إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

 أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد: 

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل مجده – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: 

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا ۩ قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ۩ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ۩ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ۩ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا ۩ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات:

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ۩، فهل تسبيح الكائنات دلالة أو دليل على عقلها وإدراكها وشعورها؟ أي هل الإدراك والشعور أيها الإخوة والأخوات ساريان في الموجودات جميعها – في الحيوان، في النبات، وحتى في الجماد -؟
هذا السؤال على صعوبته وعلى غرابته وجدته يجد جوابه حاضراً في كتاب الله، قريباً جداً، نعم إنها لكذلك، كلها مُدرِكة وشاعرة، كيف؟ حين يقول – سُبحانه وتعالى – وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ۩، هذا بحد ذاته دليل، وحين يقول – سُبحانه وتعالى – أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۩، هذا دليل آخر، حين يقول – سُبحانه وتعالى – وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۩، يقول كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۩، إذن هي مُتمتِّعة بلون علم، بلون إدراك وشعور، حين يقول – سُبحانه وتعالى – لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۩، ما معنى هذا الكلام؟ أكثر من هذا حين يقول – سُبحانه وتعالى – وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۩، يتحدَّث عن الحجارة، الله يتحدَّث الآن عن الحجارة، ليس عن حيوان ولا عن نبات وهو أرفع من الحجارة رُتبةً، إنما يتحدَّث عن الحجر، وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ ۩، تقع وتسقط أحياناً، تتداعى وتنقض إذا كانت في بُنى عظيمة هائلة، الله يقول مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۩، شيئ عجيب!

طبعاً الفلسفة المادية وهذا العلم التجريبي لا يُمكِن أن يُصادِق على هذا الكلام، لأنه لا شأن له بهذه المفاهيم وبهذه اللطائف، هذه علوم ربانية، ولولا أن الله دل عليها وأشار إليها في كلامه العُلوي الجليل لكان من أصعب الصعب إن لم يكن من أمحل المُحال أن يستدل الإنسان عليها وأن يصل إليها، إنها من العلوم الإلهية.

أيها الإخوة:

نُحاوِل أن نقف مع قوله – تبارك وتعالى – وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۩، لماذا لا نفقه تسبيحهم؟ هذا الإنسان العاقل الدرّاك المُسخَّر له السماوات والأرض جميعاً رحمةً من الله – تبارك وتعالى – لماذا لا يُدرِك ولماذا لا يفقه تسبيح هذه الكائنات؟ يبدو أن الآية تُشير إلى ضربين مُختلِفين تماماً من ضروب الإدراك والعقل، هناك ضربان من ضروب الإدراك والعقل: الضرب الذي اختُص به الإنسان، والضرب الذي عم سائر الوجودات والموجودات، حتى الجامد منها، حتى الوجود الجامد أو وجود الجوامد.

الإدراك الإنساني إدراك له طبيعة خاصة، وهو في مُعظَمه وسلي، يتوسَّل وسائط وأشياء، يصعب أن يُدرِك الحقيقة بضربة واحدة، دون توسيط وسائط، ما يُعرَف بالحدس أو بالقدرة الحدسية، هذا غير مأنوس عند أكثر البشر، وإن كان طريقاً مُعبَّدة ومسلوكة للعارفين بالله تبارك وتعالى، أصحاب النفوس الماجدة والأرواح الشفيفة الرائقة الراقية، لكن مُعظَم البشر لا يعرفون هذا.

أُحِب أن أُقدِّم بين يدي تفصيل هذه الجُملة مسألة لها لون اعتلاق بها، وطبعاً خُطبة اليوم يبدو أنها ستكون إلى حدٍ ما صعبة أو عسيرة، ولكن أرجو وأسأل الله – تبارك وتعالى – أن يكون فيها ما تجدونه مُفيداً أو ذا جدوى كفاء صبركم واجتهادكم.

الإنسان ميَّزه الله – تبارك وتعالى – من بين سائر المخلوقات والموجودات بأن نفخ فيه من روحه على ما تعلمون، هذه الروح هي خصيصة إنسانية، لا تُوجَد في أي كائن آخر هذه النفخة الإلهية، وللأسف أجدني ملزوزاً أن أُنبِّه على ما نبَّهت عليه مراراً وتكراراً، حين نتحدَّث عن هذه الروح – وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ۩ – على أنها خصيصة لا نتحدَّث عن النفس، لا نتحدَّث عن سر الحياة البيولوجية كما يُقال، لا! هذه الحياة موجودة حتى في الحيوانات، في الحشرات، في الطيور، وفي كل شيئ، كل هذه المخلوقات – كما نقول دائماً – تتمتَّع بأنفس، لها أنفس، هي أنفس منفوسة، والإنسان له نفس، وبها يحيا هذه الحياة البيولوجية أو النباتية إن جاز التعبير، لكن الروح شيئ مُختلِف تماماً.

نحن طبعاً للأسف نُخطئ، وعلمائنا يفعلون هذا، يُخطئون حين يخلطون بين الروح والنفس، يظنون أن الروح هي النفس، وهذا غير صحيح، القرآن لم يقل هذا في موضع واحد، والقرآن لم يفعلها مرة واحدة، بأن ينسب الروح إلى غير الإنسان، مُستحيل! غير موجود هذا، فقط الإنسان هو الذي اختصه الله بأن نفخ فيه من روحه، فغلط كبير على الحقيقة أن نقول الحيات والثعابين والصراصير والفئران والحمير – أكرمكم الله – والخنازير – أجلكم الله – والدواب كلها فيها أرواح، غير صحيح! فيها نفوس، كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ۩، نعم النفوس هي التي تموت وبها الحياة، الروح شيئ مُختلِف تماماً، شيئ اختُصَ به الإنسان، لابد أن يكون هذا واضحاً تماماً، هذا ما يُعطيه القرآن بلا تردد.

هذه النفخة هي سر رقي الإنسان، وهي أيضاً سر أو مكمن تدلي الإنسان، هذه النفخة هي سر تأله الإنسان، وهي سر كفر وجحود الإنسان، وبعبارة واحدة مُوجَزة هي سر محنة الإنسان، هي فُرصة الإنسان وتحدي الإنسان، هي فُرصة وهي أيضاً تحدٍ، كيف؟ 

نحن ننظر دائماً على ما اعتدنا وعوَّدنا علماؤنا ومُفكِّرونا الأفاضل إلى هذه النفخة الإلهية من الزاوية الإيجابية، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ۩، ولذلك جعله مسجود الملائكة، بلا شك أنه كرَّمه واختصه بذلك، فقط نقف مع هذه الزاوية أو عند هذه الزاوية ومع هذا المنظور، ونغفل عن حقيقة أُخرى، نترك أن ننظر إلى هذه النفخة من الزاوية الأُخرى، هذه النفخة أيضاً هي التي جعلت في الإنسان نزوعاً إلى الاستقلال، وشعوراً (زائفاً) بالقيام وحده، يظن أحياناً أنه يقوم وحده وأنه مُستغنٍ، لأن فيه معنى إلهياً، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ۩، هو فيه معنى إلهي، الإلهية ماذا تعني؟ تعني القيام بالذات، القيومية، الغنى المُطلَق، أليس كذلك؟ هذا هو! والإنسان الآن فيه معنى إلهي، يُخطئ ويضل ويتحيَّر أحياناً ويتهوَّك، ويظن أنه قائم بحياله، أنه قائم برأسه، أنه قائم وحده، وأنه مُستغنٍ، ويُغريه بهذا مُسخَّرية الكون له، يرى أن كل ما حوله مُسخَّر له، بطريقة المُباشَرة أو بطريق التوسيط، فعلاً يبسط سُلطانه على هذا الوجود شيئاً فشيئاً، ولا يكاد شيئٌ يتعاجزه، لا يُؤمِن بالعجز أمام أي شيئ، ويظل يُحاوِل، وينجح أحياناً بعد مئات وأحياناً بعد ألوف من السنين، لكن فيه هذه الروح الطُلعة، تتأجج في باطنه وفي أعماقه هذه النار ذات المصدر الإلهي أو هذا النور ذو المصدر القدسي الصمداني، عجيب! 

محنة الإنسان إذن يُمكِن أن تُفسَّر نسبياً بهذه النفخة الإلهية، بهذا المعنى الإلهي يظن نفسه قائماً بذاته ومُستغنياً، كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ۩ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ۩، يرى أن الوجود مُسخَّر له، فيظن أنه يقوم بذاته، يقوم بنفسه، وأنه غير مُحتاج، هذه النفخة الإلهية هي التي أكسبته الجسارة والجراءة على أن يستعلن باقتداره أو بقدرته وتهيئه لتحمل أمانة نكصت السماوات وكعت الأرض والجبال عن حملها وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ۩، تقدَّم هو بكل جسارة، وقال أنا لها، إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ۩، قال أنا لها، أنا أستطيع، إنها أمانة الاختيار، والاعتداد بالمسئولية الكاملة عن الفعل، لأنه فعلي أنا.

الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقول الله يُريد وأنا أُريد، هو يُريد وأنا لا أُريد، عجيب طبعاً، ومن هنا معصية الإنسان لله، يكون مُؤمِناً ومِلياً مُتشرِّعاً، ثم يقول نعم الشرع يأمر بهذا، لكن الآن وهنا في هذه اللحظة لن أفعل، الله يُريد وأنا أُريد شيئاً آخر، غفر الله لي، شيئ غريب، جراءة غريبة! كيف يُمكِن أن يفعل هذا؟ يفعله، كل يوم يفعله، كل ساعة يفعله، كل لحظة يفعله، أليس كذلك؟ يفعل هذا، غيره لا يستطيع أن يفعله، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ۩، السماوات والأرض – وكل شيئ من العرش إلى الفرش – أَتَيْنَا طَائِعِينَ ۩، إلا هذا الإنسان، قال وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۩، السر هو هذه النفخة، لأنه معنى إلهي.

معنى إلهي يجذبه من طرف أو من زاوية إلى العشق، إلى البحث، إلى الفضول، إلى الوله بالله تبارك وتعالى، إلى مُحاوَلة الاتصال بالله، إلى مُنادَمة الملأ الأعلى، وإلى مُناجاة الصفيح الأرقى، صحيح! ومن طرف آخر يجذبه إلى ما سمعتم بعضه أو شطراً منه، إلى أن يدّعي دعاوى عجيبة لا تليق به وليست له، لكنه يفعلها، يفعلها ويتوهَّم أنه يستطيع أن يقف بإزاء الله، شيئ عجيب! الكون كله يسجد لله، ما معنى السجود أصلاً؟ ما معنى السجود في اللُغة وليس في اصطلاح الشارع؟ السجود هو التطامن والتذلل والخضوع كما قال الراغب في مُفرَداته، هذا هو! في اللُغة هو التطامن والتذلل والخضوع، ثم نقله الشارع علامةً على خضوع وتطامن وتذلل مخصوص لله تبارك وتعالى، لله وحده، هذا هو الخشوع الآن، فالكون كله مُتطامِن خاضع وذليل بطريقة التسخير، طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ۩, إذن كَرْهًا ۩، مُسخَّر على هذا – وهذا شطر من مبحثنا في هذه الخُطبة إن شاء الله تبارك وتعالى -، إلا الإنسان، الإنسان يُريد أن يفعلها طَوْعًا ۩، ويُريد أن يُخالِف عنها  طَوْعًا ۩، باختياره! لأنه حمّال الأمانة، محنةً من ربك – لا إله إلا هو – وابتلاءً عظيماً، لِيَبْلُوَكُمْ ۩، هذا هو الابتلاء، هذا هو الاختبار العظيم، فهذه النفخة تستطيع أن تُفسِّر المُتقابِلات والمُتضادات، هذه النفخة نفسها تُفسِّر هذا وتُفسِّر هذا.

يظن ويهم أنه يقف بإزاء الله، ولذلك نرى في العشّاق أموراً عجباً، وسلوا العاشقين أو سلوا تواريخهم وأدبياتهم، العاشق يغار على معشوقه أن يقف بين يدي الله راكعاً ساجداً، لا يُحِب هذا في أعماقه، يقول لا، أنت لي وحدي، لماذا تتركني لُحيظات وتقوم بين يدي الله؟ عجيب! أنا سألت بنفسي عاشقاً مرة، قال بالله العظيم كأنك تقرأ نفسي، قلت له أنت أحياناً تجد أنك تغار غيرة شديدة، مِمَن؟ مِن الله، قال كيف؟ فشرحت له، فقال بالضبط، قال هذا ما يحصل معي، ويحصل مع كل عاشق، عجيب! ما هذا النزوع العجيب؟ ما هذه القدرة التمردية في الإنسان؟ لأن فيه معنى إلهياً، معنى الاستقلال والاستغناء، المسكين يظن نفسه مُستغنياً، وطبعاً هذا المعنى ليس تاماً، وإلا لكان إلهاً، وهو ليس إلهاً، هذا معنى من معاني إلهية الله، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ۩، لو تم المعنى لظل هذا الإنسان كافراً، لا يقفه شيئ أبداً، لأيقن أنه هو الوجود الحق، ولا وجود سواه، انتهى كل شيئ! محنة كبيرة هذه، لكن هذا المعنى ممزوج بضعف البشرية، بهشاشتنا، بفقرنا، وبوجودنا القلق المُنزلِق، نبحث عن المعنى أحياناً لأننا في شك من أمر ماذا؟ من أمر قيوميتنا، ليس لنا القيومية، القيومية لله، لا إله إلا هو! قائم بذاته ويقوم به مع ذلكم غيره، وهذا معنى القيوم، القائم بذاته والذي يقوم به مع ذلكم غيره، لا إله إلا هو! وغيره هذه تعم كل الوجود كله طراً بلا استثناء، ومن هنا منجاة للإنسان، هذه منجاة! هذا الشعور المُتضاد بين زيف ووهم القيام بالذات والاستغناء وبين حقيقة القلق والانزلاق والتردد والتوتر الحاصل والشعور بالضعف والهشاشة تكمن فيه نجاة الإنسان، تكمن فيه نجاة الإنسان لمَن أحسن مُجادَلته ومُحاوَرته، أي مُحاورة هذا المعنى، معنى تقابل الضدين.

ولذلك يتراوح موقف هذا الإنسان حين تستبد سطوة وهم الاستقلال والقيام بالذات بين مثل غيرة العشّاق وبين النفي والإلحاد التام والعياذ بالله، هو لا يُؤمِن بوجود الله أصلاً، ويُؤمِن بوجود نفسه، وهو الذي يُعطي نفسه القدرة والصلاحية أن يُصادِق على قضية الوجود الحق – وجود الذات الإلهية – أو لا يُصادِق، شيئ غريب! أصبح هو المركز، أصبح هو المركز وهو المحور وهو المعيار، وهذه سفسطة، ليس هو المركز، ليس هو المعيار، لكن يظن نفسه كذلك المسكين، وفيما بين ذلك – ويحدث هذا وإن كان على سبيل الندور – التغافل، ليس الغفلة، لكن التغافل، تجاهل القضية برُمتها جُملةً، يقول القضية كلها لا تعنيني، أنا مشغول بحياتي، بمشاريعي، بمطامحي، وبمطامعي، لدي برامج كثيرة، يُمكِن أن تملأ عشرة أعمار وليس عمراً واحداً، ولذلك هو قال إنه مشغول، لكنه غير مشغول، مُكتفٍ بوجوده المسكين، مُكتفٍ ببرامجه، لا يبحث القضية، عجيب! كل هذا بسبب هذه النفخة الإلهية أيضاً، كل هذا بسبب هذه النفخة!

كيف يُدرِك الإنسان علاقته بالأشياء؟ كيف يُدرِك علاقته بالله؟ كيف يُدرِك علائق الأشياء بالله وعلائق الأشياء بعضها ببعض؟ كيف يُدرِك؟ هذه المرحلة الثانية في إيضاح ما نُريد إيضاحه، أولاً أُحِب أن أقول شيئاً عن العلاقات، حين نتحدَّث عن العلاقة نُدرِك أن مفهوم العلاقة ليس بالضرورة أن يعني مفهوماً ترابطياً تواصلياً، كلا! ترابطية العلاقة هي من فعل الذهن البشري، الذهن يفعل هذا، بمعنى ماذا؟ بمعنى أننا نرى المطر – مثلاً – ينزل على الأرض، فتُخرِج زرعها ونباتها، بأمر ربها وبإذنه، لا إله إلا هو! يأتي الإنسان ليضع بزعمه طبعاً يده على علاقة علية بين نزول المطر وخروج الزرع، وبين نبات الزرع وخروج الثمر، وهذه علاقة علية، علاقة سببية، ما أُحِب أن أطرحه هنا سؤالاً، هل المطر واعٍ ومُدرِك بسببيته هذه؟ صعب أن ننسب هذا للمطر وأن نقول المطر ينزل وهو يعرف أنه سيتفضَّل على الأرض وعلى ما يخرج منها من نبات وزرع، هل الزرع مُدرِك مديونيته للمطر؟ هل الزرع يُدرِك أن يعيش مديونية لهذا المطر ولهذا الغيث الهامي من السماء؟ مُستحيل أن ننسب هذا إليه، وإلا يكون هذا مسلكاً أنسانياً، بمعنى إسقاط الصفات الإنسانية على ما ليس بإنسان، لا المطر يُدرِك ولا الزرع يُدرِك ولا هناك علاقة تُدرِك ذاتها.

إذن مفهوم العلاقة ليس مفهوماً موضوعياً كما نظن، أنه موجود هناك وفقط يحتاج أن يُكشَف عنه، لا! جُزء كبير منه ورُكن أساسي منه هو من إبداع العقل الإنساني، من إبداع العقل الإنساني! تماماً مثل مفهوم الصوت، بعض الناس يظن ألو سقطت شجرة – مثلاً – في غابة بعيدة – في غابات الأمازون Amazon مثلاً – فهذه الشجرة لابد أن تُحدِث صوتاً، غير صحيح! ما يحدث أن هذه الشجرة حين تسقط يحدث تخلخل في طبقات الهواء المُحيطة وتضاغط، لكن الصوت يحتاج إلى أُذن سواء إنسانية أو حيوانية، تلتقط هذه الموجات المُتضاغِطة وتُترجِمها إلى شيئ اسمه الصوت، نحن جُزء من الصوت إذن، بغير وجود الإنسان ظاهرة الصوت غير موجودة، موجود أشياء أُخرى ليست هي الصوت، انتبه! كذلك اللون، تقول لي هناك اللون، تظن أن اللون الأحمر موجود في الطبيعة كما هو لون أحمر، وهذا غير صحيح، تموجات هذه، تموجات مُعيَّنة، إذا وقعت على شبكية الإنسان – والإنسان بالذات هذا، الإنسان ابن آدم وحواء – تُرجِمت في دماغ الإنسان أو على شاشة دماغه لوناً ما، غيره من الحيوانات يرى اللون ذاته بشكل مُختلِف، يراه شيئاً آخر، ليس أحمر كما تراه أنت، وحتماً الله – تبارك وتعالى، وهو يسمع ويُبصِر – يسمع الأشياء ويُبصِرها على نحو لا يُمكِن تصوره، وثنية صارخة وصاخبة إذا كنت تظن أن الله يرى الأحمر كما تراه أنت ويسمع صوتي وصوتك كما تسمعه أنت، مُستحيل! حاشا لله، الله ليس إنساناً، انتبه! كيف يسمع؟ وكيف يُبصِر؟ الله أعلم، هو أعلم، لا إله إلا هو! لا أحد يعلم هذا، انتبه! لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۩، فمفهوم العلاقة ينطبق عليه نفس الشيئ، مفهوم العلاقة جُزء أساسي منه ورُكن أساسي كبير منه من فعل الفهم البشري ومن فعل الوعي البشري، أليس كذلك؟

ولذلك هذا الإنسان يعي الأشياء علائقياً، هناك بعض التعاريف الفلسفية للعلم، يقولون لك كل علم وكل معرفة هي علاقات ووعي بعلاقات، كل العلوم والمعارف – نظرية، تطبيقية، رياضية، تحصيلية، أياً كانت – هي وعي بعلاقات، وهذا عمل الذهن البشري كما قلت، ولذلك الشعراء وحتى العارفون كمولانا جلال الدين الرومي – قدَّس الله سره – الذين ينطقون أو يضعون كلماتهم وأشعارهم على ألسنة الغيث والزرع والنبات والحشرات والطيور والملائكة – إلى آخره – إنما يفعلون هذا أنسنياً، يُسقِطون صفاتهم ومشاعرهم ووجداناتهم على هاته المخلوقات، وهي لا دراية لها.

الحاصل أن كل هذه المخلوقات – الأحجار والأشجار والنجوم والأقمار – بلا شك لها شعور ولها إدراك، إدراك بماذا؟ وشعور بماذا؟ ليس بالعلاقات العلية، انتبه! كما قلنا – ونُؤكِّد مرةً أُخرى – الأرض والنبات والزرع لا تشعر بمديونية إزاء المطر، لا تقول المطر هذا له فضل علىّ، بسببه وبأثره كان ما كان، لا تُدرِك هذا، ولا المطر يُدرِك دينه على هذه المذكورات، لا أبداً، هذا غير موجود، عجيب جداً! لكن القرآن يقول هذه تخشع وتهبط من خشية الله وتعلم صلاتها وتعلم تسبيحها وتسجد، إذن هي تُدرِك مُباشَرةً وبطريقة غير علائقية وغير سببية مديونيتها الوحيدة الكاملة لمَن؟ لرب العزة، لا إله إلا هو! مُباشَرةً من غير توسيط أسباب، شيئ عجيب، إذن هذا إدراك من نوع مُختلِف تماماً، هذا طبعاً غير إدراك الإنسان.

نحن الآن كيف نُدرِك فضل الله علينا؟ عبر مظاهره وأسبابه وبوسائطه، حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ۩، نُدرِك نعمته من خلال الوالدين والأولاد والأزواج والمناصب والصحة والعافية والجمال والحُسن والبهاء والقدرة، أليس كذلك؟ عبر هذه الأسباب! ولذلك هذا الإنسان بالذات هو الكائن الوحيد الذي يمتاز – والعياذ بالله – بظاهرة الإلحاد، بظاهرة الكفر، وبظاهرة الجحود، حين لا تتسق النتائج كما يراها هو مع المُقدِّمات يتشكَّك في الله، يقول أين هذا؟ أين الحكمة؟ أين الفضل؟ لماذا كان هذا؟ لماذا لم يترتَّب هذا على هذا؟ ولماذا لم يقع ما أُريد أنا؟ وطبعاً هو هنا في أقصى اليسار والعياذ بالله، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ ۩، هو المعيار! يُريد أن يقع ما خطَّط له، أن يُنفِّذ ما رسمه هو أو استخطه هو، لا ما قضت به الحكمة العُليا، سُبحانه وتقدَّس في عليائه، فيبدأ يتشكَّك، أليس كذلك؟

من أسباب الإلحاد وهي كثيرة جداً الآتي، يقولون من أسباب الإلحاد بعض المصائب والمحن والبلايا، تُزعزِع إيمان الإنسان، يتزعزع ويكفر، لأنه لا يعرف الإيمان إلا عبر أسباب، بمعنى لا يعرف النعمة إلا بتجلياتها، وضمن شبكة أسبابها، هكذا! الكائنات الأُخرى ليست كذلك، سيقول أحدكم يا ويلنا، والله هذا مقام تعيير، سيقول أحدكم هذا مقام تعيير، كأن هذه الجوامد وتلكم العجماوات لها لون إيمان أشرف من إيماننا، هنا وقع خلط، هذا مقام تعيير أو يُوشِك أن يكون كذلك، أشتمه من قول الحق – لا إله إلا هو – وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۩، ألا تشتمون هذا؟ قال وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن – يقول يا بني آدم، يا إنسان – لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۩، ليس عندكم من الصفاء ولا من الشفّافية ولا من الرقة ولا من الدقة واللُطف ما يجعلكم تفقهون تسبيح هاته المخلوقات، قال أنتم تُسبِّحون على نحو مُختلِف، وهي تُسبِّح على نحو مُختلِف، انتبهوا!

لرفع هذا الخلط الذي أشرت إليه في السؤال المطروح لا نستطيع أن نقول ولا يستطيع أحد أن يقول إن هذه المخلوقات مُؤمِنة بالله أو تُؤمِن بالله، هي تُوحِّد الله نعم، تُسبِّح الله نعم، تسجد لله نعم، لا يُوجَد مورد واحد في كتاب الله أنها تُؤمِن بالله، الذي يُؤمِن بالله المُكلَّف، الإنسان، ويتلوه الجن، الثقلان! نحن نُؤمِن، هناك فرق إذن بين مُجرَّد سجود وتسبيح وتوحيد وبين إيمان، الإيمان هو ما يُعطيه الاجتهاد، الاجتهاد في النظر، الاجتهاد في البحث، والاجتهاد في ترتيب النتائج على مُقدَّماتها الكونية والعقلية أيضاً، الإيمان وظيفة الإنسان، نعم! لذلك الإنسان يُؤمِن، يُسبِّح بعد ذلك، يسجد، يُمجِّد، يهيم، يعشق، ويتلطَّف، على أساس من إيمانه، وإيمانه على أساس مما ذكرنا، الكائنات ليست كذلك، لا تحتاج إلى هذا، لماذا؟ بعبارة واحدة الكائنات كلها تُدرِك كيانيتها ووجودها، تُدرِك الكيان، كيان الشيئ أو كيان المخلوق، هي تُدرِك كيانيتها، على أنها رحمة الله، على أنها فضل الله، كيانيتها وليس شيئاً آخر يتعلَّق بوجودها وبكيانيتها، أن هذا المطر الذي أمدني حتى استطعت أن أُخرِج زرعي وما إلى ذلك، ليس هذا أبداً، تُدرِك كيانيتها كما هي، على أنها رحمة الله، على أنها نعمة الله، أي المسافة تقريباً معدومة بين شعورها الساري فيها وإدراكها وبين ماذا؟ وبين وجودها وبين كيانيتها، شبه معدومة، عند الإنسان ليس الأمر كذلك، المسافة موجودة ومُتفاوِتة، أحياناً تتقلَّص وأحياناً تمتد كثيراً، الله يقول تمتد أحياناً عند بعض التائهين الذين يعمهون – والعياذ بالله – في صحاري التشغيب والتفلسف، يضلون ويتحيَّرون، تمتد حتى أنهم لَا يُؤْمِنُونَ ۩ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ ۩، قال لَا يُؤْمِنُونَ ۩ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ ۩، انتهى! المسافة كبيرة جداً جداً، ولا يُدرِك أن كيانه نفسه أيضاً هو فيض النعمة، هو سريان الرحمة.

سأقول شيئاً قد يُؤلِمنا كمُؤمِنين أكثر من ذلك وقد آلمني، بعض الناس يُصوِّر مبدأ العرفان – وربما بعضهم يتصوَّره قُنة العرفان وهو ليس كذلك – على النحو التالي، يقول ينبغي ألا تَغفَل أو لا تَغفُل لحظةً واحدةً عن حاجتك إلى تيار الأمداد الإلهية، وإلى المدد الرباني المُتصِل لحظة بلحظة، لتُمكِن حياتك ويُمكِن حياتك لحظة بلحظة، يجب أن تستشعر هذه الحقيقة لحظة بلحظة أيضاً، لتكون مُؤمِناً عارفاً، نقول هذه الحقيقة التي نظنها في قُنن وقمم الإيمان بالضبط هي الحقيقة التي تعيشها – إن جاز التعبير- أو تحياها أو تُترجِمها كل المخلوقات، هي ترى أن كيانيتها رحمة الله، ولكم أن تتخيَّلوا أن الأمر يصل إلى هذه الدرجة، هي ترى هذا تماماً، والقرآن يقول هذا بشكل واضح، فهل يكون معنى هذا أن نهاية إيماننا هو إيمان الجماد؟ مُستحيل! لذلك ينبغي أن يكون بداية إيمان المُؤمِن الحق الذي اتصل حبله بحبل الحق – لا إله إلا هو –  نهاية إيمان الجماد، لابد أن يكون بداية إيمانه نهاية إيمان الجماد، أليس كذلك؟ من هنا البداية، المُؤمِن الحق لا يغفل عن الله لحظة، ولا يُمكِن أن يعيش لحظة وهم واحدة، وإن فعل ذلك يرى أنها ضرب من ضروب الشرك، ويستغفر الله على التو، في المكان! لا يُمكِن هذا، لا يُمكِن أن يرى نفسه للُحيظة واحدة قائماً بنفسه وقادراً على الاستقلال، أو يرى شيئاً من نفسه أبداً أبداً، هذه بداية الإيمان، هذه بداية العرفان، هذه البداية! أما النهاية فلا يعلمها إلا الله، لا إله إلا هو! النهاية التي تجعل هذا الإنسان فعلاً مسجود الملائكة وخليفة الله والمُكرَّم على أكثر خلق الله لا يعلمها إلا الله وإلا مَن أعلمه الله وأذاقه طعم هذه الحقائق العالية، نسأل الله ألا يُخلينا منها وأن يُحلينا بها، اللهم آمين، هكذا إذن!

أيها الإخوة:

تُضلِّلنا اللُغة كثيراً، لا أُحِب أن أُسهِب، لأنني أعلم أن هذه الأفكار بعضها شاق ربما على بعض الناس، فنُريد أن نُوجِز في هذا الوقت بالذات إن شاء الله تعالى، اللُغة أيضاً تُضلِّلنا، يُقال إننا نُفكِّر باللُغة، والموضوع أكثر من هذا، لا نُفكِّر باللُغة فقط، أحياناً يتقيَّد فكرنا باللُغة، واللُغة ليست نظاماً ترميزياً اعتباطياً فقط كما يقول علماء اللُغة، بل هي نظام اختزالي مُفقِر للمعنى، أحياناً المعنى الحقيقي يكون أكبر من اللُغة وأكبر من البيان، ولذلك هذا المعنى لا يُمكِن أن يُصادِق عليه حقاً إلا الصمت كما نقول دائماً، لا يُترجِمه إلا الصمت فعلاً، ولذلك يقولون الحُب الصحيح والحُب الحق يعرف الصمت جيداً، لأن اللُغة تخذله، وكم مررنا بتجارب عاطفية ووجدانية نرى أن اللُغة تخذلنا فيها تماماً! 

حتى لا أُطوِّل أتساءل كيف؟ كيف تكون اللُغة نظاماً اختزالياً ردياً، يُفقِر المعنى، يُبهِته، ويجعله ضحلاً؟ ببساطة هناك اللُغة التقريرية واللُغة الإخبارية، مثل لقيَ مائة وخمسون بريئاً مدنياً حتفهم في هجوم جماعة من كذا وكذا، إلى آخره! هل هذا هو فقط؟ هؤلاء المساكين ليس لهم من وصف بعد الرقم مائة وخمسين إلا ما ذُكِر، انتبه! ومائة وخمسون وحَّد بين مائة وخمسين عالم مُختلِف أو مُختلِفة، كل واحد من هؤلاء الضحايا هو عالم بحياله، عالم قائم بنفسه، عنده حكاية ورواية لا تنتهي، لا ينتهي قصها وحكيها وسردها، أليس كذلك؟ لكنه دخل في رقم، قيل مائة وخمسون مدنياً بريئاً، ليس لهم من غنى حياتهم وغنى روايتهم الوجودية إلا أنهم مدنيون برآء، هذا يُفقِر، هذا فيه جرح لمكروثية هؤلاء، جرح لتضحية هؤلاء، وجرح لمظلوميتهم، هذا فيه إهانة، لكن قد يقول أحدكم نعم يا أخي اللُغة تستطيع أن تفعل ما تُريد، لكن تحتاج إلى وقت طويل جداً جداً جداً، وهذا صحيح، نستطيع أن نبدأ نحكي عن هؤلاء طبعاً، ولن يسمعنا أحد، لأننا نحتاج إلى سبعين سنة، نحكي عن كل هؤلاء الضحايا ضحية ضحية وعن حكاية كل واحد، مُستحيل! لذلك هذه الصفة صفة اقتصادية للُغة، لقيام التواصل، لكي يُصبِح التواصل بيننا مُمكِناً، وسأُبسِّط هذا.

الشحّاذ أو السائل يأتي يمد يده ويتكفَّف، يمد كفه ويستجدي الناس، هذا المسكين لو اطلع الإنسان على ضميره وعلى وضعه وعلى حالته سيختلف رد فعله إزاءه تماماً، تماماً! ربما تُشاطِره مالك، وأنت تُعطيه الآن رُبع يورو أو حتى خمسين سنتاً، ولا تعبأ به، أحياناً تقول له الله يفتح عليك، مع السلامة، قضيته المسكين قضية تواصل، واللُغة هي المُجرِم هنا، اللُغة هي المُجرِم! المسكين هذا يعول عشرة من الأولاد، أبناء وبنات، يعولهم وطبعاً يعيش محنة، يستطيع أن يسرد جُزءاً منها علينا في أشهر طويلة، لا تنتهي محنته المسكين هذا، عنده آمال تحطَّمت، عنده أحلام تشتَّت وتبدَّدت، لم يتحقَّق منها شيئ، عنده مُعاناة يومية ولحظية، كل أولاده لديهم مُعاناة أيضاً، مُعاناة رمزية، مُعاناة مادية، ومُعاناة معنوية، هناك مُعاناة حقيقية وهناك أشياء كثيرة في حياة هذا المسكين، هو يعرف أن اللُغة تخذله وأن الزمن أيضاً والظرف يخذله وأنت تخذله، يقول لك – وكأن الأمر لا يعني هذا المسكين – حسنة صغيرة تدفع بلوى كبيرة، حسنة على مَن يا ابني أو يا أخي؟ عليه، حتى لو قال حسنة للعبد الفقير هذا يخذل، لا يُترجِم شيئاً من مأساته ومُعاناته، وأنت تقول ليس لدي ترف الوقوف أمامه، ثم بعد ذلك استقصاصه قصته وحكايته، أنا ليس عندي وقت، عندي أشغالي! 

ولذلك اللُغة تُلخِّص مُعاناة يُمكِن أن تُكتَب في روايات أطول من الإخوة كارامازوف – The Brothers Karamazov – بكثير، تُلخِّصها بجُملة واحدة، حسنة صغير  تدفع بلوى كبيرة، لله يا مُحسنين، أليس كذلك؟ هكذا مخذولية اللُغة، هكذا!

هذه اللُغة التي تخذلنا أيضاً في حكي وفي ترجمة تجاربنا الرائعة جداً، لدينا تجارب مع الله تبارك وتعالى، أليس كذلك؟ العلاقة الخاصة جداً بيننا وبين الله أكبر من اللُغة، وكذلك علاقتنا بأزواجنا، بأولادنا، بأساتيذنا، بأحبابنا، وبمعارفنا، إلى أخره! وكذلك علاقتنا بالطبيخ أو علاقتنا بأي طعام، مثل علاقننا بالملوخية، بالبامية، بالكباب، وبالمحشي، علاقتنا مع الأشياء، وعلاقتنا بالكُتب، بالعلم، بالمسجد، وبالعبادة، كل هذا اللُغة تأتي تُسطِّحه وتُفقِره وتقريباً تُشوِّهه وتُتيح إعادة إنتاجه وفق شروط التجربة الذاتية لكل واحد منا، باسم ماذا؟ باسم الحُب، نحن نُحِب الله، ونُحِب الملوخية إذن، نُحِب الرسول، ونُحِب العلم، هكذا! ونُحِب قيادة السيارات وامتطاء الدرّاجة، أي الــ Bicycle، ونُحِب كذا وكذا، هل كل هذا نقول عنه كلمة (نُحِب)؟ نُحِب إزواجنا، نُحِب أبناءنا، ونُحِب أصدقاءنا، كله تحت حُب، حُب، حُب! يأتيك عالم لُغة طبعاً ويقول لك هذا اشتراك، لا يعنيني، أعرف أنه اشتراك، ما اشتراك؟ هذا فقر اللُغة، اللُغة فقيرة، لا تستطيع أن تُعبِّر بشيئ آخر، هذا كل ما تملكه.

ولذلك انتبهوا الآن، هل تستطيع هذه اللُغة وبضربة واحدة وببساطة ومن غير التجربة الوجودية الإيمانية المُندَكة في المعنى والسابحة في نور القدس، هل تستطيع هذه اللُغة وهل يُمكِن لهذه اللُغة أن تُعبِّر عن الله تبارك وتعالى، عن جلال الله، عن عظمة الله، وعن حقيقة أسماء وصفات وفعال الله؟ يستحيل، تُضلِّلنا إلى حد بعيد، لكن ما باليد حيلة، في المُستوى الأول من مُستويات التلقي ليس إلا اللُغة، في المُستويات الأرقى والأغنى والأخصب والأكثر إثماراً هناك ماذا؟ التجربة الإيمانية الذاتية، ذاق طعم الإيمان، أن تندك بنفسك وبوجودك، أن تُلقي بنفسك في اليم المُحيط، دون أن تُقاوِم، ودون أن تخشى الهلاك أيضاً، لأنك في مُحيط الرحمات، لن تهلك بإذن الله، المُقاوَمة تأتي من اللُغة مرة أُخرى، التي تُحاوِل دائماً أن تستبد بالتعبير عن كل شيئ، لأن اللُغة فيها نزعة استحواذية تسلطية، تُحاوِل أن تستبد بالتعبير عن كل شيئ، ولا تستطيع أن تُعبِّر عن كل شيئ، تُوهِمنا أنها تستطيع، ولكنها لا تستطيع، تُفقِره وتُفرِغه من المعنى حين تُحاوِل، أليس كذلك؟ هذا هو!

ولذلك إذا اتسع المعنى ضاقت العبارة، بل فُقِدت وفنيت العبارة، نفدت واستنفذت أغراضها هي مع أشياء أُخرى، هنا لا تستطيع أكثر من هذا، ليس لها غرض هنا، الغرض للروح الآن، الغرض للذوق، الغرض للبُعد الباطني، للمركز الذي علينا أن نغوص فيه بهدوء كما قلت، لنُحسِن السباحة بهدوء، بعيداً عن الصخب واللغط، لغط الحُجج العقلية والتشغيبات الفلسفية والكلمات المِلية، بعيداً عن كل هذا وبهدوء، ومن هنا ضرورة ماذا أحياناً؟ الخلوات والهدوء.

أُحِب أن أختم بعبارة أخيرة، هذا الفقير المسكين يظن أنه أسمعنا وفي الحقيقة هو يشعر أكثر منا أنه ما أسمعنا، أسمعنا كلماته، ولم يُسمِعنا ماذا؟ مُعاناته، لم يُسمِعنا مُعاناته، نحن لم نر مُعاناته، لم نر ألمه، لا نستطيع! أسمعنا الكلمات، والآن يأتي سؤال، هناك واحد وحيد أوحد – لا إله إلا هو – يسمعنا، هو الوحيد الذي يسمعنا، صدِّقوني! غيرنا لا يسمع، يسمع على نحو شائه جداً ومُفقَر كما قلت، يُعيد إنتاج المعنى، كل منا يسمع ويُعيد إنتاج ما سمع وفق شروطه الذاتية، طبعاً هذا ما يحدث بنسبة مائة في المائة، لا كلام في هذا، هو هكذا! لكن رب العزة – لا إله إلا هو – هل تخذله لُغة؟ هل يحتاج إلى لُغة أصلاً؟ قال لكم يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ۩، قال يَعْلَمُ السِّرَّ ۩، السر! لا يُوجَد كلام، لا يُوجَد تهمم، ولا يُوجَد صوت حتى، وَأَخْفَى ۩، ما هو الأخفى من السر؟ قلت مرة إنه ربما اللا شعور، العقل الباطن! والآن أقول في هذا المقام قد يكون ما هو أخفى من السر السر في المرحلة الهيولانية.

أحياناً الإنسان يبدأ يتآمر أو يُآمر نفسه على شيئ، ليس واضحاً هذا الشيئ، الأمور ليست واضحة، في مرحلة تشكل! تماماً كالجنين، جنين الضفدغ، جنين الأرنب، جنين الإنسان، وجنين – أكرمكم الله – الخنزير والخروف، كل هذه الأجنة في المراحل الأولى تكون مُتشابِهة تماماً، غير مُحدَّدة، ليس لها شخصية، ليس لها كيانية واضحة، هذه مرحلة هيولانية كما يُقال بلُغة الفلسفة، كذلك هذا ما هو أخفى من السر أيضاً، أي همك بالهم، همك بالهم! همك بأن تهم بالذنب، هذا واضح عند الله، واضح تماماً، أبداً واضح، الله يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ۩.

ولذلك إذا أحسنت أن تتوجَّه إلى الله – تبارك وتعالى – وأن تسأل الله – تبارك وتعالى – وأن تجعل ثقتك الكاملة التامة المُطلَقة بالله وبالله وحده – إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، طبعا واحفظ الله يحفظك في الأول، طبعاً هناك مُستويات أدنى، يسأل فيها بعضنا بعضاً، هذا شيئ طبيعي، هذا ضعف البشرية، لكن هذه مُستويات راقية، لمَن يرى الحقائق بضربة أو تعوَّد أن يراها كذلك أو شبه ذلك – فهنا لن تدخل اللُغة اللُعبة، ولن تلعب لُعبتها، هي لن تخذلنا، لأننا لا نحتاجها، فقط نتوجَّه إلى الله بهمتنا الصادقة، بالأنفس الماجدة الطاهرة، لن يخذلنا ولن يُشقينا بدعائه، وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ۩، سيُسعِدنا، لا إله إلا هو!

نسأل الله أن يُسعدِنا بمعرفته، وأن يدلنا عليه دلالة الصادقين، وأن يُنقِذنا من ورطات المُتحيِّرين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله الطيبين وصحابته الميامين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، اللهم أنت أصلحت الصالحين لك فأصلِحنا بما أصلحت به عبادك الصالحين.

اللهم افتح مسامع قلوبنا لذكرك، وارزقنا عملاً بكتابك، واتباعاً لنبيك، صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم، أحينا على سُنته، وأمتنا على مِلته، واحشرنا يوم القيامة في زُمرته وتحت لوائه، اللهم أوردنا حوضه، واسقنا بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اهدِنا واهدِ بنا، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وأحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، إلهنا ومولانا رب العالمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من أفضاله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم ليرحمني ويرحمكم الله.

(28/8/2009)

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: