الدرس العشرون
تفسير سورة المائدة من الآية الأولى إلى الآية الحادية عشرة

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا رب لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مُبارَكاً فيه كما تُحِب وترضى، لا نُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩، اللهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً، تقبَّل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا وركعونا وسجودنا ودعاءنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ۞

أما بعد، أيها الإخوة الأفاضل، أيتها الأخوات الفاضلات:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، نحن اليوم – إن شاء الله تبارك وتعالى – مع موعد مع سورةٍ جديدةٍ من السبع الطوال، إنها سورة المائدة، وأيضاً من أسمائها سورة العقود، لأن الله – تبارك وتعالى – ابتدأها بقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ۩.

جاء رجلٌ إلى عبد الله بن مسعود – رضوان الله تعالى عليه – وقال له يا أبا عبد الرحمن اعهد إلىّ، أي أوصني، أوصني وصية تكون كالعُهدة عندي، فقال له ابن مسعود – رضيَ الله عنه وأرضاه – إذا رأيت الله – تبارك وتعالى – يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ۩ فأرعها سمعك، أي انتبه واهتم جداً بهذا النداء، لأنه إما خيرٌ يأمر به أو شرٌ ينهى عنه، إذا قال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ۩ انتبه ودقِّق، قال فأرعها سمعك، لأنه إما خيرٌ يأمر به أو شرٌ ينهى عنه، وهكذا ابتدأها – تبارك وتعالى – بقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ۩، والعقود هي العهود، والعهود التي تكون بين البشر بعضهم وبعض، كالأحلاف وما شاكل، وأيضاً يدخل في جُملة وفي عموم العقود أو العهود العهود التي بين الله وخلقه، وهي من أوثق وآكد العهود.

أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ۩، بهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم، أي الضأن والمعز كما وضَّح ذلك – تبارك وتعالى – في سورة الأنعام في آيات الأزواج الثمانية.

أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ۩، المقصود هو قوله – تبارك وتعالى – حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ۩، كل هذه الأشياء مُحرَّمة، فهي مُستثناة هنا، إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ۩، طبعاً إذا أدخلنا أشياء ليست من بهيمة الأنعام كان الاستثناء مُنقطِعاً، إذا أدخلنا كل الأشياء المُحرَّمة وهي ليست من الأنعام كان الاستثناء مُنقطِعاً بمعنى لكن، لكن ما يُتلى عليكم هذا اجتنبوه، لكن ما يُتلى عليكم هذا ينبغي أن يُجتنَب.

إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۩، ما معنى أن يكون الإنسان حراماً كما تعلمون؟ الحرام عكس الحلال، يُقال رجل حرام وامرأة حرام وهما حرام وهم حرام وهن حرام، مثل لفظ جُنب، لفظ جُنب يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأُنثى، ما معنى حرام؟ ضد حلال، أي المُحرِم، الذي أحرم إما بحج أو عُمرة أو بهما معاً، أي أحرم بالنُسك.

إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۩، هذا من البدائه أيها الإخوة، من بدائه الأحكام الشرعية أنه لا يجوز للمُحرِم بنُسك أن يصيد ولا يجوز له أن يدل على صيد ولا يجوز له أن يُعين على صيد، وقد استمعتم في درس من دروس السبت إلى الحديث الذي في الصحيحين بهذا الخصوص، حتى الدلالة ممنوعة، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ۩.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ۞

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللَّهِ ۩، اختُلِف في المُراد بشعائر الله تبارك وتعالى، قيل هي شعائر الحج، أي هي مناسك الحج فينبغي أن تُوقَّر وينبغي أن تُحترَم وينبغي أن تُرعى لها مثابتها، وقيل شعائر الله – تبارك وتعالى – أعم من أن تكون شعائر الحج فقط، أي الشعائر بشكل عام.

وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ۩، الشهر الحرام يُمكِن أن يكون اسم جنس، أي الأشهر الحرام، ليس شهراً واحداً، وفي الصحيحين من خُطبته – عليه الصلاة وأفضل السلام – في حجة الوداع قال ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، ما معنى هذا التركيب العجيب؟ ما معنى أن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض؟ يوم خلق الله السماوات والأرض خلق العام وفيه اثنا عشر شهراً، وحرَّم الله أربعة منها، قال مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۩ كما في سورة براءة أو سورة التوبة، لكن الكفّار أيضاً كما في سورة براءة أو التوبة أحدثوا واستحدثوا في هذه الأشهر الحُرم ما خالفوا وتجانفوا به أمر الله وتنكَّبوه سواءه سُبحانه وتعالى، جعلوا يُحِلون بعضاً ويُحرِّمون بعضاً وينسأون في التحريم، قال تعالى إنما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۩، ينسأون تحريم الشهر، يقولون هذا الشهر الآن – مثلاً هو ذو القعدة – نُريد أن نستحله فننسأ حُرمته إلى شهر آخر، إلى صفر مثلاً، هذا لعب! النبي قال هذا انتهى، هذا العبث بشعاشر الله والعبث بحُرمات الله انتهى، وعاد الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۩، إذن اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، حدَّدها النبي، ذو القعدة وذو الحجة والمُحرَّم، قال هذه ثلاثة سرد، أي مُتتابِعات مُترادِفات ومُتواليات، وواحد فرد كما قال النبي في حديث آخر، وواحد فرد وهو رجب مُضَر، رجب مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان، ويُسمى رجب الأصم، والأصم تعني الفرد، لماذا؟ لأنه انفرد من بين هذه الأشهر الأربعة، فهذه هي الأشهر الحُرم، عادت حُرمتها كيوم خلق الله السماوات والأرض.

وَلاَ الْهَدْيَ ۩، الهدي هو ما يُهدى إلى البيت، وقد تقدَّم طبعاً أنه من أعظم القُربات، ولا يجب الهدي على مَن؟ على المُفرِد، وإنما يجب على القارن وعلى المُتمتِّع، وقد يجب الهدي دماً لبعض مَن تلبَّس بمُخالَفات.

وَلاَ الْقَلائِدَ ۩، ما معنى القلائد؟ كانوا يُقلِّدون الهدي، أي يضعون فيه بعض الخيوط المفتولة وبعض الأشياء من باب التعليم، لكي يُعلَّم ويُعرَف أنه مُهدىً إلى البيت، فلا يُتعرَّض له بسوء، وفي الصحيحين أيضاً من حديث عائشة أنه – عليه الصلاة وأفضل السلام – قلَّد هديه، كانت مُقلَّدة كلها، أي الإبل التي أهداها للبيت عليه الصلاة وأفضل السلام.

وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۩، أيضاً لا تستحلوهم، لا تستحلوا دماءهم، لا تستحلوا حربهم، ممنوع! وينبغي أن يُؤمَّنوا حتى وإن كانوا مُشرِكين، هذا في الأول – حتى وإن كانوا مُشرِكين – وطبعاً بعد ذلك تعلمون أنه نزل ما نسخ هذا الشيئ، ولم يُقبَل الشرك من مُشرِكي العرب، لم يُقبَل منهم إلا الإسلام أو السيف، أي العرض على السيف، وسيأتي سبب نزول هذه الآيات، مع أن سورة المائدة من آخر ما نزل، من أواخر السور نزولاً، ولذلك روى الإمام أبو عبد الله الحاكم بن البيع – رحمة الله عليه – في مُستدرَكه على الصحيحين عن عائشة – رضوان الله تعالى عليها – أنها قالت لما دخل عليها جُبير بن نُفير سورة المائدة آخر ما نزل، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرِّموه، وذلك بعد أن سألته أتقرأ المائدة؟ فقال نعم، فقالت له هي آخر ما نزل، فما وجدتم وما وجدتم، أي فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرِّموه

قال – تبارك وتعالى – يَبْتَغُونَ فَضْلاً ۩، هذه سبق تفسيرها في سورة البقرة، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۩، إذن  يَبْتَغُونَ فَضْلاً ۩ هو وجوه المتاجر والمكاسب، مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۩، قال ابن عباس – رحمة الله عليه – أي يترضونه بهذا النُسك، سواء أكان حجاً أو عُمرةً، يفعلونه من باب التزلف وترضي الله واستعتابه سُبحانه وتعالى.

وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ۩، إذا صرتم وعُدتم حالتكم الأولى حلالاً وانتهيتم من أنساككم فَاصْطَادُواْ ۩، وقد سبق في دروسنا في أصول الفقه أن الصحيح الذي يصمد أمام السبر وأمام الاختبار أن الأمر بعد الحظر – هذا الصحيح، هذا أقوى في هذه المسألة – يُفيد ماذا؟ إعادة الحُكم إلى ما كان عليه قبل، هذا الصحيح! لا تقل لي الأمر بعد الحظر يُفيد الإباحة، لا! أحياناً يُفيد الوجوب، أحسن شيئ هو أن الأمر بعد الحظر يُفيد ماذا؟  إذا حظر الله – ما معنى حظر؟ حرَّم، أي حرَّم الله – ومنع من شيئ – تبارك وتعالى – ثم عاد فأمر – قال اصطاد – فإن هذا الأمر يُفيد ماذا؟ يُفيد الإباحة أو الندب أو الجوب؟ كلها مذاهب ضعيفة، أقوى شيئ – قلنا هذا وقدَّمنا له في دروس الفقه على ما أذكر، هذا هو رأي المُحقِّق الكمال بن الهُمام رحمة الله تعالى عليه، وهو رأي قوي جداً في التحرير وفي شروح التحرير على ابن الهُمام، هذا من أقوى المذاهب الأصولية – أن الأمر يعود إلى ما كان عليه الأمر قبل، إذا كان الشيئ في الأصل – من حيث الأصل – مُباحاً ثم حُظِر ثم أُمِر به فيعود إلى الإباحة، إذا كان مندوباً ثم حُظِر ثم عاد الأمر فيعود إلى الندب، وكذا الواجب وإلى آخره، إذن وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ۩، الصيد من حيث الأصل ما حُكمه؟ مُباح، إذن هنا مُباح، وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ۩.

وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ ۘ ۩، وقف لازم هنا، نقف حتى نفهم، قال وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ۩ أي لا يحملنكم، أي لا يدفعنكم، لا يحملنكم شَنَآنُ ۩، قال ابن عباس الشنآن هو البُغض، وشنأه أبغضه، وقال فيه ما باعثه البُغض، أي بسبب البُغض، وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ۩ أي لا يحملنكم بُغضكم لقوم أو أقوام، أَن صَدُّوكُمْ ۩ بسبب صدهم إياكم، عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۩، هنا الكلام بخصوص الحُديبية، لما خرج النبي وأصحاب وأتباعه – عليه الصلاة وأفضل السلام – عام الحُديبية خرجوا آمين البيت ناسكين فمنعتهم قريش، منعتهم! فهذا سبَّب مزيداً من البُغض ومن الحزازة ومن المرارة في نفوس الرسول وأصحابه، الله يقول لا يحملنكم بُغضكم إياهم على أن تعتدوا، ما المقصود بتعتدوا؟ تتعدوا حُكم الله فيهم، وذلكم أنه عام الحُديبية رأى الرسول وأصحابه جماعةً من أهل الشرق – إذا قرأتم في الأحاديث الصحيحة في البخاري أو في مُسلِم من أهل الشرق أو من أهل المشرق يكون المقصود ماذا؟ من جهة نجد، وبعد ذلك جهة العراق، لكن المقصود أولياً جهة نجد، أي جاءوا من جهة نجد، يقول من جهة الشرق أو من جهة المشرق – وقد أموا البيت مُعتمِرين، فقال بعض الصحابة لنمنعنهم كما مُنِعنا، وهم كانوا قلة وضعافاً، قلة! أي مجموعة قليلة، قالوا لنمنعنهم فأنزل الله هذه الآية، ممنوع! ولا يجرمنكم بُغضكم – أي لا يحملنكم بُغضكم – لأقوام بسبب أنهم صدوكم عن المسجد أن تصدوا أنتم أيضاً الآخرين، لا يجوز، وهذه أشهر حُرم، دعوهم ولا تتعدوا حُكم الله فيهم، هذا معنى العدوان هنا، انتبهوا! هذا معنى العدوان، قال أَن تَعْتَدُواْ ۘ ۩.

ثم قال وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى ۩، البر كلمة عامة كما قال السادة العلماء، البر كلمة عامة، يدخل فيها كل ما يُتقرَّب به إلى الله، هل هذا واضح؟ قد تقول ما البر؟ كل ما تتقرَّب به إلى الله هو من وجوه المبرات، والتقوى تكلَّمنا فيها غير مرة.

وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۩، وفي الحديث الصحيح قال – صلى الله عليه وسلم – عن أنس – أي من رواية أنس – انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قال يا رسول الله هذا نصرته مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال بمنعه وحجزه عن الظلم، يجب أن نتعاون دائماً على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان، وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ۩.

۞ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۞

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ۩، الميتة أيضاً كلمة عامة، يدخل فيها ماذا؟ يدخل فيها كل ما كان أكله حلالاً من حيث الأصل لكنه مات حتف أنفه، لكن الميتة أنواع، وطبعاً هنا يهمنا ماذا؟ ميتة الحلال، فنحن طبعاً لا نقول ميتة المُحرَّم، لأن المُحرَّم أصلاً حتى لو لم يكن ميتاً هو مُحرَّم ولا يُزكى، انتبهوا! فالتعريق الفقهي الدقيق – الجامع المانع – هو كل ما كان أكله حلالاً من حيث الأصل – أكله حلال – لكنه مات حنف أنفه، أي من غير تزكية، وهنا الله – تبارك وتعالى – سوف يُعدِّد لنا صنوفاً وأنواعاً على سبيل التمثيل من الميتة هي أعمها، أي هي أعم الأنواع التي يطرد وجودها وحدوثها، قال حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ۩، سوف نرى هذا.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ۩، هنا الدم مُطلَق، أليس كذلك؟ لم يُقيَّد، قال وَالدَّمُ ۩، كل الدم مُحرَّم، لكن بعد ذلك في سورة الأنعام قال – عز من قائل – قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩،  إذن قال ماذا؟ أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ۩، الدم المُراق أو الدم المُهراق الذي ليس في العروق، الدم الذي في العروق والدم المُتجمِّد كالكبد والطحال حلال بنصوص الكتاب وبنص حديث رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – الذي أخرجه أمامنا أبو عبد الله الشافعي في مُسنَده والدارقطني وابن ماجه وأحمد وغيرهم كثير: أُحل لنا ميتتان ودمان، الميتتان ما هما؟ الجراد والسمك، والدمان ما هما؟ الكبد والطحال، قال أحدهم يسأل حبر الأمة ابن عباس أيحل لنا هذا؟ يسأل عن الطحال، قال نعم، قال إنه دم! قال ليس بمسفوح، إنه مُتجمِّد، الله قال أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ۩، فحتى بالآية الكريمة من غير الحديث واضح أنه حلال لأنه ليس مسفوحاً، والدم الذي يبقى في العروق بعد الطبخ وربما ينز أو يخرج من العروق ويُصبِح حزوزاً – أي خطوطاً – على القدور مُباح بنص الأحاديث الصحيحة الثابتة المُشتهِرة، هذا معفو عنه، إذن الدم المسفوح مُحرَّم، لكن الدم في العروق حلال، أنت حين تأكل دجاجة أو قطعة لحم يكون فيها دم، يبقى فيها دم، هذا معفو عنه، هل هذا واضح؟

وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ ۩، بعض المُتحذلِقين يقول اللحم فقط، لكن الشحم والعظم وما إلى ذلك – كل الأشياء الأُخرى – غير مُحرَّم، هذا الكلام غير صحيح، في اللُغة العربية يُوجَد توسع في إطلاق اللحم وهذا على الصحيح بل الأصح، الأصح أن كلمة أو لفظ اللحم يدخل فيه الشحم أيضاً ويُسمى لحماً، أي أن الشحم يدخل في مُسمى اللحم، والحقيقة أن الخنزير كله حرام، كله حرام الخنزير، لا يُوجَد أي جُزء منه حلال، حرام، غير حلال.

وفي الحديث الذي أخرجه مُسلم عن بُريدة بن الحُصيب – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – قال: قال – صلى الله عليه وسلم – مَن لعب بالنردشير فكأنما غمس أو قال صبغ – غمس أو صبغ – يده في لحم خنزير ودمه، قال العلماء والحفّاظ وشرّاح الحديث إذا كان هذا الوعيد والتنفير بُمجرَّد غمس اليد في لحمه ودمه فكيف بأكله والانتفاع به؟ مُحرَّم! الخنزير مُحرَّم أشد التحريم والعياذ بالله تبارك وتعالى.

طبعاً السادة الظاهرية – تعرفون ابن حزم وجماعته – حاولوا أيضاً أن يفتنوا في هذه الآية وأباحوا بعض الأشياء من الخنزير وتحذلقوا أمام الآية، المُهِم أن هذا خلاف اللُغة العربية.

وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۩، ما معنى وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۩؟ ما ذُبِح على اسم غير اسم الله تبارك وتعالى، أي باسم الطاغوت الفلاني أو باسم الوثن الفلاني أو باسم الرب المزعوم الفلاني، ممنوع – والعياذ بالله – هذا، وهذا من صنيع المُشرِكين والكفرة.

وَالْمُنْخَنِقَةُ ۩، سواء خُنِقَت قصداً – أي واحد خنقها – أو خطأً كأن تختبط بحبلها – مثلاً – فتخنق نفسها، المُهِم بغض النظر عن هذا إذا اختنقت هي ولم تُزك زكاة شرعية فهي حرام.

وَالْمَوْقُوذَةُ ۩، بالذال المُعجَمة، قال وَالْمَوْقُوذَةُ ۩، ما معنى وَالْمَوْقُوذَةُ ۩؟ التي ضُرِبَت بشيئ، بحديدة أو بخشبة أو بأي شيئ، ضُرِبَت حتى زهقت روحها أو نفسها، هذه تُسمى الموقوذة.

وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – قال قلت يا رسول الله فإني أضرب بالمعراض أفيحل لي؟ قال إن خزق فكله، عنده حديدة هكذا مُدبَّدبة الرأس، فإن خزقت – أي برأسها دخلت ونفذت – يُمكِن أن يأكل، جائز! قال إن خزق فكله، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل فإنما هي وقيذة، فعيلة بمعنى مفعولة، أي موقوذة، نفس الشيئ! الوقيذة هي الموقوذة، فعيل بمعنى مفعول، لكن إن خزق يجوز، إن لم يخزق – أي بالعرض هكذا – وماتت بسبب الصدمة أو قوة الصدمة فإنما هي وقيذة، أي كأنك ضربتها، لا يجوز، وهذا في الصحيحين.

وَالْمُتَرَدِّيَةُ ۩، المتُردية بمعنى التي وقعت وهوت من حالق، نحو جبل أو نبكة أو تلة وما إلى ذلك، أو التي تهوي في بئر، نفس الشيئ! التي وقعت في بئر فماتت – نفس الشيئ – كالتي وقعت من فوق جبل، وهذا قول السُدي وهو صحيح.

وَالنَّطِيحَةُ ۩، النطيحة هي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها وإن كان في مذبحها، حتى لو نطحتها في مذبحها وسال دمها فهي أيضاً ميتة.

وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ۩، نحو كلب مُفترِس أو ذئب أو ثعلب أو فهد أو نمر أو أسد، كل هذه تُسمى السباع، كلها تُسمى السباع! قال وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ۩ ثم استثنى فقال إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ۩، وهذا الاستثنثاء لا يعود على المذكور كلها، وإنما يعود على ما يصلح أن يعود إليه وعليه، مثلاً لحم الخنزير لا يصلح وما أُهِل لغير الله لا يصلح، ما الذي يصلح إذن؟ المُخنِقة والموقوذة والمُتردية والنطيحة وما أكل السبع، هذه الأشياء الخمسة إذا أدركتها وفيها رمق وذبحتها فاختلجت – أي تحرَّكت حركة المذبوح وحركة الحياة – فهي حلال إن شاء الله تعالى، هل هذا واضح؟ حلال بنص القرآن الكريم حتى وإن أكل منها السبع أو غير ذلك، لكن تعود فقط على هذه الخمسة، قال إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ۩، وكانت الأنصاب حول الكعبة والعياذ بالله، حجارة! كانت ثلاثمائة وستين حجراً، يُهرِقون عليها نذورهم لطواغيتهم ولأوثانهم ويذبحون عليها، هذا لا يجوز أيضاً، لأنه ذبح لغير الله، ذبح لآلهة مزعومة، وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلامِ ۩، جمع زَلَم أو زُلَم، الأزلام جمع زُلَم أو زَلَم بفتح أوله وتحريك ثانيه، ما هو الزَلَم أو الزُلَم؟ خشبة أو قِدْح، يُقال له القِدْح وليس القَدَح، القَدَح هو الكوب من خشب والقِدْح هو الزَلَم أو الزُلَم، له القِدْح المُعَلَّى! فهذه خشبة وفي العادة يكون هناك ثلاث خشبات، يكتبون على واحدة منها أمرني ربي وعلى الثانية نهاني ربي وعلى الثالثة لا شيئ، غُفل! أي تكون غُفلاً، متروكة! ثم يضربونها ويسحبون، أي مثل القمار، فإذا خرج الذي فيه أو عليه أمرني ربي مضى لشأنه، فمثلاً هو يُريد أن يُسافِر ويُريد أن يعرف حظه وقسمه وما الخير له، والأُقسومة في اللُغة العربية هي الحظ، هذه الأُقسومة! يُقال فلان أُقسومته طيبة، أي حظه جيداً، وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلامِ ۩، وإذا خرج الذي عليه نهاني ربي لم يخرج، فلا يخرج في سفره – مثلاً – أو لا يمضي على وجهه، وإذا خرج الغُفل الذي ليس فيه شيئ أعاد الاستقسام، أي يضرب مرة أُخرى حتى يخرج أحد الاثنين، بعضهم يقول كان افعل ولا تفعل وما إلى ذلك، وهذا نفس الشيئ! افعل ولا تفعل أو امرني ربي ونهاني ربي نفس الشيئ.

ولما دخل النبي – وهذا في الصحيح وفي السير، مذكور في كل كُتب السير – عام الفتح البيت – شرَّفه الله وزاده مهابةً وكرامةً وبراً – وجد صورتين لإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلوات والتسليمات – أي مُصوَّرين في صنمين أو تمثالين – وهما يحملان الأزلام، فقال قاتلهم الله، والله ما استقسما بالأزلام قط، قال هذا كذب وافتراء على نبي الله، هل إبراهيم وإسماعيل كانا يستقسما بالأزلام؟ صوَّروهما وهما يحملان الأزلام، هذا كذب – والعياذ بالله – وتبرير لشركهم.

ذَلِكُمْ فِسْقٌ ۩، عدوان وخروج عن حدود الله، الفسق هو الخروج دائماً، وكل عاصٍ فقط خرج عن حد الله تبارك وتعالى، قلنا قبل ذلك معنى الفسق.

الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ۩، كيف يئسوا من ديننا؟ كيف؟ قطعوا الأمل أو التأميل من أن نُراجِع دينهم، أي نترك ديننا وأن نرجع إلى دينهم، الله قال لهم لا، هذا انتهى، مُستحيل! أدرك المُشرِكون أن الصحابة من المُستحيل أن يعودوا عن التوحيد إلى الشرك وأن يصبأوا عن الإسلام، مُستحيل!

وفي الصحيح – في صحيح مُسلِم طبعاً – قال – صلى الله عليه وسلم – إن الشيطان يئس – الشيطان نفسه – أن يُعبَد غير الله في جزيرة العرب، لكن رضيَ بالتحريش بينكم، أي بين المُسلِمين تحريش وخلافات ومشاكل، لكن أن يُعبَد غير الله في هذه الجزيرة مُستحيل إن شاء الله تعالى، انتهى! وفي الحديث المشهور الذي ذكرته غير مرة إني لا أخشى على أُمتي الشرك بعدي، انتهى! يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ۩، يُقال أيس ويئس، وفي القراءات المشهورة لقوله أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ۩ يُقال أفلم ييأس وأفلم يأيس.

فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۩، لا تخشوهم لمُخالَفتكم لهم في دينهم، فأنا أحق بالخشية، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ۩، روى العلّامة المُفسِّر ابن جرير الطبري بإسناده عن الفاروق – رضوان الله تعالى عليهم وأرضاهم أجمعين – أنه حين نزلت هذه الآية أو أُنزِلت بكى، فقال له رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – ما الذي يُبكيك يا عمر؟ قال يا رسول الله قد كنا في زيادةٍ من ديننا – أي دائماً كنا ننتظر الوحي والأحكام الجديدة والتشاريع الجديدة وهكذا، هذا معنى قد كنا في زيادةٍ من ديننا – فإذ قد كمل وتم فما بعد الكمال إلا النقصان، قال صدقت، النبي قال له هذا فهم سديد، قال:

إذا تَمَّ أمرٌ بدا نَقصُهُ                                       تَرقَّبْ زوالاً إذا قيلَ تَم.

طبعاً ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، كل شيئ له نهاية، إذا بلغها بعد ذلك تبدأ النهاية، سُبحان الله بداية النهاية، في كل شيئ، هذا قانون!

وفي الصحيحين وفي غير الصحيحين – هذا حديث مروي من طرق كثيرة جداً جداً وشهير جداً وأصله في الصحيحين وفي مُسنَد أحمد – أن حبراً يهودياً جاء وقال يا أمير المُؤمِنين – يُخاطِب الفاروق رضوان الله تعالى عليه ورحمته – إن في كتابكم لآية لو علينا معشر يهود أُنزِلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، وفي رواية قال – أي اليهود قال – الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۩، وفي رواية في البخاري – هذا لفظ البخاري – قبل أن يقول قال عمر والله إني لأعرفها وأعرف متى نزلت وأين نزلت وفي أي ساعة، نزلت عشية عرفة – بعد العصر قال – على رسول الله في يوم جُمعة، في إحدى الروايات عن سُفيان قال أشك هل قال يوم جُمعة أو لم يقل، وهذا من تورعه في الرواية والاحتياط، لكن ثابت هذا اللفظ عن غيره، كان في يوم جُمعة عشية عرفة، قال عمر الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ۩ قال أنا أعرف حتى الآية، أنت تُغرِب وتُلغِز وأنا أعرفها، قال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ۩، وهذا صحيح خُوطبت به أمة الإجابة لكن أيضاً هو للبشر أجمعين، لماذا؟ لأنه ما دين بعد هذا الدين ولا نعمة بعد هذه النعمة، وقد استمعنا اليوم في الخُطبة كيف أن النبي ناشد ربه واستنجزه نصره ووعده وقال إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبَد بعد اليوم في الأرض أبداً، لماذا؟ لأنه يعلم أنه آخر الأنبياء والمُرسَلين، أليس كذلك؟ وهذه أمته، إذا هلكت انتهى الأمر، لن يُوجَد توحيد إلى أن تقوم الساعة، لأنه يعلم أنه آخر الأنبياء والمُرسَلين، يعلم ذلك حتماً عليه الصلاة وأفضل السلام.

فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩، المخمصة هي الجوع، مَن أصابه جوع يُقال عنه خمصان، فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ۩، ما معنى مُتَجَانِفٍ ۩؟ أي مائل، قاسط، من قولهم الجنف وهو الميل، الجنف هو الميل ويكون في الحكومة وفي القضاء، فهو في الحكومات، يُقال جنف والجنف هو الظلم، أي الميل عن الحق، ومنه قولهم فلان يتجانف في مشيته، أي يتمايل ويتمايد، فحين يتمايل ويتمايد يُقال يتجانف، فالجنف والتجانف هو الميل، الميل لماذا؟ للإثم، أنت لا تقصد المأثمة – لا تقصد أن تقع في الإثم – ولكنك مُضطَر، بعض الناس العوام أو شبه العوام قالوا لا يجوز لإنسان إلا إذا مرت عليه ثلاثة أيام بلياليها وهذا غير صحيح، بالعكس! الحد الشرعي في ذلك أن تكون مُضطَراً، وقد سُئل عليه الصلاة وأفضل السلام عن هذا، قيل له يا رسول الله إنا نكون بأرض تُصيبنا فيها المخمصة أفتحل لنا الميتة؟ ومتى؟ أي متى تحل لنا الميتة؟ طبعاً هي تحل – تحل بلا شك – لكن متى؟ المُشكِلة الآن في الحد الزمني، فقال إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تأخذوا بقلة أو كما قال، ما معنى إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تأخذوا بقلة؟ الاصطباح يُطلَق في الحقيقة على طعام ما قبل الغداء، بعضهم فسَّرها مُتجاوِزاً بالغداء، ومنه الصبوح والغبوق في الحديث الصحيح، أعني حديث التوسل بالأعمال، فنستطيع أن نقول مع بعض العلماء هو طعام الغداء تقريباً ويكون قبل طعام الغداء بقليل، والغبوق أو الاغتباق هو طعام العشاء، أي لا يُوجَد طعام في الصباح أو في الظهر ولا يُوجَد طعام في الليل، وأيضاً لا يُوجَد بقل، لا تُوجَد خضروات وأشياء تأخذها وتأكلها، لا يُوجَد كل هذا، فحيئذن تحل لك الميتة، هذه هي فتوى رسول الله عليه الصلاة وأفضل السلام.

قال فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩، الفاروق عمر في شهر رمضان ذات مرة غابت الشمس خلف التلال والجبال فظن أن الوقت دخل فأُوتيَ بفطوره من لدن حفصة، أي من عند حفصة ابنته وأم المُؤمِنين، تناول تمرات بعد ماء، وبعد قليل إذا بالشمس تخرج، الناس قالوا ما هذا؟ أفطرنا أفطرنا، تأثموا! قال لا، ما تجانفنا لإثم، أي أننا لم نقصد أن نقع في هذا الإثم، هذا هو التجانف، قال ما تجانفنا لإثم

۞ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ۞

يَسْأَلُونَكَ ۩، يا رسول الله، مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ ۩، هذه الآية تُتمِّمها آية الأعراف، إذن هو يُحِل لنا الطيبات ويُحرِّم علينا الخبائث، والخبائث جمع خبيث، والخبيث هو كل ما خبث طعمه وقيل حتى ما كان ريحه خبيثاً فهو خبيث وليس فيه نفع، ريحه خبيث وطعمه خبيث وليس فيه نفع، ومن هنا يضح لكم أن الدخان – السجائر والعياذ بالله – من أخبث الخبائث، ريحه خبيث جداً جداً جداً، من أخبث الروائح، وطعمه أخبث من ريحه، وما شاء الله على النفع الذي فيه! كله ضرر، فكيف يُشَك في تحريمه؟ غريب! هذا لا ينبغي، فهو خبيث من الخبائث.

أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ ۩، كل شيئ طيب ليس بخبيث فهو حلال، والأصل في الأشياء الإباحة، هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۩، والخبائث قليلة، والطيبات أكثر بحمد الله تبارك وتعالى.

وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ۩، ما معنى الجوارح؟ هي التي يُصاد بها، كالفهود، النمور، البُزاة، العُقبان، الصقور، كل هذه تُسمى جوارح، وأصلها من ماذا؟ لماذا سُميت جوارح؟ لأننا نكسب بها، (ملحوظة) قال أحد الحضور إنها سُميت كذلك لأنها تجرح، فقال له الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم لا، ليس لأنها تجرح، غلط هذا! وطبعاً ظننت أنكم ستقولون هذا، لكن الصحيح أنها تُسمى هكذا لأننا نكسب بها ونصيد بها، نحن نكسب بها الصيد والأشياء، ويُقال جرح واجترح أهله معروفاً، أي كسب لهم معروفاً، وهؤلاء بلا جارح يقولون، يُقال أسرة بلا جارح، أي بلا كاسب، من هنا يُقال جوارح، حتى في القرآن الكريم قال – تبارك وتعالى – وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ۩، ما معنى جَرَحْتُم ۩؟ ما كسبتم، قال  وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ۩، فهي جوارح أي كواسب، لأننا نكسب بها صيدنا، نكسب بها رزقنا، عكس المُتبادر.

قال وَمَا عَلَّمْتُم ۩، ما معنى عَلَّمْتُم ۩؟ من التعليم، عَلَّمْتُم ۩ ليس بمعنى جعلتوها علامة أو علائم، أي إشارة Zeichen، لا! عَلَّمْتُم ۩ من التعليم، لأن هناك الكلب المُعلَّم والكلب غير المُعلَّم، الكلب المُعلَّم يُمسِك عليك، والكلب غير المُعلَّم يُمسِك على نفسه، يأكل! أليس كذلك؟ لكن المُعلِم يذهب فيُمسِك ويأتي لك بها، هذا المُعلَّم، البازي أو الصقر أو العُقاب أو الفهد – إلى آخره – أو أي شيئ مُعلَّم يُمسِك دائماً لصاحبه، هذا مُعلَّم! أما إذا أمسك لنفسه فهذا يكون قليل التعليم، أي قليل الأدب!

قال وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ۩، النصب في مُكَلِّبِينَ ۩ هنا لابد أن يُعرَب لأن يُستفاد منه أحكام فقهية، قد يكون هنا منصوباً على الحالية من الفاعل، وقد يكون منصوباً على الحالة من المفعول، ومن ثم يختلف الحُكم الشرعي، إذا قلنا مُكَلِّبِينَ ۩ هو منصوب على الحالية من الضمير في قوله عَلَّمْتُم ۩ – أي أنتم – فيكون على الحال من الفاعل، إذا قلنا بل من المفعول وهو من الجوارح – مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ۩ – فلا يكون كذلك، إذن ما معناها؟ في حال كونهن كالبات أو مُكلِبات بالصيد، فيُستفاد منه أن هذا الجارح إذا قتل الصيد بالصدمة فلا يجوز، ولابد أن يقتله – إذا قُتِل – بظفره أو بسنه، في حال كونه كالباً بالصيد، انظروا إلى اللُغة! ولذلك كما نقول لكم دائماً مُستحيل أن يقول أحدكم أنا أفهم الدين وسأُصبِح شيخاً وعالماً من غير أن يتفنن في العربية، مُستحيل! وهذا الذي نراه الآن كثيراً في الفضائيات وفي كل مكان، هناك مَن يتكلَّم في الدين وهو يقرأ القرآن بطريقة خاطئة، مُستحيل! لا يستطيع أن يُعرِب الآية ومع ذلك يتكلَّم في الدين، لا ينفع هذا، لا يجوز! هو يظن أن الحكاية تقتصر على أن يقرأ كُتباً عن السُلف الصالح وما إلى ذلك ثم يأتي ويتكلَّم في الدين، غير صحيح! لن يفهم أيضاً، سيظل مثل الطفل يحفظ أشياء عن غير فهم وعن غير تعمق، لذلك لابد من فهم هذا الدين بحسب اللُغة التي نزل بها، وهذه طريقة الأئمة، هذه طريقة الفقهاء، يأتون لك بالنحو والصرف وما إلى ذلك ثم يستخرجون الحُكم الشرعي وهو لا يخطر على بالك، الآية فيها هذا الشيئ لكنها تُريد مَن يستنبطه، فهذ إذا قلنا إنه منصوب على الحالية من المفعول، فإذن لا يجوز أن يُؤكَل صيد الجارح الذي قتل بالصدمة، ولابد أن يكون قتله الصيد بماذا؟ بمخالبه أو أظفاره أو سنه.

تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۩، طبعاً بحسب طرق التدريب والترويض، الأصل في تفسير هذه الآية هو الحديث الذي سقت طرفه الآخر وهو حديث عدي بن حاتم الطائي في الصحيحين، قال يا رسول الله إني أُرسِل كلبي، قال إذا ذكرت اسم الله عليه – أي حين أرسلته، إذا أرسلته وذكرت اسم الله عليه – فما أمسك عليك فكُل، في رواية بزيادة – في الصحيحين بزيادة – قال – صلى الله عليه وسلم – فإن وجدته أكل فلا تأكل فإني أخاف ألا يكون أرسل عليك، أي أمسك لنفسه، قال وإن قتلن؟ قال وإن قتلن، أي قال له وإن قتلن؟ حتى وإن وجدت هذا الصيد زهقت روحه؟ قال له وإن قتلن، بغض النظر عن هذا، ذهب ليصطاده فمات الصيد تحت ظفره أو تحت مخلبه أو تحت سنه، هذا جائز ولا تُوجَد مُشكِلة، قال وإن قتلن، لماذا؟ لأنك أرسلته وقد سميت الله، والكلب أو الجارح المُعلَّم هو الذي إذا أرسلته استرسل وإذا أشليته شلا، أي إذا أغريته فإنه يُغرى بالصيد.

فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ۩، إذن قال أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ۩، لم يُمسِكن لأنفسهن، طبعاً هناك أيضاً فتوى مشهورة جداً هنا، إذا الإنسان أرسل كلبه ووجد كلبه مع كلب آخر أو أكلب أُخرى مع الصيد فلا يأكل، لماذا؟ النبي قال – النبي أفتى فيها – إذا كنت سميت الله حين أرسلته فلا تدري سمى الآخر أو لم يُسم، ثم إننا لا نعرف حتى أي هذه الأكلب أو الكلاب الذي صاد، لا نعرف، فنترك من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۩، الصحيح في تفسير وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۩ أي على الجارح وليس على الصيد، انتبهوا! يُمكِن أن يتبادر لكم أن هذا على الصيد، لا! هذا على الجارح وليس على الصيد، إذا سميت عليه فنعم، إذا لم تُسم قيل لا تأكل، إذا قصدت ألا تُسمي فلا تأكل، وإذا نسيت قال ابن عباس لا حرج، وفيها خلاف، بعضهم قال لا، لكن ابن عباس كان يُجيز ذلك، قال وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ۩، طبعاً بعض المُفسِّرين أيضاً قال وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۩ أي على هذا المصيد، لماذا؟ لحديث عائشة في الصحيح، في البخاري قالت يا رسول الله إن ناساً حديثٌ عهدهم بكفر يأتوننا بلُحمان – أي بلحوم أو بلحم كثير – ولا ندري ذُكِر اسم الله عليه أو لم يُذكَر، قال اذكروا أنتم وكلوا، فمُمكِن هذا أيضاً، لكن الأوجه هو الأول.

۞ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۞

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ۩، المقصود بطعام الذين أُوتوا الكتاب هنا ماذا؟ ليس الخُبز والماء وما إلى ذلك وإنما الذبائح، انتبهوا! هكذا قال ابن عباس وهكذا قال السُدي وهكذا قال العوفي وهكذا قال سعيد بن جُبير وهكذا قال الحسن البِصري، كثيرون قالوا هذا، وإجماع الأمة على أن ذبائح الكتابيين حلال، إجماع! فيها إجماع هذه المسألة بنص الآية، وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ۩، والنبي أكله منه، النبي كما تعرفون – عليه الصلاة وأفضل السلام – في خيبر أرسل له يهود شاةً مصليةً، أي شاةً مشويةً، قاموا بشوائها على السَّفُود، والنبي كان يُحِب الذراع، فتناول لُقمةً من ذراعها، فأخبره الذراع – والذراع يُذكَّر و يُؤنَّث، يُقال هي ذراع وهو ذراع، والأفصح تذكير – أنه مسموم، فلفظه ومات بشر بن البراء بن معرور رضيَ الله عنه وأرضاه، المسكين أكل واستمرأ اللُقمة فمات على المحل، كان فيها سُم كثير جداً، لعنة الله على زينب اليهودية، هذه المرأة اليهودية اسمها زينب، وفي الصحيح أنها قُتِلت، اختُلِفَ فيها لكن الصحيح أنها قُتِلت، أُقيم عليها حد القصاص، قُتِلت لأنها قتلت الصحابي، وقصدت أن تقتل الرسول، ولما سأل الرسول لماذا؟ قالت نحن أردنا أن نختبرك، أنت تدّعي النبوة، فإنت كنت نبياً فإن الله سيُوحي إليك وإن كنت كاذباً أرحنا الناس منك، لعنة الله عليهم! لكن هذه المضغة البسيطة كان لها أثر، النبي لم يستمرئ حتى ولم يستسغ اللُقمة وأخبره الذراع لكن أثَّر السُم في ثناياه وأثَّر في الأورطى، أي الأبهر، العرب يقولون الأبهر، أي الأورطى، والنبي كان يقول في الحديث المشهور لا تزال الأكلة التي أكلت بخيبر – أي المضغة هذه – يتعادوني سُمها، فهذا أوان انقطاع أبهري منها، ولذلك الصحيح أن النبي – عليه السلام – مات شهيداً بالسُم، أي كتب الله له كرامة وفضيلة الشهادة، مات – عليه السلام – شهيداً بالسُم، صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم، فالنبي إذن أكل منها، الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ۩. 

وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ ۩، هذا ليس خبراً أيها الإخوة وإنما إنشاء، ليس خبراً عن أن طعامنا يحل لهم في شرعهم، هذا لا يعنينا، وإنما هو إنشاء كأن الله يقول لنا وأنا أُحِل لكم وحلالٌ لكم وسائغٌ وجائزٌ أن تُطعِموهم من طعامكم ومن ذبائحكم، هذا جائز، ليس حراماً، لا تتأثَّم فتقول هذا كافر أو مُشرِك أو مُثِّلث نصراني أو يهودي فكيف أجعله يأكل من طعامي؟ هذا عادي وجائز، كما تأكل ذبيحته هو يأكل ذبيحتك، لا إثم عليك، وأما حديث أبي داود – رحمة الله الله عليه – في السُنن – قال صلى الله عليه وسلم لا تُصاحِب إلا مُؤمِناً ولا يأكل طعامك إلا تقيٌ – فمحمولٌ على الندب، الاستحباب، الأحب طبعاً – أي الأحسن – لا يأكل طعامك إلا إنسان تقي ولا تُصاحِب إلا مُؤمِناً، هذا على الندب، وإلا فالأصل الجواز، أن تُطعِم الكافر اليهودي أو النصراني من ذبيحتك جائز، ليس فيه شيئ، وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ ۩، فهذا إنشاء وليس خبراً كما ظاهره، ظاهره أنه خبر لكنه ليس كذلك، وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ ۩.

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ۩، أي أُحِل لكم المُحصنَات من المُؤمِنات، وهنا المُحصَنات بمعنى ماذا؟ العفائف، بمعنى العفائف غير الزواني الاتي لا يُسافِحن، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ۩، أيضاً اللائي لا يُزانين، لا يُسافِحن، والصحيح أنه لا يجوز نكاح الزانية، لأن الله قال وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ۩، ومعنى هذه الآية من سورة النور على جهة الاختصار أن ما كان يتعاطى الزنا – والعياذ بالله – ولا يستحي منه ويُقيم عليه لا ينزع لا يجوز تزويجه ولا التزوج منه، ممنوع طبعاً، لما سيلحق الذُرية من ذلك، لا المرأة ولا الرجل! أما مَن زنى وتاب يتوب الله عليه، لا تُوجَد مُشكِلة، إن كان زنى في يوم من الأيام وتاب واعتدل واستقام يجوز أن نُزوِّجه وأن نتزوَّج إليه إن شاء الله، هذا معنى الآية، معناها الزاني الذي مُقيم بصيغة اسم الفاعل، أي المُستمِر على هذا الشيئ والعياذ بالله، له سجية وعادة لا ينزع عنها ولا يتوب منها.

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ۩، الإمام الشافعي له قول هنا، وهذا مذهب الشافعية إلى اليوم، أخذوا بظاهر الآية وحقيقةً هذا ليس بالقوي، أخذوا بظاهر الآية وقالوا لا يجوز نكاح يهودية أو نصرانية إلا إذا علمنا علم اليقين أنه ينميها نسبٌ إلى أهل الكتاب من يهود ونصارى قبل الإسلام، أي لابد أن يكون أجدادها وأسلافها الأقدمون الغابرون قد دخلوا في اليهودية والنصرانية قبل بعثة محمد، إذا دخلوا في الديانة النصرانية بعد بعثة محمد فلا، لا يُعتبَروا كتابيين ولا يجوز لنا أن ننكح نساءهم، هذا مذهب الشافعي، صرَّح به في الأم في ثلاثة مواضع، على الأقل في ثلاثة مواضع على ما أذكر، وجدت هذا حين قرأت الأم، في ثلاثة مواضع على الأقل صرَّح الشافعي بذلك وصرَّح به كل الشافعية كالنووي والماوردي وغيرهما، مكتوب في كل مُدوَنات الشافعية، وهذا ضعيف، لن نُناقِشه لكنه ضعيف حقيقةً ومذهب الجمهور هو الصحيح، هو أخذ بظاهر قوله مِن قَبْلِكُمْ ۩، أي أنهم دخلوا في هذا الدين قبل الإسلام، وهو ليس كذلك.

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ۩، طبعاً أهل الكتاب مَن هم؟ اليهود والنصارى كما تعرفون، هؤلاء لهم كتاب، وهناك أُناس لهم شُبهة كتاب، مثل مَن؟ المجوس، واختُلِف في نكاح نسائهم، والأرجح وعليه الجماهير حُرمة نكاح المجوس، وهناك حديث طبعاً يُقال هو مُدرَج وهو حديث مشهور جداً، قال سُنوا بهم سُنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم، وهذه الزيادة قيل هي مُدرَجة، الله أعلم!

إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۩، سمى المهر أجراً، وهذا معروف، حتى في سورة النساء نفس الشيئ، مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۩، كما اشتُرِطا الإحصان والعفة في النساء اشتُرِطا أيضاً في الرجال، وهذا يُؤكِّد ما في سورة النور، مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۩، جمع خِدن، وقلنا هي خِدنٌ وهو خِدنٌ وهن أخْدانٌ وهم أخْدانٌ، يعني ماذا؟ خليلات والعياذ بالله، مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۩ تعني مُتخِذي خليلات، أي عشيقات، ممنوع! هنا قد يقول أحدكم هذا نفس الشيئ لأن الله قال غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۩، لكن لا، المُسافِح هو المُعالِن، أي المُستعلِن بالزنا، لا يستسر، وأما المُخادِن فهو الذي يستبطن ويستسر بالزنا، عنده عشيقة – والعياذ بالله – يأوي إليها دون أن يُجاهِر، فهذا حرام وهذا حرام، وقدَّمنا لكم في درس سابق عن ابن عباس أنه قال كانوا في الجاهلية يتساهلون في ماذا؟ في هذا الزنا الباطن، اتخاذ الأخدان لم يتكلَّموا فيه، كانوا يعتبرونه شيئاً عادياً، مثل الأوروبيين هنا بحماقتهم وجهلهم – والعياذ بالله – وقلة أخلاقهم، يقولون المُخادَنة بين غير مُتزوِّجين ليس فيها أي شيئ، عادي! سلوك اجتماعي نظيف، لكن إذا كانت مع مُتزوِّجة أو مُتزوِّج فهذا يعتبرونه زنا، أي أن هذا عندهم غير جيد، منقصة! لكن إذا فعلت هذا بنت غير مُتزوِّجة فهذا عادي، كل يوم والثاني مع واحد وهذا طبيعي وليس فيه أي شيئ، وإذا لم تفعل فهذا عيب نفسي – سيكولوجي – ولابد أن تتعالج منه.

قال وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۩.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۞

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ۩، كيف إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ۩؟ إذا أردتم القيام إلى الصلاة، معنى الآية إذا أردتم القيام إلى الصلاة، أي إذا قمتم إلى الصلاة، حرف إِلَى ۩ هذا أخذ منه العلماء اشتراط النية، لماذا؟ نقول لك لماذا قمت؟ فتقول قمت إلى فلان، أي من أجل فلان أو بقصد فلان، بقصد استقباله أو إكرامه، فهذه النية! فالحرف إِلَى ۩ دل على النية، قال قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ۩، فالباعث هو الصلاة، فهنا شرط النية واضح.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ۩، الباء للإلصاق، وقدَّمنا كيف هذه الآية العجيبة اختلف فيها العلماء المتبوعون طرائق مُختلِفة قدداً، لماذا؟ لمكان الباء، ثم بعد ذلك بعضهم قال إذا كانت الباء للإلصاق فدخول الباء للإلصاق على الآلة يقتضي شيئاً ودخولها على الموضوع يقتضي شيئاً آخر، كأن تقول مسحت رأسي بيدي أو مسحت يدي برأسي، اختلف الوضع! إذا قلت مسحت يدي برأسي فهذا يعني ماذا؟ استغراق الماسح، تقول رأسي مسحت بيدي، تقول مسحت يدي بالحائط، استغراق الماسح، أي اليد، على قد اليد، لكن مسحت الحائط بيدي استغراق للمسموح، أليس كذلك؟ فاختلفوا هنا لمكان الباء، هل هي داخلة على الآلة أو على الموضوع؟ من هنا اختلفوا، فبعضهم قال لابد أن تُمسَح كل الرأس وبعضهم قال رُبع الرأس بمقدار الكف، لاستغراق الكف، على أساس أنه قال امسحوا أيديكم برؤوسكم، لكن الآخرون قالوا لا، امسحوا رؤوسكم بأيديكم، يُوجَد شيئ محذوف هنا، هذا هو الأصل.

وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ۩، وفي قراءة وأَرجلِكم، أي بكسر اللام، إذا أخذنا قراءة وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم – أي إذا أخذنا بقراءة الكسر – فماذا سيكون معناها؟ هذا يُسمى من باب الجر بالجوار، كقول العرب جُحر ضبٍ خربٍ، المفروض أن نقول ماذا؟ جُحر ضبٍ خربٌ، لأنه جُحرٌ خربٌ، لكن لما صار عندنا مُركَّب إضافي قلنا جُحر ضبٍ واتبعنا كلمة خرب كلمة ضب، أليس كذلك؟ فأعطيناها حركة كلمة ضب، فقلنا جُحر ضبٍ خربٍ والأصل أن نقول جُحر ضبٍ خربٌ، هذا صحيح وهذا صحيح، لُغتان مطروقتان مأنوستان عند العرب، فإذن لا تُوجَد مُشكِلة، وليس للإخوة الشيعة حُجة في هذه الآية في مسح الأرجل، قالوا الآية تقول بالمسح، وفي قراءة تقول وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم، لكن حتى على القراءة هذه لا تُوجَد مُشكِلة، هذا من باب الجر بالجوار، لماذا؟ لأن ما معنى القراءة الأُخرى وهي أيضاً صحيحة؟ هذه القراءة مكتوبة في المصاحف أيضاً وتلك صحيحة أيضاً، كلاهما قراءتان صحيحتان، قال وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ۩، لماذا؟ لو كان المقصود مسح الأرجل كما يفعل الإخوة الشيعة لوُجِدت قراءة واحدة فقط، وهذا المثال جيد جداً ويُعرِّفنا فائدة اختلاف القراءات، تتكثَّر بها المعاني ويتأكَّد معنى على معنى، أليس كذلك؟ ويترجَّح اجتهاد على اجتهاد، فهذه القراءة – وَأَرْجُلَكُمْ ۩ – رجَّحت اجتهاد أهل السُنة والجماعة، لماذا؟ قال ابن عباس وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ۩، عاد إلى الغُسل، يقول ابن عباس عاد إلى الغُسل، لأنه قال وَأَرْجُلَكُمْ ۩، هذا يعني أن قصده ماذا؟ واغسلوا أرجلَكم، وهذا أيضاً باب مشهور جداً في البيان العرب – ذكرناه غير مرة – يُعرَف بالاتباع في اللفظ مع الخلاف في المعنى، من باب الإيجاز! من طرائقهم في الإيجاز هذه الطريقة، يقولون – مثلاً – علفتها تبناً وماءً بارداً، كيف إذن؟ – علفتها تبناً وسقيتها ماءً بارداً، لكن لكي نُوجِز حذفنا وسقيتها، لا نُحِب الكثرة، لذلك لم يقولوا علفتها تبناً وسقيتها ماءً بارداً، قالوا ماذا؟ علفتها تبناً وماءً بارداً، وهذا كان في الجاهلية، أي علفتها تبناً وسقيتها ماءً بارداً، قال لبيد بن ربيعة في المُعلَّقة المشهورة:

فَعَلَا فروع الأَيْهُقَانِ وأَطْفَلَتْ                        بالجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا ونَعَامُهَا.

قال فَعَلَا فروع الأَيْهُقَانِ وأَطْفَلَتْ، ما معنى أطفلت؟ أُنتِجَت أطفال، انتبه! ونحن قلنا أُنتِج يُبنى للمجهول دائماً، لا تقل أَنتَجَ الحيوان، لم يُنتِج، وإنما قل أُنتِجَ الحيوان دائماً، وهذا خطأ يقع فيه كثيرون، يقولون أَنتَجَت الدابة، لم تُنتِج وإنما أُنتِجَت، فمعناها أُنتِجَت أطفالاً، أي خلَّفت وولدت أطفالاً، هذا في الثدييات، اللبونات! قال:

فَعَلَا فروع الأَيْهُقَانِ وأَطْفَلَتْ                        بالجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا ونَعَامُهَا.

قال بالجَلْهَتَيْنِ وهو مكان في الجزيرة، قال بالجهلتين ظِبَاؤُهَا، وهذا مفهوم، أُنتِجت ظباؤها أطفالاً، قال ونَعَامُهَا، هنا تُوجَد مُشكِلة، هل النعام تُطفِل؟ النعام تبيض، وهذا في المُعلَّقة، أليس كذلك؟ ديوان العرب، إذن معناها ماذا؟ أطفلت ظباؤها وباضت نعامها، لكن هو قال ماذا؟ أطفلت ظباؤها ونعامها، فهذا اتباع في اللفظ مع الخلاف في المعنى، وهنا نفس الشيئ، وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ۩، أي امسحوا برؤوسِكم واغسلوا أرجلَكم، فهذا موجود، وهو موجود بكثرة، ولذلك لا يُوجَد وجه حُجة قوي للشيعة في هذه الآية، وهكذا!

وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۩، وبالنسبة إلينا نحن لدينا أحاديث مُتواتِرة معنوياً بوجوب غسل الكعبين، لابد من الغسل! أي غسل الرجلين إلى الكعبين، منه ما في الصحيحين ومُوطأ مالك وغيرهم، قال صلى الله عليه وسلم – لأن أرهقتهم صلاة العصر، ما معنى أرهقتهم؟ كاد يخرج وقتها، فهم استعجلوا فجعلوا يتوضأون بسرعة فلا يُسبِغون الوضوء على أرجلهم وكعوبهم – ويلٌ للأعقاب من النار، وفي رواية ثلاث مرات قالها، ويلٌ للأعقاب من النار! أي مكان يجب أن يصله الماء ولا يصله تمسه النار يوم القيامة، والنبي كيف يعرف أمته؟ يعرفهم غُراً مُحجَّلين من أثر الوضوء، أي من خلال مكان الوضوء في الوجه واليدين وفي الرجلين أيضاً، وهذه لا تمسها النار بإذن الله تعالى، لا تتأذى بالنار، فإذا أنت لا تُسبِغ الوضوء إلى الكعوب جيداً كما أنت مأمورٌ به فهذا يمسه النار، هذا معنى ويلٌ للأعقاب من النار، والحديث مُتواتِر معنوياً.

وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ ۩، ذكرنا اليوم أن كلمة جُنب يستوي أيضاً فيها الجميع، فهو جُنب وهم جُنب وأنتم جُنب، نفس الشيئ! يستوي فيها الجميع، وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ ۩، واضحة.

وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء ۩، كل هذا شرحناه في آية النساء، آية مُشابِهة جداً، أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء ۩، قلنا لامَسْتُمُ ۩ أو لمستم قرأ حمزة وخلف والكسائي: لمستم، وقرأ بقية السبعة لامَسْتُمُ ۩، وقيل هي كناية عن الجماع، والشافعي قلنا أن مذهبه يقول أن المقصود هو اللمس العادي، أي لمس البشرة البشرة.

فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا ۩، أيضاً شرحناها، فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۩، الآية كلها واضحة.

۞ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ۞

وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۩، صيغة البيعة لرسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – يُذكِّر الله بها هنا، الصحابة بايعوا النبي غير مرة، على غير ما أمرٍ أيضاً، ليس أمراً واحداً وإنما أموراً كثيرة، أحياناً بايعوه على الجهاد، أحياناً بايعوه على الموت، بيعة الموت! فحتى الموت بايعوا عليه، فدائماً البيعة تكون ماذا؟ بايعنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على السمع والطاعة في المنشط والمكره وعلى أثرةٍ علينا – أي حتى إذا هذا لا نُحِبه ويُمكِن أن نُبايع على عكس محبوبنا ونُؤثِر على أنفسنا – وعلى ألا نُنازِع الأمر أهله، إذن السمع والطاعة في المنشط والمكره – فيما تُحِب وفيما تكره – وعلى أثرةٍ عليك وإلا تُنازِع الأمر أهله، هذه هي! فالله يُذكِّرهم بهذه الصيغة، وبالذات ماذا؟ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۩، أي على السمع والطاعة، أهم شيئ! وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ۩.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ۞

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ ۩، وعدتكم أمس أن نشرح الفرق بين هذه الآية وآية النساء، وبالمُناسَبة هذا الفرق لا تجدونه في أكثر كُتب التفسير، أي أن تسع وتسعين من المُفسِّرين لم يتطرَّقوا إلى هذا الفرق مع أنهم أكيد حسوا به، لأنه دقيق وفي مُنتهى الدقة، هنا قال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ ۩، لكن في النساء ماذا قال؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ۩، ما الفرق؟ بعض الناس يقول لك هذا ربما يكون بنفس المعنى، لكنه ليس في نفس المعنى، كيف يكون في نفس المعنى؟ يُوجَد فرق، قطعاً يُوجَد فرق! هنا قال كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ ۩، أولاً مَن هو القوّام؟ القوّام هو المُبالِغ بالقيام على الشيئ وفي الشيئ، فيأتي به على وجهه أحسن وأتم ما يكون، هذا هو القوّام، قال قَوَّامِينَ لِلَّهِ ۩، هل هنا يُوجَد حذف؟ طبعاً، قَوَّامِينَ ۩ على ماذا إذن؟ لِلَّهِ ۩، أي لوجه الله، احتساباً عند الله، قَوَّامِينَ ۩ على ماذا؟ يُوجَد محذوف، ما هو المحذوف؟ محذوف الأمور أو جُملة الأمور التي يجب أن نقوم بها لله، أي كونوا قوّامين بكذا لله، ما هو كذا هذا؟ غير معروف الآن، بعضهم قال بالعهود، أي الوفاء بالعهود والمواثيق لله، لكن هذا ليس شرطاً، بالعكس هذا عام، كونوا قوّامين – عام – بكل الشؤون التي طُلِبت منكم في شرع الله – تبارك وتعالى – واجبها ومندوبها، أي شأن شرعي يجب أن تكون مُبالِغاً في القيام به – أي بهذا الشأن الشرعي – لله، يعني ماذا؟ لوجه الله، ابتغاء مرضاة الله، احتساباً للأجر والمثوبة عند الله والجزاء سُبحانه وتعالى، إذن يُوجَد حذف هنا، هذا معنى قَوَّامِينَ لِلَّهِ ۩، قوّامين بكذا وكذا وكذا لله، إذن فهمنا الآن الآية، شُهَدَاء بِالْقِسْطِ ۩، الشهداء من الشهادة، أي تُؤدون الشهادة بِالْقِسْطِ ۩، وقلنا القسط هو العدل، إذن أصبح المعنى الآن واضحاً، هناك ماذا قال؟ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ۩، أي شهداء بالحق وبالعدل لِلَّهِ ۩، أي لوجه الله واحتساباً لله وما إلى ذلك، لماذا إذن؟

لو تأمَّلتم أيها الإخوة أولاً لرأيتم أن آية النساء تُحذِّر المُسلِمين من أن يلوي أحدهم لسانه بالشهادة فيشهد لأحد بدافع المحبة والهوى، أليس كذلك؟ واضحة الآية وسنتلوها، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۩، إذن قال وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ ۩، أُحِب نفسي وأُحِب والدي، وَالْأَقْرَبِينَ ۩، أُحِب قراباتي، أليس كذلك؟ هناك الدافع ما هو؟ الهوى والمحبة، قال وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۩، إذن ما معنى الآية؟ لا يحملنكم هواكم وحُبكم السابق لهؤلاء المذكورين وأشكالهم على ألا تُؤدوا الشهادة على وجهها، وربما تتجاوزون بها حدود العدل فتشهدون له – مثلاً – بحقيته بحقٍ مُعيِّن وهو ليس الأحق به، كأن تقول هذا له أو هذا تقريباً له وما إلى ذلك، لأنك تُحِبه، تُحِب أن تحتاز له الحق بالشهادة أو يحتاز هو الحق بشهادتك، فهواك ومحبتك هي التي تحملك على ذلك، إلى آخر الآية! والعكس هنا تماماً في سورة المائدة، ماذا هنا؟ أنك يُمكِن أن تشهد على واحد أو تشهد على آخر شهادةً تتجاوز بها حدود القسط والعدل بدافع الشنآن، بدافع الكره، أي لأنك تكرهه، هل فهمت الآن ما الفرق؟ الموضوع نفسه اختلف، هناك الدافع هو المحبة ولذا الشهادة لـ، وهنا الدافع هو الشنآن ولذا الشهادة على، أي تشهد على واحد، كافر أو مُسلِم – لا يهم – لكن بدافع الشنآن والبُغض والكره، فيُمكِن أن تتجاوز حدود العدل والقسط، فتشهد عليه لكي تُوبِقه أو لكي يحتاز غيره حقه بشهادتك، هل هذا واضح؟ 

انتبهوا الآن، أي الشهادتين أو السلوكين أو المسلكين أدخل في الظلم؟ الثاني، أي في المائدة هنا، هذا ظلم صريح، الأول أبعد من الظلم من الثاني وأقرب إلى العدل، وطبعاً فيه شائبة ظلم، لأنه في النهاية يُمكِن أن يُؤدي هذا إلى ضياع حقوق، لكن مَن الأدخل في باب الظلم؟ الثاني، هذا ظلم صارخ جداً، ولذلك قال تعالى كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ ۩، بدأ بحقه تبارك وتعالى، أن تُراقِب الله – تبارك وتعالى – وأن تقوم بالشهادة – مثلاً – هنا لوجه الله، قال شُهَدَاء بِالْقِسْطِ ۩، فرَّع عليه الشهادة بالقسط، ثم قال أيضاً مُفرِّعاً وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ۩، وهذا التفريع كأنه قام مقام التعليل، أي لو طُلِب إليكم أن تقوموا بهذا الأمر على وجهه لله – لأجل الله ومُراقَبةً لوجه الكريم تبارك وتعالى – وإن انطويتم على شنآن وبُغض للمشهود عليه فتذكَّروا أن الله رقيب عليكم، فبدأ به، هل هذا واضح؟ 

في سورة النساء العكس، قال كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ۩، راعوا العدل، لأن الله – تبارك وتعالى – يُحِب المعدلة، وإذا أخذتكم شفقة بهذا الإنسان لكونه قريباً أو مسكيناً فالله أولى به، الله سيتولاه، لا تخافوا! فناسب هناك أن يقول كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ۩ وناسب هنا أن يقول كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ ۩، هذا مسلك وهو دقيق.

هناك يُوجَد مسلك هام لشيخ الإسلام الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه، وهو طبعاً من المُفسِّرين الندرة – رحمة الله عليه – ويتجرأ على هذه المسائل، هناك مُفسِّرون – كما قلت – يُؤثِرون العافية ولا يتطرَّق الواحد منهم إلى المسألة لأنها صعبة، لم يتجه له وجه الفرق فيتكرها، وهذا كثير! أكثر المُفسِّرين لم يذكروا شيئاً، لكن الشيخ ابن عاشور ذكر فيها شيئاً أيضاً، وكلامه جميل وجيداً أيضاً، مُستجاد! كيف؟ تأمَّل السياق هو، ووجد أن السياق هناك في سورة النساء مُختلِف، إذا كنتم تذكرون الآن التلاوة أو التفسير قولوا عن ماذا كان يتحدَّث؟ السياق عن ماذا؟ عن العدل والحقوق ومقاطع الحقوق، فذكر – مثلاً – قضية بني أُبيرق التي لخَّصناها أمس بكلمتين، أعني قصة الأنصار الذين اتهموا اليهودي بسرقة الدرع، فهم كانوا من بني أُبيرق، ذكرها وبرَّأ اليهودي وأمر النبي أن يحكم بالعدل ولا يُخاصِم عن الخائنين، ثم ذكر بعض مُعامَلات الرجال والنساء أيضاً والعدل مع النساء والإصلاح والإحسان والتقوى وإلى آخره، أشياء كثيرة! فناسب بعد ذلك أن يقول كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ۩، القضية كلها عن الحقوق ومقاطع الحقوق والعدل فيها، المطلوب هو العدل، وهنا الوضع اختلف، كيف هو الوضع الآية؟ عن ماذا تتحدَّث السورة؟ تتحدَّث من أولها عن المواثيق والعقود، عقود مَن؟ عقود الله، عهود الله، مواثيق الله، كل السورة! أليس كذلك؟ فناسب أن يقول كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ ۩، وهذا الكلام دقيق ومُستجاد من الشيخ، ترشَّح من مُلاحَظة السياق بدقة، رضوان الله تعالى عليه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ۩، نفس الشيئ، لا يحملنكم بُغضكم لقوم على أن تُجاوِزوا العدل فيهم، أي على الوقوع في الظلم والعدول عن جادة ومهيع العدالة.

اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ۩، هذه فيها مبحث مُهِم جداً وهو مبحث نحوي، اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ۩، هنا قد يقول لي أحدكم غريب، هل الظلم أيضاً قريب من التقوى لكن العدل أقرب؟ غلط! أليس كذلك؟ ما معنى أن العدل أقرب التقوى؟ هل معناه أن الظلم قريب؟ هل معناه أن الظلم – عكس العدل – قريب من التقوى لكن الأقرب هو العدل؟ لا، هذا غير صحيح، لماذا إذن؟ سر الوقوع في مثل هذا الخطأ في الاستنباط والفهم ما هو؟ اعتقاد دائماً أن صيغة أفعل التفضيل تأتي بين فاضل ومفضول أو بين فاضل وأفضل، وهذا غير صحيح! أحياناً تأتي صيغة أفعل التفضيل لذكر الفاضل والأفضل بإزاء الخالي من المعنى بالكُلية، الطرف الآخر يكون خالياً، ليس له علاقة أصلاً، مثل هذا ما في كتاب الله تبارك وتعالى، أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ۩، هنا قد يقول أحدكم هذا يعني أن أهل جهنم حالتهم جيدة أيضاً لكن أهل الجنة حالتهم أحسن، غير صحيح، ليس هذا معنى الآية، أليس كذلك؟ إذن ما معنى خير وأحسن؟ هم الخير وهم الحُسن وأما أهل جهنم ليس عندهم خير في مقامهم في جنهم، مُستحيل! هل فهمتم؟ فلا تأخذوا أفعل التفضيل على وجهها.

في الصحيحين – في البخاري ومُسلِم – قالت أم سلمة لعمر بن الخطاب فلأنت أفظ من رسول الله وأغلظ، هذه لو فهمناها بنفس الطريقة الخاطئة فسوف يكون معناها ماذا؟ أن الرسول عنده فظاظة وعنده غِلظة لكن أنت أفضل، غير صحيح! هذا يعني أننا لا نفهم اللُغة العربية بدقة، فلأنت أفظ من رسول الله وأغلظ تعني أنك أنت الفظ وأنت الغليظ، أما رسول الله فليس فظاً وليس غليظاً، أرأيتم؟ لماذا أنا أُدقِّق في هذه المسألة؟ لأن قبل فترة كنت أتناقش مع عالم – عالم شرعي – في مسألة، لن نذكر كلاماً كثيراً، المُهِم جرت مُناقِشة، والرجل كان يجتهد فقال نحن يُمكِن أن نُجوِّز – مثلاً – زواج المُشرِكات، فقلت له كيف؟ مُستحيل! هذا اجتهاد مُقابِل النص وهو باطل، قال لي لا، أنا عندي اجتهاد، قلت له كيف؟ تفضَّل بالإيضاح، قال الله – تبارك وتعالى – قال وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ ۩، قلت له هذا ليس على بابه، ينبغي أن تفهم أن التفضيل هنا ليس على بابه، وهذه هي المُشكِلة يا أخي، وأزهري الرجل! هناك مُشكِلة كبيرة، هذه قواعد نحو بسيطة، كل مَن قرأ قليلاً في النحو وقرأ أوضح المسالك لابن هشام يفهم هذه الأشياء، موجودة هذه الأشياء وعليها أمثلة مشهورة جداً، فهنا التفضيل ليس على بابه، لكن هو لم يفهم هذا، هو فهم أن أفعل التفضيل هنا للمُفاضَلة مثلما يفهم أي واحد صغير أن أفعل التفضيل للمُفاضَلة، ومن ثم هذا مفضول، فهذا فاضل وهذا أفضل، غير صحيح! قلت له التفضيل ليس على بابه ولا يُراد قط، أبداً والبتة! قال لي كيف؟ شرحت له فسكت الرجل، لعله يسمع الكلام هذا لأول مرة، كارثة! قال الله قال وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ ۩ فالمُشرِكة فيها خير وبالتالي يجوز تزوَّجها، قال لي أنا الذي فهمته من الآية عكس ما فهمه كل الأئمة، قلت له طبعاً عكس الأمة كلها وعكس الإجماع، يخرق الاجتماع ويعتبر نفسه مُجتهِداً، وفرحان الرجل بهذا، والله العظيم! وزعلان لأن هناك علماء خالفوه لكنهم لم يقدروا أن يُحاجوه، هذه المُشكِلة! قال لي لم يكن معهم حُجة وغضبوا علىّ غضباً شديداً، لكن أنت غلط كلامك يا أخي، هم على صواب لكن للأسف لم تحضرهم الحُجة، قال أنا فهمت منها شيئاً لأول مرة يُفهَم، ما هو؟ قال لي الزواج من المُؤمِنة مندوب والزواج من المُشرِكة جائز، قلت له غير صحيح، وأتيته بأمثلة مثل هذه فسكت الرجل، مُشكِلة! 

اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ۩، العدل فقط هو الذي يُقرِّب للتقوى، وأما الظلم فهو يُقرِّب للفجور والعياذ بالله، وليس له علاقة بالتقوى أصلاً، فليس التفضيل على بابه، وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ۩.

۞ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ۞

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ۩، أيضاً الآية واضحة.

۞ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ۞

وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ۩، أيضاً واضحة.

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ۞

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۩، هذه الآية نزلت بسبب رسول الله عليه الصلاة وأفضل السلام، كان نائماً في وقعة تحت شجرة وحده من غير حرس ولا شرطة فجاءه أحد الأعراب، قيل دفعه قومه من المُشرِكين لقتل رسول الله، أي لاغتياله! لأخذه غيلة، أتى ومعه السيف، فأخذ سيفه وقال يا محمد قم، فقام الرسول له، قال له مَن يمنعك مني؟ قال له الله، النبي قال له الله بكل هدوء وهذا لا يُصدِّق، قال له مَن يمنعك مني؟ قال له الله، قال له – ثلاث مرات – مَن يمنعك مني؟ قال له الله، وفي رواية سقط السيف من يده وفي رواية جلس الرجل، داخله رعب وما إلى ذلك فجلس، وجاء الصحابة وقص عليهم النبي القصة فلم يفعلوا به شيئاً، قال لهم هذا جاءني وقال لي كذا وكذا، وأنزل الله هذه الآية، إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ ۩، والمقصود هنا مَن؟ الرسول، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ ۩، فهذه قيل في رسول الله، وهذا الأعرابي قصته في الأصل – في البخاري – واسمه غورث بن الحارث، فقصته في الصحيح على كل حال.

وقيل هذه الآية نزلت بسبب ما كان من ائتمار يهود بني النضير – لعنة الله عليهم – برسول الله، حين ذهب إليهم في دية العامريين – مشهورة القصة في السيرة – ائتمروا به، جعلوا أحدهم يخرج إلى العُلية ومعه رحى ثقيلة – تعرفون رحى الطاحونة – وقالوا له إذا صرت فوق تماماً فاهو به عليه، فجاء جبريل وقال له يا محمد الأمر كذا وكذا فقم، وقام النبي وحدث بعد ذلك ما حدث من إجلائهم، فهذه الآية بسبب ائتمار بني النضير – لعنة الله عليهم – برسول الله.

نكتفي إن شاء الله بهذا القدر هذا اليوم على أن نُكمِل غداً، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله.

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: