إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، الْلَّهُم صَلِّ وَسَلِم وَبَارِك عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ.
عباد الله:

 أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله – سُبحانه من قائل -:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد: 

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى من قائل – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ۩ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ۩ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات:

يكشف قبيل من الناس عن قابلية مُفرِطة للتصديق بالخُرافة والانسياق وراء الأكاذيب والأوهام والظنون والتخرصات، وهذا ليس أمراً استثنائياً وليس أمراً يبعث على العجب، لأن من الناس مَن طُبِع وجُبِل على هذا النحو، طبيعته تتحسس كثيراً – أزيد من غيره – لأمثال هذه الشؤون، فهو يغلو فيها ويُبالِغ ويُفرِط، حتى يُخرِجه تشوفه إلى الغيب وإلى العجائبيات عن حدها المعقول والمقبول شرعاً والمشهود له واقعاً وخبرةً، إلى حد الخُرافة والأكاذيب والكلام الذي لا يتماسك وليس يُعقَل بوجه من الوجوه.

ما زلنا نتحدَّث عن قضية الرؤى والأحلام، وبعض الناس قد يرى أن هذه المسألة ليست من الخطر بالمكان الذي نُريد أن نذكره، وليس كذلكم، فباسم الرؤى والمنامات والأحلام شُقت العصا، وقُتِل الألوف، بل أزيد من ذلك، من عباد الله، معصومي الدم، بالمرائي! وكُفِّر أُناس، وصُحِّحت أحاديث، وكُذِّبت أحاديث أيضاً ثبتت عن رسول الله، بالرؤى والمنامات! وانتُصِر لمذاهب وطوائف وأفراق ومذاهب في الرأي والاعتقاد، بالرؤى والأحلام! وطُعِن في شخوص ثبتتهم عدالتهم وموثوقيتهم ونزاهتهم، بالرؤى والأحلام! وعُدِّل كذبة ومارقون وزنادقة، بالرؤى والأحلام! واستُغفِل ألوف – إن لم يكن ملايين – من البشر، بدعاوى المهدية أو المهدوية أو الإصلاح أو نوع من أنواع الوحي المزعوم المُدّعى، بالرؤى والأحلام!

ولا يزال هذا الأمر مُستمِراً للأسف الشديد، فالقضية إذن خطيرة، ولابد أن يُقال فيها القول الذي أطبق عليه علماء الشرع، وشهد له الشرع بنصه، وشايعه العقل بحُكمه، وأكَّدته الوقائع والمجاريات والأحداث، التي كذَّبت مسالك أمثال هؤلاء ولا تزال، لكن مع ذلكم كله لا يزال هناك – وهم ليسوا بالقليل – مَن يُشايع هذا المسلك وأصحابه، ومَن يتقيَّل هاته الطريق المُهلِكة، لأن في طبعه استعداداً لهذا، قابلية! فلعل أمثال هؤلاء أن يُراجِعوا أنفسهم، وأن يُخفِّفوا من غلوائهم، على الأقل جاعلين مُستنَدهم ومرجعهم ومقيلهم الذي إليه يقيلون ومعقلهم الذي إليه يعقلون شرع الله – تبارك وتعالى -، فإن الله – تبارك وتعالى – لم يضمن لنا العصمة في شيئ بعد الكتاب والسُنة، ما صح عن رسول الله أو آية من كتاب الله، ما عدا ذلك العصمة ليست تُضمَن لأحد من عباد الله، لا لصالح ولا لعارف كبير ولا لولي مشهود له بسعة الكرامات وكثرتها، كل هذا لا يعني العصمة، كل هذا لا يعني العصمة بحال من الأحوال!

لا نُريد أن نُوسِّع بذكر الشواهد وهي كثيرة جداً على أن الصحابة أنفسهم وهم أفضل هذه الأمة بعد رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً – لم يكونوا بالمعصومين، كانوا يجتهدون ويُخطئون ويُخطّئ بعضهم بعضاً، من كبار الصحابة على الإطلاق، وحدث شيئ من هذا كثير في عهد رسول الله، وهو لا يزال حياً بعد ظهرانيهم، وبعد أن تولى سعيداً حميداً – صلوات ربي وتسليماته عليه – زاد هذا الإنكار من بعضهم على بعض، لأنها طرائق اجتهادية ومسالك للرأي فيها مندوحة، فأحرى بغيرهم مِمَن خلفهم ألا يكون معصوماً وألا تُظَن فيه العصمة، فيُتبَع على ما يقول، حتى وإن كان هذا القول ليس له من مُستنَد ولا مُتكأ إلا الأحلام والرؤى والمنامات والحدوس والظنون والتخرصات، وبهذا ينهدم الدين.

قلنا في الخُطبة السابقة إن هذا الدين لا يُؤخَذ إلا عن ذي ورع تام وعقل ظاهر كامل، يقول ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي – رحمة الله تعالى عليه، أحد الأئمة المشاهير، وهو أستاذ مالك بن أنس، إمام المذهب، هو أستاذه وشيخه، بل أكبر أشياخه – الآتي، يقول ربيعة إن من أصحابي مَن أرجو الله – تبارك وتعالى – بدعوته، ولو شهد علىّ في أمر ما قبلت شهادته، رجل صالح طيب، لكن ليس من أهل الشهادة، لا يستطيع أن يُقيم الشهادة على وجهها، الشهادة! وليس أن يزعم أنه أتانا بشرع جديد، أو نسخ شيئاً من شرع محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم -، أو أتى ليُكذِّب بشيئ ثبت في كتاب الله أو عن رسول الله، لا! إنما في شهادة، شهادة ربما في مسألة لا تسوى أكثر من دينار أو دينارين، لا تُقبَل شهادته، ليس من أهلها، ليس من أهل الشهادة، إنسان صالح طيب، عليه سماء الصالحين، وربما تكون دعوته مُستجابة، لكن لا نقبله في الشهادة، كيف نقبله بأن ينسخ دين رسول الله باسم أنه صالح وتقي وله كرامات؟! كلا، لكن هؤلاء أو أولئكم كانوا أقواماً لهم عقول، هذا ربيعة الرأي، هذا رأي ربيعة الرأي وهؤلاء أئمة الإسلام، وهؤلاء بهم وبأمثالهم ونظرائهم وأشكالهم حفظ الله الدين، الدين لا يزال محفوظاً – بإذن الله تبارك وتعلى -، بأمثال هؤلاء، لا بأمثال المُخلِّطين الذي يهرفون بما لا يعرفون، ولا بالغوغاء الرعاع الطغام من ألوف بل ملايين العوام الذين ينعقون خلف كل ناقع، من الذين قيل فيهم وبحق ما قيل إذا أردت أن تجمعهم فزمِّر وإذا أردت أن تُفرِّقهم فشمِّر، ليس لهم أي وزن، لا في دين ولا في دنيا، يتبعون كل أحد، وإلا قولوا لي بربكم كيف أمكن للكذّاب القادياني هذا – أي ميرزا غُلام أحمد – أن يكون له الآن ملايين من أتباعه؟ وهو الذي كذَّب بخاتمية رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أي بخاتمية النبوة، وادّعى حلول العظماء كالمسيح ومحمد وغيره، بل ادّعى الإلهية في فترة من فتراته المُتأخِّرة، لماذا له الآن ملايين يتبعونه؟ لأن الناس هكذا، منهم المجانين، ومنهم مَن له استعداد أن يكفر – والعياذ بالله -، ويظن أنه يتقرَّب إلى الله، تكفر بمحمد بن عبد الله وبكتابه وتتبع القادياني وأنت من المُسلِمين!

البهائيون الآن بالملايين حول العالم، للأسف كثير منهم كانوا مُسلِمين، وارتدوا – والعياذ بالله -، نعم! البهائيون، البابيون، وفرق كثيرة ضالة مُضِلة، زنادقة مُنحرِفون مرقة من الدين، كيف أمكن هذا؟ لأنهم عوام، لا عقل لهم، ويُستغفَلون في كل زمان، في كل أين وآن يُستغفَل أمثال هؤلاء – والعياذ بالله -، فنعوذ بالله ونُعيذ أنفسنا وإخواننا وأحبابنا بالله – تبارك وتعالى – أن نكون كأمثال هؤلاء، لكن لابد لنا من صدق أولاً ومن نية ومن حرص على أن ندفع عن دين الله، لا نُحِب أن ندفع عن أنفسنا وعن شخوصنا ولا عن مذاهبنا الضيقة ولا طوائفنا ولا مُنتحَلاتنا، نُريد أن ندفع عن دين الله في جلاله، في عظمته، في سعته، وفي شموله، لا عن مُحدِّدات ضيقة، يُضحى بدين الله من أجلها، من أجل أن تصدق، لا نُريد لها أن تصدق، ولا يعنينا أن تصدق، لأنها لا تصدق أصلاً، وليست بصادقة.

هؤلاء هم الدجاجلة في كل زمان، وهؤلاء هم العوام، أعتقد أن المُسلِم الواعي الصاحي اليقظ يربأ بنفسه أن يكون من أمثال هؤلاء العوام، الذين هم أشبه بالأنعام – أكرمكم الله -، لا! حتى وإن كنت عامياً لا علاقة لك بتحقيق مسائل أصول الدين والنظر في هذه الدقائق، لكن عليك أن يكون لك صدق واستمداد من الله، لا تبحث عن شيئ آخر إلا رضا الله – تبارك وتعالى -، وأنا مُتأكِّد أن الله سيهديك، واستخدم عقلك، استخدم العقل، وزِن الأمور بالعود والعقل إلى المراجع، أي المرجعيات، كما قلت لك قُبيل قليل – وهذه جُملة كافية وافية وفيها غناء – الكتاب والسُنة، الكتاب وصحيح السُنة، وعليك بما عليه الجمهور، أعظم من المُسلِمين، من علماء الدين والأئمة الأتقياء الأنقياء، الذين حفظ الله بهم هذا الدين، لا بالشذاذ ولا بأصحاب الدعاوى، وهم كثر في كل زمان، يستغفلون الناس ويُدجِّلون عليهم، أو الذين ابتلاهم الله في عقولهم، فلِمَ نتبع مخابيل أو مُخبَّلين مجانين؟! لسنا مجانين حتى نتبع أمثال هؤلاء المرضى.

لن نرضى لأنفسنا أن تُمرَّر إلينا وعلينا عقائد وكُتب وأنظار باسم أن الرسول أمر بتمريرها، هذا كلام فارغ، كلام فارغ هذا! الرسول أتى فلاناً في المنام، وأمره بل أعطاه ودفع إليه الكتاب وأمره أن يُذيع الكتاب في الناس، أي كتاب هذا؟! أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ۩، الكتاب هو الكتاب، لا نُريد! الإسلام لا ينقص شيئاً لو حذفنا منه فصوص الحكم لابن عربي الصوفي – مثلاً – رحمه الله، لا ينقص الإسلام شيئاً! لو حذفنا منه الفتوحات المكية لابن عربي لا ينقص الإسلام شيئاً، الإسلام كان قبل أن يكون ابن عربي وقبل أن تكون كُتب ابن عربي وقبل أن يكون الجيلاني وابن مشيش والشاذلي وفلان وعلان، فالإسلام كان قبل هؤلاء جميعاً، أليس كذلك؟ وكان فيه الصُلحاء والعُرفاء، فلا تُمرِّروا علينا كُتباً وعقائد كفرية شركية – والعياذ بالله -، تفتن الناس في أديانهم، ثم أنتم تقولون لنا الرسول أمر بها!

المظلوم – كما قلت في الخُطبة السابقة – هو القرآن، ما عاد القرآن يكفينا، إِنَّا لِلَّهِ ۩، ما عاد القرآن يُغنينا، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩، نُريد مراجع أُخرى، مرجعيات أُخرى، كُتباً أُخرى، قصائد، وأشعاراً، ما هذا؟! بيننا القرآن يا جماعة، ما عاد المُسلِمون يكتفون بأن يعودوا إليه وبأن يُحكِّموه، كلٌ يُحكِّم ما يُريد على ما يُريد لكي يُنفِّذ ما يُريد أيضاً من أهواء نفوسه ومصالح طائفته وحزبه ومذهبه، وهكذا ضاع الإسلام، هكذا ضاع ويضيع، وهو مُرشَّح بهذه الطريقة لأن يضيع مزيد ضياع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

أيها الإخوة:

قد يقول قائل يا رجل اربع على ظلعك، ألست تُؤمِن وتُصدِّق بأن النبوة من أجزائها هذه المُبشِّرات المعروفة بالمرائي الصالحة؟ كيف لا أُصدِّق؟! هذه أحاديث صحاح متان، أُصدِّق بها – بإذن الله تبارك وتعالى -، كيف لا أُصدِّق؟! ولكن ليس القضية قضية أن هناك رؤيا صالحة وأننا نُصدِّق بها أو نُكذِّب، وحاشانا من أن نُكذِّب، هذا ثابت في الكتاب والسُنة، رؤيا يوسف، ورؤيا الملك، ورؤيا رسول الله بفتح مكة، هذه ثابتة للأنبياء ولغير الأنبياء، ملك مصر لم يكن مُسلِماً في الأظهر، وهو الوليد بن الريّان، بل كان مُشرِكاً، والرؤيا الصادقة أيضاً قد تتفق للمُشرِك بشهادة القرآن الكريم، هذا ملك مصر المُشرِك في الظاهر – هذا في الظاهر، هناك قول آخر – ورأى رؤيا وأتت على وجهها، رؤيا السبع والسبع، فليس شرطاً أن تكون الرؤيا الصادقة فقط لمُسلِم، مُمكِن تكون لغير مُسلِم، لحكمة يُريدها الله – تبارك وتعالى -.

نُصدِّق بهذا، لكن ما هو المدى الذي يسوغ لنا شرعاً وعقلاً وتدبيراً وحُسن سياسة لأمورنا الظاهرة والباطنة أن نذهب إليه في اعتماد الرؤى والاستناد عليها؟ هذا هو الكلام، الرؤيا قد تأتي بآية من آيات الله، بل بكرامة لأحد عباد الله، يحتاجها فتحصل، يحصل هذا، ونُصدِّق بهذا – بإذن الله تبارك وتعالى -، لن نضرب الأمثلة لأنها كثيرة جداً، لنكتف بمثال واحد.

الإمام يعقوب بن سُفيان الفسوي – رحمة الله عليه، صاحب التاريخ المشهور، إمام ومُحدِّث وحافظ عظيم، من خدمة السُنة – يُحدِّث عن نفسه، يقول – رحمة الله عليه – كنت أُدمِن القراءة – وجُل قرائته في حديث رسول الله، في علم الدين وبالذات في الحديث، في السُنة – بالليل، هكذا العلماء لا يكادون بالليل، الناس ينامون، لكن العالم لا ينام، قل أن ينام! أُدمِن القراءة بالليل، فبين أنا ذات ليلة إذ نزل الماء على عيني فعميت، فعظم علىّ الأمر، فنمت وأنا محزون مغموم، فعرض لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المنام، فقال لي لِمَ تبكي؟ فقلت يا رسول الله أبكي لذهاب نور عيني، حسرةً مني على ما أفقده من مُطالَعة سُننك، ما عاد عندي فُرصة الآن أن أزيد في اطلاعي على سُننك، رجل رباني، يُحِب أن يتعلَّم، وهو إمام كبير – رحمة الله عليه -، وحسرة مني على انقطاعي عن أهلي، صدق! انظر إلى هذا، لم يقل فقط من أجل الدين، قال أمران: أمر السُنة والعلم، وأمر أنني انقطعت عن أهلي.

قال فأمر بيده الشريفة على عيني، كأنه يتلو ويقرأ – صلى الله عليه وسلم -، هذه الرؤيا حق، آية من آيات الله، كرامة عبر رسول الله الصادق الأبر الأطهر الميون، قال فاستفقت وقد عاد إلىّ ضياء عيني، قُمت وأشعلت السراج وأكملت المُطالَعة، جعل يُطالِع في سُنن رسول الله، فهذا يحصل – بفضل الله -، ويحصل كثيراً، لا يستطيع أحد هنا أن يتكلَّم بكلمة، وهذه تُثبِت أنه – صلى الله عليه وسلم – صدق فيه ما أخبر عن نفسه، مَن رآني في المنام فقد رأى الحق، وفي رواية فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثَّلني أو لا يتمثَّل بي، رآه بهيئته وبحليته وبصفته ونعته – صلى الله عليه وسلم -، لكن نُعيد ما ذكرناه في المرة السابقة، تذكيراً فقط وليس تفصيلاً.

يجب أن تراه – هذا على الأرجح، وهذا ما يطمئن إليه قلبي إن شاء الله – على نعته الذي عُرِف به، لا أن ترى أي شخص يقول لك أنا الرسول، فتقول رأيت الرسول، أنت لم تره، أنت رأيت شخصاً آخر، الشيطان ممنوع محظور عليه أن يتزيا بشكل رسول الله، لكن ليس محظوراً عليه أن يتزيا بأي زي آخر أو بأي شكل آخر ويقول لك أنا محمد رسول الله، ليس محظوراً عليه هذا، انتبهوا! هذا في أرجح الأقوال، وقد علَّقه البخاري عن ابن سيرين، ابن سيرين كان هكذا، ويُروى أيضاً عن يزيد الفارسي – رحمة الله عليه -، وكان من كتبة المُصحَف، غير ما ذكرنا هذا، هذه رواية أُخرى، قصة أُخرى! قال رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – ذات ليلة، فأخبرت عبد الله بن عباس، يا أبا العباس رأيت النبي، قال قال – صلى الله عليه وسلم – مَن رآني فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يستطيع أن يتمثَّل بي – هكذا قال ابن عباس -، انعت لي الذي رأيته، قال فقلت له أنعت لك رجلاً بين الرجلين، بُلغاء وفُصحاء! أي ليس طويلاً ولا قصيراً، قال رجلاً بين الرجلين، ثم أخذ في نعته المعروف، ووصف لحيته الشريفة بأنها تملأ ما بين منكبيه، قال له لحية وافرة تملأ ما بين هذين.

وبعد أن سمع ابن عباس الوصف والنعت قال لو رأيته يا يزيد ما قدرت على أن تنعته فوق هذا، قال لو رأيته يا يزيد – يزيد الفارسي – ما قدرت – أي ما استطعت، قَدَر وقَدِر – على أن تنعته فوق هذا، لقد رأيته! كانوا يستفصلون، مَن الذي رأيت؟ لا تقل لي رأيت الرسول ويأمرك بكفر، رأيت الرسول ويُحلِّل لك المُحرَّمات، رأيت الرسول وينسخ لك شرعه، أي رسول رأيت؟ ما رأيت إلا الشيطان، والشيطان يتمثَّل، وذكرنا أشياء، وليس أحد من غير المعصومين معصوماً منه، يتمثَّل لكل أحد.

الإمام النووي – شيخ مشايخ المُسلِمين، قدَّس الله سره، العالم المُجتهِد الصالح العارف والولي الخطير، رحمة الله عليه – يُحدِّث عن نفسه فيما يذكر تَلميذه الوفي ابن العطار صاحب المجموع الذي جمع فيه جُملة طائلة من فتاوى شيخه النووي، وذكر هذا أيضاً الذهبي في سير النُبلاء – رحمة الله عليهم أجمعين -، يذكر ابن العطار أن النووي شيخه قص عليه هذه الحكاية، قال كنت صغيراً في المدرسة الرواحية، وكان معي ابني وإخوة لي وجماعة من طلبة العلم وأهل الصلاح والذكر، قال وكنت مريضاً مُعتَلاً، فناموا، ففرَّج الله عني وزايلني المرض والحُمى، شفاه الله في الليل، قال فاشتقت إلى ذكر الله، فقمت – طفل صغير، ربما تسع سنوات أو ثماني سنوات أو عشر سنوات، طفل صغير أو غُلام -، قال فجعلت أذكر الله، وهو نائمون أو نوّام، قال فعرض لي رجل مُنوَّر الوجه، وجه نوراني قمري يتلألأ، رجل عجيب جميل، قال عند الميضأة، يتوضأ – ما شاء الله -، يُريد أن يقوم الليل – لعنة الله عليه -، قال توضأ، انظر كيف يكون الغرور، تلبيس إبليس! قال توضأ ثم أقبل وقال لي يا بُني اترك ذكر الله، لكي لا تُشوِّش على والدك وإخوتك، يُريد الخير – ما شاء الله -، غاظه أن يذكر هذا الغُلام الذي سيُصبِح بحول الله شيخ مشايخ المُسلِمين، النووي! الذي تُوفيَ عن نحو خمس أو ست وأربعين سنة، وترك ما من المُؤلَّفات ما ستظل الأمة بحاجة إليه إلى أن يرث الله أمر هذه الأمة، من أهل الذكر، هكذا صار إماماً، من أهل الذكر والعبادة والورع، لا ينام الليل بطوله، وهو طفل صغير، هو الذي رأى ليلة القدر، وكان عمره ست سنوات، أي النووي، يُحدِّث عن نفسه، رأى الدنيا كلها وقد عمها النور، لا يرى إلا النور، وجعل يبكي، رجل صالح، هكذا انتخبه الله، اللهم اجعلنا من المُنتخَبين.

قال فقلت له ووقع في قلبي شيئ مَن أنت؟ أتنهاني عن الذكر من أجل ألا أُشوِّش على أبي والجماعة؟ انظر إلى هذا، أي هذا بر الوالدين، لا تُشوِّش على أبيك النائم المسكين والشيخ الكبير، قلت مَن أنت؟ قال ما شأنك بي؟ خُذ بما قلت لك ولأكن مَن أكون، قال فرفعت صوتي بالذكر والتسبيح، فسلك طريق الباب، ثم خرج، فعلمت أنه الشيطان، فأيقظت أبي وإخوتي وجماعة، فذهبنا فوجدنا الباب مُغلَقاً، لم يُفتَح، وعلمنا أنه الشيطان، قال فقضينا الليل إلى الفجر في ذكر الله، لم يناموا، الشيطان يأتيك يا أخي بصورة طيبة، ليس يأتيك في المنام فقط، يأتيك في اليقظة أحياناً – والعياذ بالله -، وما أدراك؟! ويُلقي إليك بشيئ على أنه زائر أو سائل في مجلس، لا يعرفه أحد، مُنكَر – والعياذ بالله -، فنسأل الله أن يحفظنا منه، أهل الله محفوظون والأنبياء معصومون، نسأل الله الحفظ، نسأل الله الحفظ والعصمة لأهلها الأنبياء، هكذا! فلا نغتر، لا نغتر بالمرائي والحدوس والظنون وظهر لي ولم يظهر لي أبداً.

شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله تعالى عليه – حدَّث عن جماعات من مشايخ الشام والجزيرة والعراق اتفق لهم الآتي، هو يعرف بعضهم، وطولِع بأنباء بعضهم وأخبارهم، قال في الفرقان، وذكر نحواً منه قريباً في مجموع الفتاوى أيضاً، في الأجزاء الأخيرة، قال – رحمة الله تعالى عليه – ومنهم مَن يعرض له أبو بكر الصدّيق في المنام، انظروا الآن إلى تغرير الشيطان وتلبيسه وإضلاله – والعياذ بالله – وإزلاله، يعرض له أبو بكر، ويقول له أنا أبو بكر الصدّيق، صاحب رسول الله، جئت لأُتوِّبك لي، أُريد أن أُقيمك على صراط الله المُستقيم، فتُصبِح من عباد الله الصالحين، جميل! غاية طيبة، هذه البداية، بعد ذلك سوف تستحيل زنديقاً، انتبه! يضحك عليك، تغتر أنت بالمنام، تقول هذه رؤيا، أنا أبو بكر بنفسه أتاني، لكي يُتوِّبني، إذن إنا لله في سراً، إنا لله في أمراً، ربما أُجدِّد أمر الدين، ربما أنا المهدي المُنتظَر، ربما أنا شيخ الوقت، ربما أنا قطب الزمان، يضحك عليك! ثم يقول له لأُتوِّبك لي وأنت تُتوِّب الناس لي، ثم يُلبِّسه، يُلبِّسه شيئاً، لباساً! قلنسوة أو قباءً أو عباءةً، أي شيئ.

قال ابن تيمية فيتفق أن يصحو من نومه ويجد اللباس الذي لبَّسه ذاك الذي خطر له، فيُوقِن أنه أبو بكر الصدّيق، حتى لو أبو بكر، حتى لو عليّ، وحتى لو رسول الله، هذا لا يعني كثيراً،  الذي يعني بماذا أمرني؟ ماذا يُريد مني؟ إن أمرني بما أمر به الشرع فيا حيهلاً، هذا أستأنس به، لا أشتق منه حُكماً جديداً، أستأنس به لما ثبت من الأحكام، سواء كان الأمر على الندب أو الوجوب والفرضية، إن نهاني عن شيئ ثبت النهي عنه – إن على سبيل الكراهة والتكريه، وإن على سبيل التحريم والتشديد والتغليظ، نهاني عنه – فسأستأنس بهذا، إن بشَّرني بشيئ يخصني – بإذن الله – فيا حيهلاً، لكن لا يُنسَخ شيئ من شرع الله، لا تُحلَّل المُحرَّمات، لا يُحرَّم ما أحل الله، ولا أقف موقفاً من الناس ومن الطوائف والمذاهب والإخوة وكذا بناءً على رؤيا، قد تكون من الشيطان، وقد تكون رؤيا رحمانية لم أفهمها على وجهها، لم أستطع أن أُعبِّرها جيداً، لا! هناك عقل وهناك مبادئ أُخرى، أُستطيع أن أُقيم بها علاقاتي مع عباد الله، والشرع أيضاً، في ضوء شرع الله – تبارك وتعالى -.

وكما ذكرنا هذه كانت خُطة رسول الله، الرسول يقضي بين الناس على نحو ما يسمع، أليس كذلك؟ لا يقضي بحدوسه ولا بظنونه ولا بما يقع في قلبه، مع أنه يقع في قلبه الكثير – بفضل الله -، وهو حق كله، أليس كذلك؟ لأنه معصوم من الشيطان، وشيطانه بالذات هو أسلم، دخل الإسلام، لكن هو يقضي بالظاهر، لأن أمر السرائر كما قلنا إمامنا الشافعي لله – تبارك وتعالى -، هذا هو الصحيح، ونعود لكي نُلملِم أطراف هذا الموضوع.

أن يُحكَم بالمنامات على عقائد الناس لا يجوز، ليس بالمنامات، بالعقل وبالحُجة وبالدليل الشرعي، وللأسف في كُتب أهل السُنة وكُتب الشيعة وكُتب غير السُنة والشيعة الكثير من الاحتجاج والاستناد إلى المنامات والرؤى، أن هذا مذهب حق، وهذا مذهب باطل، بل كافر، ما هذا؟ بالرؤيا، قال الرسول قال هذا، إذن فما بال الآخرين يقولون العكس؟! مذهبنا حق، ومذهب الآخرين من المُعانِدين باطل، بل كفر، الرسول قال هذا، أي الرسول قال هذا؟ وأي الرسول قال هذا إذن؟ جعلتم الناس في حيص بيص، ليس هكذا يُحكَم على المذاهب.

للأسف بعض الناس يستند على هذا إلى اليوم، في كتاب أبي الحُسين الملطي – رحمة الله تعالى عليه، من أئمة أهل السُنة الكبار، المُتوفى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة من الهجرة – التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع وهو كتاب مشهور يذكر حكاية طويلة بطولها وبسياقها عن محمد بن عكاشة الذي اتفق له أن رأى الرسول – صلى الله عليه وسلم – في المنام، وجعل يعرض عليه عقيدته، والنبي يُقره ويُقره ويُقره، حتى استفاق الرجل من النوم وفيه سعادة ولذة عظيمة جداً، وعزوف عن المطاعم والمشارب، ونور يتلألأ على وجهه، وبقيَ على هذه الحالة ثماني أيام، لا يذوق ذواقاً، حتى إذا ذاق شيئاً بعد ذلك ذهب النور وعاد إليه الجوع والعطش، وجعلوا يحتجون بهذه الرؤيا، هذه العقيدة هي الحق، هذه العقيدة هي الصادقة، لأن محمد بن عكاشة رأى هذه الرؤيا، مراء كثيرة!  

مراء كثيرة احتُج بها لصحة مذهب الإمام أحمد بن حنبل، خاصة في العقائد، لا! الأمور أجل، والعقائد أجل من أن يُحتَج لها بمراء، أحدهم يذكر أنه رأى الرسول ويُشير إلى أحمد بن أبي دؤاد المُعتزِلي، يقول فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ۩، ويُشير إلى أحمد بن حنبل، علَّق الذهبي، قال الإمام أبو عبد الله – أي أحمد بن حنبل – أجل من أن يُنتصَر له ولطريقته بالمنامات، لأننا – وهذا هو الخطر، مكمن الخطر – إن فتحنا هذا الباب وأردنا الناس على تصديق هذه المرائي والأحلام والخواطر والسوانح، فقد طرَّقنا طريقاً لكل كاذب أيضاً، أن يدّعي أنه رأى الرسول، وأن الرسول أمره بكذا، وشهد بكذا، وشهد على كذا، إذن كيف نعرف الآن؟ كيف ننتصف؟ لماذا تُؤمِن بمرائيك ولا تُؤمِن بمرائي؟ أين المرجع الآن؟ هذا يشق عصا الأمة، انتبه! يجعل الأمة الآن لا تعود إلى مرجع واحد، انتهى! تعود إلى المرائي، فلتبق مُختلِفة إذن، وستبقى مُختلِفة، لأنها تحتج بالمنامات، منامات هذه! وهذا الرسول، ومَن رآني فقد رآني حقاً.

ابن تيمية – رحمة الله عليه – في مجموع الفتاوى يتحدَّث عن رجل قُتِل، قتله الحاكم المُسلِم المملوكي، سنة خمس عشرة وسبعمائة من الهجرة، كان يزعم أنه يرى الرسول، ابن تيمية لم يُكذِّبه على كل حال، وهو عاصره، وأفتى بكفره، لكن ابن تيمية جزم بأن الذي كان يخطر له ليس الرسول، شخص آخر، يقول لك أنا الرسول، ليس الرسول هذا، وليست صفة الرسول، ويأمره بأشياء كفرية – والعياذ بالله -، أشياء كفرية! يكفر مَن نسبها إلى رسول الله، وهو يقول بها، ويُذيعها بين الناس، الشرع حاكم، ليس محكوماً، انتبهوا! الشرع هو الحاكم، كل ما عدا شرع الله محكوم.

أنا ذكرت اليوم ابن عربي، الشيخ الصوفي – رحمه الله -، الله أعلم بما صح وبما لم يصح، ولكن نحن كما أقول دائماً نُناقِش ونُحاقِق الكلام المكتوب، نحن نُناقِش ونُحاقِق الكلام المكتوب، عنده كتاب من أسوأ ومن أردأ ما يكون ومن أقبح ما يكون، اسمه فصوص الحكم، يقول فيه الرسول هو الذي أتاني في المنام ودفعه لي، قلت يا رسول الله ما هذا؟ قال هذا فصوص الحكم، خُذه واخرج به على الناس، يستحيل! يستحيل أن يكون هذا، لأن هذا الفصوص فيه كفر، فيه كفريات كثيرة جداً، فيه قلة أدب، كفر قبيح جداً! أيقول مُؤمِن مُوحِّد مُحمَّدي لله أنت رب وأنت عبد؟! أستغفر الله العظيم، حابب ماذا يا رجل؟ حابب ماذا؟ يا أخي ما هذا؟ ويُراد إرهابنا، انتبهوا! هذا الرسول دفعه إلى الشيخ، دعوا هذا الكلام الفارغ، لا أحتاج إلى كل هذا، هذه القصة كلها لا تعنيني، يعنيني قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۩ أنا، يعنيني ماذا قال الله عن نفسه، لا ما يقوله عنه هؤلاء الكذبة المُتخرِّصون، لا ندري هل ابن عربي قال هذا أم كُذِب عليه، لا ندري! لكن هذا الكلام كذب وقاح وكفر صراح – والعياذ بالله -، أليس كذلك؟ لا يدري هؤلاء على أي جنب سقطوا، ولا من أي باب من الشريعة خرجوا، ونُرهَب بأن الرسول دفع هذا للأسف.

اسمعوا إلى هذه القصة التي حكاها الإمام المُناوي، هذا إمام ومُحدِّث وشارح، لكن للأسف عنده عقلية خُرافية، عنده! جُزء من عقليته ابتُنيَ بطريقة خُرافية، يُحدِّث عن شيخ الإسلام، الفقيه العظيم، فقيه عصره: الرملي – رحمة الله عليه -، فقيه عصره! الرملي يعتقد بهذا والمُناوي يعتقد بهذا، لكن نحن لا نعتقد بهذا، هذا كلام فارغ، الحمد لله! الحمد لله الذي أتم علينا عقولنا، نُريد عقلاً، ورحمة الله على إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي وقدَّس الله سره الكريم، الإمام مالك يقول إن هذا العلم دين، فانظروا عمَن تأخذون دينكم، ولقد سمعت الحديث عن سبعمائة حول هذه الأساطين، كلهم يقول قال رسول الله، قال رسول الله، قال رسول الله، على أساس أنهم علماء كبار، بمعنى قوله لم أعتمد على واحد منهم، نرى أننا لا نأخذ عنهم، لا! كلام، حدِّثوا لأنفسكم، لا نأخذ، لماذا؟ قال ولو اؤتُمِن أحدهم على بيت المال لكان أميناً، قال لا نتهم أمانتهم، لا نقول إنهم يكذبون على رسول الله، حاشاهم! حاشاهم! لا، علماء صلّاح طيبون، أي هؤلاء المساكين، وهم أمناء، يُؤتمن أحدهم على بيت المال، ولكن ليسوا من أهل هذا الشأن، ليس عندهم قابليات علمية، العلم يُريد قابليات ويُريد عقولاً ضخمة تخرق اللؤلؤ كما يُقال، يُريد أنظاراً دقيقةً تخرق وتثقب اللؤلؤ والياقوت، ولا تقبل العكس والخُلف، لا تقبل التشاكس والتناقض، عقول صحيحة سليمة، مع ورع صادق ونور إلهي، مثل الإمام مالك – قدَّس الله سره -، والإمام الشافعي، وأحمد، والصادق، والإمام زيد، وأبي حنيفة، وسُفيان الثوري، والليث، وأبي ثور، وأمثال هؤلاء، هؤلاء شيوخ الإسلام وأئمة الإسلام الكبار، ولا ينقصهم الصلاح، هم رؤوس في الصلاح – بحمد الله – والولاية والكرامة عند الله وعند الناس مِمَن يعرفون قدرهم، لكن لم يكونوا يفوهون بهذه المساخر والمساخف والرقاعات، علماء وأئمة أتم الله لهم العقل والدين، اللهم اجعلنا من أتباعهم ومن أشياعهم، هكذا! 

قال لا، سمعناه – قال – ولم نعتمد شيئاً من كلامه، لأنه كلام، ليسوا من أهل العلم، أمناء لكن ليسوا من أهل العلم، ليسوا من أهل الحديث، والحديث يُريد رجالاً، يُريد عقولاً، تعرفون أنتم أن بعض علماء الحديث يقول – انتبهوا – غبرت علىّ أربعون سنة في حديث، وإلى الآن لم أقطع بحُكم فيه، انظروا إلى هذا، ما هذا التحري؟! أربعون سنة، هذا إمام، حافظ كبير وإمام، أربعون سنة وهو يدرس حديثاً واحداً، هل صح عن رسول الله أو لم يصح؟ ولماذا؟ وكيف؟ قال وإلى الآن لم أنته إلى جواب نهائي، واليوم حتى يخرج عندنا بعض شباب العلماء الذين يتخرَّج الواحد منهم ويُنهى دراسته وقد حصل على الدكتوراة بعد سبع أو ثماني سنوات فيبدأ يُصحِّح آلاف الأحاديث في خمس سنين، المسألة أخطر من هذا، لابد أن يكون منهجنا أكثر صرامةً وأكثر ثباتاً وأكثر دقةً، ولا نُشكِّك حتى عقول الناس وأديانهم بأشياء كثيرة، الاقتصاد في الدين، الاقتصاد في الاعتقاد، الاقتصاد في التشريع، كما هي سُنة رسول الله، القصد في كل شيئ، لا تزد على الناس كثيراً.

إذن دين الله لا يُؤخَذ بالمنامات، الحُكم على الناس لا يُؤخَذ بالمنامات ولا بالمرائي، إنما بشرطه، وفق منهج مُحدَّد، الكل يستطيع أن يعود إليه، وأن يُحكِّم هذا المنهج، والآن أنا سأقول لكم – وهذا أعتقد كافٍ أن يُقنِع كل أحد – شيئاً هاماً، هل يجوز وهل يسوغ أن نُقيم الحد – حد السرقة أو القصاص أو حد الزنا – على أحد برؤيا رآها حتى خمسة – ليس أربعة كما هو في الزنا – أو حتى أربعون؟ أربعون منكم تواطأت رؤاهم على أنهم رأوا فلاناً ابن فلان يزني، هل يُمكِن أن نرجمه أو نجلده إن كان عزباً برؤى ليس أربعة عدولاً وإنما برؤى أربعين؟ هل يجوز هذا؟ لم يقل بهذا أحد.

روى الإمام الشافعي في الأم – رحمة الله على الشافعي – أن رجلاً في عهد الإمام عليّ – عليه السلام وكرَّم الله وجهه – وفي خلافته رأى في المنام شيئاً، فأخبر آخر، قال له يا أخي – الأبعد – رأيت في المنام أنني أطأ أمك، يبدو أن عقله صغير هذا، لكنه أهبل، تأثَّم المسكين، وخاف أن يكون وقع في حد، فقال ربما طهِّروني طهِّروني، الآخر أرقع منه وأسخف منه، قال ماذا؟ وحمله إلى الإمام عليّ، نُريد الحد – قال -، والإمام عليّ استمع إلى هذا، فقال ماذا؟ قال كذا وكذا، وهذا عليّ! هذا الإمام عليّ بهذا العقل الكبير والقلب العظيم، قال له أقمه في الشمس، سيقوم له ظل، اجلد ظله، لأنه أتى أمك في المنام، صورة مع الصورة، فنجلد الصورة – قال له -، ما هذه السخافة؟ قال لهما اذهبا بعيداً عني، ليس هكذا! لكن اسمعوا الآن إلى شيئ قريب من هذا للأسف، أنتم الآن – وبعضكم يقول أنا لست عالماً ولا طالب علم، أنا عامي – قلتم لا، لا يُمكِن أن نُقيم الحد على أحد بالرؤى وإن تواطأت، لكن استمعوا إلى أمرين.

الأمر الأول حكاه أبو حامد الغزّالي – قدَّس الله سره -، حُجة الإسلام حكى الآتي، حكى عن بعض الأئمة، أي بعض القُضاة أو الخُلفاء، كلهم يُسمى إماماً، أنه أمر بقتل رجلٍ، لأنه من القائلين بخلق القرآن، وهذه مسألة عقدية، فيها اختلاف، كل المُعتزِلة يقولون بخلق القرآن، الشيعة الاثنا عشرية تقول بخلق القرآن، هل سنذبح نحن نصف أمة محمد – إن شاء الله -؟ قال اقتلوه، لأنه يقول بخلق القرآن، ومتى قُتِل مَن يقول بخلق القرآن الكريم؟! ما هذا؟ كما قتلوا مَن قال بعدم خلق القرآن، وكاد الإمام أحمد أن يُقتَل أيضاً للأسف، هذه رقاعة وسخافة المأمون العباسي وأخيه المُعتصِم الأهبل، ذهب يذبح في العلماء والأئمة ويجلد، لأنهم لا يقولون بخلق القرآن، ما الذي تفهمه أنت يا مُعتصِم من خلق القرآن الكريم وعدم خلق القرآن الكريم؟ فروجع فيه، روجع هذا القاضي، قالوا له لماذا يا رجل؟ قال لأن فلاناً وهو من الصُلحاء – قال رجل صالح هذا، إنسان تقي – رأى في المنام كأن إبليس خارج المدينة، فقيل له تُريد أن تدخلها؟ قال لا، يكفي أن فيها فلاناً، يقول بخلق القرآن، أنا لا أدخلها، إذن هذا إبليسي أكثر من إبليس، إذن يُقتَل، فقال العلماء الله أكبر، أبهذا تستحلون دم مُسلِم؟ قال أحدهم لهم لو أن إبليس أفتاكم بهذا وقال لكم هذا في اليقظة: فلان شر مني، أكثر أبلسة مني، هل كنتم تقتلونه؟ قالوا لا، قال أفتقتلونه بفتوى إبليس في المنام؟ أين عقولكم؟ أين عزبت العقول؟ فاستحيوا وسكتوا، لكن انتبهوا.

بالمنامات في مطلع ألف وأربعمائة هجرياً – أي بالضبط تقريباً قبل ثلاثين سنة – وقعت فتنة، كلكم طبعاً عايشتموها على ما أعتقد، إلا الجيل الصغير جداً، وتابعتم أخبارها، صهر الجيهمان، المعروف بمحمد بن عبد الله، والذي لُقِّب بالمهدي، كان طالب علم في جامعة الإمام، كان طالباً من طلّاب العلم الشرعي، والرجل كان فيه صلاح وفيه تقوى وفيه عبادة وخشوع وفيه علم ورغبة في التغيير وإصلاح الأمة، إلى آخره! عنده آمال وطموح، شيئ طيب، لكن هذا الرجل أُلقيَ في روعه أنه المهدي المُنتظَر، وتواطأت رؤى كثيرين من أتباعه على أنه المهدي، النبي كان يأتيهم أحياناً، ويقول هذا المهدي، صدِّقوا هذا، احتلوا الحرم بعد صلاة الفجر، أدخلوا الأسلحة مع النعوش، وتعرفون القصة، القصة معروفة! هم يُسمونها فتنة الجيهمان هذا، لكن هي فتنة صهر الجيهمان، والمهدي لابد أن يحكم سبع سنين، ليملأ الأرض نوراً وقسطاً وعدلاً، كما مُلئت جوراً وظلماً، لا سبع سنين ولا سبعة أيام، تراشق الرصاص، تراشق الرصاص وغنى الرصاص في الحرم الشريف، في حرم الله! وسقط الرجل قتيلاً، قالوا المهدي قُتِل، لم يحكم سبع سنين، أين المهدي؟ وأين رؤى رسول الله؟ قالوا لك الرؤى تواطأت، تواطأت! هناك أكثر من شخص رأى هذا، إبليس أضلكم! إبليس يأتي لهذا ولهذا ولهذا، ويقول لهم الشيئ نفسه، ليس هكذا الأمور تُساس، لا في ثورات ولا حتى في مقالة تُكتَب ولا في رأي يُقال يُقطَع ولا في شيئ بالمنامات، أين العقول؟ فتنة عظيمة، ذهبتم فيها ضحايا، وذهب الآخرون، من أجل المنامات! لا يُمكِن الحُكم على الناس وعلى الوقائع بهذه الأشياء.

يزعمون أن أحدهم كما قال ابن عساكر في تاريخ دمشق رأى الإمام الشافعي في المنام، يقول له لقد كذب علىّ يونس بن عبد الأعلى – رضيَ الله عن يونس والشافعي، يونس معروف، إمام ثقة حُجة، لا يُقدَح فيه بمثل هذا المنام – في حديث الجندي، ما حدَّثت بشيئ منه، أي من حديث الجندي، ولذلك أراد بعضهم أن يطعن في يونس، علَّق الحافظ ابن كثير في تاريخه، قال يونس بن عبد الأعلى ثقة، حافظ، لا يُقدَح فيه بمثل هذه المنامات.

هناك ما هو أكثر من هذا، في مُقدِّمة صحيح مُسلِم ولسنا مع هذا أن عليّاً بن مُسهر – الإمام الشهير – قال أخذت الحديث أنا وحمزة الزيات – مُقرئ الكوفة – عن ابن أبي عيّاش، نحو خمسمائة حديث، ثم إن حمزة رأى الرسول في المنام، وعرض عليه تلكم الأحاديث، فأنكرها النبي، ما عرف منها إلا نحو خمسة أو ستة أحاديث، أيُطعَن في ابن أبي عيّاش بمثل هذا المنام؟ ولكن أنا أقول لكم إن صح حديث ما عن رسول الله بطريق الصناعة الحديثية ووفق المنهج العلمي المضبوط، وجاء الرسول لأحد العلماء وأخبره أن الحديث صحيح، قلنا نعم، يُستأنس بهذا، جميل! نستأنس، نفرح، ونطمئن، الحديث صحيح علمياً بالقواعد، والنبي أكَّد صحته، على الرأس ونعمة عين، إن ثبت أن الحديث مردود، غير مقبول، وجاء النبي وأكَّد رده، قلنا يُستأنس بهذا، لكن لا عكس، لا يصح الحديث بطريق الظاهر ثم يُقال بطريق الكشف أو بطريق المنام الحديث مكذوب، لا يجوز هذا، لأنه لا ينضبط، يدخل صادق ربما أو مخدوع، ويدخل معه ألف مُخادِع وكاذب، أليس كذلك؟ ولا تزال هذه الرؤى والمرائي – أيها الإخوة والأخوات – يعبث بها بعض الدجاجلة والمُخادِعين، لينتهزوا الفُرص ويُقيموا لهم مجداً أو يتأثَّلوا مالاً.

القصة المشهورة التي اتفقت للمهدي العباس قبل أن نذكرها نذكر أيضاً قصة سخيفة عن هذا المهدي العباسي، ابن أبي جعفر المنصور، وكان اسمه محمداً، وأبو جعفر اسمه عبد الله، ولذلك ادّعى المهدية، قال لك أنا محمد بن عبد الله المهدي، هذا مهدي العباسيين، وقال لك اسمي محمد بن عبد الله، ولُقِّب بالمهدي، وهو الذي حارب الزنادقة، وهذا من حسناته في الجُملة، هذا الرجل دخل عليه شيخ الإسلام شريك بن عبد الله القاضي، إمام عظيم من أئمة المُسلِمين، قاضي شهير شريك، مشهور بعدله وحُسن حكوماته، أول – قال – ما رآني ابتدر السيّاف، قال أيها السيّاف السيف والنطع، وهي قطعة جلد عظيمة، يُوضَع عليها المُتهَم المسكين وتُقطَع رأسه، مُباشَرةً يُريد أن يقتل شريكاً، القاضي! قاضي المُسلِمين، العلّامة، قال السيف والنطع، قال فقلت لِمَ يا أمير المُؤمِنين؟ قال رأيت في المنام – هذا هو، تفضَّل – أنك تدخل علىّ وأنت مُعرِض عني، فسألت المُعبِّرين، فعبَّروها لي بأنك تُظهِر حُباً وتكتم بُغضاً، أنت مُخادِع، أنت لا تُحِبني، فانظروا إلى شريك الآن، هذا شيخ الإسلام والقاضي العظيم.

قال له يا أمير المُؤمِنين عافاك الله، ما رؤياك برؤيا الخليل إبراهيم، قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ۩، فذهب وأراد أن يذبح ابنه، لأنه في الصحيح – في حديث ابن عباس – رؤيا الأنبياء وحي، هذا نبي، وأنت لست نبياً، ولا الذي عبَّرها لك بيوسف الصدّيق، أفبالمنامات تستحلون دماء عباد الله؟ قال له، فاستحيا المهدي، وقال اخرج، أي على الأقل انصرف، لا تُوجَد مُشكِلة، الرأس موجودة الآن، وإلا كان ذهب في لحظة، وأحسن الجواب عن نفسه، هذا يُضحِك، لكن مما يُحزِن.

قبل عقود يسيرة جداً جداً جداً جداً قرأت هذا لعالم هندي، عالم مُسلِم هندي، عالم جليل، اتفق لجماعات من المُسلِمين يُعرَفون بالصلاح والتُقى في الهند والباكستان أن ذبحوا أولادهم بالسكين، خاصة الذكور، قاموا من النوم وذبحوا أبناءهم، اذبح… اذبح… اذبح… وقالوا ها نحن ضحينا في عيد الأضحى، رأوا في المنامات – عرض لهم وتواطأت الرؤى – مَن يأمرهم بذبح أبنائهم لله، أي قُربة لله، أهكذا يحدث في أمة محمد؟ إلى هذه الدرجة خرفت هذه الأمة وهبلت؟ أين العلماء؟ أين الخُطباء؟ أين الأئمة؟ أين الوعّاظ؟ أين مَن يفتح عيون الناس؟ ولما سُئلوا في هذا ما أنكروا، قالوا ما جئنا أمراً إمراً ولا أتينا نُكراً، وإنما نتقرَّب إلى الله بهذا ونحتسبه عند الله، نحن أهل البلاء، نحن مُبتلَون – قالوا -، الحمد لله قد صدَّقنا الرؤيا، وحالنا كحال إبراهيم الخليل، الله أكبر! أذبحتم أولادكم بهذه المرائي الشيطانية؟ هل هذا من وحي الرحمن أو من وحي الشيطان؟ وينتسبون إلى صلاح وإلى تُقى، معروفون! أُناس طيبون، لكن جهلة.

وصدق الفاروق عمر بن الخطاب – رضوان الله تعالى عليه، روَّح الله روحه في عليين – الذي يقول يهدم هذا الدين ثلاث: أولاً زلة العالم، أي عالم يغلط ويخربط، قال عبد الله بن عباس ويل للأتباع من زلة العالم، أتباع ينعقون خلف عالمهم، قال الشيخ وقال الشيخ! لكم عقول، حكِّموا عقولكم، الشيخ قال إنه المهدي، فهل أصبحتم مهديين وصدَّقتم أنه مهدي؟ الشيخ قال يُوحى إليه، فهل صدَّقتم أنه يُوحى إليه؟ الشيخ قال الحرام حلال، فهل صدَّقتم أنه أصبح حلالاً؟ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ۩ يا أخي، الشيخ أقدس عندكم أم كتاب الله؟ الشيخ أطهر أم رسول الله، ثانياً وجدال المُنافِق عليم اللسان بالقرآن، أي شخص مُنافِق، ليس عنده تقوى لله، وعنده لسان زرب، يُقيم الحُجة، يدخل في النافقاء، يدخل من جُحر ويخرج من مائة ثقب، لا تستطيع أن تُغافِصه، فهذا يهدم الدين، يلعب بالدين هذا، والدين ليس فيه لعب كهذا – والعياذ بالله -، ثالثاً – هذا الشيئ الثالث، والعياذ بالله – وأئمة مُضِلون، ما معنى أئمة مُضِلون؟ الحُكّام، ملوك، مشيخات، رؤوساء، وزراء، وما إلى ذلك، الحُكّام المُضِلون! يُريدون أن يُضِلوا الأمة عن صراط ربها وعن هدي نبيها، قال هؤلاء الثلاثة يهدمون الدين، ما أحسن هذا القول! زلة العالم، جدال المُنافِق عليم اللسان بالقرآن، والإمام المُضِل – والعياذ بالله -، إمام يُريد أن يقذفنا في جهنم، ثلاثة يهدمون الدين، اللهم نجِّنا منهم، واحفظنا منهم وأمة محمد – صلى الله عليه وسلم -.

أنظرتم؟ هؤلاء ذبحوا أبناءهم – والعياذ بالله – بالمرائي الباطلة، لكن قبل أن نُغادِر للأسف هذا المقام الكريم لابد أن نُجيب عن شُبهة مَن شبَّه ودلَّس وضلَّل عباد الله وأزلهم عن السواء، يقول لا، كلامك كله هذا غير صحيح، أولاً رسول الله شرع الأذان – الله أكبر، الله أكبر – والإقامة بالمنام، والحديث مشهور، رواه أحمد وأهل السُنن إلا النسائي، حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، الصحابي الجليل الأنصاري، رأى الأذان والإقامة في المنام، أليس كذلك؟ قال فلما أصبحت قصصت ما رأيت على رسول الله، فقال هذه رؤيا حق إن شاء الله، وأمر أن يُؤذَّن بهذا الأذان، فكان بلال مولى أبي بكر – بلال بن رباح – يُؤذِّن لرسول الله، لا! هؤلاء ما أوردوها بالطريق الصحيحة، ما هكذا تُورَد يا سعد الإبل، ما فهمتم، لا! قال شيخ الإسلام النووي في المنهاج على مُسلِم، قال وإنما شرع – صلى الله عليه وسلم – الأذان لا بمُجرَّد هذه الرؤيا، إنما بوحي من الله، أقره على ذلك، وهو أقر هذه الرؤيا – هذه سُنة تقريرية – بوحي من الله أو باجتهاده، على قول الجمهور إن له أن يجتهد، لا بمُجرَّد الرؤيا، هذا مما لا يُشَك فيه، قال يجهل الشريعة مَن يظن أن النبي شرع هذا برؤيا، هو نبي يُوحى إليه، لو لم يُقِره هل كانت تُشرَع؟ انتبهوا، أنا أسألكم، لم تكن لتُشرَع أبداً، انتهى! لو قال له لا تُحدِّث بتلاعب الشيطان بك لعد من لعب الشيطان، أليس كذلك؟ 

مثل الذي حدَّث حارثة بن مُضرِّب، يقول حارثة على ما أظن في مُصنَف ابن أبي شيبة، يقول حارثة بن مُضرِّب رأى رجل يوماً مَن يُنادي في المنام: مَن صلى الليلة في المسجد دخل الجنة، فرح الرجل، وهذا أمر خير، فقام يقول، فجاء ابن مسعود، وقال لا يغرنكم، فإنها نفخة من الشيطان، تقول لي ماذا يستفيد الشيطان وهو يدعو الناس إلى أن يُصلي في مسجد رسول الله؟ يستفيد أنهم يعتقدون بعد ذلك أنهم دخلوا الجنة، خفِّفوا الصلوات، خفِّفوا الصدقات، وافعلوا المُنكَرات، فأنتم من أهل الجنة، أضلهم! قال لا يغرنكم، فإنها نفخة من الشيطان، هذا عبد الله بن مسعود، الصحابي هذا الآن، ليس فلاناً أو علاناً، الصحابي، تَلميذ رسول الله، قال فإنها نفخة من الشيطان، هذه واحدة.

الثانية أنهم قالوا عمر بن الخطاب يروي عنه أبو بكر بن أبي شيبة شيخ البخاري وابن أبي الدنيا من طريق عمر بن حمزة، من أحفاد سيدنا عمر، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، أن عمر رأى النبي في المنام – صلى الله عليه وسلم – مُعرِضاً عنه، ثم قال له أنت الذي يُقبِّل وهو صائم؟ أي يُقبِّل أهله، قال فقلت والذي بعثك بالحق لا قبَّلت بعد اليوم، قالوا هذا هو، ها هو عمر ترك التقبيل واستمد حُكماً شرعياً بالرؤيا، كلام فارغ! أولاً هذا ثبت هذا عن عمر؟ دونه خرط القتاد، لماذا؟ لأن الحديث فيه عمر بن حمزة، حفيد عمر، هذا ضعيف عند كل العلماء، وأحاديثه مناكير، ولا تقوم الحُجة بهذا الحديث إزاء الحديث الصحيح، وبه تقوم الحُجة كما قال الطحاوي في شرح معاني الآثار، وهو حديث جابر عند الإمام أحمد في مُسنَده وأبي داود في سُننه، أن عمر أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال يا رسول الله هلكت، قال وما ذاك؟ قال هششت فقبَّلت وأنا صائم، فقال له النبي – انظر إلى الفتوى الآن، هل يجوز أن تُقبِّل وأنت صائم؟ فقال له الآتي، صلى الله عليه وسلم – يا عمر أرأيت لو كنت صائماً ومضمضت بالماء – أي تمضمضت بالماء – ثم قذفته؟ قال إذن لا يضير، قال ففيم؟ أي وعلى ماذا أنت تُكبِّر الأمر؟ هذه فتوى رسول الله، أي قال له لا تُوجَد مُشكِلة، هذا الصحيح، هذا ما تقوم به الحُجة، وإسناده صحيح، لا بحديث ضعيف لرجل ضعيف وأحاديثه مناكير ننسخ سُنة رسول الله، انظر إلى هذا، هذا علم، لابد من العلم.

قالوا – هذه واحدة أُخرى، دعوا السابقة – هناك ما رواه أيضاً كلا الإمامين أبو بكر بن أبي شيبة وابن أبي الدنيا، عن عطاء بن يسار، عن مُحارِب بن دثار، أن قاضياً من أهل الشام أتى عمر، فقال يا أمير المُؤمِنين – وهو قاضٍ لعمر في الشام – رأيت رؤيا عجيبة، قال وماذا رأيت؟ خيراً، قال رأيت الشمس والقمر يقتتلان، أي يصطرعان، قال مع مَن كنت؟ قال كنت مع القمر، قال اذهب، لا وليت لنا عملاً أبداً، أو لا عملت لنا عملاً أبداً، عزله عمر، انتهى! فقد وظيفته المسكين برؤيا، لماذا؟ قال أنت كنت مع الآية الممحوة، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۩، أي آية لليل وآية للنهار، الشمس والقمر طبعاً، فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ۩، هذا القمر، الآية الممحوة، قالوا ها هو عمر، ها هو اتخذ موقفاً إدارياً خطيراً، الرجل المسكين فقد وظيفته وهو قاضٍ من القُضاة برؤيا، لكن هذا لا يصح عن عمر، لأن مُحارِب بن دثار لم يلق عمر قولاً واحداً، فالأثر مُنقطِع، والمُنقطِع ضعيف، ثم إن هناك عطاء بن يسار التابعي الجليل، وهذا الرجل اختلط بأخرة، فكل ما سُمع منه بعد اختلاطه لا تقوم به حُجة، فالحديث فيه علل، كيف تأخذون بأشياء معلولة مُثقَّبة مُخرَّقة وتُريدون أن تنسخوا بها شرع محمد؟ كيف تُريدون أن تنسخوا شرع محمد بالمنامات؟ منامات مثل هذه المنامات، لا يجوز!

يقولون لنترك هذا، دعونا من هذا، هناك وصية الصحابي الجليل ثابت بن قيس بن شمّاس، وقصته مشهورة في سورة الحُجرات، اقرأوها في أول سورة الحُجرات، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۩، هذا ثابت بن قيس، وقد دعا له النبي في تلكم الواقعة بالشهادة والسعادة، وهكذا كان، استُشهِد يوم اليمامة، فرآه أحد إخوانه بعد استشهاده، قال يا فلان إني استُشهِدت وإن أحد الجنود قد سرق درعي، درع ثمينة! وهو في آخر العسكر، في المكان الفلاني، وقد أكفأ عليه بُرمة، هذه قدر كبيرة، أي أكفأ عليها قدراً كبيرة، قال وقد أكفأ عليها بُرمة، فخذوا الدرع، ووصيتي في مالي كذا وكذا وكذا، قل هذا لخالد، وائتوا أبا بكر، ولا تقل منام فتُضيِّعوه، على كل حال بالمُختصَر المُفيد هذا طُبِّق وطُبِّقت وصيته، قالوا هذه وصية طُبِّقت بالرؤيا، لكن ليس في هذا دلالة، هل تعرفون لماذا؟ لأن الوصية إذا خالفت الحد المحدود شرعاً لا يُمكِن أن تُنفَّذ إلا بإجازة مَن؟ الورثة، فإن أجازها الورثة جازت، وإن لم يجيزوها لم تجز، فبقيَ الشرع حاكماً، والأمر يحتاج أيضاً إلى دراسته من ناحية إسنادية، وليس فيه قول واحد.

فالصحيح أن دين الله كمل وتم في اليقظة، جهاراً نهاراً، فلا نحتاج إلى نسخه ولا إلى تتميه الكاذب ولا تكميله المُدّعى المزعوم بالمنامات والمرائي والأحلام.

أتى أحدهم قاضي البلد – وهذا حدث قبل عشرات السنين، والحمد لله هذا قاضٍ جيد وذكي – وقال له يا أيها القاضي الناس لم يرو هلال رمضان، لكن أنا عرض لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المنام، وقال لي هذه الليلة ليلة الأول في رمضان، انتهى! إذن صوموا رمضان، النبي أمرهم بالصيام، فقال له القاضي لن نصومه، انظر إلى القضاء الذكي، إن الذي تزعم أنك رأيته ويأمرك بما تزعم قد نقل عنه مَن هم خير منك في اليقظة قوله صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فلا ندع قوله لرؤياك، اذهب، قال له ما هذا؟ هل نحن سنترك دين محمد؟ نحن عندنا أحاديث صحيحة، تقول لي رأيت النبي في المنام، ولا ندري هل صادق أو كاذب، ولا ندري وجه الرؤيا، هذا إن كنت رأيت النبي نفسه أصلاً ولم تر شيئاً أو أحداً آخر.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المُستغفِرين!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                                 (الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد، أيها الإخوة:

إذن الرؤيا تسر ولا تغر، والمُؤمِن اليقظ الذي يُحسِن الارتياد لنفسه والمهد لحياته الأُخروية لا يغتر بأمثال هذه الأشياء، وإن كان يُسَر بالصالح الصادق منها – إن شاء الله تبارك وتعالى -.

يُقال إن يوسف بن أسباط – يوسف بن أسباط أحد صُلحاء هذه الأمة، قال عنه أبو الفرج بن الجوزي في صفة الصفوة لم يبلغنا عن رجل أنه بكى الدم سوى اثنين، أحدهما يوسف بن أسباط، رجل من كبار الصالحين – قال له أحد إخوانه في الله أبشر يا يوسف، قال وما ذاك؟ قال رأيتك أمس في المنام – في الليل – وكأن آتٍ آتاك، وبيده إبريق فضة، يقول اشرب من الرحيق يا يوسف، فهز رأسه وقال الحميم أشبه، أي قال لو قال لي هذا الحميم أو اشرب من الحميم أُصدِّق هذا، الصالح لا يغتر، لا يغتر برؤيا، قُصاراه أن يُصدِّق ليُسَر فقط، ليس أكثر من أن يُسَر، أما أن يغتر ويقطع لنفسه بالجناة وبأنه من أهل الله ومن أهل الجنة فلا، هلك هذا، هلك برؤيا!

أختم بطُرفة هكذا، للأسف في مُقابِل هذا العقل الكبير والورع التام الحاجب الحافظ لدى إخواننا الشيعة في أدبياتهم قصة مشهورة جداً، وصفها أحد كاتبيهم بأنها أصبحت كالوحي المُنزَّل، أحد قطّاع الطرق – كان يقطع الطريق، وربما قتل أو سلب أو انتهك أو اغتصب والعياذ بالله، مُجرِم! مُجرِم مُحارِب لله ورسوله، هذا من أحل الحرابة – كان يقطع الطريق، المُهِم وهكذا كان يفعل دائماً، يقطع الطريق على مَن؟ على زوّار قبر الحُسين – عليه السلام -.

وذات ليلة رأى في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأنا أبا عبد الله الحُسين – عليه السلام ورضوان الله عليه – واقف وبيده سجل، أي دفتر كبير، فيه أسماء أُناس، هم الذين كانوا يزورونه في الدنيا، فهو يأمر بهم إلى الجنة، النُجاة! أي هؤلاء الناجون، نجى… نجى… نجى… نجى… قال يا ويلي، هؤلاء زوّاره ناجون، وأنا كنت قاطع طريقهم، وبعد قليل قال وإذا بأبي عبد الله الحُسين يُنادي علىّ باسمي، فلان الفلاني، مع الناجين! قال فأتيت لا أُصدِّق، أنا؟ فأتت الملائكة وقالت نعم، نحن كتبنا اسمك، لماذا؟ أنت قاطع طريق الزوّار! لكن على ثيابك وبدنك من غبارهم، من غبار زوّار الحُسين، فأنت من الناجين، اذهب إلى الجنة معهم، عفا الله عنك، فقام الرجل فرحاً جذلان مسروراً، يقول:

إذا رُمتَ النجاةَ فزُرْ حُسيناً                                  لكي تَلقى الإلهَ قَريرَ عَيني.

فإنَّ النَّارَ ليسَ تَمَسُّ جِسماً                                   عليهِ غُبارُ زُوّارِ الحُسَينِ.

كلام جميل، وكلام فارغ، شعر جميل فارغ – والعياذ بالله -، هذا هدم لدين الله، هل تعرفون لماذا؟ معنى ذلك أنا لن أكتفي بحُب الحُسين، أنا سأُحِب الحُسين والحسن والإمام عليّاً وفاطمة ورسول الله قبلهم وهو أعظم من الجميع حُباً جماً – إن شاء الله تعالى -، سأُعفِّر نفسي في ترابهم، وسأفعل المناكر، وأشرب المساكر، وأقطع الطريق، وأنا من الناجين.

اعرضوه على كتاب الله، هذا هدم ونقض لعُرى الدين، ما هكذا يدخل الناس الجنة، ولا هكذا يصطلي الناس بالنار، الأمور لها منطق آخر، ولكن هذا فعل الشياطين، شَيَاطِيْنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوْحِيْ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوْرًا ۩.

نسأل الله ألا نكون مِمَن تتلاعب بهم أهواؤهم، ولا تتجارى بهم أميالهم ولا شياطينهم.

اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، اللهم نوِّرنا بنورك، وضوِّئنا بأضواء شرعك، اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين ومن أوليائك المُتقين، واختم لنا بخاتمة السعادة يا رب العالمين، واجعلنا من زُمرة عبادك المحفوظين، ولا تجعل لشياطين الإنس ولا الجن علينا سبيلاً، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم فقِّهنا في الدين، وعلِّمنا التأويل، وارزقنا الصدق والإخلاص ظاهراً وباطناً، نعوذ بالله من مقام المُنافِقين، ومن حال المخدوعين، ومن أكاذيب الخادعين، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.

____________

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، قوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(23/10/2009)

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: