الدرس الثالث والعشرون
تفسير سورة المائدة من الآية الخمسين إلى الآية الخامسة والتسعين

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِل له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً، سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩، اللهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً.

أما بعد، أيها الإخوة الأفاضل، أيتها الأخوات الفاضلات:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، في الحقيقة نحن نسير للأسف ببطء في دروس التفسير، فنُحاوِل – إن شاء الله تبارك وتعالى – أن نجعل وتيرتنا أسرع مما هو حاصل.

۞ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ۞

بلغنا إلى قوله – سُبحانه وتعالى – أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ۩، هذه الآية واضحة في إطار الآيات الأُخرى التي فسَّرناها أمس، لكن هذه الآية تنطبق على مُسلِمي اليوم أو على كثير منهم انطباقاً واضحاً، المُسلِمون الذين ذهبوا يتحاكمون وعدلوا عن أحكام الله وشرعه المُبين – سُبحانه وتعالى – إلى أحكام البشر وأهوائهم وتقنيناتهم، ففيها تهديد شديد لأمثال هؤلاء.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ۞

ثم قال سُبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ۩، هذا كما في سورة الأنفال أيضاً، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ۩، هذه الآيات وأمثالها دليل على أن هذا الدين هو الدين الحق وعلى أنه من لدن الله سُبحانه وتعالى، ذلكم أن الكفّار على اختلافهم وعلى اختلاف نِحلهم وأديانهم ومذاهبهم يجتمعون دائماً – ليست أول مرة – على حرب الإسلام، مما يدل على أن هذا هو الحق المُتفرِّد، الحق الوحيد الذي لا يُجامِع الباطل، الإسلام – مثلاً – لا يتآمر ولا يجتمع مع دين باطل أو شريعة باطلة أو منهج باطل في حرب باطل آخر مثلاً، لا يفعل هذا أبداً، لأنه حق يتميَّز دائماً من الباطل، لا يُجامِع ولا يُجامِعه الباطل أصلاً، لكن الباطل على اختلافه يجتمع على حرب الإسلام دائماً، سُبحان الله! في التاريخ القديم الصليبيون تواطأوا مع المغول والتتار لحرب الإسلام على بُعد ما بينهم، في العصر الحديث هذا واضح أيضاً، سُبحان الله! عبّاد البقر والنصارى واليهود كلهم يتواطؤون على حرب المُسلِمين على اختلاف ما بينهم، على سعة خلاف ما بينهم، الله يقول إذن عليكم أن تكونوا أكثر بصراً بمصالحكم الدينية والدنيوية، فلا توالوا إلا مَن؟ إلا إخوانكم في الدين وفي المِلة، لأن الكفّار يوالي بعضهم بعضاً.

وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۩ والعياذ بالله، هذه الآية مُخيفة جداً، لذلك قال أحد أسلافنا الصالحين ليحذر امرؤٌ أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يدري، هو مُسلِم – يعتقد انه مُسلِم – وربما يُصلي ويصوم لكن هو عند الله يهودي، ثم قرأ هذه الآية: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۩، الله يقول فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۩، لم يقل فإنه مثلهم وإنما قال فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۩، إذا توليت اليهود فأنت يهودي عند الله، إذا توليت النصارى فأنت نصراني عند الله والعياذ بالله تبارك وتعالى، ولذلك حتى في الحديث الصحيح أنه لا تقوم الساعة حتى يُقاتِل المُسلِمون اليهود، في بعض الصيغ ورد يهود من غير تعريف، يهود هكذا من غير تعريف! لماذا؟ لأننا سنُقاتِل اليهود ومَن والاهم وربما مِن أبناء جلدتنا، فهكذا بحُكم هذه الآية يهود على التعميم.

قال إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ۩.

۞ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ۞

فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ۩، دائماً هذا التعبير عن مَن؟ يكون عن مَن دائماً؟ عن المُنافِقين والعياذ بالله، النفاق هو مرض القلوب، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ ۩، ما معنى يُسَارِعُونَ فِيهِمْ ۩؟ يُسارِعون في مودة اليهود والنصارى، يتوسَّلون بالوسائل المُختلِفة والعياذ بالله، لماذا؟ يُعلِّلون لهذه المودة الكفرية بقولهم الآتي، يَقُولُونَ ۩، أي بسبب ذلك، نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۩، نخشى أن تُبرِز الأيام ما ليس في الحُسبان، أي يكون ما ليس في الحُسبان، فلعل تكون لهؤلاء الغلبة أو تكون لهم الدولة فنكون قد اصطنعنا واستبقنا عندهم الأيادي، هذه – قالوا – خُطتهم والعياذ بالله، أي خُطة المُنافِقين، هم يتحسَّبون لمُستقبَل الأيام.

طبعاً هذه الآية نزلت حقيقةً في عبد الله بن أُبي والعياذ بالله منه، أعني ابن سلول رأس النفاق، نزلت فيه! وذلكم كما في الروايات الكثيرة أن يهود بني قينقاع كانوا هم أول مَن نقض العهد مع رسول الله، فأراد النبي أن يستأصلهم، أي أن يستأصل هؤلاء النكثة الذين نقضوا العهد معهم عليه الصلاة وأفضل السلام، فسعى فيهم مَن؟ رأس النفاق ابن سلول، جاء وقال يا محمد اترك لي حلفائي، النبي لم يرد عليه شيئاً، نظر إليه ولم يرد عليه شيئاً، قال ثانية يا محمد اترك لي حلفائي، والنبي لم يرد عليه شيئاً، فوضع يده في جيب درع النبي وجبذه بقوة، انظر إلى الوقح الصلف! طبعاً غره من رسول الله حلمه، هو يعلم أن الرسول حليم، فغره حلمه وصبره عليه الصلاة وأفضل السلام، وقال يا محمد ما أنا بتراكك حتى تترك لي حلفائي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمر والأسود، تُريد أن تحصدهم في غداة واحدة؟ هذا منطق مُنافِق طبعاً، قال هؤلاء سبعمائة واحد، أربعمائة حاسر – أي مُقاتِلة بلا دروع – وثلاثمائة دارع، منعوني من الأحمر والأسود، تُريد أن تحصدهم في غداة واحدة؟ ما أنا بتاركك، قال هذا هو السبب، فنظر النبي وقال قد تركتهم لك، المرحلة لم تكن تسمح – لا نقول لم تكن تقتضي وإنما نقول لم تكن تسمح – بأن يُقط رأس مثل هذا المُنافِق أو أن يُساء إليه، النبي يُريد أن يُدعِّم كيان الدولة الناشئة الوليدة أحسن تدعيم ولا يُريد إحداث فتنة داخلية أو حرب أهلية كما شرحنا ذات مرة في موضوع خُطبة الحرب الأهلية، ليس هذا من سُنة النبي، وهذا في مُنتهى الحكمة ومُنتهى العقل، والتخطيط السليم مع الاعتماد والتوكل على الله والاستمداد منه – سُبحانه وتعالى – مع خلوص النية سيجعل العاقبة للمُتقين، وقد كانت – والحمد لله – العاقبة للمُؤمِنين والصادقين، وانحصر صف النفاق وتوارى واستخزى واستخذى والعياذ بالله تبارك وتعالى.

في المُقابِل عُبادة بن الصامت – تعرفون هذا الصحابي الجليل، أيضاً كان يهود بني قينقاع حلفاء له، مثل ابن سلول، حلفاء أيضاً له وينصرونه، نفس الشيئ! يُوجَد حلف، لكنه سعى إلى النبي وقال يا رسول الله أبرأ إليك من حلف هؤلاء الكفّار، أخلعهم وأتولى الله ورسوله والمُؤمِنين، فأنزل الله فيهما ما سمعتم، رضيَ الله عن عُبادة ولعنة الله على رأس النفاق الذي مات كافراً، وانظروا إلى النبي الذي أحسن إليه إحساناً كثيراً، حتى حينما هلك – فطس والعياذ بالله – النبي خلع ثوبه وألبسه إياه، كفَّنه به ودُفِن فيه، انظروا إلى الوفاء، الوفاء والأخلاق العظيمة، مُراعاةً لمشاعر ابنه – ابنه كان رجلاً صالحاً، من خير الصحابة، وأيضاً – يقول علماء السيرة – كفاء ما اصطنع من يد للعباس عم الرسول رضوان الله تعالى عليه، العباس لما أُسِر في بدر جاء هذا وكساه ثوباً، والنبي أعجبه ذلك، والنبي كان من خُلقه المُكافأة، إذا أحسنت إليه يرد لك إحسانك بأضعاف، أضعاف ما أحسنت! عنده خُلق المُكافأة، هكذا يُكافئ دائماً، وقال النبي لا يُوجَد شخص أحسن إلىّ إلا كافأته، قال مَن كان له عندنا يد فقد جزيناه بها في الدنيا – هكذا يقولها واضحة! كل إنسان – إلا أبا بكر فإن له عندنا يداً لا يجزيه بها إلا الله – تبارك وتعالى – يوم القيامة، رضيَ الله عن سيدنا أبي بكر، لأن فضله كان عظيماً جداً على الإسلام وعلى رسول الإسلام عليه الصلاة وأفضل السلام، ولذلك كان منه كما سمعتم بمنزلة السمع والبصر، أي من رسول الله، فعلاً هو أحب الناس إلى قلب رسول الله عليه الصلاة وأفضل السلام، فعُبادة بن الصامت خلعهم وتبرأ منهم وتولى الله ورسوله والمُؤمِنين، وأنزل الله هذه الآيات التي ستأتي الآن في السياق، وسوف ترونها مُنطبِقة تماماً على هذا الخبر.

يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۩، أي تدور الأيام علينا وتكون الغلبة للكفّار، أي هؤلاء اليهود والنصارى، طبعاً هنا المقصود بالذات اليهود، لم يكن هناك نصارى، فالمقصود بالذات اليهود، فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ۩، قيل فتح مكة، وقد تكون أعم من ذلك، أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ۩، قال  أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ ۩ هو أمر استئصال هو، أمر أن تكون الدائرة فعلاً على اليهود وليست على المُسلِمين، وهو أيضاً أعم، فَيُصْبِحُواْ ۩، أي المُنافِقون، يُصبِح المُنافِقون، عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ – من مُوالاة اليهود والتبرئة من المُسلِمين والرسول – نَادِمِينَ ۩.

(ملحوظة) استفتسر أحد الحضور عن النفاق وانطباقه على البعض الآن، فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم إنه ينطبق على كثيرين وأشار إلى أنه شرح هذا غير مرة، فهو ذكر هذا غير مرة وأسهب في هذا الموضوع، ثم استتلى قائلاً بعض الناس يحسب أن النفاق مسألة تاريخية وانقضت مع المُنافِقين في المدينة، غير صحيح! النفاق موجود في هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكما قلت أخطر مسألة في موضوع النفاق – ولذلك يجب على كل واحد منا أن يُفتِّش قلبه باستمرار يا إخواني وأخواتي، ما هي؟ – أن النفاق قد ينبغ وقد يظهر وقد يبرز فجأة، الآن الأبعد قد يُصبِح – إن شاء الله – مُؤمِناً ويُمسي مُنافِقاً، يرتكب حماقة، يقف موقفاً سيئاً، يقول كلمة سيئة، فيُغيِّر موقفه ويكون قد نافق بذلك، ولذلك الصحابة تُوتِر عنهم – مُتواتِر عنهم – أنهم كانوا يرمون أنفسهم بالنفاق لمُجرَّد مواقف صغيرة، إنسان يقول كلمة لا تكون هي التي ينبغي أن تُقال فيقول نافق فلان، نافق والعياذ بالله! بهذه الكلمة نافق، دخل في النفاق وأصبح من المُنافِقين، يُمكِن أن يُنافِق الإنسان بكلمة أو بموقف، فما أكثر النفاق الآن! ليس بموقف وإنما بمواقف، بسلسلة مواقف! هناك أُناس يُبرِّرون نفاقهم، يُبرِّرون مُوالاتهم لأعداء الله تبارك وتعالى، أليس كذلك؟ يُبرِّرون براءتهم من أمة محمد، هناك أُناس – والعياذ بالله – لا يتحدَّثون عن هذه الأمة حديث الناقد المُشفِق الناصح، يُمكِن أن تكون ناقداً، تنقد لماذا؟ لأن قلبك مع أُمتك، أنت تتحرَّك، أنت تتألَّم، أنت تُريد لها الخير، أنت تُريد أن تكون أعز أمة وأمنع أمة وأكرم أمة وأقوى أمة، تُريد أن تكون في الصدارة وفي المُقدِّمة، لكن يُوجَد أُناس – صنف من الناس – يتحدَّث الواحد منهم عن الأمة – والعياذ بالله – بشنآن وببُغض وتجريح وتنقصة، شيئ غريب! كأنه موتور مع أمته، ثم يدّعي أنه منها، أليس كذلك؟ ولا يذكر من مزايا هذه الأمة ميزة واحدة، إنما يذكر ما تحقر به هذه الأمة أو ما يُحقِّر به هذه الأمة، يقول هذه الأمة كذا وكذا وكذا، ألا يُوجَد أي خير في هذه الأمة؟ 

اليوم – سُبحان الله – كنت أُفكِّر في إخواننا المُجاهِدين في فلسطين وفي العراق وفي كل مكان، شيئ عجيب! ما شاء الله شباب عندهم صدور مليئة بالحماس الصادق والإخلاص، موجودون في كل مكان ما شاء الله، والله العظيم قلت لنفسي هنيئاً لك يا رسول الله بهؤلاء الشباب، هنيئاً لك! الرسول حين كان في المدينة – مثلاً – يُجاهِد كان – الحمد لله – يخرج معه أصحاب، ولو خضت البحر لخضناه معك، شيئ مُمتاز! الآن يُوجَد في الأمة أمثالهم بمثل هذا الحماس أو أكثر، ولا أقولها مُبالَغةً، ماذا عن الشاب الذي يُلغِّم نفسه ويقضي على حياته بيده هكذا؟ ماذا بعد هذا الحماس من حماس؟ ماذا بعد هذا الصدق من صدق؟ ماذا بعد هذه التضحية من تضحية؟ لا يُوجَد! هذا لا يخاف، لا السيف ولا القنابل ولا الموت الأحمر الزؤام، لا يخاف! هو يشتري الموت، أليس كذلك؟ فتخيَّلت وقلت لو هذا الشاب في عهد الرسول أو لو الرسول بُعِث الآن كيف ستكون نُصرة هذا الشاب لرسول الله؟ هذا مُستعِد لأن يموت ألف مرة بين يدي رسول الله، ألف مرة يُقطَّع! فقلت ما أعظم هذه الأمة! إذن هي أمة خالدة، فعلاً فيها خير، والنبي قال أُمتي كالمطر لا يُدرى أوله خيرٌ أو آخره، هو قال هذا، لم يقل لنا هذه أمة حقيرة وسوف تسفل وتتحقَّر وتُصبِح أحقر الأمم كما يقول المُنافِقون، لم يقل هذا أبداً! قال أمة عظيمة، قال ولا أدري أولها خيرٌ أو آخرها، الخير في أولها وفي آخرها وفي أوساطها بحمد لله، كلها خير دائماً، والآن بحمد لله – هذا ليس مُبالَغة – من خير ما مرت الأمة به من حقب ودورات هذه الدورة والحقبة بحمد الله تبارك وتعالى، يُوجَد حماس حقيقي، تُوجَد قدرة على التضحية، يُوجَد نوع من الافتداء، الأمة تفتدي دينها بكل شيئ، بالغالي والنفيس، انظر إلى هذه العقود من السنين التي خلت، أُناس قضوا ثلاثين أو أربعين سنة في السجون، ما نكصوا ولا ضعفوا ولا بدَّلوا ولا غيَّروا، وخرجوا فعاشوا سنوات وذهبوا إلى المقابر، انتهوا! خرجوا بأمراض كثيرة مُزِمنة وعاهات، لكن ما غيَّروا شيئاً من مواقفهم، من أجل ماذا إذن؟ هؤلاء فعلوا هذا لماذا؟ قد يقول أحد إنهم طلّاب سُلطة، ونحن نقول له أنت مُنافِق، حين تقول هذا تكون مُنافِقاً، هل هؤلاء طلّاب سُلطة؟ هل هم من أربعين سنة طلّاب سُلطة؟ الواحد منهم ضاعت حياته وضاع شبابه وضاع كل شيئ في السجن، ثم تقول طلّاب سُلطة؟ هذا طالب شريعة، هذا يُطالِب أن تُحكَّم شريعة الله ودين الله تبارك وتعالى، هذا يعيش بكل جوانحه وجوارحه وبكل ظاهره وباطنه من أجل دينه، ففعلاً:

يا سيد الرسل طب نفسًا بطائفة                            باعوا إلى الله أرواحًا وأبداناً.

قادوا السفين فما ضلوا ولا وقفوا                          وكيف لا وقد اختاروك ربَّانا؟!

هم هؤلاء! القائد هو محمد وهؤلاء هم أتباعه.

اليوم – سُبحان الله – وأنا أُتابِع قناة قبل المغرب رأيت مجموعة من الشباب والمشايخ، شيئ عجيب! قلت الحمد لله، الحمد لله على أننا في هذا العصر أيضاً وفي هذه الحقبة، صحيح يُوجَد تمالؤ شديد جداً من الداخل ومن الخارج على هذه الأمة لكن لا يزيدها إلا تجوهراً، سُبحان الله! مثل الفحم، كلما ضغطته قارب أن يكون ألماساً، أقوى المعادن الألماس، أليس كذلك؟ يقطع الحديد، هذا الفحم الآن انظر إليه، تقول الأمة ماتت أو احترقت ولم يعد فيها شيئ، بالعكس! هذا الفحم يُضغَط الآن ليتحوَّل إلى الألماس، طبعاً الألف واللام في الألماس حقيقية، لا يُقال ماس، غلط! هو الألماس، هو هكذا دائماً، الألف واللام فيه حقيقية، فالفحم يتحوَّل إلى الألماس وهو أقوى المعادن، هو يقطع المعادن، يقطع الحديد! الأمة كذلك الآن، تتجوَّهر فعلاً وتبرز فيها عظات ومُثل ونماذج، الحسرة على مَن؟ على القاعدين، على أصحاب الهمم كما يُقال الخائرة الضعيفة، الحسرة على هؤلاء الشباب ما شاء الله – الشباب الطمّح الطامحون، أصحاب الهمم القعساء – لا حسرة عليهم والله، الحسرة على أمثالنا، لكن لا حسرة عليهم، هؤلاء يفتدون دينهم بكل ما يملكون، يعيشون في مغداهم وفي مراحهم وفي ليلهم وفي نهارهم من أجل إسلامهم، الهم المُقيم المُقعِد لهم هو الإسلام، ينامون على الإسلام، يقومون على الإسلام، والسبب الحقيقي تعرفون ما هو؟ نشوء هؤلاء في ظلال بيوت الله، نعم! هذه الأجيال الآن غير الأجيال التعبانة التي كان يُمكِن أن تشتري وتبيع بالإسلام، أجيال آبائنا وأجدادنا مساكين، لا! هذه الأجيال – بحمد الله – نشأت في رحاب المساجد، في رحاب بيوت الله، في حلق الذكر مُنذ نعومة الأظفار.

أول أمس كنت أُحدِّث الوالدة عن طفل صغير فقالت لي ما شاء الله وفرحت، وأنا ذهبت من هنا سعيداً جداً بهذا الطفل، قلت لها بعد أن أنهيت الصلاة والدعاء جاءني طفل، قلت لها عمره يصل إلى أربع أو خمس سنوات، خاطبني هكذا: السلام عليك ورحمة الله يا عمي يا شيخ عدنان، بارك الله فيك وجزاك الله خيراً، قالت لي ماذا؟ قلت لها أُقسِم بالله حدَّثني بهذه الطريقة وهو ابن أخينا فوزي التونسي، عمره يصل إلى أربع سنوات، هل أنت أمام جن أو ملك؟ ما هذا؟ ما المنطق هذا؟ ما هذه الشجاعة؟ ما هذه الرجولة؟ وهذا الطفل يحفظ الآن في كتاب الله، يحفظ مع أخيه ما شاء الله، عمره لا يتعدى أربع أو خمس سنوات! شيئ عجيب، أين مثل هذا؟ نحن لسنا مثله، فلنكن صريحين، يُوجَد منا الآن في أسناننا هذه – ابن أربعين أو خمسين سنة – مَن ليس عنده شجاعة أن يقوم لكي يسألني سؤالاً أو يسأل غيري سؤالاً، أليس كذلك؟ يخجل، يقول أنا أخجل أن أسأل في ديني، ما هذا؟ لا تُوجَد تربية، لا تُوجَد شخصية، شخصيات مهزوزة، أليس كذلك؟ ليس عنده الشجاعة لكي يقوم ويُناقِش ويأخذ ويُعطي ويتكلَّم ويشكر، حين يقتضي الأمر الشكر قم واشكر، لكن هو ليس عنده هذا، ضعيف! شخصية ضعيفة مهزوزة، لا يستطيع أن يُعبِّر حتى عما يعتلج في أعطافه، وهذا أربع سنوات ويتحدَّث بهذه الطريقة، قلت لها هذا حين يكبر سيكون بطلاً، مُستحيل! ما هذا؟ مَن يقرنه هذا؟ هذا الطفل إذا بقيَ بالطريقة هذه في رحاب المساجد إلى أن يصل إلى سن العشرين فسوف يكون قائداً، لكن أنتم تعرفون أن هناك كارثة أصلاً ومُصيبة، لأن هناك أُناساً فينا لا يقتنعون بالشباب، يقول أحدهم كم عمر هذا الشيخ؟ فيُقال له ثلاثون سنة، فيقول ثلاثون سنة ويُعلِّمنا ديننا؟ لكن هل مَن عمره ثلاثون سنة يُعَد صغيراً؟ متى – إن شاء الله – سوف يُعلِّمك دينك؟ هل في الثمانين سوف تفهم الدين منه؟ عشرون سنة كفاية، عشرون سنة كفيلة أن تجعل الإنسان علّامة، تجعله عالماً كبيراً يقضي، الشيخ السيوطي كان قاضي القضاة في مصر وعمره واحد وعشرون سنة، هذا كافٍ! كثير عشرون سنة، لكن هناك مَن يقول الذي عنده عشرين سنة لا يعرف كيف يتطهَّر إلى الآن، لا يعرف كيف يستجمر، لأنه يقيسه على نفسك، هذه المُشكِلة! الناقص يقيس الكملة عليه فيرى الكل نقصة، لأنه ناقص! وهذا بسبب التربية، لا نُريد أن نُجرِّح في الناس لكن هذا بسبب التربية الخاطئة، تربية أجيال آبائنا وأجدادنا، تكون شاباً مُراهِقاً بلغت الخامسة عشرة ويُقال لك ممنوع أن تجلس في مجالس الرجال، وإذا تكلَّمت يجب أن تسكت كالفتاة المُخدَّرة، ممنوع! ممنوع أن تُناقِش، يُقال لك اسكت، ما الذي يُفهِمك؟ فإلى متى هذا؟ لذا خرجت شخصيات مقبوعة، شخصيات مُجهَّلة، شخصيات ضعيفة فاقدة للثقة في نفسها، الآن الذي يحدث – بحمد الله – العكس كما قلنا، الولد الصغير له احترامه وله مثابته، عنده علاقته مع كتاب الله ومع سُنة رسول الله ومع المشايخ ومع أهل العلم ومع العلماء ومع المساجد!

أسامة بن زيد في السادسة عشرة من عمره قاد جيش المُسلِمين، أليس كذلك؟ جيش كان المفروض أن يكون فيه أبو بكر وعمر، لكن أبو بكر كان خليفة، كان في السادسة عشرة من عمره وقاد جيشاً، هل فعل هذا وعمره ست عشرة سنة فقط؟ نعم طبعاً، كان قائداً، ما المُشكِلة في هذا؟ محمد بن القاسم بن محمد كم كان عمره حين كان فاتحاً؟ أيضاً كان في السادسة عشرة من عمره، ست عشرة سنة فقط! فتح السند وبعض بلاد الهند وما إلى ذلك، ست عشرة سنة! يقود جيوش وجحافل، هذه هي! محمد بن مُراد الفاتح كان في العشرين من عمره وقيل كان في التاسعة عشرة من عمره لما فتح القسطنطينية، ولذلك علينا أن نحذر أيضاً وأن نُحذِّر من هؤلاء الذين يُثبِّطون العزائم، كالذي يقول هذا شاب صغير، كيف يُقال هذا شاب صغير؟ أنت الصغير، لأن عقلك صغير، نفسيتك صغيرة، هذا ليس صغيراً، مَن بلغ العشرين ليس صغيراً، هذا يتفضَّل يؤم ويخطب وما إلى ذلك ويقود الجيش أيضاً، لكن يكون هذا مع التربية، فإذا وجدنا هذه النماذج يا حيهلاً، تتقدَّم الركب، أهلاً وسهلاً، لكن ابن الستين والسبعين الذي لا يعرف كيف يقرأ القرآن بالطريقة الصحيحة يتأخَّر، انتهى! تأخَّر من حيث أخَّرك الله، أليس كذلك؟ لابد أن نكون مُنصِفين، يجب أن نكون مُنصِفين، مَن أخَّره الله فليتأخَّر، انتهى، ضاع هذا عليه، لكن ابن العشرين سنة نُريد أن نُقدِّمه، لأنه أمل الأمة، أمل الرسول، أمل هذه الأجيال المُبارَكة بحمد الله تبارك وتعالى، فنسأل الله أن يجعلنا جميعاً مُتعاوِنين مُتآزِرين على نُصرة هذا الدين العظيم، كل واحد يُساهِم بقدر ما يستطيع، أنت ضاع عليك هذا وهذا ليس عيباً، هكذا كانت الظروف، استثمر في أبنائك، استثمر في بناتك، ليس شرطاً أن تستثمر فقط في ابنك، البنت حتى استثمر فيها حتى تكون هذه أماً صالحةً زوجةً صالحةً تُربي الرجال، التربية تكون على أيدي النساء أكثر من الرجال، المُربيات الحقيقيات هن النساء، استثمر في بناتك وفي زوجتك، لكي تكون أماً للأجيال بإذن الله تبارك وتعالى، ما المانع؟ وبعد ذلك اجعل دائماً عندك أملاً، قل لعل الله – تبارك وتعالى – يُنسِل من ذريتي – من ابني أو من بنتي أو من أحفادي – مَن يكون عز الإسلام ورفعة المُسلِمين على يديه، اجعل عندك الأمل هذا، ضع عندك الأمل هذا، هذا الأمل الحقيقي، وليس كما أقول دائماً أمل تجميع الأموال والكلام الفارغ، كأن تقول أُريد أن أبني فيلا، هناك مَن كل أمله أن يبني فيلا، سُبحان الله! خمسون سنة في أوروبا ويقول إن أمله أن يعود إلى بلده لكي يبني فيلا من ثلاثة أدوار، يا أخي ما هذه الهمة التعبانة؟ ما هذا؟ وماذا بعد؟ بنيت فيلا فماذا بعد؟ ما هذا الكلام الفارغ؟ قال أحد الحضور إن هناك مَن يبنون الفيلل ولا يسكنون فيها، فقال له الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم طبعاً، هناك مَن يبنيها ويموت بعد ذلك، وحتى لو سكنها سوف يُغادِرها، هذه الهمة ليست حسنة، حتى الكفّار عندهم الأشياء هذه أكثر منا، أليس كذلك؟ هم مُمتَّعون في الدنيا أكثر منا، ليست هذه آمالنا نحن كمُسلِمين، يجب أن تكون آمالنا آمالاً أُخروية، آمالاً تتعلَّق بالله، حتى نُجزى عليها خير الجزاء إن شاء الله تبارك وتعالى، هذه الأفكار لابد أن نُبديء فيها ونُعيد باستمرار أيها الإخوة، والله العظيم! لكن – الحمد لله – الأمل معقود بعد الله – تبارك وتعالى – على هذا الجيل المُبارَك الصاعد، والله أنا أرى فيه نُصرة الإسلام، أُقسِم بالله! يختلف عنا، يختلف تماماً، نحن نختلف عن آبائنا وهم يختلفون عنا، هم أحسن حالاً منا، وحظهم أكبر، أليس كذلك؟ حظهم أكبر، كل الخير الذي عندنا وهو خير قليل هم أخذوه جاهزاً، أليس كذلك؟ وسيزيدون عليه بفضل الله تبارك وتعالى.

أنا أذكر أننا حين دخلنا المساجد في أول ثورة الصحوة في بلادنا – مثلاً – كنا نُضرَب، أُقسِم بالله! أنا ضُرِبت شخصياً، كنا نُضرَب! وإمام المسجد كان إماماً أزهرياً وهو الشيخ طهبوب رحمة الله عليه، بالعكاز يضربنا، ممنوع يقول، هؤلاء أطفال صغار، ولم نكن صغاراً، يصل عمرنا إلى الحادية عشرة، ممنوع يقول، جنِّبوا مساجدكم صبيانكم وسفهائكم، حديث ضعيف جداً، ويضربنا! ممنوع هذا، لا يُريدون هذا، كان يُوجَد نوع من الحقد عند المشايخ، ليس مشايخ الدين وإنما مشايخ السن، أي الكبار في السن، لا يُريدون هذا، يقولون هذه المساجد فقط للكبار، أما الصغار يذهبون ويلعبون في الشوارع، ما هذا الجهل؟ فكنا نُعاني مُعاناة فظيعة، حتى من آبائنا وُجِدَ نفس الشيئ أيضاً! ضرب وما إلى ذلك، ممنوع! ممنوع أن تظل مع المشايخ ومع العلماء وأن تذهب إلى المساجد، لا! انتبه إلى دراستك، اذهب إلى مدرستك واترك هذه الأشياء الفارغة، تخيَّلوا! فكانت مُعاناة، مُعاناة حقيقية، وكان هناك أُناس يُطرَدون – والله العظيم – ويسكنون عند إخوانهم في الله بالأشهر، الواحد منهم يطرده بالكامل، لماذا؟ لأنه يُصلي ويذهب إلى المساجد، الآن الوضع مُختلِف، الآن الواحد منا يرفع رأسه لأن ابنه حفظ سبعة أجزاء، أليس كذلك؟ أو لأن ابنته – ما شاء الله – أيضاً من الحافظات، أو لأنها فعلت كذا وكذا، يرفع رأسه ويفتخر، الحمد لله! وهذا خير كثير، ولا يزال هناك – إن شاء الله – ما هو أكثر، ولذلك نحن على يقين – والله على يقين بإذن الله تبارك وتعالى – أن الإسلام الآن يستقبل دورة عز جديد وهو عزيز، تعرفون لو لم يكن عزيزاً لما وُجِدَ كل هذا الخوف والتخويف منه، أليس كذلك؟ لماذا كل هذا التخويف من الإسلام؟ لماذا هذه الحرب العالمية؟ هنا قد يقول أحدك هذه مصالح يا أخي وهم يُريدون بترولنا، لكن ليس هذا هو السبب فقط، نعم هم يُريدون بترولك لكنهم لا يُريدون بترولك فقط، لا! حقيقةً لا يقتصر الأمر على بترولك فقط، أليس كذلك؟ هناك أمم ثانية عندها أيضاً خيرات وعندها أشياء موارد، لكن ليس عندهم رسالة عالمية، لا يُخوِّفون مثل هذه الأمة الإسلامية، هذه الأمة عندها رسالة، ولذا تحدَّث محمد إقبال في برلمان إبليس – رحمة الله على إقبال – عن هذا، فهو عنده مسرحية غريبة جداً اسمها برلمان إبليس، إبليس جمع أبالسة العالم كلهم وعقد لهم مُؤتمَراً عالمياً، ماذا يقول لهم إبليس لعنة الله عليه؟ يقول لهم ويحي وويلي إذا استيقظت هذه الأمة التي ضربنا على آذانها عقوداً من السنين، إذا استيقظت هذه الأمة التي يعزم عليها كتابها أن تُغيِّر العالم، يقول ويحي! سوف يتغيَّر كل شيئ، سوف تفسد كل مُخطَّطاتي، كل مُخطَّطات اليهود والصهاينة والصليبيين في العالم سوف تفسد بإذن الله تعالى حين تستيقظ هذه الأمة، هذه الأمة لا تعرف لا حدوداً ولا موانع ولا تعرف حداً حتى للعطاء والتضحية، أمة عجيبة جداً جداً، فنسأل الله أن يُشهِدنا عز هذه الأمة قبل أن يتوفانا إليه وهو راضٍ عنا.

۞ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ ۞

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۩، أي هؤلاء المُنافِقون، حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ ۩، الآية واضحة.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ۞

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ۩، هذه الآية مُهِمة جداً، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ۩، شرحناها في خُطبة عن التواضع قبل أسابيع، لكن باختصار أهم مُواصَفات جيل النصر ما هي؟ الذلة على المُؤمِن والعزة على الكافر، انتبهوا! إذا سبرنا هذا الوصف وأردنا أن نُعيِّر بهذا المعيار ووجدنا أننا لم نصل بعد إلى أن نمتاز بهذا الامتياز فهذا يعني أن النصر ليس قريباً، النصر بمراحل منا، أنا لا أرى هذا للأسف، لكي نكون واقعيين نقول إننا لا نرى هذا، بالعكس! نرى بين المُسلِمين وخاصة بين العاملين في الحقل الإسلامي – هدانا الله وأصلحنا وإياهم – أن هناك نوعاً من التعزز، نوعاً من الأنفة، نوعاً من الاستكبار، وأحياناً يُوجَد نوع من الشنآن، للأسف بسبب ماذا؟ بسبب ما فرَّق بينهم من أهواء وحزبيات وحركيات ومذاهب، هذا من الحزب الفلاني وهذا من الجماعة الفلانية، هذا من الطريقة العلانية وهذا من الطريقة الكذائية، فتجد نوعاً من الشنآن، يأخذون مواقف حسّاسة جداً من بعضهم البعض، سُبحان الله! شيئ غريب يا أخي، كأن الإسلام لا يكفيهم، يا أخي لا تُوجَد مُشكِلة، كُن في حزبك وفي جماعتك وأنا سأبقى في حزبي وفي جماعتي، لكن يُوجَد شيئ أعظم من حزبك وأعظم من جماعتي، ما هو؟ الإسلام الجامع، المفروض أن تستحضر دائماً إذا كان عندك ذرة من إخلاص أنك تعمل من خلال هذا الحزب أو هذه الجماعة لمصلحة الإسلام، فإذا صارت مصلحة الإسلام تُضحى من أجل مصلحة الحزب فأنت رجل جاهل، أنت رجل جاهل، تذبح الإسلام وأنت لا تدري، بالعكس! نُضحي بجميع المصالح في النهاية من أجل مصلحة الأمة الواحدة، الدين الواحد، والحقيقة الكُلية الجامعة لكل المُسلِمين، فيجب أن يكون بعضنا لبعض ذليلاً، ذل وتواضع للمُسلِم، ينبغي أن يكون هناك تواضع لدى المُسلِم، تواضع شديد جداً! حتى لو أخطأ أخوك في حقك قل لا يهم، تذلَّل له، وأنت تعرف أن هذا ذل، قد تقول الدين لا يرضى لي الذل، غير صحيح! يرضى لك الذل، يطلب منك الذل لإخوانك، لا تُؤلِّف على الله، لا تكذب على الله، لا تقل الدين لا يرضى لى الذل، لا! يرضى لك الذل ويطلب إليك أن تكون ذليلاً لإخوانك، تذلَّل القدر المُستطاع، ولا يتذلَّل على إخوانه إلا مَن بدأ إيمانه في الاكتمال، يصير مُؤمِناً عظيماً، هل تعرفون لماذا؟ لماذا إذن؟ لأن مخزون العزة الذي عنده كبير، لأنه يستم عزته من الله، فإذا هو يستمد عزته من الله وحبله موصول بحبل الله لا يشعر نفسه ذليلاً، بالعكس! حين يتواضع لإخوانه هو يشعر بمزيد الإيمان، برسوخ، وبقرب من الله تبارك وتعالى، أنت حين تراه تقول هذا فيه تذلل، أنت تراه هكذا لكن هو في الحقيقة يرى أنه يتعزَّز، يزيد عزاً بذلك، لماذا؟ لأنه يُلبي أمر الله، أليس كذلك؟ هو الآن يرى في نفسه مصداقاً لهؤلاء الموصوفين بأنهم أذلةٌ على المُؤمِنين، أعزةٌ على الكافرين، يقول لك الحمد لله، أنا منهم بفضل الله، هو يعرف هذا! وطبعاً – أكرمكم الله – كل إنسان ضعيف مهما كان صعلوكاً ضعيفاً يستطيع أن يشمخ بأنفه على أعلى الناس، أليس كذلك؟ ما المُشكِلة؟ كل واحد يقدر أن يتكبَّر، كما يُقال أنفٌ في السماء وإستٌ في الماء، يقدر أن يقول إنه كذا ويدّعي كذا، كل واحد يقدر على هذا، لا تُوجَد مُشكِلة، الكبر والعنجهيات والغطرسة الفارغة هذه كل إنسان يستطيع أن يدّعيها، لكن هذه ليست صفات النصرة لهذا الدين، بالعكس! هذه صفات أُناس ضعاف الإيمان، مهازيل اليقين، المُؤمِن ذليل على أخيه المُؤمِن، قال الله ماذا؟ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۩، هذه هي، عجيب! نفس الشخص هذا، تجده على الكفّار شديد جداً، ليس لأنهم بشر وإنما لكفرهم، لإفسادهم، لعداوتهم للمُسلِمين وللحق، شديد جداً، لا يُوجَد تهاون، وتجده مع إخوانه المُسلِمين في مُنتهى الذل والتواضع، ويكون قريباً وهيّناً وسهلاً وليّناً – ما شاء الله – ومُتسامِحاً، أليس كذلك؟ نحن الآن نستطيع أن نقول إننا نرى تقريباً العكس، مع غير المُسلِمين – العكس – يُوجَد تواضع، تُوجَد مهابة، يُوجَد إجلال، ودائماً ما يقول من فضلكم، حضراتكم، شخصياتكم، أنتم، هكذا يُخاطِبهم، بصيغة الجمع دائماً لا يقدر أن يقول غير هذا، عيب بالنسبة له، أما أخوه المُسلِم يخجل أن يُعطيه حتى ما يستحق من فضل، أليس كذلك؟ لأن قلبه مريض، أقولها بصراحة وإن كان بعض الناس يزعل من هذا.

أنا لي إخوة هنا في المسجد – أُقسِم بالله – أخجل من أن أقول لأحدهم يا أخ فلان، لأنه يحفظ كتاب الله، لا أقدر على هذا، إنسان يحفظ كتاب الله كيف أقول له يا أخ؟ هل هو أخ وأنت أيضاً أخ؟ لا، أنت أخ وهو شيخ، يا شيخ فلان أقول له، لابد أن أقول له يا شيخ، لا أقدر على عدم قول هذا، ولو لم أقل له هذا أنا بالذات لن يزعل مني، لكن لابد أن أقول له يا شيخ فلان لأنه يحفظ كتاب الله، مُتميِّز هذا! النبي في أُحد لما بدأ يُدلي في الصحابة في القبور – يأمر بتدليتهم – قال لهم انظروا أيهم كان أكثر أخذاً للقرآن فابدأوا به، الذي عنده قرآن أكثر يُدفَن في الأول، يُكرَم! وهو شهيد وكلهم شهداء، لكن حتى في الشهداء تُوجَد كرامة، مَن يحفظ كتاب الله يكون رقم واحد، مَن يحفظ أقل يكون أقل، وهكذا وهكذا وهكذا! انظر إلى النبي، هذا العدل، لا يأتي إلىّ إنسان مسكين يحفظ كتاب الله – من عشر سنين يحفظ فيه وطيلة حياته يُحافِظ عليه – وهو إنسان ورع وتقي فأقول له يا أخ فلان، ومَن صلى بالأمس فقط أقول له يا أخ فلان، لا! يُوجَد فرق، مَن يحفظ كتاب الله شيخ أما الآخر أخ، هناك أُناس ليسوا كذلك، لا يُحِب الواحد منهم أن يُعطي الناس مثابتهم، لمرض في قلبه، لعنجهية، لكبر، ولغطرسة، هذا لا يجوز، هذا من ضعف الإيمان، وبالمُناسَبة هذا يمنعك حتى رحمة الله تبارك وتعالى، أنزلوا الناس منازلهم النبي قال، يجب أن تعرف هذا، قد يقول أحدهم لا، أنت يا أخي علَّمتنا كذا والدين يقول إن النبي لم يكن يُحِب أن يتميَّز بين إخوانه، لكن هذا الفهم الجاهل في الدين، يأخذ أحدهم نصاً ولا يفهمه على وجهه بتة، ويبدأ يتواقح على الناس بحُكم نص لم يفهمه، شيئ عجيب يا أخي! النبي لم يكن يُحِب أن يتمايز، ما معناها؟ هل يُؤخَذ لقب رسول الله منه؟ هل يُؤخَذ لقب نبي الله منه؟ هل تُؤخَذ القيادة – هو يقود الأمة، هو قائد الدولة والإمام الأعظم في الدولة – منه؟ هل يُسقَط ما له من احترام، ما له من هيبة، ما له من تكرمة، وما له من إجلال؟ الصحابة كانوا يُقبِّلون رُكب الرسول ويديه، وكانوا يُحِبون أن يُقبِّلوا أقدامه، لكن النبي كان يرفض، يقول لهم لا، أقدامي لا، لكنهم كانوا يُقبِّلون رُكبه، وكان النبي يرضى، كانوا يُقبِّلون يديه ويتوسَّلون به ويقتتلون على نُخامته، لم يقل لهم غلط هذا، لا أُريد أن أتميَّز عليكم، يعرف أن هذه بركة أصلاً، تفضَّلوا واقتسموا هذه البركة، لا تُوجَد أي مُشكِلة، لكن كيف لا يتميَّز؟ كما رأينا في الحديث، في السفر حين يشتغلون يُساعِدهم النبي، وهذا كان يزيده إجلالاً، وحين يُساعِدهم لا يعني هذا أنهم كانوا يسقطون الاحتشام، كأن يُقال صار واحداً منا فهيا نتكبَّر عليه أو نتكلَّم عنه بما لا يليق، بالعكس! هو كان يزيد عظمةً في نظرهم، لأن الصحابة كانوا غير عاديين، كانوا أُناس واعيين ورجالاً كُملاً، لم يروا أنه أصبح قريباً منهم، بالعكس! يرونه أبعد وأبعد، صار أعظم، فيجب أيها الإخوة أن نُنزِل الناس منازلهم وأن نحترم كل أحد بحسب ما أعطاه الله والمعايير الصحيحة هي المعايير الدينية، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم ۩، لا تقل لي أنا رجل تربيت تربية حُرة وما إلى ذلك، تدَعي أنك رجل عجيب ومُتميِّز على المُسلِمين، أرى أنك حين تُقابِل رجلاً غنياً وما إلى ذلك تتذلل له وكذلك الحال لو قابلت أميراً أو سفيراً حتى، تصير أمامه صغيراً جداً، أليس كذلك؟ لكن مع رجل من أهل الله – أفضل من كل هؤلاء ومن ملء الأرض من أمثالهم – تشمخ عليه، قلبك فيه مرض، أقول لك هذا بصراحة، قلبك فيه مرض! لابد من التواضع لأهل الله، التواضع لأهل الإيمان، لإخوانك في المِلة، كل إخوانك في المِلة، كل أمة محمد! التواضع هذا مطلوب من أي إنسان مهما بلغ، وبعد ذلك إنزال الناس منازلهم أيضاً مطلوب، كلاً بحسب منزلته وبحسب ما آتاه الله تبارك وتعالى.

يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ۩، الآية أيضاً واضحة.

۞ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ۞

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ۩، الجُملة غير واضحة هنا، قال وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ۩، بعض الناس – لن أذكر مَن هم – جعلوا جُملة وَهُمْ رَاكِعُونَ ۩ حالية، ففهموا أن معنى الآية يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ۩ راكعين، وعندهم حديث ضعيف في هذا الموضوع، على كل حال هل هذا الكلام منطقي؟ لو كان ذلك كذلك لكان يجب أن يتفق العلماء على أن إخراج الزكاة وإتاء الزكاة في حال الركوع أفضل منه في حال غير الركوع، وهذا غير صحيح، بالعكس! هذه حركات قد تُبطِل الصلاة أيضاً، أن تُخرِج محفظة النقود وما إلى ذلك وأنت راكع لكي تُعطي أمر غير منطقي، التفسير الصحيح أن قوله وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ۩ يعنى أنهم من أهل الصلاة، أي أنه يقول ماذا؟ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ۩ بمعنى أنهم من أهل الصلاة في المساجد، هذا معناها! يُحافِظون على الجماعات، وليس وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ۩ بمعنى حال ركوعهم، هذا الفهم الصحيح للآية.

۞ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ۞

وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ۩، الآية واضحة.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۞

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۩، طبعاً هذه الآيات كما قلنا نزلت في ابن سلول وعُبادة بن الصامت، قال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ۩، مِّنَ ۩ هنا ما موقعها الإعرابي؟ بيانية، ليست تبعيضية، أعوذ بالله، مُستحيل! مِّنَ ۩ هنا بيانية، لأن تحدَّث عن الذين أوتوا الكتاب – والعياذ بالله – والكفار، قال وَالْكُفَّارَ ۩، هنا كيف تكون القراءة؟ وَالْكُفَّارَ ۩ على أنه – هذا اللفظ – معمول، وفي قراءة أُخرى والكفارِ على أنها معطوفة والواو واو العطف، هل هذا واضح؟ إذن هناك قراءتان، القراءة المرقومة هذه على أنه معمول، أي اللفظ، بمعنى لا تتخذوا – مثلاً – أهل الكتاب ولا تتخذوا الكفّارَ، على أنه معمول، وقراءة الكفارِ على أنه أيضاً معطوف على المعمول الأول.

إذن مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ۩، هذه مِّنَ ۩ بيانية، كما قال – تبارك وتعالى – فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ۩، لا تُوجَد أوثان مُطهَّرة وأوثان رجس، كله رجس! إذن كيف فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ۩؟ مِنَ ۩ بيانية، أي اجتنبوا رجس الأوثان، فكلها رجس! رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا ۩، مِنْ ۩ هنا بيانية، لأن لا يُوجَد مُؤمِن عاقل يدعو الله ويقول له يا رب اجعل بعض زوجاتي وبعض أولادي صالحين والبقية في ستين داهية، لا يُوجَد هذا! إذن ما معنى مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا۩؟ أي كلهم، بمعنى أزواجنا وذرياتنا، فــ مِنْ ۩ بيانية، وهنا بيانية أيضاً.

وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۩، ما معنى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۩؟ وَاتَّقُواْ اللَّهَ ۩ أن تُوالوهم، وَاتَّقُواْ اللَّهَ ۩ أن تأخذوهم أولياء، إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۩ بالله تبارك وتعالى.

۞ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ۞

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۩، قال الإمام الزُهري – محمد بن شهاب رحمة الله عليه – قد ورد التأذين بالصلاة في كتاب الله: وَإِذَا نَادَيْتُمْ ۩، هناك أُناس قالوا لا دليل على الأذان للصلاة، لا! غير صحيح، ها هو، وَإِذَا نَادَيْتُمْ ۩، واسمه النداء، النداء هو الأذان، الإعلام! ها هو مذكور، قال الزُهري هذا مذكور، ها هو! وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ۩.

۞ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ۞

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا ۩، ما الذي أحقدكم؟ ما الذي أثاركم؟ ما الذي أثار حفيظتكم علينا؟ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ ۩، كيف هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ ۩؟ الاستثناء مُنقطِع، الاستثناء هنا مُنقطِع، أي أن المُستثنى ليس من جنس المُستثنى منه، وبالمُناسَبة مر معنا عدة آيات في دروس التفسير هذه السنة بالاستثناء المُنقطِع، كما قلنا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ، السلام ليس من اللغو، اللغو شيئ والسلام شيئ، دخل القوم كلهم إلا حمارهم مثلاً، أليس كذلك؟ الحمار ليس من القوم، أليس كذلك؟ الحمار ليس منهم، جاء الطلّاب إلا الأستاذ، استثناء مُنقطِع، الأستاذ ليس من الطلّاب، جاء الطلّاب أو دخل الطلّاب إلا الأستاذ، استثناء مُنقطِع، لأن المُستثنى ليس من جنس المُستثنى منه، هل هذا واضح؟ هنا نفس الشيئ، كما قال النبي في حديث في الصحيحين ما نقم ابن جميل إلا أن أغناه الله من فضله ورسوله، هنا أيضاً إلا أن أغناه استثناء مُنقطِع، فالإغناء هذا ليس من المنقوم طبعاً، فهذا استثناء مُنقطِع، وهنا استثناء مُنقطِع، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ ۩، ما هو؟ التوراة والإنجيل والصحف السماوية، وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ۩، هذه ليست واضحة، كيف وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ۩؟ معطوفة على ماذا وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ۩؟ (ملحوظة) قال أحد الحضور إنها معطوفة على الإيمان فقال له الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم أحسنت، على الإيمان، أي هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وإيماننا بأن أكثركم فاسقون، لماذا؟ لماذا لا نقول هذه – مثلاً – واو استئنافية؟ لماذا لا نقول إنها استئنافية؟ استأنفت معنىً جديداً وتقول أن أكثر أهل الكتاب هؤلاء فاسقون؟ لا! لماذا؟ لأن أن – وَأَنَّ ۩ – مفتوحة، لو كانت استئنافية لقال وإن أكثركم فاسقون، لو قال وإن أكثركم فاسقون لصارت واو استئنافية والله يُخبِر أن كثيراً منهم أو أكثر هم فاسق، لكن لما قال وَأَنَّ ۩؟ هذا يعني أنها معطوفة على ماذا؟ آمَنَّا ۩، آمنا بكذا وكذا وكذا وآمنا بأن أكثركم – عرفنا هذه الحقيقة وتيقناها – فاسقون، هل فهمنا كيف هذه؟ 

۞ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ۞

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۩، ما معنى بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ ۩؟ الإشارة إلى ماذا أو إلى مَن؟ (ملحوظة) قال أحد الحضور إن الإشارة إلى وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ۩ فقال له الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم لا، الإشارة إلى ما نقمتموه، أنتم نقمتم من المُؤمِنين كذا وكذا وكذا، نحن سنقول لكم مَن هو شرٌ جزاءً – مَن هو شرٌ مثوبة أي جزاءً – عند الله مما ذكرتم، هنا قد يقول لي أحدكم كيف هذا يا أخي؟ وهذا كما ذكرنا أيضاً – تنبَّهوا – غير مرة في دروس التفسير، هنا أفعل التفضيل ليس على بابه، بل هو من التفضيل الذي ليس منه في الجهة الأُخرى شيئ، أي أن التفضيل في صفة ليس منها في الجهة الأُخرى شيئ، كما قالت أم سلمة لعمر بل أنت أفظ من رسول الله وأغلظ، هذا لا يعني أن الرسول فظ وغليظ أبداً، هذا يعني أنك أنت الفظ والغليظ، لكن الرسول ليس كذلك بتة، هذا المعنى! هل هذا واضح؟ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ۩، هل هم خَيْرٌ ۩ من أهل النار؟ نحن حتى حين نقول – لكي نُبسِّط المعنى هذا – الصيف أحر من الشتاء هل يعني هذا أن الشتاء حر؟ الشتاء برد، المقصود هنا ماذا؟ أن حر الصيف بذاته أشد من برد الشتاء إذا ما قُورِن به، برد الشتاء شديد، أليس كذلك؟ لكن حر الصيف في حرارته أشد من برودة الشتاء في بردها، هل فهمتم كيف؟ هذا معناها حين نقول الصيف أحر من الشتاء، هذا شيئ! وأُحياناً – كما قلنا – المعنى نفسه لا يكون موجوداً في الطرف الآخر بتة، هذا منه، نقول لهم أنتم شرٌ مثوبة عند الله منا، وهنا قد يقول لي أحدكم كيف؟ هل هم شر مثوبة من المُؤمِنين؟ نعم، اليهود شرٌ مثوبة عند الله من المُؤمِنين، ومن ثم سوف يقول لي كيف؟ كيف يا أخي هذا؟ هل هذا يعني أن المُؤمِنين مثابتهم شر أو شريرة لكن مثابة اليهود أشر؟ لا، غير صحيح! هنا أفعل التفضيل ليس على وجهه، ليس على بابه، هل فهمتم كيف؟ فانتبهوا إلى أمثال هذه المواطن.

بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً ۩، أي جزاءً، عِندَ اللَّهِ ۩، مَن هم؟ الذين هم أنتم، سوف نُنبئكم عنهم، أنتم بأعيانكم، مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ ۩، أي اليهود طبعاً، وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۩، خدمه والعياذ بالله، وقيل جمع عبد هذه، أي وجعل منهم عبّاداً، بغض النظر عن هذا قال وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۩، الطاغوت سبق الحديث عنه أكثر من مرة، كل ما عُبِد من دون الله فهو طاغوت، أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ۩، وبالنسبة إلى القردة والخنازير أيضاً سبق غير مرة أن لا يُوجَد عقب لمسخ، أي أن هؤلاء مُسِخوا وانتهوا، وفي صحيح مُسلِم قال – صلى الله عليه وسلم – وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك، النبي سألوه هل هؤلاء القردة الخنازير بعضهم من أحفاد أو ذراري المسوخ من بني إسرائيل؟ قال لا، ما جعل الله لمسخ من عقب، أعوذ بالله! الله أرحم من ذلك، كيف هذا؟ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۩، إذا ارتكب إنسان ذنباً ومُسِخ – والعياذ بالله – ينتهي أمره، يموت وينتهي كل شيئ، وليس له عقب، ليس له ذُرية، وماذا قال النبي أيضاً؟ انظر إلى هذا الكلام العلمي، قال وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك، أرأيت؟ فلا تقل لي القردة والخنازير من نسل اليهود، كيف يكونون من نسل اليهود؟ أصلاً هم موجودون قبلهم، وهم مُسِخوا – جماعة منهم، الذين اعتدوا في السبت – على صورتهم، أي على صورة القردة والخنازير، ثم أفناهم الله تبارك وتعالى، (ملحوظة) قال أحد الحضور أن تشكيل قوله وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۩ يُمكِن أن يكون بالكسر، أي وعبدِ الطاغوت، فقال له الأستاذ الدكتور عدنان إبرهيم إنه لا يعرف هذا، فهو يعرف أنها بالفتح فقط، أي وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۩، قيل هذا فعل ماضٍ كما هو، وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۩، أي خدم الطاغوت، وقيل جمع عبد، أي أن وَعَبَدَ ۩ جمع عبد، والله أعلم!

(ملحوظة) استفسر أحد الحضور عن التفضيل في الآية، فتحدَّث الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم عن اسم الإشارة في قوله – تبارك وتعالى – مِنْ ذَلِكَ ۩، قال الله قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ ۩، المُهِم الآن هو الإشارة، الإشارة بــ ذَلِكَ ۩ لماذا؟ للمُؤمِنين المذكورين، الذين نُقِم منهم إيمانهم بكذا وكذا، هذا معنى الآية، هل فهمت كيف؟ ليس تفضيلاً هكذا بالمُطلَق بين الإسرائيليين، وإنما الآية تقول هل نُنبئكم بمَن هم شرٌ حالاً وجزاءً ومثوبةً مِمَن نقمتم عليهم ومنهم؟ هذه هي، فالمُفاضَلة صارت بين المُسلِمين والمُؤمِنين المذكورين وبين اليهود الملعونين، ولذلك هو ليس على بابه، وبالمُناسَبة هذا إجماع المُفسِّرين، لا تجد مُفسِّراً يقول هذا التفضيل على بابه، الكل! ليس على بابه مُطلَقاً ولا يُمكِن أن يكون على بابه.

۞ وَإِذَا جَاؤُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ ۞

وَإِذَا جَاؤُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ۩، كيف دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ ۩؟ عند رسول الله، دخلوا عند الرسول وهم ينطوون على الكفر والإلحاد والعياذ بالله، غير أنهم كذّابون ومُنافِقون، وإذا خرجوا أيضاً خرجوا بالكفر، والمعنى ما هو؟ أنهم لم تنفعهم الموعظة، لم ينتفعوا بشيئ ولم يتعلَّموا شيئاً من الرسول، يسمعون القرآن والكلام والوعد والوعيد ولا يتأثَّرون والعياذ بالله، قلوبهم مختوم عليها! 

۞ وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ۞

وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ۩، واضحة أيضاً.

۞ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ۞

لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ ۩، فسَّرنا معنى الربانيين والأحبار أمس، عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ۩، قيل هذه من أشد الآيات على أحبار اليهود، فيها تبكيت شديد جداً وتقريع، لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ۩، وسوف تأتي آية قريبة بعد قليل.

۞ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ۞

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۩، لم يقصدوا أنها مَغْلُولَةٌ ۩ مُوثقَّةٌ حقيقةً، لا! وإنما مَغْلُولَةٌ ۩ كناية عن ماذا؟ عن البخل، أنه بخيل! لعنة الله عليهم، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ۘ ۩، وقف لازم، لابد أن نقف هنا، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ۩، لماذا؟ لئلا تكون جُملة بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ۩ الاستدراكية من جُملة ما لُعِنوا بقوله وهو ليس كذلك طبعاً، بالعكس! هذا من كلام الله، فيجب أن تقف على وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ۘ ۩، ثم تقول بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ۩.

من أدب القراءة والتلاوة إذا قرأت أمثال هذه الآيات سواء كنت وحدك أو في جماعة أن تخفض صوتك بها، أي تقرأ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۩ بصوت مُنخفِض، تستحي! تستحي أن تحكي الكلام هذا، وبعد ذلك ماذا تقول؟ تقول غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ۘ ۩ بصوت مُرتفِع، وهكذا! دائماً عند مثل هذه الكلمات تخفض الصوت، لا تكن فرحاً بها وتُنغِّمها كأنها جُملة جميلة تُقال، لا! فنقولها باستحياء، هذا من آداب القرئة من قديم.

يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء ۩، وفي الحديث الصحيح قال – صلى الله عليه وسلم – يد الله ملأى، لا يغيضها شيئ، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق الله – تبارك وتعالى – مُذ خلق السماوات والأرض؟ لم يغض مما عنده، لا إله إلا الله! لماذا إذن؟ لأنه يُنفِق بــ كُنْ فَيَكُونُ ۩، خزائن ملأى ولا تنفذ أبداً! النبي قال يد الله ملأى، لا يغيضها شيئ، ما معنى غاض؟ وَغِيضَ الْمَاءُ ۩ في سورة هود، ما معنى هذا؟ لا ينقصها ولا يُنزِفها أو يستنزفها، لا يغيضها شيئ، سحاء الليل والنهار، ما معنى سحاء؟ مدرارة مثل المطر، تُعطي عطاء كثيراً مُتواصِلاً مدراراً مُتتابِعاً مُترادِفاً، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق الله – تبارك وتعالى – مُذ خلق السماوات والأرض؟ لم يغض مما عنده، والحديث صحيح!

وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم ۩، ما موقع كَثِيرًا ۩ هنا؟ مفعول به طبعاً، وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا ۩ ليست فاعلاً، ماذا سيزيدهم؟ ما هو الفاعل؟ مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ ۩، مَّا ۩ الموصولة هنا أو الموصولية، يعني ماذا؟ القرآن، هذا القرآن وهذه الآيات ستزيد كثيراً منهم طغياناً وكفراً والعياذ بالله، غريب هذا القرآن! هذا القرآن فيه صفات لله، هو كلام الله ويعكس صفات الله تبارك وتعالى، الجلال والجمال! أليس كذلك؟ هو للمُسلِمين جمال، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ۩، هذا القرآن نفسه، وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ۩،  قال وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ ۩، انظر إلى هذا، فهو يزيدهم باستمرار، كلما سمعوه – والعياذ بالله – ازدادوا إلحاداً وكفراً وتجديفاً، والمُؤمِن حين يسمعه يزيداد إيماناً، وسيأتي في آخر التوبة أيضاً قريب من هذا، وهكذا! فهو للكفّار والمُنافِقين – والعياذ بالله – زيادة في خسرانهم وزيادة في طغيانهم، وللمُؤمِنين زيادة في إيمانهم وترسيخ ليقينهم.

وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۩، وكما في الحشر تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ۩، لا يُمكِن أن تجتمع قلوب عن صفاء ومودة حقيقية على المعصية، كذب! هناك مصالح وليس مودة، لا تُوجَد مودة، تُوجَد مصالح، المصالح تقتضيهم أن يجتمعوا على حرب الإسلام مثلاً، لكن قلوبهم – والعياذ بالله – شَتَّى ۩، يلعن بعضهم بعضاً ويكره بعضهم بعضاً حتى وإن كانوا من مِلة واحدة، انظروا إلى النصارى، بينهم تباغض شديد، وكذلك الحال مع اليهود، هناك الحروب الدينية بينهم، شيئ غريب! اليهود كم؟ طيلة حياتهم يُقتِّل بعضهم بعضاً، أليس كذلك؟

كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ۩، الآية واضحة.

۞ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ۞

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ۩، أيضاً واضحة.

۞ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ۞

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ۩، كما قلنا أمس لا يُقيمونهما إلا إذا عملوا بما فيهما من التبشير برسول الله عليه السلام، هكذا! وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ ۩، قيل هو القرآن، لكن هذا غريب حقيقةً، هذا قول غريب عن روح التعبير القرآني، دائماً كلما يُقال أُنزِل على هذه الأمة أو أُنزِل إلى هذه الأمة يكون ما يختص بها، فلا يُقال أُنزِل إلينا ثم يُقال أُنزِل إليهم، لا! فليس شرطاً أن يُقال هو القرآن كما في بعض التفاسير.

لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ ۩، أيضاً واضحة، مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ۩، معروف المعنى!

۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ۞

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۩، هذه الآية يستخدمها بعض المُبتدِعة الضلال – والعياذ بالله – عن نهج السبيل، يقولون النبي خوفاً وتحرجاً من بعض أقوياء أصحابه كتم بعض الأمر – والعياذ بالله – وأنزل الله هذه الآية، وهذا كلام فارغ – مُستحيل – ولا يكون أبداً، وقالت أمنا عائشة كما في الصحيحين مَن أخبركم أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله فقد كذب، كذّاب قالت هذا، أكبر مُفترٍ وأفاك هذا، الرسول لا يُمكِن أن يكتم شيئاً، وقالت في الصحيحين لو كان رسول الله كاتماً شيئاً من كتاب الله لكتم هذه الآية، ما هي؟ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۩، من سورة الأحزاب في قصة زيد وزينب، ومع ذلك النبي أيضاً قالها، كان يُمكِن حتى أن يكتم عَبَسَ وَتَوَلَّى ۩ والآية فيها تقريع شديد جداً جداً، ولم يقل له عبست، خاطبه بصيغة الغائب، قال عَبَسَ وَتَوَلَّى ۩ أَن جَاءَهُ الأَعْمَى ۩، شديدة! شديدة جداً جداً، واتركوا كلام بعض المُفسِّرين الذين يقولون – هذا من حبهم للرسول، جزاهم الله خيراً، لكنه كلام فارغ، اعتبره كلاماً فارغاً، بلا أي معنى – هذه عتب له وليست عتباً عليه، هذه فلسفة في الألفاظ، هذا عتب عليه وهو عتب شديد جداً جداً، وهكذا فهمها النبي وهكذا فهمها كل المُفسِّرين من قبل، أليس كذلك؟ نحن حين نأتي ونقول عن إنسان حتى إنه جاء وقال كذا بصيغة الغائب يكون هذا أشد مما لو وجاهناه حتى بصيغة مُواجَهة كأن نقول له يا فلان فعلت كذا وكذا، فهذا ألطف، لكن فعل كذا وكذا وعمل كذا وكذا أشد، ثم قال له بعد ذلك كَلَّا ۩، ماذا تُفيد كَلَّا ۩؟ للردع، إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ۩، ارتدع ولا تعد إلى مثلها، عتب شديد جداً في سورة عَبَسَ ۩ هذه، معروفة! وكل الذين كتبوا في البرهان القرآني والآية القرآنية مثل العلّامة دراز رحمة الله عليه – علماً بأنه كتب بالفرنسية أيضاً وأقنع المُستشرِقين – اتخذوا آيات الأحزاب وسورة عَبَسَ ۩ بالذات دليلاً على ما ذهبوا إليها، لأنها كانت ثقيلة وشديدة الوطأة على رسول الله عليه السلام، والنبي لم يكتمها، قالها وتلاها كما أُنزِلت، مع أنها عتاب شديد جداً – بالغ الغاية – على رسول الله عليه الصلاة وأفضل السلام.

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۩، ثم لا يُقال في نبي أنزل الله عليه قوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ۩ إنه كتم شيئاً من دين الله، كلام فارغ! لا تقل لي كتم شيئاً يتعلَّق بالخلافة أو يتعلَّق بخلافة الإمام عليّ – عليه السلام – أو يتعلَّق بكذا وكذا، كيف يُقال كتم وأنت تقول هذه الإمامة من أصول الدين؟ كيف يُقال أَكْمَلْتُ… ۩ وَأَتْمَمْتُ ۩ ويُوجَد أصل من الأصول مخفي لأن النبي غير قادر أن يبوح به؟ هذا كلام فارغ، هذا الكلام لا يتماسك في ذهن مُحترَم.

وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ۩، أي وإن لم تُبلِّغ، فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۩، حتى لو كتم النبي آية واحدة يُعتبَر ما بلَّغ الرسالة كاملةً، ثم أين نحن من شهادته واستشهاده أمته على أنه بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة؟ لدينا حديث جابر في الصحيحين وهو حديث حجة الوداع، وقد حضرها أكثر من أربعين ألفاً على الأقل، هذا على الأقل! هناك أُناس قالوا أكثر، لكن على الأقل حضر أربعون ألفاً وهذا ثابت على كل حال، أي هذا العدد، أربعون ألفاً حضروها ثم قال النبي أُدعى يوم القيامة فأشهد عليكم ثم تُستشهَدون علىّ فإذا سُئلتم فماذا أنتم قائلون؟ قالوا يا رسول الله نشهد أنك قد بلَّغت الرسالة وأديت الأمانة، فرفع أُصبعه إلى السماء هكذا وجعل يُقلِّبها نحوهم، يقول اللهم اشهد، اللهم قد بلَّغت اللهم اشهد، ها هم يشهدون الآن، أنا استشهدتهم، قلت لم بلَّغت أم لم أُبلِّغ؟ فقالوا بلَّغت، انتهى! فاشهدهم على أنفسهم، استشهدهم وأشهدهم على أنفسهم، ليشهدوا له غداً بين يدي الله كما شهدوا في الدنيا أنه بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة حق النصح، جزاه الله عنا وعن أمته خير ما جزى نبياً عن أمته وخير ما جزى رسولاً عن رسالته، صلوات ربي وتسليماته عليه إلى أبد الآبدين.

وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۩، في الصحيح أيضاً عن عائشة قالت كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يتخذ الحرس، وذلك حتى سنة ثنتين – كما قال الشرّاح في سنة اثنتين – حين بنى بعائشة، تقول عائشة سهر ولم ينم، لم يستطع النبي أن ينام، وقال لو أن أحداً يحرسني، ظل سهران، خائف من أن ينام، طبعاً هناك مُنافِقون وهناك يهود وهناك كذا وكذا، يخاف على نفسه! قال لو أن أحداً يحرسني، قالت فإذا بسعد بن مالك – مَن سعد بن مالك هذا؟ سعد بن أبي وقاص، اسمه سعد بن مالك طبعاً – جاء ومعه رمحه، فقال ماذا يا سعد؟ قال جئت لأحرسك يا رسول الله، حين تسمعوا اسم ابن مالك اعلموا أن هذا هو، معروف! قال جئت لأحرسك يا رسول الله، فتركه يحرسه، فالنبي كان يتخذ الحرس طبعاً، يخاف على نفسه، بشر! انظر إلى هذا، كان يتخذ الأسباب مع أن ثقته بالله مُطلَقة ويقينه بالله كامل، لكن ليُعلِّمنا اصطناع الأسباب واتخاذ الوسائل والتدابير، فهو قدوة ومُشرِّع لنا عليه الصلاة وأفضل السلام، لكن بعد ذلك ما الذي حصل؟ في يوم من الأيام كان النبي في قبته فخرج والحرّاس إلى جانبه وقال اذهبوا فقد عصمني الله تبارك وتعالى، لا أُريد هذا، انتهى الأمر، ومن ذلك اليوم النبي لم يتخذ بعد الحرس، لماذا؟ بعد أن أنزل الله هذه الآية، قال له وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۩، انتهى الأمر! يقين مُطلَق، قال يَعْصِمُكَ ۩، إذن انتهى الأمر، وتحدَّثنا عن قصة غورث بن الحارث، حدَّثناكم قبل بقصة غورث بن الحارث، وقصة غورث – هذا الأعرابي البدوي – ثابت في الصحيح أصلها، جاء والنبي قد نام تحت شجرة وسيفه مُعلَّق، فالنبي لم يكن سيفه معه حتى! فأخذ سيفه هذا وقال مَن يعصمك مني؟ ثلاث مرات، والنبي كان هادئاً لا يريم، قال له الله، بكل هدوء وطمأنينة قال له الله، كانت الآية نزلت وكان يعرف إنه معصوم، فقال له هذا ثلاث مرات! وفي رواية قال له الله فسقط السيف، إلى آخر الحديث وقد ذكرناه قبل أيام.

قال إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ۩.

۞ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ۞

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ۩، ما معنى لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ۩؟ أي من الحق والدين، كلام فارغ! دينكم وإيمانكم كله كلام فارغ، حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ۩، أيضاً الآية واضحة مثل التي قبلها.

۞ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ۞

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ ۩، تكلَّمنا في سورة البقرة عن معنى الصابئين، لكن هنا تُوجَد مسألة إعرابية، لماذا قال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ ۩؟ (ملحوظة) أشار أحد الحضور إلى أن سورة البقرة فيها هذه الكلمة منصوبة، فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم المفروض أن تكون منصوبة دائماً، أليس كذلك؟ لأن هذا معطوف على اسم إِنَّ ۩، أليس كذلك؟ قال إِنَّ ۩، أهل الإعراب قالوا لأن الفاصل طال، الفاصل طال فحسن أن تُرفَع، وهذا كلام لم أقتنع به، لماذا؟ حتى في البقرة نفس الشيئ، هل هناك لم يطل وهنا طال؟ فهذه تحتاج مزيد بحث عما قال المُفسِّرون.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ ۩، حقها وَالصَّابِئِينَ ۩ كما في البقرة، لأنها معطوف على اسم إن فلها نفس الحُكم، وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا ۩، كيف مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ۩؟ على طريقة المُحمَّديين، أي الإيمان على طريقة المُسلِمين وليس بطريقتهم هم، فمعناها لو هؤلاء دخلوا الإسلام، فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ۩.

۞ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ۞

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ۩، نفس الشيئ، الآية واضحة جداً، تقتيلهم للأنبياء وما إلى ذلك معروف.

۞ وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ۞

وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۩، ما معنى وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ۩؟ هذه عن اليهود، عن بني إسرائيل، أي وحسبوا ألا تكون عقوبة، حرَّفوا وبدَّلوا وقتلوا الأنبياء واتبعوا أهواءهم وركبوا رؤوسهم وظنوا أن الله لن يُؤاخِذهم ولن يُعاجِلهم بعقوبة فكانت العقوبة، ما هي العقوبة؟ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ۩، إذن ماذا كانت العقوبة؟ أن الله أعمى أبصارهم وأصم أسماعهم – والعياذ بالله – وختم على قلوبهم، هذه هي العقوبة، وكما قال إمامنا الشافعي حسبك من ذنبٍ عقابه فيه، ما الذنب الذي عقابه فيه؟ الإعراض عن الله، الإعراض عن الله نفسه هو ذنب وهو عقاب، أليس كذلك؟ أي إنسان أعرض عن الله فإعراضه عن الله هو ذنبه – وأكبر ذنوبه والعياذ بالله بعد الشرك – وهو أيضاً عقابه، كونك تُعرِض عن الله يعني أن الله أعرض عنك وخذلك ووكلك إلى نفسك، انتهيت! هذه طريق الهلكة والعياذ بالله، فهذه هي الفتنة، أي هذه هي العقوبة، إذن كانت عقوبتهم أن أعمى الله أبصارهم وأصم أسماعهم، على عكس ما توقَّعوا، أنهم لن يُؤاخَذوا بعقوبة، فكانت العقوبة!

فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۩، أي تاب على مَن تاب منهم، ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ ۩، والعياذ بالله عادوا في حافرتهم، مرة ثانية! كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۩، كأن الله يستثني الذين أسلموا واهتدوا، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ۩.

۞ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ۞

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۩، قلنا هناك الملكية واليعقوبية والنساطرة، مذاهب كثيرة جداً، بعضهم يقول ثالث ثلاثة، أي هو وجبريل والرب نفسه، وقيل مريم وعيسى والرب، بغض النظر عن هذا هم ثَّلثوا، لا يهمنا مَن هم هؤلاء الثلاثة، المُهِم أنهم ثلَّثوا، أنهم أشركوا، لم يُفرِدوا الله ولم يمحضوه الوحدانية، فهذا كفر صراح بغض النظر مَن هم هؤلاء الثلاثة.

وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ۩، الآية واضحة جداً، والنصوص في كتاب الله والسُنة مُتواتِرة على أنه لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مُسلِمة، في الصحيحين أن أحد الصحابة – والعياذ بالله تبارك وتعالى – انتحر في معركة، انتحر! وفي حديث آخر عن سيدنا عمر أن الصحابة جعلوا يقولون فلان قاتل فقُتشل فهو شهيد والنبي يسكت، يقولون فلان قاتل فقُتِل فهو شهيد، حتى قالوا فلان قاتل فقُتِل فهو شهيد، فقال النبي لا، لا تقولوا إنه شهيد، كيف يكون شهيداً؟ لقد رأيته في النار، وقد مات في نفس الساعة! قال لقد رأيته في النار في شملةٍ غلها من الغنيمة، وبعد ذلك قُتِل – والعياذ بالله – فدخل نار جهنم، هذا ليس شهيداً، تخيَّلوا! أي أنه أذهب أجره وشهادته المُحتمَلة بماذا؟ بالسرقة من الغنيمة، ثم قال قم يا عمر فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مُسلِمة، سُبحان الله! كأن النبي يُعرِّض بأن مَن يفعل هذا ويغل من الغنيمة ويموت كأنه فارق الإسلام، طبعاً هو ليس كافراً بلا شك لكن هذا خطير، قال قم يا عمر فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مُسلِمة، وفي مُسلِم أيضاً والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودياً كان أو نصرانياً ثم لم يُؤمِن بما جئت به من الحق إلا أدخله الله النار والعياذ بالله، وهذه أمة الدعوة!

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ۩، الآية واضحة.

۞ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۞

لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ۩، أيضاً واضحة، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۩، واضحة.

۞ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۞

أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩، واضحة.

۞ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ۞

مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۩، ما معنى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۩؟ مضت، أي ماتت، كان هناك رُسل ووُجِدوا وتصرموا، أي ذهبوا، فله سوية بأمثاله من إخوانه من النبين والمُرسَلين وليس بدعاً منهم، أي أنه ليس أول نبي وليس آخر نبي، لكن انظروا إلى البرهان العجيب، قال وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ ۩، انظر إلى الأدب القرآني، القرآن يُريد أن يُقيم لكم دليلاً هنا من أقوى الأدلة – وهو دليل عقلي وفلسفي قوي جداً – على أن المسيح لا يُمكِن أن يكون إلهاً ولا ابن إله ولا أمه، لماذا؟ قال كان يأكل هو وأمه، عجيب! ما معنى أنه كان يأكل؟ طبعاً إذا أكل احتاج أن يُخرِج، مُستحيل! هذه ليست صفة إله، الذي يأكل ويُخرِج إنسان ضعيف وتعتوره هذه المفاسد والسموم، فلا يُمكِن أن يكون إلهاً كاملاً مُنزَّهاً عن النقائص، وهذه أم النقائص، أليس كذلك؟ ولا يخلو منها نبي ولا رسول، لأنه يظل أيضاً بشراً وعبداً لله.

قرأت مرة كُتيباً للشيخ أحمد ديدات كان لطيفاً جداً، الشيخ ديدات يستشهد بمَن؟ بأحد أقزام أستراليا البدائيين، على الفطرة! لم يدرس لا الفلسفة ولا المنطق ولا الدين ولا يعرف شيئاً، ولم يسمعوا في هذه القبيلة من الأقزام في حياتهم حتى بالأديان السماوية، لم يعلموا أن هناك نصرانية ويهودية وإسلام، لم يسمعوا بهذا، فذهب إليهم أحد المُبشِّرين – أحد المُكفِّرين – بالنصرانية، جاء وخاطب مَن؟ رئيس القبيلة، القزم الأسترالي البدائي Primitive، تحدَّثوا معه عن عيسى أو اليسوع وقالوا هو الرب وابن الرب وما إلى ذلك، فقال لهم هل كان يمشي على الأرض معنا؟ فقالوا له نعم، قال له هل كان يأكل؟ البدائي سأل هذا السؤال، فقالوا له نعم، فقال لا، مُستحيل! لا أُؤمِن به، كذب هذا! أرأيت؟ البدائي قال هذا، قال لهم يستحيل، لا يُمكِن أن أُؤمِن به، قالوا له لماذا؟ قال لهم إذا أكل يجب أن يُخرِج، أليس كذلك؟ هذا لا يكون رباً، انظروا إلى هذا، سُبحان الله، هذا المنطق الفطري!

المُشكِلة – فعلاً هذه حقيقة وهذه تحتاج إلى دراسة لكن ينبغي أن تكون دراسة فلسفية مُعمَّقة – فعلاً في أن أحياناً الثقافة والفكر وتعمق الثقافة بدل أن تهدي تُضلِّل الإنسان، وتعرفون لماذا يحدث هذا مع الإنسان؟ ينسج لنفسه شرنقة من الأفكار والحُجج والأساليب والأشياء والإيرادات والاعتراضات، وهو يظن أنها عميقة ومُمتازة، وهي إيرادات واعتراضات كثيرة وما إلى ذلك، لكن هذه بدل أن تهديه تُضِله في النهاية، تُضلِّله وهو لا يعرف، يظن أنه عميق وما إلى ذلك، لكن بالعكس هو ضل عن علم وهو ضل عن جهل، هو جهَّل نفسه، ولذلك دائماً يُقال إذا كثرت المُقدِّمات ضاعت النتيجة، أليس كذلك؟ أبو حامد الغزّالي كان يقول العلم نُقطة كثَّرها الجهل، الأشياء يُمكِن أن تُفهَم بطريقة أكثر بساطةً مما يفعل، وبالمُناسَبة انظروا إلى العلم التجريبي، أي الإمبريقي، العلم التجربيبي ما سر نجاحه؟ لا تُقارَن الفلسفة العقلية والتأملية هذه بالعلم التجريبي، فلسفة أرسطو Aristotle وأتباعه إلى اليوم – إذا كان لها الآن بعض الأتباع – لم تفعل شيئاً، لم تُقدِّم شيئاً، لم تُقدِّم أي خير حقيقي على الأرض للناس، خربطت الدنيا! وبالعكس جعلتنا نفهم الكون فهماً غير صحيح، ولما جاء الجماعة التجريبيون – روجر Roger وفرانسيس بيكون Francis Baconوجماعتهما وقبلهم المُسلِمون طبعاً مثل ابن حيان وابن الهيثم وابن النفيس، كلهم – وأخذوا المنهج التجريبي – سُبحان الله – بدأ الكون تُفَك مغاليقه، أليس كذلك؟ تُحَل طلاسمه، تتبدى حقائقه على وجه قريب جداً للفهم والاستثمار والارتفاق، ورأينا الحضارة المادية والاستبحار العمراني الغريب جداً في بضع مئات من السنين، فقط صار كل هذا، لماذا؟ هل تعرفون لماذا؟ لن نُطوِّل بهذا الموضوع الفلسفي لكن لأن العلم – العلم عكس الفلسفة تماماً – يقوم على مبدأ اسمه Occam’s razor principle، أي مبدأ نصل أوكام Occam، اسمه هكذا في فلسفة العلم ويُوجَد كلام طويل عنه، مبدأ نصل أوكام Occam! ما مبدأ نصل أوكام Occam؟ يُساوي في اللُغة البسيطة البساطة، إذا أمكن تفسير أي ظاهرة بخطوتين ممنوع أن تُفسَّر بثلاث لو فُسِّرت بثلاث يكون هذا غلطاً، إكس X! إذا أمكن تفسيرها بخُطوة وفُسِرت بخطوتين يكون هذا غلطاً، إكس X! أرأيتم؟ هذا اسمه نصل أوكام Occam – مبدأ نصل أوكام Occam – في العلم، وهذا عامل استصحبوه جاليليو Galileo ونيوتن Newton ومَن جاء بعدهم، كلهم تحدَّثوا عنه، وأنا قرأت كلامهم بدقة، كلهم تحدَّثوا عن نصل أوكام Occam وأخذوا به، هذا العلم! أنا عندي كتاب كامل لفيلسوف غربي وهو عالم فيزياء وأخذ نوبل Nobel اسمه بساطة العلم، قرأت هذا الكتاب وهو كتاب كبير وضخم، كله عن المبدأ هذا، تخيَّلوا! فالعلم نجح لهذه البساطة، لأنه يُؤمِن بمبدأ أبي حامد الغزّالي، العلم نُقطة كثَّرها الجهل، وبالمُناسَبة مَن يتكلَّم كثيراً ويأتي بشُبهات وإيرادات ويقول هناك أُناس قالوا كذا وكذا لا تظنوا أنه فاهم، هذا يكون أحياناً ضائعاً، أليس كذلك؟ أحياناً المنطق بخطوات بسيطة واضحة يختصر الطريق، لا تُحاوِلوا فعل العكس.

هناك أُناس لا ترضى بالبسيط الواضح، لماذا؟ لجرم أنه بسيط وواضح، يُريد الواحد منهم أن يتميَّز على الناس، يُريد أن يأتي بأشياء غير مفهومة، يُريد أشياء عكس قناعات الناس، هذا ليس شرطاً يا أخي، بالعكس! أنا أقول لك على ماذا تقوم أحياناً المنطق الوضعي، وهي فلسفة عميقة جداً جداً برئت من الفلسفة التأملية أو تأملية الفلسفة وعقلانيتها، وهي فلسفة طبعاً الناس الرياضيين وأيضاً العلماء الذين لهم علاقة بالعلوم الطبيعية والفيزياء بالذات، برتراند راسل Bertrand Russell وجماعته وجماعة فيينا الذين كانوا هنا وغيرهم، ففلسفة المنطق الوضعي أيضاً تقوم على ماذا في النهاية؟ منهم واحد اسمه جورج مور George Moore، وهو من كبار الفلاسفة، فيلسوف ضخم جداً جداً، يُقال أعظم من برتراند راسل Bertrand Russell، غير عادي الرجل هذا كان، جورج مور George Moore من الذين رفعوا لواء الحس المُشترَك Common sense، قال بالعكس! هداية الناس العوام – عقائد الناس ومفاهيم الناس عن الإنسان والوجود وما إلى ذلك – في أكثر الأحايين أقرب إلى الصح من أفكار الفلاسفة الكبار، فلا تحتقرها! لا تظن أن هذه المفاهيم ضعيفة لأن كل الناس يقولونها، ما المُشكِلة في هذا؟ بالعكس يا أخي، المفروض أن الأشياء التي يقولها أكثر الناس في قضايا الوجود والأنطولوجيا Ontology والمعرفة أيضاً تكون صحيحة، وأُريد أن أُعطيكم مثالاً واحداً فقط، ما هو؟ مثال صدقية – Credibility – المعرفة أو معقولية المعرفة.

ديكارت Descartes عقل ضخم، أليس كذلك؟ مُهندِس ورياضياتي وفيلسوف وعالم نفس وعالم في الطبيعة والأحياء والطب، كان شيئاً غير طبيعي، موسوعة الرجل! هذا رينيه ديكارت René Descartes، ديكارت Descartes هذا بعقليته الفلسفية والتشكيك وما إلى ذلك – وكان شكه طبعاً ليس مذهبياً وإنما منهجياً، شكه منهجي في النهاية – أسقط في البداية الثقة حتى من وسائل الحس، وأسقط الثقة حتى من العقل، مثلما حدث مع الإمام الغزّالي في فترة من حياته، وهو أصلاً سرق أفكاره، بعد ذلك قال بعد معركة كبيرة خاضها المسكين من غير دماء – معركة من غير دماء ومن غير سهام – توصَّل إلى شيئ هام، قال أنا فعلاً موجود وتفكيري لابد أن يكون له مصداقية، أعطاك الله العافية، هذا أي عجوز أيضاً في أقزام إفريقيا وأستراليا تُؤمِن بهذا الشيئ، وتعرف أن عينها ترى وعندها الحق في أن ترى ولا تشك فيما ترى، أليس كذلك؟ وأنها تسمع ولا تشك في الأصوات التي تسمعها وأنها تُفكِّر وترى أن هناك سماءً وأن هناك أرضاً، عادي! وعندها ثقة كاملة بما ترى وبما تُحِس، أنت بعد أن هلكت الدنيا توصَّلت إلى ما تعرفه العجوز هذه، أليس كذلك؟ ولذلك حتى علماء المُسلِمين عندنا الذين فكَّروا أيضاً في الذات الإلهية وهل الله موجود أم لا وفكَّروا في الخلود وما إلى – عندهم براهين وأشياء غريبة – في النهاية ماذا قالوا أيضاً؟ كلهم ماذا قالوا؟ اللهم إيماناً كإيمان العجائز، أبو المعالي الجويني في نظري عقله ربما يكون مثل عشرة من ديكارت Descartes، هو بعشرة من ديكارت Descartes نفسه، هذا كان من أذكياء الدنيا، الجويني كان شيئا فظيعاً، كان عنده عقل غريب جداً، وهو أستاذ أبي حامد الغزّالي، أستاذه وشيخه! هل تعرف ماذا قال في النهاية؟ قال بعد أن قضيت حياتي وسنواتي الثمينة كلها في علم الكلام – أي في الفلسفة وهي فلسفة عقدية، أي فلسفة العقيدة، وقرأ ما شاء الله خمسة وعشرين ألفاً في خمسة وعشرين ألفاً، اضرب أنت وانظر إلى الناتج، قال قرأت خمسة وعشرين ألفاً في خمسة وعشرين ألفاً، يا أخي شيخ مُخيف، أي ما يقرب من مليون تقريباً، أف! ما هذا؟ كم ألف ألف كتاب قرأ الرجل هذا؟ كان شيئاً غير طبيعي، باقعة من بواقع الدهر، في النهاية ماذا قال؟ – ها أنا ذا أموت على عقيدة عجائز نيسابور فويلٌ لابن الجويني إن لم تتداركه رحمة الله، أي قال يا ليتني أموت بعقيدة صافية مثل عقائد عجائز بلادي، أي الحس المُشترَك Common sense، عقائد الناس ومفاهيم الناس!

بعض الناس ينزغه الشيطان والعُجب والغرور، يُحِب التريس فقط، يُحِب أن يأتي بشيئ يُناقِض به عقائد الناس، كأنه يقول كلكم لا تفهمون هذا يا علماء الإسلام ويا فلاسفة الإسلام، ابن رشد لم يكن فاهماً ولا ابن سينا ولا الفارابي ولا الغزّالي ولا الرازي ولا فلان ولا علان في القديم أو الحديث، أنا أُريد أن أُثبِت لكم أن هذا الدين كله غلط، هو غير صحيح وأنا عندي شُبهات جديدة، يا سلام! إلى هذه درجة أنت مغرور؟ إلى هذه الدرجة لعب بك الغرور؟ هل أنت أفهم من كل هؤلاء الأذكياء الذين لا يُمكِن أن تقف إلى جانبهم أصلاً؟ لا يُمكِن! لا يُمكِن أن تُفكِّر في أن تقف إلى جانب واحد من هؤلاء الناس، ابن رشد هذا فيلسوف كبير، كُتبه هذه قاموا بتعبئتها في نعش بجانب النعش الذي دُفِن فيه، وضعوه في تابوت كبير وتابوت ثانٍ ضخم ملأوه فقط بمُصنَّفاته، ابن رشد هذا، عقل غير سهل! وهذا كان مُؤمِناً مُوحِّداً وقاضياً وفقيهاً كبيراً وعنده مصدقية مُطلَقة في دين الله تبارك وتعالى، هل أنت أفهم منه؟ هل أنت فهمت ما لم يفهمه وما لم يفهمه أبو حامد الغزّالي أيضاً؟ أبو حامد الغزّالي أكبر مُفكِّر في تاريخ الدنيا كما قال العقاد، هذا أبو حامد! قال العقاد إنه لم ير لا في الشرق ولا في الغرب مثل أبي حامد، أبو حامد المُتألِّه المُتصوِّف الرباني أنت فهمت ما لم يقدر هو أن يفهمه؟ غرور ونزغات شيطانية، فكَن مُتواضِعاً، وفعلاً الثقة في الحس المُشترَك Common sense وعقائد والعوام وما يُسمونها بمعلومات البداهية جيدة، جيدة جداً جداً! انطلق منها وعمِّق، لكن لا تُحاوِل أن تحفر تحتها، إذا حفرت تحتها فسوف تهيل عليك ومن ثم تموت في بطون الشك ربما والريبة دون أن تُدرِكك ربما رحمة الله تبارك وتعالى، فنسأل الله العصمة وحُسن الخاتمة.

فهذا القزم الأسترالي – هذا كله بسب القزم الأسترالي البسيط الفطري – بالبداهة الإنسانية العادية فهم من غير أن يدخل في مشاكل الأقانيم Persons والثلاثة أقانيم والثلاثة واحد والواحد ثلاثة وهبل هيجل Hegel، هيجل Hegel فيلسوف مثالي ضخم لكنه آمن بالهبل هذا،وعمل فلسفة كبيرة لكي يُثبِت التثليث فلسفياً وأن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة أمر صحيح، هذا هيجل Hegel! فما ضر إلا نفسه، لكن القزم الأسترالي كان أذكى من هيجل Hegel لأنه آمن بالبداهة العقلية، لا تتعداها ولا تُحاوِل أن تتفلسف عليها، قال لهم هل هو يأكل؟ فقالوا نعم، فقال لهم مُستحيل، لن أُؤمِن به، لأن هذا يعني أنه لابد أن يُخرِج، وهذا يعني أنه لا يكون إلهاً، غير مُمكِن! الإله لا يكون هكذا، ما هذا الإله؟ هناك أشياء أحق منه بالتأله، أليس كذلك؟ إذا كانت هكذا المسألة فالشمس أحق أن تكون إلهاً من البشر الذي يأكل ويشرب بصراحة، ومَن أحوج: الشمس أحوج إليك أم أنت أحوج إليها؟ بصراحة إذا كان الأمر هكذا فأنت أحوج إليها، أنت يا عيسى أحوج إلى الشمس من الشمس إليك، أليس كذلك؟ لو الشمس هذه وقفت لمات عيسى ولمات كل الناس الذين في الأرض هنا، أليس كذلك؟ لأن الأرض مملوكة في النهاية، وكونها مملوكة يعني أنها مُفتقرة إذن ومُدبَّرة، والله في الآية الأُخرى قال وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۩، فعيسى وكل المخلوقات والأرض والكون كله قال مملوك لي وتجري عليه ظواهر الحدوث والتغير، فهو فقير، والشمس نفس الشيئ أيضاً – لدينا قصة إبراهيم – يجري عليها الحدوث والتغير، وتطلع وتنزل وهذا يعني أنها مُفتَقرة، لكن الإله لا يحول ولا يزول، أليس كذلك؟ هو المُطلَق الوحيد لا إله إلا هو.

۞ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۞

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۩، الآية أيضاً واضحة.

۞ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ۞

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ۩، ما معنى الغلو في الدين؟ الغلو هو الزيادة والإفراط، المُغالاة! أي المُغالاة في الشيئ كما قلنا، علماً بأننا فسَّرناها قبل ذلك في سورة النساء، غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ۩، أيضاً واضحة.

۞ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ۞ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ۞

لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۩، إذن هم لُعِنوا من أحقاب، لم يُلعَنوا في هذا القرآن فقط، من قبل هذا القرآن – والعياذ بالله – ورد لعنهم، الله قال عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۩، أي في الزبور لُعِنوا، في الإنجيل لُعِنوا، في التوراة ورد لعنهم، وفي القرآن تواتر لعنهم، فسُبحان الله لعنتهم الكُتب السماوية، ما السبب إذن وفي الأمة للأسف من هذا الشيئ؟ قال ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ۩، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۩، لا إله إلا الله، هذه من أشد الآيات، عدم تناهي الأمة عن المناكر الفاشية والمعاصي المُقيمة – والعياذ بالله – يجعلها تبوء بلعنة الله تبارك وتعالى، تُوجَد أحاديث كثيرة أوردها ابن جرير وابن كثير وجمع أكثر منها السيوطي في الدر المنثور في تفسير هذه الآية، وكل الأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر لسنا محوجين أن نسردها، فقط سنجتزئ بحديث واحد، وهو من أنسبها بالمقام، هو أنسب هذه الأحاديث بتفسير هذه الآية، رواه عبد بن حُميد عن مُعاذ بن جبل وهو حديث طويل سأجتزئ بالجُزء الآخر، قال: قال – صلى الله عليه وسلم – إن أول ما كان النقص في بني إسرائيل – أول ما ظهر فيهم النقص والعياذ بالله والانحراف عن دين الله – أنهم كانوا إذا رأوا الرجل يعمل بمعصية الله أمروه ونهوه شبه التعزير، كيف شبه التعزير؟ أي غلَّظوا عليه، قالوا له لا يجوز واتق الله واستح من نفسك وكذا وكذا، هذا جيد، هذا في الأول، لكن لم يُكمِلوا، قال شبه التعزير! ثم قال – عليه السلام ولكن لم يمنعهم ذلك من أن يكون – أي هو هذا – أكيلهم وشريبهم وجليسهم، في ثاني يوم – مثلاً – يجلسون ويتركون هذا الزاني – مثلاً – يجلس معهم، يعرفون أنه زنى بالأمس، اتُهِم بالزنا أو بالسرقة وما إلى ذلك، لكنه يجلس معهم بشكل عادي ويشرب ويأكل والعياذ بالله! فمن أجل ذلك لعنهم الله وضرب قلوبهم بقلوب بعض، ما هذا؟ هل هذا مُجرَّد كلام تقوله تبرئة كما يُقال من عتب الله؟ كأنك تقول أنا أنكرت عليه، لا! يجب أن تُنكِر عليه وأن تُشدِّد، يجب أن تأطره كما قال النبي، لذلك النبي ماذا قال فيما بعد في نفس حديث عبد بن حُميد؟ قال والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المُنكَر ولتأخذن على يد الظالم أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض – مثلما فعل مع غيرنا من قبل – ثم ليلعنكم كما لعنهم، في أحاديث عند أحمد وعند غيره ثم ليُسلِّطن عليكم شراركم وليدعون خياركم فلا يُستجاب لهم، وما السبب الأول والرئيس؟ عدم الأمر وعدم النهي، مُجامَلات تحدث! كأن تقول أخجل أن أتكلَّم معه وأخاف من أن أجرح شعوره لأن عندي مصلحة معه، لا ينفع! هذا شيئ خطير جداً جداً، ولذلك النبي قال – اللهم صل على سيدنا محمد – لا ينبغي للمُؤمِن أن يحقر نفسه، قالوا يا رسول الله كيف يحقر نفسه؟ قال يرى أمراً فيه لله مقال فتمنعه –  قال ذلك في هذا اللفظ – هيبة الناس أن يقول، فلما سمعها أبو سعيد الخدري بكى، قال والله لقد رأينا أشياءً وهبنا أن نقول، جعل يبكي وقال نحن وقعنا في هذا الشيئ، قال رأينا أشياء – يقصد بني أُمية طبعاً – لم نكن راضين عنها والهيبة منعتنا أن نتكلَّم، قال لقد رأينا أشياءً ومنعتنا الهيبة أن نقول وجعل يبكي، تحسَّر لأنه سمع الحديث هذا الذي يُخوِّف.

وبالمُناسَبة يُوجَد تقصير كبير في الأمة في هذا الموضوع، تقصير كبير كبير كبير كبير حتى في حق أقرب الناس إلينا، أليس كذلك؟ أحياناً ترى الأب – والعياذ بالله – مُقصِّر حتى في حق أبنائه وبناته، أليس كذلك؟ يترك الحبل على الغارب وما إلى ذلك، بعد ذلك حين يكبر الولد أو تكبر البنت ويصير عمرها عشرين سنة أو ثلاثين سنة وتُخادِن أو يُخادِن هو ويفعل أشياء فظيعة مُفظِعة يأتي الأب ويستفتي، يبعث إلى المشايخ! مسكين أنت، درويش أنت، أليس كذلك؟ يقول ماذا أفعل في ولد بلغ من العمر عشرين سنة لا يسمع إلىّ؟ الآن جئت لكي تُربي؟ ما شاء الله عليك، الآن بعد عشرين سنة أتيت لكي تُربي وتسأل؟ وفي العشرين سنة التي ضاعت ماذا فعلت؟ أغلب الظن أنك لو بدأت معه مُنذ نعومة الأظفار لكسبته إن شاء الله تبارك وتعالى، أليس كذلك؟ ولكسبت بره، لكنك تركت الحبل على الغارب لعشرين سنة، وحين بدأت الآن تحصد الثمر المُر والحنظل لهذه التربية السائبة بدأت تشكو إلى علماء الدين، لا ينفع! أنا هذا أسميته الأسلوب السحري في التربية.

ذات مرة قديماً رجل فاضل ومسكين – طيب وأُحِبه وأحترمه – جاءني وتوسَّل إلىّ، المسكين كان يشتكي ويتحنَّن، قلت له ماذا تُريد؟ قال لي ابني كذا وكذا، أخوه مُتأثِّر بك جداً لكنه لا يأتي لكي يُصلي، فلو أتيت ووعظته أو عقدت خُطبة عنه لربما استقام، قلت له يا ليت، يا مُنى عيني! إذا كانت الخُطبة ستهدي أي شاب فسأقوم بها مُباشَرةً، قلت له لكن أنا لا أقتنع بأن الخُطبة يُمكِن أن تُقوِّم إنساناً، لا يُمكِن أن تختزل تربية إنسان لعشرين سنة في خُطبة جُمعية، ما هذا التفكير الفارغ؟ تفكير سحري يا أخي، الرسول  – عليه السلام – لا يقدر على الكلام هذا عموماً، لا يُمكِن أن يأتي في خُطبة واحدة ويقول إنه هدى الناس، القرآن لم يقدر على أن يفعل الشيئ هذا، أليس كذلك؟ القرآن! عندنا آية تحريم الخمر وشرحناها مائة مرة، لكي ينزع من الناس عادة سيئة مُعيَّنة احتاج إلى عشرين سنة، القرآن نفسه! ربنا – عز وجل – فعلاً هذا بالتدريج، لكن أنت تأتي وتُحدِّثني إنسان فعل كل ما يُريد وعبأ كما يُقال وشرب ونهل من معين المعصية، وبعد ذلك ماذا تقول؟ بموعظة واحدة نقلبه رأساً على عقب، لا! هؤلاء سحرة، هذه ليست وظيفة الأنبياء ولا المُرسَلين ولا القرآن الكريم، هذه وظيفة السحرة، وهي غير موجودة على الأرض أيضاً، لم نر ساحراً يقدر على أن يفعل هذا، أليس كذلك؟ كلام فارغ! فنتقي الله فيمَن جعلهم الله في ولايتنا، الزوجات، الأبناء، البنات، الإخوة، الأخوات، الأمهات، الآباء، الكل! أنت مسؤول عنهم، ولا تيأس! مُر وانه إلى أن ينقطع نفسك، دائماً بإذن الله، لعل في يوم من الأيام يتغيَّر الأمر، والله أعرف شاباً – ما شاء الله – في يوغوسلافيا كان مُلتزِماً التزاماً شديداً، وهو بكّاء من خشية الله ورجل فاضل، هل تعرفون ما سبب التزام هذا الرجل؟ هو الذي قال لنا السبب، قال لا يُمكِن أن تُصدِّقوا، كان رجلاً مُسرِفاً على نفسه، شديد الإسراف! قال جاءني الشيخ فلان وهو  رجل فاضل بارك الله فيه – داعية ورجل مُمتاز ما شاء الله عليه، كان أيضاً يدرس، أي كان طالباً – ولم يمنعه الحياء أن رأى – والعياذ بالله – الفتاة تجلس على فخذي، كان رجلاً سادراً، لا يحترم حتى المشايخ، قال لما جاء أنا تعمدت ذلك وما أنزلتها عن فخذي، قلت سوف أتركها لكي أُحقِّره وأُهزأ منه لكي يذهب، قال كان دائماً يأمرني وينهاني فجُننت منه، قال فتركتها جالسة على فخذي، قال فجاء ونكَّس رأسه وبدأ يعظني ثم ذهب، قال سُبحان الله بعد فترة استعدت الموعظة هذه وأثَّرت في تأثيراً كيانياً – قلبت كياني – وكانت سبب التوبة، لا تيأس! لا تيأس من أي إنسان حتى لو رأيته يسكر وما إلى ذلك، عظه إن شاء الله، وإذا كانت من قلب مُخلِص ولله عز وجل – نصيحة لله – بإذن الله ستفعل إذا شاء الله – وكله بمشيئة الله – أثرها فيه في يوم من الأيام، أليس كذلك؟ ستفعل أثرها ولو في يوم من الأيام، فلا نيأس!
فالأمر بالمعروف هذا كما قال الإمام الغزّالي قطب الدين، هذا قطب الدين الكبير جداً، (ملحوظة) استفسر أحد الحضور عن حديث لرسول الله فقال له الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم تكلَّمنا في هذا عدة مرات، تكلَّمنا فيه وسيأتي في سورة المائدة ما يقتضي التذكير بهذا الحديث، لأن النبي قال مروا بالمعروف وانهوا عن المُنكَر حتى إذا رأيتم شُحاً مُطاعاً ودنيا مُؤثَرةً وإعجاب كل امرئٍ بنفسه فعليكم – في بعض الألفاظ – بخويصة أنفسكم، هذا سوف نشرحه عنده قوله – تبارك وتعالى – عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۩، وهذا تأويل سيئ للحديث بالمُناسَبة، الطريقة التي أُلقيَ بها الكلام عن الحديث فيها تأويل سيئ والحديث لا يعني ذلك، ولكي تطمئن أكثر – هذه أصبحت فتوى – أقول باختصار من أحسن الجوابات جواب أبي إسحاق الشاطبي وابن تيمية عن هذا الحديث، كيف أجاب هذان العالمان الفحلان؟ أجابا كالتالي، قال عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۩ أي لا تكون مُهتدياً أصلاً أنت حتى تأمر وتنهى، ثم إن هذا الحديث ليس على التعميم، هذا الحديث دائماً لابد أن يُخصَّص، لا يُقال الأمة فيها شُح مُطاع ويُترَك الأمر، كيف هذا؟ أنت تكون هالكاً، تكذب على الأمة، مُستحيل! الأمة فيها الخير وفيها الشر، أليس كذلك؟ وإن شاء الله لا يغلب شرها على خيرها بإذن الله تعالى، لا يغلب! لكن تستطيع أن تقول هذا الشخص وجدته صاحب هوى والعياذ بالله، جرَّبته وجلست معه لشهر أو شهرين أو ثلاثة، هو يا أخي صاحب هوى أو صاحب شُح أو صاحب دنيا، ليس عنده كذا وكذا فسأتركه وأيأس منه! وأنا أنصحك بهذا الشيئ أيضاً، لا تستنفذ وقتك وحياتك ودعوتك في شخص واحد، اتركه يا أخي، وعظته فترة كافية ولم يهتد، فادع له بالهداية واتركه، اذهب إلى غيره وإلى غيره وإلى غيره، هكذا نفهم الحديث، فلا تقل سأترك الأمة كلها لأنها أمة شح وهوى، مُستحيل هذا! هذا يعني أنك حكمت عليها بالهلاك، أليس كذلك؟ وسوف نتكلَّم فيه – إن شاء الله – في موضعه.

۞ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ۞

تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ۩، الآية واضحة أيضاً.

۞ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ۞

وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيِّ ۩، أي النبي محمد عليه السلام، وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ۩، أيضاً واضحة.

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ۞

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ۩، لماذا اليهود كانوا أشد الناس عداوة للمُؤمِنين؟ لماذا إذن؟ (ملحوظة) قال بعض الحضور بسبب الكره والحسد، فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم ما السبب الحقيقي؟ هم أشد الناس عدواة، لماذا؟ لأنهم ضلوا عن علم، وطبعاً هذه التفسيرات كلها صحيحة، مثل الحسد وأن الرسول ليس من بني إسحاق وما إلى ذلك، هذا صحيح، لكن السبب الجامع لها كلها ما هو؟ لأنهم ضلوا عن علم، لا تُوجَد فائدة أصلاً، أليس كذلك؟ أي أن الإنسان الذي يُعاديني عن جهل يُمكِن لو أنا عالجت جهله أن تنقلب العداوة إلى محبة، لكن هذا لا يُمكِن مع الذي يُعاديني عن علم، يعرف أنني نبي وأنني حق وعندي مُعجِزة وأنني المُبشَّر به في كتابه، يعرف كل هذه الأشياء ويُعاديني، هذه أشد أنواع العداوة، هل فهمت كيف؟ هذه أشد أنواع العداوة، العدواة التي منشأها العلم وليس الجهل، هل فهمت كيف؟ إذا كان لديك شخصان أحدهما يُعاديك عن علم والآخر عن جهل أيهما أقرب إذن إلى موالاتك لو توسَّلت إليه؟ الثاني، ستقول والله يُمكِن أن أُعالِج جهله ومن ثم سيعرف الحقيقة ويقول أستغفر الله، وهذا صحيح وواقعي، بخلاف الذي يُعاديك عن علم، هو يعرف ويعلم الحقيقة ومع ذلك يُعاديك، وهذا بالمُناسَبة موجود، موجود في الأشخاص وليس مع الأنبياء حتى فقط، يُمكِن أن يصير في حدود ضيقة بين الزوج وزوجته أو بين الإنسان وأصدقائه أو بين العالم وتَلاميذه، وهكذا! يحدث هذا وهو كثير جداً جداً، يركب إنسان هواه – والعياذ بالله – رغم أنه يعرف أن هذا الإنسان – مثلاً – صاحب حق، المرأة تعرف أن زوجها على حق لكن ركوب الهوى – والعياذ بالله – مع معرفتها بالحق يجعل كراماته حتى ومزاياه نقائص والعياذ بالله، أنت انظر إلى الرسول مثلاً، الرسول كم كان عنده من المزايا؟ وكيف كان عنده مُؤيدات إلهية عُلوية غريبة؟ كيف كان يفعل أصحاب الكفر والعناد من اليهود والقرشيين؟ ماذا كانوا يقولون؟ ساحر، ما أسحر محمداً! سحره بلغ السماء، طلبوا شق القمر فشق لهم القمر، قالوا سحر ابن أبي كبشة بلغ السماء، يا أخي ما هذا؟ هذا يعني أن لا فائدة هنا، أليس كذلك؟ ولذلك ماذا قال قائلهم أبو جهل وغيره؟ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا – الذي جاء به محمد – هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۩، أرأيت كيف؟ أي أننا نعرف أنه حق لكننا لا نُريد، أهلكنا ولا نُريد أن نُذعِن لهذا الحق، هؤلاء لا وسيلة معهم، أليس كذلك؟ هؤلاء ليس معهم وسيلة والعياذ بالله، فهم فعلاً أشد الناس عدواة، لأنهم يعلمون، يُعادون عن علم، لعنة الله عليه، وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ۩، هذه كالتي قلناها قبل قليل وذكرنا الآية.

وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ۩، هذه حقيقة سُبحان الله، انظر إلى التاريخ، التاريخ يُبرهِن الحقيقة هذه، ومنهم كثيرون يُسلِمون – أي النصارى – الآن، ملايين الآن! في أوروبا هنا يُوجَد ملايين من النصارى أسلموا، دخلوا الإسلام، ملايين! ليس آلاف أو مئات الآلاف وإنما ملايين، لماذا؟ الله يقول ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ – جمع قس أو جمع قسيس، ويُجمَع على قُسس – وَرُهْبَانًا ۩، ما الفرق بين القسيس والراهب؟ القسيس من أهل العلم، يكون من أهل العلم! عنده علم وما إلى ذلك، الراهب من أهل العبادة، الرُهبان جمع راهب مثل الفُرسان جمع فارس، فارس جمعها فُرسان وراهب جمعها رُهبان، ومن ماذا أُخِذت الرهبانية؟ من الرهبة، من خشية الله، لأن خشية الله غلبت عليهم فجعلتهم ينقطعون إلى العبادة، يتشحَّرون للزهادة، انقطعوا من الناس، هؤلاء هم الرُهبان! وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ۩، فذكر الله ثلاثة أسباب تُوصِل إلى الحق وتقود إليه، ما هي؟ العلم والعبادة والتواضع، إذا كان هناك إنسان عنده علم وعنده وعي وعنده عقل – يفهم – لكن ليس عنده تواضع ماذا يحدث؟ اليهود عندهم علم لكن ليس عندهم تواضع، عندهم كبر والعياذ بالله، عندهم هوى – هوى نفس – وحسد كما قلتم منعهم وحال بينهم وبين الحق، دائماً ما يُقال أي علة لا تُؤتي معلولها إلا إذا وُجِدَ المُقتضي وفُقِد المانع، لابد أن يُوجَد المُقتضي والموانع غير موجودة، يُمكِن أن تكون العلة موجودة والمُقتضي موجود لكن يُوجَد مانع، أليس كذلك؟ المانع هوى أو حسد أو كبر أو غطرسة أو مصلحة أو غرض – والغرض مرض – أو أي شيئ، إذن العلم والعبادة والتواضع، هي ثلاثة أسباب تقود إلى الحق، نسأل الله أن يُحلينا بها.

۞ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ۞

وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ ۩، يبكون، والقرآن عبَّر في أكثر من مكان أيضاً عن هذا المعنى، يُقال هذه نزلت بسبب أن النجاشي – رضيَ الله عنه وأرضاه – وهو يُعتبَر صحابياً – بعض الناس يعتبرونه من الصحابة لكن هو لم ير النبي – بعث وفداً لكي يستقروا حقيقة الحال عن رسول الله، فجاءوا! فلما تلا عليهم النبي – عليه السلام – بعض الآيات بكوا، جعلوا يبكون يذرفون الدموع، فأنزل الله فيهم هذه الآية، وقيل بل نزلت في مُهاجِرة الحبشة، أنتم تعرفونهم وتعرفون أول هجرة في الإسلام، هاجروا إلى الحبشة وهناك – القصة معروفة طبعاً ورأيناها عدة مرات – حين تلوا على النجاشي ورجاله والقُسس الذين عنده مُقدِّمة سورة مريم وقيل تلوا من آل عمران وقيل غيرها، المُهِم أنهم بكوا – بكى النجاشي وبكوا جميعاً – فأنزل الله ذلك، يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ۩.

۞ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ۞

وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ۩، الآية أيضاً واضحة.

۞ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ۞

فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ۩، أيضاً واضحة.

۞ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ۞

وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ۩، واضحة.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ۞

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ ۩، قيل هذه الآية نزلت في جماعة من الصحابة قالوا نُريد أن نترهبن وأن نقطع مذاكيرنا، كيف؟ أي نختصي، يُريدون أن يختصوا، لا يُريدون النساء، يُريدون أن يترهبنوا، ويُريدون أن يُحرِّموا على أنفسهم أيضاً أكل اللحم، لا نساء ولا لحم ونترهبن، فأنزل الله هذه الآية، ممنوع هذا في الإسلام! وقيل بسبب – حديث عائشة في الصحيحين – أن جماعة جاءوا إلى منزل رسول الله – أي حُجراته – في غيبته وسألوا عن عبادته فأُخبِروا بها، سألوا عن عبادته التي يُؤديها في السر، عبادته العلانية يعرفونها، لكنهم يُريدون أن يعرفوا كيف يعبد النبي الله حين يكون وحده، كيف يُصلي؟ كيف يقوم الليل؟ كيف يتهجد؟ فأُخبِروا، عائشة قالت أُخبِروا، لا نعرف هل سألوا عائشة أم سألوا غيرها، لكن المُهِم أن هذا الحديث من رواية عائشة، تقول فأُخبِروا بها، فقال بعضهم لأقومن ولا أنام، أي أُريد أن أقوم الليل كله، وقال آخر لأصومن ولا أُفطِر، أي انه يُريد أن يسرد الصيام، يصوم باستمرار! وقال ثالث لن آكل اللحم، في بعض الروايات قال واحد أيضاً آخر لن أقرب النساء، فأتى النبي فأُخبِر بمقالتهم، فقال – صلى الله عليه وسلم – لكني أقوم وأنام وأصوم وأُفطِر وآكل اللحم وفي رواية وآتي النساء، ومَن رغب عن سُنتي فليس مني، وفي رواية مَن أخذ بسُنتي فهو مني ومَن رغب عن سُنتي فليس مني، وأنزل الله هذه الآية، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ ۩، قيل وَلاَ تَعْتَدُواْ ۩ بماذا؟ بالتحريم، هذا نوع من العدوان، وقيل وَلاَ تَعْتَدُواْ ۩ أي في تناولها على جهة الإسراف، كلوا وما إلى ذلك ولا تُسرِفوا، فأصبحت مثل قوله وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۩، لكن أنا مُرتاح إلى القول الأول، أي أن وَلاَ تَعْتَدُواْ ۩ بمعنى تحريمها، لماذا؟ لأن الله – تبارك وتعالى – في أكثر من آية يُعبِّر عن الإسراف بالإسراف، يُسميه الإسراف! أي إسراف في تناول المُباح، لكن لم يُسميه عدواناً، لأن كلمة عدوان كبيرة بالمُناسَبة، كلمة عدوان أو كلمة اعتداء كبيرة، هذا يعني أن هناك حداً إلهياً أنت تعديته، فلا يُقال لمَن أسرف أنه تعدى حد الله، هناك مَن يأكل ويملي بطنه ويُربي كرشه لكن لا نقول إنه آثم بذلك ما لم يعقه هذا الكرش وهذا الأكل عن الصلاة وعن واجباته الدينية، إن شاء الله لا يستطيع أحد أن يقوله إنه آثم، بل قال العلماء – وهذا الفقه الجيد في الدين – كل ما أكلته فليس بإسراف، الذي ترميه هو إسراف، أي لو أكل أحدهم خمسة كيلوات – أدخلهم في بطنه – لا يكون مُسرِفاً، لكن لو رمى لقمة أو أكل نصفها ورمى النصف الآخر في الزبالة يكون مُسرِفاً، وسيُسأل عنها أيضاً، هناك رجل – مثلاً – يُحِب الأكل يا أخي، أكول! ماذا نفعل له؟ فليأكل ويحمد لله، يُسمي ويحمد الله، هذا شاكر بنعمة الله تبارك وتعالى، وإن كان الأفضل الاقتصاد، الأفضل هو الاقتصاد! فيبدو أن وَلاَ تَعْتَدُواْ ۩ بالتحريم، أي تحريم ما أحل الله، قال إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ۩.

۞ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ۞

وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ۩، أيضاً الآية واضحة.

۞ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۞

لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ۩، فسَّرناها أيضاً قبل، ما معنى اللغو؟ قيل هي قول الرجل في بيته والله كذا ووالله كذا، وقيل هي يمين الغضب، وأتينا بآثار عن عمر وعن غيره، وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ ۩، ما معنى عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ ۩؟ عزمتم عليها ووثَّقتموها في القلب، فَكَفَّارَتُهُ ۩، أي كفّارة الحنث، إذا الإنسان حلف وحنث في يمينه لابد أن يُكفِّر جزاء الحنث، هذا هو! الجزاء هو الكفّارة، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ۩، وهذا هو الأسهل، أسهل شيئ الإطعام، كم نُطعِمهم؟ وجبة، ليس ثلاث وجبات وإنما وجبة، مِنْ أَوْسَطِ ۩،  قيل من أعدل وقيل من أمثل، وبالمُناسَبة هذا غير مشهور، بالعكس! يُساوِق المشهور في اللُغة العربية، السطة والوسط هو الأعلى والأفضل والخيار، النبي من أوسط قومه نسباً، ما معنى أنه أوسط؟ ليس معناها أنه بين جيد وبين الرديء، بالعكس! هو الأجود، ولذلك يُمكِن أن يكون معنى مِنْ أَوْسَطِ ۩ من أمثل، عندك وجبة بعشرين ووجبة بثلاثين، أعطه آخر شيئ، أي الوجبة التي بثلاثين، لكن المشهور عند الفقهاء أن مِنْ أَوْسَطِ ۩ معناها من مُتوسِّط، ليس بالعالي جداً وليس بالقليل جداً، والذي يُريد أن يتورَّع يدفع فعلاً الأمثل لكي يأخذ بالأحرى بإذن الله تبارك وتعالى.  

أَوْ كِسْوَتُهُمْ ۩، وهذه أصعب، مَن الأصعب: الإطعام أم الكسوة؟ الكسوة، لأنها أغلى، فالله بدأ بالأهون، ثم ترقى إلى الأصعب وإلى الأعلى، أليس كذلك؟ وأصعب شيئ في النهاية تحرير الرقبة، أليس كذلك؟ هذه أصعب أيضاً وأغلى، فالله رحمةً بنا – هذا من باب الرحمة – بدأ بالأسهل، قال إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۩، وبالمُناسَبة هذه هي خصال الكفّارة على التخيير، إذا أحببت أن تُحرِّر رقبة وما إلى ذلك فأهلاً وسهلاً على الصحيح، لكن ممنوع أن تبدأ بالصيام، إلا ألا تستطيع واحدة من هذه الثلاث الخصال، انتبه! مِن الناس مَن يقول أبدأ بالصيام ثلاثة أيام مُتتابِعات، غير صحيح! هذه ليست كفّارة وهذا لا يُجزئك، لأنك تستطيع أن تُطعِم وأن تكسو أيضاً، لماذا لم تكسهم؟ لماذا لم تُطعِمهم؟ ممنوع، هذا جهل بالدين.

فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ۩، قرأ ابن عباس وأُبي بن كعب وغيرهما ثلاثة أيام مُتتابِعات، وهذه القراءة وإن لم تكن قراءة مُتواتِرة – أي ليست قراءة صحيحة يُقرأ بها في الصلاة – لكن حُكمها مُتفَق عليه، ثلاثة أيام عند الجماهير!

ذَلِكَ ۩، إشارة إلى المذكور، كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ ۩، اختُلِف فيها، كيف وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ ۩؟ قيل بالتكفير إذا حنثتم، فإذا حنثت في اليمين لابد أن تُكفِّر، هذا معنى وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ ۩، أي لا تُضيِّعوها هكذا، وقيل وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ ۩  بمعنى أمسكوا ألسنتكم فلا تحلفوا إلا على ما عقدت النية على إنفاذه، لا تستعجل فتقول في كل شيئ والله العظيم كذا وكذا ثم تندم بعد ذلك، أي أن فيها قولان! كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۩.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۞

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩، آية الخمر والميسر!
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ۩، الخمر معروف، الميسر ما هو؟ القمار، وبالمُناسَبة هناك قاعدة في القمار، قد يقول لي أحدكم هناك أشياء أُخرى مثل اللوتو Loto ومَن سيربح المليون ووزنك ذهب ووزنك خشب وما إلى ذلك، طبعاً أنا أرتاح إلى تحريم هذه الأشياء كلها، أنا أُحرِّمها وأعرف أن فقهاء مُعاصِرين قالوا بتحريمها وبعضهم حرَّمها، أنا مع الذين يُحرِّمون وأرتاح إلى تحريمها، لأن قاعدة الميسر تُؤكِّد أنها ميسر، ما هي قاعدة الميسر في الفقه الإسلامي؟ كيف هي؟ هي عن كل إنسان يبذل مالاً ولا يغلب على ظنه الربح، طبعاً هناك استثناءات دقيقة والموضوع فقط طويل، وهذا ليس من الاستثناءات يا أخي، لا يُستثنى لا لضرورة ولا لحاجة، القاعدة أنك إذا دفعت مالاً لكي تربح في المُقابِل مالاً آخر أو شيئاً آخر لكن هذا الربح يغلب على الظن – انتبه – أنه لا يحصل الربح فهو حرم، إذا كان يغلب على الظن حصوله مثل التجارة فالأمر يختلف، قد تقول لي حتى التجارة فيها ميسر، أليس كذلك؟ لكن هذا غير صحيح، التجارة يغلب على الظن أنها مُربِحة، أليس كذلك؟ لا تقل لي التجارات بنسبة سبعين في المائة تخسر، غير صحيح! الذين يُتجارِون يغتنون والله يفتح عليهم، هذه طريق حلال للربح، أليس كذلك؟ لكن في الميسر تدفع ولا تعرف، وطبعاً نسبة أن تربح ضعيفة جداً جداً جداً، وطبعاً يغلب على الظن عدم الربح، وهذا يحدثحين تقول لي يُوجَد لوتو Loto في النمسا هنا وتُوجَد ورقة رابحة أو عشر ورقات يا حبيبي ويشترك اثنان مليون، ما النسبة هنا؟ تفضَّل احسبها رياضياً، هذا ميسر، ونفس الشيئ مَن سيربح المليون ووزنك خشبك ووزنك كذا، كل هذا ميسر، لماذا؟ قد يقول لي أحدكم لا يا أخي هذا اتصال، لكن كيف يكون اتصالاً؟ أولاً الاتصال هذا مُكلِف جداً، حتى داخلياً من الإمارات ومن غيرها هو اتصال دولي International تابع لدولة وتدفع مبالغ هائلة لكي تتصل لمدة ثلاث دقائق، ويضحكون عليك بالكمبيوتر Computer ويقولون لك انتظر دقيقة من فضلك أيها المُتصِل وبعد ذلك يأتون لك بأسئلة لكي تُجيب عنها مبدئياً وبعد ذلك تدخل قرعة ثانية وبعد ذلك قرعة ثالثة، وبعد ذلك حتى الذين يفوزون ويُجيبون هم بالآلاف طبعاً، مَن يُجاوِب الأسئلة التافهة الخاصة بهم عشرة آلاف واحد – مثلاً – وهم يأخذون خمسة منهم، ما هذا؟ ميسر واضح، أنا لا أعرف كيف شك فيها بعض العلماء، ميسر واضح جداً، وأنت تُغامِر بنسبة شبه معدومة لكي تحظى بالقرعة هذه، فهذا ميسر، أنا مُرتاح جداً أن هذا حرام ولا يجوز أن نُفتي الناس بتحليله – والعياذ بالله تبارك وتعالى – في كل الأحوال.

وَالْأَنصَابُ ۩، ما هي الأنصاب؟ فسَّرناها قبل ذلك، الحجارة حول الكعبة التي كان يُهدى لها ويُذبَح عليها وتُراق عليها الدماء، وَالْأَزْلَامُ ۩، قلنا جمع زَلَم أو زُلَم، ما هي؟ القِداح التي يُستقسَم بها، رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۩، الرجس في الأصل هو النجس، أي الشيئ النجس، وقيل هو اللعنة، وقيل هو الغضب والعياذ بالله، غضبٌ من الله أو لعنة أو نجس مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩.

تعرفون أحاديث الخمر وكيف حُرِّمت في النهاية ولما حُرِّمت ماذا فعل المُسلِمون كثيرة جداً، من أفضلها حديث عند الإمام أحمد في المُسنَد عن أنس بن مالك، أنس كان ساقي القوم في دار أبي طلحة، لماذا كان في دار أبي طلحة بالذات؟ لأن أبا طلحة زوج أمه، أبو طلحة – الفارس الكبير – زوج أم سُليم، وأم سُليم أم أنس، أليس كذلك؟ وتزوَّجها أبو طلحة، ولذلك هو كان ساقي القوم في دار أبي طلحة، وكما قلنا حتى قبل ذلك نحن في تفسير سورة آل عمران وقصة معركة بدر أحاديث أبي طلحة في المعركة مَن يرويها؟ أنس، لأنه من أخص الناس به، أليس كذلك؟ لأنه زوج أمه، فيقول كنت ساقي القوم وذكر جماعة من الصحابة كان يسقيهم، قال سكبت لهم فلما بدأت الخمر تأخذ منهم – بدأوا يسكرون قليلاً والعياذ بالله قبل أن تُحرَّم – إذ غشاهم غاشٍ، جاء رجل وقال هل شعرتم أن الخمر حُرِّمت؟ قالوا ننظر ونرى، أي قالوا هل أنت تقول هذا؟ سوف نرى ونسأل، المُهِم في رواية أُخرى عند أحمد فلما علموا أنها حُرِّمت ماذا حدث؟ هذا في نفس السياق، يبدو أنها نفس القصة لكنها رواية أُخرى عند أحمد وعن أنس أيضاً، قال: قال لي أبو طلحة أخرج يا أنس فأهرقه، أي أهرق هذا الشراب، قال فخرجت فأهرقته في الشارع، أي سكب كل الخمر، في بعض الروايات أن شوارع المدينة سالت بالخمر، كلهم ماذا قالوا؟ انتيهنا يا رب، انتهينا! لكن بعد فترة طويلة من التربية والتدرج، وفعلاً انتهوا، فهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب، المُهِم قال فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩، وأنتم تعلمون – والعياذ بالله – أن الخمر هي أم الخبائث، ولعن فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – عشرة، أليس كذلك؟ معروف! نحن نعرف هذا، ملعون الذي يبيعها والذي يبتاعها والذي يحملها والمحمولة إليه – مَن تُحمَل إليه – والذي يعتصرها والذي يسقيها والذي يأكل ثمنها وإلى آخره، كل هؤلاء ملعونون في الخمر، عشرة والعياذ بالله! وقد روى البيهقي بإسناد جيد ورواه أيضاً أبو بكر بن أبي الدُنيا في كتابه ذم المُسكِر – روى نفس الحديث – عن سيدنا عثمان بن عفان أنه قال يا عباد اجتنبوا الخمر فإنه أم الخبائث، إنه كان فيمَن كان قبلكم رجلٌ أتته جاريةٌ فقالت له يا عبد الله تعال فاشهد، أي أنه طلبته للشهادة في شيئ مُعيَّن، قالت له تعال فهناك مُشكِلة، فذهب معها فكان كلما دخل باباً أُوصَد دونه، أي أُغلِق بعده! حتى انتهى إلى غُرفةٍ أو دارٍ، قال – والعياذ بالله – فيها امرأة جميلة حسناء وعندها غُلام صغير وباطية خمر، أي إناء كبير فيه خمر، فقالت له يا عبد الله إما أن تقع علىّ – على البعيدة – وإما أن تقتل هذا الغُلام وإما أن تشرب من هذا الخمر، فاختر! افعل ما تُريد، علماً بأن الخمر تُؤنَّث وتُذكَّر كما قلنا، أي يُقال من هذا الخمر ومن هذه الخمر، الخمر تُؤنَّث وتُذكَر، فاختر! فاختار الرجل ما ظنه بغبائه وحماقته الأسهل وهو شرب الخمر وهي أم الخبائث، فشربها! يقول عثمان فلم يبرح حتى وقع على المرأة وقتل الطفل، ارتكب كل الجرائم، وفعلاً الإنسان حين يغيب عقله يُمكِن أن يفعل كل شيئ، يُمكِن أن يكفر، يُمكِن أن يسب الرب، يُمكِن أن يسب الدين، يُمكِن أن يُطلِّق زوجته، يُمكِن أن يتكلَّم في عرض أمه أو أخته، فظاعات! فنسأل الله أن يحفظ أبناء وبنات المُسلِمين من هذه الكبيرة، من أم الخبائث.

۞ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ۞

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ۩، أيضاً واضحة إن شاء الله، ليس فيها شيئ غير مفهوم.

۞ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ۞ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ۞

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ۩ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ ۩، أي إثم، الجُناح هو الإثم والحريجة، فِيمَا طَعِمُوا ۩، طبعاً كلمة طَعِمُوا ۩ إذا أُطلِقت هكذا تُطلَق على المطعوم والمشروب، قال واستطعم الماء لما جد في الهرب عن أحد قادة بني أُمية! واستطعم الماء لما جد في الهرب، ثم إن في كتاب الله أيضاً قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۩، أليس كذلك؟ هذه هي، وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ ۩، لماذا؟ وجهة نظري الشخصية أن الماء في لحظة أو في حال الجوع الشديد والعطش يكون كأنه طعام وشراب، حين تكون جائعاً جداً وعطشان تشرب يكون هذا الماء كالطعام، لكن في الحالة العادية هو ليس كذلك، يكون شراباً، ولذلك هم كانوا في حالة عطش كما يبدو وجوع، وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ۩.

المُهِم هذه الآية ما سبب نزولها؟ سبب نزولها لما حُرِّمت الخمر وقالوا قد انتيهنا يا رب، قد انتهينا! سأل أُناس من الصحابة عن إخوان لهم، قالوا يا رسول الله فما هو سبيل أناس لنا قُتِلوا في سبيل الله وآخرين ماتوا على فرشهم كانوا يشربونها؟ مُشكِلة! اتضح أنها نجس ورجس وحرام وأم الخبائث، هناك أُناس إخوان لنا وصحابة لك يا رسول الله ماتوا في الجهاد وكانوا يشربون الخمر، ماتوا وهم أصلاً يسكرون، لم تكن مُحرَّمة، وهناك مَن ماتوا ميتة عادية لكنهم أيضاً كانوا يسكرون، أي لما ماتوا كانوا يسكرون، لم يتوبوا منها لأنها لم تكن حراماً، فأنزل الله هذه الآية، لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ۩، انتبهوا لأن هذه الآية مُشكِلة، قد يأتي إلى أحدكم رجل ليس عنده خلفية وليس عنده معلومات ويقول الآية تقول الخمر حرام وهذا صحيح لمَن يُريد أن يفعل بها المعاصي، لكن أنا إنسان تقي وسأفعل هذا وحدي، أُريد أن أُغلِق على نفسي الباب لكي أسكر وانبسط، والله قال ليس علىّ حرج إذا اتقيت الله! وهذا حدث مع واحد ابن عمومة سيدنا عمر بن الخطاب اسمه قدامة بن مظعون، هذا المسكين – رضيَ الله عنه وأرضاه – غلط هذه الغلطة وشرب الخمر وهو مُسلِم، كان في الجيش وشرب، عادي! وبعد ذلك شهد الناس عليها فعمر قال له تعال يا عدو نفسه، هل شربت؟ قال، فقال نعم شرب، كان مُتأوِّولاً، عنده حُجة، قال له كيف شربت؟ أما تعلم أن الخمر مُحرَّمة؟ قال له قال الله تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ۩، قال له أنا – إن شاء الله – أبتعد عن المعاصي كلها وأنا تقي وطيب، وأنا شربت بيني وبين ربي، قال له يا عدو نفسه لأجلدنك الحد مرتين، حد الشرب وحد الافتراء على الله، قال له يا عدو نفسه، يا جاهل لو اتقيت الله لما شربت الخمر، الآية واضحة! لو كنت من الذين يتقون الله لاتقيت محارم الله والخمر من كبار محارم الله، أليس كذلك؟ فكيف فهمت الآية بالطريقة هذه؟ لأن المسكين لم يفهم سبب النزول، ولذلك علماؤنا شدَّدوا – شدَّدوا جداً وشدَّدوا النكير والاشتراط – على المُفسِّرين الذين يتصدون لتفسير كتاب الله، ما هو النكير والاشتراط؟ أن يكونوا على علمٍ تامٍ بأسباب النزول علمهم بالناسخ والمنسوخ أيضاً، لأنك إذا لم تفهم السبب الذي نزلت عليه أو على خلفيته الآية قد تضل في فهمها، فهو يُعينك جداً على أن تفهم المعنى المُراد في الآية، وأخطر منه بصراحة الناسخ والمنسوخ أيضاً، تكون آية منسوخة وأنت تأخذ بها وتقول بحُكمها وهي منسخة، مرفوعة الحكم، ممنوع! وهناك أشياء أُخرى، فإذن هذا معنى الآية، الله أنزل في هؤلاء هذه الآية.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۞

نختم – إن شاء الله – بهذه الصفحة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ۩، ما معنى لَيَبْلُوَنَّكُمُ ۩؟ الله يُخاطِب مَن الآن؟ يُخاطِب مَن؟ أي المُسلِمين؟ الحجاج أو المُعتمِرين، أي المُحرِمين، المُسلِمين في حال الإحرام بحج أو بعمرة أو بنُسك، في حال الإحرام بنُسك، بحج أو بعمرة أو بهما معاً، قال لَيَبْلُوَنَّكُمُ ۩، ليختبركم، يُوجَد فخ نختبركم فيه، شرك شرعي! بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ ۩، مُختلِف! يُوجَد صيد خفيف جداً يُمكِن أن تأخذه بيدك مثل الدراج ومثل الفر ومثل بعض الدواجن، أي أنه سهل يُغريك، حين يأتي ويكون عندك أنت تُغرى بأن تأخذه، أليس كذلك؟ يدفعك النهم أو الحاجة أو الجوع أو الاستسهال لأنه قريب، تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ۩، بيدك تأخذه، وَرِمَاحُكُمْ ۩، هذا يكون الصعب الكبير مثلاً، مثل الأيائل، الغُزلان، الظباء، حمار الوحش، وهكذا! فإذن تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ۩ عن الصغير، وَرِمَاحُكُمْ ۩ عن الكبير، قال بعضهم هذه نزلت في الحُديبية، تعرفون الحُديبية سنة ست، سُبحان الله ساق الله لهم من الصيد شيئاً مُغرياً، فكان حولهم طيور وفر وأشياء وما إلى ذلك، تتحرَّك حولهم كنوع من الاختبار من ربنا، هذا ممنوع! من تعظيم حُرمات الله هذه وشعائر الله.

لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۩، الذي يصيد الصيد هذا – والعياذ بالله – ارتكب ذنباً بلا شك، وعليه كفّارة، عليه جزاء الآن سيأتي، فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ۩، الإشارة بــ ذَلِكَ ۩ لماذا؟ للنهي الشرعي، أليس كذلك؟ النهي عن الصيد للحُرم، بعد أن استقر النهي وعُرِف وعُمِّم معرفته أو علمه قال فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۩ – والعياذ بالله – من الله تبارك وتعالى، ليس في الدنيا، لا يُوجَد عذاب يستطيع أن يقوم به القاضي أو الإمام ضد مَن صاد، هناك كفّارة الآن سنذكرها إن شاء الله تبارك وتعالى.

باختصار أيها الإخوة – أحكام الصيد طويلة جداً، مذكورة في كُتب الحج، لكن باختصار سنتحدث – لا يجوز لمَن كان مُحرِماً أن يصيد أو أن يدل أو أن يُعين، ممنوع حتى أن تدل الحلال، كأن تقول له أنت حلال وهناك حيوان يختبئ خلف كذا، ممنوع! ولو دللته لم يجز هذا الصيد لا لك ولا للحلال وهو ميتة، هل فهمت؟ خطيرة المسألة، كأن تقول أنا مَن دله، هو حلال وأنا مُحرِم، أي أنا حرام – فحرام تعني مُحرِماً – وهو حلال، لكن لا، ممنوع أن تدل وممنوع أن تُعين، لحديث الصحيحين عن أبي قتادة، أبو قتادة خرج مع الصحابة وكانوا مُحرِمين بنُسك، لكن أبا قتادة كان حلالاً، لم يكن مُحرِماً، فالمُهِم رأوا حمار وحش وفي رواية حُمراً – أي أكثر من واحد أيضاً – خلف هضبة، فالمُهِم أبو قتادة استنفرهم، فقالوا لا، لا نصيد، نحن حُرم، نحن ليس لنا علاقة، فذهب هو وصاد حماراً، قال لهم كلوا، قالوا لا نأكل ونحن حُرم حتى نأتي الرسول ونسأله، فلما قدموا على الرسول سألوه، قالوا يا رسول الله أبو قتادة كان حلالاً وصاد، قال هل منكم مَن دله؟ قالوا لا، قال هل منكم مَن أعانه؟ قالوا لا، فقال كلوا، وأكل معهم النبي، إذن في هذه الحالة فقط يُمكِن للمُحرِم أن يأكل من الصيد، أي حالة؟ حين لا يكون هو صاد أو دل أو أعان، أيضاً يُوجَد شرط رابع غير مذكور في الحديث لكن استنبطه الفقهاء، الحلال يجب أن يصيد الصيد على نية أنه له، لا للحرام، فإن صاده على نية أنه يصيده للحرام أصبح ميتة أيضاً وحرم عليه وعلى الحرام، هل فهمتم؟ أي على المُحرِم، إذن هذه أربعة شروط نستحضرها الآن، لكنها غير مُهِمة ولا يُوجَد أهمية لاستحضرها، لأن الآن لا نرى صيداً، يُوجَد جامبو وما إلى ذلك ونحن لا نصيد ولا نرى صيداً، لكن هذا للعلم، لكي تعرف فقط – للعلم – فلعل أحدهم يسألك عن هذا.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ۞

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۩، ما الجزاء؟ ما الكفّارة؟ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا ۩، هنا قد يقول لي أحدكم الله قال مُّتَعَمِّدًا ۩، فماذا عن غير المُتعمِّد؟ قال الزُهري جاء الكتاب بجزاء المُتعمِّد والسُنة بجزاء الساهي، فإذن القيد هنا غير مُراد، لماذا؟ تُوجَد قاعدة مُتفَق عليها وقد شرحتها قديماً في فقه الحج، احفظوها فهي مُهِمة جداً، وأكثر ما يقول بها السادة الشافعية، قاعدة تقول الإتلاف يستوي فيه العمد والسهو، انتبهوا! الإتلاف! إنسان – مثلاً – استعطر ساهياً وهو حاج مُحرِم، هل عليه فدية؟ لا، ماذا عن إنسان – مثلاً – قص شعراً أو كسر ظفراً أو أي شيئ أو قتل صيداً ساهياً؟ عليه فدية، إذا حدث إتلاف – قص الشعر أو النتف أو كسر الظفر أو أي شيئ، هذا كله إتلاف، وقتل الصيد إتلاف  – في الحج سواء كان عمداً أو سهواً فيه جزاء، هل هذا واضح؟ أما الذي لا يكون إتلافاً فعمده فيه وسهوه ليس فيه، هل فهمتم هذه القاعدة؟ تُسهِّل عليكم فهم كثير جداً من جُزئيات فقه الحج في هذه المسألة إن شاء الله، فهنا المُتعمِّد بالكتاب والساهي في السُنة أيضاً، كله موجود! قال مُّتَعَمِّدًا ۩.

قال فَجَزَاءٌ ۩، أي فكفّارةٌ، جزاء معناها كفّارة، لابد أن يُكفِّر، مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ۩، هذه الجُملة تحتاج في شرحها إلى أربع أو خمس صفحات، وفيها خلاف كثير، لكن باختصار هذا الصيد الذي يُقتَل إما أن  يكون مثلياً أو ليس له مثل، كيف يكون مثلياً؟ له مثل من الحيوان الإنسي أو المُستأنَس، فالإنسان لو قتل نعامة نقول ما أكثر شيئ يُشبِه النعامة؟ الجمل، سُبحان الله! يُشبِهها في الرقبة وما إلى ذلك، وفعلاً الصحابة حكموا بذلك، الذي يقتل نعامة ينبغي أن يُكفِّر بجمل، الذي يقتل أيلاً – تعرفون الإيل – يُكفِّر ببقرة، لأنها تُشبِهه، أليس كذلك؟ الذي يقتل ظبياً يُكفِّر بخروف فاره، وهكذا! أي له مثل، وهناك أشياء لها مثل، فهذه نتحاكم فيها إلى القيمة، نُقوِّمها! هل هذا واضح؟ هل فهمتم؟ إذن إما أن يكون مثلياً وإما أن يكون قيمياً، نسبة إلى المثل ونسبة إلى القيمة.

قال فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ۩، مَن الذي يحكم به؟ هل هو الذي يحكم؟ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ ۩، سيدنا عمر بالمُناسَبة حكَّم نفسه وحكَّم المُتلِف، أي الصائد، قال له تعال لكي أحكم أنا وأنت، فحكما فيها بعنز في صيد مُعيَّن، قالا نحكم بالعنزل وينتهي الأمر، لكن الأحسن أن يحكم اثنان عدلان من المُسلِمين، يقولون – مثلاً – هذا صاد كذا، فيُقدِّراً، يقولا هذه يُمكِن أن تكون مثلية، يُمكِن أن تكون مثل كذا أو كذا من الحيوان الإنسي، إذن كفِّر بكذا، هل هذا واضح؟ هذا هو باختصار.

يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ۩، ما معنى هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ۩؟ هذا الحيوان الذي يُكفَّر به يُهدى إلى البيت، إذن أين يُذبَح؟ في الحرم، انتبهوا! حتى لو هو أخطأ في غير منطقة الحرم، لكن هو في الإحرام الآن، هو مُحرِم! لكن خارج الحرم أخطأ هو وصاد، يجب أن يسوق هذه الكفّارة – أي هذا الحيوان – إلى الحرم، بحيث يُذبَح الحيوان في الحرم، بعض الأحناف قالوا يُكفِّر حيث أخطأ، وهذا غير صحيح، قال ابن العربي لا يشهد له لا كتاب ولا سُنة ولا أثر، غير صحيح! قياس غير صحيح، الله قال هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ۩، التزم النص، لابد أن يكون في الحرم!

قال أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۩، يُوجَد شيئ هنا غير مفهوم، طبعاً قال مَسَاكِينَ ۩، كم عدد المساكين؟ يُمكِن أن يكونوا ستة، يُمكِن أن يكونوا عشرة، يُمكِن أن يكون عشرين، ويُمكِن أن يكون ثلاثين، مُشكِلة! غير واضحة، سوف نرى لماذا، قال أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ۩، كم عدد أيام الصيام؟ نفس الشيئ! يُمكِن أن يكون ثلاثة أيام، يُمكِن أن يكون ستة أيام، يُمكِن أن يكون عشرة أيام، يُمكِن أن يكون عشرين يوماً، يُمكِن أن تصوم شهراً، ويُمكِن أن تصوم أكثر، غير واضحة! فالله تركها هكذا بالمُطلَق، قال ماذا؟ قال طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ۩، كيف أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ۩؟ ماذا تفعل حين لا تجد – مثلاً – هذا الحيوان؟ هذا الحيوان غير موجود، يُمكِن أن يكون مثلياً، لكنه مثله غير مُتوفِّر الآن وأنت تُريد أن تُكفِّر، تُعجِّل بالتكفير! فماذا تفعل الآن؟ انتبه! تُقوِّم هذا الحيوان أو يكون قيمياً – أي إما أن يكون مثلياً لا يتوفَّر مثله الآن مثلاً أو يكون قيمياً، في كلتا الحالتين تُقوِّم الحيوان – بالدراهم، كم ثمنه هذا؟ بكم يُباع في السوق مثلاً؟ بخمسين ديناراً، أليس كذلك؟ ثم تُقوِّم الدنانير بماذا؟ بالحنطة، وكم يُشترى بها حنطة – القوت الخاص بنا – مثلاً؟ ثم تُقوِّم الحنطة، كل نصف صاع بيوم، هل هذا واضح؟ هل فهمت الآن كيف هذا؟ 

(ملحوظة) ذكر أحد الحضور رأياً فقال له الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم والله أنا هذا الذي أقوله، أنا دائماً في التفسير آتيك برأي الجماهير، أي برأي جماهير الصحابة وجماهير الفقهاء، هناك آراء كثيرة لكن أنا آتيك بالأقوى، وهذا هو المفتي به إن شاء الله، إذن تُقوِّم الحيوان – كما قلنا – بالدنانير، تُقوِّم الدنانير بالحنطة، تُقوِّم الحنطة كل نصف صاع بيوم، إذا لم يكن عندك هذا في النهاية لابد أن تصوم، تضطر إلى هذا، ولذلك يُمكِن أن تصوم ثلاثة أيام أو عشرة أيام أو عشرين يوماً أو شهراً أو أربعين يوماً بحسب هذه الجريمة التي فعلتها، بحسب الحيوان الذي اصطدته، باختصار هذا هو! 

فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ۩، وقلنا ما الفرق بين العَدل والعِدل قبل ذلك، لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۩، ما معنى وَبَالَ أَمْرِهِ ۩؟ عقوبة جنايته، أي لكي يذوق عقوبة جنايته، عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۩، ما معنى عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۩؟ أي مما كان من الصيد في الجاهلية، في الجاهلية كنتم تصيدون وتفعلون هذا، فليس معناها في الإسلام، لا! في الإسلام طبعاً الأمر مُختلِف، وَمَنْ عَادَ ۩، في الإسلام قال العلماء، وَمَنْ عَادَ – في الإسلام – فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۩، هنا قد يقول لي أحدكم انتظر، قبل هذا الشيئ وقبل أن ينزل هذا الحُكم أصلاً ربما صاد إنسان صيداً وما إلى ذلك، هذا لو افترضنا أن هذه الآيات تأخَّرت عن فرض الحج، انتبهوا! هذا هو، الحج تأخَّر فرضه، سنة ست! والظاهر من كلام المُفسِّرين حتى لا نتكلم بهوانا أن هذه الآيات أو هذه الأحكام الشرعية لم يتأخَّر فرضها وتبيانها عن فرض الحج والنُسك، فهذا يعني أنه لم تكن هناك فرصة، هل فهمتم كيف؟ لذلك لم أجد مِن المُفسِّرين مَن قال – مثلاً – عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۩ من المُسلِمين – أعني المُفسِّرين طبعاً الذين يُعتَد بخلافهم ورأيهم، أي الفقهاء الكبار من أصحاب الأحكام – في تفسيرها لُغوياً، وهذا هو الأرجح، وَمَنْ عَادَ – في الإسلام – فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۩، كيف فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۩؟ بالكفّارة، انتبهوا! بالجزاء، هذا الا نتقام، لا ينتقم منه بشيئ آخر، ولذلك سأل بعضهم بعض السلف عن هذا، قال فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۩، هل هي عقوبة يفعلها الإمام به؟ قال لا، لا نعلم شيئاً منذ لك، فقال له هل هناك حد؟ قال لا، فقال له هل هناك تعزير؟ قال لا، إذن ما الانتقام هذا؟ بالكفّارة، هو هذا! والكفّارة ليست سهلة، أليس كذلك؟ يُمكِن أن تُكلِّفك في النهاية صيام أربعين يوماً، فهذه المسألة ليست سهلة!

وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ۩، عَزِيزٌ ۩ مُمتنِع ينبغي ألا تُتعدى حدوده وحُرماته، ذُو انتِقَامٍ ۩ ينتقم فعلاً كما انتقم بهذه الكفّارة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: