إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله وَأصحابه وَأتباعه وَسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه  ومُخالَفة أمره لقوله سُبحانه وتعالى:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

 

أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، يقول الله – سُبحانه وتعالى – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ۩.

كما يقول – سُبحانه -:

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ۩ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ۩ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ۩ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ۩ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ۩ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ۩ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ۩

صدق الله العظيم، قال الإمام قتادة كان مُطرِّف بن عبد الله – رحم الله الجميع – إذا تلا هذه الآيات قال هذه آيات القرّاء، هذه البُشريات بُشريات القرّاء، وهذه الآيات آيات القرّاء، وهاته الكرامات المذكورة في هذه الآيات هي كرامات القرّاء، كرامات التالين لكتاب الله – سُبحانه وتعالى -، لا يبتغون بذلك إلا وجهه.

وقد أخرج الإمام الطبراني بسند حسن عن عبد الله بن عمر – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، عن النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام -، أنه قال ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر، ولا ينالهم الحساب، وهم على كُثب المسك حتى يُفرَغ من حساب الخلائق، رجل قرأ القرآن الكريم ابتغاء وجه الله، وأم به قوماً هم به راضون، لأنه ورد وعيد في حق مَن يؤم الناس وهم له كارهون، فهذا لا ترتفع صلاته فوق رأسه شبراً، لا تُجاوِز سقف بيته، لأن القرآن إنما أنزله الله لتأتلف عليه القلوب، لا لتتنافر القلوب بتلاوته، فكأنه يُبغِّض إلى الناس كتاب الله – والعياذ بالله -، فلا يؤم الناس أحدٌ إلا إذا علم أو غلب على ظنه أنهم به راضون، فهذا أول الثلاثة، وداعٍ يدعو إلى الصلوات ابتغاء وجه الله، أي المُؤذِّن، والمُؤذِّنون – الداعون إلى الصلوات – هم أطول الناس يوم القيامة أعناقاً، من أشراف الناس يوم القيامة، فهذا هو ثاني الثلاثة، وأما ثالثهم أو أخيرهم أو آخرهم فعبد أحسن فيما بينه وبين ربه، وأحسن فيما بينه وبين مواليه، أي أسياده، وهذا مُنقرِض، إذن بقيَ الصنفان الأوليان أو الأولان.

القرآن العظيم، وإنه لكتاب عظيم وقول ثقيل، وقد سمى النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – الكتاب والسُنة بالثقلين، سمى الكتاب والسُنة بهذا الاسم لأنهما قول ثقيل، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ۩، هذا الكتاب الذي اتخذه نفر من أمة محمد وراءهم ظهرياً، وجعلوه شريعةً منسوخةً، وتركوا في البيوت مُعلَّقاً مهجوراً، وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ۩، سأتحدَّث عن هذا الكتاب الثقيل وعن هذا القرآن العظيم في شهر رمضان – شهر القرآن -، لعل مَن قصَّر ومَن يُقصِّر فينا في تلاوته وتدبره والعمل به والدعوة إليه يستدرك شيئاً من تقصيره ويُراجِع أمر نفسه – إن شاء الله تعالى -.

حم ۩ عسق ۩ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۩، فالسياق عن الوحي، عن القرآن الثقيل، كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۩ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ۩ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ۩… هيبةً من جلال هذا الوحي الإلهي، ورهبةً من هذا التنزل العلوي، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۩، في تفسير آية تُشبِه هذه الآية في سورة سبأ – وهذه من الشورى – قال الرسول الآتي، قال – سُبحانه وتعالى – وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ۩، قال حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ۩، فسَّرها النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – كما في صحيح البخاري من حديث أبي هُريرة، قال إن الله – تبارك وتعالى – إذا قضى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لأمره، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – كمثل السلسلة على الصفوان، كصوت السلسلة على الصخرة الصماء، تضرب الملائكة بأجنحتها من الهيبة والجلال والرحمة، حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ۩، ومعنى فُزِّعَ ۩ أي زال الفزع، حتى إذا زال الفزع والرهبة والهيبة والخوف والخشية عن قلوبهم، قَالُوا ۩ تساءلوا، قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۩، قَالُوا ۩ للذي قال، الْحَقَّ ۩، أي قال الْحَقَّ ۩، الله قال الْحَقَّ ۩، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ۩، إلى آخر الحديث، وقد ذكرناه قبل خُطب.

ولذا قال ابن مسعود أو من هنا قال ابن مسعود – رضيَ الله عنه وأرضاه – إن الله – تبارك وتعالى – إذا تكلَّم بالوحي من أمره لحق الملائكة من الهيبة والخوف مثل الغشي، كأنهم يُغشى عليهم من شدة الهيبة والخوف، وقد روى الإمام الطبراني وابن مردويه، قال الحافظ ابن كثير وكذا رواه ابن جرير وابن خُزيمة، من حديث النواس بن سمعان، وهذا لفظ ابن مردويه، قال قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – إن الله – تبارك وتعالى – إذا أراد أن يتكلَّم بالكلام من الوحي فتكلَّم أخذت السماوات منه رجفة، قال النواس أو الراوي أو رعدة، السماوات يكدن يتفطرن، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ۩، فهذا هو تفسير الآية، من كلام الله، من هذا الكتاب العظيم والقول الثقيل، الذي جعل بعض الرويبضات وبعض الصعاليك – صعاليك الفكر وصعاليك القلم – يتعقَّبون الله في كلامه وينتقدونه، هم – والله – ما عرفوا القرآن ولا أجلوه ولا عظم كلام الله في قلوبهم، ولو عظم كلام الله في قلوبهم ما جعلوا كأنه دستور من الدساتير أو مُذكِّرة من المُذكِّرات أو رسائل إصلاحية لأحد المُصلِحين، درست وعفت وتجاوزها الزمان والدهور – والعياذ بالله -، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الكُفران بعد الإيمان.

أخذت السماوات منه رجفة، قال أو رعدة، فإذا سمعته الملائكة صعقت، ابن مسعود قال يلحقها مثل غشي، هنا مُصرَّح بأنها تُصعَق، تفقد الوعي مُباشَرةً، صعقت! فيكون أول مَن يفيق منهم جبريل – عليه السلام -، فيفيق جبريل فتسأله الملائكة يا جبريل ماذا قال ربنا؟ فيقول الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ۩، فيتلو جبريل ما شاء الله بعد أن يُسمِعه الله من وحيه مما أراد، هكذا قال – عليه السلام -، مما أراد! فتقول الملائكة مثل قول جبريل، فيهبط به جبريل – عليه السلام – من سماء إلى سماء، وهو في كل سماء يُسأل يا جبريل ماذا قال ربنا؟ فيقول الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ۩، وتقول الملائكة مثل قوله، حتى ينتهي به جبريل إلى حيث أراد الله من سمائه وأرضه.

فهو قول ثقيل، وهو كتاب عظيم، وينبغي أن نأخذه بقوة، لا بهزؤ ولا بتلاعب، لأنه لا يستقيم أمره إلا لمَن أخذه بقوة، خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۩، لكن ماذا إن تلاعبنا به وإن تركناه؟ بل كيف وإن هجرناه؟ كيف وإن تغلطنا في تلاوته؟ كثير من المُسلِمين وبعضهم خريج جامعة أو جامعات لا يعرفون يتلون كتاب الله حق تلاوته، والله لا يعرفون أن يُقيموه حروفه، فكيف نُطالِبهم بأن يُقيموا حدوده؟ لأنهم لا يُحِبون تلاوته، فالله – عز وجل – لا يُحِبهم ولا يُدنيهم ولا يُقرِّبهم، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – مَن أحب أن يعرف أن الله – تبارك وتعالى – ورسوله يُحِبه أو لا فلينظر في نفسه، فإن أحب كتاب الله فهو مِمَن يُحِب الله ورسوله، علاقة لزومية، إذا أحببت هذا الكلام فأنت مُحِب لمَن نزَّله، ومُحِب لمَن جاء به ولمَن أُنزِل على قلبه – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

وقال – عليه الصلاة وأفضل السلام – إن لله أهلين من الناس، قال إن لله أهلين من الناس، ما معنى إن لله أهلين من الناس؟ أي لله – تبارك وتعالى – من الناس خاصة، أي كأنهم ذوو قرابة، وطبعاً هذا كله كناية بالاستعارة، هذا كناية بالاستعارة كما يقول البيانيون، وما المقصود بهذه الكناية؟ المقصود إن الله – تبارك وتعالى – يُقرِّب صنفاً أو نفراً من عبيده أو من عباده تقريباً مخصوصاً يمتازون به من بين سائر المُؤمِنين، قالوا يا رسول الله ومَن هم؟ قال أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، أهل القرآن هم أهل الله وخاصته! لذا يجب أن يشرفوا وأن يجدوا إذا هزل الناس، وأن يحلموا إذا غضب الناس واستُطيرت أحلامهم، وأن يُكرَّموا، وأن يُبجَّلوا، وأن يُوقَّروا.

قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – أشراف أمتي حملة القرآن وأهل الليل، الذين يقومون الليل، تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ۩، هؤلاء هم أشراف أمة محمد، وقال كما روى أبو داود، قال إن من إجلال الله تبارك وتعالى – مَن أراد أن يُجِل ربه فليُعظِّم شعائره، لأن مَن عظَّم شعائر الله فهذه أمارة على تقوى القلوب – إكرام ذي الشيبة المُسلِم، وحامل القرآن، أي وإكرام حامل القرآن، قال إكرام ذي الشيبة المُسلِم، وحامل القرآن، وإكرام ذي السُلطان المُقسِط، ثلاثة! مَن أكرمهم فقد أجل ربه، ومَن أهانهم فقد أهان نفسه، ولا نقول غير ذلك، ونعوذ بالله من زلقات اللسان وزلاته، مَن أكرمهم فقد أجل ربه، ومَن أهانهم فما أهان إلا نفسه وما زادها إلا تقصيراً وتتبيراً.

إكرام ذي الشيبة المُسلِم، لشيبته، بعض الناس لا يُكني أو لا يُكنّي كبار السن، يُناديهم بأسمائهم، وهذه قلة أدب، يقول هذا مُعتاد، وهذه من قلة الأدب، ينبغي أن نحترم كبراءنا حتى في الأسنان، الكبير في سنه يُحترَم، بعضهم مد أو بدأ بأحد صغار الصحابة، لأنه كان على يمينه، بدأ باليمين، وقد كان هناك رجل يكبره سنه، النبي قال كبِّر كبِّر، لا تبدأ بهذا، ابدأ بالكبير، من الكبير يبدأ اليمين في الأكل وفي الشرب وفي الكرامة، بعض الناس يفقه نصف السُنة، يقول لك هذه سُنة، ويبدأ بطفل صغير على اليمين، سُنة ماذا؟ هذا يجهل السُنة، تبدأ بالكبير، الكبير في الفضل أو الكبير في السن، ومن لدن الكبير نتيامن بعد ذلك، نأخذ على يمينه، كبِّر، قال له كبِّر، ليس منا مَن لم يُوقِّر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه، ليس منا، أي ليس على هدينا وليس على طريقتنا، لا أنه كافر، معنى ليس منا هنا ليس هدينا وليس على طريقتنا السُنية الحسنة الجميلة، وهذا وارد كثيراً في كلامه – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

وحامل القرآن، أي وإكرام حامل القرآن، لابد أن يُكرَم، وقد بالغ النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – في إكرام حملة القرآن، حتى أنه أكرمهم عندما جئ بشهداء أُحد – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين – وهذا في صحيح البخاري، كان النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – قبل أن يُدليهم في لحودهم يسأل عن الرجلين أو الثلاثة أو ما زاد أيهم أو أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ هذا أو هذا؟ فإذا أُشير إلى أحدهما بدأ به، فدلاه في لحده أولاً، لأن كرامة الميت تعجيل دفنه، ولابد أن يُكرَم حامل القرآن حتى في هذه اللحظة، وهم شهداء! أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أُشير إلى أحدهما بدأ به، فدلاه في لحده أولاً – عليه الصلاة وأفضل السلام -، فلابد أن يُكرَموا.

علينا أن نتلوا كتاب الله – سُبحانه وتعالى – آناء الليل وأطراف النهار، غضاً طرياً كما أُنزِل، وأن نتعاهده، فمن رحمة الله بهذه الأمة أن هذا الكتاب العزيز وأن هذا القول الثقيل الكريم أشد تفصياً وأشد تفلتاً من قلوب الرجال من الإبل من عُقلها كما قال – عليه الصلاة وأفضل السلام -، هذه رحمة وليست نقمة، لماذا؟ لكي يبقى العبد دائماً مُرتبِطاً مُتعلِّقاً مُتعشِّقاً لكتاب الله وتلاوته، لكن لو قرأ الإنسان الكتاب مرة وحفظه مرة ولا ينساه إلى أن يموت ربما لا يُعاوِده، لكن القرآن سريع التفصي وسريع التفلت، قد تحفظه بأكمله ثم تنساه في أقل من ستة أشهر، وإذا سمَّعنا لك وجدنا أن كل قراءتك تغاليط وأغلاط، صحيح! لأنك لا تُردِّده، ولا تزداد بترداده تجملاً، وهذا ذنب عظيم، وقد يقول قائل أورد في نسيانه شيئ؟ نعم، وأي شيئ، ورد الكثير فيمَن نسيَ القرآن، ولنفترض أن أحدكم حفظ جُزء عم أو نصف جُزء عم ثم نسيه، هذه من أعظم الذنوب، وهذه كبيرة من الكبائر كما قال السيوطي في الإتقان وحكاه عن الإمام النووي في روضة الطالبين، جزم به، كبيرة من الكبائر نسيان سورة أو آية أو شيئ من القرآن كنت قد حفظته تكاسلاً، نهتم بهذا القيد، أي تكاسلاً، لكن إذا هناك إنسان اشتغل بالعلم أو اشتغل بالجهاد أو اشتغل بشيئ مشروع من أمور الدين أو الدنيا وغلب عليه فهذا لا، ولكن تكاسلاً وإهمالاً، فهذه كبيرة من الكبائر، وجزم به العلّامة النووي – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -.

يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام – فيما أخرجه الترمذي وأبو داود عُرِضت علىّ أجور أمتي، أي مراتب وأصناف الأجور وأشكالها وألوانها، حتى القذاة يُخرِجها الرجل من المسجد، أي قشة صغيرة أو نخامة أو وساخة أو قلامة ظفر أو أي شيئ تأخذه في جيبك ثم ترمي به خارج المسجد، فهذه حسنة وفيها أجر، يُرتَّب عليها أجر وأجزية عند الله – تبارك وتعالى -، فهذه من أدنى الأشياء، وعُرِضت علىّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنباً أعظم من سورة أو آية من القرآن أوتيها رجل ثم نسيَ، وهكذا قال، لم أر ذنباً أعظم، لماذا؟ هل حفظ القرآن واجب؟ أبداً، حفظ القرآن واجب على الكفاية، أي يجب على بعض المُسلِمين أن يحفظوا كتاب الله، فإن حفظوه سقط الإثم عن الباقين، لكن مَن حفظه هو مُلزَم بأن يتعاهده، وبألا يتفصى منه، وإلا كان قد ولج باباً من أبواب الكبائر – والعياذ بالله -، لماذا؟ لماذا تزهد في كتاب الله؟ أإلى خير منه؟ ما الذي شغلك؟

حكى بعض العلماء الصالحين من المُعاصِرين – عصريٌ لنا – الآتي، قال والله الذي لا إله إلا هو لقد كنت أعرف رجلاً في صباه أو في شبابه الباكر يحفظ كتاب الله حفظاً جيداً، ثم شغلته الدنيا، التجارة والأموال، أصبح تاجراً، شغلته الدنيا، شغلته الأموال، قال فوالله لقد أتى عليه زمان وإنه ليتغلط في الفاتحة، الفاتحة لا يقرأها، إذن حتماً هو لا يُصلي، حتى الصلاة تركها، لو كان يُصلي ما ينسيَ الفاتحة ويتغلط في الفاتحة، في سبع آيات قصيرات بليغات، والعياذ بالله هذا إثم عظيم، هذا رجل مطموس على قلبه، هذا رجل طرده الله عن مأدبته، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – القرآن مأدبة الله، فمَن أقبل عليه فهو آمن، ومَن أحب القرآن فليُبشِر، أي فليستبشر، قال ومَن أحب القرآن فليُبشِر.

وقد روى ابن أبي داود صاحب كتاب المصاحف عن أبي أُمامة صاحب رسول الله – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – أنه قال اقرأوا هذا القرآن، ولا تغرنكم هذه الصحف المُعلَّقة، بعض الناس يُزيِّن مكتباته ويُزيِّن بيته بصحائف من كتاب الله أو بنُسخ من القرآن المطبوع، يضعها في البيت – مثلاً -، يُصفِّفها ويُزيِّن بأشياء يضعها، لماذا؟ أهذه للبركة؟ هذه لن تُبارِكك، ولن تُغني عنك من تقصيرك شيئاً عند الله – تبارك وتعالى – أبداً، ولا تغرنكم هذه الصحف المُعلَّقة، هكذا يقول صاحب رسول الله، فإن الله لا يُعذِّب قلباً وعى القرآن، قال فإن الله لا يُعذِّب قلباً وعى القرآن، وعاه هنا قد تُؤوِّل بحفظه، فهو من الحملة، والأظهر في تأويلها بمعنى أدركه وتدبره، فإن الله لا يُعذِّب قلباً وعى القرآن.

يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام – القلب الذي ليس فيه شيئ من القرآن كالبيت الخرب، كالخربة في مُنقطَع العُمران، كيف تكون؟ مُوحِشة، يرتادها الشياطين والأبالسة، أبالسة الإنس والجن، كما قال – عليه الصلاة وأفضل السلام -، قال البيت الذي يُقرأ فيه القرآن تحضره الملائكة، وتتنكَّب عنه الشياطين، بعض الناس يقول لماذا تُشاكِسني زوجتي وأبنائي وحياتي نكد في هم في غم؟ لأنك لا تتلو كتاب الله، والله لو كان أي بيت من بيوت المُسلِمين يُتلى فيه كتاب الله كل يوم وكل ليلة لكان من أسعد البيوت، لكن تُتلى فيه مزامير الشيطان، أي الأغاني، الأغاني والموسيقى تصدح فيه ليل نهار، والأفلام والمُسلسَلات وقلة الأدب ليل نهار، وطبعاً الحبل على الغارب مُرسَل، لا الأب يأمر ولا ينهى ولا الأم كذلك، إن لم يكونوا يحضرون ويُشارِكون في هذا العبث وفي هذا السُخف، طبعاً تعاسة وشقاء، البيت الذي يُقرأ فيه القرآن تحضره الملائكة، وتتنكَّب عنه الشياطين، تتنكَّب أي تبتعد، من تنكَّب الطريق، وتتنكَّب عنه الشياطين، ويكثر خيره، ويقل شره، ويتسع على أهله.

أدخل بيوتاً فأجد الآتي، وبعض إخواني يُلاحِظون ذلك معي، وذلك حين نزور بعد الإخوة، سُبحان الله! ندخل والله الذي لا إله إلا هو – وأنا في رمضان، ولا أحلف حانثاً – بعض البيوت الضيقة مادياً، وأُقسِم بالله نراها من أوسع ما يكون، ولست أنا مَن يراها هكذا فقط، ومَن معي من إخواني الصالحين، يرونها كذلك أيضاً، يقولون ما أوسع هذا البيت! ما أشرحه! لأننا نعلم أن صاحبه مُنذ سنين يقوم كل يوم الليل بكذا وكذا من كتاب الله، حياته عبادة في بيته، ونرى أطفالاً لأمثال هؤلاء الناس المُربين الطيبين، نرى أطفالاً – أبناء أربع سنوات وثلاث سنوات – يحفظون أو عشرين أو خمس عشرة سورة من كتاب الله، تُوجَد تربية في هذا المُجتمَع، هناك أُناس صالحون، فنراه بيتاً وسيعاً، بيتاً لاحباً، بيتاً تنشرح فيه النفوس، لا تُحِب أن تُغادِره، لأنه بيت مُنوَّر، بيت إلهي، تحضره الملائكة، تتنكَّب عنه الشياطين، ويتسع على أهله، ويكثر خيره، ويقل شره، وبالضبط وعلى العكس البيت الذي لا يُقرأ فيه القرآن، والبيت الذي لا يُقرأ فيه القرآن تحضره الشياطين، طبعاً هناك نزاع، هناك هم، هناك غم، هناك مشاكل، هناك ضيق، هناك توتر، هناك رغبة في الطلاق، هناك رغبة في الفراق، وهناك رغبة في المُنازَعات الدائمة والمُشاحَنات التي لا تنتهي، تستعر دائماً وأبداً، لأن الشياطين تحضره، تحضره الشياطين، وتتنكَّب عنه الملائكة، تبتعد عنه ولا تُحِبه، وتتنكَّب عنه الملائكة، ويضيق على أهله، حتى وإن كان وسيعاً يشعرون فيه بالضيق والحرج الشديدين، ويكثر شره، ويقل خيره – والعياذ بالله -.

الإمام البيهقي في شُعب الإيمان يروي عن أم المُؤمِنين عائشة – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، قالت قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – إن البيت الذي يُقرأ فيه القرآن ليتراءى لأهل السماء – من الملائكة وغيرهم – كما يتراءى أهل الأرض النجوم في السماء، الملائكة وهي في السماوات ترى هذه البيوت التي يُتلى فيها كتاب الله مُنيرة كأنها نجوم في الأرض، فترتادها الملائكة، وقد روى أبو نُعيم في الحلية، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – كل آية في كتاب الله درجة في الجنة ومصباح في بيوتكم، كل آية مصباح، شمعة، وسراج، كل آية تُتلى، كل آية في كتاب الله درجة في الجنة ومصباح في بيوتكم.

ولذا روى أبو داود مُرسَلاً، قيل له يا رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – أما ترى لثابت بن قيس بن شمّاس لم يزل بيته البارحة فيه كالمصابيح تُزهِر؟ هذه كرامة، وقد رآها نفر من الصحابة، قالوا وجدنا هذا البيت طيلة ليلة البارحة أو طيلة البارحة فيه كالمصابيح تُزهِر، ما أعظم علمه! وما أوسع فهمه – عليه الصلاة وأفضل السلام -! قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – فلعله تلا فيه سورة البقرة، إذن نزلت عليه الملائكة، فأشرق بأنوار الملائكة، وقد رأى الصحابة أنوار الملائكة، وهذه كرامة لهم وكرامة لثابت بن قيس الذي مات شهيداً – رضيَ الله عنه وأرضاه -، وهو الرجل الوحيد الذي نُفِّذ وصيته بعد موته، وحكيناها لكم مرة، هذا في اليمامة وفي معركة مُسيلمة الكذّاب.

المُهِم فقال لعله قرأ سورة البقرة، فجاءوا ثابتاً وسألوه يا ثابت ماذا فعلت أمس؟ فقال قرأت سورة البقرة، أضاء بيته، أضاء بيته ورآه الصحابة – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم -، فيا أحبابي ويا إخواني مدوا الجسور بينكم وبين كتاب الله – تبارك وتعالى -، اقرأوا بالله عليكم آناء الليل وأطراف النهار، وأهم من ذلك أن تُقرئوه أبناءكم، هذا أهم، أنا لا أهتم ولا أغتم ولا أحزن لحال الكبار، لكن لحال الصغار، هؤلاء ضحية مساكين، الصغار والصبية هنا في هذا المُجتمَع ضحية – والله – يا إخواني، ضحية لتقصيرنا، لجهلنا، ولغلبة حُب الدنيا علينا والأهواء على نفوسنا، لكن لا نُعطيهم قسطهم من التربية ومن الإرشاد ومن التوعية ومن الاهتمام.

بعض إخوانكم هنا يُحضِر أطفاله ونحن نُصلي، إلى الآن صلينا صلاة التراويح في ست عشرة ليلة تقريباً أو خمس عشرة ليلة هنا، أرى أطفالاً – والله – ما فاتتهم صلاة معنا، لأن أباهم وأمهم حريصان على أن يُحضِراهم صلاة التراويح، حتى يتعلَّق قلبهم بالصلاة، إلى الآن أنا لا أذكر من طفولتي أجمل الذكريات إلا حين كنت أستيقظ من الصباح على صوت أبي وأمي في قنوت الفجر، أكثر ما كنت أستيقظ في القنوت، وأحفظ دعاءهما بالعامية حفظاً عن ظهر قلب، أجمل ذكريات حياتي، أجمل ما يُمكِن أن تُورِّثه ابنك يا عبد الله أن تُسمِعه كتاب الله والدعاء واللجأ إلى الله والتعاليم الدينية الطيبة، أجمل ذكريات ستبقى في نفس ابنك أو ابنتك إلى أن يشيخ ويكبر، وهي التي ستشده دائماً إلى النبع الصافي الأول، وستحجزه عن محارم الله – تبارك وتعالى -، وستُعظِّم المناكر أمام عينيه، فيهوله أن يرتادها أو أن يتقحمها.

هذه الأشياء التي لابد أن نعمر بها بيوتنا، فاقرأوا كتاب الله وأقرئوه أبناءكم وإنكم لعلى خير، ومَن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومَن جعله خلفه ساقه إلى النار.

نسأل الله – عز وجل – أن يجعلنا القرآن إمامنا، وأن نجعله دائماً أمامنا، وأن يسوقنا إلى جنات الرضوان والنعيم، اللهم آمين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الخُطبة الثانية)

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك النبي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المُبارَكين المُنتجَبين، وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أيها الإخوة:

تذكَّرت الآن – وأحببت أن أختم بهذه الكلمة – عبارة قرأتها للشيخ المرحوم محمد الغزّالي – رحمة الله عليه -، قرأتها في صغري أيضاً في كتابه الماتع نظرات في القرآن، أذكر أنه ذكر في المُقدِّمة أن الاستعمار الحديث بعد أن قرَّر أن يُلملِم نفسه وأن يخرج من ديارنا ضربنا باستعمار أشد منه وأنكى، وهو الاستعمار الثقافي، طبعاً لا يُكابِر على وجود هذا الاستعمار وعلى ما آتاه من أكل مُر كالحنظل والعلقم إلا رجل يُريد أن يكيد لهذه الأمة وأن يكيد لشرعها ودينها، هو موجود، وما زال ضارياً، والمعركة معه ضروس حامية.

قال الشيخ – رحمة الله تعالى عليه، وأنزله الله فسيح جناته على ما خدم الدعوة والإسلام – فأول ما عمدوا عمدوا إلى ماذا؟ عمدوا إلى القرآن الكريم، فأوهوا أو قطعوا صلة الأمة به، هذا هو مُخطَّط الأجانب، هؤلاء دُهاة، أي هؤلاء الناس، أول شيئ قطعوا أو أوهوا – أضعفوا – صلة الامة الإسلامية بكتابها الخالد الفذ، ثم قال الشيخ الآتي، وهذا الذي أعجبني، والشيخ يمتاز بذكاء فطري، وقد كنت وما زلت أقول دائماً هذا الشيخ – أي الغزّالي رحمة الله تعالى عليه، وبعض الناس قد يلوموني في حُبه – لو تفرَّغ لعلوم الشريعة ولم يستفرغ كثيراً من وقته في الدعوة والتنقل والتدريس لكان أحد أئمة الدين في هذا العصر، لكان أحد أئمة العلم الشرعي – رحمة الله تعالى عليه -، قال – وهذا بديه وواضح – لأن اللص إذا أراد أن يسطو على أثاث منزل ماذا يفعل؟ أول ما يُفكِّر فيه أن يقطع إمدادات المصابيح عنه، خطوط الكهرباء التي تستمد منها المصابيح، فربما قطعها وربما كسَّر المصابيح، فإذا صار الوضع ظلاماً وحندساً صار له التلصص سهلاً، لا يسهل عليه التلصص إلا في ظلمات الليل، غريب!

هذا التشبيه العجيب أنا مُتأكِّد الشيخ جاء به على البديهة، بعقليته المُنيرة وذكائه الفطري المُشرِق، والقرآن الكريم ليس إلا مصابيح هُدى فعلاً ومشارق أنوار في هذه الأمة، ألم تروا كيف شبَّهه النبي في غير حديث بأنه مصابيح وبأن كل آية مصباح في بيوتنا؟ فعلاً أعظم تشبيه وأغرب تشبيه يُمكِن أن يُشبَّه به ما شُبِّه به.

إذن حين أوهوا علاقتنا بالقرآن كانوا تماماً كاللص الذي يتلصَّص إلى بيت ليسرق ما فيه ويحتاز ما فيه في ظلام الليل، وهكذا وقع لهذه الأمة المسكينة المحروبة، وحين أضعفوا هذه الصلة غدت إذاعة مونت كارلو Monte Carlo والبي بي سي لندن BBC London وإذاعة إسرائيل وما زالت هذه الإذاعات تبث القرآن الكريم، تبثه لأنه تبثه في الأثير، ولن يصل إلى قلوب تعي، ولا إلى مسامع تفقه شيئاً، تبثه! تبثه صباح مساء، ويوم الجُمعة تبثه إذاعة لندن London مُجوَّداً بصوت الشيخ عبد الباسط، لأنها تعلم أن أحداً لن يستفيد منه، وتُريد أن تُكرِّس هذا الشيئ، علاقة ظاهرية خافتة، لا معنى لها ولا روح فيها، بين الأمة وبين كتابها العزيز، فكيف لنا أن نعود مرةً أُخرى نستضيء بأنوار القرآن ونعيش في نهار موصول الشروق في مشارقه وآفاقه وأن نرتقي إلى عليائه؟ لابد من خُطوات كثيرة جداً، ما أحسب أن المجال يتسع لذكرها إجمالاً.

أسال الله – تبارك وتعالى – أن يُعيدنا إلى حياض الكتاب العزيز عوداً حميداً، وأن يجعلنا وأن يرزقنا تلاوته على النحو الذي يُرضيه عنا آناء الليل وأطراف النهار، غضاً طرياً كما أنزله – سُبحانه -.

اللهم ارفعنا بالقرآن، وانفعنا بالقرآن العظيم، أحسن كُتبك المُنزلَّة نظاماً، وأبينها حلالاً وحراماً، وأحكمها إحكاماً.

اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۩.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.

____________

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، قوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: