الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مُبارَكاً فيه كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نظير له ولا مثال له شهادةً تنفع عبداً صلى وصام وحج وأهدى وضحّى وادكر، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، خيرُ مَن صلى وأحرم وكبَّر وأفضلُ مَن صام وأمسك وأفطر وأتقى وأخشع مَن أهلَ وأهدى وأنهر، صلى الله على صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر والمقام الأشرف والأخطر وعلى آله الطيبين المُبارَكين وصحابته الميامين الصوّام الحجّاج القائمين والخاشعين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وعلينا وعليكم والمسلمين والمسلمات معهم بفضله ومنّه أجمعين. آمين.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
الله أكبر شعارُ المُوحِّدين، شعارُ خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ۩ لا تزال تدأب في عبادة الله والازدلاف إليه وذكره وتهليله وتكبيره في الأصباح والأماسي وفي الغدوات والروحات، أمةٌ ترى أن عيدها خاتمةُ عبادة، فهذه الأمة لها ثلاث أعياد ويجمع هذه الثلاثة الأعياد أنها تعقب عباداتٍ جليلة، عيد الفطر ويعقب صوم رمضان، وعيد الأمة الأكبر – هذا العيد – عيد الأضحى الذي يعقبُ عبادة الحج، وعيد يوم الجُمعة، إنه عيد الصلاة، فأعيادنا ذوات طابع اجتماعي، لا يعرف المسلم معنىً للعيد بغير إخوانه وبغير جماعته وبغير عشيرته وبغير أمته الكُبرى، لا معنى للعيد حين تستبد بنا الأنانية، لا معنى للعيد حين نفرحُ إذا كنا فرحين بأنفسنا وما خوَّلنا الله أفراداً مُتقطِّعين ومُتفرِّقين، لا معنى للعيد إلا أن نكون أمة، لا معنى للعيد إلا أن نكون جماعة، عجيبٌ أمر هذه الأمة وأمر أعيادها، أعيادنا ترتبط ببواطن القلوب وسرائر النفوس، عجيبٌ أمر دين هذه الأمة، ذلكم الدين يُعلِّم أن الخشوع والإخبات والتقوى والشكر والإحسان وهى أشرفُ وأطهرُ وأخطرُ مقامات الإيمان لا معنى لها خارج الجماعة بل ضمن الجماعة وفي نسيج الأمة! 

الله – تبارك وتعالى – جعل لكل أمةٍ  مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ  ۩ ونحن هنا نُضحّي وهم هناك يُهدون ثم قال سبحانه وتعالى  فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ۩، وهنا يأتي الإسلامُ والإخبات حيث قال الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ۩،إشارة إلى الهدي وإلى الأُضحية، فهكذا يتحدَّد الإخبات، ثم قال وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۩، مقام الشكر بالعطاء وبإنهار الدم وبرحمة الفقراء وبالتواصل مع المحاويج والمُعدِمين والمُعتازين، ولذلك قال كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۩، فضلاً عن أنه قال لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ۩، إنه الإحسان، مقام الإحسان مرةً أخرى بعد الشكر والإخبات، ومتى أتى؟ أتى بعد التنويه بفضيلة إنهار الدم وبفضيلة أن يشعر الغني بأخيه الفقير وأن يشعر الواجد بألم الفاقد!

كان بكر بن عبد الله المُزني – الإمام العلم التابعي الجليل رضيَ الله عنه وأرضاه – يقول اللهم أحيني حياة الأغنياء وأمتني ميتة الفقراء، وكان يلبس كسوته ويغدو إلى الفقراء والمساكين يُواسيهم بما معه من مال و يقعد إليهم ويتراسل معهم ويتجاذب أطراف الحديث ثم يقول لعلهم يفرحون بذلك، وكان الحسن بن الحر – رحمه الله تعالى رحمةً واسعة – إذا رأى رجلاً يبيع الملح أو رجلاً رأس ماله نحو درهمين يُعطيه خمسةً ثم يقول له اجعلها رأس مالك، ثم يُعطيه خمسةً أخرى ويقول اشتر بها زيتاً وتمراً للعيال، ثم يُعطيه خمسة ويقول اشتر بها قطناً لأهلك، وهكذا يعيشون كأنهم إخوة ويعيشون كأنهم كيانٌ واحد، فالغني ليس مُنبَت الشعور وليس مُنبَت الصلة بأخيه الفقير!

سُئل أحد تلامذة الإمام الجليل مُعبِّر الأحلام والرؤى محمد بن سيرين – رضوان الله تعالى عليه – عن سبب حبسه – الإمام ابن سيرين قضى وقتاً في الحبس وفي السجن لماذا؟ أمن ريبةٍ؟ أمن جريمةٍ قارفها؟ – فقال كان سبب حبسه أنه كانت له جارية فباعها – معنى باع من أي باع لــ، فالعرب لا يقولون باع له وإنما يقولون باع منه، أي باعه – من سيدةٍ وهى السيدة فلانة، فأتت بعد مُدة قصيرة وقالت له يا سيدي إنها لا ترحمني وإنها تُعذِّبني، فأعادها إليه وكان قد أنفق ثمنها فأُدخِل السجن، فهى التي حبسته.

حُبِس الإمام الجليل بسبب جارية باعها من سيدة – أي لسيدة – ولكن لما رأى أنها لا تُرحَم وتُعذَّب أعادها إليه واحتمل أن يدخل السجن في ذلك، كانت أمة عظيمة – أمة عظيمة جداً – ولذلك لم تكن خزيانة ولم تكن ندمانة ولم تكن مفضوحة ولم تكن مهزومة ولا مجروحة ولا مكلوم ، كانت عالية الجبين ورفيعة الراية والشعار، تماماً كما قالت أم المُؤمِنين خديجة عليها السلام – خديجة الكُبرى لسيد ولد آدم عليه الصلاة وأفضل السلام – كلا، والله لا يُخزيك الله أبداً، كيف تخزى وأنت تصل الرحم وتقري الضيف وتُكسِب المعدوم وتُعين على نوائب الحق، لا يُخزيك الله أبداً، ومن هنا خزي الأمة اليوم لأنها لا تتمثَّل بهذه الخصال ولا تفعل هذه الأشياء، حيث غلبت عليها الأنانية، فتعبد ربها في مساجدها وتطوف بكعبتها وبنيتها وبيتها وتصوم شهرها ولكنها – إلا مَن رحم الله وهم قٌلٌ – مُقطَّعة الأوصال ومُشتَّتة النوايا والعزمات وليست تتفق قلوبها على شيئ وليست تجتمع أنظارها على نهجٍ واحد، فهى خزيانة وهى مكلومة وهى محروبةٌ ومُستضعَفة، ولذلك لابد أن نُذكِّر وأن نستذكر هذه المعاني كلما عيّدنا كل عام وكل جُمعة وبعد كل حجة وبعد كل شهرٍ كريم من رمضاناتنا، فلابد أن نُذكِّر وأن نستذكر هذه المعاني، والنبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – كان يقول مَن ضمَّ إلى قوت عياله يتيماً مِن بين مسلمين فقد أوجب الله له الجنةَ البتة إلا أن يأتي ذنباً لا يُغفَر، والذنب الذي لا يُغفَر الشرك، قال الله إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ۩، أما ما عدا ذلك فله الجنة البتة، كيف يا سيدنا يا رسول الله بمَن ضمَّ وعال وتكفَّل بثلاثة أيتام؟ قال عليه الصلاة وأفضل السلام ومَن تكفَّل بثلاثة أيتام كان كمَن قام ليله وصام نهاره وقضى دهره شاهراً سيفه في سبيل الله، قال وكنتُ أنا وهو أخوين كما أن هاتين أختين، وألصق السبابة بالوسطى!

مَن غلّغَل النظر في الأخبار والآثار تقريباً – والله تبارك وتعالى أعلم – لم يجده – عليه الصلاة وأفضل السلام – رتَّب من جزيل الأجر وطائل المثوبة وعظيم الجزاء كالذي رتَّب على كفالة الضعفاء الأرامل واليتامى والمساكين والإحسان إلى الناس وصلة الأرحام، وهذا هو الإسمنت الاجتماعي، أمتنا المرحومة فيما مضى لم يُسجِّل التاريخ عن تراحم أمة وعن تناسجها وتشابكها وتعاضدها وتراحمها كهذه الأمة العجب، ومَن قرأ الآداب الغربية التي تنقض هذه المُجتمَعات قبل مائتي سنة ومائة وخمسين سنة يعلم كيف كانوا يعيشون هؤلاء الناس، ظلمٌ ما وفقه ظلم واضطهاد واستعباد  للضعفاء وللمساكين وللأطفال وللنساء، وهذا شيئ عجيب، وهذه المُجتمَعات الأوروبية التي تُعلِّمنا الآن برطانتها حقوق الإنسان وتدل علينا، أما نحن – بحمد الله وفضله ومجد الإسلام وعزه – فقد كنا في غابر الأيام أمة تُلقِّن العالمين دروساً في رحمة الحيوان لا في رحمة الإنسان وحده، أما رحمة الإنسان فحدِّث ولا حرج، الحديث  عن أوقاف الرجال والنساء – عن الأوقاف التي وقفها رجال والتي وقفتها نساء – على الأيتام وعلى الأرامل وعلى الفقراء وعلى الخدم وعلى العبيد لا ينقضي، فهناك أشياء لا تُصدَّق، وأحد هذه الأوقاف كان وقف الأطباق أو الأواني المكسورة الذي وقفته سيدة جليلة لأنها تأثَّرت مرةً بمنظر خادم أو خادمة كسرت طبقاً لسيدها فجعلت تبكي في الشارع وقد دخلها خوفٌ عظيم من أن تعود إلى سيدها أو سيدتها فيحل بها العقاب، فهذا الذي أخطرها أن تقف وقفاً الله أعلم بعشرة آلاف أم بمائة ألف أو بخمسمائة ألف دينار، لكن هذا وقف على مُستوى البلد للأواني المكسورة، وكل مَن كسر إناءاً كان يأتي ويأخذ مثله تماماً، فهذه هى الأمة وهذه كانت رغبة في الخير عجيبة، لأنها أمة تُريد الآخرة!

يقول جُبَير بن نُفير – رضيَ الله عنه وأرضاه – كان أصحاب محمد – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – إذا التقوا يوم العيد هنّأ بعضهم بعضاً – نحن نقول كل عام وأنت بخير، لكن ماذا أفعل بهذا الخير؟ ما معنى وأنا بخير؟ أي خير هذا؟ يُريدون بصحة جيدة وفلوس كثيرة على عكس ما كان يقول الصحابة – تقبَّل الله منا ومنك،أي أنهم يتحدَّثون عن العبادة، فكل شيئ مربوط بالعبادة، المُهِم الأجر والمُهِم الآخرة، أما الدنيا زائلة، فالخير والصحة والنعمة وكل هذا زائل، المُهِم أن يتقبَّل الله وأن نكون من المُتقين وأن يُدخَر لنا في الآخرة، وهكذا كان يُحيي بعضهم بعضاً بقول تقبَّل الله منا ومنك، ومما يدل على صحة النظر المفروض حديث عائشة – رضيَ الله تعالى عنها وأرضاها – ما عمل ابن آدم عملاً يوم النحرِ أحب إلى الله – تبارك وتعالى – من إهراق الدم – من هذه الأُضحية أو الهدي – إنها – أي إن الشأن كذلك – لتأتي يوم القيامة على فرشة بقرونها وأظلافها وشعرها وإن الدم ليقع من الله بموقعٍ – ليس الدم نفسه ولكن المقصود الأجر، أي الأجر سيُكتَب عند الله وإلا لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا ۩ – فطيبوا بها نفساً، لماذا هذا الترغيب في الأضحية؟ سُئل عنها رسول الله فقال سُنة أبيكم إبراهيم، وذلك حين قالوا له يا رسول الله ما لنا في الأُضحية؟ فقال سُنة أبيكم إبراهيم، والملمح ملمحٌ اجتماعي لكي تُطعِم الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۩، فتأكل وتُطعِم الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ۩، وطبعاً في غالب الأحوال الذي يُضحّي أو يهدي هو واجد، فهو عنده وغير مُحتاج ومن ثم لن يطعم كثيراً و لن يحتاج إلى هذا، بالضبط كشأننا هنا تماماً، فنحن لا نحتاج إلى هذا اللحم – مللنا هذا اللحم – ولكن نتفقَّد به مَن لا يجده، فلتتفقَّد به مَن لا يجده إذن، قال الله فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ۩ وقال أيضاً فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۩، فهذا هو إذن، ويدل على صحة النظر المفروض حديث الإمام الطبراني في الأوسط والإمام الحاكم في مُستدرَكه عن ابن عباس – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – حيث قال صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم مَن مشى في حاجة أخيه المسلم  – كما قلت لكم صلة الأرحام وقضاء الحوائج والتراحم والتواخي ورحمة الأرامل واليتامي والمساكين، أي هذا الطابع الاجتماعي – كتب الله له أجر اعتكاف عشر سنين – ذلك حين تخدم الناس، فكيف بمَن خدم وأعطى؟ كيف بمَن خدم بجاهه وإسمه ومنصبه ورضخ  من ماله وأعطى وأسر ذلك يبتغي وجه الله تبارك وتعالى؟ ماذا يكون أجره؟ لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ۩ -، وإن اعتكاف يومٍ واحد ابتغاء مرضاة الله ليُباعِد بين العبد وبين النار مسيرة ثلاثة خنادق، كل  خندقٍ بُعد ما بين السماء والأض، فهذا هو إذن، هذا هو ديننا، لكن بعض الناس يستهلك وقته في الصلاة فقط، يُصلي في اليوم عشرين أو ثلاثين أو أربعين ركعة تطوّعاً ويظن نفسه قد وصل، لكن هناك طرق أقصر، وأنا عاتب في قلبي حقيقةً – هذه الظاهرة أصبحت عامة للأسف في العالم الإسلامي – على الذين يحجون كل سنة ويعتمرون كل رمضان، وأنا أقول لهم هناك – والله العظيم – ما هو أحسن من هذا بكثير وربما أجركم أفضل وأثقل في الموازين مائة مرة أو ألف مرة، وهو أن تُعطوا هذه الأموال لمَن يحتاج، لماذا؟ ما معنى أربعة آلاف أو خمسة آلاف أو ستة آلاف يورو كل سنة في حجة؟ حتى لو أعطيت ستين ألفاً أعط أيضاً هذه الستة الآلاف، فهناك مَن يحتاج، يُوجَد الكثيرمن الفقراء والأرامل  والمساكين وطلّاب العلم الفقراء حول العالم الإسلامي، فهم كثيرون جداً، وهذا أفضل لك من حجة كل عام، أنت قضيت حجة الإسلام، فلماذا تحج كل سنة؟ أنت اعتمرت عُمرة أو عُمرتين أو ثلاث عُمر، لماذا تعتمر كل رمضان؟ لكنهم لا يُدرِكون هذا!

شيخ الإسلام والإمام المُحدِّث والحافظ والفقيه المُجتهِد ابن المُبارَك ذات سنة من السنوات كان في طريقه إلى الحج، لكنه عاد من بغداد إلى بلدته – بلدة من بلاد فارس – لأنه أعطى نفقته كلها لامرأة أرملة على يتيمات، فهذا سيكون أرجى له وأرجح – إن شاء الله – في ميزانه من حجته، فهذا هو الفقه وهذا هو الدين، يجب أن نعرف أن هذه هى أقصر الطرق إلى الله – تبارك وتعالى – بأن يرحم بعضنا بعضاً وأن يشعر بعضنا ببعض وأن يحس بعضنا ببعض!

أبو بَرْزة الأسلمي صاحب رسول الله – أبو بَرْزة هو صحابي جليل رضوان الله تعالى عليه – كان له كل يوم بالغدوة جفنةٌ – صحن كبير يُوضَع فيه الثريد – ثريد له ولأهله وربما مَن حضر مِن أصحابه وإخوانه، وله جفنةٌ مثلها عشيةً لليتامى والأرامل والمساكين، فهو يفعل هذا كل يوم، أي أن الرجل جعل طعامه شطرين – شطراً له ولأهله وشطراً لذوي الحاجة – وذلك كل يوم وليس في المُناسَبات، فهذا هو أبو بَرْزة -رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – وهكذا هم أصحاب رسول الله!

زُبيد  بن الحارث – رحمة الله تعالى عليه – كانت إذا تكون ليلة مطيرة – والرجل كبير من أهل العلم ومن أهل الفضل – يخرج إلى العجائز – أي عجائز الحي من النساء الكبيرات  – ومعه زنبيل – شيئ كالسلة – ويقول هل لكن حاجة إلى السوق؟ أنا أقضي هذا.
تسمعون بمحمد بن شهاب الزهري، الإمام الزهري هو أستاذ الإمام مالك، فهو أستاذ الأستاذين وأكبر مُحدِّث في عصره رضوان الله تعالى عليه، محمد بن شهاب الزهري يرد مرةً على ماء كان عليه أناس من البدو، وبعد أن أخذوا منه وأخذوا عنه شكوا إليه أن عندهم عشر عجائز عُمريات – أي مُعمَّرات – لا خادم لهن، فماذا فعل الإمام والعالم ابن شهاب الزهري؟ استلف واستدان عشرة آلاف دينار، أي أنه استلف ستين ألف درهم، وهذه ثروة كبيرة، والله أعلم متى يقضيها هذا المسكين لكنه استلفها ثم أخدمهن كل واحدةٍ خادماً بألف دينار، هذا تفكير عجيب، فالإمام لا يقول أبداً أنا وظيفتي فقط العلم والتعليم والحديث وانتهى دوري، وهذا حدث لأنهم يعلمون أن هذه هى الطرق إلى الله تبارك وتعالى، أي أن يقوم بعضنا ببعض، قال رسول الله مَن كان عنده فضل مالٍ – هذا تعليم رسول الله خير المُعلِّمين وأستاذ الأستاذين ومُعلِّم المُعلِّمين – فليعد به على مَن لا مال له، مَن كان عنده فضلُ زادٍ فليعد به على مَن لا زاد له، مَن كان عنده فضلُ ظهرٍ – ركوبة – فليعد به على مَن لا ظهر له.

وأختم قائلاً قبل ليلتين تساءلت مع إخواني عن الإنسان منا حين يموت، وكلنا ذلكم الإنسان، كلنا سنموت حتماً ولا شك في هذا، فيتحسَّر أهلونا وأحبابنا علينا ولنا وبالنيابة عنا، ولكن كيف وعلى ماذا يتحسَّرون؟ بالله هل سمعتم عن أحدٍ مات فتحسَّر الناس قائلين يا للحسرة ويا للمسكين الميت، لقد مات ولم يُكمِل المليون العاشرة، كان عنده تسعة مليون يورو للأسف، لكن مات المسكين ولم يضع في الحساب – Konto – المليون العشرة فيا للأسف؟ لم يحدث هذا مرة، هل قال أحدهم يا للأسف لم يتزوَّج للمرة العاشرة، فقط تسع مرات يتزوَّج ويُطلِّق ولم يتزوَّج للمرة العاشرة؟ هذه شهوات، فالواحد من هؤلاء مُتوسِّع في الشهوات كأن الله خلقه لهذا وكأنه لا يُفكِّر مرةً أن هذا الشيئ هو شيئٌ نازل وأن هذا الدماغ شيئٌ مُرتفِع، فعليك أن تخدم الدماغ والعقل والإيمان، هذا أرفع شيئ فيك، خلقه الله ليكون رفيعاً، ففكِّر برفعة ولا تُفكِّر بدنو، لم يتحسَّر أحد لأنه لم يتزوَّج للمرة العاشرة ولم يُجرِّب طعم العاشرة، نحن لا نتحسَّر على هذا، أليس كذلك؟ لا نتحسَّر لأنه لم يركب آخر موديل Model من مرسيدس Mercedes 2011 للأسف لكنه ركب موديل Model  2010 طبعاً ومن كل الأنواع، فنحن لا نتحسَّر على كل هذا، نتحسَّر على شيئٍ واحد ونقول يا للحسرة لم يتوسَّع في إنفاق ما عنده في سبيل الله وإلا كان بقيَ له، وقد قلت لإخواني أنا لي أخ في الله كان بيننا مودة ومحبة وكنت آخذ عليه في نفسي أنه مع كثرة ملايينه – كنت أظنها بالعشرات، أي كنت أظن أنها تصل إلى عشرين أو ثلاثين أو أربعين مليوناً لكن فيما بعد اتضح أنها بالمئات، فالرجل قارب على المليار – لا أراه يتوسَّع في الخيرات هنا، وكنت أقول أنت مُقيم معنا هنا في النمسا ولا تتوسَّع في خدمة المسلمين، فأين المراكز التي بنيتها؟ أين المساجد التي افتتحتها؟ أين المدارس التي أنشأتها وشيدتها؟ أين كل هذا؟ أين خدمة إخوانك المسلمين وأخواتك؟ هذه خدمة خيرٌ من الدنيا – والله العظيم – وما فيها، وأُقسِّم بالله على هذا، لكن الرجل بعد ذلك ذهبت أمواله في مُلابَسات مُعيَّنة كلها ولم يُبقوا له شيئاً، وإلى اليوم – والله العظيم – حسرةٌ في قلبي عليه وأقول يا للأسف لم يخدم نفسه، هذا أخ أحببته في الله وهو فيه شهامة وفيه رجولة وفيه شيئ من تُقى وكان يُصلي ولكن للأسف فيه كزازة وبخل وقلة عقل، فلو كان تام العقل لخدم نفسه، لأنك لا تخدمنا يا أخي وإنما أنت تخدم نفسك، قال الله وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ ۩ وقال أيضاً وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ  ۩، فهذا الأخ للأسف لم يكن عقله تاماً وذهب ماله، وشرٌ حالاً منه الذي يموت دون أن يُنفِق شيئاً، فهذا الأخ ربما عنده – إن شاء الله – مُهلة يستدرك فيها وربما يُعوِّض الله عليه بعض ماله ليستدرك، أما الذي مات فلا استدراك له، طُويَت الصحف وأُجمِلَ كتابه على ما عمل، وهذا الذي نتحسَّر له ونتحسَّر بسببه!

 فبالله لا تجعلوا أحداً يتحسَّر بالنيابة عنكم ولا تكونوا من المُتحسِّرين، اعملوا لأنفسكم وكبِّروا عقولكم وكونوا كباراً واخدموا أنفسكم وامهدوا لها بإخلاص.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر والحمد لله رب العالمين وتقبَّل الله مني ومنكم ومن المسلمين حول العالم أجمعين وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله الطيبين وصحابته الميامين.

(16/11/2010)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: