إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيْهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

 أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ۩ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات:

قبل يومين انتقل إلى رحمة الله شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي، ونحن نسأل الله – تبارك وتعالى – في هذا اليوم الكريم وفي هذه الساعة المُبارَكة أن يتغمَده الله – عز وجل – بواسع مغفرته وأن يُصيِّره إلى رحمته وتجاوزه وتسامحه ورضوانه، اللهم آمين.

ويشهد الله أن هذا أول ما نطق به لساني – بالمعنى طبعاً – يوم سمعت أو ساعة سمعت – لأنه يومٌ قريبٌ – نبأ وفاته رحمة الله تعالى عليه، وحزنت أن بعض الناس عبَّر بتعبير غير لائق، قد أراح الله منه أو ارتاحت الأمة، إلى آخره، لا! لا ينبغي هذا أن يصدر من مُسلِم ومن مُؤمِن يمتلئ قلبه أو يستشعر شيئاً من رحمة الله تبارك وتعالى، وقد يشعر بعض الناس أن في هذا المسلك تناقضاً مع ما كان سلف منا ومِن أمثالنا مِن نقدٍ صارمٍ ومُر للشيخ رحمة الله تعالى عليه، وما ثمة تناقض، لا يُوجَد أدنى تناقض، ما أنكرناه على الشيخ – رحمة الله تعالى عليه – لا نزال نُنكِره، إلا أن يتغيَّر اجتهادنا، ونحن ما أنكرنا عليه إلا ما أنكرته الجماهير من عوام الأمة وخواصها ولا يزالون، ولكن الرجل صار الآن إلى رحمة الله وأفضى إلى ما عمل، فما ينبغي أن ندعو له إلا بالرحمة والمغفرة والرضوان، وأما آراؤه التي خالفناه فلا نزال نُخالِفه ونُخالِف أمثاله رحمة الله تعالى عليه، هذا شأنٌ وهذا شأن، ديننا دين التسامح والرحمة، وكل شيئ في موضعه.

وبهذه المُناسَبة خطر لي أن أتناول مسألةً تُحزِن وتُشجي من المسائل التي ابتُليَ بها المُسلِمون، وبالذات في هذا الزمن، لم يخل منها زمنٌ غابرٌ، ولكن الأمر تمادى في هذا الزمن، زمن تلوى الأمة بعلمائها، في الوقت الذي أسعد الله – تبارك وتعالى – فيه هذا الأمة المرحومة بكواكب دُرية وبنجوم عوال من العلماء القوّالين بالحق، المُنتجِعين إياه في مواضعه، يُجاهِدون في الله، يُجاهِدون في الله وفي سبيل الله، وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۩، يصدعون بكلمة الحق، لا يُداهِنون لا الحكّام ولا الجماهير والغوغاء أيضاً، ولا الجماهير والغوغاء! في هذا الوقت – ونسأل الله أن يُكثِّرهم وأن يُبارِك في جهودهم وفي أنفاسهم – للأسف ابتُليَت الأمة بمَن يفوقهم عدداً، وربما مَن يعلوهم صوتاً وصراخاً وصياحاً صباح مساء، ومِن مَن لهم منابر مُختلِفة يتكلَّمون منها وعبرها، وهم فريقان!

فريقٌ جعلوا الحاكم قبلتهم، يرضون عن ما يرضى عنه، ويسخطون على ما يسخط عليه، أما الله – تبارك وتعالى – فله شأنٌ آخر، الله وشرعه ودينه ومُقتضيات النظر العلمي والاجتهاد الصحيح هذا شأنٌ آخر، يبدو أنه لا يعنيهم في كثير أو قليل، قبلتهم الحاكم وهم يتحسَّسون بذكاء وبحذق مهني كما يُقال – لأنهم مُوظَّفون، هذه مهنة، أياً كانت هذه المهنة، لا نُريد أن نُسمي، لكن بذكاءٍ وبحذق مهني يتحسَّسون – مواضع رضوان الحاكم، يُلبّونها له، يُلبّونها له ويُنعِمون له عيناً دون أن يسأل، ويُوجِسون خيفةً من أن يقعوا فيما يُغضِبه أو فيما يُسخِطه، فهم يُحاذِرون هذا الوقوع من كل وجهٍ وبكل سبب، رضيَ الله أو رضيت الجماهير، غضب الله أو غضبت الجماهير، هذا لا يعنيهم، نسأل الله أن يُريح من هؤلاء وألا يُكثِّر أمثالهم، فهم سُمٌ ناقع على الدين وعلى الأمة وعلى قضاياها وعلى عقلها ورؤيتها وسبيلها وبصيرتها.

وفي المُقابِل هناك فريقٌ آخر، ليسوا من علماء الحكّام، بالعكس! كثيرون منهم يُضادون هؤلاء الحكّام الظلمة لشعوبهم، ولكنهم أيضاً ليسوا أحباباً وليسوا أوداء للشعب أو للجماهير، يُضيِّقون عليهم باسم الدين وباسم الفتوى وباسم التورع والتُقى، لا يكادون يرون باباً فيه شُبهة أو اشتباه أو اختلاف إلا أوصدوه، في الوقت الذي – كما ذكرنا قُبيل أو قبل أسابيع يسيرة – يتزخرف ويتزين الباطل، ويأخذ أحسن حليته، ويفتح الأبواب على مصاريعها في كل باب، فهذا يُلجئ الناشئة – يُلجئ شبابنا وشوابنا من المُراهِقين والمُراهِقات بالذات – وربما ألجأ الرشدة مِن مَن تقدَّمت أسنانهم قليلاً واكتهلوا، ربما يُلجئهم إلى أن يقولوا هذه الشريعة مُعنِتة وهذه الشريعة حرِجة، مع أن الله يقول وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۩، وما خُيِّر – صلى الله عليه وسلم – بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، كما ثبت في الصحيح، فربما جفوا الشريعة وتركوا مهيعها اللاحب، لأنهم يرونه سبيلاً ضيقة ومُحرِجة، ومعهم بعض الحق، فصار هؤلاء النفر من العلماء – وهم كثيرون – فتنةً على الأمة وفتنةً في الدين، فتنوا الناس عن دينهم، وفتنوهم في دينهم بهذا التعنت وبهذا التشدد وبهذه الطرق اللا معقولة، لا معقولة ولا مقبولة!

قبل سنين استمعتُ إلى خطيب المسجد النبوي الشريف، صلى الله على مولانا رسول الله وآله وأصحابه وسلم، وأحزنني جداً في خُطبة عيد الفطر، أنه شدَّد وأكَّد على وجوبِ وانبغاءِ أن تُخرَج زكاة الفطر أو صدقة الفطر مِن أعيان الأرزاق الخمسة، وربما يتساهل بعضهم في إلحاق الأرز بها، فتُصبِح ستة، صاعاً أو نصف صاعٍ على اختلاف الرواية من البُر، أي القمح، وصاعاً من شعير ومن زبيب ومن أقطٍ، والأقط هو الجميد، المُجمَّد الذي ذهب زبده ثم يُطبَخ أو يُطبَخ به، كالكِشك أو المنسف في بلاد الشام، إلى آخره! قال لابد أن تُخرَج زكاة الفطر من هذه الأرزاق الخمسة عيناً، ولا يجوز إخراج القيمة، قلت هذا الرجل – غفر الله لنا وله، أي هذا الخطيب – إلا يدري أن هناك مئات الألوف مِمَن يُصلون خلفه اليوم – هذا اليوم المُبارَك في صلاة عيد الفطر – ليسوا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل – أبي عبد الله -، بل على مذهب النعمان أبي حنيفة – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، ومذهبه جواز إخراج القيمة نقداً؟ لماذا نُعنِت الناس؟ لماذا نُحرِجهم؟ لماذا على الأقل لا نُوسِّع عليهم ما وسَّع الله – تبارك وتعالى – ونقول المسألة فيها قولان شهيران، هذا قول هؤلاء وهذا قول هؤلاء؟ وبهذا قال ليس أبو حنيفة فقط، قال به أبو حنيفة ومسروق بن الأجدع وإسحاق بن راهويه، وكثيرون قالوا بجواز إخراج القيمة نقداً، لا يُفكِّرون بهذه الطريقة، هذا هو الأرجح وهذا هو الصحيح!

قيل لأحدهم يوماً أبو حنيفة جوَّزه، قال مذهب أبي حنيفة باطل، ولكن مذهب أبي حنيفة – رضيَ الله عنه وأرضاه – يتعبَّد به الآن من المُسلِمين حول الأرض مئات الملايين، أكثر المذاهب ذيوعاً، مُعظم المُسلِمين ومُعظمهم سُنة ومُعظم السُنة على مذهب أبي حنيفة، شئنا أم أبينا! هذه إحصائيات، هذا الواقع، وتقريباً عبر قرون والوضع على هذا، مُعظم المُسلِمين السُنة أحناف، فلماذا نُحقِّرهم؟ لماذا نجرحهم؟ لماذا لا نُقيم وزناً لعلمائهم وأئمتهم وأدلتهم؟ ويبدو أن الحق إلى جانبهم حتى في هذه المسألة، يبدو أن الحق إلى جانبهم، وسأعود إلى هذا بعد قليل، ولكن هؤلاء ما يُحسِنون إلا التشديد.

واليوم استمعت إلى خطيب قبل أن آتي إلى هذا المسجد المُبارَك يقول هكذا – غفر الله لنا وله أيضاً – يعقدون مُؤتمَراتٍ عالميةً في دول العالم – يتحدَّث عن الغرب – بشأن الغذاء والأمن والدواء، ولا والله لن يروا هذا ولن يتحقَّق لهم هذا، لن يشبعوا، لن يأكلوا، ولن يطعموا، حتى يُؤمِنوا بالله وحده وبمحمدٍ نبياً ورسولاً وبالإسلام ديناً، فقلت هذا رجل نائم، هذا رجال حالم، يحلم! ليس فقط يعيش خارج السياق، هو لا يدري ما السياق أصلاً، طبعاً والكل هكذا مُنكِّس رأسه، ولا أظن أن أحداً سيُهرَع إليه بعد الخُطبة ويقول له مولانا – غفر الله لك – أنت تستخف بعقولنا، أنت تحتقر ذكاءنا، تمتهن ذكاءنا، نحن نرى أن أكثر جوعى العالم من المُسلِمين، أكثر الجوعى في هذه الأمة المسكينة! نعم فقر المسلمين فقر يمشي على ذهب وعلى نفطٍ أسود، أكثر الجوعى وذوي الخصاصة والحاجة من المُسلِمين، أما أهل التُخمة والشِبع والبِطنة فهم الغرب، غير المُسلِمين! لا ينقصهم لا غذاء ولا دواء ولا شيئ، وهم يتصدَّقون علينا بالغذاء والدواء وبالملابس أيضاً، يتصدَّقون علينا بهذا للأسف الشديد! بالصالح والفاسد منه، يتخلَّصون أيضاً منه، حتى من الفاسد من الأدوية، أي الــ  Abgelaufen، تذهب إلى الشرق الأوسط، إلى المُسلِمين، إلى هؤلاء أنصاف البشر! كيف؟ كيف يُمكِن أن تُخاطِب الناس بهذا؟ هذا يُعنِت، سيقول أحدكم لي أين وجه الحرج؟ وجه الحرج في هذا أن مِن المُسلِمين ومن المُستمِعين مَن يكون مُتعلِّماً، هو جالس وعنده شهادة في الفلسفة أو شهادة في التاريخ أو شهادة في علم الأحياء أو شهادة في السياسة أو شهادة في الجيوسياسة، هو مُثقَّف، صحفي أو كاتب أو أديب أو مُفكِّر، هو إنسان حُر ذكي، سيقول هذا كلام فارغ، هذا ترده الضرورة، الواقع لا يقول هذا، لم يُؤمِنوا ولم يُسلِّموا بما تشترط وهم أطول الناس شِبعاً كما قال الرسول، هم أطول الناس شِبعاً في الدنيا، ثم أين أنت يا مولانا من قول الله – تبارك وتعالى – حكايةً عن إبراهيم الخليل – عليه السلام – رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۩؟ إبراهيم أراد أن يشترط هذا في دعوته، يا رب اجعل رزقك حصراً وقصراً على المُوحِّدين، فأباها الله عليه، قَالَ وَمَنْ كَفَرَ ۩، الله قال له غير صحيح ، هم عبادي، أنا خلقتهم، أنا لا أرزق فقد مَن وحَّدني، هم مسؤولون مني، خلقتهم! وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ۩، خلقها وجعلها تدب، فهو الذي يرزقها، لا يُضيِّعها، ولا يضيع مَن يضيع إلا بظلم البشر وبمنع البشر، لكن الله لا يمنع رزقه أحداً، وخلق الأرزاق دائماً أوسع من الحاجات، عكس نظرية مالتوس Malthus، المُتوالية الهندسية والعددية هذه! غير صحيح مبدأه، وثبت بطلانه تاريخياً، غير صحيح! مبدأ مالتوس Malthus غير صحيح، وعلى كل حال لذلك قدَّر الله فيها أقواتها يوم خلقها، قبل أن يعمرها بالبشر وبالدواب قُدِّرت فيها أقواتها إلى يوم يأذن بطي بساطها، لا إله إلا هو! قَالَ وَمَنْ كَفَرَ ۩، وليس فقط أُعطيه الغذاء والدواء، قال فَأُمَتِّعُهُ ۩،سيتمتَّعون! الكفّار يتمتَّعون، يأكلون إلى الشِبع، ويشربون صنوف المشارب إلى الري، ويبيتون ببِطنة، هكذا! قال فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ۩.

لَا يَغُرَّنَّكَ – يا خيرتنا، يا حبيبنا، يا صفوتنا، يا محمد – تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ۩، الله يعرف هذا، يقول، سترى يا محمد، يا صفوتنا، هؤلاء الكفّار الجحدة النُفاة الملاحدة يتقلّبون ناعمين وافرين رافهين في صنوفِ وألوان النعم، نعم! لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ۩ مَتاعٌ قَلِيلٌ ۩، قال مَتاعٌ ۩، الله يُسلِّم أنهم في متاع، مَن ذا يقول إنهم ليسوا في متاع؟ في أحسن المتاع، المتاع الذي يعيشه أهل الغرب اليوم – الغرب الأوروبي والأمريكي – حمل بعض علماء المُسلِمين وبعض أفاضل مُفكِّري ومُثقَّفي المسلمين للأسف على اجتهاد باطل باطل باطل إلى انقطاع النفس، قالوا ربما تكون الجنة الموعودة هي ما نراه الآن، وربما تكون النار ما نراه الآن، كلام فارغ طبعاً! هذا الكلام أشبه بالإلحاد في آيات الله، قاله بعض المُسلِمين من العلماء والمُثقَّفين، لأنه صُدِم بمُستوى النعمة والرف أو الرفاه الذي يعيشه هؤلاء القوم، وصُدِم بالعذاب والخصاصة والحاجة والذُل والمهانة التي سحقت المُسلِمين سحقاً في بلادهم، ولا تزال! قال هذه نار وهذه جنة، انتهى كل شيئ، يبدو أن كل شيئ في الدنيا سيحصل، فلا تقل إلا هذا، الله قال مَتاعٌ قَلِيلٌ ۩.

وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۩، هناك آيات كثيرة جداً جداً، لكن تكفي آية، وتكفي الضرورة، ويكفي الحس والوجدان، ما نجده وما تقع حواسنا عليه يُؤكِّد أن هذا الرجل نائم، شيخ بلحية وجُبة وعمة وهو شيئ كبيرة لكنه رجل نائم، نائم! وهو يُراهِن على استغباء الجماهير، جماهير غبية! المُهِم أن تمدح الإسلام وتمدح الإيمان، ثم تحت هذا العنوان قل ما شئت، قل ما لا  يُعقَل وما لا يُقبَل، كيف؟ أنتم تُحرِجون الإسلام بهذه الطريقة، أقول لإخواني هؤلاء من الخُطباء والعلماء أنتم تُحرِجون ديننا، لا تخدمون ديننا بهذه الطريقة حتى وإن دغدغتم عواطفنا، عواطف العامة! ليست دغدغة العواطف مما يخدم الدين ولا يخدم الفكر ولا يخدم الحقيقة، هؤلاء العوام هم الذين صيَّروا مَن ليس بشيئ عالماً ومُفتياً ومُجتهِداً وصفّقوا له، لأنكم علَّمتموهم على أن يستقيلوا من عقولهم، استقالة عقلية، استقالة فكرية، العقل النقدي غير موجود، هكذا!
بالأمس كنت أقول لطلّابي كم كان عمر خديجة حين تزوّجها النبي؟ قالوا كان أربعين أو خمس وأربعين، كانت بنت خمس وأربعين، قلت صحيح، هذا المشهور، لكنه غير معقول، قالوا كيف يا أستاذ؟ قلت لهم كيف؟ كيف تزوّجها وهي بنت أربعين أو بنت خمس وأربعين وأولادها هم فاطمة ورقية وزينب وأم كلثوم وطاهر وعبد الله و… و… و…؟ حوالي تسعة من الأولاد! كيف هذا؟ احسبوا لي هذا، أين قوانين البيولوجيا  Biology؟  أين انقطاع الطمث – الــ Menopause – وسن اليأس؟ أين هذا؟ كيف؟ هل كل شهر كانت تُخلِّف خديجة ولداً؟ قالوا هذا معقول جداً يا أستاذ، والله صحيح، كيف هذا؟ قلت لهم ولذلك بعض الأئمة الكبار كالبيهقي رجَّح أنها كانت بنت خمس وعشرين، وبعضهم قال بنت إحدى وعشرين، أي خديجة! وبعضهم قال بنت ثماني وعشرين، وبعضهم قال بنت ثلاثين، معقول! لكن كيف يُقال إنها كانت بنت أربعين أو خمس وأربعين؟ لا يُوجَد عقل نقدي، قالوا كيف لم نتساءل؟ قلت هكذا نحن تعوَّدنا أن نتقبَّل كل شيئ دون أن نطرح سؤالاً، وللأسف مَن يُعلِّمنا يطلبون منا هذا، أن نهز برؤوسنا دون أن نتساءل، وهذا يُحرِج الدين أمام ذوي العقليات النقدية وذوي القدرة على التساؤل، يُحرِج الدين هذا! هذا لا يُنصِف الدين، وهكذا.

أكثر من هذا أنهم يأتون في المساجد وحين يرون رجلاً كبيراً أو صغيراً – ربما اهتُديَ أو هداه الله تبارك وتعالى إلى سبيل المسجد من قريبٍ جداً، فرحان بنفسه الرجل، دعه! – يحمل معه مسبحة لكي يُسبِّح بها يقولون له يا أخي ما هذا؟ أسأت ولم تُحسِن، هكذا يكسرون بخاطره ويُصفِّرون وجهه أمام الناس، الرجل مُهتدٍ من قريب، يقولون له أسأت ولم تُحسِن، هذه بدعة، كل مُحدَثة بدعة وكل بدعة في النار، لماذا تقولون لي كل بدعة في النار؟ أنا أذكر الله – تبارك وتعالى – وأنا فرحان بنفسي، لكنهم يقولون لا، هذه بدعة، بدعة ماذا؟ لماذا هكذا تُعنِّتون المسلمين؟ مَن يقول إنها بدعة؟ لماذا هي بدعة؟ إذا كانت المسبحة بدعة فهذا الميكروفون Microphone أيضاً بدعة، انتبهوا! إذا كانت المسبحة بدعة فالأذان بالميكروفون Microphone في مكة والمدينة والقاهرة وبغداد والقدس – في كل مكان، في كل مساجد الدنيا – بدعة أيضاً، وكذلك الذهاب بالطائرة وبالسيارة وحتى الموتوسيكل Motorcycle إلى الحج بدعة، كيف؟ 

أنا أقول لكم نحن الآن حين نرفع الأذان للصلوات الخمس هل نتعبَّد الله – تبارك وتعالى – برفع الأذان أم برفعه في الميكروفون Microphone؟ برفع الأذان، رفعه بصوت محض مُجرَّد أو رفعه بالمايك Mike وسائل لا نتعبَّد الله بها، وسائل تُعين على المقصود، ما هو المقصود؟ أن نرفع الأذان، أيهما أحسن: رفع الأذان بالصوت المحض أو رفعه بالمايك Mike؟ بالمايك Mike، أي بالميكروفون Microphone، هذا يُبلِغ أكثر، واسمه إبلاغ، الأذان إبلاغ أصلاً، وَأَذِّن فِي النَّاسِ ۩، بمعنى أبلغ الناس، الأذان إبلاغ! أيهما أبلغ إبلاغاً؟ أيهما أعظم إبلاغاً؟ الميكروفون Microphone، لكن هذه وسيلة لا نتعبَّد الله بها محضاً، وإنما نتعبَّد الله بالشيئ الأساسي، وهو الإبلاغ، هذه وسيلة! أليس كذلك؟ هم يُسلِّمون بهذا، وهنا أيضاً نفس الشيئ، هذا يحمل مسبحة معه، سواء كانت من عجم أو من زيتون أو حتى مسبحة ديجيتال Digital، هناك مسبحة ديجيتال Digital الآن، نفس الشيئ! مع كل ضغطة تُعطيك رقماً، لأنها ديجيتال Digital، وهناك مسبحة أنالوج Analog  أيضاً، لا تُوجَد مُشكِلة، هذه تقنيات تسبيحية، هذا الذي يُسبِّح الله – تبارك وتعالى – هل يتعبَّده أنه يحمل هذه المسبحة الديجيتال Digital أو يحمل هذه المسبحة من عجم، ذات اللون وذات الرائحة، أم يتعبَّده بالذكر؟ بالذكر، فما دخل، ما دور، وما  مُدخَلية المسبحة هذه؟ ضبط العدد، لكي يضبط عدده، وسلي! أمرٌ وسلي، فقط وسيلة هي، لماذا بدَّعتموها وألَّفتم فيها الكتب والرسائل وأنكرتم على الناس ولم تُبدِّعوا الأذان في الميكروفون Microphone والخُطبة في الميكروفون Microphone والذهاب إلى الحج والعُمرة بوسائل مُواصَلات؟ النبي لم يذهب بهذه الوسائل، ركب الجمل والبعير والدواب، لم يركب هذه الأشياء، أليس كذلك؟ ينبغي أن نُفرِّق بين المقصد والوسيلة يا إخواني، لكنهم لا يُفرِّقون، يُفرِّقون مرة ولا يُفرِّقون مرات، يُوجَد تناقض! تشعر أنهم يقعون في تناقض عجيب وغريب جداً.

نفس الشيئ  إن عُدنا إلى قضية صدقة الفطر، كل سنة يُثيرون هذه الإشكالية، نزلت إلى فلسطين في سنة ثماني وتسعين، وأول مُشكِلة – هذا كان في شهر رمضان – واجهتني كانت كالتالي، قيل لي يا شيخ لابد أن تعمل لنا مُحاضَرة مُطوَّلة تفصل فيها في مسألة زكاة الفطر، يمنعوننا من أن نُخرِجها نقداً، قالوا إلا من العين! قلت لهم هل هذه مُشكِلة يا جماعة، هل أنتم تعيشونها؟ قالوا نعم، هذه مُشكِلة كبيرة في القطاع هنا لدينا، وهكذا! صنعنا لهم هذه المُحاضَرة وسكت الجميع، قالوا مُمتاز، نحن اقتنعنا، لماذا؟ لماذا هذه القصص؟ هل هذه قضايا المُسلِمين وهناك فلسطين المُحتَلة – تحت الصهاينة – المُعذَّبة الأسيرة والمظلومة؟ هل هذه قضاياكم يا مشايخ؟ أهكذا؟

بعد ذلك هناك سؤال سأذكره قبل أن أُواصِل كلامي، هناك سؤال خطر على بالي للتو الآن، لماذا لا تُحترَم آراء الأئمة الكبار؟ طبعاً – انتبهوا – بعض هؤلاء أو كثيرٌ منهم لا يجهلون ما أقوله، ولا يجهلون ما كتبه الأئمة الكبار، مثل ابن بطّال، النووي، السيوطي، ابن حجر، اختيارات ابن تيمية رحمة الله عليه، ابن القيم، فلان، وعلان، يعرفون هذه الأشياء وقرأوها، لكنهم لا يُبالونها، بالعكس! ينظرون إليها بازدراء، هذا يعني أن هناك قضية سيكولوجية، أن هناك شيئاً نفسياً أو منزعاً نفسياً، يجعلهم أميل أن يختاروا الأشد الأشق الأصعب، يفرحون بهذا باسم الاجتهاد والترجيح، اجتهاد ماذا؟ أنت لا تستطيع أن تُعرِب جُملة، نعرف هؤلاء نحن! لا تستطيع أن تُعرِب آية، والله العظيم! والله العظيم بعضهم – أُقسِم بالله – لا يستطيع أن يُعرِب جُملة صغيرة، نحن نسمعهم في التلفزيون Television ونقرأ لهم، جهلة باللغة، كيف يتحدَّث عن اجتهاد؟ وبإزاء مَن؟ بإزاء ابن حجر العسقلاني، بإزاء الشوكاني، بإزاء ابن تيمية، وبإزاء ابن القيم، كيف يتحدَّث عن اجتهاد؟ وكيف يتحدَّث عن هذا بإزاء أبي حنيفة، بإزاء الشافعي، بإزاء مالك، وبإزاء أحمد؟ يتحدَّث عن اجتهاد ويقول هو مُجتهِد، هم رجال وهو – ما شاء الله – من الرجال، شيئ غريب جداً، ثم لا يُباليهم، والذي يُؤكِّد لكم  صحة ما أقول أن بعضهم كتب يقول – علماء ويُؤلِّفون كتباً – لو كنا أيام رسول الله ما صلينا العصر إلا في بني قُريظة، الله أكبر! ما معنى الكلام هذا؟ سأشرح لكم هذا.
هناك حديثٌ في الصحيحين، وفي غير الصحيحين وهو من حديث ابن عمر، رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين، لا يُصلين أحدٌ العصرَ إلا في بني قُريظة، إلا في بني قُريظة! وفي رواية مَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخر فلا يُصلين العصرَ إلا في بني قُريظة، جبريل نزل من السماء وأمره – صلى الله عليه وسلم – بهذا، بعد الخندق! أي بعد الأحزاب، قال له اذهب إلى بني قُريظة مُباشَرةً، حاصرهم، احصرهم، وخُذهم، فالنبي قال هذا، والآن العربي القح الذي بقيَ لديه شيئٌ يسير من سليقة العربية – أي من Competence العربي – يُدرِك أن المُراد من هذا والمقصود من هذا الكلام – من كلام رسول الله – ما هو؟ الإسراع، أسرِعوا! أي عليهم عليهم، ليس معناه لو أدرككم العصر في الطريق لا تُصلوه، ليس شرطاً، هذا ليس شرط، بالعكس! الأرجح هو الأول، لكن على كل حال هذا احتمال، وقوله ليس نصاً فيما فهمه هؤلاء، يقول ابن عمر بعضهم – طبعاً أدركتهم الصلاة في الطريق – صلى العصر في الطريق، نزل وصلى، قال هذه الصلاة، إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا۩، ولا يُوجَد عُذر لأُضيِّع الصلاة، وبعضهم قال لا، نأخذ بكلام رسول الله، بعض الصحابة جمدوا على الظاهر، انظر إلى هذا، كانت هناك هذه المنازع حتى أيام رسول الله، هكذا كانت عقولهم، بعضهم جمد على الظاهر، ستقول لي هذا هو، لكن انتبه، سوف نرى الخاتمة، وهكذا! ووصل الذين صلوا بالطريق مُتأخِّرين قليلاً، النبيُ سكت عن هؤلاء وعن هؤلاء، أقرهم! هذا إسمه السُنة التقريرية، لم يُعنِّف طائفةً منهم، كأنه بالذات – هذا أكيد وبالفعل – أراد أن يُعلِّمنا أن هناك منادح للنظر والاجتهاد لا يجوز التهجين والدمدمة والنكير على أحدِ من المُجتهِدين بسببها أو فيها، ممنوع! النبي علَّمنا هذا، هذا الأدب، ونحن نقول لا بأس أن يختلفوا معنا وأن نختلف معهم، لكن أين الأدب؟ هم لم يتأدبوا مع أصحاب رسول الله، انتبه! ماذا قالوا؟ لو كنا أيام رسول الله ما صلينا العصر إلا في بني قُريظة، كلام ظاهره صدق المُتابَعة، أنهم – ما شاء الله – يصدقون رسول الله في مُتابَعته بالحرف، على الحروف! وباطنه غرورٌ وعُجبٌ وإزراءٌ بطائفة كريمة من كبار الصحابة الذين أعملوا عقولهم وأدركوا فحوى النص وجوهره ودلالته الحقيقية وصلوا في الطريق، كأنهم يقولون لسنا من هؤلاء وليسوا منا، لم يكونوا صادقي المُتابَعة كما نحن الآن، كلام خطير! اقشعر بدني منه، كيف تقول هذا في حق الصحابة أنت؟ وما أدراك مَن الذين صلوا في الطريق حتى تتجاوزهم باستخفاف واستسهلال هكذا؟ لست منهم وليسوا مني، لا! أنا أُصلي هناك، لأنني أصدق مُتابَعةَ، أوقف مع الظواهر.

ورحمة الله على أبي بكر بن العربي الذي قال وإنما يقف مع الظواهر الجامدون، وقد ذم الله في كتابه الذين يقفون مع الظواهر، فقال يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۩، هو هذا! هل تأخذ بالظاهر هكذا؟ لا، ديننا دين العقل والجوهر واللب، لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۩، هذا دين أولي الألباب، أصحاب الألباب الذين ينفذون إلى الأعماق والجواهر، وعلى ذكر ابن العربي ذكر في الأحكام الصُغرى – رحمة الله تعالى عليه، وهو القاضي العلّامة المُفسِّر الفقيه المُحدِّث، شيئ عجيب هذا، كان بحر علم، أي القاضي أبو بكر بن العربي الإشبيلي، ذكر في الأحكام الصُغرى له الآتي، رحمة الله تعالى عليه – أنه وُلّيَ خُطة القضاء، قال فرُفِعَ إلىّ قومٌ خرجوا على رفقة من الناس  – جماعة من الناس – وأخذوا منهم امرأةً، غصبوهم امرأة! أي هم مُحارِبون، هؤلاء مُحارِبون! والحرابة في آية المائدة، خرجوا مُحارِبين واغتصبوا امرأة، أي أخذوها من أهلها ومن زوجها، واحتملوها، ذهبوا بها، ويبدو أنهم غصبوها شرفها والعياذ بالله، فاُخِذوا، وقعوا في يد الشُرطة وقوات الأمن، فأُخِذوا ورُفِعَ شأنهم إلى القاضي أبي بكر بن العربي – رحمة الله عليه – كما يقول عنه نفسه، قال فإذا ببعض مَن ابتلاني الله به مِن المُفتين يقول ليسوا مُحارِبين، لا! لا يجوز أن نُطبِّق عليهم حد الحرابة المنصوص عليه في سورة المائدة، ليسوا مُحارِبين، لأن الحرابة لا تكون في الفروج، إنما الحرابة في الأموال فقط، لو خرجوا وأخذوا الأموال لقلنا نعم هؤلاء مُحارِبون وسنفعل بهم ما أمر الله، لكن ما دام الأمر يتعلَّق بالفروج وما إلى ذلك فهذه ليست حرابة، قال فقلت له الله أكبر، ابن العربي قال هذا، ما هذه العقول؟ هذا كان مُفتياً في أيام ابن العربي، قال فقلت له الله أكبر، أما علمت أن السطو بالفروج أقبحُ من السطو على الأموال؟ وقد يجود الرجل بماله كله على أنه لا يُفرِّطُ في شرف زوجه أو ابنته! قال له ما هذا الكلام الفارغ؟ يا أخي أي دين هذا؟ تتحدَّث عن ماذا؟ 

ولذلك فعلاً خطر لي أن أقول إن النبي – عليه السلام – قال في الحديث الشهير زيِّنوا القرآن بأصواتكم، والقرآن هو الزينة كلها، ولكن فعلاً مَن قرأه بصوت غير جميل، غير حسن، وغير مُبهِج، يخرج منه – سبحان الله – بطريقة تعرفونها، على الأقل لا يُغري بالاستماع له، فيُقال يا ليته يُصدِّق، أي يقول صدق الله العظيم، ما هذا يا أخي؟ يُزعِجك حتى ولو كان في صلاة، يُزعِج بهذه التلاوة غير السلسة، غير المُريحة، غير الجميلة، وغير البهيجة، يُزعِجك وهو قرآن! وكذلكم الحق، الدين، الفقه، والفتوى، كما قلنا مرة هناك أُناس يخرج العلم منهم جميلاً، تشعر أن العلم خرج جميلاً، تشعر بجمال الإسلام، بجمال الفتوى، وبجمال الفهم حين تقرأ لهم، حين تستمع إليهم، حين تأخذ عنهم، وحين يقولون في دين الله، وهناك أُناس على العكس تماماً، على الضد تماماً، يُشوِّهون الجميل، ويُقبِّحون الحسن البهيج حين يخرج منهم، كقحف الحنظل الذي يُمرِّر العسل إذا صار فيه، تصب العسل في قحاف الحنظل فيُصبِح من أمر ما يكون، وهؤلاء هكذا! العلم منهم وفي أوعيتهم وأفئدتهم يُصبِح قبيحاً جداً، وفي المُقابِل الباطن يَزيَّن ويُزيَّن، شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۩، والله ولا والله ما شهد الزمانُ أو التاريخُ حقبةً تَزيَّن وزُيِّنَ فيها الباطل كالتي نحن فيها، هل مرت بالبشرية حقبة كهذه؟ هذه حقبة تزيين الباطل، حقبة تزيين الفواحش والعياذ بالله، شيئ رهيب! باسم الفن وباسم التمثيل وباسم الكلام الفارغ، شيئ فظيع! نعيش في عصر فظيع مُفظِع والعياذ بالله تبارك وتعالى، وفي المُقابِل أهل الحق بعضهم – بعضهم، هدى الله الجميع – لا يُحسِنون أن يُزيِّنوا حقهم، بل يخرج شائهاً مقبوحاً من تحت أيديهم وعلى ألسنتهم إذا تكلَّموا أو كتبوا، لماذا يا أخي؟ لماذا يُظلَم الإسلام بهذه الطريقة؟ كما كان يقول شيخنا محمد الغزّالي – قدَّس الله روحه الكريمة – قضيةٌ ناجحة وعادلة والمُحامي فاشل، المُحامي لا يُحسِن أن يترافع فيها، وهذا صحيح، المُحامي الفاشل يُخسِر أنجح قضية، لأنه مُحامٍ فاشل، ليس عنده ما يُنجِح هذه القضية، وهكذا!

نعود إلى قضية صدقة الفطر أو زكاة الفطر مثلاً، بعض الناس يقول هذه عبادة، هذه عبادة ما ينبغي أن نتجاوز فيها ما حدَّ الله ورسوله، وإنما نسرح في ميدانها ما سرَّحنا الشرع، وننقبض ما قبضنا، أي صدق المُتابَعة أيضاً، هذا كلام تهاويم وغير دقيق، لماذا؟ لأن زكاة الفطر وزكاة الأموال فيهما معنى العبادة، وزكاة الفطر شأنها أقل من زكاة الأموال بلا شك طبعاً، لكن الحديث عن كلتيهما، كلتا الزكاتين فيهما معنى العبادة، وقد يغلب فيهما معنى ماذا؟ معنى اجتماعي، معنى المؤونة الاجتماعية، التي يتكاتف ويتكافل بها وعبرها المُجتمَع، فيحمل أغنياؤه فقراءه، ولا يكون المال دولة بين المُتخَمين الواجدين، فيُحرَم منه المُعدمين المُترَبين، كلا! يُوجَد هذا المعنى هنا بلا شك، ولذلك – مثلاً – العبادة لا تُؤدى قبل وقتها، أليس كذلك؟ لا تستطيع أن تُصلي العصر الآن قبل وقته، العلم بدخول الوقت من شروط الصحة، أعني صحة الصلاة، لكن النبي قبض زكاة العباس قبل وقتها، استسلفه زكاته لعامين، قبل وقتها أخذها! لأنها ليست عبادة بالمعنى الذي نعرفه، فيها معنى العبادة، وفيها معنى عادي معقول.

نأتي بشيئ أسهل من هذا بكثير، لو أن أحدنا قام الآن أو لو قام خطيبكم الآن – حفظكم الله من هذا الجنون – وصلى بكم الجُمعة ثلاث ركعات – قال والله اليوم جيد ومزاجي طيب، فيها نجعلها ثلاث ركعات، (زيادة الخير خيرين) كما يُقال، ما المُشكِلة – كلكم ستثورون عليه، ستكون هذه آخر صلاة له، أليس كذلك؟  مُبتدِع في الدين هذا، لا يجوز! لكن لو الذي أخرج صدقة الفطر لم يُخرِج صاعاً من شعير – أخرج عشرة أَصْوُع – سيُقال يجوز هذا أو لا يجوز؟ هذا مُحسِن وله فضل ثواب، فلو كانت عبادة كهذه العبادة ما جاز له أن يُجاوِز الحد، أليس كذلك؟ وواضح جداً أن هنا ثمة معنىً لا يتوافر هنا، لا تقل لي هذه عبادة بمعنى العبادة فعلاً وأنها غير معقولة المعنى، وذلك بأركانها وشرائطها وعدد المطلوب فيها والمُكلَّف به، إلى آخره! هذا غير صحيح، هذا الكلام غير دقيق.

الواضح والمعقول أن النبي – عليه الصلاة والسلام – مثلاً – هذا مثل فقط – سوَّغ لهم أو أجاز لهم أو أمرهم في ظاهر النص أن يُخرِجوا زكاة الفطر من هذه الأرزاق الخمسة لأنها الميسورة لديهم، هذا أكثر ما يتواجد، وإلى الآن يُقال لك من أقط، ما هو الأقط؟ والنبي رخَّص في هذا، هذا ترخيصٌ، وخاصة عند أهل البوادي، أهل المُدن قليل عندهم الأقط، هذا اللبن منزوع الزُبدة، يُجفَّف حتي يستحجر، يُصبِح كالحجر! ثم يُطبَخ أو يُطبَخ به، الكِشك في بعض البلاد المصرية والمنسف في بعض بلاد الشام، يُطبَخ أو يُطبَخ بهذا المُستحجِر، أي الأقط،مَن الذي يعمل هذا الأقط؟ أهل البوادي، بالذات أهل البوادي! ويشتريه منه أهل الحواضر، وهم كانوا يُجدونه، فلا بأس، أخرجوا منه، نوع ومن الأرزاق! ولو كلَّفهم صاحب الشريعة – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله وأصحابه – بإخراج القيمة نقداً لصعب ذلك عليهم، والنقود كانت عزيزة، يعلم هذا مَن قرأ التاريخ الثقافي للجزيرة العربية ومهد الإسلام، النقود كانت عزيزة! لم تكن كسائر الأموال، علماً بأن كل هذا يُسمى الأموال، انتبهوا! النقدان وهذه الأشياء تُسمى الأموال، هذه أموال! ولكن لم تكن كسائر الأموال بل كانت عزيزة، اقتصادهم كان أقرب إلى شيئ أشبه بالتقايض، خُذ هذا وهات هذا، إلى آخره مثلاً، والنبي شرط شروطاً في هذا، في باب ربا الفضل، إلى آخره! هناك اختلاف الأجناس والتقابض والحلول، فهذا أيسر، كان أيسر عليهم، وأنفع لمَن؟ وأنفع للفقير، الفقير يحتاج إلى هذه الأشياء أيضاً!

الآن – بالله عليكم – مَن الذي يتموَّن منكم – مثلاً – في بيته القمح والشعير والتمر والزبيب والأقط؟ ولو تموَّنت القمح – أي الحبوب – ماذا ستعمل به؟ هل عندك رحى؟ هل ينبغي أن تشتري آلة بخمسمائة يورو للطحن؟ أو هل ستذهب إلى المطحنة؟ لا يفعل هذا أحدٌ، والآن مُعظم الناس يشتري الخبر جاهزاً، أو يشتري الدقيق مدقوقاً، أي يشتريه جاهزاً أيضاً، لا يأتي أحد بالحب ثم يقوم بطحنة في البيت بواسطة الرحى وما إلى ذلك كما كانت تفعل جداتنا قديماً، انتهى هذا! بعض أهل البوادي لا يزالون يتعارفونه ويتعاطونه، ولكن مُعظم أهل المدن لا يفعلون هذا، فكيف تُعطي هذا كيساً من الشعير؟ ماذا يعمل به؟ كيف تُعطيه كيساً من القمح؟ نحن رأينا هذا في السعودية وغيرها، مُشكِلة! مُباشَرةً يأخذه ويبيعه لمَن أعطاه، أي للتاجر، فيُعطيه فيه نصف الثمن أو ثُلث الثمن، وأحياناً يقول له لا أُريده، لا أحتاجه، عندي الكثير، عندي مخزن كامل، عضُلَ به! ماذا يفعل به الفقير المسكين هذا؟ أين حكمة الشريعة؟ وأين مقصد الشريعة؟ والمقصد من زكاة الفطر النبي عبَّر عنه بقوله أغنوهم في هذا اليوم، وفي رواية عن التطواف، أي حتى لا يذهب لكي يشحذ رزقه، أي غداه وأكله وفطوره، أغنوهم! ألا يحصل الإغناء بإعطائه القيمة نقداً، أي بالأموال على مذهب أبي حنيفة النُعمان قدَّس الله سره؟ يحصل، وهذا أحسن وأرفق وأفضل، وهذا اليوم أيسر على المُكلَّف، أي المُكلَّف بإخراج الزكاة، وأنفع لمَن؟ للمُحتاج القابض للزكاة، إذن هو أرفق وأعدل بالاثنين! أليس كذلك؟ لكن إلى اليوم يُعلِّمون الناس وفي المساجد العُظمى في العالم الإسلامي أنه لا يجوز ثم لا يجوز ثم لا يجوز، لماذا؟ نوع من إعنات الأمة، ومن التحجير عليها، من التحجير على هذه الأمة المرحومة! ما هذا؟

نحن نلبس هذا اللباس، لكنهم يقولون هذا ممنوع، نظرت الآن إلى اللباس! هذا كله – أي هذا اللباس كله – بدعة والعياذ بالله، خطير جداً جداً جداً، ومُمكِن هذا يُخضخِضك في خضخاض من جهنم على الأقل، أي هذا اللباس، أمُتشبِّه بالكفّار أنت؟ لماذا تلبس هذه الكرفتة وهذا الجاكيت؟ ما هذا؟ لا يجوز! لباس العرب معروف، رداء وإزار، مثل لباس الحجّاج، ولكن النبي لم يلبس الرداء والإزار دائماً، بالعكس! كان يلبس القُمص، قميص طويل مثل الجلابية اليوم! كان يلبس هذه القُمص، ولبس القباء – عليه السلام -، ولبس السراويلات، النبي لبس السراويل! وهذا لباس عجمي، لا يعرفه العرب، العرب لا يعرفونه! العرب لا يعرفون القباء ولا يعرفون السراويلات ولا يعرفون القُمص، لباس العرب إزار ورداء، كما كتب مرة عمر بن الخطاب إلى عُتبة بن فرقد بأذربيجان، قال له دع عنك زي الأعاجم والتنعم – لأنهم كانوا هؤلاء أقلية، خاف من أن يذوبوا، وخاف من أن يتنعموا، قال له دع عنك زي الأعاجم والتنعم، أو قال وإياك والتنعم – وخُذ بزي العرب، فاتزر وارتد، إزار ورداء! إزار ورداء من فوق، فقط هذا هو، هذا زي العرب، لكن النبي لم يلتزم هذا، قالوا النبي نهى عن التشبّه بالكفّار، عن التشبّه! انتبه إلى هذا، نهى عن التشبّه بالكفّار، ومعنى التشبّه – الكلام واضح، اسم على مُسمى – أنك تقصد وتتغيى وتتوخى أن تُماثِلهم فيما هو من خصائصهم، بحيث يتسنى لمَن رآك أن يقول هذا من الطائفة الفلانية، هذا أرثوذوكسي مثلاً.

أنا رأيت مرة أحد علماء المسلمين، من جماعة التكفير والهجرة، ووالله العظيم حسبته حاخاماً يهودياً، والله! يلبس لبستهم، وله أيضاً هذه الأجراس، قد دلاها كما يُدلونها، قال هذا عنده ثابت بالسُنة، وبعد ذلك لم أر أحداً هناك في القطاع إلا قال لي والله العظيم حين رأيته لأول مرة ظننته رابياً يهودياً، وأنا هذا حصل لي، فلماذا يا أخي؟ لماذا؟ لماذا تُقيم نفسك مسخرة للناس وتُطلِق ألسنة الناس بذمك وربما حتى بالدعاء عليك؟ هذا لا يجوز، نعم! أن تلبس لبسةً تُشابِه بها هؤلاء القوم أو أولئكم القوم من غير المُسلِمين فيما هو من خصائصهم – يُقال هذا أرثوذوكسي، هذا بروتستانتي، هذا كاثوليكي، هذا حاخام أو رابي يهودي، هذا عابد نار أو مجوسي – هذا لا يجوز، ولكن ما يتعاطاه البشر أكثرهم أو مُعظمهم وليس خاصاً بطائفة دون أُخرى لا بأس أن نتعاطاه، هذه البدلة الأجنبية منهم، أليس كذلك؟ والكرفتة منهم، لا بأس ولا حرج، والدليلُ أن النبي – عليه السلام – لبس الجباب الرومية، في سُنن أبي داود وعليه – عليه السلام – جُبة من جباب الروم، أي النبي لبس الجبة الرومية، الجبة البيزنطية! لبسها وليست من لبسة العرب، وفي صحيح البخاري – من حديث المغيرة بن شُعبة، الحديث المشهور – وعليه – عليه الصلاة والسلام – جُبة شامية ضيقة الكُمين، والجُبة الشامية هي الجبة الرومية، لماذا؟ لأن – هذا معروف وبإجماع الشرّاح – الشام كانت تحت الروم، كانت عاصمتهم في هذه الجهة من العالم، في بلادنا العاصمة كانت دمشق، عاصمة البيزنطيين في بلادنا! وكل الأزياء والأشياء كانت على طراز بيزنطي، فإذا قال جُبة شامية في ذلك الوقت عنى بهذا جُبة رومية، مثل حديث أبي داود، جُبة رومية! النبي كان يلبسها، لكن بعضهم انتصب للدفاع عن جموده وقال لا، هذا كان في البداية، الله نهاه عن هذا، وهذا منسوخ بأحاديث النهي عن التشبّه، ومَن تشبَّه بقوم فهو معهم، إلى آخره! هناك حديث المُخالَفة، لكن هذا الكلام باطلٌ، هذا اجتهادٌ غير صحيح، لماذا؟ مع احترامنا لمَن يقوله نقول إن هذا الاجتهاد غير صحيح، لما في صحيح مسلم من حديث أسماء بنت أبي بكر الصدّيق – رضيَ الله تعالى عنهما وأرضاهما -، قال فأخرجت أسماء جُبة طيالسة كسروانية، انظر إلى هذا، قال طيالسة، من لباس العجم! وقال كسروانية، واضح منسوبة إلى مَن؟ إلى كِسرى، هذه فارسية في هذه المرة، أي النبي لبس الجباب الرومية البيزنطية، ولبس أيضاً الجباب الكسروانية الفارسية، في صحيح مسلم طيالسة كسروانية، وقالت هذه كانت عند عائشة حتى قُبِضَت، فلما قُبِضَت قبضتها، أي قبضت هذه الجُبة الكسروانية، وكان يلبسها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فنحن نغسلها للمرضى، أي يُستشفى بمائها، وانظر إلى بركة رسول الله، عائشة كانت تفعل هذا وأسماء كانت تفعل هذا، كانتا تفعلان هذا مع أي واحد يأتيهما – رضوان الله عنهما – وهو يشتكي شيئاً أو وجعاً في نحو من أنحاء بدنه، تُخرِج هذه الحُبة المُحمَّدية المُبارَكة وتغسلها أو تغسل جُزءاً منها، ثم تأخذ الغُسالة – أي ماء الغسيل – وتُعطيه إياه، وهي تقول له اشرب منه وامسح منه وما إلى ذلك، فيبرأ بإذن الله تعالى، انظر إلى البركة التي ظلت موجودة بعد وفاته، روحي له الفدا وأرواح العالمين، صلى الله عليه وسلم.

المُهِم أن الحديث شاهد واضح ودليل على أن النبي تُوفيَ وهو يلبس هذه الكسروانية، أليس كذلك؟ لو كان هذا الأمر حدث قبلاً ونهى عنه لكان من المُستحيل أن يستبقوها، ولقالوا هذا الأمر حرام، مثل خاتم من ذهب، هذا حرام ويُرمى، النبي لما حُرِّم الذهب على الرجال أخذ بخاتمه وقذف به، أليس كذلك؟ وهذه كانت تُقذَف في النار، ماذا حدث لما لبس ابن عمر المُعصفَر وأخبره النبي أن هذا مُحرَّم؟ قال هل أغسله؟ قال بل حرِّقه، لكي يُعلِّمه كيف يكون النهي، لابد أن تلتزم النهي تماماً، حرِّقه! لكن هذه لم تكن على هذا النحو، هذه كانت موجودة، وبقيَت حتى قُبِضَت عائشة، ثم أصبحت عند أسماء بعد أن قُبِضَت عائشة، واضح جداً! لكن هذا من الميل إلى التشدّد، يُحِبون أن يُشدِّدوا علينا، يُقال ممنوع تلبس هذا اللباس، هذا بدعة، هذا حرام، وهذا جريمة، لا يا أخي، ليس هكذا!

الدين أوسع من هذا يا جماعة، الدين أرحب من هذا بكثير بحمد الله تبارك وتعالى، لكن هو الفهم في الدين، ولذلك ليس بالضرورة أن يُجامِع العلم الفقه، فكم من عالم وليس بفقيه! هذا إذا أخذنا الاصطلاحات الدقيقية، لماذا؟ لأن الفقه أخص من العلم، هناك شخص عالم بمعنى أنه حافظ للنصوص وحافظ للأقوال، يحفظ نصوصاً ويحفظ أقوالاً، وأخرج فلان وأخرج علان وقال فلان كذا وكذا، لكن لا نظر له دقيقاً فيما يحفظ، لا نظر له دقيقاً! إنما كما يُقال ميزانه غير ماتع، قوله مُضطرَب وميزانه خفيف، ليس عنده علم بمقاصد الشريعة، ليس عنده علم بلباب وجوهر الدين، ليس عنده علم ولا قدرة أو لياقة على التمييز بين الثابت والمُتغيِّر، والثابت هو ماذا؟ المقاصد، والمُتغيِّر هي الوسائل.

يأتينا واحد اليوم – وأنا قرأت هذا لبعض العلمانيين، هدانا الله وإياهم – وهو يسخر، يقول لنا أهذا دين؟ هذا مُستحيل أن يكون ديناً إلهياً، انظروا إلى مُحمَّدهم ماذا يقول – صلى الله على مُحمَّدنا ومحمَّد العالمين، رحمة العالمين -، يقول مُحمَّدهم – مثلاً – مَن حبس – والحديث في الصحيح – فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده كان شِبعه – أي شِبع الفرس – وريه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة، أي حسناتٍ! ماذا كان يعني؟ ليس الروث نفسه، لا! هذه حسنات، كل هذا ينقلب حسنات له، قال لك تفضَّل، الآن أين الفرس هذا؟ هل هو عند الأفغان في تورا بورا؟ ماذا تعمل بالفرس هذا؟ اليوم تُوجَد الإف-16 F-16 والدبابات والطائرات والذري والحرب الإلكترونية والحرب الديجيتال Digital وما إلى ذلك، أشياء ثانية! ألا تزال تتكلَّم عن هذا؟ هذا كلام فارغ، بغض النظر عن أي شيئ، وربنا قال قبل محمد وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ۩، المقصد ما هو؟ أن نكون أقوياء مُمتنِعين، لنا رهبة تحجز الآخرين عن ظُلمنا والعدوان علينا، هذا المقصد! حصل هذا في زمن رسول الله وبعده بأزمان بهذه الأشياء، والقرآن ذكرها كأمثلة، كخير الأمثلة والنماذج، والآن يحصل بماذا؟ يحصل بالذري وبالقنابل والقاذفات والراميات والصارخات الصائحات والطائرات، أهلاً وسهلاً! نمتنع بها ونتسلَّح بها، هذه وسيلة مُتغيِّرة، أليس كذلك؟ والثابت ثابت، فينبغي علينا أن نُميِّز يا أخي بين الثابت وبين ماذا؟ وبين المُتغيِّر، المقاصد – مقاصد الشريعة – هي الثوابت، وهناك وسائل خاصة، في شؤون المُعامَلات وأشكالها من وجوه التعاطي، هذه الوسائل مُتغيِّرة، فلا بأس أن تتغيَّر!

نأتي إلى مثال آخر أيضاً يُثير المُسلِمين وأعصابهم في كل سنة، واقتربنا منه الآن مع شهر رمضان، هل نعتمد الحساب أو لا نعتمد الحساب؟ يبدو أن هذه الأمة سيطوي الله بساطها ولم يقر لها قرار في هذه المسألة، لا أعرف لماذا، لا أدري لماذا! قالوا النبي قال هذ، النبي قال صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، لماذا لم يُكلِّفنا بالصوم إلا بالرؤية؟ عند تحقّق الرؤية! فنحن لا نصوم لوجود الشهر، إنما نصوم لشهود الشهر، شهود الهلال، فلماذا؟ قالوا لأنه قال في الحديث ذاته الصحيح نحن أمةٌ أُمية لا نكتب ولا نحسُب، هكذا بالضم! لا نكتب ولا نحسُب، لا يُوجَد حساب، الشهر هكذا، فهو مُكوَّن من تسعة وعشرين أو ثلاثين يومياً، الشهر الهجري لا يأتي مُكوَّناً من واحد وثلاثين يوماً كالشمسي، جميل! قالوا لك انتهى، ونحن نلتزم هذا، لا نأخذ بالحساب، ونحن نقول نأخذ بالحساب، ونحن مُطمئنون جداً بإذن الله تعالى، ولنا أجرٌ إن شاء الله تعالى، ليس عندنا أي تخوّف ولا أي توجس، لماذا؟ أولاً لماذا تأخذون بالحساب فيما هو أخطر وأشرف مقاماً من الصوم، أعني الصلوات الخمس؟ تأخذون بالحساب، مع أن الله يقول أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۩، والأحاديث الثابتة الصحيحة عن المواقيت لم تخرج عن هذه الآية وحدودها، وربطت الصلوات ودخول أوقاتها بماذا؟ بأشياء من مثل ما دل عليه القرآن الكريم، الشمس والظل والليل والنهار، هذا هو! لكن لا أحد يفعل هذا، عندنا روزمانات – ما شاء الله – وعندنا ساعات العصر والفجر وغيرها، ونأخذ بهذا، انتهى! ننظر إلى الروزمانة – أي الــ Calendar – ونُصلي، والكل يفعل هذا شرقاً وغرباً، لماذا؟ وهذه الصلاة أهم وأخطر من الصوم، فلماذا؟

قد أجاب بعضهم وله أن يُجيب بجواب الإمام العلّامة اللوذعي شهاب الدين القرافي، تلميذ العز بن عبد السلام، الذي خصَّص لهذه المسألة أو لجواب هذا السؤال فرقاً من فروقه في كتابه الماتع العظيم الفروق، القرافي ماذا قال؟ والآن نحن سنضطر أن نُناقِش القرافي، انتبهوا! كلٌ يؤخَذ منه ويُرَد إلا مَن؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاحب هذا القبر، القرافي قال لا، يُوجَد فرق، السبب في موضوع الصلوات هو ما ذكر الله، دلوك الشمس، غسق الليل، ودخول الفجر الصادق، هذه هي الأسباب! أما السبب لإيجاب الصوم فليس وجود الشهر، إنما رؤية الهلال، والنبي قال هذا، قال مُختلِف الوضع، كيف نُناقِش الكلام هذا؟ الكلام دقيق، ولكن سنأتيكم بنقد هو أدق منه، ليس نقدي للأمانة العلمية، وهو نقد الفقيه المرحوم العلّامة مُصطفى أحمد الزرقا الحلبي، أستاذ الفقهاء في هذا العصر، رحمة الله تعالى عليه، علّامة مُجتهِد لوذعي، قال – رحمة الله تعالى عليه – كلا، وطبعاً السبب في علم أصول الفقه ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، هذا هو! فالمُسبَّب – أي الــ Effect كما يُسمونه – دائماً يدور مع السبب وجوداً وعدماً، حين يُوجَد السبب يُوجَد ماذا؟ المُسبَّب، أي هذا الــ Cause وهذا الــ Effect، وحين لا يُوجَد السبب لا يُوجَد ماذا؟ المُسبَّب، مُستحيل! هذا هو، هذا تعريف في الأصول، جميل جداً! نحن نقول مُخالِفين للإمام القرافي ومُتابِعين لشيخنا الزُرقا – رحمة الله تعالى عليه – لا، السبب واحد في الحالين، في أوقات الصلاة وفي شهر رمضان، في وجوب صوم الشهر، سببٌ واحد! وهو دخول الوقت، هذا يدخل بما ذكر الله، وهذا يدخل بماذا؟ بميلاد الهلال، هذا هو السبب الصحيح، أما رؤية الهلال فشيئٌ يُعرِّف بالسبب، ويُستدَل به على ماذا؟ على تحقّق السبب، بدليل أن النبي قال فإن غُم عليكم – إذا بقيَ الهلال وعلى قطرٍ بأكمله مغموماً، أبداً لم يظهر ولم يستبن، ماذا نفعل؟ النبي قال ماذا نفعل – أكمِلو العدة، عدة الشهر كم تكون؟ شهر شعبان الآن، هذا شهر شعبان، العدة تكون ثلاثين يوماً، فلابد أن نُكمِل صيام شعبان ثلاثين يوماً، لم نر الهلال – لا يُوجَد هلال – فماذا نفعل؟ المفروض – جرياً على تعريف السبب – ألا يكون هناك صوم، لا يُمكِن أن يُوجَد المُسبَّب بدون سببه، والسبب لم يُوجَد، وفي الحقيقة السبب موجود، وهو أن الهلال قد تولَّد قطعاً، كيف عرفنا أنه تولَّد قطعاً؟ لأن الشهر لا يكون واحد وثلاثين، هذا يعني أن العبرة بماذا إذن؟ العبرة بحصول اليقين، العبرة بحصول اليقين بدخول الشهر! وهذا اليقين قد يحدث برؤية عدلين، يُكتفى! أليس كذلك؟ إذن ألا يحصل بالحساب؟

كلام العلماء الكبار كالنووي، ابن بزيزة، ابن بطّال، القاضي عياض، العيني، ابن حجر، ابن تيمية – رحمة الله تعالى عليه – وآخرين كثيرين غير هؤلاء يُفيد – أي كلامهم – أن الحساب لا يُعتمَد ولا ينبغي اعتماده، يُسمونه حساب التعديل أو حساب التسيير، قضية فلكية! لماذا؟ لأنه مبني على الحدس والتخمين والظنون، وهذا الكلام كان صحيحاً في أزمانهم، هل بقيَ صحيحاً في زماننا الذي انفصل فيه علم الفلك عن علم التنجيم، الاسترونومي Astronomy انفصل عن الاسترولوجي Astrology، هذا شيئ وهذا شيئ، وأصبح علم الفلك من أدق العلوم على الإطلاق، الجانب حتى التطبيقي منه جانب دقيق جداً جداً، لا يكاد الخطأ يحصل في حدود واحد على مائة ألف وأحياناً على مليون من الثانية، أليس كذلك؟ ولذلك بعض الفقهاء قال إذا ثبت عدم ولادة الهلال بالحساب الدقيق القطعي فلا تُقبَل رؤية مَن شهد على الرؤية، لا! نقول له هذا كلام فارغ ولا نقبلك، كالإمام السُبكي والإمام العبادي فيما نقل عنه القليبوي في حاشيته الشهيرة في فقه الشافعية، كلام موزون ودقيق!

ولذلك الولي الصالح والتابعي الجليل – هذا كان صوفياً من أولياء الله، وهو عالم ومُحدِّث، ومن رجال المُوطأ – مُطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير – رضيَ الله عنه وأرضاه – كان يقول العالمُ بالحساب يعمل به لنفسه، لو عندك علم بالحساب وتستطيع أن تحسب اعمله وصُم على الحساب هذا، لا بأس! تستطيع أن تصوم عليه وأن تُفطِر عليه بإذن الله تعالى، كلام موزون! لكن هؤلاء يُضيِّقون ولا يزالون يُضيِّقون على أمة محمد التي ما جعل الله عليها في دينها من حرج.

نسأل الله أن يرفع عنا وعنهم وعن هذه الأمة جمعاء الحرج بمزيد فقه وزيادة استنارة وحصول إخلاص صادق، اللهم آمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسَلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد، أيها الإخوة والأخوات:

أخرج الإمام الترمذي عن أنس بن مالك – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجميعن – أنه – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – نهى عن الانتعال قائماً، أن تلبس نعليك من قيامٍ هذا منهيٌ عنه، ولما سُئل الإمام مالك – إمام دار الهجرة – عن هذا الحديث رخَّص في الانتعال قائماً عند أمن الوقوع، قال هذا الحديث ليس عن عبادة، هذا الحديث معقول المعنى، النبي يُرشِدنا، إرشاد أدب كما قال ابن رشد الجد في البيان والتحصيل، قال هذا نهيٌ للأدب والإرشاد، لأجل العلة المذكورة، أي حتى لا تقع، وخاصة الكبير الذي عنده مشاكل أو عنده كرش كبير وما إلى ذلك، فُمن الممكِن أن تقع على وجهك ويحدث لك شيئ، لذا قال لك اجلس وانتعل، النبي يُعلّمنا الأدب، هذا تأديب لنا، لا تجعل هذه قضية، ثم تأتي وتقول لي هذه بدعة ومُخالَفة لرسول الله، أنت خالفت السنة، لا! أستطيع أن أنتعل واقفاً، ما المُشكِلة؟ فانظر إلى الإمام مالك – رحمة الله عليه – وهو مُحدِّث كبير، علَّل هذا الموضوع.

بعض الناس الآن أيضاً يُضيِّقون على أهل العلم والتعليم، يقولون ممنوع أن تأخذ أجراً على تعليم القرآن والعياذ بالله، شيئ فظيع هذا! لماذا يا أخي؟ تعليم الناس الدين والقرآن بالأجر – يقولون – ممنوع، لما أخرج أبو داود عن عُبادة بن الصامت، قال علَّمت رجالاً من أهل الصفة الكتاب والقرآن – الكتاب يُراد به الكتابة – فأهدى إلىّ أحدهم قوساً، فقلت ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله، يُقال رمى عن قوسه وليس بها، قال وأرمي عنها في سبيل الله، لآتين رسول الله فلأسألنه، فأتاه فقال له يا رسول الله حصل كذا وكذا، فقال – صلى الله عليه وسلم – إن أحببت أن تُطوَّق بطوقٍ من نار فخُذها، قال فرددتها، ومثله رواه ابن ماجه عن اُبي بن كعب، والنبي قال له نحواً من هذا القول، حتى لا نُطيل عليكم، قالوا هذا هو، نظرنا في الحديثين فإذا بالحديثين ضعيفان، فيهما مَن يروي المناكير، فيهما مَن جرَّحه أكثر الأئمة، وفيهما المجهول، الحديثان ضعيفان! 

ونظرنا فإذا بالإزاء في صحيح البخاري قال – صلى الله عليه وسلم، هذا حديث صحيح بلا شك بحمد الله ولا ريب – إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله، ثم نظرنا في رسول الله فإذا هو – عليه الصلاة وأفضل السلام – زوّج رجلاً من امرأةٍ بما معه من القرآن، قال زوَّجتكها بما معك من القرآن، ماذا عندك؟ هل معك جزء عم؟ هل معك بعض السور؟ علِّمها هذا الجُزء وهو مهرها، أجر هذا أم ليس أجراً؟ بدل المهر! فلماذا هذا التضييق على الناس يا أخي؟ والإمام القرافي – ذكرناه اليوم – قال إن أخذ من بيت المال لم يكن أجراً وكان رزقاً، أي إذا كان مُوظَّف دولة، أرزاق هذه! هذا ليس أجراً حتى على تعليم الدين، علِّم وكُن بروفيسوراً –  Professor – أو شيخاً وإماماً، لا تُوجَد أي مُشكِلة إن شاء الله تعالى.
خفِّفوا على الناس، وسِّعوا على الناس، وعلى كل حال جواز أخذ القرآن على تعليم القرآن فضلاً عن ما هو دون القرآن يقول به مذهب مالك ومذهب الشافعي ورواية عن أحمد، وللأسف منع منه الاحناف، (ملحوظة) قال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم لأحد الحضور هذه مُشكِلتك يا أبا محمد، منع منه الأحناف.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُفقِّهنا في الدين وأن يُعلِّمنا التأويل.

اللهم اهدنا واهد بنا، وأصلِحنا وأصلِح بنا، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اللهم اغفر لنا ولمَن حضر، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، اجزهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات مغفرةً ورحمةً ورضواناً، وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من فضله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

 (12/3/2010)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: