الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على ما ألهم وعلَّم، الحمد لله على ما أسبغ وأنعم، الحمد لله على ما هدى وأرشد وللنعمة أتم، الحمد لله رب العالمين عدد خلقه ورضا نفسه وزِنة عرشه ومداد كلماته، الحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار.

الحمد لله رب العالمين بكل لسان، الحمد لله في الأولى، والحمد لله في الآخرة، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي تفرَّد في الجلال بكمال الجمال تعظيماً وتكبيراً، واختص – سُبحانه وتعالى – ذاته الشريفة العلية بتصريف الأحوال على الإجمال والتفصيل تقديراً وتدبيراً، واصطفى من عباده وانتخب من أوليائه خيرة أنبيائه ومُقدَّم رُسله، محمداً صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان وسلم تسليماً كثيراً، فابتعثه بذكره وأرسله بكلامه إلى العالمين وجميع الثقلين الجن والأنس بشيراً ونذيراً، فأقام به عمود الدين، وهدى به من ضلالة، وأقام به من زيغ، وأحيا به من موت، وأغنى به من عيلة، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صُماً وأفواهاً بُكماً، وأنار به السُبل، ومهَّد به الطرائق، وهدى به إلى أحسن الخلائق، صلى الله تعالى عليه، صلى الله تعالى عليه في الأولين والآخرين، وصلى الله تعالى وسلم وبارك عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون، وعلى آله الطيبين الطاهرين المُطهَّرين بنص كلام رب العالمين وأصحابه الغُر الميامين الذين جاهدوا في الله حق جهاده كما ذكر الله مولانا – سُبحانه وتعالى – في عال ذكره ومُحكَم كتابه، وكانوا أهل التقوى وأحق بها وأهلها، رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين، وعلى أتباعهم بإحسان وعلينا وعليكم والمُسلِمين والمُسلِمات معهم بفضله ومنّه ورحمته أجمعين.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

الله أكبر على هاته الحالة التي نعيش، الله أكبر على هاته المهازل التي يخزى لها جبين كل حر وأبي من هذه الأمة المرحومة المنكوبة.

أيها الإخوة:

نحتفل اليوم مع ملايين المُسلِمين في مشارق الأرض ومغاربها بعيد هذه الأمة الأكبر، عيد الأضحى! الذي هو رمز إلى تضحية هذه الأمة أهواءها وزيفها ومصالحها وتسليمها قيادها إلى شرع الله سُبحانه وتعالى، أو هكذا ينبغي أن يكون الحال، ولكن من الغد أيضاً سيشرع أُناس آخرون في الاحتفال بهذا العيد، وهم اليوم لسنا معنا، اختاروا ألا يكونوا معنا، وتبقى بقية اختارت أن تحتفل بهذه المُناسَبة الشعائرية الجليلة الكريمة بعد غد أيضاً، ولا ندري بماذا سيأتي قادم الأيام والليالي، والليالي من الزمان حُبالى مُثقَلات، يلدن لهذه الأمة وفي هذه الأمة كل سنة كل عجيب.

الله أكبر على هذه الحالة، لا نُريد أن نُمعِن في التشكي، ولا نُريد أن نندلع في التباكي، فقد غبر على هذه الأمة عقود وعقود وهي تشتكي وتتباكى وتندب حظها، وقد استبان ووضح لكل ذي بصيرة أن أعدى أعداء هذه الأمة هي ذاتها، الآن وضح لكل ذي عينين أن هذه الأمة تُمعِن في عداء نفسها، تُمعِن في تحقير نفسها، وهذا شيئ عجيب، ندر أن سُمِع بمثله، والعياذ بالله من هذه الحال، ولذا قلنا نحمده سُبحانه على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار.

ما جدوى هذا العيد إذن؟ ما جدوى هذه الشعائر إن صارت عاملاً في تفتيت الأمة؟ ما جدوى هذه الشعائر إن صارت عاملاً في تمزيق الأمة؟ لكن يا تُرى هل هي حقاً العامل في تمزيقها أم أهواؤها وسياسات حكّامها ودغل ونفاق علمائها وأئمتها الذين يُضحون رضا الله – سُبحانه وتعالى – ومصلحة الدين ومُستقبَل الأمة من أجل أهواء حكامهم؟ أما الحكّام فلا حديث لنا عنهم ولا كلام لنا معهم، لأننا حقاً مع الأمة جمعاء، قد نفضنا الأيادي منهم مُنذ أمد بعيد، فليسوا يصلحون لشيئ إلا لمثل هذا الشيئ، أن يُمعِنوا في إذلال الأمة وفي خزيها وفي جعل العالمين يسخرون منها ويهزأون بها وفي تضحية مصالحها وبيع قضاياها وإرخاص دمائها.

بالأمس وبالأمس فقط ارتفع إلى عال سماواته بضعة عشر شهيداً من الشعب المحصور الذي لا يجد له ناصراً إلا الله سُبحانه وتعالى، من فلسطين! من الشعب أيضاً الذي يمكر بعضه ببعض ويخزع بعضه ببعض ويشقى بعضهم ببعض، فحالنا في الهَمِّ شَرقُ، نفس الشيئ! لسنا أصلح من غيرنا ولسنا نمتاز من بين سائر شعوب هذه الأمة، نفس الحالة ونفس الألم ونفس الجُرح، إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ۩.

نرى أن دهرنا جادٌ ونرى أن عدونا حازمٌ، إلا أننا حقاً وألف حق هازلون، هذه الأمة لا تزال أمة هازلة، ليست جادةً وليست صادقةً حتى في بكائها، أكثر ما يُؤلِم أن المرء يكتشف أن هذه الأمة تكذب على نفسها حتى في ندبها لحظها، تكذب! لأن مَن ندب حظه وأنكر قسمته عمل جاهداً وجاداً على أن يتلافى مزيد الأوجاع ومزيد الأوصاب والتباريح، إلا أن هذه الأمة تفعل العكس تماماً.

ألا ترون أن كل أحد يشتكي الفُرقة؟ لا أُريد أن أُسمي لا طوائف ولا أحزاباً ولا شعوباً ولا أُمماً، كل واحد من هذه الأمة يشتكي الفُرقة، وتقريباً كل واحد من هذه الأمة يعمل على التفريق، طبعاً هو يزعم – وهو مُتصالِح مع ذاته ومُرتاح تماماً مع نفسه – أنه يعمل على الوحدة، بالمعنى الذي يفهم هو، الوحدة ماذا؟ الوحدة على شرطه ووفق مذهبه ورؤيته وهواه ومصلحته، إن كانت الوحدة وإن أردتم الوحدة على هذا الشرط فيا حيهلاً، وإلا فلا كانت الوحدة، فكلٌ يُغني على ليلاه، كلنا بهذه الطريقة!

أيها الإخوة:

في الأيام الأخيرة للأسف ساءني الحظ واضطررت إلى التجوال كما يُقال بين صفحات الشبكة العنكبوتية – الإنترنت Internet – المعروفة، ووجدت فعلاً أن مُشكِلة المُسلِمين بمُختلِف طوائفهم وأحزابهم ومذاهبهم ومِللهم ليست سياسيةً فقط وهي في جانب منها سياسية، وليست علميةً فحسب وهي في جانب منها علمية، الأدهى والأمر من ذلك أنها مُشكِلة خُلقية، وأتحدى مَن لم يختبر هذه التجربة، أنا اختبرتها في أيام قليلة فسوَّدت مِزاجي وقضت مضجعي وأساءت مني الظنون بهذه الأمة وطوائفها على اختلافها، وأنا دارٍ وعالم أن منا مَن أدمن زيارة هذه المواقع بل والمُشارَكة فيها، إنها مُشكِلة أخلاقية!

أي حق هذا؟ وكما قلت أنا أُعمِّم ولا أُحدِّد، وأقصد الجميع حقاً، أقصد الجميع! جميع الطوائف وجميع المِلل والنِحل والمذاهب، أي حق هذا الذي يُطلِق لسان المُنافِحين  عنه بمثل هذا الإقذاع والبذاء؟ يا إخواني قلة أدب وبذاء وسباب وشتائم، إي والله! لم ينل عدونا منا مثلما نلنا من أنفسنا بهذا الإقذاع، لا والله! لا والله ما كتب عدو في الشرق والغرب عن هذه الأمة وعن أكابيرها وعن علمائها وعن أعلامها ونجوم سمائها كما تكتب هذه الأمة بعضها عن بعض، لا أستطيع أن أُصرِّح بأكثر من ذلك، شخصيات – أعلام في القديم والحديث – كثيرة، خُذوا بدءاً من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم، ورضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم – وأئمة الدين والمُجدِّدين المُجتهِدين والمُجاهِدين المُحرِّرين في تاريخنا إلى علمائنا اليوم أيضاً على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم ومِللهم وأميالهم ومن جميع الجهات.

أهذا سبيل نُصرة الحق؟ أهكذا ينتصر الحق؟ أهكذا نشتفي للحق الذي نزعم أنه حقنا وأننا نُمثِّله؟ إنها مُشكِلة خُلقية، أنا زعيم بأن مَن لم يكن مُسلِماً ودخل على أمثال هاته المُنتديات لن يُفكِّر يوماً أن يقرأ شيئاً عن هذا الدين، والعجيب أن الذين يكتبون فيها بعضهم من أهل العلم ويتقيَّلون شيئاً من طرائق أهل العلم ويُحسِنون الاستشهاد بالمصادر والمراجع والأحاديث والنصوص والتقارير والإحالات والتوثيق، ليسوا جهلة دائماً، وكثيرٌ منهم جهلة، جاهلون! لكن بعضهم أيضاً من أهل العلم، مُستوىً دون، الحق إن لم يجعل قلبك نيّراً ولسانك عفاً فهذا ليس بحق، أو أنك لم تتنوَّر بهذا الحق، واحدة من الاثنتين!

فأنا زعيم أن مَن لم يكن مُسلِماً ودخل وقرأ هذه الأشياء لن يُفكِّر يوماً أن يقرأ شيئاً عن هذا الدين، دين بهذا المُستوى وأهله بهذا المُستوى لا يُمكِن أن يكون حقاً، هكذا سينتهي استنباط هذا الرجل، فلِمَ الفتنة؟ لِمَ نُمعِن في فتنة أنفسنا وصد غيرنا عن دين الله تبارك وتعالى؟

الله أكبر، الله – سُبحانه وتعالى – هو القائل عن كلامه القديم وذكره الحكيم أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۩، لا والله يا ربنا، لا والله ما كفاهم، لا وعزتك وجلالك وما يكفيهم، لأنهم أرهقوه وأبهظوه بوهائق وأثقال وفضول وذيول وزوائد من خارجه، من سواه! وزعموا أن أمر فهمه لا يستقيم إلا بها، فلا والله لا فهموه ولا استقاموا على طريقته، بل نقضوا عُراه عروةً عروةً، وهم يزعمون أنهم به مُستمسِكون، هل ما عاد الكتاب يهدي؟ انتبهوا! هل ما عاد الكتاب يهدي حقاً أم ما عادوا به يهتدون؟ هذه هي، هذه هي لأنه هُدى للمُتقين، بل هو هُدىً للعالمين، لماذا لا نهتدي به؟ لماذا لا نتوحَّد عليه؟ لماذا لا نجمع كلمتنا حوله؟ لأنه لا يكيفينا، هذه الفرقة عندها عقائد ومبادئ ليست تجد سناداً لها من كتاب الله، لأن كتاب الله براء من هذه الخُرافات، وهذه المِلة عندها عقائد وأساطير ليست تجد تكئةً لها في كلام الله تبارك وتعالى، ولذا فهم عنه ينفرون وله يجفون، فهو لا يُساعِدهم لا على تأسيس ولا على ترسيخ وتوكيد أساطيرهم وخُرافاتهم، ولذلك زعموا أنه مُحتاج إلى ما يعضده وإلى ما يُسانِده من هذه الفضول وتلكم الذيول في فهمه والاستقامة على طريقته، زعموا وبئس ما زعموا!

نحن الآن في أيام الاحتفال، الأمة تحتفل بهذه الشعيرة العظيمة وبهذا الركن الركين من أركان الدين، الحج العظيم! فلنُذكِّر بقول شوقي، ولعلنا تقريباً درجنا على التذكير به – تقريباً في كل مُناسَبة كهذه للأسف – لأن الحال هي الحال، لم يتغيَّر شيئ وإنما نتردى إلى ما هو أردى وأسوأ، يقول:

إذا زرت بعد البيت – والزيارة تأتي في قابل الأيام اليسيرة – قبر محمد      وقبلت مثوى الأعظم العطرات.

صلى الله على محمد، صلى الله على محمد الذي أيضاً كفرنا بسُنته وجعلنا وصيته خلفنا ظهرياً وضربنا به عُرض كل حائط، وهو القائل لا ترجعوا بعدي كفّاراً – قال كفّاراً – يضرب بعضكم أعناق بعض، وأنا أزعم أن منا مَن سيُشكِّك في هذا الحديث، يقول النبي أدق وأجل من أن يرمي أمته بهذه الكلمة بل بهذا النبذ المُخيف الراعب، الكفر! لأنهم اختلفوا فاقتتلوا، فماذا كان؟ طبعاً مثل أمتنا اليوم وقد أرخصت دماءها وقد نكصت نكوصاً مُخزياً راهباً إلى تقريب القرابين البشرية، ذكرنا أن هذه المرحلة مُتقدِّمة وبدائية في تاريخ انحطاط الإنسانية، نكصت أمتنا إليها اليوم، فهي لا ترضى ذبح الإخوان وذبح المِليين وأهل الدين على طريقة العصر رمياً بالرصاص، وإنما تُقرِّبهم قرابين، فيُذبَحون من الأوداج، من الوريد إلى الوريد، نكوص مُخيف!

أبو بكر رفض أن تُحمَل إليه رؤوس المُشرِكين ورؤوس المُرتدين الذين حاربوا الله ورسوله والدين، أما نحن اليوم فنتقرَّب إلى الله زعمنا بذبح أهل لا إله إلا الله، ونُقرِّبها قرابين! لمَن؟ أهذا لله؟ قد والله كفرنا بالله إن اعتقدنا ذلك، وإنما إلى أحبارنا ورابيينا، إلى أحبار سوئنا، الذين يُصدِرون أمثال هاته الفتاوى، يذبح بعضنا بعضاً! والنبي يقول لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم أعناق بعض، مَن شكَّك في هذا الحديث نُحيله على آية من كتاب الله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ ۩، وهذه الآية ما سبب نزولها؟ ما سبب نزولها؟ 

سبب نزولها أن يهودياً شاباً بأمر يهودي خبيث مُسِن ألقى كلمةً بين الأنصار، أوسهم وخزرجهم، فأعاد نزاعاتهم جذعة، فاشتبكوا وتضاربوا وتهارشوا، فنزلت الآية! وصم الله هذا التنازع بالكفر، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۩، الصحابة – كما أوضحنا مرة – لم يكفروا بالله ولم يكفروا بالرسول، إذن هنا ليست المسألة ماذا قال الرسول بل ماذا قال الله، لماذا وصفهم الله بالكفر؟ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۩، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ۩، إنه الكفر بمعنى الأمة، إنه الكفر بوحدة الأمة.

أنا أعلم أن هناك عوائق حقيقية في سبيل توحيد هذه الأمة، يبوء بإثمها الجميع أيضاً دون استثناء، وإن كان بعضهم ربما أثقل حملاً من بعض وأعظم إثماً من بعض، ولا نُريد أن نتحامل ولا أن نتحيَّز، وعلينا أن نكون مُنصِفين، فالقرآن قبل النبي العظيم وصف هذه الفُرقة بأنها كفرٌ، ماذا يبقى لنا من جوهر الدين وحقيقة الدين؟ انتبهوا! بعضكم قد يذهب ذهنه إلى أنني أعني الخلافات بين السُنة والشيعة، أعنيها حتماً ولكن أعني ما هو أعم وما هو أبعد، فالخلافات في داخل الصف الواحد، داخل الصف السُني الواحد، والبذاء والإقذاع والسباب والشتائم واللعائن – المناكير التي أشرت إليها – داخل الصف الواحد أيضاً، حتى يُوصَف علماء كبار بأنهم كذا وكذا، لا والله، أستحي وإن شاء الله لن أفوه بها على هذا المنبر المُبارَك، لا والله، يُستحيا منها، لا والله، أوصاف لا يُوصَف بها السفلة من الناس، يُوصَف بها علماء كبار! وأنا مُتأكِّد – كما قلت وهذه نصيحتي – أن كل مَن أدمن على المُشارَكة بل الاطلاع على هاته الأشياء يسود قلبه ويسود ظنه وتلتاث نفسه وعقله ويُصبِح لا يدري أين الهُدى، يتوسَّخ ويتقذَّر بهذه القاذورات.

رب العالمين يأمر كليمه بأن يقول لفرعون الذي نازعه الربوبية وشاركه بزعمه الإلهية قولاً ليناً، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ۩، رب العالمين أمره بهذا، هذا هو الدين! الدين أدب، الدين رقي، الدين حضارة، الدين عفة، الدين مُستوى، الدين لياقة، وبعد ذلك اهتدى مَن اهتدى وضل مَن ضل، ليس علىّ هذا، لكن لست مُستعِداً أن أفقد أدبي وعفتي ومُستواي ورُقيي من أجل النزاع زعمت في قضايا حول الحق والباطل، تخص الدين والمُتدينين، لست مُستعِداً! اهتدى مَن اهتدى وضل مَن ضل!

إلى ديّان يوم الدين نمضي                                   وعند الله تجتمع الخصوم.

هناك الفصل وهناك الفيصلة، وليس في هذه الدار، هكذا علينا أن نتعلَّم وأن نُعلِّم أولادنا وأن نُعلِّم الناشئ منا، ما أخبث هذا النفس الذي شاع في هذه الأمة! إي والله.

ولذلك – انتبهوا – علينا ألا نكتفي فقط بلوم الحكّام وتشديد المعتبة على الحكّام، أيضاً على العلماء والعوام منا، على العلماء وعلى الدُعاة منا وعلى الجماهير منا، يا لله وللمُسلِمين! أتكون مُنتديات الليبراليين والعلمانيين واليساريين أعف لساناً ومنطقاً من مُنتديات الإسلاميين؟ إنها لكذلك، وقارنوا! إنها لكذلك، وأبعد بمراحل عن البذاء وقلة الأدب من مُنتديات الإسلاميين، ما الذي يحصل في هذه الأمة؟ ما الذي يحصل؟ أشياء فظيعة!

ثم اختبروا مُستوى التدين داخل الصف الواحد ومُستوى البوائق التي تُرتكَب والفواحش التي يُستخفى بها، وهي مفضوحة على هاته الوسائل، شيئ تشيب له الولدان، تشيب – والله – له الولدان، فما الذي دهانا؟ ولذلك يقول شوقي:

إذا زرت بعد البيت قبر محمد – صلى الله على محمد وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً –                                     وقبلت مثوى الأعظم العطرات.

وفاضت من الدمع العيون مهابة                     لأحمد بين الستر والحجرات.

وأشرق نور تحت كل سنية                           وضاء أريج تحت كل حصاة.

فقل لرسول الله ياخير مرسل                          أبثك ما تدري من الحسرات.

شعوبك في شرق البلاد وغربها                  كأصحاب كهف في عميق سبات.

بأيمانهم نوران ذكر وسُـنة                            فما بالهم في حالك الظلمات؟

أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۩، قلنا لا والله ما كفانا ولم يكفهم، لماذا؟ لأنهم لم يُحسِنوا الاهتداء به، ليسوا أهلاً لهذا الكتاب، ليسوا من حملته حقاً، ليسوا من خاصته، النبي يقول عن سورة البقرة لا يستطيعها البطلة، أي لا يستطيعها السحرة، سألني أحد الإخوة الذين عرفوا سحرة حقيقيين – يطيرون حتى في الهواء – عن هذا، قال رأيتهم بعيني وصُوِّروا، قال لي وهناك ساحر كان يحفظ كتاب الله – ستين حزباً، ثلاثين جُزءاً – فكيف يقول الرسول عن سورة البقرة لا يستطيعها البطلة؟ قلت أنت ما أحسنت أن تفهم كلام النبي، هل معنى لا يستطيعها لا يستطيع حفظها؟ حتى إبليس يحفظها، ما هذا؟ حتى المُستشرِقون يحفظونها، ما المُشكِلة؟ إنما لا يستطيعها بمعنى لا يستطيع أن يهتدي بها وأن يلتزم حدودها.

فاروق هذه الأمة العظيم – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – الذي كان أيضاً ضحيةً للسباب والإقذاع والشتائم والتحقير وهو الفاروق مكث ثماني سنوات في سورة البقرة، أترون أنه أعجزه أن يحفظها في يومين وهو العربي القح؟ مُستحيل! وإنما كان يُقيم حدها ولا يكتفي بأن يُقيم لفظها، لثماني سنوات في البقرة عمر يا إخواني، عمر! وبعد أن أتمها نحر جزوراً شكراً لله تبارك وتعالى، هذا الدين! دين الصدق والعمل والقُربة إلى الله تبارك وتعالى، وليس دين الزيف والنفاق والمُراءة والتظهر والتكسب والمنافع والسياسة والأهواء والحزبيات البغيضة، هذا هو الدين!

الله – تبارك وتعالى – ينهى نبيه وأتباعه من أصحابه الكرام عن أن يسبوا اللات والعُزى ومناة وإساف ونائلة وهُبل، لماذا؟ إنها أصنام محقورة لا تضر ولا تنفع، محقور مَن عبدها مِن دون الله، فلماذا؟ قال ستكون ذريعة إلى سبي، إلى سب الذات العلية، فلا تسبوها! ليس ينتصر الحق بالسباب ولا بالشتائم، وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ۩، ومن هنا المحنة! كل واحد يا إخواني يظن نفسه أنه اقتعد على عرش الحق المُطلَق، ليس من سُني وشيعي ووهّابي وصوفي وأشعري وماتريدي ومُعتزِلي، بل من بوذي وهندوسي ومانوي وزرادشتي ويهودي ونصراني، إلى آخره! كل أحد هكذا، القرآن يُعلِّمنا هذا، لذلك علينا أن نختط خُطة أُخرى في الانتصار لحقنا.

أيها الإخوة:

أظن – أظن والله – لو صدق حدس علمائنا لانبغى أن تكون خُطبة اليوم في العالم الإسلامي أجمع عن وحدة الأمة التي أمعنت في التفرق، عن وحدة الأمة التي أدمنت التفتت والتفتيت، هناك عوامل تفتت قد لا نستطيع لها علاجاً سريعاً، كوننا الآن دولاً قطرية، كل دولة لها مصالحها وولاءاتها وأحلافها ومُعاداتها أمر لا يستطيع أي واحد منا بمُفرَده أن يُغيِّره، ويحتاج ربما إلى زمانية مُتوسِّطة أو طويلة، لكن ما أستطيعه أنا وتستطيعه أنتَ وأنتِ وكل واحد منا أن يتقي الله – تبارك وتعالى – فيما يقول وفيما يكتب وفيما يفوه وفيما يدعو إليه، أن يتقي الله في وحدة هذه الأمة!

أيها الإخوة:

يبدو أننا لا نحتاج إلى هذه الوحدة، صدِّقوني! لأننا لو احتجنا إليها لهُدينا إلى سُبل تحقيق القدر الضئيل منها، لكن لأننا لا نشعر بحاجة حقيقية إليها فنحن فيها زاهدون ومُزهِّدون، ولذلك نزداد تمزقاً وتفرقاً كل حين، هكذا! لذلك قلت أنا حتى في شك في صدقنا في بكائنا وشكوانا على أوضاعنا، لو صدقنا لأحسنا الحيل ولعرفنا كيف نُحقِّق الحد الأدنى من توحيد هذه الأمة، أمانةٌ في أعناق العلماء، أمانةٌ في أعناق الدُعاة إلى الله تبارك وتعالى، وهي من قبل أمانةٌ في أعناق الحكّام والساسة، وحدة هذه الأمة ومصير هذه الأمة! لأن مصيرها رهنٌ بوحدتها، لا والله لا نجاة لها ولا عز ولا تمكين في عالم يتكتَّم وفي عالم يتعاظم وفي عالم يتحد ويعرف كيف يفعل ذلك إلا بأن تتحد هذه الأمة، وحدتها برهان إيمانها، كما وأيضاً برهان عقلها، ماذا بقيَ لها من إيمان؟ وماذا بقيَ لها من عقل؟

وحدتها برهان عقلها، لأن هذه الوحدة لو لم يدع إليها الدين والشرع لدعا إليها داع العقل والمصلحة يا إخواني، أليس كذلك؟ كما قلت العالم كله يتكتَّل، فهل أضحت هذه الأمة بلا شرع وبلا عقل؟ فيا ويلها ويا ثبورها!

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                                     (الخُطبة الثانية)

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

الله أكبر، الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المُبين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، الصادق الوعد الأمين، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله الطيبين وصحابته الميامين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

يا إخواني ويا أخواتي :

إذا أردنا أن نتواصى فعلينا أن نتواصى بترك أهوائنا، علينا أن نتواصى بالتخفيف من غُلوائنا، بالأمس كتبت صفحات يسيرات عن موضوع خلافي، فقرأه شخص – قرأه شخص من الناس – فقف شعر رأسه وبدنه، قال الله أكبر! أمثل هذا يُكتَب؟ أي مما كتبت، وأتيت بنقول مُوثَّقة، قال أيكتبون هذا؟ أمثل هذا يُكتَب؟ وجعل يسب ويلعن، قلت خفِّف من غُلوائك، قال عجيب! كيف تصبر وأنت تعرف هذا؟ قلت إي والله، وإني لأعرف عشرات عشرات عشرات أضعافه ومن أكثر من بضع عشرة سنة بفضل الله، لكنني أزم نفسي وأكظم غيظي وأسكت على ألم وعلى جُرح، لأنني أعلم أنني إن فُهت بما أعلم أو ببعض ما أعلم لم أكن داعية وحدة، إنما كنت داعية تمزيق.

صدِّقوني إن لم تُفِدنا هذه الوحدة الموهومة وهذه الوحدة المأمولة في تحقيق مزيد عز فإنها على الأقل لا تجعلنا نُستهلَك، يستهلك بعضنا بعضاً في نزاعات الكاسب الوحيد فيها هو العدو، انتبهوا يا إخواني! المسألة ليس لها فقط وجهها العلمي، هناك وجهها السياسي، وجهها المصيري أو حتى المصائري، هذا هو! ولذلك ليس كل ما يُعرَف يُقال، ما يُعرَف يُمكِن أن يُقال في دوائر ضيقة جداً جداً، مع أهل الذكر وأهل العلم من أولي الألباب والنُهى، والحق دائماً أبلج والباطل لجلج، العامي ليس عنده مكِنة – أي إمكانية – أن يُميِّز بين الحق والباطل، صدِّقوني! كما قال ابن خلدون العامي ما سُميَ عامياً إلا من العمى، لأنه أعمى، مسكين! العامي يقوده كل كاتب وكل ناعق ويُصدِّق، أما العالم الذي قرأ هنا وهنا وقرأ هذا وذاك وذلك فهذا الذي يستطيع – إن صحت منه النية وصدق العزم على تمييز الحق من الباطل – حين يُواجَه ويُحاجَج ويُناقَش الحساب أن يُميِّز، ويُمكِن أن يُراجِع نفسه وأن يعود إلى الحق إن شاء الله تعالى، لكن أن يُتاح هذا لجماهير الناس هذا لا يعمل إلا على التمزيق، وهذه تجربة بسيطة، بالأمس فقط وقعت، ونحن سالكون هذه السبيل – كما قلنا – من بضع عشرة سنة بحمد الله تبارك وتعالى، لماذا؟ لأننا لا نُحِب أولاً أن نُضحي الحق ومصلحة الأمة مُغالاةً بما نعرف، أي حتى نأتي ونُكثِّر الكلام على المنابر بما نعرف، لا! فليس كل ما يُعرَف يُقال.

عبد الله بن مسعود نهى بعض الصحابة الأجلاء مثل حُذيفة بن اليمان وغيره من رواة أحاديث الفتن والمناقب والمثالب عن الآتي، حُذيفة أمين سر رسول الله، أليس كذلك؟ هذا أمين سر رسول الله، وحُذيفة أكبر وأجل من أن يُتهَم أو يُظَن به الكذب والزيادة، لكن عبد الله بن مسعود – وهو الفقيه الأجل وهو في نظرنا أفقه من ابن اليمان – نهاه وقال يا حُذيفة أقصِر عن بعض ما تروي عن رسول الله، وهو يعرف أن النبي قال هذا، لكن قال هذا من باب ربما الأمانة والائتمان لك ولأمثالك، لا يُقال هذا على المنابر، فإنك – قال له، أي ابن مسعود – لا تدع ما تقول حتى تُورِث أقواماً بُغض أقوام وحُب أقوام، ستُمزِّق الأمة قال له، مثلاً الآن هل يجمل بي أو بأي عالم أو خطيب أن يأتي ويُخرِّج أحاديث وهي معروفة في الصحيحين – مثلاً – في مثالب البلد الفلاني؟ هي في الصحيحين – انتبهوا – في مثالب أهل كذا، مثلاً نفترض! موجودة هذه البلاد، أنت سترمي عن قوس بنبل رسول الله كما تظن ثلاثين مليوناً من البشر أو عشرين مليوناً، وربما مرة أكثر وأقل من الناس، هل يُرضي هذا أحداً؟ هل هذا يصح أن يكون خدمة للسُنة وخدمة للدين وقولاً بالعلم؟ ليس كل ما يُعلَم يُقال، ومن هنا قال الحكماء من قديم وقد ذكرنا الحكمة لكل مقام مقال، هذا ليس مقام العوام، ثم له تأويل!

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يهدي ألسنتنا وأن يهدي قلوبنا وأن يُبصِّرنا بالحق.

اللهم أرِنا الحق حقاً وأرزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم لا تُؤاخِذنا بما فعل السُفهاء منا، اللهم وارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ربنا لا تُشمِت بنا الأعداء ولا تجعلنا مع القوم الظالمين.

اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، اللهم إنا نسألك أن تجمع شعث هذه الأمة، وأن تُوحِّد طريقها، وأن تجمع كلمتها على ما يُرضيك من أمر دُنياها وأمر أُخراها يا رب العالمين.

اللهم وحِّد صفوفهم، واهد قلوبهم، ووحِّد قادتهم، ووحدِّد علماءهم ودُعاتهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تُعِد هذا العيد المُبارَك على أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – إلا وقد غفرت لنا ذنوبنا، إلا وقد انتصرت لنا من عدونا، وباركت لنا في أمرنا، وهديتنا إلى أرشده برحمتك يا أرحم الراحمين.

والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، وكل عام وأنتم بخير.

(19/12/2007)

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: