إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

 أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سُبحانه وتعالى من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد: 

أيها الإخوة المسلمون الأفاضل، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول المولى الجليل – سُبحانه وتعالى – في مُحكَم التنزيل بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ۩ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ ۩ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۩ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ۩ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ۩ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ۩ وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ۩

آمين، صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأفاضل، أيتها الأخوات الفاضلات:

الوعي بالشروط الأولية لفلسفتنا في الحياة – تلك الشروط المُستمَدة من عقائدنا الدينية ومداركنا المِلية – أمرٌ في غاية الأهمية، لأن هذا الوعي هو النور الذي يُنير موضوعه، وبدونه يبقى هذا الموضوع في حالة إعتام، في حالة إظلام، وجوده كعدمه! 

ومن هنا – أيها الإخوة والأخوات – ضرورة أن نتفحَّص وبعُمق هذه المسألة، هل لنا حقاً فلسفةٌ في حياتنا؟ هل لنا فلسفة إطارية لمجموع سلوكاتنا، لما يُوجِّه نوازعنا، لما يحفزنا، لما يُحرِّكنا، ولما يُعزينا ويُسلينا حين تثقل علينا مهام الحياة، وحين تُعجِزنا أحياناً بلواها ومصائبها؟ هل لنا مثل هذه الفلسفة؟ وهل هي حقاً مُستمَدة من ديننا – من عقائده ومفاهيمه ومبادئه -؟ وهل نحن واعون بهذا بشكل واضح؟

إن كنا واعين فستكون كل هذه المسائل في دائرة النور، في دائرة الضوء! مما يعني مزيداً من تخصيبها، مزيداً من استثمارها، ومزيداً من بسطها ومدها، أما إن كنا غير واعين فوجود هذه المعاني أو وجود هذه الفلسفة – التي لن تكون فلسفة، ستكون معاني مُفرَدة، تعيش فُرطاً أو تُوجَد فُرطاً بالتعبير القرآني – سيكون كعدمه، كعدم هذا الوجود!

أُريد أن أُوضِّح هذا المعنى، قد يرث الإنسان تركةً طائلةً، تركةً مُهِمةً ونفسيةً، لكنه لا يُدرِك مدى نفاستها، ولذلك لن يعمل على استثمارها، وستضيع فُرصة جليلة – فُرصة كبيرة جداً – كان يُمكِن لهذا ولمَن حوله أن ينتفعوا بها، لو أنهم أحسنوا استثمار ما بأيديهم، لكنهم لم يفعلوا.

كل فكرة – طبعاً من باب أولى كل شيئ من الأشياء، لكن سنقول كل فكرة – في الميدان وفي المجال المعنوي لا يتم استثمارها – لأنه لم يتم الوعي الحقيقي المُنير والمُضيء بها – قد تغدو تتغذى على  نفسها فتهلك، بالعكس! أحياناً هذه الفكرة تغدو عاملاً ومُحفِّزاً على ماذا؟ على إنتاج ظواهر تُضادها تماماً، تُناقِضها تماماً، تُناقِض هذه الفكرة! وإليها الإشارة بقوله – تبارك وتعالى – وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ – أي من قبلكم – فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۩، ووظيفة هذا الكتاب تليين القلوب، إمامة العقول والنفوس، لكنها صارت ماذا؟ صارت وظيفة تقسية الآن، لماذا؟ لأنها تركة لم يتم الوعي الحقيقي بها، لم يتم تعميق وعينا بها، أعني وعيهم، ولذلك أصبحت عاملاً لا يستهلك نفسه فقط، وإنما يُنتِج أضداده، يُنتِج ما يُناقِضه! وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا – أي من بعدهم – فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۩، ولذلك لابد أن نُنعِم النظر وأن نُكرِّره كثيراً في هذا الموروث الإلهي الكريم الذي بين أيدينا، كان الفاروق عمر – رضوان الله عليه – يقول مَن لم يعرف الجاهلية لم يعرف الإسلام، وهذا إلى حد بعيد جداً صحيح جداً، لأنك لن تعرف نفاسة وقيمة ما بيديك إن لم تذق طعم الحاجة إليه.

أُقدِّم بهذه المُقدِّمات التي قد تكون شيئاً ما غامضة بين يدي حديثي عن موضوع أهم كثيرين من رجال الفكر ورجال العلم في القرن المُنصرِم ولا يزال، ولا يزال يُهِم الكثيرين، إنه موضوع البحث عن معنى، معنى لوجودي، معنى لحياتي، وهنا لا نتحدَّث بالصيغة الفلسفية عن معنى مُجرَّد كُلي شامل، هذا مطلوب، ولكن عن معنى حياتي أنا، عن معنى وجودي أنا، عن معنى حياتك أنتَ، عن معنى وجودك أنتَ وأنتِ، بالضبط هكذا!

وحين قرأت ما تيسَّر في هذا الموضوع طبعاً مُنذ سنوات بعيدة تقريباً لم أجد الجديد الذي يُمكِن لهؤلاء أن يُقدِّموه مع احترامنا وتواضعنا الجم بين يدي كل مَن يُمكِن أن نفيد منه حرفاً واحداً، شرقياً كان أو غربياً، مُسلِماً كان أو غير مُسلِم، مُؤمِناً كان أو غير مُؤمِن، هكذا علَّمنا الإسلام، أن الحكمة ضالتنا ونحن أولى الناس بها، ولكن لم نكد في هذا المضمار بالذات نقع على جديد، جديد كل الجدة! لماذا؟ لأن ديننا – بحمد الله – وتراثنا بالذات في هذا المضمار وفي هذا الميدان أكثر من غني، لكننا يبدو أكثر من فقراء في فهمه وفي التعاطي الحقيقي المُعمَّق معه، لذلك لا نشعر بهذا، لا نستطيع أن نُقدِّم للعالم فلسفة حياة حقيقية، لا نستطيع أن نُنشئ علماً كما فعل – مثلاً – فيكتور فرانكل Viktor Frankl الألماني – سجين النازيين أو مُعتقَل النازيين في الحرب العالمية الثانية – حين أنشأ علماً يُقال إنه علم خطير جداً، وصفه أحد علماء النفس بقوله إنه أخطر وأعظم ما قدَّمه علم النفس للبشرية في القرن العشرين، ما يُعرَف بمدرسة فيينا الثالثة! وهو سياق ضمن سياقات التحليل الوجودي، ويُعرَف بعلم نفس المعنى، وتمخَّض عن أسلوب جديد في العلاج، تحدَّثنا عنه مرة قبل حوالي عشر سنوات في خُطبة أيضاً، وهو أسلوب العلاج بالمعنى، أي الـــ Logotherapy، العلاج بالمعنى!

وطبعاً بلا شك هناك إضافات في ميدان علم النفس كانت جديدة تماماً على العقل العلمي، حتى العُصاب اختلف مفهومه، أي الـــ Neuroses، كان هناك العُصاب نفسي المنشأ، وهو الذي تحدَّث عنه فرويد Freud وكل المُحلِّلين النفسانيين، أما العُصاب الجديد فهو عُصاب معنوي المنشأ، ليس نفسي المنشأ، ناتج عن ماذا؟ ناتج عن اختلال منظومة القيم، عن التشاكس والتعاند والصراع الذي يُمكِن أن ينشب بين مجموعة قيم ومعانٍ، تُوجِّه حياة الإنسان، أو ربما هي بصدد توجيه حياته، فينشأ هذا العُصاب، وهو إشارة لا إلى مرض، بالعكس! إلى حالة صحية، الإنسان الصحي هو الذي يُمكِن أن يتكابد وأن يتعانى مثل هذا الصراع، مثل هذا العُصاب! لماذا؟ لأنه باحث عن معنى، لأنه إنسان يبحث عن معنى، هذا المعنى هو الذي يُحدِّد الهدف، لا يُمكِن أن تُحدِّد هدفك دون أن تُحدِّد من قبل المعنى، قد تبدو العلاقة جدلية إلى حد مُربِك جداً، يُمكِن للهدف أن يُحدِّد المعنى أحياناً، لكن الصيغة الصحيحة أن المعنى أولاً هو الذي يُحدِّد الهدف.

مثلاً لنبتدئ من هذه النُقطة الراسبة، من هذه النُقطة النازلة والواطئة جداً، ماذا لو فكَّرت في مهيتي وفي أصالة هاته الماهية؟ هل أنا الكائن الذي يتميَّز من الحيوان؟ كثير من الفلسفات الدينية وغير الدينية تُحاوِل أن تتخذ من هذا مُدخَلاً لتعريف الإنسان، أنه ما يتميَّز من الحيوان، لكن هنا قصور كبير جداً، حتى الجماد يتميَّز من الحيوان، حتى النبات يتميَّز من الحيوان، إذن لست إنساناً لأنني أتميَّز من الحيوان، هذا غير صحيح، فلسفات كُبرى وعلوم تحدَّثت مُتخِذةً من هذه المُقارَبة مُدخَلاً لها، لكن أخطأت السبيل، أخطأت الطريق!

أحد الحُكماء يقول ليس ما يُحدِّد إنسانيتي أو إنسيتي بتعبيره – ليس ما يُحدِّد إنسيتي أو إنسانيتي – هو قولي لقد فعلت ما يُمكِن للحيوان أن يفعله مكاني، إذن هو يُريد أن يقول ليس ما يُميِّزني من الحيوان هو ما يُحدِّدني كإنسان، لست كذلك! ولذلك أبحث في معناي، وهذا بحث في المعنى المُجرَّد الآن، ليس في معناي أنا كشخص وكمُفرَد، وإنما – انتبهوا، هذا كلام دقيق، في غاية العُمق والأهمية – لأنني تجاوزت الحيواني في، هذا صحيح، هذا هو!

طبعاً الذين اتخذوا المُقارَبة الأولى دارون تماماً – لكنهم مُتناقِضون أو غافلون – بأن جُزءاً منا هو جُزء حيواني، هناك ما هو مُشترَك بيننا وبين الحيوان، لكن حين أتجاوز هذا الحيواني أبدأ لأكون إنساناً، وبالنسبة إلينا هذا مُدخَل مُمتاز جداً في قضية البحث عن معنى.

إذن لا يُمكِن أن يكون توفير الضرورات هو ما يُعطينا معنى حياتنا، لا يُمكِن! لا يُمكِن أن تكون قضية اللذة أو الجنس أو قضية الطعام أو الشراب أو المأوى أو اللباس الذي يقينا حر الصيف وبرد الشتاء مع وظيفته التزيينية والرمزية أحياناً والدلالية هو ما يُعطينا معنى حياتنا، لا يُمكِن! لأن كل هذا هو مُشترَك بيننا وبين الحيوان، هو الجُزء الحيواني فينا، وهذا الجُزء هو الذي ينبغي بدرجة أولى أن نُمارِس في حقه الضبط والرقابة، وهناك فرق طبعاً بين الكبت وبين الرقابة، بين الضبط وبين القمع، بين الـــ Suppression وبين الـــ Repression، لأن بعض الناس يقول المُتدينون الدراويش المساكين – يتوجَّع من أجلنا أو من أجلهم – مكبوتون، إنهم يكبتون أنفسهم، وحتى هذا لا يعرف ولا يدري معنى الكبت، بالعكس! أنا أتحدَّث الآن عن الإسلام، عن الدين، أي الإسلام، وليس عن أي شرع آخر، بالعكس! موقف الإسلام من هذه الضرورات موقف مُنير جداً وواضح ومعقول وواقعي، في أقصى درجات الواقعية، الإسلام اعتبر أن هذه ضرورات، فلسفته تُلخَّص بجُملة واحدة، لكي تبدأ تكون إنساناً عليك أن تُؤمِّن هذه الضرورات، عليك أن تتجاوزها، لكن ليس لمرة واحدة، لا! التجاوز مُستمِر، كل يوم تقريباً، كل يوم! كل يوم لابد أن تأكل ولابد أن تشرب ولابد أن تأوي، لابد أن تأوي إلى مسكن أو تأوي إلى أهلك، ليس شرطاً كل يوم أو كل ليلة، فهذا يختلف باختلاف العمر، لكن يتم التجاوز بشكل مُستمِر.

لن تكون إنساناً ما لم تتجاوز هذه الضرورات، وهذا ما تعمل عليه النُظم الطاغوتية والنظم القمعية للأسف التي يرزح المساكين وأشباه البشر تحتها، أشباه الناس أو الأناسي يرزحون أحياناً تحتها بالعشرين وبالثلاثين سنة، أجيال! جيل كامل أو جيلان تنقضي حيواتهم دون أن يُجرِّبوا معنى أن يكونوا بشراً حقيقياً وأناسي حقيقيين، لأن أحلام يقظتهم وأحلام مناماتهم هي الخُبز والجنس واللباس والمسكن والسيارة والمال والعمل الشريف، مُستحيل! لم يتجاوزوا بعد الحيوانية فيهم، وهذا ما تعمل عليه هذه النُظم، النُظم التي تُحيون الإنسان، حيونة الإنسان كما قال بعضهم، حيونة الإنسان والعياذ بالله! لذلك الذي يتعمَّق هذه المسائل يشعر بشعور غير مُريح، لا أُحِب تعبير الرثاء أو تعبير الأسى لكن سأقول إنه يشعر بشعور غير مُريح، إزاء البشر في مثل تلكم البلاد، يشعر أنهم منقوصون، منقوصو الآدمية المساكين، هذا ليس ذنبهم، يُشارِكون فيه، لكن ليس ذنبهم، هناك ظروف مُعقَّدة كثيرة جداً جداً.

على كل حال بعد ذلك تبدأ لتكون إنساناً، الإسلام يفهم هذا تماماً، لذلك عليك أن تتقبَّل هذه النوازع، هذه الغرائز، هذه الحاجات، وهذه الضرورات، وعليك أن تُشبِعها لكن ضمن أيضاً إطار قيِمي أو قيَمي – نسبة إلى المجموع -، عليك أن تُشبِعها ضمن إطار قيِمي وضمن إطار أخلاقي معنوي راقٍ، وهذا ما يُعطي الفرق بين الكبت المذموم والضبط، نحن أيضاً مثل فرويد Freud نذم الكبت، هل تعرفون كيف ينشأ الكبت بإزاء – مثلاً – المسألة الجنسية؟ حين نُعلِّم أنفسنا أو نُملي على أطفالنا أن هذا الجنس هو جُزء بهيمي، جُزء مُنحَط، وجُزء قذر فينا، لا يجوز هذا، بالعكس! بالتالي بعد ذلك أي تحسس أو أي ميل جنسي يبدأ عند الطفل المُراهِق أو الطفلة سيعمل على تغييبه، على جعله في اللا شعور، هذا هو الكبت، الــ Repression، لأنه شيئ يُستحيا منه، حتى أمام ضميري أنا وأمام العقل الواعي في أنا أستحي من هذا الشيئ وأتقذره، هل الإسلام يصدر عن فلسفة كهذه؟ مُستحيل، الإسلام يقول وَمِنْ آَيَاتِهِ – من آيات الله، من الدلائل على كرم الله وعظمة الله وحكمة الله وحُسن تقديره – أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۩، ما ألطف وما أرقى هذا التعبير! يقول هذا من آيات الله، يقول وَمِنْ آَيَاتِهِ ۩ – لا إله إلا هو – هذه العملية، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ۩، هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۩، شيئ عجيب جداً!

والنبي يُعلِّمنا أن نأتي هذا الشيئ بسم الله، نقول بسم الله، اللهم بارك لنا، هل هو عبادة؟ كأنه شيئ قريب من هذا، نأتيه بسم الله، أين الاستقذار هنا؟ أين الاحتقار؟ أين الازدراء؟ لكننا نُمارِس هذا الاحتقار والازدراء في أدبياتنا العامة اليومية، وهذا من التناقض، لأننا لم نفهم ديننا، لم نفهم ديننا! لم نخلق إطاراً صحيحاً للفهم وللتعاطي مع هذه القضايا، وهذا تنتج عنه أمراض ومشاكل واختلالات واختلاطات مفهومية ومسلكية، نُعاني منها باستمرار!

لكن ضمن الضوابط الشرعية والأخلاقية هذا الشيئ يُرجأ، لا يُمارَس في أي وقت ولا في أي مكان ولا مع أي شخص، هناك مُحرَّمات، مُحرَّمات بأربعة أسباب معروفة في الفقه الإسلامي، نساء مُحرَّمات بأربعة أسباب إجمالية طبعاً، وهناك ضوابط لهذه المُمارَسة، إذن هذا الشيئ يُمكِن أن يُرجأ، وهذا ما يُعرَف بالقمع، مع أنه قد يكون تعبيراً غير مُوفَّق، ترجمة غير مُوفَّقة، الــ Suppression من الأفضل ربما أن نُسميه الإرجاء، أي Little suspension، أو التعليق، تعليق المُمارَسة، إرجاء المُمارَسة إلى الظرف المُناسِب أو إلى الظروف المُواتية، فرق كبير جداً بين هذا التعليق والإرجاء وبين ماذا؟ الكبت، متى ينشأ الكبت؟ إذا احتقرت هذا الشيئ، إذا عُلِّمت أن أحتقره، لكنني لا أفعل كمُسلِم، بالعكس!

بعض المشاكل الجنسية لدى المُسلِم والعربي عموماً للأسف ناتجة عن اختلال الفهم في هذه القضايا، لن أذكر مثل ماذا، مشاكل كثيرة! وتقريباً إلى الآن لا علاج حقيقياً لها، لأن لا يُوجَد فهم حقيقي لهذه المسائل، تنشأ مسائل حقيقية، في الحياة حتى الزوجية، لأننا لم نفهم هذه القضية تماماً، مع أنها في الإسلام قضية واضحة ولها فلسفة مُمتازة، وقضية الجنس مثل قضية الأكل، مثل قضية الشراب، مثل قضية السكن، ومثل قضية اللباس، إنها الضرورات التي علينا أن نتجاوزها، والتجاوز – كما قلت – مسألة مُتكرِّرة، ليس لمرة واحدة، وإنما باستمرار، نتجاوزها لكي نعبر إلى غيرها، لكي نعبر إلى ما يجعلنا أوادم، بني آدم، بشراً، أو بالأحرى أُناساً، فكلمة أُناس أحسن من بشر، لابد أن نعبر إلى ما يجعلنا أُناساً أو أناسي، هذه الإنسانية!

هنا فلسفة واضحة وصريحة تماماً، إذن كل المُجتمَعات، كل النُظم، وكل الفلسفات التي لا تُصادِق على هذه الفلسفة هي تُغامِر بقضية الإنسان، بحياة الإنسان، بمُعاناة الإنسان، وبمُستقبَل الإنسان، لماذا؟ بعض الفلسفات والتوجهات العلمية أيضاً فهمت أن هذه الأشياء ليست ضرورات، إنها الأهداف العُليا، فمثلاً فلسفة التحليل النفسي – إن جاز التعبير – لفرويد Freud لم تفهم أن اللذة أو الجنس ضرورة، وتتجاوز إلى ما هو أعلى، لا! فهمت أنها الهدف الأسمى، الغاية الأبعد، والمُوجِّة تقريباً شبه المُطلَق باحتكار والمُتفرِّد، فأحالت الإنسان إلى مسخ، أحالته إلى شبيه بقرد، شبيه بحيوان يتسافد، ليس أكثر من هذا، والإنسان أعلى من هذا.

علماء نفس كبار من تَلاميذ فرويد Freud رفضوا هذا، قالوا هذا غير صحيح، الإنسان لا يُمكِن أن يكون بهذه الضعة، هذا الجانب موجود فيه، لكن لا نستطيع أن نُوليه كل هذا الاعتبار، لكنهم وقعوا في مطب آخر، مثل ألفرد أدلر Alfred Adler، قال القوة هي ما يحفز الإنسان، القوة هي الغاية النهائية، إرادة اللذة عند فرويد Freud وإرادة القوة عند هذا، أما مدرسة فيينا الثالثة ففعلاً ذهبت إلى خُطوات أكثر واقعية، ويبدو أنها مدرسة ظاهرتية فينومينولوجية، تُريد أن تفهم الشيئ كما هو، دون أن نتفلسف وأن نضع أشياء كثيرة من عندنا، نفهم الأشياء كما هي تقريباً، بمنحى ظاهراتي كما يُقال، بمنحى ظاهراتي! فهمت أن هذه الغاية يتم البحث عنها باستمرار، إنها إرادة المعنى، The Will to Meaning، إي إرادة المعنى، هو هذا! هنا يستطيع أن يدخل الدين مُباشَرةً بقضه وقضيضه على الخط، يقول أنا هنا لدي الكثير لكي أُقدِّمه، أنا هنا لكي أُقدِّم حتى ما هو في نظري الجواب النهائي والمعنى الأكبر، أم المعاني! مهما فكَّرت في هذه المسألة وجدت فعلاً أن قضية الإيمان بالله – تبارك وتعالى – هي أم المعاني، كيف؟ لعلنا نُوضِّح هذه الجُملة فيما تبقى من هذه الخُطبة إن شاء الله تعالى، كيف؟ كيف يكون الإيمان بالله هو أم المعاني؟ كل المعاني! ومن هنا لو فهم المُسلِم أو المُؤمِن قضيته الإيمانية حقاً لكان هو الإنسان الكامل، الذي بشَّر به الصوفية، ولكنهم لم يقعوا عليه، لكن محمداً – محمد إقبال رحمة الله عليه، الفيلسوف المُسلِم – قال القضية محلولة، إنه المُؤمِن، وهذا صحيح، في نظري محمد إقبال كان أقرب إلى أن يفهم فلسفة الإسلام من هؤلاء العارفين بالله، هم بشَّروا به، ولكن لم يجدوه، ومَن وجده وجده في أشخاص مُفرَدين قلائل، الشيخ فلان أو الشيخ علان، في ألف وأربعمائة سنة ربما يُعَدون على أصابع اليد، غير صحيح، المُؤمِن! المُؤمِن الكامل هو الإنسان الكامل، موجود! موجود ولكن هذا الكمال ليس أيضاً كمالاً مُجرَّداً، ليس كمالاً فلسفياً، هو كمال كل إنسان بحسبه، وسنُوضِّح هذا أيضاً، كيف؟

الآن نعود إلى قضية الإيمان وكيف يحتاز كل المعاني، خاصة الإيمان الإسلامي، أنا أعني إيماننا نحن كمُسلِمين، ضمن فلسفتنا الخاصة، التي نفهمها من الكتاب والسُنة، نفهمها! لا أقول موجودة هكذا، لكن هذا ما نفهمه على الأقل من الكتاب والسُنة، أولاً أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ۩، ينفي القرآن بضربة واحدة أن يكون الإنسان مخلوقاً – انتبهوا، الآية عجيبة – عَبَثًا ۩، سيقول أحدهم لا، أنا أُريد لنفسي أن أعيش حياة عبثية، القرآن سيقول له أنت ستتحطَّم، لماذا؟ لأن القرآن تحدَّث عن قضية كونية، وليس قضية أمرية، وليس قضية شرعية، هل فهمت؟ القرآن – مثلاً – حين يقول لك هذا حلال وهذا حرام طبعاً أنت عندك الاختيار بعد ذلك في أن تقول لا، ما حلَّله الله سأُحرِّمه، وطبعاً ستخرج من الإسلام، ليس عندك مُشكِلة الآن، تقول وما حرَّمه الله سأُحلِّله وما أحله سأُحرِّمه، قضية أمرية، لكنه يقول لها بُعدها التقديري الكوني، يقول أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ ۩، إذن أنت مصنوع ومُهيَّأ ومُركَّب لكي لا تعيش عبثاً، فإن أصررت على أن تعيش عبثاً ناقضت ماذا؟ ناقضت ذاتك، ناقضت طبيعتك، ناقضت ما خُلِقت عليه وله، وستتحطَّم قطعاً، ستتهشَّش، وستدفع الثمن، في الدنيا وليس في الآخرة، التفكير الديني دائماً يُشير تقريباً إلى الأُخروي، أي في الآخرة، لا! هذا في الدنيا.

وبالمُناسَبة هذه فلسفة أعتقد أنها ستُبيِّن لنا بجلاء أن قضية الدين كله هي لك وليست لله، الله لا يُريد منك شيئاً، قال مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۩، لن تعود على الله بشيئ – كما قلنا آلاف المرات – ليس له وليس عنده، لن تعود! لكن هذا لكن أنت، حتى العبادة لك أنت، العبادة لك أنت! أنت تعبد الله، لكن مردودها لك أنت، من أجلك أنت، ومن أجل ماذا؟ من أجل أن يخدم المعنى، معنى وجودك، معنى سيرك، ومعنى حياتك.

انتبه، ستقول لي لكن كذا وكذا، قلنا لك في البداية حتى الضرورات – كل الضرورات – لم يُصادِر عليها الإسلام بطريقة إقصائية، بالعكس! تقبَّلها وألح عليها، ألح عليها وأصر على أنها يجب أن تُشبَع ويجب أن تُروى، لكي يُمكِن بعد ذلك التجاوز، فَقَدْ يَقْصُرُ الفَقْرُ الفَتَى دُونَ هَمِّهِ، كما قال أبو حامد الغزّالي – وكان بطريقة واضحة فاقهاً بهذه النُقطة الغامضة الآن على كثير من المُتفلسِفين – متى يفرغ لعبادة الله – قال متى يفرغ لعبادة الله، ليس للصلاة، انتبهوا! هذه الطقوسيات ليست حقيقة العبادة، هذا لباس العبادة أو كسوة العبادة، فأين روح العبادة؟ يُصلون، لكن هل يُصلون؟ يعبدون، لكن هل يعبدون؟ أو ربما يُصلون ولكن هل يعبدون بهذه الصلاة؟ مُستحيل! – مَن هو مشغول مُستغرَق الوقت في ليله ونهاره بتحصيل رغيف عيشه؟ كما قلنا الخُبز بالنسبة لمَن يُحرَم الخُبز هو حلم يقظته وحلم منامه، العيش طبعاً! وجرِّبوا هذا، المساجين مثلاً الذين يُحرَمون من كسرة الخُبز – كل أربعة أيام يُعطونهم كسرة صغيرة – كل أحلامهم في الليل والنهار تدور على كسرة الخُبز، على الخُبز! الخُبز والقمح وكل ما يتعلَّق بهذا، غابات من الرموز، كلها تدور حول الخُبز، هذا الإنسان المسكين! يبقى عبداً للضرورة، لأنه لم يتجاوزها، ما هذا؟ فمتى يفرغ إذن للعبادة؟ متى يفرغ – يقول أبو حامد الغزّالي – لعبادة الله مَن هو مشغول مُستغرَق الوقت في ليله ونهاره بتحصيل رغيف عيشه؟ متى؟ 

لذلك قالوا مَن لا معاش له لا معاد له، إذا ليس لي دنيا، ليس لي ما آكل وما أشرب، ليس لي الزوجة التي آوي إليها، ليس لي البيت الذي أسكنه، وليس لي كذا وكذا، فلن تكون لي آخرة، هل تعرفون لماذا؟ ليس لأن الله يُريد أن يُضاعِف علىّ العذاب في الدنيا والآخرة، لأنني لن أكون حتى مُتعبِّداً لله، سأغفل عن ذكره تبارك وتعالى، قال إبراهيم – عليه الصلاة وأفضل السلام – رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ۩، إذا تُريدهم – يقول إبراهيم عليه السلام، خليل الرحمن! يقول إذا تُريد من ذُريتي هؤلاء، من زوجي وابني وذراريهم – أن يعبدوك فارزقهم من الثمرات، لب لهم الضرورات، وفِّر لهم الحاجات، بعد ذلك سيتجاوزونها إلى ما هو أرقى، إلى ما يجعلهم أناسي أو بشراً أو ناساً.

هذا منطق القرآن بشكل واضح جداً، لكن الفكر الديني فعلاً الظلامي – فكر الظلاميين من المُتدينين – يُريد دائماً – وهو مُحافِظ كما يُقال، فكر مُحافِظ رجعي – استبقاء الأوضاع على ما هي عليها ويُريد أن يُبرِّر أوضاعاً غير معقولة، هي فعلاً تجعلنا – أنا أقول لكم صدِّقوني – لسنا مجانين، وإنما شيئ أحقر من أن نكون مجانين، لأن المجنون أحياناً جنونه علامة على أنه عاقل، كيف؟ أحياناً جنوني يدل على أنني عاقل، يقول الفيلسوف الألماني ليسينغ Lessing بعض الظروف تحملك على أن تفقد عقلك، فإن لم تفعل فليس عندك ما تفقده، انتبهوا! بمعنى – هو يُريد أن يقول بعبارة بسيطة ومفهومة للجميع أنت كإنسان طبيعي لو عُرِّضت أو تعرَّضت إلى ظروف غير طبيعية وتصرَّفت معها بعقل لن تكون إنساناً طبيعياً، وهذا ما قلته مرة للدويتشه فيله Deutsche Welle حين سألوني عن الفلسطينيين، عن هؤلاء الوحوش الأشرار الأنجاس، عن شعب الغيلان هذا والبعابع، عن هؤلاء المُسمَون بالفلسطينيين، كيف يفعلون كذا وكذا؟ وكيف يُفجِّرون أنفسهم؟ وكيف يبتهجون بهذا؟ هل هؤلاء طبيعيون؟ آلمني السؤال جداً، قلت لهم بجُملة واحدة هؤلاء طبيعيون تماماً، مثلي ومثلك، لكنهم يرزحون تحت ظروف غير طبيعية، أتحدى أي طبيعي بل أتحدى أكبر طبيعي من هؤلاء أن يأتي ويرزح تحت نفس الظروف، ليُريني بعد ذلك استجابته، طبعاً هذا ليس تبريراً مني لأي فعل مثلاً، لا! وإنما فقط أنا أُريد أن أنفي تُهمة أنهم ليسوا طبيعيين.

ولذلك الذي ذكرته اليوم – عالم النفس الألماني، وهو بالمُناسَبة يهودي، وأنا أحترمه وأُحِبه جداً، لأنه عالم إنسان، إنسان حقيقي، أكثر إنسانية من هنا إلى آخر مجرة في الكون من النازيين الذين عذَّبوه – سأله الضابط النازي مرة عن مهنته، قال ما مهنتك؟ ضابط جاهل! قال طبيب، قال حقاً، حقاً طبيب! أنت كنت تبتز الناس وتُثري من أموالهم، قال له ما كان واقعاً هو أنني قضيت أكثر سنوات عمري طبيباً في مُستشفيات بالسُخرة، لا أتقاضى فرنكاً واحداً، لأنني كنت أعمل من أجل الإنسانية، إنسان مُحترَم، كيف لا يُقدَّر؟ إنسان عظيم، لذلك فتح الله عليه بعلم نفس كامل، المدرسة الثالثة! إنسان نبيل، إنسان عنده قيم في الحياة، وهو الذي أراد أن يُفهِمهم كيف يكون لهم معنى، ما هو المعنى؟ مُؤسِّس علم نفس المعنى فيكتور فرانكل Viktor Frankl، قال كنت أعمل بدون مُقابِل – ببلاش كما نقول، أي لوجه الله – في مشافي للفقراء والمعوزين، كنت أستطيع أن أُثري لكنني لم أفعل، وطبعاً ظُلِم، هذا أكثر إنسانية مليون مرة من هذا النازي الجلف الجاهل، لكن هذا الرجل كتب في كتابه شيئاً هاماً، عنده كتاب عظيم جداً جداً، لخَّص فيه هذه النظرية في النصف الأخير منه، في النصف الأول لخَّص مُعاناته في مُعتقَلات النازيين، مثل أوشفيتز Auschwitz وغيره، في بافاريا Bavaria أيضاً، اسمه بحث الإنسان عن معنى، أي Man’s Search for Meaning، بحث الإنسان عن معنى، مُقدِّمة في علم العلاج بالمعنى، قال فيه بالحرف الواحد ما قاله ليسينغ Lessing بطريقة غير مفهومة، قال هناك ظروف مُعيَّنة وشروط مُعيَّنة تجعلك تفقد عقلك، فإن لم تفعل فليس عندك ما تفقده.

بمعنى هناك ظروف تُجنِّن، تجعلك مجنوناً! لأنك عاقل، لأنها ظروف غير عاقلة وغير معقولة، إذا تصرَّفت معها بعقل ستكون بليداً، لن تكون إنساناً، لأنها ظروف غير عاقلة وغير معقولة، حين تكون الظروف غير معقولة طبيعي ومعقول جداً أن تُواجِهها أيضاً بطريقة غير معقولة، وفي هذه الحالة أنت بالنسبة إليهم – بالنسبة إلى أصحاب هذه الظروف وخالقي هذه الظروف – مجنون، وأنت بالمعنى المُجرَّد عاقل تماماً، لكن إن لم تُجَن تحت هذه الظروف التي تُجنِّن فأنت ليس عندك ما تفقده، أي ليس عندك عقل أيضاً، ولذلك ليس عندك شرف أن تكون مجنوناً، أن تكون مجنوناً هذا شرف كبير، شهادة وبراءة بإنك إنسان، وإلى وقت قريب أنت عاقل، والآن أنت بمنظور أكبر عاقل أيضاً.

فرانكل Frankl عبَّر عن هذا بطريقة سلسة وواضحة جداً، قال ماذا؟ الاستجابة – أي الـــ Response – غير السوية لظروف غير سوية هي استجابة سوية تماماً، هذا هو! وهذا ما قلته أنا بصيغة ربما أكثر حتى وضوحاً، قلت هم أُناس طبيعيون، يرزحون تحت ظروف غير طبيعية، كيف تُريد أن تكون ردود أفعالهم يا سيدي؟ تفضَّل، أُفحِم الرجل لأنه ذكي، أُناس مُتعلِّمون ومُثقَّفون! واقتنع بجوابي تماماً، لم يُجادِلني حتى بكلمة واحدة، في حين أن جلفاً جاهلاً وربما عُنصرياً مُغرِضاً يُمكِن أن يُجادِل إلى السنة القادمة، لأنه لا يفهم، لا يفهم المُعاناة، نحن شعب يُعاني، نحن أمة – الآن الأمة الإسلامية بشكل عامة – تُعاني، المُعاناة لا أقول شيئ نبيل ولا شيئ مُقدَّس، لا أقول هذا، لكن أقول المُعاناة جُزء بلا شك من حياة الإنسان، من حياة الشعوب، ومن تجارب الإنسان والأمم، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ۩.

طُبعت على كدر وأنت تريدها                               صفواً من الأقذار والأكدار.

ليست كذلك الحياة، فحين نعيش قطعاً لابد أن نُعاني ولو يوماً، لا يُوجَد إنسان حياته سعادة مُتصَلة وهناء مُتوفِّر دائماً، حتى أبناء الملوك وأبناء الأمراء وأبناء السلاطين عندهم ما يُعانون منه، أحياناً يُعانون من كونهم لا يُعانون، وهذه مُعاناة، علماً بأن هذه أقبح مُعاناة، مُعاناة تُفرِز ما يُعرَف بالفراغ الوجودي، أي The existential vacuum، الفراغ الوجودي! الذي يُبرِّر الآن حقيقة مُروِّعة مُخيفة، هي أن الذين يموتون حول العالم مُنتحِرين – الموت اختياراً كما يُقال، أي الذين يختارون الموت، الذين يُفارِقون الحياة باختيارهم مُنتحِرين – أكثر من ضحايا كل النزاعات والحروب بين الدول والأمم، ما رأيكم؟ كم ينزف العالم الإسلامي بحروب إقليمية ومحلية وعالمية أحياناً! كثيراً جداً جداً، لكن الذين ينتحرون إحصائياً أكثر من كل هؤلاء، لماذا؟ بسبب الفراغ.

انظروا إلى الحياة هنا في الغرب مثلاً، لا شك أن هذا الغرب أصاب حظاً كبيراً جداً – ربما حظاً غير مسبوق – من النجاح المادي ومن نجاح توفير الضرورات للإنسان، فعلاً بطريقة غير مسبوقة ربما في تاريخ الدنيا، لا شك في هذا، في أقل من ربع قرن – كما يقول كينز Keynes، الاقتصادي البريطاني الكبير – ارتفعت مداخيل الإنسان حوالي عشر مرات، عشر مرات! هذا موجود، يُوجَد تقدَّم حقيقي، يُوجَد رفاه، يُوجَد رفاه هناك في الشرق المسكين المقهور المجبور لا يحلمون به حتى في الأحلام، يُوجَد رفاه، ولكن هل هناك استقرار نفسي حقيقي؟ هل هناك حالات من القناعة، من الرضا، من الطمأنينة، ومن المُصالَحة مع النفس، مع الآخر، ومع القدر – لأنه موجود ويفعل فعله فينا، أي القدر، شئنا أم أبينا -، أم يُوجَد العكس؟ 

برتراند راسل Bertrand Russell ليس مادحاً أو ليس مُتمدِّحاً بهذه الفضائل الشكية وإنما شاجباً للمُجتمَع والعصر كتب يقول أو بالأحرى نطق يقول في مُحاوَراته مع البي بي سي BBC في الخمسينيات لا تجد إنساناً سوياً في وقتنا هذا وهو مُستقِر ومُطمئن، كل الأسوياء من أصحاب الأذهان الخصبة والعقول الفيّاضة تجتاحهم الحيرة والشك والتردد، وهو يتحدَّث عن معالم عصر، عن معالم عصر وعن سمات حياة، وهذا هو العصر هذا! لماذا؟ هل تعرفون لماذا؟ لأن – كما قلت ولم أُكمِل – بعض الفلسفات وبعض العلوم والمدارس العلمية أفهمت الناس أن اللذة معبود يُعبَد، انتبهوا! قد نعبد أشياء كثيرة، لكن للأسف نعبدها ولا نُقدِّسها، هل يُمكِن أن يُعبَد شيئ هكذا؟ نعم، النهم – تعرفون النهم، هو أبو بطنان، الذي يُحِب بطنه كثيراً، يأكل كثيراً والأكل عنده مُقدَّس، ويُمكِن أن يُوقِع الطلاق على زوجه ثلاث مرات في اليوم في أوقات وجبات الطعام الثلاث، لأنها تأخَّرت عليه دقائق بسبب الطعام، علىّ الطلاق، علىّ الطلاق! أبو بطنان أو أبو عشرة بطون هذا – يعبد الطعام، هذا لا يعرف معنى للأسرة ولا للزواج ولا للتدين، هذا يعبد الطعام، لكنه هل يُقدِّسه؟ بالعكس! هو يلتهمه، هو لا يُقدِّسه، ولكن يلتهمه، والذي يعبد الفرج أو الذي يعبد الجنس هل يُقدِّسه؟ بالعكس! لا يُقدِّسه، والذي يعبد المال هل يُقدِّسه؟ لا يُقدِّسه، وهكذا!

إذن القضية أنك قد تتعلَّم أن تعبد شيئاً، لكن هذا الشيئ غير جدير بالعبادة، لأن ما هو جدير بالعبادة جدير بالتقديس وجدير بالتنزيه، والجدير بالتنزيه هو واحد، لا إله إلا هو! كل ما عدا ومَن عدا الله غير جدير بالتنزيه المُطلَق، سُبحانه! هذا معنى سُبحانه، أنه المُنزَّه مُطلَقاً، لذلك هو المعبود وحده، ولذلك هناك ضروب للشرك، انتبهوا! والشرك ليس فقط يتمظهر أو يتبدى في عبادة حجر أو وثن، هذا الشرك بلا شك مظهر فج وأكثر بدائية من غيره من مظاهر الشرك، لكن أيضاً الذي يعبد فرجه مُشرِك، طبعاً! وهو مُستعِد أن يضحي إيمانه بالله وخشيته من الله وحُبه لله في سبيل فرجه، نعم! طبعاً هو مُستعِد لأن يُبرِّر هذا بخمسين طريقة لا معنى لها، وهذا لا يعنينا، الذي يعبد بطنه نفس الشيئ، كذلك الذي يعبد المال، الذي يعبد القوة والسطوة، والذي يعبد الشُهرة والسيط، كل هؤلاء مُشرِكون، يعبدون هذه الأشياء عبادة حقيقية، لكنها عبادة لغير مُقدَّس، عبادة بلا تقديس، عبادة لا تُثمِّر الإنسان، وإنما تستهلكه، تتغذى عليه، تُدمِّره، وتتركه في الأخير مُهشَّشاً مُحطَّماً.

حدَّثني للأسف زميل قديم ابتلاه الله – تبارك وتعالى – بسوء ما كسبت يداه للأسف عن نفسه، فشل في حياته الدراسية وفي حياته الاجتماعية، لأنه لم يترك معصية مما يُمكِن أن يُؤتى إلا أتاها والعياذ بالله، والتقيته بعد خمس عشرة سنة، قال لي بالحرف الواحد الآتي، في البداية – حين بدأ النقاش – كان يُريديني أو يلزني إلى أن أُدافِع عن قضية إيماني، وطبعاً هذا شيئ سخيف بالنسبة إلىّ، سخيف جداً جداً! ليس مثلك مَن يفعل هذا، لأنك لم تقض هذه الحياة في الفكر ولا في الفلسفة ولا في الاطلاع، أنت قضيتها في المباذل والمساخر، أتُريد الآن أن تنتحل دور فيلسوف؟ لذلك أنهيته في النقاش بثوان، انتهى ولم يجد ما يُجيب، انتقل إلى الحقيقي، اترك هذا الزيف، هو يُريد أن يُريح ضميره، وإذا قالوا المعاصي بريد الكفر فوالله لم يُبعِدوا، لأن الإنسان حين تكثر معاصيه في النهاية لكي يُريح ما يُسمى بالضمير ماذا يقول لنفسه؟ ليس هناك إله، غير موجود! ليس هناك حساب ولا عذاب، انتهى! كله كلام فارغ، لكي يرتاح، هو غير قادر على أن يتحمَّل طبعاً، انتبهوا! لذلك كثرة المعاصي نهايتها أحياناً قد تكون مشؤمة جداً جداً، قد تُودي بالإنسان إلى الكفر والعياذ بالله، حتى يستريح ضميره، كفر مبعثه الإيمان، انتبهوا! هذا من تناقضات الإنسان، هذا كفر مبعثه الإيمان، لأن هناك ضميراً لا يزال مُؤمِناً وهو يخزه، يقول الرسول الإثم حزّاز القلوب، هذا وخز الضمير، وخز! يحز دائماً.

لكي يرتاح المسكين ولكي يعرف كيف يأكل وكيف يشرب وكيف ينام وكيف يُمارِس مزيداً من المباذل والمساخر يُريد لهذا الضمير أن ينام على الأقل، فيُفهِمه أن لا إله ولا حساب ولا عذاب.

 ما مضى فات والمؤمَّل غيب                              ولك الساعة التى أنت فيها.

انتهى! انتهى كل شيئ، وربما يستريح ضميره إلى حين، ريثما يستيقظ مرة أُخرى، وهذا يكون أيضاً من رحمة الله، المُهِم قلت له اترك الزيف، دخل في الحقيقة، الحقيقة – قال لي – يا أخي أنني لم أترك شيئاً يُمكِن أن يخطر على بالك إلا وفعلته، قلت له جميل، والنتيجة ما هي؟ أنا عندي فلسفة في الحياة، هكذا! قبل أيام كنت أُناقِش فيها أحد الناس عبرها، صدِّقوني ما يُنتهى إليه هو الحق، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ۩، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ۩، هذا في كل شيئ، أي العاقبة! كل شيئ في النهاية له عاقبة، لأن كلمة حق ما معناها؟ ما معنى حق؟ حق يحق حقاً، والحاق والحق بمعنى ثبت، أي الشيئ الذي يُنتهى إليه ويثبت، فيقعد وينتهي، هذا هو الحق، ولذلك ناقشت أحدهم قبل أيام، هو مُتردِّد جداً ومُمزَّق بين خيارين، خيار يُمليه العقل وخيار تدفع إليه العاطفة، قلت له يا سيدي ببساطة أنا أعرف أنك الآن خاضع تحت سطوة وسُلطان العاطفة، وأفهمك وأتقبَّلك تماماً، ربما لو كنت مكانك سأكون مثلك، ولكن أسألك سؤالاً، بعد سنة ما الذي سيكون؟ وكيف سيكون تفاعلك؟ لمَن ستكون الغلبة: للعقل أم للعاطفة؟ قال للعقل، قلت هذا هو الحق إذن، أنت تُريد أن تعرف الحق وتأخذ رأيي، قل لي فلسفتك أنت في الحياة، أنت بنفسك بعد سنة ستقول لي لا والله، في الحقيقة كان عند الطرف الآخر الحق، لكن أنا كنت مُنفعِلاً وبطريقة عاطفية فقلت عكس هذا، وشيئ طبيعي هذا، الظروف لم تسمح لي بأكثر من هذا، ولكن ما يحق هو الحق، ما معنى يحق؟ يثبت، ما يثبت في الأخير هو الحق، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۩.

لذلك هناك طريقتان في مُحاكَمة الآراء والاتجاهات والسلوكات، فهل تكون بالاستناد إلى النتائج أو الاستناد إلى الأسباب؟ ما نتخذه دائماً نحن هو الاستناد إلى الأسباب، أليس كذلك؟ لأنه أكثر معقولية، لكن ما يُمكِن أن يكون طريقاً أقصر إلى التحقق هو ماذا؟ الاستناد إلى النتائج، قال فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ۩، لا تُوجَد مُشكِلة! سنرى وسنلمس لمَن تكون عُقبى الدار، لمَن تكون العُقبى، لمَن تكون العاقبة، انتظروا! المسألة ليست طويلة جداً، انتظروا! إذن الاستناد إلى النتائج أحياناً قد يكون أسلوباً عملياً، الاستناد إلى الأسباب أسلوب نظري، لكن إلى النتائج أسلوب عملي، ولا يقبل كثيراً من الجدال.

فقلت له والنتيجة ما هي؟ قال النتيجة فراغ رهيب، فراغ رهيب! لم يعد هناك ما يُمكِن أن يُمتِعني، قال انتهى كل شيئ، مع احتفاظي بقوتي، قال ليس هناك ما يُمتِعني، قال أنفقت المال حتى كأنه تراب، ذهب إلى البلاد الإسكندنافية وحصَّل أموالاً كثيرة ثم أنفقها مثل التراب، قال أنفقتها مثل التراب، اشتريت، لبست، عملت، وفككت، كل ما أُريده فعلته، قال فعلت كل المُوبِقات، والآن – قال – أبحث عن شيئ يُبهِجني ولا أجد، ليس هناك ما يُمكِن أن يُبهِجني، قلت له طبعاً، لأن كل هذه الأشياء لا تُشكِّل أهدافاً، كل هذه الأشياء التي جعلتها أهدافاً وعبدتها من غير تقديس في الحقيقة لم تكن أهدافاً، كانت محطات على الطريق، كما قلنا في أول الخُطبة ينبغي تجاوزها، لكي تبدأ في الاستهداف، لكي تبدأ في تحقيق الأهداف الحقيقية، وفي قطع المراحل الأُخرى الأكثر رقياً إلى الأهداف الحقيقية، لكنك كنت كحمار الرحى – أكرمكم الله وأعزكم الله وأعزكن – تدور وتدور وتدور، والمكان الذي ترتحل إليه هو المكان الذي ارتحلت منه، كحمار الرحى! طبعاً سيُصاب في النهاية بملل قاتل، بالعكس! ستتناوشه أيضاً أفكار الانتحار وإنهاء حياته، وهو معذور، ضمن ظروفه – ما شاء الله – وخياراته الغبية جداً معذور تماماً.

أيها الإخوة:

الإنسان – أنا وأنتَ وأنتِ – أضعف مما يتخيَّل، للأسف ما يُحطِّمنا هو شعورنا أحياناً بالقوة الزائفة، أنت تمتلك نُقطة قوة وحيدة أيها الإنسان، صدِّقني! نُقطة قوة واحدة وحيدة، ما هي؟ ومن أين تنبع؟ تنبع من نبع واحد، إدراكك لضعفك، حين تُدرِك ضعفك حقيقةً وتتعامل مع نفسك ومع الوقائع والشروط من هذا المُنطلَق ستكون إنساناً قوياً جداً، وهذا ليس تناقضاً وليس لعباً بالألفاظ، هذه الحقيقة! ستكون قوياً وقوياً جداً، أقوى من كل الآلهة الزائفة والمعبودات الكاذبة والأوهام السرابية الخدّاعة الخلّب، ستكون أقوى من كل هذا، سيكون لك بصر من حديد، سيكون لك إرادة لا تنثني، سيكون لك عزم لا يلتوي، وسيكون لك جُهد لا يتخوَّنه ملل، كيف؟ حين تُدرِك ضعفك، وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ۩، الله يقول وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ۩.

لن نتحدَّث عن مقولة الإنسان ومحمولاتها في كتاب الله، هذا موضوع طويل وتعرَّضنا إليه مرات، لكن في عالم الفن والأدب ما هو الأرقى دائماً وإلى اليوم؟ التراجيديا، أليس كذلك؟ المأساة! أعظم وأنبل ما أنتجه الأدب والفن الإنساني ما يتعلَّق بالمأساة، كل إنسان فينا عنده نزوع أن يسمع النغم الحزين، أليس كذلك؟ مائة في المائة! يا حظ أهل العراق أصحاب الأنغام الحزينة والأغاني الحزينة! كل إنسان فينا عنده نزوع أن يستمع إلى القول الحزين وأن يتسلى بسماع قصص المُصابين، لماذا ينتشر موضوع التشهير والصُحف والجرائد التي يُسمونها فضائح، لكنها ليست فضائح فقط، هي فضائح ومصائب وبلايا ونكبات؟ عندها رواج غير طبيعي، ليس عند العرب فقط وإنما في كل العالم، تُستهلَك كالماء والهواء مُباشَرةً! لماذا؟ لأن الإنسان أدرك أو لم يُدرِك يبدو أنه ينطلق من ضعفه، يتناغم بهذا السلوك مع ضعفه، وهو يشعر بنوع من العزاء والسلوان، أنه لم يُنكَب بهذه النكبة، ومن هنا حرصه على هذه المأساة، أن يقرأها شعراً أو نثراً، أن يراها مُمسرَحة، أي على المسرح، أن يراها فيلماً، يُحِب أن يراها حكاية، ويُحِب أن يسمعها، يذرف الدموع ويتحسَّر ويتوجَّع المسكين على هؤلاء الموجوعين، مع أنه لن يتوجَّع وجعهم ولن يتألَّم مكانهم أبداً، وهذا جُزء أيضاً من مأساة الإنسان، لكن يبدأ الإنسان في مُناقَضة طبيعته وفي الخروج عن الحدود حين يظن نفسه أنه موئل وموطن القوة الحقيقية، فيدّعي التأله أحياناً، مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ۩، يدّعي العلم المُطلَق، يُحاوِل السيطرة على مَن دونه، وليس لأطماعه حد. 

لقد لاحظ برتراند راسل Bertrand Russell في مُحاوَراته التي ذكرتها قُبيل قليل بواقعية – لا أقول بذكاء، الأمر لا يحتاج إلى ذكاء، لكن بصدق وواقعية – أن نسب التدين في كل الشعوب – بحسب ما قال وهذا غريب – لا تزداد كلما توفَّرت مظاهر العناية الإلهية، مثلاً حين تُوجَد حالة سلام، تُوجَد صحة، لا تُوجَد أوبئة، لا تُوجَد مشاكل، لا يُوجَد دمار، لا تُوجَد حروب، لا يُوجَد فقر، لا تُوجَد أمراض، ولا تُوجَد مآسي، الناس تكفر، هذا بحسب ما قال، لكن حين تُوجَد حروب، يُوجَد دمار، يُوجَد تسونامي Tsunami، وتُوجَد بلاوي، الناس تعود إلى الدين، لاحظ هذه المُلاحَظة، وهذه المُلاحَظة لا تحتاج إلى ذكاء، هي واقعية وصادقة، وسجَّل بغباء أن الدين خُدعة، غبي جداً هذا الرجل، بالعكس يا حبيبي! لم يفهم الفلسفة التي نُحاوِل الآن أن نُقرِّرها، لم يفهم فلسفة ضعف الإنسان، القرآن سجَّل هذا الشيئ بوضوح، قال كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ۩ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ۩، القرآن قال هذا، حين تظهر مظاهر عنايتي وأعطيه يتمرد، وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ۩، أليس كذلك؟ كفروا ونافقوا وتمردوا، الله قال هذا واضح جداً جداً، لو نحن بسطنا للناس الرزق وأعطيناهم كل شيئ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ ۩، فهذا معروف، يطغى الإنسان! ولكن كلما أرجعناهم إلى ما يُذكِّرهم بحقيقتهم وأنهم ضعاف وأنهم أحياناً عجزة أكثر من العجز نفسه – كلما ماذا؟ – كلما عادوا إلى تقدير المقامات، وعرفوا مقام التراب من مقام رب الأرباب، صاحب كل المقامات، لا إله إلا هو! ومن ثم يعتدل حال الإنسان.

ما يُعطيه الوعي بفلسفتك في الحياة – أول خُطبة اليوم – هو ألا تقع في هذا المطب، لن تقع في هذا المطب! وأنت جالس في قمة النعيم، موفور الصحة والعافية، بين أولادك وأهليك وربما أحفادك أيضاً وذراريك، في قصرك، بين سياراتك، وبين خدمك، بهذا الوعي المُضيء المُنير، أنت ستكون مُستهاماً بالله عز وجل، ستكون ذاكراً له، سيكون همك وخوفك الذي يُروِّعك ألا تكون حقيقاً بهذه النعمة وأن تكون مُقصِّراً في شكرها، سُليمان – عليه السلام – أعظم ملوك التاريخ والأرض، لم يُوجَد ملك مُلِّك كما مُلِّك سُليمان، قال وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ۩، سُخِّر له الإنس والجن والطير والحيوان والريح، كل هذا سُخِّر له، لكن ماذا قال هذا النبي الإنسان؟ ماذا قال هذا الإنسان الكامل – لأنه مُؤمِن كامل -؟ وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ۩، الله أكبر! هذا هو، هذه دعوة هذا المُسلِم الكامل والإنسان الكامل طبعاً.

إذا كان الأديب العظيم الروسي دوستويفسكي Dostoyevsky قال مرةً ما يُروِّعني هو ألا أكون جديراً بمُعاناتي وآلامي – سنشرح هذا، هذا له علاقة بالمأساة وبضعف الإنسان – فالمُؤمِن لسان حاله دائماً أيضاً ما يُروِّعني هو ألا كون جديراً بمُعاناتي وألا أكون جديراً بماذا؟ بنعم الله علىّ، يخاف دائماً أن يكون مُقصِّراً، ولذلك يعيش بين الخوف والرجاء، هذا لا يطغى إذا استغنى أبداً، لماذا؟ لأنه لا يستغني، قال – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – اللهم أغننا بالافتقار إليك، ولا تُفقِرنا بالاستغناء عنك، لأن النبي يعلم أنك ريثما أو حالما أو حالةً ما تشعر بأنك استغنيت فقد افتقرت، الآن بدأت تهوي تماماً، الآن بدأت تهوي! وعرَّضت نفسك للبلوى الحقيقية، أما المُؤمِن المُستبصِر – صاحب الوعي المُنير المُضيء – فليس كذلك أبداً، هذا أكبر من مُتصالِح، ليس فقط مُتصالِحاً مع نفسه ومع قدره، هذا فيلسوف قدره، فيلسوف مصيره، فيلسوف ذاته، وفيلسوف حالته.

النبي لخَّصها أيضاً بطريقته الإعجازية حين قال عجباً لأمر المُؤمِن، إن أمره كله له خير، وبالمُناسَبة هو لا يتحدَّث عني ربما أو عنه أو عنها، يتحدَّث عن المُؤمِن، اللهم اجعلنا من المُؤمِنين الكملة، قال وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۩، طبعاً هذه الطمأنينة بداية ماذا؟ الاستغناء، والصرف والانتهاء بعد ذلك، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۩، لا! النبي لا يتحدَّث عن هذا السخيف، للأسف كثيرون من أدعياء الإيمان مثل هذا السخيف الذي عرض له القرآن الكريم، قال المسكين إنه يعبد ويركع هذه الركعات، وإذا ابتلاه الله – أراد أن يبتليه بأي أمر – فإنه يقول يا رب لماذا؟ وتجده داخلياً يتساءل، لماذا أنا بالذات وأنا أعبدك؟ ما شاء الله، هو – لا إله إلا هو – لو تفكَّرت وتعمَّقت الجود كله، هو الكرم المُطلَق كله، ليس عندك ما تقول وما تحتج به – لِمَ؟ – أصلاً، ليس عندك ما تعترض به، انتهى! لكن نحن عققة، نعق ربنا ومولانا، لا إله إلا هو.

ما أكثر في تفكيرنا فيما لا نملك! وما أقل جحدنا وكفرنا بنعمة ما نملك! أليس كذلك؟ نأسى ونحزن على ما فات، ولا ننظر إليه غالباً إلا من الجانب المُضيء البهيج، أرأيتم؟ يقول أحدهم والله ما أجمل تلك الأيام! فيُقال له يا أخي هل هي أجمل مما أنت فيه؟ فيقول نعم أجمل، مع أنه كان على التراب، والآن هو في قصر، لكنه يقول لا، تلك الأيام كانت أجمل، والله كوب شاي كان أجمل من كل هذه الملاذ التي نتخوَّض فيها، ما شاء الله! ثم هو أيضاً مُتلهِّف ومُتقطِّع على ماذا؟ على ما سيأتي به المُستقبَل، وما أنت فيه، ماذا عنه؟ هذا لا يستحق حتى الشكر ولا الفكر، ولذلك تضيع حياتنا هباءً بين حزن واسع على ما فات وتلهب على آت، أين ما أنت فيه يا أخي؟ اشكر ربك، وكُن ابن وقتك كما قال السادة العارفون بالله، كُن ابن ساعتك الآن، أنت في نعمة، استحلبها واستقطرها وأد شُكرها، حتى تستطيع أن تُكمِل المسيرة، لكن هذا هو الإنسان، عاق – سُبحان الله – وكفور كما قال، ظلوم جهول! وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۩، انظر إلى هذا، لم يقل لظالم كافر، قال لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۩، قال إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۩ والعياذ بالله تبارك وتعالى.

قال عجباً لأمر المُؤمِن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمُؤمِن، ولذلك ما يخاف منه دوستويفسكي Dostoyevsky – ألا يكون جديراً بمُعاناته – المُؤمِن لا يخاف منه، المُؤمِن إذا عانى فإنه يُواجِه هذه المُعاناة بماذا؟ بالصبر، ومعنى أن يكون صابراً أنه يكون ماذا؟ آملاً، أليس كذلك؟ ما معنى أن تكون صابراً؟ الصبر لو لم يعقبه وهم الأمل لما عُد صبراً، لعُد ماذا؟ يأساً واستسلاماً، أليس كذلك؟ وهذا الفرق بين اليأس وبين الصبر، الصابر آمل دائماً في رحمة الله.

حين قرأت كتاب فرانكل Frankl هذا – بحث الإنسان عن معنى – وجدته يدور حول هذا المعنى، ولم يأت بشيئ عميق، ما لدينا أعمق بكثير هنا! قال من مُلاحَظاتي ومُلاحَظات رئيس الأطباء في مُعسكَر أوشفيتز Auschwitz أننا وجدنا أنه في أسابيع مُعيَّنة تزداد نسبة الموت بشكل مُذهِل، مثلاً في أسبوع عيد الميلاد – في أربع وأربعين وخمس وأربعين ميلادية – مات عدد هائل من المُعتقَلين، لماذا؟ رئيس الأطباء صرَّح – وهذا ذكاء منهم، عندهم طريقة علمية في التفكير – أنهم لم يموتوا لتفشي وباء جديد، هذا لم يحدث! هل لأن الظروف قد ساءت؟ هذا لم يحدث، هل لأن أي عوامل مُضافة قد نجمت؟ هذا لم يحدث، الأمور كما هي تماماً، لكن زادت نسبة الوفيات بشكل مُذهِل ومُحيِّر، هل تعلمون لماذا؟ لأن أكثر هؤلاء كانوا مُؤمِنين بدينهم المسيحي أو اليهودي أو غير ذلك، فالمُهِم هؤلاء المسيحيون – مثلاً – يُؤمِّلون بسبب الكريسماس Christmas هذا – أي عيد الميلاد – في ماذا؟ في أن تنتهي هذه المُعاناة، وأن ينظر إليهم الرب بعين اللُطف، فأصبح عندهم مثل هاجس قهري – ليس وسواساً وإنما هو هاجس قهري – يُعطيهم يقيناً أنهم سيُفرَج عنهم في هذا الأسبوع، ولما انقضى الأسبوع بالضبط ولم يحدث أي شيئ جديد بدأوا يسقطون بالعشرات، انتهت حياتهم، ماتوا!

هذا في المأثور الإسلامي، هذه نظرية علمية، وأقام عليها دراسات كثيرة ملأت ستة عشر مُجلَّداً بالألمانية، كلها عن المعنى، أي علم المعنى، ستة عشر مُجلَّداً! هذا علم، لكن هذا في المأثور الإسلامي تقرأه في أول شرح الصدور للسيوطي – كتاب كبير – ببساطة، تظن أنه عن مُجاهِد، قال لما خلق الله آدم وحواء وأنزلهما إلى الأرض قالت الملائكة يا رب إذن يستوحشون، واحد وواحدة فقط، يستوحشان! قال إني جاعل لهم ذُرية، أولاد وبنات، يتسلون! قالوا يا رب إذن لا تسعهم الأرض، ستكون هناك ذُرية وسيتكاثرون، لن تسعهم! قال إني جاعل موتاً، قال سيُوجَد موت، سيعيشون ويموتون، حياة مُؤقَّتة، لكي تسعهم الأرض! قال إني جاعل موتاً، قالت الملائكة يا رب إذن لا يهنأهم العيش، أي لن يعيشوا في هناء إذن، قال إني جاعل أملاً، الله أكبر! سوف يُؤمِّلون، سوف ينسون ويُؤمِّلون، وطبعاً حتى الإنسان الذي عنده أولاده يُؤمِّل في ألا يموتوا في حياته، يقول لا أذاقني الله مرارتهم، أي لا أذاقه الله طعم موتهم، يا رب أموت قبلهم، أي قبل أولادي، وطبعاً هذا عند الشرقيين، سُبحان الله! عندنا غيرية مُمتازة، وهذا شيئ يُحمَد، فالمُهِم هكذا هو الأمل، فالصابر هو آمل.

أُعلِل النَفس بالآمَالِ أَرقُبها                        ما أَضيق العيش لولا فُسحةُ الأمل!

المُؤمِن ليس أمله حتى في فرج الدنيا، أمله مُنداح ومُنفسِح حتى فيما يكون في الدار الآخرة إن شاء الله، شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمة الله عليه، وددت أن فرانكل Frankl وأمثاله قرأوا عن بعض تراجم أو قرأوا تراجم بعض علمائنا وعارفينا وشخصياتنا العظيمة، ابن تيمية عالم ومُجاهِد وإمام كبير، رحمة الله تعالى عليه – أُخِذ أكثر من مرة وسُجِن في خلافات فكرية وعلمية، فدائماً كان في مُنتهى الرضا والسعادة، ويُقسِم بالله ويُشهِد الناس أنه سامح وأسقط حقه عن كل مَن سعوا في مضرته وعن كل مَن ادخلوه السجن وأنه لا يدعو لهم إلا بالخير، عجيب! ما هذه القدّسية؟ وكان يقول – رحمة الله عليه – ماذا يفعل أعدائي بي؟ لا يقدرون – قال – على أن يفعلوا بي أي شيئ، أنا رجل غني بالله، غني بالمعنى، عندي فلسفة في حياتي، عندي معنى أعيش من أجله، أنا رجل غني، ماذا يفعل أعدائي بي؟ لن يقدروا على أن يفعلوا بي أي شيئ، لماذا؟ هل تعرفون لماذا؟ الخيار دائماً عنده، قال الخيار دائماً عندي، خياراتي أوسع من خياراتهم، هذا مُمكِن مهما كانت خياراتهم واطئة ودنيئة، ماذا سيفعلون؟ هل سيقتلونني؟ القتل أحلى خيار عنده، القتل ينظر إليه على أنه شهادة، قال إن سجنوني فسجني خلوة، الحمد لله، على الأقل نتفرَّغ للعبادة، للذكر، للعلم، وللتأمل، من غير واجبات الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، وهذه واجبات عليه كعالم كان يقوم بها أحسن مقام، رحمة الله عليه، قال إن سجنوني فسجني خلوة، وإن نفوني فنفيي سياحة، سياحة إجبارية مجانية، نتسوَّح ونرى بلاد الله، سانت أوغستين Saint Augustine قال العالم كتاب، مَن لم يُغادِر بلده لم يقرأ منه إلا الصفحة الأولى، قال نحن سنقرأ الصفحة الثانية، سنرى بلدان أُخرى وأُناساً آخرين وثقافات أُخرى، قال هذا شيئ جميل، وإن نفوني فنفيي سياحة، رحمة الله عليه، قال وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ خياراتي أوسع!

ولذلك قال محمد إقبال مَن مثل المُؤمِن؟ قال الكافر كل شيئ له تيه، يتيه في كل شيئ المسكين، أي يغرق في شبر ماء كما يُقال، وفعلاً الكافر يُمكِن أن يغرق في شبر ماء، المسكين أي شيئ يُمكِن أن يُحطِّمه، أي مأساة بسيطة يُمكِن أن تُدمِّر بالكامل، أنا أعرف – هنا في النمسا – بعض الناس ماتوا بعد أن مات كلبهم، شعور نبيل أن تُحِب الحيوان، لكن ليس إلى هذه الدرجة، الأفضل أن تُحِب البشر أكثر من هذا، ماتوا! بعد عشرين يوماً ماتت إحداهن لأن كلبها مات، انتهى كل شيئ وتحطَّمت، لماذا؟ الحياة أعطتك الكثير، أعطتك ما هو أكثر من كلب، أليس كذلك؟ أخذت منك كلباً، لا بأس! نحزن ونعمل له نصباً تذكارياً، لكن لا ننتهي بالموت، مثل موت فرانكل Frankl في مُعتقَل النازي، لا! ولذلك يجب علينا – وهذه كلمة فرانكل Frankl وهي جميلة – ألا نتساءل دائماً ماذا ستُعطينا الحياة؟ وما إلى ذلك أبداً، ماذا سنُعطي نحن للحياة؟ لِمَ دائماً نكون أخّاذين؟ اليد العُليا خير من اليد السُفلى، علينا أن نتساءل ماذا أعطينا نحن الحياة؟ هذا السؤال لا يطرحه على نفسه أناني، أليس كذلك؟ الذي يدور حول نفسه ويتمركز حول ذاته لا يطرح أبداً سؤال ماذا سأُعطي أنا الحياة؟ دائماً يسأل ماذا ستُعطيني الحياة؟ لا! علينا أن نسأل ماذا أيضاً نحن سنُعطي الحياة؟ علينا أن نعيش بأمل، أملنا هو دائماً الله تبارك وتعالى، أبو المعاني كلها هو الله عز وجل، الإيمان بالله!

أتُريد أن يكون هدفك – مثلاً – البسيط حتى الأسرة؟ النبي قال خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، أتُريد أن تعيش من أجل أسرتك؟ هذه عبادة عند الله عز وجل، طريق قصيرة طبعاً ومُمتازة، لكن ليست راقية جداً، تصل بها إلى الله تبارك وتعالى، شيئ عظيم! ليس ممنوعاً عندنا في الإسلام هذا الشيئ، قد يقول أحدهم لا، أُريد أن أعيش من أجل الناس، لا تُوجَد مُشكِلة، قال الخلق عيال الله، أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، هل تنفع الناس؟ أنت طبيب أو مُهندِس أو سياسي أو برلماني أو مُؤلِّف أو كتاب أو فيلسوف أو مُمرِض أو كنّاس – زبّال – وتنفع الناس أكثر، إذن أنت محبوب عند الله أكثر، ماذا تُريد؟ أتُريد العلم؟ مَن سلك سبيلاً يطلب فيه علماً سهَّل الله له به سبيلاً إلى الجنة، هل تُريد ما هو أكثر من هذا؟ وهو مرفوع عند الله في الدنيا والآخرة، بسبب العلم، ليس علم الدين فقط، وإنما كل علم، علم الدين وكل علم نافع، كل علم نافع! ماذا تُريد؟ كل المعاني موجودة هنا، وهي سُبل إلى الله، ولله طرائق بعدد أنفاس الخلائق.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المُستغفِرين!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم إنا نسألك ألا تدع لنا في هذا اليوم الكريم في هذا المقام الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرَّجته، ولا كرباً إلا نفَّسته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا سجيناً إلا أطلقته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه، ولا حاجةً لنا فيها صلاح ولك فيها رضا إلا أعنت على قضائها ويسَّرتها بفضلك ومنّك.

اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين المُصلِحين، هُداةً مُهتدَين، غير ضالين ولا مُضِلين، واجعلنا من عبادك أولي الألباب الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم ارحمنا وارحم بنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تُؤاخِذنا بما فعل السفهاء منا.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.

_________

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(10/8/2007)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: