إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سُبحانه من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى – في كتابه العظيم وفي ذكره الحكيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ۩ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۩ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ ۩ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ۩ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ۩ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ۩ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات:

أجمل الكلام وأجل الكلام وأفخم الكلام وأسمى الكلام وأرقى الكلام وأكرم الكلام ما دار عن الله – سُبحانه وتعالى -، يحكي الشيخ مُحي الدين بن عربي – رحمه الله تعالى – في مُحاضَرة الأبرار أنه كان ذات مرة في رفقة من أولياء الله – تبارك وتعالى -، وفيهم رجل يُدعى عبد الله المروزي، قال الشيخ مُحي الدين – رحمه الله تعالى – فأدخلت رأسي في عبي – أي في جيب قميصي – ثم جعلت أنظم شعراً في معرفة الله وتوحيده، في سره، قال فالتفت عبد الله وقال لي يا شيخ مُحي الدين، فلم أُجِبه، وجعلت نفسي كالنائم، فقال لي لست بنائم، أنت تعمل كلاماً في معرفة الله وتوحيده، تنظم شعراً في معرفة الله وتوحيده، قال فانتبهت مدهوشاً، قلت عجب، من أين لك هذا؟ كيف عرفت؟ هذا أمر في سري بيني وبين مولاي – تبارك وتعالى -، حتى الشيطان لا يطلع عليه، هذا سر! فقال لي رأيت كأنك تصنع شبكة من خيوط دقاق جداً مُتناثِرة، فقلت وما تأويله؟ قال – رحمه الله تعالى – تأويله أن هذه الخيوط الدقاق التي تعملها شبكة هي المعاني المنثورة، تنظمها قصيدة، فقلت ومن أين لك أنها في معرفة الله وتوحيده؟ فقال – قدَّس الله سره – قلت – أي مُؤوِّلاً – الشبكة لا يُصاد بها إلا ذو روح عزيز – إلا ذو روح أي حي، عزيز أي ليس من السهل اصطياده – قال فنظرت في الكلام، فإذا لا كلام عزيزاً وحياً وفيه روح إلا الكلام في الله، رضيَ الله عنه، شيئ عجيب! قال فعلمت أن ما تنظمه إنما هو في الله – تبارك وتعالى -، قال فكان عجبنا من تأويله أعظم من عجبنا من رؤياه، رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين، لا يطيب الكلام ولا يجل إذا كان في غير الله وفي غير مرضاة الله وما نحى منحاه ودار مداره.

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۩، قال عبد الله بن عباس – رضيَ الله تعالى عنهما – ومُجاهِد بن جبر- رضيَ الله تعالى عنه – وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۩، حق عظمته، أي ما عظَّموا الله التعظيم اللائق بجنابه – سُبحانه وتعالى -، الذي تقتضيه ربوبيته على جميع الخلق وإلهيته لجميع الحوادث والمُكوَّنات، ما علمنا منها وما لم نعلم، وقال سعيد بن جُبير – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – الشهيد السعيد وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۩، ما عظَّموه حق تعظيمه.

الله – سُبحانه وتعالى – الذي تجلى لنا بصفاته وأسمائه وفعاله ولا يقوم خلق من خلقه أجمع لتجليه بالذات، في أثر إلهي مَن تجليت له بأسمائي وصفاتي ألزمته الأدب، ومَن تجليت له بذاتي ألحقت به العطب، يهلك! دليله – كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى رحمة واسعة – فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ ۩، يبدو أنه تجلٍ بالذات، بشيئ يسير، في حديث ثابت البُناني عن أنس قال – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً – ما تجلى إلا هكذا وحلَّق بين الإبهام والسبابة، شيئ بسيط يسير جداً، فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۩، الجبل تدكدك، وانماع في بعض الأخبار والآثار وصار ماءً يجري، جبل من حديد، من أصلاد، من صخور! لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۩.

قرأت للإمام زين الإسلام الآتي، وهو الإمام الأجل والعارف الأكمل – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – زين الإسلام عبد الكريم القُشيري – قدَّس الله سره – صاحب الرسالة التي طارت في المشارق والمغارب، والمعروفة بالرسالة القُشيرية في علم السلوك إلى الله – تبارك وتعالى -، وكان أحد مشايخ الإسلام وفقهاء الشافعية المرموقين في عصره – رضوان الله تعالى عليه -، وثبتت له بل تواترت عنه كرامات مُدهِشة عجيبة، الإمام القُشيري له كتاب يحكي فيه قصته مع الله وقصة وصوله إلى المعرفة بالله، اسمه ترتيب السلوك في الطريق إلى الله تعالى، في آخر كتابه يحكي هذه القصة العجب التي قد تُنوِّر أو تُنير لنا بعض شيئ معنى قوله – تبارك وتعالى – لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ ۩، فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ۩، قال كنت مع شيخي أبي الحسن – وهو الخرقاني قدَّس الله سره – مرةً وصار الكلام إلى ذكر القلب، فقال لي هيا بني إلى القرية الفلانية، يُريد أن يُخرِجه إلى قرية من القرى، قال فخرجت معه، فلما صرنا ببعض الطريق أجلسني على حجر، قال اجلس على هذا الحجر، فجلست، ثم قال لي أطبق شفتيك، فأطبقتهما، وقال قل بقلبك الله، الله، الله، ليس بشفتيك، وظل ردِّد هذا، قال ففعلت، وفعلت حتى فنيت عني، فنيَ عن نفسه، أي انتهى، انقطع عن هذا العالم، وامتلأ سري وجاوزه الذكر، امتلأ سري بالذكر، نوع من الاستحضار، نوع من جمع الهم، جمع المُشتَّت من كيان الإنسان، وكم نحن مُشتَّتون! كم نحن مُشعَّعون! كم نحن مُفرَّقون دون أن ندري! كأننا نعيش في حلم، في وهم، في فقاعة، في أكذوبة كبيرة، دون أن ندري! شيئ عجيب.

قال وجاوزه، فنيت عني، وامتلأ السر بالذكر وجاوزه، قال حتى ردوني إلىّ وقت الصلاة، كان لابد أن يُرَد حتى يُصلي الصلاة في وقتها، كانوا أهل تشرع، قال ثم حملني الشيخ، لا يزال الشيخ في حالة غير عادية، أي الشيخ القُشيري – قدَّس الله سره -، قال ثم حملني الشيخ فأدخلني القرية، فأخذني نحول فذويت ونحلت حتى لم يبق علىّ لحم، إنما هو جلد على عظم، وذلك كله في ليلة واحدة، الله أكبر! وهذا شيخ الإسلام، هذا الشيخ القُشيري، هذا ليس صوفياً جاهلاً، هذا شيخ الإسلام، فقيه الشافعية في عصره، صاحب الرسالة القُشيرية، وتَلميذ الإمام أبي حامد الأسفراييني، إمام الأشاعرة وإمام الشافعية في وقته، وأبي بكر بن فورك – رحمة الله تعالى عليه -، هو تَلميذهما! وتَلميذ أبي عليّ الحسن الدقّاق – قدَّس الله سره -، الولي الكبير والقُطب الخطير في العرفان، هذا هو! في كتابه يحكي هذا، هذا ليس وهماً، قال وبقيت هكذا سنة، ولا يُزاد في حالي، ولا يُنقَص منه، سنة! شيئ غريب، كيف حدث هذا في ساعات؟ ما الذي أذابه؟ ذاب! الرجل ذاب، وكل شيئ انتهى، شيئ كالكذب، كالأساطير، وليس بالكذب، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ۩، لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۩.

الحسرة كل الحسرة – أيها الإخوة والأخوات – أننا نُصلي لله ونقول يا الله وندعو الله ونُنادي الله، فهل عرفناه؟ هل نعبد مَن نعرف؟ هل نعصي مَن نعرف؟ نحن نعصيه أيضاً، وربما بعضنا يعصيه أكثر مما يُطيعه – والعياذ بالله -، هل نعصي مَن نعرف أم نعصي مَن لا نعرف ونُطيع مَن لا نعرف ونُنادي مَن لا نعرف ونهتف بمَن لا نعرف؟ مساكين نحن!

محمد بن سوار – رحمه الله تعالى – أراد أن يُعلِّم ابن أخته كيف يكون تعظيم الله، كيف يكون الأدب مع الله، وكيف يكون سلوك الطريق إلى عرفان الله وإلى معرفة الله – سُبحانه وتعالى -، مَن هو ابن أخته؟ سهل بن عبد الله التستري، هو هو، هو سهل، إذا قيل سهل بن عبد الله فهذا هو، خاله من كبار أولياء الله، أرواح شريفة ونفوس ماجدة، ألحقنا الله بها، وأفاضل عليها مما أفاض عليها، قال قال لي وأنا طفل صغير ابن بضع سنوات يا ابن أختي يا سهل إذا أخذت مضجعك بالليل فبكل جمعية قلبك توجَّه وكأنك ترى هذا، وقل الله معي، الله ناظر إلىّ – بقلبك لا بلسانك -، الله شاهدي، ثلاث مرات، قبل أن تنام، أغمض عينيك واستحضر هذا بقلبك، خاطب سرك بهذا، خاطب سرك التائه الحائر المُشتَّت المُشعَّع، الله معي، الله ناظر إلىّ، الله شاهدي.

قال ففعلت هذا، وظللت أفعله ليالي ذوات عدد، ثم جاءني وقال يا ابن أختي زِده إلى إحدى عشرة مرة في الليلة، بعد ليال قال له زِده إلى إحدى عشرة مرة في الليلة، قال ففعلت وظللت على هذا سنة، فلما تمت السنة جاء إلىّ – هذا بعد سنة – وقال لي يا سهل مَن كان يعلم أن الله معه وأن الله ناظر إليه وأن الله شاهد عليه هل يعصيه؟ يقول سهل فكانت تلك بدايتي مع الله، هكذا! البداية ليست بخُطبة نسمعها، بكتاب نقرأه، ببرنامج، ثم نبكي، ثم نعود كما نحن، البداية ليست بكلام كثير – أيها الإخوة والأخوات -، ليس بدعاوى، ليست بأن يرفع أحدنا إعلاناً يُتاجِر به، ولذلك مَن أحبه تعالى طال صمته، مَن عرفه تعالى انبكم، يكون مثل البكم، لا يتكلَّم، لأن الأمر لا تطوله العبارة، ليس بالحديث وبتشقيق الكلام، ولابد أن تكون البداية صحيحة ومُحرِقة، لتكون النهاية مُشرِقة وواصلة – بإذن الله تبارك وتعالى -.

ولذلك وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۩، علينا أن نُطيل الفكرة جداً في شأن الله – تبارك وتعالى -، في شأن أسمائه، طبعاً لا نقدر أن نتفكَّر أو حتى أن نفتكر من غير مُبالَغة – نتفكَّر مُبالَغة، لكن حتى أن نفتكر – في ذاته، لقد حجب ذاته، لا يتجلى بذاته لأحد، وإلا لحقه العطب، وإنما نتفكَّر ونعتبر ونتدبَّر، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ۩، في ماذا؟ في أسمائه وصفاته وفعاله، لا إله إلا هو! فَاعْتَبِرُوا ۩، ما هو الاعتبار؟ الاعتبار من العبور، الانتقال من ضفة إلى ضفة، من مكان إلى مكان، الاعتبار هو الانتقال من النعمة إلى المُنعِم، الاعتبار هو الانتقال من الأثر إلى المُؤثِّر، الاعتبار هو الانتقال من المُكوَّنات إلى مَن كوَّنها – لا إله إلا هو -، الاعتبار هو الانتقال من الظاهر، من القشري، ومن الخارجي، وإلى الحقيقي الباطني، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ۩، علماً ظاهرياً، هذا هو الاعتبار، فَاعْتَبِرُوا ۩، العبرة لأولي الألباب، الإمام عليّ – عليه السلام – يقول مَن كانت له فكرة كان له في كل شيئ عبرة.

مهما دق خاطرك، ومهما لطف فكرك، واحتوشتك الشُبهات من كل جانب، وناوشتك الوساوس بكل سبب، حتى ظننت ألا حُجة وألا شاهد وألا دليل، في الوقت نفسه مهما علم – سُبحانه وتعالى – منك صدق النية والتوجه وصدق العزم والبراءة من الأنا، فتح الله لك طريقاً، لكن لابد من البراءة من الأنا، حين نقول الأنا نعني غرور الأنا، عُجب الأنا، كبر الأنا، أوهام الأنا، الأنا! أكثرنا يشقى بهذه الأنا، وكأن لنا أنا، كأن للواح دمنا أنا، من أين لك يا مسكين أنت؟

مولانا جلال الدين الرومي – قدَّس الله سره – يقول مئات آلاف العقلاء في كل وقت يئنون إلى الفرد الديّان، في المصائب، في المُصيبات، في العلل، في المُشكِلات، لمَن نلوذ؟ وإلى مَن نقصد؟ يلوذون به، وذكر كلاماً عجيباً عن عدد من مخلوقات الله، من النمال والحيات والآساد والأفيال، كلها تتلقى رزقها – يقول رحمة الله عليه – في الربيع وفي الشتاء معاً، قال والسماوات الرفيعة تبتهل إليه ألا تتركني لحظي يا حق لحظة، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۩، السماوات بلسان حالها لحظة فلحظة ولمحة فلمحة تبتهل إليه دوماً، يا حق لا تتركني لحالي، لا تتركني لحظي، لأنها ستندثر، ستفنى، أي السماوات العاليات المسموكات الشامخات، قال تتوجَّه إليه وتبتهل، لا تتركني لحظي يا حق لحظة، قال والأرض تضرع إليه وتزعق، يا مَن أقامني على الماء ثبِّتني، هذا هو الكون، فما بالنا نحن نلوذ بعزيمتنا، نلوذ بتدبيرنا، نلوذ بمكرنا، بكذبنا، بدهائنا، بأسبابنا، بجاهنا، بسُلطاننا، بمعارفنا منى البشر، وبأسبابنا؟ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۩، لِمَ هذا الغرور؟ لِمَ هذا الجهل؟ مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ۩، من الجهل! إنها حُجب الجهالة.

أعمى العُميان مَن عميَ عن الله – تبارك وتعالى -، أبكم البكم مَن لا ينطق بتسبيحه وتحميده وإجلاله وتوقيره وتعظيمه، هذا هو، هكذا! ما بالنا لا نلوذ بالله – تبارك وتعالى -؟ نلوذ بكل هذه الأسباب، وننسى مُسبِّب الأسباب، هذه الأسباب كلها حُجب، كلها حُجب، كلها خدع، خدع مُتوسِّطة نسبية، لا تنظر إلى الثمل، ولكن انظر إلى الساقي، مَن الذي أسقاك حتى ثملت؟ لا تنظر إلى حالة الثمالة، ولا تنظر إلى الأيدي المجروحة، وإنما انظر إلى يوسف الحُسن، لماذا انجرحت هذه الأيدي؟ تنظر إلى الأيدي، وتنظم فيها القصائد، انظر إلى يوسف، ولا تنظر إلى هذا السكران الثمل، ولكن انظر إلى مَن سقاه وأدار عليه كؤوس المحبة والهُيام، تخط الأسباب.

سُئل الإمام عليّ – عليه السلام وكرَّم الله وجهه، انظروا الآن – بِمَ عرفت ربك؟ علماً بأن ما أحببت أن أقوله هو مهما لطف الخاطر ودق الفكر واحتوشتك الشُبهات والوساوس وعلم الله الصدق منك فتح لك طريقاً، لعل أحداً سواك لا يعرفه، واحد يقول أنت تُبالِغ، لكن لا أُبالِغ، هذه بعض الحقائق، هذا شيئ بسيط جداً، لا وزن له، هل تعرفون لماذا؟ لأن الدلائل عليه لا تتناهى، هل تتناهى الدلائل على الله؟ مساكين علماء الكلام، علماء العقيدة مساكين، علماء اللاهوت في الشرق وفي الغرب مساكين، يظنون أنهم أوفوا على الغايات في العلم والكلام، كلامهم حسن جميل ونحتاجه، لكن هذا بدايات، الدليل الأول، الثاني، العاشر، والعشرون، هل هذا هو فقط؟ هل انتهينا؟ هل هي عشرون دليلاً؟ فماذا لو لم تُقنِعني هذه الأدلة – مثلاً -؟ يأتيك عقل كبير وفيلسوف خطير ومُفكِّر نحرير، لا يقنع عقله بما تقنع به أنت وهو وهي، لا يقنع أبداً، ويورِد الإشكالات الصعبة، ذوات العُقد، على هذه الأدلة، ماذا تفعل معه؟

هذا يا إخواني لو سُدت كل الطرق والممرات وعلم الله منه الصدق لنهج له نهجاً وشق له طريقاً، ربما أو لعل لا يعرفه أحد سواه، وسينهج لهذا طريقاً أُخرى، لا يعرفها هذا، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ۩، مَن شاء أن يهديه هداه، وبحُجة مُتفرِّدة، لماذا؟ لأن بحر الأدلة والشواهد عليه لا تتناهى.

فَيا عَجَباً كَيفَ يُعصى الإِلَهُ                               أَم كَيفَ يَجحَدُهُ الجاحِدُ؟!

وَفي كُلِّ شَييءٍ لَهُ آيَةٌ                                          تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ.

في كُلِّ شَييءٍ! لذلك لا تغتروا بعشرين وخمسين وسبعين ومائتي دليل، ما هذا؟ هذا قليل جداً جداً جداً، كل شيئ هو دليل عليه، ودليل ربما يكون مُتفرِّداً، بسبيل هكذا مُتميِّزة تماماً، ولا مثلية في الكون، العارفون يُقرِّرون ما لا يعرفه العلم ولا الفلسفة، يُقرِّرون أنه لا مثلية في الكون، لأن كل المُكوَّنات إنما خرجت من خزانة ماذا؟ من خزانة الواسع العليم البديع، لا إله إلا هو! ولذلك لا تُماثِل ذرة ذرة، ولا حبة حبة، ولا لون لوناً، ولا شيئ شيئاً، ولذلك كل شيئ بحياله يقوم شاهداً عليه، وَفي كُلِّ شَييءٍ لَهُ آيَةٌ كما قال أبو العتاهية، أبو العتاهية كان ألطف فكرةً وأغوص وأبعد غوراً وأعمق عُمقاً من هؤلاء المُتكلِّمين والمُتفلسِفين حين قال وَفي كُلِّ شَييءٍ لَهُ آيَةٌ، في كُلِّ شَييءٍ! كأنه يقول كل شيئ يقوم بحياله شاهداً عليه، لا إله إلا هو، كل شيئ! فهات مَن ينظم هذه في أدلة، مَن يستطيع؟ مَن يستطيع أن يُحصي الأدلة عليه؟ ولذلك أهل الله – جعلنا الله من أهله وخاصته – وأحباب الله والعارفون به – عرَّفنا الله به ودلَّنا عليه دلالة الصادقين، اللهم آمين – المسألة أصلاً لا ترد عندهم في وارد، ليست واردة مسألة الأدلة على الله، غير واردة أصلاً! لأن هذه الأدلة زحمت الوجود، وزحمت الخواطر، وزحمت البصر، وزحمت السمع، وزحمت القلب، زحمت كل شيئ! الموضوع ليس هذا، الموضوع كيف يرضى عنا؟ كيف نعقد وصلة المحبة بيننا وبينه – لا إله إلا هو -؟ كيف نطمئن إلى ما لنا عنده؟

ونعود إلى إمامنا أبي الحسنين – عليه السلام -، سُئل بِمَ عرفت ربك؟ وانظروا إلى الجواب العجيب، مثل هذا الجواب لا يخطر على بال مليون أرسطو Aristotle، وليس أرسطو Aristotle واحداً، شيئ عجيب! قال هذا الإمام الرباني عرفت الله بنقض الهم وفسخ العزم، الله أكبر! لست هنا أنا، لست هنا وحدي، ولست بحيالي، إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ۩، إِنَّا لِلّهِ ۩، لست هنا وحدي، مَن أنا؟ قال عرفت الله بنقض الهم وفسخ العزم، لما هممت فحيل بيني وبين همي، ولما عزمت فخالف القضاء عزمي، علمت أن المُدبِّر غيري، الله أكبر، الله أكبر! ما هذا العارف بالله؟ علمت أن المُدبِّر غيري، مَن منكم أو مَن منا أو مَن مِن كل خلق الله يستطيع أن يتبجَّح وأن يكذب وأن يتحامق ويتساخق ويقول لا، كل ما أُقدِّره يكون، كل ما أُقدِّره أفريه، وكل ما أفريه يتحقَّق؟ كذب والله، هذا مُتساخِف، لا أحد! نقصنا من كماله، ذلنا من عزه، ضعفنا من قوته، وجهلنا من حكمته، كيف؟

انظروا إلى هذا الفنّان البديع، الفنان المُبدِع – كما يقولون -، الموسيقار العظيم، الذي مات دون أن يُكمِل رائعته، مَن يُكمِلها؟ وتُعزَف إلى اليوم في إيطاليا، وتأخذ بمجامع قلوب عشّاق الفن والهائمين بالموسيقى العالية الراقية، حتى إذا قاربت أن تبلغ الذروة توقَّف كل شيئ، ليقول قائد الأوركسترا Orchestra وهنا تُوفي الفنّان، نعم! إلى اليوم هذا، تُوفيَ ولم يُكمِل المسكين، مَن الذي يخترم الآجال ويحم قضاؤه – تبارك وتعالى – على عالم كبير يُلاحِق سراً دهره أو شطر دهره ثم يموت دون أن يصل إليه أو يقع عليه؟ مَن هو؟ نقص! نقصنا من كماله – لا إله إلا هو -، يقول لنا أنا مَن يُتمِّم، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۩، أنا الذي أخلق وأُتمِّم، أنا الذي نسجت الوجود كله، ظاهره وباطنه، بكل تخالفاته وتقابلاته وتناقضاته وتعانداته وتشاكساته، من خيطي كُن ۩، من خيط الكاف مجدولاً بخيط النون، وأخرجت من هُوة العدم وأخرجت من بئر العدم المُظلِمة السحيقة كل ما ترون مما يُنوِّره النور أو يُضيئه العقل والوهم، أنا! أنا وحدي، لا إله إلا هو، أنا، ولذلك هو الذي يسوغ ويحق له أن يقول أنا، أنا! فقط، غيره لا، لا يحق له أن يقول هذا في مقام الكبرياء والإدلال، وفي مقام التعريف والإعلام، أن يقول أنا، لا، لا، لا! نحن حتى حين نقول أنا نقولها واهمين، في وهم نعيش به، ونسعد به، ونُغرَّر، ونُصدِّق، ووالله نُصدِّق.

سلوا الذي يلفظ أنفاسه على فراش الموت مَن أنت؟ سيقول أنا حلم تبدَّد، أنا حلم تبدَّد، كل ما كان يتبدَّد الآن، ينساب من ضمير الحياة، كما ينساب الماء من الأنامل النحاف الضعيفات، ينساب! سعي الإنسان انتهى، ولكن أين نحن من هذا المجاز القدري الذي تتلوه علينا لوائح خلقه – سُبحانه وتعالى – كل صباح ومساء، مع كل شروق شمس ومع كل غروبها؟ تُشرِق ضعيفةً خجلى واهنة في تنشؤ وتزين صغيرين، ثم تصير في السمت مُتوجِّهةً عاليةً مُتحديةً حادقةً واثقةً، وكأنها صدَّقت نفسها، يكسفها – تبارك وتعالى – بأن يُدليها للغروب، شيئاً فشيئاً، إلى أن تأذن بمقدم الليل البهيم، يستر بصائر البشر أجمعين، كيف لا نُحسِن تلاوة هذا المجاز؟ كيف لا نُحسِن قراءة هذا المجاز الكوني؟ شمسي ستغيب، وشمسك ستغيب، كلنا شموس، كهذه الشمس التي نراها كل يوم مجازاً إلهياً، لا نقرأها ولا نفقهها ولا نفك طلسمها المستور بحكمة الله – تبارك وتعالى -، لا نستطيع! مساكين نحن، لأنه لا فكرة لنا، نحن سُكارى، سُكارى بخمر الدنيا، بخمر الهوى، بخمر الأعراض، بخمر القريب الداني، بخمر الحسي الكثيف، بُعداء من اللطيف والشفيف والصفيق والصافي والراقي، بُعداء! مساكين نحن بلا شك، لا نقرأ هذا المجاز.

نحن لا نحتاجه – سُبحانه وتعالى – في تدبير أرزاقنا، بمعنى ما نطعمه وما نشربه وما نلبسه وما نأوي فيه وإليه ومَن نأوي إليه من جنسنا، لا نحتاجه في هذا فقط أبداً، إنما نحتاجه في كل نسمة نتنسمها، في كل نفس نأخذه أو ننفثه نحتاجه، لا إله إلا هو! كنا نظن أو يظن بعضنا لا يزالون أنه – سُبحانه وتعالى – أسبغ علينا ثوب الحياة مرةً، ثم هو يأخذه إذا شاء، لا والله! وأنا باسمه أُقسِم، لا والله، والله والله الذي لا إله إلا هو هو يُسبِغ علينا هذا الثوب في كل لحظة لحظة، ولذلك هو يُحيينا وأحيانا ليس مرةً واحدةً، لمَن تفكَّر! وهو يخلقنا ليس مرةً واحدةً.

مَنْ لاَ وُجُودَ لِذَاتِهِ مِنْ ذَاتِهِ                                 فَوُجُودُهُ لَوْلاَهُ عَيْنُ مُحَالِ.

هل وجود من ذاتك أنت؟ لذلك أنت لم تُوجَد مرة يا مسكين، ابتدأ إيجادك مرة، ثم هو يُوجِدك على الدوام، لأنك لا تقوم بذاتك، في كل نفس يا مسكين! في هذا البدن وفي هذه البنية الضئيلة الصغيرة المحدودة تقبع وتنشط وتفعل بلايين – مئات البلايين في الحقيقة – الخلايا، هم يُقدِّرونها بمائة بليون تقريباً، مائة بليون! مائة ألف مليون خلية، ولكن إذا قلنا مئات البلايين كنا صادقين، لماذا؟ لأن هذه الخلايا تتكوَّن من مئات بلايين الذرات، ومئات بلايين الذرات تتكوَّن من مئات بلايين بلايين بلايين الدقائق الصغيرة جداً، والله أعلم هذه تنتهي إلى أين، كل هذا يفعل وينشط وأنت عنه غافل تماماً، تنام، تأكل، تشرب، تضحك، تحزن، تألم، تسكت، تستقر، تتحرَّك، وتنشط، وأنت لا تدري شيئاً عنها، وكل هذا الحراك الدؤوب اللطيف الخفي نتيجته المحسوسة لنا أننا هنا، نقول إننا هنا، ننشط ونسعد ونتكلَّم وتُطاوِعنا أعضاؤنا، نقبضها فتنقبض، ونمدها ونبسطها فتنبسط، أليس كذلك؟ ولا نعتبر بحالات كثيرة تحدث في كل لحظة، في كل نفس! حالات تنقص، حالات موتان لبعض هذه القوى والقُدر، لأن الفيض الإلهي قد انقبض عنها، قد قلص ظله عنها، فعادت اليد شلاء، لا حراك فيها، ماتت، انتهت في لحظة، في لحظة! وهكذا في سائر القوى، إلى أن يُحم القضاء على الحياة نفسها، ونعود أمواتاً، كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۩، لا أحد يزعم أنه هو الذي أحيا نفسه، لا أحد يزعم أن الخيار كان إليه حين جاء إلى هذا الكون، لا أحد! هو يقول أنا مَن فعل هذا، انتبهوا، لا تغتروا، لا تغفلوا، لا تناموا، لا تكسفوا، بل تلطَّفوا، لتُدرِكوا هذا اللطيف.

يقول مولانا الروحي – قدَّس الله سره – قد نظرت فإذا العالمان واحد، لقد خلعت الاثنينية – لقد خلعت الاثنينية من اثنين – فإذا العالمان واحد، واحدٌ مَن أُحِب، واحداً أعرف، واحداً أُنادي، بواحدٍ أهيم، لا إله إلا الله، قال واحد، هذا هو، الواحد! وَفي كُلِّ شَييءٍ لَهُ آيَةٌ، قال فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۩، السادة العارفون ينسبون إلى رسول الله – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً – أنه قال – وهو ليس بحديث، ولكن هم ينسبون إليه أنه قال الآتي – اللهم أرِني الأشياء كما هي، إنها لوعة نفس مشدوهة حيرى، أمام هذا التعدد والتخالف في مظاهر الوجود، وتصبو وتتوق أن ترى كل الأشياء في حقيقتها وفي وحدتها، سنفشل جميعاً إذا لم نعرف الله – تبارك وتعالى -، كل ما تراه من أضداد الوجود ونقائضه وتعاكساته وتقابلاته وتخالفاته يُفهَم إذا بدأت تفهم ولو قليلاً الرافع الخافض، المُعِز المُذِل، الغفور الرحيم المُنتقِم الجبّار، والقابض الباسط، ولذلك حين سُئل أحد الصالحين وهو أبو سعيد الخرّاز – قدَّس الله سره – بِمَ عرفت ربك؟ قال بجمعه بين الأضداد، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۩، وحده يجمع بين هذه الأضداد، لا إله إلا هو، وهكذا!

ولذلك ننظر إلى الكون فإذا فيه حياة وموت، نور وظلام، جمال وملاحة وقُبح ودمامة، فيه القوة وفيه الضعف، فيه الغنى وفيه الفقر، فيه الصحة وفيه السقم، فيه السمع وفيه الصمم، فيه النُطق وفيه البكم، فيه العمى مُقابِل البصر، فيه الظلم مُقابِل العدل، فيه الصغير والكبير، الذكر والأُنثى، الأسود والأبيض، الأحمر والأخضر، فيه المُتخالِفات والمُتناقِضات والمتُضادات، كلها تدل على الله، حتى الكافر يدل على الله، حتى الكافر لا يخرج من طوع الله، قال طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ۩، كَرْهًا ۩ هو القدري، طَوْعًا ۩ هو الشرعي، وهو مناط التكليف والحساب والجزاء.

يقول أحد العارفين حتى الكافر وهو في أطباق جهنم يدل على ربه، لأن الله ما خلق شيئاً إلا ليدل عليه، وما خلق شيئاً إلا ليُسبِّح بحمده ويحمده، قال ولما كان الكافر مُستنكِفاً أن يحمده في الرخاء كان لابد أن يُدخَل جهنم ليقول يا الله، هناك سيذكره، لأنك لم تذكره وأنت في الرخاء، ستذكره الآن رُغماً عنك، لأنني ما خلقتك إلا لهذا، إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۩، وستعبدني، كله يدل عليه، لا إله إلا هو، كله يدل عليه! فلا تُغامِر بنفسك، ولا تبخسها حقها، ولا تُحقِّرها، ولا تظلمها، أعظم الظلم أن تبيع نفسك لغير الله، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم ۩، أعظم الظلم أن أبيعها إلى غير هذا التاجر الكريم، لا إله إلا هو، قال أنفس هو خالقها، وأموال هو واهبها، ثم يُتاجِرنا فيها، يستقرضها منها، ويُثيبنا الجنة، ألا ما أكرمه! ألا ما أكرمه – لا إله إلا هو -! لا تبعتها للشيطان، وبالمُناسَبة يا أخي سل نفسك – ليسل كل منا نفسه من ذكر أو أُنثى ومن كبير أو صغير – لمَن أبيع نفسي؟ قد تقول أنا غير معني، لكن أنت معني، شئت أم أبيت أنت تبيع نفسك كل يوم، يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام وآله وصحبه – كل الناس – لم يقل المعنيون والمُنخرِطون في هذه التجارة العجيبة، لا! كل الناس – يغدو – مع كل غدوة، كل صباح، فكِّر في هذا، فكِّر واسمع إلى هذا البيان المُصطفوي العجيب، قال كل الناس يغدو – فبائع نفسه – قال كلٌ يبيع، كل واحد كل يوم يُبرِم صفقة يا إخواني، لكن هذه الصفقة مع الله وهذه الصفقة مع الشيطان، كل يوم، كل صباح وكل مساء، كل الناس يغدو فبائع نفسه – فمُعتِقها – لمَن باعها الذي أعتقها؟ لله – أو مُوبِقها – لمَن باعها الذي أوبقها؟ للشيطان -، هذا معنى الحديث، هذا معنى قوله فبائع نفسه فمُعتِقها أو مُوبِقها، الكل إذن يبيع نفسه، فمنهم مَن يبيع نفسه لله – تبارك وتعالى -، ومنهم مَن يبيعها للشيطان، سل نفسك هل عندك أنفس من هذه النفس النفيسة؟ هل هناك شيئ أعز عليك منها؟ هل أنت أضن بشيئ ضنك بهذه النفس؟ لا والله، على أساس هكذا، هذا هو المفروض، فإياك أن تفعل العكس، كرِّم هذه النفس، لا تُبِعها ولا تُهِنها ولا تُدسِها ولا تُتاجِر بها إلا مع الله – تبارك وتعالى -، إياك!

تقول ماذا إن بعتها لهواها؟ أنت تبيعها للشيطان، ماذا إن بعتها لذاتها؟ تبيعها للشيطان، لا يُمكِن! القسمة ثُنائية، إما لله وإما للشيطان، لمَن تبيعها؟ مع مَن أنت؟ ومع أي التجار أنت؟ مع أي التجار؟ مع الناجين أو مع الهلّاك؟ سل نفسك هذا السؤال، نعم! قال – تبارك وتعالى – إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۩، قال أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ۩، عجيب! الله يقول خسر نفسه، نعم! لأنها هي المال الذي يُتجَر به، نفسك هذه! الله أكبر.

معنى ذلك يا إخواني أننا في هذه الدنيا ولسنا إليها، صدِّقوني! هذه الدنيا أُعِدت لنا وهُيأت لنا، لا لكي نخلد فيها، ونستنيم إليها، ونُصدِّق أنفسنا أننا منها وإليها، لا! نحن لسنا منها ولسنا إليها، نحن من هناك، محلتنا هناك، مدينتنا هناك، ربعنا وأهلنا هناك، وإلى هناك مصيرنا – إن شاء الله تعالى -، إلى جنات النعيم – إن شاء الله – يا رب، يا رب بجودك ومنّك، انتبهوا! إلى هناك – بإذن الله -، لكن ليس بالأماني، انتبهوا! ليس بالأماني، بالصدق، ليس بالغرور، ليس بأن نعصي الله ثم نتأمَّل على الله الأماني أبداً، بالصدق، بالإخلاص، وبالنُصح الصادق للنفس، فلسنا منها هذه الدنيا، ولسنا إليها، ما لي وللدنيا؟ النبي يقول، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة، في يوم صائف، ثم راح وتركها، هذا الحديث المشهور، هذا هو، هكذا!

فأنت تُتاجِر بنفسك، فضن بها، وإلا كنت كما قال مولانا كمَن يدق خنجراً بمائة دينار في حائط، ثم يُعلِّق عليه قرعة، هذا الخنجر ثمين جداً جداً، الخنجر يُباع بدراهم، لكن هذا اشترى خنجراً ملوكياً، أي هذه النفس، رمز للنفس، ودقه في الحائط، وعلَّق عليه قرعة، قرعة بربع درهم، أعلى هذا الخنجر؟ أهكذا؟ هذه النفس التي خلقها الله، لماذا؟ تأمَّلوا بالله عليكم، تأمَّلوا بهدوء وفي وقار في هذا الشعر الإلهي العجيب، أيضاً لمولانا الرومي، شعر عجيب! قال يحيى بن مُعاذ الرازي – قدَّس الله سره، زهرة الأولياء هذا، جمال الأولياء هذا، جمال مَن نطق عن الله في عصره، قدَّس الله سره، يحيى بن مُعاذ قال الآتي – العلماء في الناس قليل والناس كثير، العلماء كثير والفقهاء في العلماء قليل، والفقهاء كثير والحُكماء في الفقهاء قليل، كلام العلماء يُبكي العيون وكلام الحُكماء يُبكي القلوب، لا خير في بكاء العين إذا لم يبك القلب، لا خير في سجود الأعضاء والأصلاب إذا لم يسجد القلب.

سُئل أحدهم هل يسجد القلب؟ قال إي والله، سجدة لا يرفع رأسه بعدها أبداً، إذا سجد القلب لله فسينتهي الأمر إذن، لكن متى يسجد لله؟ إذا عرف الله أو إذا بدأ يعرف الله – تبارك وتعالى -، هذه هي السجدة، ليست سجدة الأصلاب، ما الجدوى منها هذه؟ جدواها أنها – إن شاء الله – إن تُقبِّلت تقود إلى سجدة القلب لله – تبارك وتعالى -، فيقول مولانا – قدَّس الله سره – لو جعلني خنجراً لصرت خنجراً، كان الله مُقتدِراً على أن يخلقك خنجراً أو جماداً أو خشباً أو منبراً، خشباً يكون نيراً للثور أو يكون أعواد منبر يُذكَر عليه الله، يستطيع! وحتى الخشب يتفاوت، انتبه إلى هذا، الخشب الذي يُوضَع على الثور كالنير – يُشَد عليه الجاموسة أو البقرة، أكرمكم الله – غير خشب المنبر، غير خشب منبر رسول الله وأولياء رسول الله والورثة المُحمَّديين، هذا هو! لو جعلني خنجراً لصرت خنجراً، ولو جعلني غمامةً لسكبت الماء وأعطيت كُدساً، لو جعلني ناراً لأعطيت الحرارة، لو جعلني حيةً لنززت السم، الآن انظروا إلى النهاية، الذروة! لو جعلني حبيباً لخدمت، اللهم اجعلنا من أحبابك، الله أكبر، يتمنى هو – هذا الشاعر الرباني – أن يكون مِمَن جعله الله حبيباً، ليكون خادماً كما قال، كان من المُمكِن أن تُخلَق حيةً أو خنجراً أو أرضاً أو حذاءً أو دابةً من الدواب أو شيطاناً مريداً أو غمامةً نرى تسكابها في الغيث وإخراج الأكداس، الثمار والزروع والخضار، يُمكِن! ويُمكِن أيضاً أن تكون من الأحبة، اللهم اجعلنا منهم، نحن الأقرب، لسنا دواباً، ولسنا خشباً، ولسنا حطباً، ولسنا مخلوقات مما لا يعقل ومما هو جامد وساكن، نحن بشر، نعقل، وها نحن نُحاوِل أن نتكلَّم عن الله – تبارك وتعالى -، نُحاوِل أن نستحضر، نُحاوِل أن نشف، نُحاوِل أن نلطف وأن نرق وأن نصفو، فها نحن على الطريق، اللهم اجعلنا على الطريق، ووصِّلنا في الطريق، أي في هذا الطريق.

ولذلك يقول ولو جعلني حبيباً لخدمت، قال ولو جعلني حبيباً من أحبابه أنا أخدمه، وهذا يقودنا إلى ماذا؟ يقودنا من التعظيم إلى الأدب، إذا أردت أن تعرف مَن وقَّر الله ولو بعض الوقار، مَن عظَّم الله ولو بعض ما هو حق له من التعظيم والإجلال والتكرمة – لا إله إلا هو -، فانظر إلى أدبه مع الله، والله هذا يُبكي، ويُبكي أمثالنا، يا حسرةً على أمثالنا، أحكي عن نفسي، وأدين نفسي وأدمغها هنا، نخرج في بعض المرات على المنبر ونفوه بكلمات حتى في حق الله على سبيل ضرب الأمثال، ويا لقلة أدبنا! يا لقلة أدبنا! هذا من غلظ حجابنا يا إخواني، انظروا إلى روح الله والسيد الجليل السند عيسى – عليه السلام -، أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ۩،  انظروا حتى إلى الخطاب، فيه قسوة، وفيه اتهام مُباشِر، وفيه تحقيق قاسٍ وعامد، أَأَنتَ ۩، أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۩، الجواب بقلة أدب لا، لم أقل، لكن هذا عيسى، هذا عيسى! قَالَ سُبْحَانَكَ ۩، نزهَّه وهذا من الأدب، يُعلِّمنا الأدب روح الله، قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي ۩، مَن أنا؟ ما أنا؟ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ ۩، إلى الآن وإلى يوم القيامة عيسى لم ولن يقول لم أقله، مُؤدَّب، بما أنك أوردت الاتهام علىّ لن أقول هذا الاتهام غير دقيق أو غير عادل، أعوذ بالله! سأظل أقول إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۩، الله أكبر، تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ۩ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ۩… الآيات! ما هذا الأدب العجيب؟ نحن نلتفت إلى الجانب اللاهوتي في هذه الآيات، ولا نلتفت إلى الجانب العرفاني فيها، ولذلك حذاري من سوء الأدب مع الله، وأنا أُحذِّر نفسي طبعاً، أنا مَن ابتُليت بالكلام على أعناق المنابر، أُحذِّر نفسي وأمثالي وإخواني وأحبابي من أن يقول أحدنا الله – عز وجل – مثلاً لا يحصل على تسع وتسعين في المائة، أستغفر الله العظيم، لا يُقال هذا، لا ينبغي أن يُقال هذا، أستغفر الله إن كنت قلته أو قاله غيري، أستغفر الله عن نفسي وعن إخواني، أي والله! لا يُقال هذا.

عمر بن عبد العزيز لما بعث إلى أحد عمّاله يُعاتِبه، لِمَ وليت فلاناً – في ولاية مُعيَّنة، في الديوان – على المُسلِمين؟ وأبوه كان نصرانياً، قال لِمَ وليته؟ قال وما ضره؟ فقد كان أبو الرسول كذا، فغضب ابن عبد العزيز وقال جعلته مثلاً! هذا ليس رب العالمين، هذا رسول رب العالمين، جعلت محمداً مثلاً لك! والله لن نُوليك بعد اليوم عملاً لنا، قال هذا للوالي المُسلِم، أنت معزول، ليس عندك أدب مع رسول الله، أين الأدب مع رسول الله؟ هناك أُناس يتناولون الرسول بأشد من هذا بكثير، يقول الواحد منهم فشل وعجز وأخفق في كذا وانكسر الرسول في هذه الواقعة، أعوذ بالله! ما هذا؟ ما هذا؟ فكيف بالأدب مع رب الرُسل والأنبياء، رب الخلق أجمعين؟ لابد من الأدب، الأدب!

يقول أبو عليّ الدقّاق – قدَّس الله سره – مَن جالس الملوك بغير أدب قاده ذلك إلى العطب، قد يُقتَل، مهما بلغت خدمتك وإخلاصك في خدمتك الملك إن كانت الخدمة عارية من الأدب قد يتأدى بك هذا إلى الهلاك والعطب، قد تُقتَل، انتبه إذن! والملك الدنيوي المسكين الفقير الضعيف المُملَّك في جُزء بسيط من عامر الأرض – وهي جُزء حقير جداً من عامر كون الله – يحتاج إلى خدمتك، صحيح! إن لم تقم بها احتاج إليها من غيرك، أليس كذلك؟ الملك الدنيوي بغير خدمة مَن حوله هو شخص أقل من أي واحد حتى فينا، ضعيف جداً جداً، على الأقل مثل أي واحد فينا، لكن رب العالمين هل يحتاج إلى خدمتنا؟ هل يحتاج إلى عبادتنا؟ لا يحتاج إلى شيئ منا، نحن المُحتاجون، فدار الأمر على ماذا؟ دار الأمر على الخدمة أو الأدب؟ دار الأمر على الأدب، انتبه! إياك إياك أن تنتفخ بدلال الخدمة هذه فتُجاوِز حد الأدب، قال أحد الصالحين مَن أخطأ الأدب قاده ذلك إلى الطرد، مَن أساء الأدب على البساط – وهو في الحضرة، في بساط الملوك أساء الأدب – رُد إلى الباب، يجلس هناك عند العتبة مُباشَرةً، تنحط منزلته مع الله – تبارك وتعالى -.

لذلك أولياء الله عجب، تقرأون عنهم العجب، يقول لي أحدهم سبعون سنة ما مددت رجلي في قبلة الله مرة، مرة واحدة! قد يقول لي أحدكم وهل هذا يضر الله؟ لا يُوجَد شيئ يضر الله، لو كفر الخلق كلهم هذا لا يضر الله، لا يُوجَد شيئ يضر الله، لكن هناك ما يضرك أنت، بما أنك في حضرة الله فعليك أن تتعلَّم دائماً الأدب مع الله، وهذا حديث مُعاوية بن حيدة عن أبيه عن جده أو بالأحرى حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مُعاوية بن حيدة الذي خرَّجه أحمد وأصحاب السُنن إلا النسائي، استر عورتك إلا من أهلك وما ملكت يمينك، قال يا رسول الله فأحدنا يكون خالياً، قال الله أحق أن يُستحيا منه، نعم! لا تنكشف عورتك حين تكون خالياً، لأنك في حضرة الله، محمد – صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً – يُعلِّمنا هذا الأدب.

إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ                             خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ.

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً                                  وَلا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيْبُ.

قال الله أحق أن يُستحيا منه، قال أحدهم والله لقد رأيت مَن أراد أن يرفع يده ليطرد شيئاً عن أنفه، فكان مَن قبض يده، الله يُؤبِّد بعض أوليائه، أرسل له مَن يخفض يده، أنزل يدك، تعلَّم الأدب وأنت في حضرة الله، تعلَّم الأدب وأنت تُصلي، هل تعرفون لماذا؟ لأن عُقد لؤلؤ الأولياء ما هو؟ اللهم اجعلنا منهم بفضلك ومنّك يا رب، لا بطمعنا وقلة أدبنا وغرورنا، هو دموعهم على خدودهم، هذا عقد لؤلؤهم، هل تعرفون ما هي شمسهم وقمرهم ومصباحهم وسراجهم؟ ليلهم البهيم، حين يقومون لله راكعين ساجدين، هذه شمسهم، هل تعرفون ما هو عرشهم وسُدتهم ومُلكهم؟ هل تعرفون ما هو؟ سجادتهم لله حين يُصلون، هذا العرش، عرشهم السجادة، ليس عرشاً من خشب ولا من قصب يا إخواني، هذه سجادة الواحد منهم، ولذلك هو في أدب دائم مع الله، قال مَن أساء الأدب على البساط رُد إلى الباب، ومَن أساء الأدب على الباب رُد إلى سياسة الدواب.

قال الإمام الجليل المُحدِّث عبد الله بن المُبارَك – رضوان الله تعالى عليه -، قال نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم، قال الأدب للعارف كالتوبة للمُستأنِف، الذي يُريد أن يشرع في طريق جديدة مع الله ويترك طريق العصيان – والعياذ بالله – والجحود والكنود بماذا يبدأ؟ بماذا يبدأ هذا المُستأنِف؟ يستأنف ويفتح الآن طريقاً جديدة بماذا؟ بالتوبة، أما العارف فيختلف شأنه، ما هو أول شيئ لابد منه لتكون من العارفين؟ ما هي أول درجة؟ أول درجة ما هي؟ الأدب، والأدب فرع التعظيم، مَن بدأ يُطالِع عظمة الرب الجليل – لا إله إلا هو – صار آخذاً في طريق الأدب مع الله – تبارك وتعالى -.

نسأل الله بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا أن يدلنا عليه، وأن يُعرِّفنا به، وأن يُلزِمنا خدمته بخالص مودته ومحبته، وأن يجعلنا من أهل أدبه وتأدبيه، اللهم آمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المُبارَكين الميامين، وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

عباد الله:

ورد في خبر إسرائيلي أو أثر إسرائيلي أن داود – عليه السلام – النبي الملك قال يوماً في ابتهاله يا ربي أسألك بحق آل داود، فأُجيب، قال له الرب الجليل – لا إله إلا هو – وأي حق لآل داود علىّ؟ انتبهوا، الأدب لابد منه حتى في حق الأنبياء، بعض الناس يقول أسألك بحقي، بحقك أنت؟ بحق أبي يا رب وبحق أجدادي، مَن هو أبوك؟ ومَن هو جدك يا مسكين؟ أنت الشحّات ابن الشحّات، أنت الفقير ابن الفقيرين، وكلنا هكذا، كلنا هذا الرجل، انتبهوا! لكن منا مَن يُدرِك ويعترف ومنا مَن يبجح وينتفخ ويجهل، قال وأي حق لآل داود علىّ؟ ألست أنا الذي خلقتهم وهديتهم وأعطيتهم واصطفيتهم؟ فأي حق تطلب يا داود؟ قال له، ما هذا السؤال؟ لا إله إلا هو هو الذي قال مرةً لموسى أتدري لِمَ اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي يا موسى بن عمران؟ قال يا رب أنت أدرى، لا أدري أنا، أنا جاهل، لا أعرف، ولماذا أعرف؟ هذا شأنك، تأمَّلوا في كتاب الله، قال وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ۩، قال وَجَعَلَنِي ۩، عيسى لم يكن عيسى لأنه أراد، عيسى جُعِل عيسى، ولو جعله خنجراً لكان خنجراً، أي عيسى، ولو جعله حيةً لنز السم، لكن جعله الله حبيباً فخدم بخالص المودة، هذا هو! قال وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا ۩، ليس مني – قال – وإنما منا هو، الحمد لله، هو الذي أراد هذا، قال وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ۩، قال وَاجْعَلْنَا ۩، لسنا نحن، أنت! كله بيدك، لا إله إلا هو، هو هذا، هذا الملك، هذا الملك، لا إله إلا هو.

حدَّثت إخواني في وقتٍ أو في مُناسَبةٍ قريبةٍ جداً بقصة لا بأس أن نذكرها وإن أطلنا قليلاً أو كثيراً – عفواً -، عن الشيخ العارف بالله محمد النبهان الحلبي – قدَّس الله سره -، عرض له في بداية طريقه مع الله حين كان طفلاً صغيراً أن كان يمر على صاحب مسرح العرائس – الأراجوزات -، وكان يظن هذا الطفل الصغير -أي مُحمَّد النبهان – أن هذه العرائس تتحرَّك من تلقائها، ثم قيل له بعد حين لا، يُحرِّكها فلان أبو يوسف، معروف عندهم، قال أبو يوسف الفلاني؟ فقيل له نعم، فلم يُصدِّق، فأتى هكذا وخالسه ثم نظر، فإذا أبو يوسف يقف خلف مسرح العرائس – أي خلف الكواليس – ويُحرِّك، فظل يقول – قدَّس الله سره، أي هذا الولي العظيم محمد النبهان، وجمعنا الله به في الجنة – إلى آخر حياته اكتشفنا أنه ليس في القُبة إلا أبو يوسف، كما ليس في قُبة الكون إلا الرب الواحد، لا إله إلا هو! كله كلام فارغ، لا الدواء يشفي، ولا الطعام يُشبِع، ولا الماء يروي، كلها أسباب حاجبة، هو وحده الفعّال لما يُريد، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ۩، هو! كلها أسباب حاجبة، كلام فارغ، غايات قريبة وسخيفة كلها، قال لا يُوجَد في القُبة إلا رب العالمين.

وأذكرني هذا بصلاح الدين الأيوبي – رحمة الله عليه – حين فتح خزائن الفاطميين في مصر الكنانة، فرأى مثل مسرح العرائس هذا، فقال لشاعره – الشاعر الفاضل والكاتب الفاضل أحمد بن عبد الرحيم البيساني الفلسطيني، رحمة الله عليهم أجمعين -، قال له أيها الشيخ الفاضل ماذا تقول هذه؟ فقال الشيخ تقول أيها السُلطان المُملَّك:

ولي في فناء الخَلقِ أَكبرَ عبرَة                  لمَن كانَ في بَحرِ الحَقيقَةِ رَاقِ.

شُخُوصٌ وَأَشكالٌ تمرُّ فَتَنْقَضِي                      فَتَفْنَى جَمِيعَاً والمُهَيْمِنُ بَاقِ.

ما هذا الذوق العرفاني العالي؟! فَتَفْنَى جَمِيعَاً والمُهَيْمِنُ بَاقِ.

قال يا موسى أتدري لِمَ اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي؟ قال يا رب لا أدري، أنت أعلم، قال يا موسى إني نظرت في قلوب الخلق أجمعين فلم أر امرأً أصغر في نفسه عند نفسه منك، موسى كان مُتواضِعاً كثيراً في نفسه، يرى نفسه أحقر عباد الله، أجهل عباد الله، موسى يرى نفسه لا شيئ، كل الناس أحسن منه، فاصطفاه الله، اصطفاه الله على الناس أجمعين برسالاته وبكلامه، وهكذا!

لذلك يقول أحد العارفين – قدَّس الله سره – مَن تنفَّس نفساً واحداً بالذل والافتقار – نفساً واحداً، يُوجَد ذل حقيقي، وأنت تُدرِك ذلك، ولا تتخذه سلماً، لأنه حقيقة مُلازِمة لك، هذا ليس سلماً، شئت أم أبيت هو حقيقة، حقيقة عينية – هتك ذلكم النفس ما بينه وبين الله من الحُجب والأستار، ذل!

وقد مَددتُ يدي بالذُلِ مُفتقِراً                              إليكَ يَا خَير مَن مُدت إليه يَدُ.

هذا هو، الذل!

إِلهِي، هذا ذُلِّي ظاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ                              وَهذا حالِي لا يَخْفى عَلَيْكَ.

موسى نفسه – وأختم بها – هو الذي قال مرةً يا رب، يا رب، فأجابه الملك الجليل – لا إله إلا هو – لبيك يا موسى، لبيك عبدي، قال موسى يا رب، سُبحانك سُبحانك، أنت أنت، مَن أنا عبدك حتى تُلبيه؟ أنا أُلبى؟ أنت أنت تقول لي لبيك؟ مَن أنا؟ استكثرها جداً موسى، كاد يفنى بها، انظر إلى هذا، عارف موسى، هذا النبي العارف العظيم،هذا نبي ورسول، مَن أنا؟ يا الله! نحن يا رب مَن إذا دعا أحدنا ولم يُجَب اعترض على الله، يا رب لِمَ لَمْ أُلبى؟ كما قلنا في خُطبة العُجب، انظروا إلى جهلنا، انظروا إلى غلِظ حجابنا وسوء أدبنا مع الملك، لا إله إلا هو، وهذا موسى، هذا موسى! قال له يا موسى بن عمران إني آليت على نفسي – الكريمة، لا إله إلا هو، المُقدَّسة، لا إله إلا هو – إذا ما دعاني عبدي إلا أن أُلبيه، آليت إلا أن أُلبيه، أقول له لبيك، مرةً ومرةً، هذا معنى لبيك، مرةً ومرةً، فقال يا رب هذا للطائعين من عبادك أو للمُذنِبين؟ سؤال! قال يا موسى إذا لبيت عبدي الطائع لطاعته وأحسنت له ولم أُجِب عبدي العاصي لأجل عصيانه فأين لطفي؟ وأين كرمي؟ لا إله إلا هو! أين لطفي؟ قال، وأين كرمي؟ لست أنا هكذا الذي أفعل هذا.

أيها الإخوة:

أحد الصالحين قال سمعت عن أحد العُبّاد الزُهّاد – هذا الصالح المُتكلِّم اسمه أبو الحسن بن شمعون، معروف وهو من الأولياء -، قال وُصِف لي فصرت إليه، فرأيت من أحواله ما ملأ سمعي وعيني وقلبي، تكريماً وتعظيماً لهذا الولي، ولي عجيب! قال سُبحان الله، وبت تلك الليلة التي اتصل حبلي بحبله فيها، بت فرأيت وكأن القيامة قد قامت، ويُنادى على العباد، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ۩، شيئ مُخيف! مثِّلوا أنفسكم في هذه اللحظة، كلنا سنرد هذا المورد، والله العظيم يا إخواني كلنا سنرد هذا المورد، وتعرفون متى؟ وفكِّروا في هذا طويلاً، أخوف مما كنا نظن، هل تعرفون متى؟ بمُجرَّد أن نموت، مَن مات قامت قيامته، صدِّقوني! مَن مات هو سيرى نفسه، انتهى من هذا العالم، وإذا به مبعوث يوم القيامة، وسيقول ما لبثت إلا يوماً أو بعض يوم، لا يُوجَد غير هذا، كل هذا كان يوماً، انتهى! هذا هو، لأنك ستموت، هذا بعد الموت، أنت ستموت، حين تُبعَث لن تشعر بشيئ، ستقول يوماً، أنا لبثت يوماً، أكثرهم وأمثلهم يقولون عشرة، الدنيا كلها عشرة أيام، هذه الدنيا مع البرزخ، فانتبه! لا تتأمَّل كثيراً في البرزخ، أنك تعيش في البرزخ وتتنعَّم فيه ملايين السنين أو آلافها حتى تُبعَث، لا يا حبيبي، فكِّر في هذا طويلاً، وهذا يحتاج إلى تفصيل، أي الكلام، أنت ستموت وتُبعَث مُباشَرةً، فالموعد قريب جداً، الموعد الله كما قال أحد الصحابة، قال والموعد الله، مَن ظلمنا نقول له الموعد الله، مَن بهتنا نقول له الموعد الله، والموعد أقرب مما تظن يا مسكين، الموعد مع خروج روحك، انتهى! مُباشَرةً، هذا هو، فنسأل الله اللطف.

قال فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ۩، ثم نُوديَ بالشيخ، فلان الفلاني، العابد الذي ملأ السمع والبصر والقلب إعجاباً به، فإذا به يُجَر إلى النار، قال فانقطع قلبي، مُستحيل! هذا العارف بالله، هذا الشيخ العابد، قال كتمت هذا، ثم رأيته في الليلة الثانية، علماً بأن هذه قصة بالإسناد، رواها أحد الكتّاب العارفين الكبار بإسناد، ليست قصة هكذا، بإسناد معروف، قال ثم رأيته في الليلة الثانية، وحدث نفس الشيئ، فاقتيد إلى جهنم، ثم حدث هذا في الثالثة، فقلت حتم علىّ أن أُعرِّفه، قال فقلت له يا شيخ ولا تُؤاخذني رأيت ثلاث ليالي مُتواليات يُفعَل بك كذا وكذا، قال وما أعجبك؟ وماذا؟ أي ما الذي سيحدث؟ قلت فخفِّف العناء، وانقص الجهد، لماذا تتعب؟ ليل نهار عبادة وصوم وصلاة وبكاء، لماذا؟ انتهى! فقال أنت يا أبا الحسن بن شمعون وأنت خطيب وواعظ العارفين تقول هذا؟ أنت تقول هذا لي؟ لا والله، لا نقصت ذرةً من عبادتي، أمرني فائتمرت، ونهاني فانتهيت، ثم أمري مصروف إليه، إن شاء عذَّبني وإن شاء نعَّمني.

هَبِ البعثَ لَمْ تأتِنا رُسْلُهُ                                       وجاحِمَةَ النّارِ لم تُضْرَمِ.

ألَيْسَ مِنْ الواجِبِ المُسْتَحِقِّ                                   حَياءُ العِبادِ مِنْ المُنْعِمِ؟!

هذا هو بغض النظر عن أي شيئ، قال حتى لو أدخلني النار هو ربي، هل تعرفون ماذا يقول هذا الكلام يا إخواني؟ يقول لما كانت ربوبيته دائمة غير مُنقطِعة – وهي كذلك -، ولما كنت إلهيته مُستمِرة غير زائلة، اقتضتا ربوبيته وإلهيته – اقتضتا ماذا؟ – ذلاً وافتقاراً وعبادةً وتوجهاً وإنابةً دائمةً من العذاب، إن فهموا هذا! هناك ربوبية دائمة، إذن هناك معبودية دائماً، هناك إلهية دائمة، إذن هناك عبادة دائمة، لا يُمكِن إلا هذا تحت كل الظروف، هذا هو!

قال قلت الله! قال فزاد عجبي من هذا الرجل، هذا الرجل عارف كبير، قال فنمت ليلتها، والله – قال – فرأيت الرؤيا عينها، ثم نُوديَ بالشيخ فأقبل وإذا وجهه مُنوَّر، مكتوب عليه بالنور يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ۩، واقتيد مُكرَّماً إلى الجنة، قال فقمت فرحاً، وقلت يا شيخ البُشرى البُشرى، قال ماذا؟ قال قلت كذا وكذا، قال يا أخي إنما أُريت ما أُريت لتتأدَّب وتعلم أن لله عباداً لا يتركون الوله به وعبادته في كل حال، اللهم اجعلنا منهم، وعرِّفنا بهم يا رب العالمين.

اللهم اهدِنا واهدِ بنا، وأصلِحنا وأصلِح بنا، وافتح مسامع قلوبنا لذكرك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر الذنب الكبير، اللهم اغفر الذنب الصغير، اللهم اغفر ما استتر من ذنوبنا، وما ظهر منها، وما أعلنا به يا رب العالمين.

اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من فضله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: