إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَحَبِيبَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ.

أرسله الله – سُبحانه وتعالى – على فترة من الرُسل وطموس من السُبل، ففتح به أعين عُمياً، وآذان صُماً، وقلوباً غُلفاً، هدى به من الضلالة، وأغنى به من العيلة، وكثَّر به من القلة، وأعز به من الذلة، وجمع به من شتات، وأحيا به من موات، وجاهد في الله حق جهاده، حتى آتاه من ربه اليقين، صلوات ربي وتسليماته وتشريفاته وتبريكاته عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
عباد الله:

 أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سُبحانه وتعالى من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد: 

أيها الإخوة المسلمون الأفاضل، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول المولى الجليل – سُبحانه وتعالى – في مُحكَم التنزيل بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ۩ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ۩ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۩ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ۩ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ۩ 

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأفاضل، والأخوات الفاضلات:

في مثل هذا اليوم ولمثل هذه المُناسَبة ليس يخلق بمُتحدِّث أن يتحدَّث إلا عن الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة، والسراج المُنير، البشير النذير، الذي أرسله الله – سُبحانه وتعالى – رحمةً للعالمين، وبشيراً ونذيراً ورسولاً للناس كافة.

هو رحمة لكل ما خلق الله – سُبحانه وتعالى -، أما رسالته فيُعنى بها المُكلَّفون من الإنس والجن، وهنا دقة التعبير القرآني، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۩، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ۩، الرسالة يُعنى بها المُكلَّف، أما الرحمة فتعم الخلائق طراً.

وقد ورد أن جبريل – عليه الصلاة وأفضل السلام – نزل على رسول الله، ودار حديث حول القرآن العظيم، فسأله رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – وأنت يا أخي يا جبريل هل أصابك شيئ من هذه الرحمة؟ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ۩، قال نعم يا أخي يا محمد، حتى جبريل رُحِم بمحمد، وصدق الله، إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ۩، قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ۩ قَالَ – أي موسى – رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ۩، هذه هي العالمون، السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۩، كل ما عدا الله – تبارك وتعالى – هو العالمون، ومحمد رحمة للعالمين، ليس للبشر أجمعين وحسب، إنما للعالمين، لكل ما ومَن خلق الله – سُبحانه وتعالى -.

قال نعم يا أخي يا محمد، قد أصابني من هذه الرحمة شيئ، قد كنت أخشى العاقبة، وما أمنت إلا لما أنزل الله – سُبحانه وتعالى – عليك ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ۩ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ۩، أمنت! أمن على نفسه، أي جبريل، بفضل الكلام الذي نُزِّل على قلب محمد وفؤاد محمد – صلوات الله وتسليماته عليه -.

ليس يخلق بمُتحدِّث في مثل هذا اليوم ولمثل هذه المُناسَبة إلا أن يتحدَّث عن رحمة العالمين، عن رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام -، ولكن أنى للبنان الصغيرة الضئيلة أن تُؤشِّر إلى أُفق فسيح عميق مُنداح مد البصر وما لا يمتد إليه بصر؟ أنى؟ وأنى لأداة ضئيلة لطيفة أن تنزح البحر المُحيط في عمر إنسان واحد أو في أعمار البشر أو فيما تطاول من أعمار الدُنى والكون؟ مُستحيل، إن الحديث عن محمد – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وليس عن أي عظيم آخر، إن الحديث عن عظمة العظمات، ولئن كانت المُناسَبة واثقة بين هذا الحديث وبين هذا الظرف الزماني، إلا أنها تتجدَّد، أي هذه المُناسَبة، للحديث عن هذه العظمة الجامعة لشمل العظائم والعظمات، ما احتاج الناس إلى هداية، ما احتاج الناس إلى نور يتهدون بأضوائه، ما احتاج الناس إلى مثل أعلى يتقيَّلون سبيله ويشمون في آثاره وينتحون ناحيته.

الحديث يتجدَّد، والمُناسَبة تستجد ما بقيَ في الناس تظالم وتهاوش وتمييز وتفرقة وإعلاء لمعانٍ وقيم ما أنزل الله بها من سُلطان، يذهب الإنسان أول ضحاياها، والحديث عن رحمة العالمين.

قبل سنوات بعيدة تساءلت – أيها الإخوة والأخوات – في مثل هذه المُناسَبة الكريمة سؤالاً عجيباً، أُدرِك وأدركت حينها أن مثلي أصغر وأدنى بكثير من أن يُجيب عن مثل هذا السؤال، سؤال عجيب، ماذا لو عاد رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – إلى هذه الدنيا ساعةً من زمان، ليُقيم بيننا ساعةً مُفرَدةً واحدةً من الزمان؟ ماذا لو عاد الرسول؟ كيف سنهتبل هذه الفُرصة؟ كيف سننتهز هذا الوقت الشريف الخطير؟ ساعة من رسول الله، يعود ليحيا بيننا، إن هذه الساعة لا تكفي للتغيير، أن نطلب إليه ومنه أن يُغيِّر الأحوال والأوضاع، لا يكفي ولا يصح ولا ينبغي، لأن هذا الكون لا يتغيَّر ولا يتبدَّل إلا على وفاق سُنن حاكمة، كان النبي أول مَن سبر أغوارها، وراعى حُرمتها، وصار على هديها، وهنا عبقرية النبي الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام -، عبقرية ما دنت منها ولا طاولتها أصلاً عبقرية الفلاسفة والمُصلِحين والثائرين، على طول التاريخ وعرضه – إن جاز التعبير-.

ولذا قد يُقال في مثل هذه النُهزة القصيرة المنزورة من الوقت والزمان علينا أن نطلب إليه توجيهاً، أو نطرح أمامه سؤالاً، نحن سنُفضِّل أن نطرح سؤالاً، لأن التوجيه موجود، كتوجيه وكعظة موجود وبكثرة، في الكلام العلوي الطهور القدس الذي أُنزِل على قلبه، أو فيما أوحى الله إليه من سُنته الحكيمة، أما السؤال فهو شأننا وشأن أمثالنا من الذين حاروا وتهوَّموا وتهوَّكوا، سنسأله هذا السؤال الهائل المُريع، قبل سنوات سألنا جُملة أسئلة، وعرفنا الآن بحُكم حكمة السنين وتحنيكها لمَن يدّعي العلم والمعرفة أو العرفان أنها في غير محلها تماماً، وقد كان أجدر وأحرى بنا أن نسأل هذا السؤال، يا رسول الله كيف يجد الإنسان نفسه؟ إنه سؤال أكبر من أن يكون هم المُسلِمين أو هم الزاهدين أو هم الناكبين أو هم الكافرين أو هم اللاهين أو هم المحرومين أو هم اللاغبين المكدودين، إنه سؤال البشر جميعاً وسؤال البشرية في كل آن، إنه تلخيص لرسالات السماء جميعها، وجوابه سيكون ذوب هذه الرسالة، جواب هذا السؤال سيكون ذوب الرسالات كلها، لأن فهمنا بعد هذه السنين المُتطاوِلة لدين الله – تبارك وتعالى – صار على هذه الشاكلة، الدين لنا ولسنا نحن للدين، الدين جاء لخدمتنا، نحن الباحثين، نحن المُتهوِّكين الحائرين، نحن البشر المُتظالَمين، الدينء جاء لخدمتنا نحن، ولا معنى لأن نخدم الدين نحن، لا معنى! لأنه لا يحتاج إلى خدمة.

الدين يُفهَم ويُتقيَّل ويُطبَّق لكي يخدمنا، كما قال روح الله عيسى – عليه الصلاة وأفضل السلام – إنما جُعِل السبت للإنسان، ولم يُجعَل الإنسان للسبت، الشرع لماذا جُعِل؟ لأجل الإنسان، وليس الإنسان لأجل الشرع، بمعنى آخر أكثر وجازةً وأنفذ إلى قلب البيان والتحقيق الدين للأرض وليس للسماء، نعم هو من السماء، لكنه ليس للسماء، الدين ليس لقاطني السماء وسكان الصفيح الأعلى، إنما الدين لسكان هذا الطبق الأدنى، لسكان هذه المعمورة، لسكان هذا البسيط من أرجاء الكون السحيقة، الدين لنا، والإسلام جاء ليقولها واضحةً، وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۩، نفس الشيئ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۩، حتى الجهاد في سبيل الله، هل هو لنُصرة الله ذاته؟ ومَن الذي يبلغ أن يضير الله شيئاً من ضير؟ وهل يُضار رب العزة والجلال؟ أبداً، إنما لنُصرتنا نحن، نُصرة الله هي نُصرتنا نحن، نُصرة المُستضعَفين، المحرومين، والمظلومين، وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ۩، وهنا العطف عطف ترادف، أي للترادف، سبيل الله هي سبيل المُستضعَفين كما قلنا غير مرة، ومال الله هو مال الناس، وإقراض الله هو إقراض المحاويج المُحتاجين، أنت لا تُقرِض الله كذات – لا إله إلا هو -، فهو الغني عن العالمين، ماذا تُعطيه؟ أتُعطيه شيئاً من نعمائه – سُبحانه وتعالى – التي لا تنفذ؟ وإنما أعط المحرومين تكون قد أعطيت الله – تبارك وتعالى -.

هكذا جاء الإسلام ليقولها واضحةً تماماً، بعد أن غبرت على الناس باسم الأديان والشرائع السماوية والأرضية أدهار وعصور، تخوَّض فيها الأحبار والرهبان في أموال الناس وفي حقوقهم باسم الدين وخدمة الدين، حتى كان أكابر الإقطاعيين هم رجال الدين، في فترة من الفترات مرت على مصر ومرت على فارس كانت الإقطاعات والأملاك التي تعود لطبقة الكهنوت أو رجال الدين تبلغ ضعفي ما يعود للعامة، لكل الجماهير، شيئ مُخيف، باسم الدين تم هذا، باسم الدين! وجاء الإسلام ليقولها واضحة.

المُهِم كيف سيكون أو ما عساه – لو أردنا أن نتندس الجواب أو نحدس به حدساً – يكون جواء المُصطفى المعصوم – عليه الصلاة وأفضل السلام -؟ يا رسول الله كيف يجد الإنسان نفسه؟ أعظم تساؤل في حياة البشرية، أحسبه – والله تبارك وتعالى أعلم – سيقول عجب لهذا السؤال وطرحه، لقد أقمت من نفسي شاخصاً ودليلاً مدى حياتي جواباً عن هذا السؤال، كيف تجد نفسك؟ اقرأ عن رسول الله، اقرأ سيرته، واحذق سُنته، وتفقَّه في دينه، فستجد الجواب مُفصَّلاً، لا يحتاج إلى مزيد بيان، وبالذات هو كشخصية – عليه الصلاة وأفضل السلام – يُشكِّل أوفى وأغنى جواب عن مثل هذا السؤال.

جاء أولاً – عليه الصلاة وأفضل السلام – ليُعيد الاعتبار لعقل الإنسان، ولذلك قبل أن أخوض في اتجاه هذه الجُملة أُحِب أن أقول حين نتحدَّث عن مآثر رسول الله، حين نُذكِّر بخوالد وإنجازات رسول الله، وحين نُحيي مناقب رسول الله، أو نستعيد على الأقل ذكر هذه المناقب، نحن لا نُنصِف رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – من شانئيه ومُبغِضيه الذين يغضون من قدره ويعيبون جانبه الشريف، الذي لا يُضار أبداً، لا نفعل ذلك، ليس لأحد أن يقول أنا جئت هنا لكي أُنصِف رسول الله، هل تعرفون لماذا؟ لأن الذي يحتاج إلى إنصاف هو عظيم، رهن الإنجاز، عظمته قيد الإنجاز، عظمته في حالة تكامل، هذا يُمكِن أن يُضار من شناءة الشانئين ومن عيب العائبين ومن شغب الشاغبين، لكن رجل فرغ التاريخ مُنذ عصور من كلمته التي ألقاها فيه وفي عظمته لا يحتاج إلى إنصاف أبداً، هل تعرفون نُنصِف مَن حين نُنصِف الحقيقة؟ لا نُنصِف الرسول المُعظَّم – عليه الصلاة وأفضل السلام -، إنما نُنصِف عقولنا التي تأبى أن تُستهلَك لخُرافات، تُسمى تنقيداً علمياً أو نقداً موضوعياً، يضير الموضوعية وينسخ ويُشوِّه مُحيا العلم، أكثر مما يُمكِن أن يضير جناب المُصطفى المُعظَّم – عليه الصلاة وأفضل السلام -، رسول الله خالد، صنع التاريخ، وهو لم يصنع فقط الأحداث أو الرجال أو أحداث المرحلة، صنع تاريخاً، الدنيا بعد محمد غير الدنيا قبل محمد، وهي أسعد وأكمل وأرشد بمحمد وبهدي محمد ودين محمد وكتاب محمد – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

جاء النبي ليُعيد الاعتبار أولاً لعقل الإنسان، قبل أن نقول ليُعيد اعتبار التوحيد أو ليضع الاعتبار في سكته وطريقه العتيدة، لا! أو ليُعيد الاعتبار – وقد فعل – للأنبياء والمُرسَلين والصفوة المُختارة المُستخلَصة من عباد الله الطيبين – وقد فعل -، لكن قبل ذلك جاء وبأول كلمات أُنزِلت عليه ليُعيد الاعتبار لهذا، للدماغ، للعقل! قال اقْرَأْ۩ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۩ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۩ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۩، هكذا على الإطلاق، الْأَكْرَمُ ۩، مفتاح الكرم الوعي والتفكير الصحيح العتيد، فهذا هو، مفتاح الكرم – كل الكرم – هو هذا، لا كرم ولا كرامة لجاهل أو لأمة جاهلة تتخبَّط في جهالتها، ليُعيد الاعتبار للعقل، كيف فعل ذلك؟ بطرق كثيرة جداً جداً.

أول هذه الطرق هي هذه المُعجِزة، هي هذه المُعجِزة المُفرَدة، ليس لها مثيل، لو أقام القدر القادر نبياً من روما أو من أثينا أو من الإسكندرية أو من هاتيكم المدائن والحواضر المشهود لها تاريخياً وعلى مُستوى عالمي نبياً يدعو إلى الكتابة والقراءة والعلم والمعرفة وتنمية ملكات التفكير والمُحاكَمات العقلية لقلنا امتداد وتواصل مع ميراث موجود حاضر، لكن المُعجِز هو أن يقوم رجل أُمي في شبابه أو في كهولته – هو في الأربعين، في كهولته، شاب مُكتهِل – في أمة تعيش في صحراء لاهبة، لدى كثبان الرمال، لا تعرف لا قراءةً ولا كتابةً، وأكثر من ذلك تحتقرهما، تحتقر الكتابة والقراءة، انتبهوا! هذه الحقيقة لا يُنبَّه عليها أو إليها، لا يُشار إليها دائماً، العرب كانوا يحقرون الكتبة، ولذلك جاء رسول الله وليس في قومه مَن يعرف القراءة بحسب البلاذري – على ما أذكر ولم أُراجِع هذه المعلومة مُنذ سنين – إلا بضعة عشر نفراً، أي أربعة عشر أو خمسة عشر أو ثلاثة عشر رجلاً، وهكذا! بل بعضهم نزل بالعدد إلى سبعة، قال سبعة، وكان عمر واحداً منهم، سبعة فقط؟ نعم، ولماذا يعرفون هذا الشيئ المحقور؟ منزور ومحقور في نفس الوقت، قليل جداً، على حقارة، يحتقرون الكتبة، الكتابة والقراءة صنعة يعرفها يهودي.

كما خُطَّ الكتاب بكف يوماً                                     يهودي يُقارِب أو يُزيل.

على ما قال النمر بن تولب، وقد قال سليط بن جرير النمري أيضاً، قال مرةً يُخاطِب أحد مُبغِضيه وأحد حاسديه وشانئيه:

أتحقرني ولست لذاك أهلاً                     وتُدني الأصغرينَ من الخوان؟ 

جهابذةٌ وكتابٌ وليسوا                             بفرسان الكريهة والطعانِ.

يحقرهم، يقول هذان أصغران، حقراء! أتدعوهم وتُقرِّبهم من سُفرتك ومن مجلس طعامك وشرابك يا رجل، وتجفوني أنا وأنا الفارس ابن الكريهة الذي أقف للمُكاَمعة وللكماة الحُماة؟! لست تعقل، ولست تعرف، قال:

أتحقرني ولست لذاك أهلاً                     وتُدني الأصغرينَ من الخوان؟ 

جهابذةٌ وكتابٌ وليسوا                             بفرسان الكريهة والطعانِ.

إذن هو يحقر الجهابذة، جهابذة العلم والمعرفة والقراءة والكتابة، محقورورن! 

جهابذةٌ وكتابٌ وليسوا                             بفرسان الكريهة والطعانِ.

ستذكرني وتعرفني إذا ما                          تلاقى الحلقان من الباطنِ.

هكذا كانت العرب، هنا تبرز المُعجِزة، هنا يُمكِن أن نجلو وجهها على حقيقته، أمة تحقر صنعة الكتابة وملكة القراءة، يُبعَث فيها نبي – وهنا عجب لا يُقضى منه العجب – أُمي، هذا الشيئ العجيب، هو أيضاً أُمي، أُمي يحث على الكتابة والقراءة، ويتنزَّل عليه الكلام، يُقسِم بوسائل هذه الملكات الوهبية العُليا، ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ۩، قيل ن ۩ هي الدواة، أي المحبرة، وَالْقَلَمِ ۩ معروف،  وَمَا يَسْطُرُونَ ۩ المكتوب المزبور المسطور، ثلاثة أقسام مُتوالية بهذا الشيئ المحقور.

أنا قلت عجب لا يُقضى منه العجب، هل تعلمون لماذا؟ لأن من عادة الإنسان الآتي، وهذا يُؤكِّد أن هذا الإنسان العظيم لم يكن عظيماً وحسب، بل كان أيضاً نبياً رسولاً، لم يكن أفاقاً ولا أفاكاً ولا أثيماً – عليه الصلاة وأفضل السلام -، لم يفتر على رب العزة الكذب، إنه مُرسَل من لدن الله، قد اختارته العناية الإلهية، وحفظت عليه سواءه النفسي، أحببت أن أجعل هذه الخُطبة وقفاً لكن دائماً المجال يضيق على إبراز هذا الجانب المُفرَد من شخصيته – عليه الصلاة وأفضل السلام -، أنه كان أُنموذجاً للسوية وللسواء النفسي والعقلي والمِزاجي والمسلكي، وهذا أحد دلائل وبرهان هذه الدعوى، الإنسان فينا – كلنا بلا استثناء – من عادته أنه يحقر الشيئ الذي لا يُحسِنه في أسوأ الأحوال، وفي أعدلها قد لا يتحمَّس له، وفي أحسن هذه الأحوال لا يجعل من نفسه سفيراً ومُبشِّراً بهذا الشيئ، لماذا يدعو إليه؟ لماذا يُحبِّب الناس فيه؟ وهو محروم، أليس كذلك؟ فإن فعل فهو إنسان غريب وعجيب، لابد أن يُعيد النظر فيه مرات، وهذا شأن عجيب، والناس أعداء ما جهلوا.

تجد طبيباً – مثلاً -، يُمارِس الطب، الطب عنده يُوشِك أن يكون كل شيئ، المعرفة كما يُقال برُمتها، فلو قيل له عن الدرس الفلسفي هزأ، هذه فلسفة ومُجرَّدات وتجريدات، فقط كلام، كلام فارغ، لا نتقدَّم به، يحقر الفلسفة برمتها والفلاسفة مُباشَرةً، والفيلسوف بدوره سيحقر الطب والطبابة وهذه العلوم التطبيقية والتجريبية التي لا تليق إلا بأصحاب المُستويات الدنيا من العقل والمُحاكَمة، هذه المُستويات لا تُؤهِّله أن يرتفع إلى مقام ماذا؟ التعميم والتجريد الذي يحتاج إلى ذهنية مُمتازة تماماً – يزعم الفيلسوف -، وهكذا في كل الصنائع والملكات.

ولذلك مَن جهل شيئاً عاداه، قالوا أيضاً ومَن أحب شيئاً أكثر مِن ذكره، مُبشِّر به دائماً وداعية إليه، الرسول لا يعرف الكتابة، ولا يعرف القراءة، لكن يتنزَّل عليه الكلام، يُقسِم بوسائل هذه الملكات، وهذا شيئ عجيب جداً، وهل نجح؟ نعم، وأيما نجاح، نجح نجاحاً مُنقطِع النظير، لقد خلق في أمة لا تعرف الكتابة والقراءة – تجهلهما وتحقرهما – وهو أُمي أيضاً أمةً تُقدِّس الكتابة والقراءة.

كان الأسير القرشي الكافر يفتك رقبته ويفتدي نفسه إن هو أفلح في تعليم عشرة من  صبية المُسلِمين الكتابة والقراءة، هذا هو، هذا بدل النقود، بدل الفدية، هكذا علَّمهم محمد، وشاعت فيهم صنعة الكتابة والقراءة من بعد، وما هي إلا عقود يسيرة، حتى رأينا خُلفاء هذه الأمة المرحومة… ماذا؟ يُعادِلون بين الكتاب وبين الذهب، يشترون الكُتب بوزنها ذهباً، ومثل هذا لم يُسمَع عن أمة قط، أن يُشترى كتاب بوزنه ذهباً، عجيب جداً، نجح النبي إذن هنا، نجح! 

لقد أعاد الاعتبار للعقل يوم أيضاً فك إسار العقل من التهويم في ماورائيات لا يُمكِن أن تُجدي أو أكثرها على الأقل لا يُمكِن أن يُجدي العقل والإنسان العاقل نفعاً، لقد بطحت مسائل العقل نفسها بفلاسفة الإغريق، يُريدون أن يعقلوا العقل وقواه، العقل يُريد أن يُفكِّر في نفسه، لكن جاء القرآن ليقول لا، العقل يُفكَّر به ولا يُفكَّر فيه، طريق أقصر وأحسن وأكثر إنتاجيةً وإنجازاً، وهكذا كان! وجاء القرآن ليقول ما ذكرت قبل ديكارت Descartes بقرون الذي يتبجَّح الغربيون بأنه سُئل يوماً – وهو من الفلاسفة التجريبين وله يد بيضاء على هذا المنهج التجريبي بلا شك – أي كتاب درست؟ من أي مرجع تعلَّمت؟ فأشار إلى جُثة حيوان نافق هالك، فقال هذا، قرأت هذا الكتاب، تجريب! اعمد إلى مُفرَدات الكون ومُفرَدات الكون، اقرأها مُباشَرةً قراءة التجريب والاستطلاع والاستنطاق والشورى، استشر هذه الأشياء.

يتبجَّحون بقول فيلسوف آخر صخرة في مكانه قابعة خيرٌ من ألف كتاب أُلِّف عنها، اقرأ الصخرة نفسها، لا تقرأ ما كُتِب عنها، لعل مَن كتب عنها لم يُحسِن قراءتها كأنت أو كما تُحسِن أنت قراءتها، القرآن جاء وجعل طريقته الآيوية – إن جاز التعبير – في التدليل على قدرة الله وبدائع الصُنع الإلهي الحكيم هو النظر في مُفرَدات الوجود الحسية، فأقسم بها، لم يُشِر إليها فقط في مئات المواضع أو فيما يزيد عن ألف آية، إنما أيضاً رفعها إلى مقام أن يُقسَم بها، أقسم بالمظاهر الكونية، وهي كثيرة جداً، قال وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ۩، يُقسِم! وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ۩ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ۩ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ۩، إلى آخر هذه الأقسام المُتوالية، وَالضُّحَى ۩ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ۩، يُقسِم! فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ۩.

ما الفرق بين قول ديكارت Descartes هذا الذي يُتبجَّح به وبين قوله – تعالى – أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ۩؟ هو يُشير إلى حيوان نافق، ويقول هذا الكتاب الذي قرأت، والقرآن يقول هذا قبل ديكارت Descartes، له الأسبقية، أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ ۩، اقرأ الإبل، وهكذا فعل المُسلِمون، استجابوا لله استجابةً ذكيةً، لكن للأسف في القرون الأربعة الأولى فقط من تاريخهم، ثم جمدوا، فنضب معينهم، وتراجع إنجازهم العلمي، إلى اليوم للأسف الشديد.

يقف أمثالي من الواعظين البائسين لكن ببِزة الوعّاظ التي لست ألبيس ويُحدِّثوننا دائماً عن العلم وشرف العلم ومكانة العلماء وأن مداد العلماء يُوزَن يوم القيامة بدماء الشهداء و… و… و… إلى آخر هذه النصوص الكريمة الشريفة، التي عبأوا بها مُؤلَّفات بحيالها، إلا أنهم لا يُعلِّموننا ولا يُقيمون من أنفسهم ولا نُقيم نحن أيضاً كاستجابة من أنفسنا مثالاً حياً على اكتساب العلم ومُراكَمته كما فعل الآخرون فنجحوا ووصلوا، أليس كذلك؟ نحن فقط نتغنى، لكن لا نكتسب ولا نُراكِم، وهذه مُشكِلتنا.

أول مرصد فلكي في تاريخ الدنيا صنعه مُسلِم في العهد العباسي، مُسلِم بسيط صنع هذا المرصد، وسُئل لماذا هذا الشيئ؟ قبل جاليليو Galileo كما يقولون، قبله بقرون! ووضعه على قُنة جبل، وجعل ينظر ويُعاين إلى السماء البعيدة السحيقة، فسألوه لِمَ هذا الشيئ؟ هذا غير مأنوس وغير معروف عندهم، فقال استجابةً لأمر الله – تعالى -، أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ ۩، الله أمرنا أن ننظر في ملكوت السماوات، وهذه وسيلة تُمكِّنني أن أنظر جيداً، كما كان يقول برجسون Bergson التكنولوجيا – كل التكنولوجيا – امتداد لوسائل الحس عند الإنسان، للحواس الخمس امتداد، كل التكنولوجيا! السيارة والطيارة والسفينة امتداد للرجلين، والأُخريات كلها امتداد لبقية وسائل الحواس، مثل هذا المقراب أو المُكبِّر – أي التلسكوب Telescope أو الميكروسكوب Microscope -، كل هذا امتداد لماذا؟ لوسيلة الإبصار عند الإنسان، هكذا تُلخَّص التكنولوجيا كما قال برجسون Bergson الفرنسي، هي امتداد لوسائل الحس عند الإنسان، فهذا المُسلِم استجاب على هذه الشاكلة وعلى هذا النحو.

نعود على كل حال إلى ما كنا فيه، الإسلام جاء بهذا قبل الآخرين، ونجحنا ووصلنا ولنا أياد بيضاء، ولنا أياد بيضاء على الآخرين، قرأت مرة لبرتراند راسل Bertrand Russell الذي لا تُعجِبه الحضارة العربية، وهو فيلسوف بريطاني مُلحِد، ولكنه أنصف قليلاً وقال، قال نحن ندين للمنهج العلمي الإسلامي أكثر بكثير مما ندين للمنهج العقيم اليوناني الصوري، ثم استدرك فقال لا، بل هذا المنهج العقيم هو الذي كبَّلنا وأخَّرنا، وما تقدَّمنا إلا بفضل منهج المُسلِمين التجريبي، منهج مَن هذا؟ أهذا منهج أبي جهل؟ أهذا منهج أبي لهب؟ أهذا منهج امرئ القيس – شاعر الخمر والنساء -؟ منهج مَن؟ منهج القرآن، لم نعرفه وأنى لنا أن نعرفه إلا في القرآن؟! المنهج التجريبي هو روح القرآن المنهجية في التعاطي مع هذا الكون المنظور، مع هذا الكون المنشور، إنها طريقة القرآن، لكن كيف غدونا الآن نتعامل مع القرآن؟ هذه هي الكارثة، نحن الآن نتعامل معه كما قال إقبال – رحمة الله عليه – كالآتي، قال تماماً هذا الكتاب الذي أنزله الله ليحيا به الناس – يحيون به من موات – واأسفاه وواحسرتاه صار مطوياً على غرته، لا يُقرأ ولا يُفتَح إلا ليُتلى عليك حين تموت، لكي تموت بسهولة ويسر، أليس كذلك؟ هكذا!

نحن نشأنا بين أُناس – أقول الحقيقة كما هي – يتشاءمون – نعم هكذا، يتشاءمون – ويشعرون بالنحس، لا بالسعود، حين يسمعون القرآن يُقرأ في أوقات مُعيَّنة، القرآن لا يُقرأ في كل وقت، لماذا؟ يُذكِّرهم بالأموات، يُذكِّرهم بأبي عليّ وأبي سعيد وأبي فلان وأم علان التي ماتت ويُقرأ عليها القرآن بصوت عبد الباسط أو المنشاوي، فلماذا تفتحونه في هذه الأوقات السعيدة؟ هكذا أصبح القرآن نذيراً بالشؤم ونذيراً بالموت، لأننا كما قال إقبال وهو صادق لا نفتحه ولا نتلوه إلا لكي يموت المُسلِم وبعد أن يموت لكي يستريح في قبره ولكي يستريح ساعة موته، لكن لم نتعلَّم كيف نستريح نحن الأحياء بهذا الكتاب، كيف نُحيي أنفسنا، كيف نُحِل مُعضِلات حياتنا، وكيف نُعالِج ونُدبِّر مُشكِلاتنا بهذا الكتاب.

غاية ما نتفنن أن نُجوِّد حروفه، كما قال شيخنا محمد الغزّالي يوماً – رحمة الله عليه -، محمد الغزّالي – رحمة الله عليه – قال هذا الكتاب خُط في تركيا، وفُسِّر في المغرب – لأن هناك مُفسِّرين جهابذة من قديم لهذا الكتاب في كل مكان، لكن في المغرب بالذات جهابذة، وخاصة في النحو، التفاسير النحوية، قال وُفسِّر في المغرب -، وصُوِّت وجُوِّد في مصر- الأصوات المصرية -، ثم قال أين العمل به؟ نُعنى بتصويته، بتجويده، بكتابته بالذهب وبغير الذهب، بطباعته طباعة جيدة مُمتازة، ونُفسِّره، لكن أين العمل؟ أين منهج القرآن في حياتنا؟ هذه هي المُشكِلة، وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ۩.

نعود إلى رسول الله، للأسف يُدرِكنا الوقت بسرعة، رسول الله كان على سويته، ولذلك لم يجد حريجةً – بالعكس – بل كان مُندفِعاً بحماس بالغ في دعوته إلى العلم والكتابة والقراءة والمعرفة ومُراكَمة هذه المعارف، وهو الأُمي المحروم من نعمة الكتابة والقراءة – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وهذا يدل على سوائه، أنه إنسان سوي تماماً، الرسول لم يُرزَق الولد الذكر، إلا ما كان من إبراهيم – عليه السلام -، الذي آتاه على كبر، وفقد هذا الصغير إنما يكون على قدر التعويل عليه، ولقد يبدو أن تعويله عليه كان عظيماً، لأنه سماه باسم جده وأبيه الأكبر، شيخ الأنبياء إبراهيم، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۩، لعله كان يُعوِّل عليه أن يرث شيئاً كبيراً طائلاً منه – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وقد آتاه الله ورزقه به في كبر سنه بأخرة في حياته – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

ثم اختطفه القدر الغلّاب وهو ابن بضعة عشر شهراً، لم يُكمِل سنتين، اختطفه وفُجِع به النبي المُحمَّد – عليه الصلاة وأفضل السلام – أيما فجيعة، لم تُخرِجه عن رضائه واستسلامه لقدر الله – تبارك وتعالى -، ولكنه فُجِع به فجيعة حرَّكت التساؤل المُندهِش في نفوس جُملة من أصحابه، أتبكي يا رسول الله وأنت نبي؟ وهل تُناقِض النبوة الحنان؟ وهل تُناقِض الحُب؟ وهل تُناقِض الرحمة؟ النبي تحدَّث عن الرحمة هنا، وأن الله لا ينزعها إلا من شقي، والرحمة وثيقة ووشيجة العلاقة بماذا؟ بالحُب، لا يُمكِن أن تجد إنساناً قاسي القلب، جلمود الفؤاد، ويكون مُحِباً أو يعرف الحُب، إنه يعرف الاستئثار، حتى لأولاده، هو لا يُحِبهم، يستأثر، يجد نفسه من خلالهم، وهو كذلك لزوجه ولأصدقائه أبداً، لأنه قاس، وهكذا قيل عن الطواغيت والقُساة على مر التاريخ، لا يعرفون الحُب، أما مَن وجدناه رحيماً فهو بالحري شخص مُحِب، يعرف الحُب في أسمى وأصفى وأطهر وأنقى معانيه، وقد جمع النبي المُحمَّد بين المعنيين في أوفى غاياتهما وأبعد آمادهما، الحُب والرحمة.

يقول أنس بن مالك الآتي وقد خدمه عشر سنين، أتت به أمه – أم سُليم – وهو صغير، وخدم النبي عشر سنين، يقول أنس ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله، هو أرحم إنسان رأيته بالعيال والصغار، هل تعرفون لماذا؟ لأنه المُحِب، لأن الله ما خلق إنساناً يعرف الحُب مثله، حُب الزوجة وحُب الولد وحُب الصديق وحُب الناس وحُب النصير وحُب الحيوان وحُب الشجر وحُب المطر وحُب الكون وحُب الأشياء، حتى الأشياء! حتى الأشياء – صدِّقوني – النبي كان يتفاعل معها إيجابياً، بعاطفة حقيقية، وبُرهان ذلك أنه نحلها أسماءً، ونحله إياها الأسماء يدل على أنه كان يتعاطى معها بكيفية وروحية تجعلها ماذا؟ أقرب إلى الشخوص الأحياء الذين يمتازون بالسمات والأسماء والعلائم.

ناقته القصواء، حماره عفير، قصعته الغراء، سيفه المُحلى ذو الفقار، ركوته التي يشرب فيها الصادر، بساطه الذي يجلس عليه الكز – عليه الصلاة وأفضل السلام -، قضيبه الحديد الذي ينكث به الأرض ويحمله أحياناً الممشوق، وهكذا! كل أشيائه أعطاها أسماءً – عليه الصلاة وأفضل السلام -، ليُشير إلى علاقته الواشجة القوية الحميمة بهذه الأشياء، هي ليست مُجرَّد أشياء، لا! أشياء لها شخصياتها، لها مُحدِّداتها، ولذلك هو يتعامل مع هذه الأشياء ويتعاطى مع هذه الأشياء من هذا المنظور ومن هذا المُنطلَق، له علاقة حقيقية بها فعلاً.

ولذلك الحصاة سبحَّت في يده، جبل وحجر مرةً كانا يشهدان له بالنبوة، ويُسلِّمان عليه، السلام عليك يا نبي الله، قال أعلم هذا الجبل، وفي رواية أعلم هذا الحجر، كان يُسلِّم عليه في مكة جين نُبئ بعنوان النبي، يا نبي الله – يقول له -، اشتاق إليه الجذع، الجذع حن له، لماذا لا ينحلها أسماءً؟ لقد نحلها أسماءً – عليه الصلاة وأفضل السلام -، أسماءً كثيرةً، نعم هكذا كان، أما مع الأحياء فهذا شيئ مُختلِف تماماً، وما عرف التاريخ رجلاً أو امرأً اتسع نطاق حُب البشر له كما اتسع النطاق مع رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام -، أحبه الناس، رجالهم ونساؤهم، كبارهم وصغارهم، ساداتهم وعبيدهم، حتى العبيد! لأنه أحب العبيد أيضاً، هو أحب عبيده ورحمهم، والعبد لا ناصر له بين يدي سيده إلا ما يكون في قلب هذا السيد من رحمة وحنان، أليس كذلك؟ إنه عبد، أما الزوجة فقد تتعدَّد الأسباب التي تحملها على رحمتها أو حُبها، وكذا الصديق وكذا النصير، إلى آخر! أما العبد المملوك الذي يُساوي دراهم معدودة فلا ناصر له إلا ما يكون في قلب سيده من حنان ورحمة.

يبعث مملوكةً له أو لزوجه يوماً فتتأخَّر عليه حتى تُمِله، وحين تؤوب بعد أن يستعجلها غير مرة يقول لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك، وإن ضرباً بسواك غير وجيع يا إخواني، لكنه يخشى القصاص أيضاً، لولا خشية القصاص لأوجعتك بهذا السواك، يبعث أنساً خادمه – قريب من العبد، ولم يكن بعبد، لكنه خادم، أُخدِمه عليه الصلاة وأفضل السلام -، يبعثه له في حاجة، فيريث عليه، أي يُطوِّل، فيريث عليه، فينطلق النبي بنفسه، يقول أنس فما عتمت إلا أن شعرت بشيئ يجذبني، فنظرت فإذا هو رسول الله، يقول أين أنت يا أُنيس؟ هكذا يُمازِحه، أين أنت يا أُنيس؟ اذهب إلى الحاجة التي أرسلتك له، فقط هذا ما كان منه – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

يقول أنس ما مسست يد أحد ألين من كف رسول الله، كأنها الحرير والديباج، خدمته عشر سنين، فما قال لي أفٍ قط، وما قال لي لشئ صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيئ تركته لِمَ تركته، عشر سنين! أتحدى أن هناك بشراً كهذا، ولا حتى الأنبياء الآخرون، مُستحيل أن نبياً يفعل هذا، موسى أخذ بلحية أخيه هارون ورأسه يجره إليه، مُستحيل أن الله خلق بشراً كهذا – عليه الصلاة وأفضل السلام -، عشر سنوات! 

كان على سويته، فيبكي على ابنه، ولماذا لا يبكي؟ وقد عوَّل عليه تعويلاً عظيماً، وجاءه على طول انتظار، وعلى عظم اشتياق، لأن عهده قد طال بالولد، بضع وعشرون سنة لم يُرزَق فيها الولد، وقد مات كل ولده، ذكورهم وإناثهم، في حياته، إلا بقية الباقيات وسيدة الصالحات فاطمة – عليها السلام -، كلهم ماتوا في حياته، القاسم، الطاهر، زينب، رُقية، وأم كلثوم، وطال عهده بالولد بضع وعشرين سنة، ثم رزقه الله هذا الولد، أي إبراهيم، على كبر سنه، والآن يفقده؟ هكذا! هكذا قال القدر القادر كلمته، وانتهى، وقع المُصاب، وإنه لمأسوف عليه كل الأسف.

فيخرج النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام -، ذلكم الرجل ولا كل الرجال الذي اضطلع بحمل أعباء الدنيا والدين، لكن الآن لا تضطلع رجلاه بحمله، يخط الأرض، وقد اتكأ على صديق وفي من إخوانه وصحبه، فيستقبله جبل، فيقول يا جبل لو كان بك ما بي لهدك، ولكن إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩، هذا أمر الله، فيُوضَع الصبي وقد خرجت نفسه الطاهرة – عليه السلام – بين يديه، فيبكي دموعاً ذارفةً، وهناك وجد مكظوم في قلب كبير يسع الكون ومَن فيه، فكم يكون هذا الوجد! وكم يكون حجمه!

ويُقال له أتبكي يا رسول الله؟ فيقول أبكي، أبكي ولا أقول إلا ما يُرضي الله، إن الله – تبارك وتعالى – لا يُعذِّب – يقول لهم – بدمع العين ولا بحُزن القلب، ولكن يُعذِّب بهذا، وأشار إلى لسانه، ولما رأى أسامة بن زيد بكاء الرسول صرخ، صرخ لبكاء نبيه وحبيبه، فنهاه وقال يا أسامة الصراخ من الشيطان، والحُزن من الرحمن، الحُزن الرحمة من عند الله – تبارك وتعالى -.

ولذلك السؤال يتكرَّر دائماً، أيبكي النبي؟ أيُفجَع النبي؟ أيشعر بالوجد والحُزن واللوعة؟ نعم، لأنه إنسان في أكمل صورة خُلِق عليها الإنسان، لو لم يبك النبي لكان معنى ذلك ولا معنى له سواه أنه لم يحزن، لأنه لم يُحِب، وهو لم يُحِب لأنه ليس برحيم، ولم يكن كذلك وهو رحمة العالمين، لابد أن يكون مُحِباً، أحبه الكبار والصغار والرجال والنساء والحيوان والأشياء والجماد، وأحبها كلها، وأحبهم جميعاً، ولم يكتف على عادة بعض المُستأثرين بأن يُشبِّب الناس أو يُدِلوا أو يشرفوا بحُبه، أي بحُبهم له، إنما بادلهم حُباً بحُب، وصرَّح بحُبه وعن حُبه لهم وللناس، وهنا جانب جديد من جوانب عظمته – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

يقول أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر، عليّ أخي في الدنيا والآخرة، وقالها غير مرة له، عن عثمان يقول أفلا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ لو كان عندي عشر بنات – قال – لزوَّجته عثمان إياهن واحدة إثر الأُخرى، هذا رجل عظيم، يقول ويُصرِّح بذلك، ثم يقول في حديث آخر أربعة أمرني الله – سُبحانه وتعالى – بحُبهم، ويا هنيئاً لهم، هنيئاً لهم إلى يوم الدين، وأخبرني أنه – سُبحانه وتعالى – يُحِبهم، عليّ بن أبي طالب وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي والمقداد، يقول هكذا! الله يُحِبهم وأمرني أن أُحِبهم، أخبرني بذلك، وأنا أُحِبهم – قال -.

يقول لمُعاذ بن جبل – العارف الكبير والشاب الجميل الصبيح الوسيم في مُقتبَل عُمره – يا مُعاذ والله إني لأُحِبك، فلا تنسين أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، الحديث! هنيئاً لمُعاذ – والله – إلى يوم الدين، والله – يقول له – إني لأُحِبك، يُصرِّح بهذا، هكذا! نفس عظيمة.

وأخيراً وقد أدركنا الوقت لم يمنعه هذا النطاق الوسيع الحافل الجامع من وجوه العظمة والتميز والتفرد والعلو والرقي والسماء، لم يمنعه ذلك كله وهو الذي قلنا فيه آنفاً إنه رجل اضطلع بحمل أعباء الدنيا والدين على كاهله وتجشَّم ذلك باقتدار وبمجادة – عليه الصلاة وأفضل السلام -، لم يمنعه ذلكم كله من أن يكون أصبح الناس وجهاً وأكثرهم تبسماً وأصفاهم نفساً ووجهاً.

كان وجهه مرآة نفسه، إذا رضيَ عُرِف ذلك في وجهه مُباشَرةً، يراه أصحابه فيقولون يا رسول الله بشِّر، فإن البِشر يُرى في وجهك، يُرى مُباشَرةً، لأنه رجل صافي القلب، صافي الفؤاد، رضي النفس – عليه الصلاة وأفضل السلام -، على سوائه، وإذا غضب أو حزن أو امتعض يُرى ذلك ويُعرَف ذلكم في وجهه مُباشَرةً.

كان من أكثر الناس تبسماً، وكان فيه قبول وفُسحة من وقته ونفسه للدعابة وللمِزحة الطيبة الكريمة في غير كذب أو أذية لأحد أو كسر لخاطر إنسان، سيداً كان أو عبداً، ذكراً كان أو أُنثى، وله في ذلك أشياء تُؤثَر عنه – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

نُعيمان الأنصاري – نُعيمان بن عمرو – كان أمزح الصحابة وأضحكهم، خاصة الصحابة الأنصار، معروف بذلك، لا يترك أحداً من دعابته، والنبي يرضى ذلكم منه، ويُحِبه، ويتأثَّره، ويتأثَّر مواضع ذلكم أيضاً، جاء أعرابي إلى مسجد رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام وآله وأصحابه – وهو ليس ثمة، النبي لم يكن ثمة، أي في المسجد، فعقل ناقته باب المسجد، ويبدو أنها كانت ناقةً فارهةً، فأقبل الصحابة على نُعيمان، وقالوا يا نُعيمان لو نحرت هذه الناقة، فقد قرمنا اللحم أو قرمنا إلى اللحم، أي اشتهيناه، قال ومَن يغرم ثمنها؟ قالوا رسول الله، أي لنُعيمان هذا، قالوا الرسول يغرم ثمنها، قالوا له هذا، قال حسناً، فخرج فعقرها، فلما خرج الأعرابي وجد ناقته معقورة، قال واعقراه يا رسول الله، واعقراه، ناقتي ذُبِحت يا رسول الله، فجاء الرسول وقال مَن فعل هذا؟ قالوا نُعيمان يا رسول الله، نُعيمان! قال أين هو؟ قالوا ليس ثمة، فذهب النبي يتأثَّره، فإذا به قد اختبأ في خندق في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب – رضيَ الله عنها -، وجعل على نفسه الورق والحشيش وسعف النخل والتراب، وجاء أحدهم يبحث عنه، وهو يعلم أين هو، قال يا رسول الله ما رأيته، ما رأيته، ويُشير إليه، ما رأيته! فجاء النبي، ونحى السعف والورق، وأخرجه والتراب على وجهه، أخذه النبي وقال له يا نُعيمان ما هذا الذي فعلت؟ قال يا رسول الله الذين دلوك عليه هم الذين أمروني وقالوا تغرم ثمنها، هم الذين فعلوا ذلك، فجعل النبي يضحك ويتبسم، ويمسح التراب عن وجهه، وغرم النبي ثمنها.

هكذا كانوا يصطنعون معه مثل هذه الدعابة، يعلمون أنه يقبلها، مُستحيل تفعلونها مع شيخ لكم، أليس كذلك؟ أو مع أستاذ، مُستحيل! بعض الناس يتساءل أويضحك الشيوخ؟ لماذا؟ أهم من طينة أُخرى مخلوقون؟ لماذا لا يضحكون؟ إذا كانوا لا يضحكون فلنا عليهم علامات استفهام كثيرة، ليسوا أسوياء، إذا كنت لا تضحك ولا تقبل المِزحة والدعابة ولا تتبسَّط مع إخوانك وأحبائك فأنت لست سوياً، فيك نقص، هذا نبيك – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

هناك ما هو أعجب من ذلك، يخرج الصدّيق أبو بكر – رضوان الله تعالى عليه – يوماً في تجارة له إلى بُصرى الشام، ويأخذ معه نُعيمان هذا، ورطة! يخرج معه نُعيمان هذا، ويخرج معه صاحب زاده، المسؤول عن الزاد والزواد كما يُقال، وهو سويبط بن حرملة – رضيَ الله عنهم أجمعين -، يخرج سويبط ويخرج نُعيمان، أبو بكر يذهب في حاجة له، فيأتي ناس في قافلة، فيخرج إليهم نُعيمان، يقول هل تشترون مني عبداً؟ هو عبد جيد، لكنه صاحب كلام، وإذا اشتريتموه فلي عليكم شرط، هو سيقول لكم لست عبداً، إنما أنا حر، لا يُحِب هذا، فلا تُفسِدوا علىّ عبدي إن كنتم لا تُريدون شراءه، وإن كنتم فلا تحفلوا له ولا تُبالوا كلامه، قالوا نشتريه، ولا نحفل بكلامه.

فجاءوا إلى رجل، وقد دفعوا ثمنه عشراً من القلائص، أي النوق الكبيرة، دفعوا عشر قلائص، جاءوا إليه وكتفوه بعمامته، قال ما هذا؟ قالوا أنت عبدنا، قال لست بعبد، إنما أنا حر، قالوا بلغنا ذلك عنه، فدعك من اللجاجة، نعرف هذا، اترك اللجاجة والجدال، بلغنا ذلك عنه، فدعك من اللجاجة، قال يا جماعة إنما يتهزأ، هذا الرجل يمزح، يتهزأ، ولست بعبد، إنما أنا حر، قالوا قد سمعنا هذا، اسكت، فأخذوه وذهبوا به، انطلقت القافلة! جاء أبو بكر، وقال يا نُعيمان أين سويبط؟ قال بغيته الزاد يا أبا بكر، قلت له أعطني زاداً، فأبى فبعته على أنه عبد، عاقبه! قال له أعطني الزاد، قال لا، حتى يأتي السيد أبو بكر، قال والله لأغيظنك يا سويبط، أي هذا مقلب، باللُغة العامية الآن لأفعلن بك مقلباً، قال له بغيته الزاد، فأبى فبعته، وأغظته بذلك، قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وأدرك القافلة، من حُسن حظ هذا المسكين، وأخبرهم أبو بكر بحقيقة الأمر، ثم عادوا إلى رسول الله، فأعجبه هذا الموقف جداً، يقول الرواة وظل – عليه الصلاة وأفضل السلام – حولاً كاملاً كلما رأى نُعيمان يستعيده الحدث، ماذا حدث يا نُعيمان مع هذا الرجل؟ كيف بعته؟ حدِّثنا يا نُعيمان، سنة كاملة، حولاً كاملاً، النبي يضحك ويُضحِك مَن حوله مِن هذه الفعلة العجيبة، هكذا كان، عظيم! لأنه كان سوياً، كان رجل الفطرة، وما كان ينفذ إلى قلوب الناس إلا من طريق الفطرة.

ولذلك كان يتهاوى الرجل القوي السليط القاسي الجلمود أمامه بكلمة يقولها، تخشع القلوب المُتحجِّرة أمام هذا الإنسان العظيم، تخر جلالات هؤلاء الكُبراء أمام عظمة هذا العظيم مُباشَرةً، لأنه يعمد إليهم من أقصر طريق، إنها طريق الفطرة، طريق السواء، قال يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ۩، قبل التعليم! ثم قال وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ۩، نحن الآن عكسنا الطريقة تماماً، نستفرغ الأوقات والجلوس في التعليم، والتزكية قد تأتي أو لا تأتي، وهذا لا يصح، لابد من التزكية أولاً، أن نعمد إلى القلب، إلى الشعور، إلى الوجدان، وإلى الطبيعة، فنعديها إلى سوائها، فإذا عادت إلى سوائها وصارت على سكة الاعتدال بين مجالين للمُغالاة فيهما ميدان من هنا ومن هناك استقام أمر الناس، استقام أمر الإنسان وأمر المُجتمَع.

اتكأ مرةً – عليه الصلاة وأفضل السلام – ووضع ساقاً على ساق، ثم أراد أن يُمازِح أصحابه، قال لهم انظروا، ساقي هذه، قالوا نعم يا رسول الله، قال أي شيئ بها أشبه؟ فتحيَّروا، كذا وكذا وكذا، لم يعرفوا! قال ساقي هذه، أشبه شيئ بساقي هذه ساقي هذه، فضحكوا جميعاً، هكذا كان مِزاحه – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

تأتيه عمته صفية وهي امرأة عجوز – صفية بنت عبد المُطلب -، فيقول لها يا عمة يا صفية لا يدخل الجنة عجوز، فبكت وارتاعت، فتبسم النبي، وقال لها ألم تسمعي قول الله – تعالى – إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ۩ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ۩ عُرُبًا أَتْرَابًا ۩؟ في سن واحدة، بنات تسع عشرة، ففهمت وثابت إلى الرضا والفرح، وتبسَّمت معه أيضاً، هكذا! مِزحة خفيفة طيبة، جعلها تفهم آية، وتتنبَّه إلى موضعها من كتاب الله وإلى موضع تأويلها، هكذا كان يمزح.

أمه بعد أمه كما كان يُناديها ويُلقِّبها بركة الحبشية، المرأة السوداء، أم أيمن، كان يُحِبها، ويُناديها بهذا اللقب الذي سمعتم، قال لها مرةً يا أم أيمن غطي قناعكِ، يُريد وجهها الأسمر، كأنه قناع، قال غطي قناعك، قال غطي هذا القناع، وليس بقناع، هو جلدها، يُمازِحها! وتُحِب هذا المزاح، يا أم أيمن غطي قناعكِ، وذات يوم أتت معركة حُنين – وتعلمون من نبئها ما قص الله علينا -، في هذه المعركة الحاجبة والمعمعة الحمراء الضروس لم يُنسِه حجب الأمر وصعوبته أن يُصغي إليها وهي تدعو لهم بلسانها الأعجمي، تقول سبت الله أقدامكم، سبت الله أقدامكم، لا تستطيع أن تقول ثبَّت، تقول سبت، فالتفت إليها، في هذا الموقع وفي هذه الموقعة الحاجبة الشديدة، وقال لها يا أم أمين اسكتي، إنما أنتِ عسراء اللسان، نقول أعسر اليد، لكن لا نقول عسراء اللسان، هكذا يمزح – عليه الصلاة وأفضل السلام -، قال يا أم أمين اسكتي، إنما أنتِ عسراء اللسان – صلى الله تعالى عليه وآله وأصحابه وسلم -.

أخيراً حين نُقدِّر جوانب – لا نستطيع الإلمام بكل الجوانب، هذا مُستحيل – من جوانب عظمة محمد أو نُحاوِل أن نُدرِك شيئاً من هذه الوجوه المُتكاثِرة لعظمته – عليه الصلاة وأفضل السلام – كما قلت في صدر الحديث إنما نُنصِف عقولنا، نختبر عقولنا، هل لازالت تعمل على سوائها أم أن خللاً قد ألم بها؟ إن مقدارك من العظمة بمقدار ما تتحسَّس من وجوه العظمة في العظماء، وسيد العظماء وعظيم العظماء هو محمد – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وانتبه، إذا ضاع العظيم بين قومه فما عساه أن يكون موقع الصغير فيهم؟ انتبه، باسم النقد ينالون من نبينا ومن كبرائنا ومن أئمتنا ومن أسلافنا، باسم هذا النقد! ما عساه يكون موقع أمثالنا؟ نحن سنُذبَح تماماً إذن، سنُلغى من الوجود، إذا ضاع الكبير فما عساه يكون موقع الصغير؟ إذا لم يعترف لمحمد بشيئ من الفضل فهل يعترف لي ولك؟ ومن هنا يكون الخبال والوبال والدمار.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُعيدنا إلى دينه عوداً حميداً.

اللهم اجز محمداً – صلوات ربي وتسليماته وتشريفاته عليه وآله وأصحابه وأتباعه – خير ما جزيت نبياً عن نبوته ورسولاً عن رسالته وأمته، اللهم آمين.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبيبنا وحبيبنا وعظيمنا محمداً عبد الله ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المُبارَكين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم إنا نسألك أن تجزي سيدنا محمداً – صلوات الله وتسليماته عليه وآله وأصحابه وأتباعه – عنا خير ما جزيت نبياً عن نبوته ورسولاً عن أمته ورسالته.

اللهم أحينا على سُنته، وأمتنا على مِلته، واحشرنا يوم القيامة في زُمرته وتحت لوائه، اللهم أوردنا حوضه، وأسعِدنا بشفاعته، واسقنا بيده الشريفة الكريمة شربةً لا نظمأ بعدها حتى ندخل الجنة.

اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف الغنى، اللهم أصلِحنا وأصلِح بنا، واهدِنا واهدِ بنا، اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.

اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام وأن تُعِز المُسلِمين، وأن تُعلي بفضلك كلمتي الحق والدين، اللهم مَن أراد بالإسلام وبالمُسلِمين خيراً فكُن له خير ناصر ومُعين، ومَن أراد به وبهم شراً فخُذه أخذ عزيز مُقتدِر، فإنه لا يُعجِزك، إلهنا ومولانا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك وندعوك أن تجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تدع فينا شقياً ولا بائساً ولا يائساً ولا مطروداً ولا محروماً، برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من أفضاله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(13/3/2009)

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: