إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَحَبِيبَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين المُجاهِدين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

 سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩، أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سُبحانه وتعالى:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

أما بعد: 

أيها الإخوة المسلمون الأفاضل، يقول الله – سُبحانه وتعالى من قائل – بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: 

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۩ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۩ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۩ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ۩ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ۩

صدق الله العظيم. 

أيها الإخوة الأفاضل:

نحن اليوم في اليوم التاسع عشر من شهر رمضان الكريم الفضيل، فلم يبق إذن من هذا الشهر إلا عُشره أو إلا عَشره الآخر، هذا العَشر الذي تتأكَّد فيه أو يتأكَّد فيه وجوه الاستزادة من صالح الأعمال، ما لا يتأكَّد في العَشرين الماضيين، فإنما الأعمال كما تعلمون بالخواتيم، فهذا العَشر هو خاتمة هذا الشهر الكريم، وعلى الراجح هذا العَشر أيضاً هو محل ليلة القدر، التي هي خيرٌ من ألف شهر، على الراجح من أقوال العلماء هذا العَشر هو محل هذه الليلة، الليلة التي قال في فضلها رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – وفيه ليلةٌ مَن حُرِم خيرها فقد حُرِم كما أخرجه الإمام أحمد والإمام النسائي – رحمهما الله -.

تقول السيدة عائشة يا إخواني فيما أخرجاه في الصحيحين كان رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم، عليه الصلاة وأفضل السلام – إذا دخل العَشر – طبعاً لُغة يصح أن نقول العَشر الآخر أو الأخير أو الأواخر، وللعلماء مباحث في هذه المسألة – شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، بالذات في العَشر الأواخر.

شد مئزره كناية عند عدم قُربانه وكناية عن اعتزاله النساء، لا يُصيب النساء في العشر الأواخر، فهو الآن مرصود بكُليته لأمر آخر.

أيها الإخوة: 

لو كان لأحد أن يتكل على ما أسلف من عمل صالح وما مهد لنفسه من القُربات والمبرات والحسنات فلا يستزيد في أمثال هذه الأوقات الشريفة من الأعمال الصالحة لكان رسول الله هو أولى الناس بذلك، أليس كذلك؟ إلا أنه – عليه الصلاة وأفضل السلام – وقد فُضِّل على العالمين وبذ الجميع وسبقهم وفضلهم أيضاً بعمله وقُرباته وحسناته ودرجاته ومقاماته كان لا يترك نُهزةً وكان لا يترك فُرصةً إلا ويستزيد فيها من الطاعات، وخاصة في مثل هذه الأويقات الشريفات، لأنها أويقات وحية التقضي، سريعة الزوال، تمر سريعاً، إي والله! فلقد مر ما مر من رمضان، مر قُرابة العَشرين من رمضان، وكأنهما يومان والله، وهكذا يا إخواني هي الأوقات عموماً، هكذا هي الأعمار، هكذا هي الأعمار في دار البلاء، تنقضي سريعاً، فالسعيد مَن وُفِّق إلى أن يُسلِف وإلى أن يمهد لنفسه من صالح العمل.

يُوشِك رمضان أن يُغلِق هذا المعرض الأُخروي، معرض التجارات الأُخروية، عما قليل وعما قريب سيُغلِق هذا المعرض أبوابه، ستنفض هذه السوق، وسينصرف الناس فيها فريقين، فريق ربح وفريق خسر – والعياذ بالله -، فالتوفيق بيد الله، وعليه المُعوَّل – سُبحانه – أن يُوفِّقنا إلى ما فيه خيرنا ورضاؤه عنا، اللهم آمين.

إذن كان الرسول يا إخواني يعتزل النساء، شد المئزر، وأحيا ليله، اتفقت كلمة العلماء على أن المُراد بإحياء الليل هنا إحياء غالب الليل، لأنه لم يصح عن رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – أنه أحيا الليل كله، هذا ليس من سُنة النبي ولا من هديه، ليس من سُنته ولا من هديه! ولكن يُحيي غالبها في هذه الأويقات، وفي غيرها معروف ومُقرَّر كما ورد في الأحاديث الصحيحة الثابتة كيف كانت سُنته في إحيائها في غير رمضان، لكن في رمضان كان يُحيي غالب الليل أو أغلب الليل، مُنتهِزاً هذا الوقت الشريف.

وأيقظ أهله، ليُصيبوا من الخير بعض ما يُصيب هو – عليه الصلاة وأفضل السلام -، أبلغ من ذلك، روى الإمام ابن أبي عاصم – رحمة الله تعالى – أيضاً عن أمنا عائشة – رضيَ الله تعالى عنها وأرضاها -، قالت كان رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – إذا كان رمضان – إذا كان رمضان أي إذا جاء ووُجِد رمضان، كان التامة هنا – قام ونام، فإذا كان العَشر الأواخر – أي من رمضان تقول – شد المئزر، واجتنب النساء، واغتسل بين الأذانين، وجعل الفطر سحوره، أي جعل فطوره – فطور المغرب، الفطور من الصيام – سحوراً، أخَّره إلى وقت السحر، هل تدرون لماذا؟ لا يُريد أن تضيع هذه الأوقات الشريفة التي ربما وافقت ليلة القدر، لا يُريد أن يُضيِّعها في أكل وشرب حتى وهو صائم – عليه الصلاة وأفضل السلام -، يُفطِر فقط على تمرة، وبعضهم قال لا يُفطِر على شيئ، لا يُفطِر ولا يتناول شيئاً إلى السحور، وبعض العلماء عد هذا صورة صحيحة لما ورد وصح من وصاله – عليه الصلاة وأفضل السلام -، فقد صح أنه كان يُواصِل الصيام أو الصوم، قالوا هذا هو الوصال، والصحيح أنه كان يُواصِل الوصال المعروف، المعروف فقهياً، لكن هذا ربما إن أُطلِق عليه وصالاً من باب التجوز.

ولذا قال أحمد وإسحاق – إسحاق بن راهويه، رضيَ الله تعالى عنهما -، قالا لا يُكرَه الوصال إلى السحر، أخذاً بهذه السُنة قالا لا يُكرَه الوصال إلى السحر، لكن قال العلماء لمَن قدر عليه، أما مَن كان يُضعِفه هذا وربما عجز عنه فيُكرَه له، فيُفطِر كالمُعتاد، لكن مَن قدر عليه فلا يُفطِر، له أن يُواصِل في العشر الأواخر إلى السحر، فيجعل فطوره سَحوراً، أي طعام السُحور، طعام السُحور هو السَحور بالفتح، فيجعل فطره سَحوراً – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

قال الزر بن حُبيش – رضيَ الله عنه وأرضاه – الآتي، وقد كان الزر يرى أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين، قال الزر بن حُبيش إذا كانت ليلة السابع والعشرين فلا يُفطِرن أحدكم إلا على ضياحٍ من لبن، يُريد يُؤخِّر إفطاره إلى وقت السحور، والضياح من اللبن هو اللبن الخاثر، إذا مُزِج أو مُذِق بماء، يُقال له هكذا إذا مُذِق بماء، قال الإمام الطبري أبو جعفر – شيخ المُفسِّرين والمُؤرِّخين، رحمة الله تعالى – وكانوا يستحبون في ليالي العشر الأواخر أن يغتسلوا كل ليلة ويتطيَّبوا ويتزيَّنوا، وهذا أخذاً من قول أمنا عائشة في الحديث الذي خرَّجه ابن أبي عاصم ويغتسل بين الأذانين، وفيه أيضاً حديث عن الإمام عليّ – عليه السلام -، ويغتسل بين الأذانين، تُريد بين المغرب والعشاء، بين المغرب والعشاء يغتسل – عليه الصلاة وأفضل السلام -، لماذا؟ لأن مُنادَمة الملوك خليقة بمثل هذا التزين والتطيب والتهيؤ والاستعداد، مُنادَمة الملوك ليلة القدر، التي هي خيرٌ من ألف شهر.

قال بعض العلماء ومن ألف وألأف، فالعدد هنا لا مفهوم له، والأكثرون على أنه له مفهوم، أي مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۩ بالتمام والكمال، وهذا يزيد عن ثمانين عاماً، فما معنى خيريتها وكونها خيراً من ألف شهر؟ معنى ذلك – أيها الإخوة الأحباب – أن ما يُكتَب فيها من الأثوبة والأجزية لمَن قامها ووُفِّقت له ووافقها – إن شاء الله تعالى – أو على الأقل وعلى أضعف الإيمان – وسنرى آراء العلماء بُعيد قليل – لمَن قامها مثل ما يُكَتب من الأجزية والأثوبة لمَن عبد الله ثمانين عاماً، ما يُكَتب من الأجزية والأثوبة مثل ما يُكَتب من الأجزية والأثوبة لمَن عبد الله ثمانين عاماً، بل أزيد من ثمانين عاماً، ألف شهر! شيئ غريب، ليلة واحدة؟ ليلة واحدة، هذا هو محض الفضل الرباني، إذن حقاً لا يُحرَم خير هذه الليلة إلا محروم – والعياذ بالله -، لا يُحرَم خير هذه الليلة إلا محروم! ولا يُوافِقها ولا تُوفَّق إلا إلى مسعود، أسعدني الله وإياكم بتقواه وبالأعمال الصالحة – إن شاء الله -، فهذا معنى كونها خيراً من ألف شهر، هي خيرٌ من ألف شهر، هذا يا إخواني محض التكرم، محض الفضل، محض الجود الإلهي الرباني.

في الحديث القدسي وإذا باركت فليس لبركتي حد ولا مُنتهى، وهذه من بركة الله، هذا شهر رمضان، أيا ما أكرم هذا الشهر! أيا ما أكرم هذا الشهر! تُضاعَف فيه الحسنات ما لا تُضاعَف في غيره، وتعلمون هذا، وتُضاعَف فيه الأرزاق، أي أرزاق المُؤمِنين، ويُزاد من رزق المُؤمِن فيه، وأكثر من ذلك، تُضاعَف فيه النفحات الإلهية، العطايا الوهبانية، والمواهب الصمدانية، تُضاعَف حتى في هذا الشهر، وبُرهان ذلكم ليلة القدر، ليلة واحدة بألف شهر.

أيها الإخوة:

وغير بعيد أيضاً أن يكون من معنى كونها خيراً من ألف شهر أن الله يفتح لمَن أحب أن يفتح عليه من صالح عبيده أو من صالح عباده ما لا يُفتَح عليهم بمثله في ألف شهر من مُعتاد الأيام، يفتح عليهم في هذه الليلة من الفتوحات ويتنزَّل عليهم من التنزلات ويُعطيهم من العطايا ويهبهم من الهبات ما لا يُعطون مثله في ألف شهر من مُعتاد الأيام، فانظروا إلى أين يبلغون وإلى أن يصلون في ليلة واحدة، أي يُمكِن أن يرتفع الإنسان الصالح في هذه الليلة إلى مُرتقىً بعيد سامق جداً، وأن يصل مواصل بعيدة، وليس بعجب، وليس ببعيد.

إِنَّ المقاديرَ إذَا سَاعَدَتْ                                            أَلْحَقتِ العاجِزَ بالقادِر.

قال:

مَنْ لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ الْمُدَلَّلِ                                 تَمْشِي رُوَيْدًا وَتَجِي فِي الْأَوَّلِ.

وقيل:

إِنَّ المقاديرَ إذَا سَاعَدَتْ                                            أَلْحَقتِ العاجِزَ بالقادِر.

فهذا أيضاً معنىً مُحتمَل من معنى قول الحق – لا إله إلا هو – خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۩، قال لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۩، قد يُفتَح عليك أيها العبد المسعود ما لا يُفتَح عليك في ألف شهر من مُعتاد الأيام، في ليلة واحدة! نسأل الله ألا يحرمنا فضلها، وألا يحرمنا أجرها، وأن يُوفِّقها لنا، وأن يُعظِم لنا فيها الأجر، اللهم آمين.

أيها الإخوة:

يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام – في الحديث الذي خرَّجاه في الصحيحين من حديث أبي هُريرة، يقول – عليه السلام – مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً – إيماناً بالله سُبحانه وتعالى، وتصديقاً بموعوده وبكل ما جاء الخبر عنه سُبحانه به، واحتساباً إي طلباً للأجر فقط، لا مُراءةً ولا غير ذلك، يحتسب! هذا يكفيه، هو فقط مُكتفٍ بالأجر الذي عند الله، لا يُريد شيئاً من الناس، هذا معنى الاحتساب، حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ۩ أي كافينا، كافينا من الخلق، في الله غناء، في الله كفاء، في الله وفاء، من كل الخلق، ومن كل شيئ، قال إيماناً واحتساباً – غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، يُريد الذنب السالف، بعض الناس ذنوبهم سالفة في خمسين عاماً، تُغفَر إذا قاموا هذه الليلة إيماناً واحتساباً، بعضهم ذنوبهم على مدى ثلاثين عاماً، بحسب عمر الإنسان، يُغفَر هذا الذنب كله – إن شاء الله – بفضل الله، بفضل الله! وهذا حديث صحيح ثابت.

بل أخرج الإمام أحمد في مُسنَده من حديث عُبادة بن الصامت – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين -، قال قال – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – مَن قام ليلة القدر ابتغاءها – أيضاً ليس لأي غرض آخر، وإنما ابتغاء أن يُصيب هذه الليلة، وأن يتحصَّل على هذا الأجر الطائل وعلى هذا الثواب الجزيل – ثم وُفِّقت له – وهذا تعبير نبوي، وقد يرى البعض أو بعضٌ أن الأحرى أن يُقال ثم وُفِّق لها، لا! التعبير النبوي وُفِّقت له، كيف؟ كأن الأمر كله محض فضل إلهي، أليس كذلك؟ كأن الأمر كله هكذا، أنت فقط جالس تنتظر، وقد تُوفَّق لك أو لا تُوفَّق، إذن محض فضل إلهي، ومن هنا هذا التعبير العجيب، وُفِّقت له، وليس وُفِّق لها، قال مَن قام ليلة القدر ابتغاءها ثم وُفِّقت له، نسأل الله ذلك بفضله ومنّه – غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، زاد أحمد وما تأخَّر، هذه أبلغ والله، هذه أدخل في العطاء والجود والكرم، ونسأل الله أن يكون الأمر في واقع الحال كذلكم، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر يا إخواني، ليلة يُغفَر بها ذنب المُؤمِن كله – إن شاء الله -، كل الذنب! ما عمل منه وما لم يعمل، معنى ما تأخَّر أي ما لم تعمل بعد، مغفور قبل أن تعمله.

قد يقول قائل أليس في هذا تجريئاً وتجسيراً للمُؤمِن على الذنب؟ كلا، كلا! كيف يُمكِن أن تُوفَّق لمثل هذا العبد ثم يتجاسر على الذنب؟! إنه أكرم عند الله من ذلك، لأنها لا تُوفَّق إلا لكريم، لا تُوفَّق إلا لعبد صالح، إلا لعبد طيب مُطيَّب، طاهر مُطهَّر، عبد استخلصه الله – تبارك وتعالى -، نسأل الله أن يجعلنا منهم، كلا! وحتى ولو، فكل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون.

ولذا قالت عائشة يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ تسأل عن ماذا تدعو، فقال قولي اللهم إنك عفو تُحِب العفو فاعف عني، طبعاً كثيرون أو بعضٌ منا يود أن يُوافِق ليلة القدر، وأن تُوفَّق له، أي وأن تقع له، لماذا؟ لكي يدعو بالغنى وبالولد وبالمناصب وبالأشياء الدنيوية – والعياذ بالله -، أهذا هو؟ أهذا هو ما تُغامِر لأجله؟ أهذا هو ما تُريد أن تناله في هذه الليلة الشريفة؟ الدنيا؟ الدنيا كلها أخس من ذلك، الدنيا لا تُساوي شيئاً، الدنيا لا تُساوي لحظة عمل صالح مقبول – والله – من الله، لأن الدنيا زائلة، وأما العمل الصالح فباق، وعطاء الله بإزاء هذا العمل باق، مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۩، لا يُمكِن!

اللهم إنك عفو تُحِب العفو فاعف عني، قال يحيى بن مُعاذ – قدَّس الله سره – لو لم يكن العفو أحب شيئ إليه ما ابتلى بالذنب أعز الخلق عليه، حتى الأنبياء ابتُلوا، مثل آدم، قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۩، ومثل داود، وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ۩، الكل! ابتلى أحب الخلق إليه بشيئ من المُخالَفات، وكثيرين من الخلق بمُخالَفات كبيرة وصغيرة، حتى يعودوا إليه، فيتفضَّل عليهم بالعفو – لا إله إلا هو -، فالعفو أحب شيئ إلى الرحمن، اللهم إن عفو تُحِب العفو فاعف عنا، اللهم آمين.

هذا الذي ينبغي أن نسأل الله – تبارك وتعالى -، لكن ها هنا مسألة، هل لليلة القدر علامات مخصوصة مَن رآها أو مَن تحسسها علم أنه أصاب ليلة القدر أو بالحري علم أن هذه الليلة هي ليلة قدر؟ قال بعض العلماء نعم، ومنها رؤية الأنوار، ومنها سماع المُخاطَبات الملائكية والسلامات الأملكية، يُسلِّمون! أي الملائكة، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ۩، تُسلِّم، وقيل سَلامٌ ۩ بمعنى سلاماً، فلا يقع فيها سوء، لا يقع فيها سوء وسنعرض لهذا بُعيد قليل، وقيل رؤية الأشجار ساجدة، وطبعاً الكافر والمحجوب لا يراها، لا يراها إلا السعيد المُوفَّق، يراها ساجدة، بعضهم كان يتذوَّق ماء البحر ليلة القدر فيراه عذباً فُراتاً، وغيره يجده مالحاً، إذن لا تُوفَّق هذه العلامات لكل أحد، وإنما لهؤلاء العباد المُوفَّقين الطيبين، إشارةً وبُرهاناً أنهم وافوا ووافقوا ليلة القدر.

وبعضهم أنكر ذلك كله، كالعلّامة الإمام ابن جرير الطبري، قال لم يصح شيئ في هذا، هذا غير صحيح، أنكره بالكُلية! وليس للإنكار هنا مساغ، لأن هذا على سبيل الكرامة، وقد قال الإمام أبو جعفر – رضيَ الله عنه وأرضاه، أي ابن جرير، أعني ان جرير – ولو كان ذلك كذلك أصابه مَن قام السنة كلها، هو يقول هناك صالحون يقومون ليس ليالي العَشر، إنما يقومون السنة كلها، ولا يرون شيئاً من ذلك، إذن هذا يدل على كذب مَن قال إنه تُرى فيها وتُسمَع فيها ما لا يُرى ولا يُسمَع في غيرها.

قال العلّامة ابن المُنَيِّر – رضيَ الله عنه وأرضاه – في الحاشية، قال كلا، كلا لا ينبغي هنا إطلاق القول بالتكذيب لذلك، غير صحيح! لماذا؟ وكلام ابن المُنَيِّر أكثر تحقيقاً وأكثر تدقيقاً، وسنرى كيف، قال ابن المُنَيِّر لأن ذلك يكون على سبيل الكرامة، فيُخَص به أقوام دون أقوام، ليس كل المُسلِمين يرون ذلك، ولا كل مَن قام السنة أو قام حتى ليلة القدر في واقع الأمر يرى ذلك، هذه كرامة، من باب الخارق، خارق المُعتاد، يسمع ما لا يُسمَع، ويرى ما لا يُرى، ويتحسَّس ما لا يُتحسَّس في تلكم الليلة، على سبيل الكرامة خرق المُعتادات لهؤلاء البشر الصالحين الكُرماء على الله وعند الله – تبارك وتعالى -، جعلنا الله منهم وبفضله ومنّه.

ثم قال ابن المُنَيِّر – رحمة الله تعالى عليه – ثم إن رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – لم ينف الكرامة، الكرامة موجودة وثابتة بالكتاب والسُنة، ولِمَ؟ ولِمَ لا يُكرَم المُكرَمون بالذات في مثل هذه الليلة وهي ليلة الكرم والجود والعطاء؟ لِمَ لا تظهر لهم كرامات؟ فالرسول لم ينف الكرامة، لكنه لم يحصر العلامة، هذا صحيح، ففي حديث أبي سعيد الخُدري كانت العلامة سنة إذ هي ماذا؟ هي نزول المطر، قال ابن المُنَيِّر وقد نشهد أكثر من رمضان وينقضي رمضان بطوله ولا ينزل المطر، مع أننا نقطع أن في هذا الرمضان ليلة قدر، أليست كذلك؟ إذن ليست العلامة فقط نزول المطر، في تلكم السنة النبي ضرب علامةً، أشَّر إلى هذه العلامة، وهي نزول المطر، في السنوات الأُخرى تظهر علائم أُخرى.

على كلٍ نحن نرتاح ونستروح جداً وكثيراً للقول الأول، أن هناك علائم وهناك إشارات وهناك خوارق وهناك كرامات في هذه الليلة، يراها العباد الصالحون والمُوفَّقون المسعودون حتماً بلا ريب وبلا شك، وقد وقع هذا لكثيرين، منهم أئمة وعلماء في الدين، ومنهم صالحون، ومنهم أُناس أيضاً من صالحي عامة المُسلِمين.

وقد حدَّثني أحد إخواني في هذا المسجد المُبارَك قبل ليال حديثاً، لكم فرحت به والله! ولكم غبطته عليه! فنسأل الله أن يُكثِّر من أمثال هؤلاء الصالحين المُبارَكين، قال قبل سنين – لعلها خمس سنين – حدث الآتي، وقال لا أدري يا شيخ ما هذا وأُريد أن أستفتيك، في ليلة السابع والعشرين – كانت ليلة السابع والعشرين – كنت جالساً وإلى جانبي ابنتي الصغيرة، ولها ثلاث سنوات أو ثلاث سنين، وزوجتي أيضاً، نذكر الله، ونقرأ القرآن، ونستغفر، على أنها ليلة من الليالي التي يُمكِن أن تكون ليلة القدر أو تقع فيها هذه الليلة المُبارَكة، قال وفجأة قبل مُنتصَف الليل سمعت كأن صوت نافذة فُتِحت فوق، أي في السماء، لا أزال أذكرها إلى الآن، قلت نعم، قال وإذا بنور آسر وغامر عم الغُرفة كلها، وليس نوراً كالنور الذي نراه في هذه الدنيا، نور عجيب! قلت له الله أكبر، ما شاء الله، تبارك الله، أرأته زوجك؟ قال نعم، ورأته ابنتي، وقالت يا أبتِ ما هذا؟ ما هذا الذي دخل الغُرفة؟ قلت إنها لعائلة صالحة، ما شاء الله، وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ۩، هذا هو، هذا هو! هذا هو السهر، هذا هو التعب، لا سهر على التلفاز والمُسلسَلات والكلام الفارغ، هذا هو، عائلة صالحة، يُكرِم الله الزوج والزوجة والبنت – بنت ثلاث سنين – بهذا، رضيَ الله عنهم وكثَّر من أمثالهم، قلت ما شاء الله، وقلت له بإذن الله هي حتماً ليلة القدر، وقد وُفِّق كثيرون من الصالحين لأشياء من هذا القبيل وأعجب وأقل وأكثر، وهذا يقع دائماً، وفي كل سنة، فلا تشكوا فيه، نحن لا نشك في ذلك أبداً – بحمد الله تعالى -، ولكن – ها هنا مسألة أُخرى – أيُشترَط أن يرى مَن يقوم هذه الليلة أمثال هذه المرائي العجيبة والخوارق المُعجِبة الغريبة؟ أيُشترَط في حقه ذلك لكي ينال ثواب الليلة؟ 

ذهب بعضهم كالعلّامة القاضي أبي بكر بن العربي المالكي والعلّامة الوزير المُهلبي والإمام ابن جرير الطبري وغيرهم إلى أنه لا يُشترَط ذلك، فقط مَن قام ليلة القدر – إن شاء الله، وليس من شرط أن يقومها كلها، يقوم قيام السُنة، يقوم أغلبها بإذن الله – فقد حاز ثواب هذه الليلة – إن شاء الله تعالى -، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني – أمير المُؤمِنين في الحديث – في كتابه الجامع وفي الموسوعة الحديثية فتح الباري شرح صحيح البخاري، قال وذهب الأكثر – أكثر العلماء – إلى أن ذلك يُشترَط، نعم! حتى تنال هذا الثواب الجزيل الموعود به نعم يُشترَط أن تعلم أنها ليلة القدر وأن ترى أشياء وأن تُحس أنها هي الليلة، لا فقط أن تقوم، قال ذهب الأكثر، قال ابن حجر ويدل له قوله – عليه الصلاة وأفضل السلام – في صحيح مُسلِم مَن قام ليلة القدر فوُفِّقت له، قال فُوفِّقت له، كيف يعرف؟ إذن لابد أن يعرف، مع أن هذا القول النبوي الكريم يحتمل أيضاً فُوفِّقت له في واقع الأمر، أي في نفس الأمر، لا أنه يعمل ذلك، هذا مُحتمَل أيضاً، لكن أيضاً يدل لهذا القول الحديث الذي تلوناه على مسامعكم قُبيل قليل، حديث أحمد عن عُبادة بن الصامت، يقول فيه – عليه السلام – مَن قام ليلة القدر ابتغاءها، فُوفِّقت له، إذن أيضاً هنا اشترط النبي بشكل واضح أن تُوفَّق له، والله أعلم، يقول ابن حجر الأكثر على ذلك.

ثم قال الإمام الحافظ – رحمة الله تعالى عليه – ولكن هذا لا يعني أن مَن قامها لا ينال الأجر الكثير والثواب الكبير، ينال أجراً كثيراً وثواباً كبيراً، لكن الكلام في الأجر الموعود به، أجر عبادة ألف شهر كاملة، نعم، هذا لا يناله إلا مَن وُفِّقت له الليلة وإلا مَن وافقها بحول الله وفضله، لكن كل مَن قامها – إن شاء الله – له أجر جزيل وثواب كبير، والفضل عميم، أي والفضل الإلهي عميم، وقد يكون القول الذي قال به الأقلون هو الأصح – الله أعلم – في حقيقة الأمر والحال، فعلينا أن نجتهد، وعلينا أن نشد المآزر، وعلينا أن نرغب في هذا الفضل الإلهي الكبير بغير كسل، بالذات في هذه الأيام والليالي الآخرة.

قال سعيد بن المُسيب مَن شهد العشاء – يُريد في جماعة، لقوله شهد – ليلة القدر … (ملحوظة هامة) حصل قطع في التسجيل للأسف، ثم عاد الأمر إلى ما كان عليه مع قول فضيلته:

أيها الإخوة:

استحب العلماء كالإمام عامر بن شراحيل الشعبي والإمام الشافعي أيضاً، استحبوا أن يجتهد في نهارها كما يجتهد في ليلها، تجتهد في الليل، ثم إذا أصبحت تجتهد أيضاً في النهار، وهذا مُتفرِّع على مسألة، هل يتبعها نهارها أو لا يتبعها؟ على كل حال نأخذ بالأحوط، فنجتهد في نهار العَشر الأواخر كما نجتهد في ليلها، نجتهد في الجميع، والأرجح أنها في هذا العَشر، والأرجح أنها مُتنقِّلة، لا تلزم ليلة بعينها، لا تلزم ليلة بعينها وتتنَّقل وبالذات في الأوتار، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – التمسوها في العَشر الأواخر، فإن ضعف أو أحدكم أو عجز فلا يُغلَبن على السبع البواقي.

أيها الإخوة:

كيف نقومها؟ نقومها مُصلين، مُتهجِّدين، داعين، راغبين إلى الله، مُتفكِّرين، تالين كلامه الكريم، بعض الأئمة كالإمام سُفيان الثوري قال الدعاء إلىّ في هذه الليلة أحب من الصلاة، كان يُحِب أن يدعو، لا أن يُصلي، الدعاء والرغبة إلى الله! ولكن رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – يا إخواني في ليالي العَشر وفي كل ليالي السنة كان يفعل الآتي، وكان يقوم كل يوم، وهذا مطلوب منه، هذا مطلوب وخاصة لرسول الله، مفروض على رسول الله خاصة، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ۩، أي خاصة لك، ولنا مسنون ومندوب، النبي كيف كان يقوم الليل؟ كان يتلو ويقرأ قراءة بترتيل، قراء مُرتَّلة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل الله ورغب إليها، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وعاذ أو استعاذ بالله – سُبحانه وتعالى -، وهذا أفضل ما يُمكِن أن يُعبَد الله به في أمثال هذه الليالي، أن تُصلي، أن تقرأ بترتيل وبتفكر، أن تجمع الفكر أيضاً والتمعن، أن ترغب إلى الله، وأن تطير إليه بجناحين من الرغب والرهب، هذا الأفضل، ونحن مُرتاحون لفعل رسول الله، وأيضاً نحن مُرتاحون لوعد الله – تبارك وتعالى -، فقد وعد الله – تبارك وتعالى – أن مَن شغله ذكري – وفي حديث آخر مَن شغلته تلاوة كتابي – عن مسألتي – سواء كان ذكراً عاماً أو سواء كان تلاوة القرآن الكريم – أعطيته أفضل ما أُعطي السائلين.

ولذا أحياناً أحس أنني أُحِب أن أقوم بعض الليل ولا أدعو بشيئ، فقط أقرأ القرآن في الصلاة، لماذا؟ لهذا الوعد الإلهي، أنا ربما أدعو لنفسي بشيئ ولا يكون فيه الخير، أليس كذلك؟ وربما لا يُجاب، أي في الدنيا، لا يُعجَّل جوابه، وربما… وربما… ولكن إذا قرأت أيها المُؤمِن وشغلك عن أن تدعو وترغب إلى الله بما يُصلِحك أعطاك الله أفضل ما يُعطي السائلين، إذن فالأرجح – إن شاء الله – والأنجح والأظفر هو ما فعل الرسول، اتكالاً على هذا الوعد الإلهي.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُسعِدنا بمُوافَقة هذه الليلة الشريفة الكريمة، وأن يُعظِم لنا فيها الأجر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                                      (الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله الطيبين، وصحابته المُبارَكين، وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلينا وعليكم، والمُسلِمين والمُسلِمات، معهم وفيهم وبهم أجمعين، اللهم آمين.

ثم أما بعد، أيها الإخوة:

قبل أن ننصرف من هذا المقام أُريد أن أدعوكم وأُرغِّبكم في بذل ما تسمح به نفوسكم وما تجود به هذه النفوس الكريمة من مال، من صدقات، من نفقات، من عطايا، تتزلَّفون بها إلى المولى الجليل – سُبحانه وتعالى -، لسد مسد هام وجليل عند الله – تبارك وتعالى -، سد مسد الأُسر المُسلِمة التي ذهب عائلها، إما بهجرة ولا عودة إلا أن يشاء الله، وإما بسجن طويل فيه صنوف العذاب الأليم – والعياذ بالله -، وإما بالقتل والتقتيل، هناك أُسر يُنكَّل بها في بعض بلادنا العربية الإسلامية، لأنهم فقط – أي لأن هؤلاء العائلين – يدعون إلى شرع الله – تبارك وتعالى – ويدعون إلى دين الله، صارت كلمة الشريعة أيها الإخوان وتطبيق الشريعة والعودة إلى الدين كلمة مُجرَّمة، كلمة مُجرِمة، تشمئز منها الجلود – والعياذ بالله -، جلود المُنافِقين، جلود الكافرين، الذين كفروا بهذا الشرع، لو لم يكفروا به لما سخروا منه ولما قتَّلوا كل مَن دعا إليه ولما كان موقفهم منه هذا الموقف – والعياذ بالله -، وقد قال – تبارك وتعالى – فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ۩، المرجع هو الله ورسوله، لابد أن نرجع في كل شؤون حياتنا إلى ما شرع الله وإلى ما شرع رسوله بأمر الله طبعاً.

فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ۩، قال الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق – عليه السلام – والله الذي لا إله إلا هو لو أن أحداً وجد في نفسه حرجاً يسيراً من قضاء الله أو رسوله لكان كافراً، فكيف بمَن وجد الحرج كله؟ لا يجدون الحرج إلا في كلمة الشريعة وتطبيق الشريعة والقرآن والسُنة والفقه الإسلامي، يجدون كل الحرج وكل الضيق، فهم لا يتورَّعون عن تقتيل وتعليق الدُعاة إلى هذه الشريعة السمحة على أعواد المشانق، بتُهمة أنهم رجعيون مُتخلِّفون وعملاء، عملاء! العودة إلى الإسلام الآن هذه عمالة، نعم إنها عمالة لله ورسوله – إن شاء الله -، ونسأل الله أن نموت ونحن نعمل لله ونحن نعمل لأجل هذا الدين.

فيا أيها الإخوة لا تبخلوا على هذه الأسر بالذات، لأن أحد هؤلاء الفجرة الفسقة المُجرِمين أقسم يوماً وكأنه يعرف الله الذي يُقسِم به، ولا ندري بِمَ أقسم، أقسم أنه ليُضيِّقن وليُحاصِرن أُسر هؤلاء الدُعاة إلى شرع الله، حتى يضطر نساءهم إلى التكسب بأعراضهن، لعنة الله تعالى عليه، فهذا ليس فعل لا مُسلِم ولا كافر لديه مروءة، المروءة لا تسمح بذلك، بغض النظر عن إيمان وعن كفر، المروءة لا تسمح بذلك، فلعنة الله على الظالمين، وخلَّصنا الله منهم أجمعين، ويسَّر لهذه الأمة أمراً يُعِز فيه أولياءه، ويُذِل فيه أنوف أعدائه، ويُعمَل فيه بطاعته، ويُدعى فيه إلى سُنة نبيه، ويُؤمَر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المُنكَر، اللهم آمين.

وأيضاً أيها الإخوة فبعد الصلاة – إن شاء الله – سيدور إخواننا – بارك الله فيهم – لكي يجمعوا هذه الصدقات، فادفعوا وتبرعوا بهذه النية، لهذه الأُسر المحصورة المأسورة، التي يُراد لها أن تفقد بعد أن فقدت عائليها شرفها ودينها وعرضها، ونسأل الله ألا يكون ذلك.

أيضاً لا يفوتني أيها الإخوة أن أُنبِّه إلى أن الجُمعة القادمة ستكون الجُمعة الأخيرة في هذا الشهر الكريم، ونسأل الله ألا تكون آخر جُمعة في حياتنا من جُمع رمضان المُبارَك، وأن يُعيد علينا رمضان أعواماً عديدةً وأزمنةً مديدةً، وأن يكتبنا فيه من المقبولين، وأن يُيسِّرنا فيه لخير العمل وعمل الخير، اللهم آمين.

ولذا نُذكِّر بموضوع الصدقات وبموضوع الحصّالة التي ذكرناها في أول الشهر، فنحن نُريد – إن شاء الله – أن نُفرِغ ما ادخرناه وما أخرجناه بنية الصدقة من أول هذا الشهر إلى آخره – إن شاء الله تبارك وتعالى -، وذلكم بعد صلاة الجُمعة القادمة – إن شاء الله تعالى -، فنسأل الله – عز وجل – أن يتقبَّل منا أجمعين، وأن يُصلِحنا، وأن يُصلِح بنا.

اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، واهدِنا واهدِ بنا، ويسِّر لنا الهُدى يا رب العالمين.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا جميعاً، اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، ولا إله إلا أنت.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعوات.

اللهم ارحمنا في هذا الشهر الكريم، اللهم اغفر لنا فيه ذنبنا كله، دقه وجله، قديمه وحديثه، ظاهره وخافيه، يا رب العالمين.

اللهم وأعتق فيه رقابنا من نار جهنم ورقاب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وأزواجنا وذُرياتنا وجيراننا وصديقنا ومشايخنا والمُسلِمين والمُسلِمات أجمعين، بفضلك ومنّك ورحمتك، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم المسؤولين، ويا أجود الأجودين.

اللهم إنا نسألك ونبتهل إليك بالدعاء والضراعة أن تنصر الإسلام والمُسلِمين، وأن تُعلي بفضلك كلمتي الحق والدين، اللهم انصر مَن نصر المُسلِمين، واخذل مَن خذل المُسلِمين.

اللهم انصر إخواننا المُجاهِدين في فلسطين، وانصر إخواننا المُجاهِدين في الشيشان، وفي كل بلاد الله، اللهم انصرهم نصراً عزيزاً مُؤزَّراً، اللهم لم شملهم، واجمع كلمتهم، ووحِّد صفوفهم، وسدِّد رميهم، وثبِّت خُطاهم وأقدامهم.

اللهم ثبِّت الأرض تحت أقدامهم يا رب العالمين، اللهم املأ قلوبهم شجاعةً وإيماناً وإقداماً، اللهم وسدِّد رميهم، اللهم أمدهم بملأ من جُندك، وأنزِل عليهم سكينتك ورَوْحك، يا رب العالمين.

اللهم واربط على قلوبهم وقو جأشهم، اللهم أحص أعداءنا وأعداءهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تُبق منهم أحداً، اللهم أدِر عليهم دائرة السوء، فإنهم لا يُعجِزونك، وأرِنا فيهم عجائب قدرتك وآيات غضبك وانتقامك وسخطك، يا رب العالمين.

اللهم إنا نشكو إليك ثُكل الثكالى، ويُتم اليتامى، ومُصاب المُصابين، وخوف المُفزَّعين، وأسر المأسورين، وحصار المحصورين، يا رب العالمين، اللهم فك عنهم ذلك، وفرِّجه عنهم، بقدرتك وحولك، فأنت الذي قضيت.

اللهم لولا عطاؤك لما فُزنا، ولولا قضاؤك لما هلكنا، اللهم فجُد بما أعطيتنا بفضلك على ما قدَّرت علينا بقضائك، يا رب العالمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله يذكركم، واشكروه يزِدكم، وسلوه من فضله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

 (2000)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: