نحن عندنا شرف، والله عندنا هذا، فكِّر هكذا أيها الشاب، فكِّر أيها المُسلِم هكذا، فكِّر وإياك الشيطان يستزلك ويجعلك تعيش – أكرمك الله البعيد – فعلاً كدابة للشهوات، تأكل وتشرب فقط ثم تموت هكذا، اجعل طماعيتك وغيرتك أن تكون من أهل الله ومن رجال الله، مُسلِم مُسلِم، مُسلِم مُحمَّدي فيه قبس من أنوار محمد، أليس كذلك؟ وتعيش عزيزاً وتموت كريماً وفي قبرك تأمن بإذن الله تبارك وتعالى، ثم تُبعَث يوم القيامة آمناً – إن شاء الله – إذا كنت من أهل الله، كُن مع الله، هذا هو، عِش ومِت من أجل هذه المعاني، اللهم أقدِرنا على ذلك، فإنه لا يُستطاع ذلك يا رب ولا شيئ منه إلا بقدرتك وبتوفيقك، فاللهم أقدِرنا عليه بجاه أسمائك الحُسنى وصفاتك العُلا يا رب، فهذا هو!

ولذلك هذا التقي السُبكي أيها الإخوة – رحمة الله تعالى عليه – قلنا عنه في خُطبة جُمعة أنه كان يُمرِّغ خده مكان أقدام النووي، انظروا إلى أي مدى بلغ التواضع عنده وهو علّامة كبير، يقول صلاح الدين بن إيبك الصفدي صاحب الوافي بالوفيات – علّامة كبير ومُؤرِّخ وعنده كتاب في أكثر من أربعين مُجلَّداً، فقط تراجم للعلماء، من بواقع الدهر كان – يقولون ما أتى بعد أبي حامد الغزّالي كالتقي السُبكي، وهم يظلمونه بذلك، فما هو عندي إلا كسُفيان الثوري، مَن – قال – أبو حامد الغزّالي؟ أعظم – قال – عندي، أعظم من أبي حامد الغزّالي، عقليته الدينية والفقهية التقي السُبكي كبيرة، الحافظ الذهبي – هل تعرفون الحافظ الذهبي؟ شمس الدين الذهبي – كان تقريباً السُبكي زميله وتَلميذه، كان يتتلمَّذ عليه في أشياء مُعيَّنة، الحافظ الذهبي مُحدِّث كبير ومُؤرِّخ الإسلام، قال فيه الإمام الصفدي الإمام شمس الدين الذهبي كأن الله أحضر له أمة محمد الذين سبقوا كلهم ووقفوا في صعيد واحد فهو يصفهم، شيئ عجيب، عنده كتاب اسمه تاريخ الإسلام، طُبِع بحمد الله، تعرفون كم مُجلَّداً؟ طُبِع في اثنين وخمسين مُجلَّداً، أي أن تاريخ الإسلام في اثنين وخمسين مُجلَّداً، الذهبي – الحافظ الذهبي – ماذا يقول؟ يقول:

لِيَهْنَ الْجَامِعُ الْأُمَوِيُّ لَمَّا                                         عَلَاهُ الْحَاكِمُ الْبَحْرُ التَّقِيُّ.

قال الْحَاكِمُ الْبَحْرُ  – يقصد مَن؟ السُبكي – التَّقِيُّ، ثم قال:

شُيُوخُ الْعَصْرِ أَحْفَظُهُمْ جَمِيعًا                                  وَأَخْطَبُهُمْ وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ.

هو اسمه عليّ، الإمام تقي الدين عليّ السُبكي، قال أحفظ الشيوخ جميعاً وأقضاهم وأخطبهم عليّ، لم يكن فقط فقيهاً وعلّامة وما إلى ذلك، في الحفظ كان حاكماً، هل تعرفون ما معنى حاكم؟ أكثر من حافظ، واختُلِف فيها، قيل الحاكم الذي لا يغيب عنه من الحديث إلا ما ندر، ويعرف تقريباً كل سُنة رسول الله، أف! فالسُبكي هذا كان حاكماً، الذهبي حافظ، مع أن السُبكي حقيقةً – أي واحد يعرفه ويقرأ الفقه يعلم هذا – يُعرَف كفقيه، لكنه ليس فقيهاً وأصولياً فقط، فهو حاكم أيضاً، في الحديث كان حاكماً رحمة الله عليه، فهذا عنده الرسالة العجيبة هذه: التعظيم والمنّة في لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۩، فجزاه الله عنا وعن العلم خير الجزاء.

۞ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۞

فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ ۩، ونكث بالعهد هذا، فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۩.

۞ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ۞

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ۩، أيها الإخوة والأخوات هل يُوجَد شيئ في كون الله لم يُسلِم لله؟ كل شيئ أسلم لله، إما طوعاً وهم أمة الإجابة وإما كرهاً، أي رُغماً عنه، لأنه يخضع لناموس الله في الخلق، أليس كذلك؟ يتنفس، ينام، يقوم، يُقبَض، يمرض، يعتل، وما إلى ذلك، كل هذا بماذا؟ بناموس الساري فيه رُغماً عنه، فلابد أن يخضع لله، إذا لم يخضع طوعاً لابد أن يخضع كرهاً، فقال هذا دين الله – تبارك وتعالى – وهو الإسلام والكل مُستسلِم لله، فلِمَ لا تستسلمون إذن وقد استسلم كل ما في الكون؟ استسلم كل ما في الكون لله طوعاً أو كرهاً.

۞ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ۞

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ۩، الآية واضحة لكن فيها مبحث، وهو ماذا؟ هنا قال عَلَيْنَا ۩، ونحن قلنا هناك إِلَيْنَا ۩، في سورة البقرة قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا ۩، لِمَ يقول مرة إِلَيْنَا ۩ ومرة عَلَيْنَا ۩؟ في الحقيقة لم أجد للمُفسِّرين ما يشفي العلة وينقع الغُلة في هذه المسألة بالذات، وقُصارى ما قرأت للإمام الآلوسي وهو سيد المُفسِّرين المُتأخِّرين أنه قال والتحقيق أن تعدية الفعل – أُنزِلَ ۩ – بـ على وتعديته بـ إلى سيان، قال نفس الشيئ، ولا يختلفان إلا بالاعتبار، قال هذا التحقيق، بعد كل التي واللتيا هذا التحقيق، ولا يختلفان إلا بالاعتبار، كيف بالاعتبار أيها الإخوة؟ تعرفون الإنزال له جهة، جهة فوقانية وجهة تحتانية، فإذا أنت اعتبرت جهته الفوقانية التي نزل الشيئ من لدنها ماذا سوف تقول؟ أُنزِلَ عَلَيْنَا۩، وإذا اعتبرت الجهة التي انتهى إليها المُنزَّل سوف تقول أُنزِلَ إِلَيْنَا ۩، قال هذا التحقيق، وليس بشيئ كبير، قال ثم يُفاضَل بينهما تفنناً في العبارة، لا! نحن عندنا تحقيق أعطيناكم طرفاً منه، وإن شاء الله نعود إليه لأنه يحتاج إلى كلام طويل، على كل حال مَن أحب أن يعلم – إن شاء الله – مبلغ هذا التحقيق من الصحة أو عدم الصحة فليعد إلى كل الآيات التي فيها كلمة أُنزِلَ إِلَيْنَا ۩ أو أُنزِلَ عَلَيْنَا ۩ أو أَنزَلَ عَلَيْكُم ۩ أو أُنزِلَ إِلَيْكُم ۩، يعود ويرى موقف أهل الكتاب دائماً وبما يُعبِّرون، وسوف يضح له – إن شاء الله – بالجُملة صحة ما قلت بفضل الله تبارك وتعالى، موضوع طويل هذا وجميل لُغةً.

۞ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۞

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۩، ما هو هذا الإسلام الذي لا يقبل الله إلا إياه؟ ما هو؟ هو الدين الذي بعث الله به الأنبياء جميعاً، من لدن آدم إلى خاتمهم ومُقدَّمهم محمد عليه الصلاة وأفضل السلام، وهو توحيد الله، آيات كثيرة جداً في القرآن الكريم كلها عن هذا، ما بعث الله نبياً إلا قال اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۩، لا إله إلا الله، كلهم نفس الشيئ، هذا هو الإسلام، وفي النهاية تمت صورة الإسلام مع محمد وفي دين محمد، الإسلام الصحيح الحنيف الذي ليس فيه شية أو شائبة وثنية أو شرك بحمد الله، وهو المحفوظ بفضل الله تبارك وتعالى.

روى الإمام أحمد وغيره عن النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – أنه قال الآتي، وطبعاً الحديث هذا من رواية الحسن البِصري عن أبي هُريرة، قال سمعت أبا هُريرة الحسن البِصري –  قبل كثير من الصحابة هو – يُحدِّثنا في المسجد يقول: قال – صلى الله عليه وسلم – تأتي الأعمال يوم القيامة – أي الله تبارك وتعالى – فتأتي الصلاة فتقول يا رب أنا الصلاة، فيقول أنتِ على خير، أي مُمتازة أنتِ، ثم تأتي الصدقات فتقول يا رب أنا الصدقة، فيقول أنتِ على خير، ثم يأتي الصيام فيقول يا رب أنا الصيام، فيقول أنتَ على خير، وهكذا تأتي الأعمال، كلٌ يقول نفس المقالة، يا رب أنا كذا والله يقول أنتَ أو أنتِ على خير، حتى يأتي الإسلام، الدين، العقيدة الآن، ليس العبادات وما إلى ذلك وإنما الإسلام، العقيدة، “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، فيقول يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول أنتَ على خير، بك اليوم آخذ وبك أُعطي، ثم قرأ النبي – عليه السلام وأفضل الصلوات والتبريكات – وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۩، تفرَّد به أحمد، هذا الحديث تفرَّد به أحمد، أي من أفراد أحمد في مُسنَده، تفرَّد به أحمد رضيَ الله عنه وأرضاه.

۞ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ۞ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۞ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ۞ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۞

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ۩، إلى أن قال إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩، هذه الآيات روى ابن جرير وغيره عن ابن عباس – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – أنها نزلت في رجل من الأنصار – أي الأوس أو الخزرج – أسلم ثم عاد إلى الشرك والعياذ بالله أو عاد في الشرك والعياذ بالله، أي ارتد والعياذ بالله، ثم ندم بعد ذلك، فبعث نفراً من قومه ليسألوا له الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – هل له من توبة؟ فأتوا النبي فسألوه يا رسول الله فلان منا هذا – أي من قراباتنا – وكان مُسلِماً وارتد والآن نادم، يُريد ويُحِب أن يرجع، فهل يُمكِن أن يرجع؟ فالنبي سكت، فأنزل الله هذه الآيات كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ۩، إلى أن قال إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩، فأرسلوا إليه فعاد ودخل في الإسلام، هذا سبب النزول لكن هذه الآية أليست عامة؟ تعم، تعم كل إنسان كفر بعد أن استبان له الحق بأدلته وبراهينه.

۞ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ۞

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ۩، ما معنى ازْدَادُواْ كُفْرًا ۩؟ كفروا، لكن كيف ازْدَادُواْ كُفْرًا ۩؟ الأرجح أن معناها وماتوا على ذلك، أي ظلوا في الكفر، في الكفر، في الكفر، في الكفر، إلى أن ماتوا، ولذلك قال ماذا؟ ازْدَادُواْ كُفْرًا ۩، ظلوا يزدادون – والعياذ بالله – حتى ماتوا، قال تعالى لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ۩، وقيل هي في المُنافِقين الذين يُسميهم الفقهاء الزنادقة، الذي يقول الواحد منهم آمنت ثم يقول كفرت، ثم يقول آمنت كفرت ثم يقول آمنت، ثم يقول آمنت ثم يقول كفرت، كما قال في النساء إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ۩، هذه هي الآية، فهذه الآية قيل نزلت في المُنافِقين المُتزندِقين، ولماذا لا تُقبَل توبتهم أيها الإخوة في الظاهر على الأقل؟ لأننا لا ندري هل الواحد منهم يلعب أو يتوب، أليس كذلك؟ زنديق، كل يوم والثاني يأتي ويقول كفرت، ثم يأتي ويقول لا، رجعت وأسلمت، ثم يقول لا، كفرت، ثم يقول أسلمت، ما هذا؟ لا نعرف، ومن هنا بالمُناسَبة هذه الآية – أية النساء – حُجة العلماء الذين قالوا لا تُقبَل توبة الزنديق، وهذا القول مرجوح وإن قال به كثير من الأئمة، انتبهوا! وعليه الفتوى في بعض المذاهب المُعتمَدة، لكن في الحقيقة بالنظر إلى الدليل الشرعي والمُقارَنة هو قول ضعيف، تُقبَل توبة كل مَن أراد أن يتوب، علم الله شيئ آخر، أي في علم الله شيئ وعندنا شيئ آخر، هل فهمتم؟ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ۩.

۞ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ۞

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا ۩، أي طلاع الأرض ذهباً وقُراب الأرض ذهباً، ما الفرق بين المِلء والمَلء؟ ما هو مِلء الشيئ؟ ما يملأه، ما هو المَلء؟ مصدر ملأه، يُوجَد فرق بين المصدر وبين الاسم، المَلء هو المصدر، المِلء هنا ليس مصدراً، المِلء هو اسم، مِلء الشيئ ما يملأه، أليس كذلك؟ أي لو تخيَّلنا الأرض وقد مُلئت ذهباً وأتى الكافر بهذا الذهب أيها الإخوة وأنفقه – هكذا أنفقه – في مُختلَف وجوه الخير على ما يبدو هل يُتقبَّل منه يوم القيامة؟ الله لا يقبله، سوف يقول بنيت مُستشفيات وشققت الترع والأنهار والجسور وكفلت الأيتام وما إلى ذلك، الله سوف يقول له هذا جيد، لكن أنت كافر، هذا غير مقبول منك، هل فهمتم ما معنى الآية؟ وهنا قد يقول لي أحدكم الآية تتحدَّث عن الفدية، لكن لا، انتبهوا! ليست عن الفدية فقط، ماذا تقول؟ وَلَوِ افْتَدَى ۩، هناك فدية وشيئ آخر، يُوجَد شيئ لن يُقبَل ولو أراد أن يفتدي به أيضاً لن يُقبَل، إذن هنا معنيان في المقام، المعنى الأول لن يُقبَل منه، قال – تبارك وتعالى – ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ۩، الله ألم يقل فَكُّ رَقَبَةٍ ۩ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ۩ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ۩ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ۩ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ۩؟ أليس كذلك؟ قال لكن هذه الأعمال – أن تُطعِم وتُعطي الفقراء والمساكين – أقبلها إذا كانت مِن مَن؟ مِن المُؤمِنين الذين تواصوا بالصبر والمرحمة، لا أقبلها من كافر، الكافر ليس له شيئ مهما عمل.

في صحيح مُسلِم على ما أذكر عن عائشة – لم أُراجِعه لكن هو إن شاء الله عن عائشة في صحيح مُسلِم – سُئل – عليه الصلاة وأفضل السلام – يا رسول الله ما لعبد الله بن جُدعان في الآخرة وقد كان رجلاً يقري الضيف ويفك العاني ويُطعِم الطعام؟ عنده ثلاث خلال كبيرة مشهورة عنه، عبد الله بن جُدعان تعرفونه، مَن قرأ السيرة أكيد ارتطم بهذا الاسم، حلف الفضول أين كان؟ في دار عبد الله بن جُدعان، أليس كذلك؟ النبي قال لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، حلف الفضول! وابن جُدعان هذا كان من سادات العرب وهو إنسان كريم وشهم، كان يقري الضيف، ما معنى يقري الضيف؟ من قرى الضيف، ما معنى هذا؟ يُكرِم، يعطي الضيف كرامته وجائزته، النبي قال أعطوا الضيف جائزته، فكان يُعطي الضيف جائزته، وكان يفك العاني، مَن هو العاني؟ الأسير، يفك الأسرى، يفك الأسرى من أمواله، يرضخ! وكان يُطعِم الطعام، الفقراء والمساكين وما إلى ذلك يُعطيهم الرجل هذا، فما شاء الله رجل جود وكرم وشهامة، فما له عند الله؟ هل ينفعه عند الله؟ قال لا، إنه لم يكن يوماً من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، كافر قال، لن ينفعه هذا عند الله، لكن يُوجَد مبحث في الكلام هذا على كلٍ أيها الإخوة.

إذن هذا موضوع لو كان الكافر عمل خيراً، ما هو هذا الخير؟ خير كثير، أي ذهب مِلء الأرض، أنفقه في وجوه خير كما يبدو وهو كافر ولقيَ الله كافراً لن يتقبَّله الله منه، يا إلهي! الإسلام أهم شيئ، قال وَلَوِ افْتَدَى ۩، وأيضاً لو عنده مثل الأرض ذهباً وقدَّمه لكي يشتري نفسه من الله يوم القيامة سوف يقول له الله لا، لا تُوجَد فدية اليوم، لا يُوجَد عدل، والعدل هو الفدية، لا يُوجَد عدل اليوم ولا شفاعة أيضاً، ضاع عليك هذا وانتهى كل شيئ.

في الصحيحين أيها الإخوة وفي مُسنَد أحمد – تتفاوت الألفاظ بينهم، لكن نفس الحديث هو – عن أنس بن مالك قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – يُؤتى بالكافر يوم القيامة فيُقال له يا فلان لو كان لك طلاعُ أو لو كان لك مِلء الأرض ذهباً أكنت مُفتدياً به اليوم؟ يقول نعم، فيقول له الله – تبارك وتعالى – قد طلبت منك أيسر من ذلك فلم تفعل، كذّاب قال له، عند الإمام أحمد يُؤتى بالمُؤمِن فيُعرَّف منزلته ويُسأل ويُقال له كيف وجدت منزلتك؟ هذا عند أحمد وهو نفس الحديث لكن يُوجَد تفاوت وأشياء زائدة، فيقول أي رب وجدتها خير منزلة، فيقول له الله – تبارك وتعالى – سل وتمنى، أي اسأل وتمنى كل ما تُريد، يقول له سل وتمنى، فيقول يا رب أتمنى أن تردني إلى الدنيا لأُقتَل فيك عشر مرار، أي أرجع وأموت في سبيل الله مُجاهِداً وأرجع وأموت عشر مرات، لما – يقول الرسول – رأى من فضل الشهادة، طبعاً لا يُعطى ذلك كما في الصحيح في حديث آخر، على كل حال ثم يُؤتى بالكافر ويُسأل عن منزلته ويُقال له كيف وجدت منزلتك؟ فيقول أي رب شر منزلة، والعياذ بالله وضعي سيئ جداً جداً، طبعاً سيئ، يقول مُجاهِد رأيت ابن عباس والناس يطوفون بالكعبة وبيده محجن – تعرفون المحجن، عصا معقوفة الرأس لكي يلتقط بها الشيئ – ويقول سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول لو نزلت قطرةٌ من الزقوم – أي على الأرض – لأمرت على أهل الأرض عيشتهم، قطرة! قطرة من الزقوم، طَعَامُ الْأَثِيمِ ۩ والعياذ بالله، قطرة واحدة على الكرة الأرضية كلها لو نزلت لأمرت على أهل الأرض عيشتهم، ما معنى لأمرت؟ لمرَّرت، سوف يصير كل شيئ مُراً، البحر والماء والأكل وكل شيئ سيصير مُراً، قال لأمرت على أهل الأرض عيشتهم، فكيف بمَن ليس له طعام إلا الزقوم؟ الكفر وجهنم شيئ فوق ما نتخيَّل، والجنة أيضاً فيها فوق ما نتخيَّل بحمد الله، اللهم اجعلنا من أهلها، لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ۩، اللهم آمين، فهذه هي، فقال له شر منزلة، كيف وجدت منزلتك؟ قال له شر منزلة، فيقول له يا فلان لو كان لك طلاع الأرض ذهباً أكنت تشتري نفسك به؟ فيقول نعم يا رب، فيقول له كذبت، قد أردت منك أقل من ذلك فلم تفعل فيُرَد إلى جهنم، هذه هي، شيئ مُخيف، أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ۩.

۞ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ۞

لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ۩، قيل البر هو البر الذي تعرفونه، وقيل البر هو الجنة، وهذا قريب من قريب، لأن البر طريق الجنة، وفي الصحيحين إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، أي أنك فسَّرت الشيئ بسببه، هذا اسمه تفسير الشيئ بسببه وليس بماهيته وهو جائز، هذا موجود كثيراً في التفسير، تفسير الشيئ بسببه!

لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ ۩، البر على وجهه أو الجنة من باب السبب، حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ۩، وفي الصحيحين وفي مُسنَد أحمد أيضاً وغيرهم كثير قصة جميلة عن أبي طلحة الأنصاري، تعرفون أبا طلحة، هذا كان فارساً كبيراً من الأنصار، النبي كان يقول أبو طلحة كتيبة وحده، في أُحد وقف هكذا – والنبي طبعاً كما تعرفون السهام جاءت عليه وجُرِح وكُسِرت رباعيته وجُرِح في وجنته الشريفة وشُج وإلى آخره – وقال يا رسول الله نحري دون نحرك، صدري دون صدرك، والله لن يصلوا إليك وأنا حي، ما شاء الله عليه، هؤلاء هم الصحابة، هذه هي الرجولة، قال له كل سهم في رقبتي قبل أن يكون في رقبتك يا رسول الله وفي صدري قبل أن يكون في صدرك، والنبي كان يُحِبه كثيراً ويقول أبو طلحة كتيبة وحده، كتيبة هذا! هذا كتيبة وحده، جيش هذا وحده، وكان مع ذلك – انظروا كيف كان، ليس في أمة محمد مُترَفون من الصحابة، لا يُوجَد مُترَفون والحمد لله – أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، هو كان أغنى واحداً، ومع ذلك انظروا كيف كان في الجهاد، لم يخزن ماله ولم يكن جباناً رعديداً يُحِب الدنيا، يُدميه الحرير – كما يقولون – إن مسه، إن مسه الحرير يُدمي بنانه، لا! بالعكس هو رجل فارس وغني، كل ما عنده لله، وكان أحبَ – أحبَ أحسن من أحبُ – ماله إليه بيرحاء، اسم لبئر كانت مُقابِل المسجد، أي مُقابِل مسجد رسول الله، يدخلها النبي – عليه السلام – ويشرب من ماءٍ فيها طيب، على كل حال لما أنزل الله – تبارك وتعالى – لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ۩ ماذا فعل أبو طلحة؟ جاء النبي وقال يا رسول الله سمعت الله يقول لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ۩ – يا أخي كان عندهم جهاد وعندهم طاعة، لم يكونوا مثلنا يقولون سمعنا وأطعنا فقط بالكلام، سمعنا وأطعنا بالعمل وبالسلوك مُباشَرةً، هم يُريدون الآخرة، ذهبوا وراءها وكسبوها، كسبوها والله، قدَّموا كل شيئ، وكل شيئ ذهب، أسلفوه – وقد علمت أن أحب مالي إلىّ بيرحاء فهي يا رسول الله لله ورسوله، ضعها حيث شئت، أرجو ذخرها وأجرها ونورها يوم القيامة، قال أُريد أن أُعطيها لله أنا هذه، وهي أحب مالي، بئر عذبة، ولم يكن عندهم ماء كثير، فالنبي قال قد سمعت ما قلت، أي أنا سمعت ما قلته أنت، بخٍ بخٍ، ذاك مالٌ رابحٌ، ذاك مالٌ رابحٌ، ذاك مالٌ رابحٌ، أحسن تجارة – قال له – أنت قمت بها، هنيئاً لك، أستحسن – قال له – أنت ما فعلته، هذا معنى بخٍ، قال له بخٍ بخٍ، ذاك مالٌ رابحٌ ثلاث مرات، ثم قال ضعها في أقاربك، انظروا إلى الحكمة النبوية أيضاً، حتى لا يأتي الشيطان ويُوقِع بينه وبين أقاربه، فأقاربه ربما يجدون في أنفسهم غضاضة، وخير الصدقة ما كان أيضاً في الأقارب إذا كانوا مُحتاجين وما إلى ذلك، فقال له ضعها في أقاربك، قال له أفعل إن شاء الله يا رسول الله، لكن هي الآن لله، سوف نُعطيها أيضاً لله، فقسمها في بني عمومته، انظروا كيف كانوا الصحابة، شيئ عجيب.

عبد الله بن عمر روى عنه ابن أبي حاتم عن نافع مولاه، يقول قال ابن عمر قد قال الله تعالى لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ۩، ونظرت فوجدت أن أحب مالي إلىّ مَرجانة، بالمُناسَبة اسمها مَرجانة، نحن نقول مُرجانة “بالضم” وهذا غلط، الصحيح مَرجانة “بالفتح”، مَرجانة جارية رومية لي، كانت جميلة جداً جداً، وسيدنا ابن عمر كان يُحِبها كثيراً ويعشقها، مَرجانة أحب شيئاً – قال – لي، أحب شيئاً أنا أملكه هذه الجارية الحلوة، وهذه الجارية يُمكِن أن يتسرى بها، أي يطأها بملك اليمين، قال فأعتقتها وقلت هي لله، أرأيتم كيف؟ جهاد، جهاد النفس! إذا كانت أحب شيئاً لي لن أُريدها، قال فإن كنت عائداً في شيئٍ خرجت عنه لله لعدت في مَرجانة، انظروا إلى الصدق حتى، أي لو لكان هناك شيئ سأندم عليه وسأُرجِّعه لكان مَرجانة فقط، لا يُوجَد شيئ غير هذا، لكنني لن أرجع، رجل أنا، ومَن هذا؟ ابن عمر، ابن عمر كان كثيراً ما يُحِب النساء وهذا ليس عيباً، النبي قال حُبِّب إلىّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة، كان ابن عمر يصوم كثيراً ويُفطِر على النساء، أول شيئ يُفطِر عليه الجماع، عنده شهوة قوية جداً جداً، وهذه رجولة وفحولة، هنيئاً له، يُغبَط على ذلك، النبي كان في قوة ثلاثين رجلاً، أليس كذلك؟ لكن – الحمد لله – انظروا أين الفرق، يُوجَد فرق! تجد رجلاً ليس عنده حتى عُشر رجولة ولا يترك امرأة بعينه، اخس عليك، هذا هو، لكن هذا الرجل فحل ملآن وكان من أولياء الله، لا يعصي الله بنظرة واحدة ابن عمر كان، يفعل هذا مع زوجاته وجواريه – أهلاً وسهلاً – بالحلال، يصوم ويُفطِر على زوجته، من شدة ما كان عنده شهوة، ورُغم هذه الشهوة القوية وحُب النساء وما إلى ذلك ماذا فعل؟ تصدَّق بأحب جارية عنده، صعب جداً والله العظيم، والله صعب، من أصعب ما يكون هذا الموضوع، قال سأجعلها لله، وقال لو كنت راجعاً في شيئ – انظروا إلى هذا، يُعبِّر عن أن الحكاية كانت كبيرة جداً جداً عليه، لكنه اقتحم العقبة، هو أقوى من نفسه، قهر نفسه – لرجعت في مَرجانة ونكحتها ولأنكحتها مولاي نافعاً.

روى أيضاً الإمام ابن المُنذِر – أبو بكر بن المُنذِر – أيضاً عن ابن عمر أنه كان يشتري بماله السكر، يأتي بالسكر ويشتريه، وبعد ذلك يُعطيه للفقراء والمساكين، يقول نافع فقلت له لو أنك اشتريت بهذا المال طعاماً لكان أنفع لهم، قال أعلم ما تقولون – أنا أعلم كلامكم هذا – ولكن ابن عمر يُحِب السكر، والله قال لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ۩، قال لهم أنا أعرف كلامكم هذا، قال له ولكن ابن عمر يُحِب السكر، يا الله! انظر يا أخي إلى هذا، شيئ غير عادي، هؤلاء تَلاميذ محمد، فتعساً وبخساً لمَن يُصوِّر الصحابة على أنهم قطّاع طريق وعلى أنهم نهّابون وعلى أنهم أفّاكون وأفّاقون وعلى أنهم مجموعة كذبة كانوا حول الرسول، تعساً لهؤلاء والله، الصحابة ما كانوا هكذا، خير أمة نبي هم أصحاب رسول الله، أليس كذلك؟ والله العظيم! ولو كان هؤلاء الصحابة كما يُصوِّر هؤلاء الأفاكون الكذّابون لما فتح بهم العالمين، أليس كذلك؟ نحن الآن نتذكَّر فقط بعض الآثار عنهم ووالله تقشعر جلودنا وتلين قلوبنا، أليس كذلك؟ يُحِّببوننا في الله، بسببهم! أهؤلاء كانوا مجموعة من النصّابين وما إلى ذلك؟ نسأل الله الهداية.

۞ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۞

نختم – إن شاء الله – بهذه الآية، كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩، ما قصة هذه الآية؟ باختصار حتى لا نُطوِّل أيها الإخوة روى ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس، قال جاء عصابةٌ من اليهود الرسولَ – عليه الصلاة وأفضل السلام – وقالوا يا محمد إنا سائلوك عن خلال، أي مسائل مُعيَّنة، هذا المقصود هنا، ليس صفات وإنما مسائل مُعيَّنة، قالوا يا محمد إنا سائلوك عن خلال، فإن أجبتنا عنها – أي وأصبت، هذا المعنى – اتبعناك، قال سلوا عما شئتم، لكن على أن تجعلوا لي عهد الله وميثاقه إن أنا أجبتكم أن تتبعوني، أي أعطوني عهداً، أنتم قلتم هذا لكنني لا أُصدِّق، أُريد عهداً قال لهم، قالوا لك ذلك يا محمد، أعطوه العهد، انظروا إلى هذا، زنادقة اليهود، أعطوه العهد، قالوا له عندك عهد الله تبارك وتعالى، مُباشَرةً أعطوا العهد بسهولة، قالوا عندك عهد الله تبارك وتعالى، قال سلوا عما شئتم، انظروا إلى المسائل الغريبة، قالوا مسائل يا محمد لا يعرفها إلا نبي، انتبه فنحن نختبرك، لا يعرف هذا أي واحد إلا لو كان نبياً، وهذا من دقيق العلم الذي عندهم، وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ۩، عندهم علم كثير هم، ملاعين! هذا من دقيق العلم الذي عندهم، قال سلوا عما شئتم، سوف نرى المسألة الأولى! قالوا يا محمد – أول مسألة – ما هو الطعام الذي حرَّمه إسرائيل على نفسه؟ أرأيتم لماذا أتيت بهذا الحديث؟ من أجل هذه القصة، فقط هذا هو، قل لنا ما الطعام الذي حرَّمه إسرائيل على نفسه؟ هذا أولاً، ثانياً وما ماء الرجل وما ماء المرأة؟ يسألون عن مائيته، أي عن ما هيته، يُقال مائية وماهية، ما هو؟ ما طبيعته؟ ما طريقته؟ أي أوصف لنا إياه، ولِمَ يُذكِر؟ ولِمَ يأتي بالأُنثى؟ مرة يأتي بالذكر ومرة يأتي بالأُنثى، لماذا؟ ما السر؟ نسألك عن المسألة هذه أيضاً فأجبنا، وما النبي الأُمي في النوم؟ انظروا إلى هذا السؤال: وما النبي الأُمي في النوم؟ تركيب غريب! أي ما حالته وما طريقته وما صفته في النوم؟ هذا معناها، قالوا وما النبي الأُمي في النوم؟ والسؤال الأخير: ومَن وليه مِن الملائكة؟ فإن أجبتنا يا محمد اتبعناك وإلا فارقناك، قال نعم، قال أنشدكم الله والذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل – يعقوب عليه السلام – مرض مرضاً شديداً حتى برَّح به سقمه فنذر لله نذراً إن هو – تبارك وتعالى – شفاه ليُحرِّمن على نفسه أحب الطعام إليه وأحب الشراب إليه؟ وكان أحب الطعام إليه لُحمان الإبل – أي لحم الإبل – وكان أحب الشراب إليه ألبانها، قالوا أصبت، نعم، أعطاهم الجواب، هذا هو؟ قال لهم، وحي يا أخي، قالوا صح، هذه نفدت منها، لما قالوا صدقت قال اللهم اشهد، يُريد أن يُوثِّقهم النبي، يعرف أنهم لن يتبعوه لكن يُريد هذا ليقول يوم القيامة لقد حاججتهم يا رب وأنت شهدت، أنت شهيدي، قال اللهم اشهد، اشهد عليهم، قال أنشدكم الله وبالذي أنزل التوراة على موسى – وهو الله أيضاً، من باب التوثيق أيضاً والتأكيد – هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ – ثخين – وأن ماء المرأة أصفر رقيق؟ قالوا نعم، قال وأنه إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله – جاء المولود ذكراً – وإذا علا ماء الأُنثى ماء الرجل أنَّث أو جاء بأُنثى بإذن الله؟ قالوا نعم، قال اللهم اشهد، أجبتهم وكله من عندك، وحي إلهي! تبقى المسألتان الأخيرتان، قال أنشدكم الله أو بالله وبالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن النبي الأُمي – مَن النبي الأُمي؟ هو – تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ لا إله إلا الله، أرأيتم كيف رسولكم؟ هذا الرسول، شيئ غريب يا أخي، هل ينام مثلنا؟ لا ينام مثلنا، حين ينام تنام العينان ويرتاح البدن لكن القلب لا ينام، واعٍ مُدرِك مُسبِّح ذاكر مُستغفِر ومُتصِل بالله دائماً، لا إله إلا الله، ويُقال لك يا أخي مَن الرسول؟ هو بشر مثلنا، خرَّب الله بيتك! أهو بشر مثلك؟ هناك أُناس – مشايخ حتى – يُعلِّمون الناس هذا ويقولون يا أخي النبي كان بشراً مثلك، كيف؟ يُحاوِلون أن يحطوا من قدره، لم يكن مثلنا يا أخي، كيف يكون مثلك؟ من لحم ودم نعم لكنه ليس مثلك، كيف يكون مثلك؟ الله خلق الكون من أجله، وتقول لي أنه مثلك؟ غلط هذا وهو من الشيطان، نزغات شيطانية! في البخاري ومُسلِم أيها الإخوة عن عائشة قالت جاء النبي بعد صلاة العشاء ونام، ولما قام صلى الوتر، فقلت يا رسول الله تُوتِر قبل أن تتوضأ؟ قال يا عائشة تنام عيناي ولا ينام قلبي، ألا تعرفين؟ قال لها، هل تظنون أنني مثلكم؟ هل يخرج مني ريح وما إلى ذلك مثلكم؟ لا، لست مثلكم أنا قال لها، لا إله إلا الله، وهم يعرفون هذا، مذكور في التوراة والإنجيل أن هذه صفته، النبي الأُمي تنام عيناه ولا ينام قلبه، وهو يعرف نفسه، قال لهم تنام عيناه ولا ينام قلبه، الآن بلغنا أين أيها الإخوة؟ بلغنا المقطع الآن، قالوا نعم طبعاً، فقال اللهم اشهد، قالوا فأخبرنا يا محمد الآن – قالوا الآن هنا المقطع – عن وليك من الملائكة، فإما جامعناك وإما فارقناك، ما معنى فإما جامعناك؟ أي كُنا معك، نصير في جماعتك ونختلط بك، وإلا سنُفارِقك، نُزايلك ونمتاز منك، لعنة الله عليهم، قال لهم أهذا سؤالكم؟ إن ولي – قال لهم – من الملائكة جبريل، وما بعث الله نبياً إلا وهو وليه من الملائكة، جبريل قال لهم، ولي وولي جميع الأنبياء، قالوا الآن فارقناك، لأ! إلا جبريل، نحن نكرهه وهو يكرهنا، إذا هذا وليك لن نكون معك، الآن فارقناك، فأنزل الله قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ۩، أنزل آية فيهم، لعنة الله عليهم.

هل فهمتم ما معنى كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ۩؟ هذا هو، هذه قصة ما حرَّم إسرائيل – يعقوب عليه السلام – على نفسه، مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۩، طبعاً لأن أين موسى وأين يعقوب؟ أليس كذلك؟ مِن قَبْلِ ۩، فإذن كان كل الطعام حلاً لبني إسرائيل إلا فقط ما حرَّمه إسرائيل فحُرِّم عليهم، هل هذا واضح؟ وهم زادوا وجدَّفوا وأتوا بأشياء من عندهم، هذا شيئ ثانٍ.

هنا تُوجَد فائدة فقهية، كان جائزاً في شريعة يعقوب – عليه السلام – أن يفعل ذلك، انتبهوا! هل يجوز في شريعتنا أن تُحرِّم شيئاً أباحه الله على نفسك؟ لا، ولا النبي، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ ۩، أول شيئ! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ۩ في سورة المائدة، ممنوع! لا يجوز لهذه الأمة المرحومة – وهي مرحومة بهذا الشرع وبهذا الحُكم بالذات، سُبحان الله مرحومة، هذه رحمة – أن تُحرِّم على نفسها ما أباح الله، ممنوع أن تُحرِّم على نفسك ما أباح الله لك، تتحمى من أجل موضوع صحي ومن أجل موضوع جهاد النفس نعم، تحم، هذه حمية! لكن لا تُحرِّم، وقتما تشتهي كُل، خُذ شيئاً قليلاً، لا تُوجَد مُشكِلة، لكن لا تُحرِّم، ممنوع التحريم! هل هذا واضح؟ وماذا حرَّم النبي على نفسه؟ المغافير، نوع من العسل اسمه المغافير، جمع مغفور، هذا اسمه المغافير والقصة طويلة فيُمكِن أن نحكيها مرة ثانية إن شاء الله، مَن يُريدها يُمكِنه أن يجدها في سورة التحريم، يقرأ التفسير وسوف يرى القصة – إن شاء الله – بكل تفاصيلها.

قُلْ فَأْتُواْ ۩، أيها اليهود، بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩، وسوف تجدون مصداق ما ذكرت لكم.

۞ فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ۞ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۞

فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ۩، كيف يكون افتراء الكذب؟ بادّعاء أن التوراة شريعة باقية وأنها غير منسوخة وأن الله كلَّفهم باتباعها إلى يوم الدين، كذب! غير صحيح، التوراة فيها الكثير من المنسوخ، ونُسِخ بماذا؟ بقرآن محمد، فأنتم كذبة إذا قلتم هذا الكلام، وشرعكم منسوخ بشرعي، ودين الأنبياء واحد، فهذا هو جُملة معنى هذه الآية، والله – تبارك وتعالى – أعلم، وهو يقول الحق ويهدي السبيل.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وشكر الله لكم على حُسن استماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله.

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: