إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سُبحانه وتعالى:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون الأفاضل، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الحق – سبحانه وتعالى – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا ۩ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ۩

بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

وَالْعَصْرِ ۩ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۩ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات:

ثقافتنا السائدة غنيةٌ ولعلها من أغنى الثقافات العالمية بخصوص ما يتعلَّق بتقدير الوقت والتنبيه والتنويه بقيمته وشرفه وخطورته والتحذير من حقيقة سرعة تقضيه وانصرامه إلى غير ذلكم، وهي في ذلكم كله تستند إلى موروث غني وخصب من الكتاب والسُنة والمأثور عن أسلافنا الصالحين ومن الأشعار والحكايا والنثر الكثير أيضاً، ولعلنا نُشير إلى بعض ذلك إشارات عجلى وعابرة لأن هذا يخرج عن صُلب موضوعنا اليوم، لكنها في نفس الوقت وللأسف جد فقيرة بشكل ملحوظ – أي هذه الثقافة السائدة والعامة – إلى تكييف العلاقة مع هذا الوقت، بمعنى جد فقيرة فيما يُعرَف بإدارة الوقت، كيف نُدير أوقاتنا؟ لا تكاد تحتوي على كثير للأسف الشديد، ومن هنا هذا الضياع وهذا السيلان وهذا التسرب المُقلِق والمُحيِّر والمُفشِل أيضاً لمسيرنا ولحياتنا ولمشاريعنا للأسف في العالم العربي والعالم الإسلامي عامةً، لأننا فقراء في هذا الجانب.

ولنُذكِّر ببعض ما ورد من باب التذكير السريع العاجل كما وعدنا، ففي الكتاب العزيز نزلت هذه السورة التي وصفها الإمام الشافعي – رضيَ الله عنه – بأنه لو لم ينزل من القرآن إلا هي لكفت هذه الأمة، وَالْعَصْرِ ۩، الله يُقسِم بالعصر، بالزمان! إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۩، ثم استثنى المذكورين سُبحانه، أقسام القرآن الكريم بالزمان ومجاليه وظواهره أكثر من أن تُحصَر في خُطبة كهذه، الله – تبارك وتعالى – يُقسِم بالضحى وبالليل إذا سجى، يُقسِم بالشمس وضحاها وبالقمر إذا تلاها وما تلى ذلك من أقسام، يُقسِم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق، يُقسِم – سُبحانه وتعالى – بالليل إذ أدبر والصبح إذا أقبل، وبالصبح أيضاً إذا تنفس وقبله بالليل إذا عسعس، وبالفجر وليال عشر، أقسام وأحلاف كثيرة جداً في كتاب الله سُبحانه وتعالى!

كما أنه – أي الكتاب الكريم – غنيٌ وفائضٌ أيضاً بما يُذكِّر بظاهرتي الليل والنهار وتعاقبهما والإشارة إلى كونهما ظرفين للمناشط والأفعال المُختلِفة، على المرء أن يحترز أن يُضيِّع ذلك إلا في واجب كما قال شاعرنا:

إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُمْرُكَ فَاحْتَرِزْ                   عَلَيْهِ مِنَ الإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ وَاجِب.

هذا كثير ومعروف للجميع، كما أنه – سُبحانه وتعالى – لا يفتأ يُذكِّر بالقرون الخوالي وكيف انمحت وتسرَّمت تذكيراً أيضاً للمدنيات والحضارات والشعوب والأقوام أنه ما من شيئ باقٍ فلنجتهد أن تكون مسيرتنا مسيرة خير تلق ذكراً طيباً في الآخرين وفي العالمين.

أما في سُنة المُصطفى المُحمَّد – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – فحسبنا الإشارة إلى الحديث الشهير – وهو مُخرَّج في الصحيح – نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ، النبي يُؤشِّر أو يُصرِّح بأن أكثر الناس لا يُحسِن إدارة وقته، وإنما يظلم نفسه ويبخسها حظها ونصيبها في هذا الموضوع، وقوله – عليه الصلاة وأفضل السلام – بادروا بالأعمال ستة، حديث مشهور! وقوله لن تزول أو لا تزول – وفي رواية لا تزولا – قدما عبد يوم القيامة حتى يُسئل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وحديث اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، يذكر نفس القضية! إلى ما هنالك من أحاديث أُخر وهي كثيرةٌ جداً كما تعلمون أيها الإخوة.

الأشعار أيضاً كثيرةٌ جداً، المأثورات عن السلف أكثر من أن تُذكَر، نكتفي بكلمة الحسن البِصري – قدَّس الله سره – ما من يوم يطلع فجره – أو قال تطلع شمسه – إلا ويُنادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، قال فإني لا أعود – ليس لعلي لا أعود، قطعاً هو لن يعود – إلى يوم القيامة، وهذه هي طبيعة الوقت الصارمة، أنه مصدر مُحدَّد تحديداً صارماً، لا يقف، لا ينتظر، لا يتغيَّر، لا يتمدَّد، لا ينقبض، ولا يتراكم! في حين أن المصادر الأُخرى للإنجاز والإنتاج يجري عليها تقريباً ذلك كله أو بعض ذلكم، فإني لا أعود إلى يوم القيامة!

ويُؤثَر عن الفاروق عمر – قدَّس الله سره الكريم – أنه كان يُحاسِب نفسه على الأنفاس، ليس على الساعات أو الأيام وإنما على الأنفاس، وقل مِن الناس الآن مَن يُحاسِب نفسه على السنين، كلما دارت دورة وتذكَّر يوم ميلاده لعله يُحاسِب نفسه ولعله يمضي لا يلوي على شيئ، غير مُبالٍ شيئاً بالةً، فهذا كثيرةٌ جداً.

من أشعارهم وهو من أجودها:

وما المرءُ إلَّا راكبٌ ظهرَ عُمُرِه                       على سفرٍ يُفنيهِ باليومِ والشَّهرِ.

يبيتُ ويَضحى كلَّ يومٍ وليلةٍ                           بعيدًا عن الدُّنيا قريبًا إلى القبر.

أنت مُسافِر وكل يوم تقترب من الآخرة وتبتعد من الدنيا، والركوبة هي العمر، تركب متن عمرك على هذه الراحلة!

والوقتُ أنفسُ ما عُنِيتَ بحفظِه                           وأراهُ أسهلَ ما عَلَيْكَ يَضيعُ.

شوقي – رحمة الله عليه – قال:

دَقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلة ٌ له                                   إنَّ الحياة َ دقائقٌ وثواني.

قال أحدهم – وهو حكيم بلا شك – ما العمر إلا كتاب دفتاه – أي الجلد في أوله وآخره، جلد الكتاب الذي يُجلَّد به، دفتاه ماذا؟ -: الولادة والوفاة وصفحاته الأيام، فكلما طُويت صفحة كلما دنوت من الأجل، هذا هو! العمر كتاب دفتاه الميلاد والأجل، أي الموت!

أذكرني هذا بقول الشاعر:

أذان المرء حين الطفل يُولَد                             وتأخير الصلاة إلى الوفاةِ.

دليلٌ على أن محياه قصيرٌ                             كما بين الأذان إلى الصلاةِ.

قال أذان المرء حين الطفل يُولَد – أي يأتي ويقدم على هذا الحالم – وتأخير الصلاة – أي صلاة الجنازة طبعاً – إلى الوفاةِ، دليلٌ على أن محياه قصيرٌ كما بين الأذان إلى الصلاةِ، هذا عمر الإنسان!

في المأثور أن نوحاً عليه الصلاة وأفضل السلام – وهو ينصرف ولا ينصرف أيضاً – سُئل حين أتاه ملك الموت – والسائل هو ملك الموت – يا نبي الله، يا رسول الله كيف وجدت الحياة؟ كيف وجدت الدنيا؟ قال والله إن وجدتها إلا كدارٍ لها بابان، دخلت من باب وها أنا ذا أخرج من الآخر، وأكثر من ألف وثلاثمائة سنة تقريباً عُمِّر نوح عليه الصلاة وأفضل السلام.

انتهى كل شيئ، وكل ما ينتهي هو عاجل قصير، الذي لا يكون عاجلاً ولا يكون قصيراً هو الباقي، الدنيا ليس فيها بقاء!

ولنُفضي بالحديث الآن إلى موضوعنا الرئيس، وهو إدارة الوقت، كيف نُدير وقتنا؟ ولأن هذا المصدر بالذات مُحدَّد تحديداً كما ذكرنا ففي الحقيقة هو لا يُدار، لا يُمكِن علمياً، وإنما الذي يُدار نحن، نحن نُدير أنفسنا ونُكيِّف أنفسنا مع هذا المصدر العنيد الصارم الذي لا يلوي على شيئ، يسير لا يُبالي – كما قلنا – بأحد ولا ينتظر أحداً، لو اجتمعت كل المخلوقات على أن تجعل في اليوم الواحد أكثر من أربع وعشرين ساعة لن تستطيع أو في الساعة الواحدة أكثر من ستين دقيقة لن تستطيع، يستطيعون أن يُسموها شيئاً آخر وأن يجعلوها ستة آلاف، لكن هي تُعادِل ستين دقيقة – انتبهوا – بالمقياس المعروف، لا يُمكِن!

لو أن بنكاً من الأبناك أو البنوك المالية – بنوك المالية – أعطانا فُرصة ذهبية – وبلا شك هي ذهبية لأنها من ذهب – وهي أن يسحب كل منا كل صباح ألف يورو – مثلاً – ليُودِعها في حسابه، هذا مسموح! ولكن بشرط ما لم يُسحَب في إبانه وما لم يُسحَب في وقته لن يُسمَح بعد ذلك أن يُسحَب بأثر رجعي، كما أنه لن يتراكم تلقائياً في حسابك، هل منا مجنون يُضيِّع هذه الفُرصة ويدع سحب نصيب يوم واحد؟ طبعاً مُستحيل، أنا أعرف هذا وأستطيع أن أُقسِم عليه غير حانث، لن يفعلها واحد منا، أن يُضيِّع ألف يورو بلا مُسوِّغ مُستحيل، سنُهرَع قبل الفجر لنقف أمام الباب لكي ننتظر فُرصتنا في السحب، لأن ما لا تسحبه لن يتراكم في رصيدك ولن تسحبه بأثر رجعي، لكن كم منا مجنون يفعل هذا كل يوم وربما لا يزال يفعله من عشرات السنين! يُضيِّع الأيام والأسابيع والشهور والسنين في غير جدوى، بل لعله والعياذ بالله – وقاني الله وإياكم هذه الخُطة السوء – يُضيِّعه في معصية الله، لا فيما يعود عليه بنفع لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل فيما يُهلِكه ويجعله بائراً عاثراً دنيا وأُخرى والعياذ بالله، أليس هذا مجنوناً؟ أنتم قبل قليل كنتم مُستعِدين على أن تُقسِموا أنه مجنون، هذا أكثر من مجنون، انتبهوا! هذا أكثر من مجنون.

يقولون الوقت من ذهب، وهذا شائع عند العرب وعند الإنجليز وعند كل الشعوب المُتحضِّرة، وفي الحقيقة هو أنفس من الذهب، لأن بالوقت يأتي الذهب، هناك أُناس وقتهم أنفس من الذهب بكثير، الساعة يُحصِّلون فيها – وأحياناً بطريقة مشروعة – ما هو أنفس فعلاً من مقادير مُحدَّدة من الذهب يتخيَّلونها، لأنهم يستغلون أوقاتهم ولياقاتهم ومُقدَّراتهم وطاقاتهم، يعرفون كيف يستثمرون رأس المال الحقيقي: العمر، الزمان، الوقت، والحياة، هذا هو!

ومفاهيم إدارة الوقت بداهةً لم تُوجَد ناجزة أو مُتكامِلة وإنما تكاملت وتطوَّرت مع الزمن، وهي الآن لدى الخبراء الذين لديهم الكثير لنتعلَّم منهم ونستفيد منهم، وطبعاً هنا أفتح مُزدوَجين لأقول (لن يستفيد إلا مَن يقتحم العقبة وإلا مَن يُترجِم عن قدرة – لا أقول استثنائية ولكنها قدرة مقدورة بلا شك – مقدورة في تجاوز ذاته)، ما هو السبب أنها لا نستفيد من أمثال هذه المواعظ؟ لدينا مواعظ كثيرة عن الزمان وعن العمر وعن الدنيا وعن الآخرة، ولا نكاد نستفيد شيئاً! السبب هو أننا سُجناء أو حبيسون لعادات مُعيَّنة في التفكير وفي السلوك، لا نستطيع أن نتجاوزها، بمعنى لا نستطيع أن نتجاوز أنفسنا، وما دام الواحد أو أحدنا مُصِراً على ألا يتجاوز عاداته التي سُجِن في سجنها فلن يستطيع أن يتغيَّر أو يُحسِّن من أوضاعه وأحواله أو يستفيد من أمثال هذا الكلام.

ألبرت أينشتاين Albert Einstein – العالم الفيزيائي الكبير – يقول إن كل المشاكل الناشئة والناجمة عن أسلوب ومُستوى مُعيَّن في التفكير – أي هو سببها – لا يُمكِن أن تُحَل ما دمنا مُصِرين على اعتماد نفس الأسلوب، مُستحيل! هذا الأسلوب هو الذي نجمت عنه هو المشاكل، كيف بنفس الطريقة أنت ستحل هذه المشاكل؟ يستحيل، هذا جنون! إذن بأي طريقة؟ بطريقة أُخرى بأسلوب يتجاوز هذا الأسلوب السجين، وهذا الأسلوب المُعتقَل، شيئ أكبر من هذا! لذلك علينا أن نقتحم العقبة، علينا أن نُحصِّل الوعي بقصورنا وبأخطائنا!

تقول الحكمة الذين يعترفون بأنهم لا يعرفون حُكماء، والذين يُقِرون بأخطائهم الشخصية قادرون على تنمية شخصياتهم، سينمون، سيتكاملون، وسيُصبِحون أكثر تكاملاً ونضجاً واستتماماً، أما الذين يظنون أنهم يعرفون ولا يُخطئون حتماً سينكسرون، ستأتيهم ساعة أو يوم ينكسرون ويزولون، اعترف! اعترف بأخطائك، اعترف بجهلك، وكُن واعياً بحقيقة ما أنت عليه لكي يُمكِن أن تتطوَّر.

أرجو أن تكون مثل هذه الخُطبة خُطبة تُخرِج الوعظ عن وعظيته، لتجعله يفتح أُفقاً لكيفيات عملية تنجح في التغيير وإن نسبياً إن شاء الله تبارك وتعالى.

أيها الإخوة:

بعض الناس يظن أن إدارة الوقت عملية سهلة وبسيطة وفطرية، صحيح هي كذلك لكن يقول أحد خُبراء إدارة الوقت والتنمية البشرية كونها كذلك لا يعني أنها مُمارَسة شائعة، بالعكس! بإحصاءات وُجِدَ أن الذين يُخطِّطون ليومهم أو لأسبوعهم أو لشهرهم لا يزيدون عن واحد في المائة، أين؟ ليس في الشعوب المُتخلِّفة المُنحَطة، وإنما في الشعوب المُتقدِّمة الراقية، واحد في المائة فقط! أما البقية وأما سائرهم فاعتسافيون اعتباطيون، تأتي كيفما تأتي، اعتباطيون للأسف، فبعض الناس يظن أن إدارة الوقت عملية سهلة وفطرية وميسورة وتُكثَّف وتُركَّز وتُختصَر في شيئ واحد، أن تكتب كل يوم جدولاً أو قائمةً – List – بما تُريد أن تفعل، أي To-Do List، تعمل هذا الشيئ، وهذا الشيئ سهل ومُيسَّر، وهذا الشيئ ضروري، لكنه ليس إدارة الوقت، هذا مُجرَّد مفهوم أو فكرة بسيطة ومُفرَدة من مجموع أفكار مُتكامِلة وشديدة التركيب، وهذه الفكرة تنتمي إلى المُستوى الأول من إدارة الوقت، وهو أبسط المُستويات وأقلها تعقيداً، إنه المُستوى التقليدي، فهي أربعة مُستويات: المُستوى التقليدي، مُستوى الساعة والبوصلة Compass، ثم مُستوى إدارة الأولويات، وأخيراً ننتهي إلى مُستوى التوازن، هذه حصيلة كلام الخُبراء والعارفين والدارسين من شعوب أدمنت الإدارة ونجحت فيها بشكل استثنائي بلا شك، للأسف هي نصيحة لشعوب أمثالنا لا تكاد تعرف شيئاً عن الإدارة عموماً وعن إدارة الوقت خصوصاً للأسف الشديد، ولا تعرف شيئاً حتى عن إدارة الموارد.

ولنتذكَّر مرة أُخرى أن الوقت فضلاً عن أنه مُحدَّد تحديداً صارماً لا يُمكِن اختزانه، يا ليت خُلِق هذا الوقت بطريقة يُمكِن تخزينه معها، كما نُخزِّم الماء – مثلاً – خلف السدود، ونُخزِّن المعاش – الطعام والشراب – والملابس، ونُخزِّن أشياء كثيرة لنستفيد منها ونُعيد توظيفها في وقت الحاجة، الوقت لا يُخزَّن، لو كان يُخزَّن ويُدخَر لكان أسعد الناس الكُسالى والنئومون، ينامون ملء جفونهم ثم هم يقومون عن عشرات ومئات وربما آلاف الساعة يستخدمونها متى أراد وكيف شاءوا ربما في نوم آخر، لكي يستريحوا من تعب التفكير في كيفية التوظيف وإدارة هذه الساعات المُتراكِمة، لكن الوقت لا يُخزَّن، الذي راح يروح، الذي ضاع يضيع، هذا والتحدي!

المُستوى الأول – وهو المُستوى التقليدي – ماذا يُعنى به؟ يُعنى به أن تبدأ يومك ولديك تصور ورؤية عن أهدافك في هذا اليوم، لا تعتبط، ولا تتعسَّف، هذا يوم! هذا هدية من الله بالمُناسَبة، قال تعالى لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ۩، وقبل أيام في غير هذا الصدد مُطلَقاً وفي صدد آخر – سُبحان الله – قلت لأحد الناس الذين يعلوهم الاكتئاب والقتامة والسوداوية، قلت له لماذا؟ لماذا تعيش هذا حياتك بهذه الطريقة؟ صدِّقني أن كل ساعة وكل يوم يمنحك إياه القدر الإلهي هو هدية من الله تبارك وتعالى، اشكر ربك – تبارك وتعالى – على هذه الهدية، اشكر أنك تعيش ساعة زائدة، اشكر! وليس بهذه القتامة وهذه السوداوية يكون الشكر، أنت كمَن يُلقي هذه الهدية الإلهية العزيزية في التُراب والسُخام والرُغام وتقول لله لا أُريدها، لست مُبتهِجاً بها، لست راضياً عنها، قال والله كلام مقبول، وتغيَّر الرجل المسكين في الساعة طبعاً، ولعله يتغيَّر أكثر في الأمد البعيد، تغيَّر مُباشَرةً وبدأ يبتسم ويبتسم للحياة وللأحياء، لماذا؟ قال تعالى أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ۩، قال وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ۩، فينزع نفسه عن منازع السوء، يتوب من الذنوب والمقابح والقذورات، يُصلِّح، يُتمِّم، يُكمِّل، يستدرك الفائت، وأيضاً يشكر الله على هذه النعمة، أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ۩.

فعليك – أيها الأخ وأيتها الأخت الكريمان – أن يكون لديك تصور مبدئي مُنذ الصباح، هناك مثل إنجليزي رائع، ستقولون مسبوق، وبلا شك مسبوق وبما هو أفصح وأعظم منه، يكون هذا المثل The early hours have gold in their mouth، أي الساعات المُبكِّرة تحمل الذهب في فمها، النبي قال كلاماً أحسن من هذا، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – فيما أخرجه أبو داود والترمذي اللهم بارك لأُمتي في بكورها، وفي الموروث الإسلامي الغني – هذا في الموروث الإسلامي – باكورة كل شيئ هي خيرٌ ولعلها خيرُ ما فيه، لذلك كان التاجر المُسلِم الواعي – ليس التاجر الكسلان الآن، تاجر عصر الانحطاط – والرحّالة السوّاح في بلاد الله الواعي يبدأ عمله بعد الفجر مُباشَرةً، لا ينام! النبي ركض فاطمة – زهراءه عليها السلام – برجله ركضة تحبب، قال لها يا فاطمة تنامين بعد الفجر؟ الملائكة تقسم الأرزاق، لا تنامي بعد الفجر، اللهم بارك لأُمتي في بكورها.

وفي علم التنمية البشرية وإدارة الوقت هناك شبه اتفاق على أن أصعب نُقطة هي نُقطة الإقلاع، مثل السيارة! إذا لم يكن هناك سلف فإنها تبقى مثل ما هي، هو هذا السلف، الإقلاع، نُقطة الإقلاع! نُقطة الإقلاع في اليوم ما هي؟ ما يكون بعد الفجر، ومن هنا يبدأ العمل، الحمد لله موروثنا إذن هنا أيضاً لديه ما يُعطينا إياه.

فضع جدولاً، من الخطأ أن تُجدوِل في جدولك كل دقيقة، بعض الذين لا خبرة لهم يُجدوِلون بالدقائق، هذه خُطة غير واقعية، غير عملية، وقلما تنجح، لماذا؟ لأن هناك فراغات تنجم عما لا تحتسبه طبعاً، فراغ – مثلاً – في انتظار دورك لدى الطبيب حتى تدخل، لو تأخَّرت دقائق أو كانت حالة عصية قبلك ربما تتأخَّر خمس وأربعين دقيقة أو نصف ساعة وأحياناً ساعة وربما تتأخَّر أكثر عند الطبيب، هذا فراغ! فراغ ناجم عن حصول – مثلاً – ازدحام في السير وأنت تقود عربتك، أو تأخر في موعد الحافلة أو القطار، الصدام أحياناً يُكلِّف ساعة أو ساعة إلا ربع أو أكثر من ذلك أو أقل من ذلك، وتأخير الطائرة – (العربية بالذات) بين قوسين، الطائرة العربية تتأخَّر بالخمس ساعات وبالست ساعات وبالسبع ساعات، طبيعي جداً – أيضاً.

طبعاً الإنسان الواعي والمُتحسِّب للأشياء يهتبل هذه الفراغات – فراغات الوقت – المُفاجئة على أنها فُرصة وهدية، يكون مُستعِداً لها ببرنامج أيضاً، كتاب يُكمِل قراءته في هذه الأوقات، طبعاً للأسف ليس من أخلاقنا نحن العرب أن نحمل الكُتب في الحافلات ووسائل المُواصَلات، هذا من أخلاق الغربيين، كل منهم تقريباً يحمل روايةً أو كتاباً، هناك مسألة أُخرى: هل هي رواية مُفيدة أو غير مُفيدة؟ وهل هذا الكتاب مُفيد أو غير مُفيد؟ مسألة لها علاقة بمُستوى آخر من إدارة الوقت، تحديد الأولويات! ما الذي أقرأه؟ وما الذي أدع قراءته؟ شيئ آخر هذا، لكن هذا المُستوى الأدنى، يتحسَّبون لها بحمل كُتبهم في حقائبهم، يقرأون ويستفيدون!

يُمكِن أن تتحسَّب لهذه الفراغات المُفاجئة بإنجاز بعض مُكالَمات هاتفية مُلِحة وضرورية في هذا الوقت، ليس في وقت العمل، ليس في وقت الإنتاج، وليس في وقت آخر، في هذا الوقت! في وقت الفراغات، أُكمِل هذه المُكالَمات سواء داخلية أو عالمية خارجية في هذا الوقت، وهذا الوقت دائماً موجود، وقت الفراغات! فتحسَّب له بأمثال هذه الأشياء ضمن الخُطة، فمن الخطأ أن نبني خُطتنا على إدارة كل دقيقة من الدقائق، هذا غير صحيح!

في هذا المُستوى التقليدي من الجميل أن نضع خُطة أُسبوعية، لكنها لن تُغني عن الخُطة اليومية، تقول هل هذا شيئ قابل للتطبيق؟ نعم، إذا تعوَّدته وأدمنته قابل للتطبيق، وقد تبيَّن أن الذين يُخطِّطون أنجح تسع مرات أو تسعة أضعاف من الذين لا يُخطِّطون بالتجارب، بعض الناس يقول لا، أنا لا أُخطِّط، وأنا إنسان عفوي واعتباطي وأنجح! نجاحك عرضي، وسيأتي يوم تعلم مقدار ما فشلت فيه ومقدار الإنجاز الذي كان يُمكِن أن يكون أكبر بكثير لو أنك كنت تعتمد التخطيط خُطةً لك.

يقول هؤلاء الخُبراء إن الذين لا يُخطِّطون إنما يُخطِّطون لفشلهم! أعتقد أن العبادة – بالذات الصلاة خمس مرات في اليوم مُوزَّعة توزيعاً قد يكون هندسياً أو رياضياً بمعنى ما – لابد أن يكون لها علاقة بالتخطيط من حيث أتى، بالتخطيط أصلاً! وهي معالم في طريق اليوم والليلة لكي نُوزِّع عليها المناشط والأفعال، لكن هل نستفيد منها؟ أصلاً نحن نُخرِجها عن أوقاتها ولا نُبالي، فندمج هذه مع هذه، وبعضهم يُصلي الخمس صلوات في وقت واحد لأنه مشغول بالعمل، طبعاً هذا عنده مبدأ آخر وهو العمل عبادة، ضيَّع العبادة نفسها وأبقى على ما يُشبَّه بالعبادة، العمل عبادة! لأنه فاشل في النُقطة الخامسة وهي التوازن، أعلى مُستوى من مُستويات إدارة الوقت التوازن، كل شيئ له مكانه وكل شيئ ثمنه وكل شيئ له ثقله ووزنه، ضيَّعت العبادة بحُجة أن العمل عبادة لأنك غير مُتوازِن، إذن فاشل أنت أيضاً في إدارة وقتك، الحساب ربما لا يكون في الدنيا سريعاً، لكن هناك حساب آخر.

على كلٍ في المُستوى التقليدي لابد أن نتفطَّن جيداً إلى ما يُعرَف بقتلة أو قاتلات – التأنيث – الأوقات، هناك ما يقتل أوقاتنا ويسرقها منا، وبالتالي يُفشِل خُطتنا وجدولنا الزمني، طبعاً فرقٌ بين التخطيط وبين الجدولة، التخطيط هو تحديد الأهداف أصلاً، تحديد الأهداف! ماذا أُريد أن أُنجِز في يومي هذا؟ هذا اسمه التخطيط، أما الجدولة متى أبدأ في إنجاز هذا وهذا وهذا؟ وكم يستغرق كلٌ؟ هذا اسمه الجدول أو الجدولة، هذا هو الجدول الزمني، أما التخطيط هو تحديد الأهداف مبدئياً، طبعاً لا جدول زمني بلا أهداف، وغير مُفيد أن تكون مُخطِّطاً إذا لم تُجدوِل يومك ومناشطك، إذن هما عمليتان مُتكامِلتان، التخطيط أولاً ثم الجدولة بعد ذلك.

قاتلات الأوقات، في رأس قاتلات الأوقات الاجتماعات، خاصة عند الناس الرسميين أو المُوظَّفين أو أمثال ذلك، الاجتماعات التي تتكرَّر بغير داعٍ، بغير إلحاح حقيقي، وبغير ضرورة، ثم هي تمتد وتتناسل وتلد حتى يمتد أحياناً الاجتماع أربع ساعات أو خمس ساعات أو ست ساعات، كلام فارغ! لذلك أحد المُدراء الناجحين الكبار قال أفضل اجتماع هو الاجتماع المُكوَّن من ثلاثة، أحدهما مريض والآخر مُسافِر، إذن لا اجتماع، سيفشل الاجتماع! قال هذا أحسن اجتماع، لأنها اجتماعات غير ضرورية، فلابد أن يكون هناك أهداف مُحدَّدة وجدول زمني دقيق جداً لإنهاء كل اجتماع في حينه، وإلا لا تُوجَد فائدة من هذه الاجتماعات المُتكرِّرة النظرية والتوصيات لاجتماعات زُعماء وقادة المُسلِمين للأسف الشديد من غير أي محصول في نهاية المطاف.

من أكبر قاتلات الأوقات الهاتف وخاصة المحمول، هل أقول لا طيَّب الله ذكره؟ لا أُريد أن أظلمه، ولكنه يُشكِّل قاتلاً بامتياز للوقت، أي المحمول هذا! ربما بالذات عند الأخوات أكثر من الإخوة، الحديث الذي يمتد إلى ساعات يُؤثِّر على خلايا دماغك، يُؤثِّر حتى على حالتك المزاجية وحالتك الجيبية، أعني النقدية، أو حالة الزوج المسكين، ثم إنه يُؤثِّر على أعظم مصادر الإنتاج وعلى أهم عنصر في رأس مالنا، على وقتنا، على الزمن يا أخي! ستُسأل عن عمرك فيما أفنيته، ماذا تقول؟ يا رب تكلَّمت ثلاث ساعات مع أختي، في ماذا؟ في أحاديث الناس، فلان تزوَّج وفلان طلَّق وفلانة ظُلِمت وفلان كذا وكذا، لماذا؟ هل المُسلِم الفاعل يكون هكذا؟ هل هذا هو المُسلِم المثالي؟ هل هذا هو الإنسان الناجح؟ هل هو يتصرَّف هكذا؟ مُستحيل، هذا الهاتف! بعض الناس يغضب لأنه لا يُرَد على مُكالَماته، طبعاً هذا لم يتفطن لأمرين، الأمر الأول قطعاً أن الشخص الآخر لا يتلقى فقط مُكالَماتك، وربما يكون شخصاً عاماً أو شخصية جماهيرية ويتلقى مئات المُكالَمات، فاعذره يا أخي إن قال لك ارجع، وغفل عن أمر آخر، أنه حين لا يُرَد على مُكالَمتك هذا أهون بكثير من أن تتجشم عناء السفر لساعة ونصف ساعة بالمُواصَلات أو حتى بسيارتك الخاصة لتزور أخاً في عهد المحمول من غير موعد مُسبَق ثم يُقال لك إنه غير موجود أو هو موجود ولكنه غير مُستعِد لاستقبالك، طبعاً نحن العرب مُجامِلون جداً جداً بحمد الله الذي لا يُحمَد على مكروه سواه، لأن أكثر هذه المُجامَلات على حسابنا وحساب أعصابنا وحساب أوقاتنا وبرامجنا، لا يكاد أحد منا يقول طبعاً ارجع، لا! لكن الله قال وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۩، أيهما أسهل: ألا يُرَد على محمولك أو يُقال لك ارجع بعد سفر نصف ساعة؟ يا أخي انتهى! إذا لم يُرَد لا تغضب ولا تعتب ولا تذكر هذا، كأن تقول اتصلت بك عشرين مرة ولم ترد! كل إنسان عنده أعذاره، فاحذروا المحمول، استخدموه فعلاً فيما خُلِق له، أي للاتصالات، هو للاتصالات، ليس للهدرزة، وليس للهزر، إنما للاتصال، لتبليغ معلومة أو استيضاح شيئ أو الطمأنينة عن حال أخ تُحِبه أو تهتم بأمره، فهذا في حدود ما خُلِق له، ليس أكثر من هذا، فهذا من أكبر قاتلات الأوقات.

من قاتلات الأوقات أيضاً – أيها الإخوة والأخوات – عدم الالتزام، لا تلتزم بشيئ مُعيَّن، وعدم الالتزام ينشأ عن ماذا؟ عن عدم وجود الحافز والدافع، تكون التزمت نظرياً بإنجاز شيئ مُعيَّن لكن تفتقد إلى الدافع، إلى الحب، وإلى الحافز الذي يحملك على إنجازه، فتبقى تُرجيء وتُسوِّف وتبدأ وتُنهي وتقطع خُطوة وتتراجع خُطوتين، فهذا يقتل وقتك! ولذلك لا تلتزم بما لا تُحِب أن تلتزم به، اعرف قدرك، اعرف حدودك، واعرف دوافعك، إذا كنت لا تُحِب – حتى لو من أقرب الناس إليك – فقل لا، ليس عندي استعداد نفسي أن أقوم بهذا الشيئ، ولذلك حتى في الخدمات الشخصية وفي العلاقات الأُخوية الاجتماعية لا تلتزم بنعم إن لم تكن قادراً على إنفاذها وبدافع وبمحبة حتى لوجه الله، أما إذا لم يكن لديك هذا الدافع فلتكن شجاعة أن تقول لا، مُتأسِّف جداً، على رأسي وعيني، ولكن ظروفي لا تسمح لي، واعذرني يا أخي، لعل فلاناً – مثلاً – من الناس عنده وقت أكثر، أما أنا فلا أستطيع في هذه الظروف واعذرني، أستسمحك! كُن هكذا شجاعاً، أما إذا التزمت بنعم فلا تكن مُنافِقاً أو فيك خصلة من خصال المُنافِقين ثم تروغ روغان الثعالب وتُقفِل بيتك ومحمولك وكل شيئ، أنت التزمت، انتهى! كُن حراً وصادقاً واعمل ما ينبغي أن يُعمَل، نفِّذ! فلا تلتزم ولا تقطع على نفسك وعداً لا تستطيع أن تُنجِزه، كُن صادقاً، أزمتنا في جُزء كبير وفي وجه كبير من وجوهها أزمة مصداقية على جميع المُستويات، أزمة مصداقية! هذا مُستوى بسيط جداً جداً يومي اجتماعي من مُستوى هذه الأزمة، إذن عدم الالتزام!

من قاتلات الوقت عدم الاستمرار في إنجاز الأعمال، نبدأ بعمل حتى إذا بلغنا نصف الطريق توقَّفنا، وربما نتركه لنبدأ في عمل آخر، نقطع ثلاث أرباع الطريق ثم نتوقَّف، ونبدأ في ثالث، وهكذا! والنبي أرشدنا إلى خُطة رُشد ذكية جداً ووجيزة وعبقرية ومُجرَّبة، قليل دائم خيرٌ من كثير مُنقطِع، إن آل محمد – عليهم السلام وعليه الصلاة وأفضل السلام – كانوا إذا عملوا عملاً أثبتوه، انتهى! إذا عملوا عملاً أثبتوه، وكلنا نعرف أسطورة أو أمثولة إكليس Achilles أو آخيل كما يُسميه العرب والسلحفاة، هذا أكبر بطل يوناني في عصره، بطل أسطوري! ابن آلهة إكليس Achilles هذا، ولكن سلحفاة في نهاية المطاف غلبته، وبلغت الغاية في مُسابَقة غير مُتكافئة بالمرة بين بطل وعدّاء سريع وبين سلحفاة يُضرَب بها المثل في البطء والإبطاء، لماذا؟ لأنها واصلت، أما هو فضيَّع الفُرصة في الاستراحات وفي الاستهتار، وصلت هي ولم يصل هو، وهذا ما يحصل! أحياناً تجدون هذا في أشخاص بقدرات مُتواضِعة، أنا جرَّبت هذا ورأيت هذا، عندهم قدرات مُتواضِعة جداً – ذاكرتهم مُتواضِعة، فهمهم بطيء جداً ومُتواضِع – ولكن – سُبحان الله، سُبحان مَن منّ عليهم – عندهم قدرة الاستمرار، يُنجِزون أعمالهم ودراساتهم ويتخرَّجون ويصلون إلى مراتب عالية بالاستمرار! وفي المُقابِل هناك عباقرة – وأعرف أنفاراً منهم، هم عباقرة حقيقيون لمّاحون ذوّاقون، عندهم ذاكرة غير طبيعية، فهم غير عادي، فهم استثنائي – لكنهم لا يصلون، لماذا؟ لأنهم لا يستمرون في إنجاز عمل بحياله، يتنقَّلون بين أعمال كثيرة، طبيعتهم هكذا! لكن في النهاية للأسف يدفعون الثمن على وجه من الوجوه، فلنتعوَّد الاستمرار، الدين يحثنا ويُحِّببنا في هذه الخُطة الراشدة، قليل دائم خيرٌ من كثير مُنقطِع، النبي كان يكره جداً أن يعمل أحد أصحابه عملاً ثم ينقطع عنه، قال يا عبد الله لا تكن كفلان – في البخاري – كان يقوم الليل ثم ترك، لا تكن! بعضهم قال هذا يُوجِب المقت الإلهي، أقول هو بحد ذاته علامة المقت، لأن صاحبه لا ينجح، يكون فاشلاً، يكون شخصاً فطيراً، غير نضيج، في أفكاره ومشاريعه وأعماله وكل شيئ غير نضيج، للأسف يبقى مكانه، يُراوِح في مكانه! فهذا من أكبر قاتلات الأوقات.

قاتلات الأوقات كثيرة جداً جداً، لا أرى ضرورة في التطويل في ذكر نماذج أُخرى منها، أكثرنا يعرفها بالحدس وبالتجربة العملية، وربما تُتاح الفُرصة لكل منا أن يكتشف كل يوم بعض ما يقتل وقته دون أن يكون قد تنبَّه له، أظن ان من المُفيد لو أعطى أو منح كل واحد منا نفسه عشر دقائق قبل أن ينام – قبل أن يخلد إلى النوم في فراشه – ليُطالِع ماذا فعل في يومه؟ ماذا أنجز؟ وفي ماذا أخفق؟ فسيضح له مُباشَرةً – على الفور – جُملة أسباب ومُؤثِّرات كثيرة ضيَّعت وقته وأفرغته في أشياء كان له منها وعنها نُدحة أو مندوحة، لماذا فعلت هذا؟ لماذا جلست هذه الجلسة وهي جلسة عرضية؟ أتى إلى المسجد ليُصلي الظهر، فوجد هناك ثلاثة يتناولون الغداء، فذهب ليتغدى معهم، جيد! الغداء يُريد وقتاً، لكنه لم يخرج إلا بعد صلاة العصر، لماذا؟ هدرزة وهزر وكلام، وضيَّع شيئاً كان مُبرمَجاً عنده في الكلام الفارغ، لا! لا تسمح لنفسك أن تكون هكذا، بعضهم يقول لكن هذه خُطط قاسية ستحرم الإنسان المُتعة والبهجة، وجوابي – صدِّقوني – الاعتباطية والاعتسافية في النهاية تعود على صاحبها بالحسرة، حسرة الفشل والمُرواحة في المكان، أما هذه الخُطة القاسية فستُؤتي ثماؤها، بلا شك هي قاسية وهذا معروف، إدارة الوقت من حيث الأصل هي مسألة ومفاهيم صعبة جداً وقاسية، يكرهها الفاشلون ويجفونها، لا يُحِبون حتى الاقتراب منها، يُحِبون أن يعيشوا حياة الغجر كما يُقال، حياة بلا خُطة وبلا جدولة، بلا أي رؤية، هكذا! كيفما تكون، لتكن الحياة كيفما تكون، في النهاية سيتجرَّعون مرارة الحسرات، أما الذين يُبرمِجون ويُخطِّطون ويلتزمون فهؤلاء سيتعبون في البداية ولكن بعد كل حين وحين سيكون لهم فُرصة ونُهزة ينتهزونها، يتمتَّعون فيها تمتعاً ملآن إن جاز هذا التعبير، وضميرهم مرتاح، ليس هناك ما يخز هذا الضمير بأنهم قصَّروا في كذا أو بأن هناك أعمالاً وراءهم تنتظر إنجازها ولم يُنجِزوها أو هناك كذا أو أن الواحد منهم لم يصل فلاناً أو لم يفعل كذا، بالعكس! يجلس وهو مُرتاح لساعة أو ساعتين يُمارِس المرح واللهو البريء، يُمتِع نفسه وليس هناك ما يُؤرِّق ضميره المهني أو العائلي أو الاجتماعي أو الديني أو… أو… أو… إلى آخره، بالعكس! هذا هو الإمتاع الصحيح، لأنه في وقته، وكل شيئ في وقته مقبول وطيب وكريم.

إذن هذا هو المُستوى الأول، المُستوى الثاني – وهو أعلى بلاشك وأهم – مُستوى الساعة والبوصلة، أنا أُلخِّص هذا بجُملة من لدني، ليس السهم هو الذي يُحدِّد الهدف، وإنما تحديد الهدف مُسبَقاً هو الذي يُحدِّد للسهم خُطة سيره أو مساره، صحيح! هذا يفهمه الذين يحترمون الوقت، أما الاعتسافيون فعندهم مبدأ ذكرناهم قبل أيام، يرى الواحد منهم أنك تُطلِق السهم وحيثما وقع فالذي يقع عليه هذا الهدف، مُستحيل! الهدف لا يكون هكذا، الهدف يُحدِّد مُسبَقاً، لكن الاعتباطي – كما قلنا – تأتي كيفما تأتي ويقول جيد، هذا ما كان، والله شيئ طيب، الله أكبر! يا أخي أنت طالب علم مثلاً – تفرض أنك طالب علم – وعندك ثماني عشرة ساعة قضيتها، لم تقرأ إلا عشرين صفحة، كيف هذا؟ يقول لك الحمد لله، شيئ أحسن من لا شيئ، اعتباطي! هذا اعتباطي، ليس لديه خُطة في استغلال وقته كطالب، وهكذا قيسوا على الطالب أي إنسان آخر، أي إنسان آخر في مجاله وفي مهنته ووظيفته وحرفته وعمله.

ولذلك ليس المُهِم أن نعمل الأشياء بشكل صحيح كما يُقال، الذي ألقى السهم فعلاً ألقاه بشكل صحيح، لكن هل ألقاه على الهدف الصحيح؟ طبعاً لا، لأنه لم يُحدِّد الهدف أصلاً، ورضيَ بأي شيئ أن يكون هدفاً، هذا اعتباطي واعتسافي، هذا إنسان فاشل! ولكن ما هو أكثر أهميةً ان نعمل الأشياء الصحيحة، يقولون Doing the Right Things is More Important than Doing Things، إنه أكثر أهميةً من أن تفعل الأشياء بشكل سليم أن تفعل الأشياء السليمة، بعضهم يقول هذا غير مفهوم، بالعكس! هذا بدهي وساذج جداً جداً، لكن نغفل عنه عملياً، ما معنى هذا؟ المُجرِم صاحب الجريمة الكاملة – أي الــ Perfect murder كما يقولون، جريمة كاملة! كما يقول الشماليون العرب لا تخر الماء، مُحكَمة تماماً! ليس فيها أي ثُغرة – قام بعمله بشكل مُمتاز، لكن هل قام بعمل مُمتاز؟ هو قام بجريمة، طبعاً لم يقل بعمل مُمتاز، لكنه قام بعمل غير مُمتاز بشكل مُمتاز، بعض الناس قد يُسبِّب أزمة لبلده ولوطنه، قد يُغرِق الناس في مُصيبة، قد يُضيِّع قضية، قد يشي على أحد الناس فيُفشِل علاقة، قد يُهدِّم أسرة، وقد يبيع بلداً ووطناً لعدوه، ويقوم بهذا أو بكل أولئكم بشكل أكثر من مُمتاز، لكن لم يقف هذا – معدوم الضمير أو مُخرَّق الضمير – ليسأل نفسه هل قمت بالشيئ المُمتاز أنا؟ قمت به بشكل مُمتاز، لكن هل قمت بالشيئ المُمتاز؟ هل قمت بالشيئ الصحيح؟ ولذلك لا يُمكِن أن نقوم بالشيئ الصحيح ثم بعد ذلك نسأل أنفسنا هل قمنا به بشكل صحيح؟ إلا بعد أن تتحدَّد أهدافنا.

يقول أحد الفلاسفة الرواقيين إن سفينةً لم تُحدِّد وجهتها غير قادرة على الانتفاع بالرياح المُواتية، طبعاً لن تستفيد حتى من الفُرص، أنت لن تستفيد من أي فُرصة! لأنك لم تُحدِّد أهدافك أولاً، الأهداف عندك اعتباطية، تأتي كيف أتت! الآن أعتقد وضح لكم لماذا يقولون مُستوى الساعة والبوصلة، إذا كانت الساعة تُحدِّد لنا أهمية الوقت وضرورة تجزئيته واستثماره وتوزيع الفواعل والمناشط عليه فإن البوصلة أكثر أهميةً، لأنها هي التي تُحدِّد لنا الجهة السليمة، إذن الساعة تُعلِّمنا أن نقوم بالأشياء بشكل سليم، لكن البوصلة تُؤشِّر إلى قيامنا بالأشياء الصحيحة، ليس فقط بالشكل الصحيح، وإنما بالأشياء الصحيحة.

هناك نُكتة في العالم الجديد – في أمريكا – لطيفة جداً، نظر أحد الصاحبين والذي اصطحب صاحبه لزيارة صاحب ثالث في عمارة من مائة طابق، ومن سوء حظهما كليهما أن المصعد قد تعطَّل لسبب ما، فلم يجدا بُداً من أن يُرهِقهما أنفسهما صعوداً، مائة طابق! وبعد بضع ساعات من الصعود المُرهِق المُتواصِل قال الخبير الخرّيت للثاني الغافل المسكين والمصحوب لك عندي خبران، أحدهما مُمتاز مُفرِح والآخر سيئ عابس، قال ما هما؟ قال الخبر المُفرِح قد بلغنا الآن الطابق المُراد، ذاك لا يعرف! فقال أهذا هو؟ الحمد لله، ثم قال والخبر السيئ لكن صاحبنا ليس في هذه العمارة، في العمارة المُجاوِرة، أخطأنا العمارة! هما قاما بالشيئ بالشكل السليم، لكن لم يقوما بالشيئ السليم، ليس هذا هو الهدف، هذه النُكتة مُوحية جداً، ولذلك أعتقد أن بعض الذين يُضيِّعون دينهم باسم أن العمل عبادة والدين لا يمنع من العمل ويحث عليه – وهذه الخُطبة في العمل وفي الإنجاز وفي مُراكَمة الجهود والمكاسب، لكن الذين يُضيِّعون آخرتهم أعني، ليس فقط عبادتهم وإنما آخرتهم بحُجة أنهم أنجزوا ونجحوا في الدنيا صدِّقوني يوم القيامة – سيكتشفون أنهم كصاحبي المصعد هذين، لم يصلا إلى ما كنا يظنان، ضاع كل شيئ! قام بأشياء كثيرة بشكل سليم – هذا الرجل قام بأشياء كثيرة بشكل مُمتاز وسليم – ولكن يبدو أنه لم يسأل نفسه هل قام باختيار الشيئ السليم مُنذ البداية؟ لم يقم بذلك للأسف الشديد، الحمد لله أعتقد أن الدين يُوسِّع أُفق رؤية الإنسان في هذه الموضوعات بالذات، وهذا ما يُكسِبه التوازن.

المُستوى الثالث من مُستويات إدارة الوقت هو مُستوى إدارة الأولويات، ما أحسن هذا المُستوى حتى باللُغات الأجنبية! باللُغات الأجنبية مُشتَق من أول، أول بمعنى يكون سابقاً قبل غيره، في اللُغة العربية من أولى، ما معنى أولى؟ أي أول أيضاً، يكون قبل غيره، هذا معنى أولويات، شيئ يُقدَّم على غيره، إذا اصطدم المُهِم بالأهم بداهةً أن نُقدِّم الأهم على المُهِم، هذا معروف أيضاً وفطري كما يقولون، هذا فطري يعرفه كل أحد، لكن عملياً ليس نغفل عنه فقط بل لا نكاد نُفكِّر فيه، لأن ليس لدينا جدولة ولا خُطة لما ولا رؤية لما نُريد للأسف الشديد، لو كان لدينا رؤية لما نُريد أن نكونه حتى لاختلفت حياتنا.

حدَّثت إخواني في درس السبت عن المُمثِّل الدبابة شوارزنيجر Schwarzenegger الذي ذهب من هذه الديار إلى أمريكا برطانة إنجليزية مُكسَّرة تماماً، إلى الآن يقولون لا يتكلَّم الإنجليزية مُمتاز، وهو دبابة بشرية بلا شك، مُتفوِّق في ميدانه العضلي، وأراد أن يكون مُمثِّلاً، يقول أحد هؤلاء الخبراء في كتاب له، يقول قابلته وكنت حتى غير سعيد بمُقابَلته، إنسان ليس عنده لياقة في الحديث، وليس عنده ثقافة، ليس مُثقَّفاً – Kultiviert – الرجل! هو بسيط جداً، كُتلة عضيلة فقط هكذا، قال فقلت له يا سيد أرنولد Arnold أو شوارزنيجر Schwarzenegger ماذا تُخطِّط للمرحلة المُقبِلة؟ قال أن أكون نجماً سينمائياً، قال فتقزَّزت أنا، نجم سينمائي؟ هذا لا يصح أن يكون نجماً سينمائياً، طريقه وفكه ووضعه كله لا يسمح له، قلت وكيف؟ قال كنت وأظن أن هذا سيكون مُستحيلاً، مُستحيل أن ينجح كنجم سينمائي، مُستحيل! بعض الناس لا تُؤهِّلهم قدراتهم أو حتى شكلهم، مثل ترافولتا Travolta، هذا فشل فشلاً ذريعاً في أكثر مشواره السينمائي الاول، لماذا؟ بسبب شكله، شكل إنسان كريه وقبيح، ولذلك أكثر أدواره أدوار الضغينة والحقد والكُره والمكر، شكله! فكه كان لابد أن يُجري له عملية جراحية، وأرنولد Arnold شيئ قريب من هذا، لذلك رفضه الجمهور، أعني ترافولتا Travolta الرقّاص، مرفوض! رقّاص مقبول، لكن مُمثِّل لا، قال له وكيف؟ قال سألته هكذا باستخفاف وأنا مُوقِن أنه لن ينجح، قال أتصوَّره! تتصوَّر مَن؟ قال أتصوَّر نفسي مُمثِّلاً، أتصوَّره تماماً، أعمل له صورة – Image – مُعيَّنة مُحدَّدة، ثم أعمل على أن أكونه وسأكونه! قال فسخرت منه في نفسي ثم انطلقت، قال بعد وقت زهيد أو وقت ضئيل جداً جداً نجح الرجل، وصار من أكبر نجوم السينما Cinema عالمياً، وقال اعتقدت أنه أكثر ذكاءً مني، خُطته نجحت، لأنه تصوَّر ما أحب أن يكونه، هل لدى كل منا تصور عما يُحِب وعما يجب أن يكونه؟ قل لي ماذا؟ هذا هو، إذا عندك تصور فهذا جيد، قد يقول أحدهم أنا عندي تصور أن أُصبِح – مثلاً – كاتباً أو مُؤلِّفاً، لكنه يُريد أن تكون مُؤلِّفاً في ماذا؟ لابد أن يكون دقيقاً، فيقول أُريد أن أُصبِح مُؤلِّفاً في مجال الروايات، جيد! اتفقنا، أو أُريد أن أُصبِح مُؤلِّفاً في الثقافة العامة، أو أُريد أن أُصبِح كاتباً صحافياً أو كاتباً فيلسوفاً، وإلى آخره! رجل آخر يُريد أن يكون طبيباً ناجحاً، رجل ثالث يُريد أن يكون رجل دين – مثلاً – أو عالماً دينياً ناجحاً، رجل رابع يُريد أن يُصبِح رجل أعمال ناجحاً، إلى آخره! إذا عندك هذا التصور فهذه بداية مُمتازة ومُشجِّعة، ستُرغِمك على أن تُخطِّط وأن تُجدوِل كل يوم بيومه وكل أسبوع وكل شهر، ستُرغِمك إذا كان لديك هدف واضح، أما إذا كنت تعيش هكذا بالبركة – ليس لديك رؤية ولا تصور ولا هدف ولا طموح – فأنت ستبقى مكانك، وسترى أن الآخرين وصلوا وأنجزوا وأنت أيضاً مكانك، للأسف لم تُقدِّم شيئاً.

أيها الإخوة:

فيما يختص بالأولويات احفظوا هذه القسمة الرائعة بل الأكثر من رائعة، والتي انتهى إليها خُبراء هذا الفن وهذا العلم، قالوا مناشطنا وأفعالنا تنقسم إلى قسمة رباعية، أي تنقسم قسمة رباعية، فهناك ما هو مُهِم وعاجل وهناك مُهِم وغير عاجل, هذا أول شيئ، في الطبق الأول! في الطبق الثاني – ليس في طبق الفول وإنما في المُستوى – هناك ما هو مُهِم وعاجل وهناك ما هو مُهِم وغير عاجل، في الطبق الثالث هناك ما هو غير مُهِم ولكنه عاجل، وأخيراً في الطبق الرابع هناك ما هو غير مُهِم وغير عاجل، فانتبه! كل يوم في جدولك وفي أهدافك حتى لابد أن تُميِّز بين هذه الأشياء الأربعة، ولنبدأ – مثلاً – بما هو مُهِم وعاجل، اليوم الجُمعة وغداً السبت، طلّاب الأكاديمية – مثلاً – لدينا عندهم امتحانات، هذا مُهِم وعاجل، لابد أن يُقدَّم على غيره، لا تستطيع أن تنسحب من الامتحان وقد حضَّرت نفسك له لأن فلاناً طلب منك مُساعَدة، لا يُمكِن! هذا مُهِم وعاجل، تتقدَّم إلى الامتحان.

الآن بعد أن أنهيت الصلاة – مثلاً – معنا في هذا المكان المُبارَك دخلت لكي تتسلى مع إخوانك وتتناول الغداء، جاءك هاتف من زوجتك، تقول لك ابنك حرارته زُهاء الأربعين، هذا مُهِم وعاجل، ينتهي كل شيئ، لا جلسة ولا اجتماعات ولا أكل ولا شرب، ولا صلاة جماعة أيضاً، مُباشَرةً إلى المُستشفى، Erhöhten! الولد حرارته أربعون، تخشى عليه وعلى مُستقبَله وعلى دماغه، هذا مُهِم وعاجل، هذه أمور مُهِمة وعاجلة بلا شك.

هناك ما هو مُهِم ولكنه غير عاجل، انتبهوا فهذا الثاني، ورقم اثنان هو أهم هذه الأربعة إطلاقاً، هناك ما هو مُهِم ولكنه غير عاجل، وهذا هو سر عبقرية الناجحين المُنجِزين، يجعلون وكدهم وأكثر اهتمامهم بالمُهِم غير العاجل، ما هو المُهِم غير العاجل؟ مثلاً اكتساب مهارة مُعيَّنة، مهارة التعامل مع الحاسوب، كل ما يتعلَّق به وببرامجه – مثلاً – الشائعة، هذا مُهِم لأي إنسان عصري، مُهِم لأي إنسان يُريد أن ينجح، طالباً أو عالماً أو باحثاً أو حتى رجل أعمال! أي إنسان الآن لابد أن يكون له دراية – وإلا كان أُمياً – بهذا العالم الحاسوبي الهائل الاتساع، لابد! لكن هذه المهارات لا تُكتسَب في ساعة وساعتين أو حتى يوم ويومين، تحتاج إلى خُطة وإلى جدول طويل جداً قد يمتد لستة أشهر أو سبعة أشهر أو سنة أو سنتين بحسب ما تُريد أن تبلغه من المعرفة في هذا المجال، فهذا مُهِم لكنه غير عاجل، في النهاية سيُكسِبك ماذا؟ مهارة مُحترَمة جداً في عالم اليوم، هذه المهارة ليست مهارة عادية، أي التعامل مع الكمبيوتر Computer بنجاح.

مثلاً اكتساب لُغة أجنبية، مُهِم ولكنه ليس عاجلاً، ولا يتم في يوم ويومين أو شهر وشهرين، يحتاج على الأقل ستة أشهر وأحياناً أكثر من ذلك، إلى أن تبرع في هذه اللُغة وتُحسِن حذقها، هذا لابد له من مُواصَلة العمل يومياً وفق رؤية وجدول، يومياً! مثل الحاسوب أيضاً!

أيضاً مُهِم في نفس المُستوى وغير عاجل اللياقة البدنية، التمارين! تعمل تمارين رياضية، تلتحق بنادي، على الأقل سويدي في البيت، أكثرنا لا يفعل هذا، هذا مُهِم ولكنه غير عاجل، ستعلم كم هو مُهِم في نهاية المطاف! حين تتحوَّل – لا قدَّر الله – إلى دبابة لحم تمشي على الأرض هوناً، ستعلم كم كان هذا مُهِماً وكم فرَّطت فيه! لأنك لم تضع خُطة لمأكلك ومشربك والتمارين والمُمارَسات الرياضية وزيارة الطبيب بانتظام وإجراء الفحوص أيضاً لكي تعلم ماذا كان ينبغي أن آتي وماذا ينبغي أن أذر.

لابد من ترتيب هذه الأشياء تماماً والاعتناء بهذا المُستوى الثاني بالذات وفق خُطة صارمة لا يحيد عنها المرء، يومياً يُنجِز شيئاً في كل مجال من هذه المجالات، يومياً! ولا يُفرِّط في هذا، يومياً! مثلاً حفظ القرآن لمَن يُريد أن يكون عالماً أو طالب علم، مُهِم غير عاجل، هناك بعض المجتهِدين لم يكونوا حفظة، لكن هذا مُهِم بلا شك، قد لا يكون في أقصى الضرورة ولكنه مُهِم، وهذا أيضاً مُهِم لكنه غير عاجل، يحتاج إلى خُطة من سنتين أو من ثلاث أو من خمس بحسب الذاكرة، بحسب قوة الذاكرة والالتقاط! وهكذا حتى اكتساب العلوم والمعارف الأُخرى، كلها مُهِم غير عاجل، أي علم – ديني أو دنيوي – مُهِم غير عاجل، يحتاج إلى زمانية طويلة كما يقولون، يحتاج إلى زمانية طويلة! في النهاية ستجد الناجح وقد تقدَّمت به السن – انتبه – صورته كالتالي، أكثر مهارات، يعرف مهارات كثيرة، سُبحان الله! عنده لياقات كثيرة، ستستغرب! يتقدَّم به العمر وتزداد مهاراته، لأنه يهتم بماذا؟ بالمُستوى الثاني من مُستوى الأولويات، يهتم به باستمرار! ستجد أن مهاراته في ازدياد، أن علومه ومعارفه في ازدياد، نُضج شخصيته في ازدياد، ومحبوبيته – أي ستجد أن محبوبيته لدى الناس ولدى معارفه – في ازدياد، لماذا؟ لأن من المُهِم غير العاجل توثيق العلاقات مع مَن نُحِب، هذا مُهِم ولكنه ليس عاجلاً، ليس شرطاً أن أزور أخي وحبيبي في الله اليوم، لكن شرط أن أزوره ولو مرة كل فترة مثلاً، أن أرفع عليه كما يقولون سماعة كل فترة، أن أُهدي إليه هدية كل فترة، وطبعاً لما لم يكن لدي صديق واحد وإنما أصدقاء كثيرون فالمُهِمة شاقة، لكن لابد من مُتابَعتها، ستجد بعد حين أن هذا الرجل يزداد محبوبيةً لدى مَن يعرفونه وتقديراً وتوقيراً لمعرفته ونُضجه وشخصيته، سنجد أيضاً أنه يتمتَّع بلياقة بدنية وجسمية لا تتناسب مع سنه المُتقدِّمة، وسيدهش له الناس، مُستحيل! أنت في الستين وبهذا الكسم كما يقولون، أي بهذا القد، بهذه اللياقة، بهذا الجمال، وبهذه النُضرة؟ لماذا؟ لأنه كان يهتم بالمُهِم غير العاجل، يومياً كان يُمارِس الرياضة ولو عشر دقائق، يومياً! أي نوع من الرياضة، لا يُفرِّط، كان صارماً في مأكله ومشربه، ليس كل ما اشتهيت بلعت كما يقولون، لا! يضع لنفسه حدوداً صارمة، يُوجَد نوع من العذاب ونوع من الإعنات لكن العاقبة محمودة، عِندَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى، لنترك هذا.

الآن المُستوى الثالث، أشياء غير مُهِمة وعاجلة، ما هي؟ غير مُهِمة لكنها عاجلة! تقريباً أكثر الروتينيات اليومية، روتينيات كثيرة جداً جداً جداً! زيارات مُفاجئة، تليفونات مُفاجئة، لقاءات مُفاجئة، وأشياء أُخرى، هذه أشياء غير مُهِمة بلا شك، أي لو حذفناها من حياتنا لن نفشل ولن نندم، لكنها عاجلة! إنسان اتصل بك ورفعت السماعة ولذا لابد أن تتورَّط وتتكلَّم، وإلا ماذا ستفعل؟ سألك سؤالاً فورَّطك، السؤال لم يكن سؤالاً، كان مُحاضَرة! أنا دائماً كان يُلِح على ذهني هذا السؤال: لماذا أسئلتنا طويلة؟ هذا يُعذِّبني، لذلك أنا أخاف من المحمول، الأسئلة طويلة جداً يا أخي، والله فكَّرت في هذا فلسفياً كثيراً، لماذا؟ لماذا نحن العرب هكذا؟ أحياناً أستمع إلى الراديو النمساوي وأنتم استمعوا إليه – أعتقد أنكم تستمعون – وسوف تعجبون والله، يتصل مشايخ، ليس مشايخ دين، وإنما عجزة وكبار في السن، من الرجال والنساء، سُبحان الله يا أخي، هناك لياقة وذكاء يُحسَدون عليه في صياغة السؤال الوجيز، أليس كذلك؟ جُمل! جُملتان أو ثلاث جُمل وينتهي كل شيئ، غريب! لكن لماذا نحن هكذا؟ تسأل ولا تدري أنت تسأل أم تشتكي أم تنتحب أم تلطم أم تضع خُطة لإنقاذ الأمة؟ أم ماذا؟ ماذا تُريد أنت بهذا؟ وبعد لأي تبيَّن لي – نسبياً هذا – أن السبب هو عدم وضوح الأمور أمامنا، لأن الأمور غير واضحة، تصوَّروا إنساناً وأمر مُعيَّن – غير واضح، مُشوَّش، وفوضوى Chaotisch – مُلتبِس عليه، هل سيطرح بصدده سؤالاً واضحاً؟ مُستحيل! سيطرح تهويمات يُسميها سؤالاً، لكنها في النتيجة تُعبِّر عن ضلال المسكين وحيرته وتشتته، لأن الأمور غير واضحة، تماماً بمقدار ما يكون الجواب الطويل والطويل جداً يعكس عدم وضوح الحقيقة أمام المُجيب في أكثر الأحوال.

طبعاً هناك حالات نادرة وضح لي فيها أن السائل في الحقيقة لا يسأل، أي هو لا يُحِب أن يعرف جوابك لا الشرعي ولا الخبراتي ولا العلمي، يُحِب أن يستجدي، هو يشحذ! يشحذ ماذا؟ يشحذ أن تُوافِقه لتقول ما يُريد أن يقوله، حتى يأخذها حُجة على زوجته مثلاً، أرأيتِ؟ قال الشيخ أو قال فلان، وهي كذلك، أرأيت أنتَ؟ الحق معي والفلوس لي، إذن هو لا يسأل، هو يلف ويدور ليستجدي المُوافَقة على شيئ يُكِنه، يُصرِّح به مرة ويستره مرة، أيضاً نعود مرة أُخرى إلى أزمة عدم المصداقية.

نتساءل عن نجاح اليابان، بلا شك في الجُملة أمريكا أكثر نجاحاً من اليابان، بلا شك! واليابان لا تُقارَن بأمريكا، هل هناك أسباب؟ أسباب كثيرة جداً جداً، سنأخذ سبباً ثقافياً واحداً، سأكتفي به هنا بما يخص هذه المسألة، أزمة المصداقية والوضوح وعدم الوضوح واللف والدوران، الأمريكي إذا جلس مع الياباني يُفاوِضه – أي مُفاوَضة، تجارية أو سياسية أو عسكرية – دائماً الياباني يُراع، المسكين تروعه صراحة الأمريكي العجيبة، التي تشي عنده – أي عند الياباني بحسب ثقافته وخلفيته الثقافية – بشيئ يُؤشِّر إلى المكر، إلى الدهاء، إلى الخُطة المُبيَّتة، إلى الاستغفال، وإلى الإيقاع في المطب والشرك، مع أن الأمريكي ليس كذلك، الأمريكي بشكل عام إذا أراد أن يُفاوِض يذكر لك هدفه صراحةً، يقول هذه الشحنة – مثلاً – أُريد أن آخذها بسعر نهائي يتراوح بين خمسمائة وخمسمائة وأربعين، ماذا تقول أنت؟ الياباني ليس هكذا، اليابانيون كالعرب خطّابون، حين يُريدون أن يتزوَّجوا يُرسِلون الخاطبة والخطّابة، ليس عندهم مُواجَهة، لابد أن يكون واسطة، ولذلك حتى في المُفاوَات دائماً يدسون الوسيط في البداية، لكي يعرفون حقيقة موقف الآخر ثم يعود إليه، وعلى هذا الضوء يُحدِّدون موقفهم، ثم يقبلون موقفاً تفاوضياً قلقاً، الثقافة تختلف! ليسوا مُباشِرين كالأمريكان، نحن أكثر من اليابان طبعاً بدرجات في الروغان واللف والدوران، لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ۩، نسأل الله أن يُعافينا ويشفينا مما نحن فيه.

بعد ذلك أمور غير مُهِمة وغير عاجلة، طبعاً كلنا مُدمِنون ونعرف هذا جيداً، أيضاً مرة أُخرى شفانا الله، أمور غير مُهِمة وغير عاجلة، مثل أحاديث الناس، مُسلسَلات كذا ومُسلسَلات كذا، أنا لم أستطع أن أتخيَّل كيف بعض الناس – ليس بعض الناس بل كثير من الناس – ألهاهم هذا عن صلاة التراويح، ألهاهم عن صلوات الجماعات، ألهاهم عن تربية أبنائهم، وألهاهم عن أشياء أُخرى كثيرة، يُتابِعون مُسلسَلات مكسيكية أو برازيلية أو أمريكا لاتينية، قالوا من مائة وخمسين أو مائتي حلقة، شيئ غير مُمكِن، غير معقول هذا على الإطلاق! والله الذي لا إله إلا هو لو أنك تابعت مائتي حلقة وثائقية من التي تبثها – مثلاً – العربية أو الجزيرة الوثائقية لأصبحت باحثاً، لأصبحت رجلاً عندك القدرة أن تُحاضِر في موضوعات كثيرة، تُحاضِر ومُحاضَرات علمية مُحترَمة! ما رأيك؟ أنا أحلف على هذا، هذا لو تابعت مائتي حلقة – مائتي ساعة – يا حبيبي، اذهب إلى الجامعات وانظر كم ساعة عندهم! عندهم مائة وسبعون ساعة دراسية – يقولون – مُوزَّعة على أربع سنوات أو على ستة فصول دراسية Semesters، مائة وسبعون ساعة! أنت أضعت مائتي ساعة من أجل مُسلسَل مانويلا Manuela أو مُسلسَل أنطونيلا Antonella – لا أدري – والكلام هذا، غير مُمكِن! أين يا مُسلِم لا تزول قدما عبد يوم القيامة؟ يا عبد الله اسأل نفسك، اتق الله في نفسك وفي وقتك، أضعت أبناءك، أضعت بناتك، وأضعت الأسرة كلها! لا تُوجَد تربية، لا يُوجَد علم، ولا يُوجَد أي شيئ! لماذا؟

آخر شيئ – لأن الوقت قد أزف – التوازن، للأسف سأُضطَر أن أختصر، نحن في عصر أفقدنا توازننا، هذا عصر يُعرَف بعصر مرض العجلة، أي الــ Hurry sickness، الــ Hurry sickness هو مرض العجلة، كل الناس مُستعجِلون، لكن ربما نحن نحن العرب لسنا مُستعجِلين، ليس عندنا أعمال وليس عندنا خُطط، فلسنا مُستعجِلين! لكن هذا العالم المُتقدِّم مُستعجِل، كل شيئ فيه بعجلة، فأفقد الإنسان توازنه، هذه العجلة وأيضاً هذه الصرامة في استثمار الوقت واستغلاله وتوظيفه ينبغي ألا تُفقِدنا توازننا، فللآخرة أوقاتها كما للدنيا أوقاتها، للأسرة الصغيرة أوقاتها، للعمل أوقاته، للأصدقاء أوقاتهم، للأسرة الكبيرة والمعارف والجيران حتى أوقاتهم، ولكل شيئ وقته!

يُقال في القديم كان الناس أكثر توازناً مع أنهم كانوا أكثر جُهداً وأكثر تعباً، كان الحصّاد يحصد والزارع يزرع والبذّار يبذر والصائد يصيد ويلتقط رزقه وهو يُغني، يُروِّح عن نفسه! يُريد أن يُعطي نفسها حظها من الترويح والترفيه، اليوم لا وقت، لا لغناء، لا لترفيه، لا لنشيد، عمل عمل عمل عمل! ثم نوم ثم عمل مُستمِر، أورث الإنسان أمراضاً نفسية واجتماعية، هذه الأمراض النفسية والاجتماعية كثيرة جداً جداً، دمَّرت هذا الإنسان، وأشعرته بحالة اغتراب عن نفسه، عن حقيقته الإنسانية، وعن الآخرين، فانبتت العلاقات أو بهتت على الأقل وضعفت جداً هذه العلاقات.

انتبهوا، نحن نعيش هنا في الغرب – في هذا الغرب السريع العاجل – وأحياناً نُصاب ببعض فيروساته وأمراضه دون أن نشعر، بعضنا يُواصِل العمل ليل نهار، وربما يُواصِل الدرس ليل نهار، ويحرم ويظلم أولاده – أبناءه وبناته – حظهم من التوجيه، من الحنو، من أن يجلس معهم، من أن يضمهم، من أن ينصحهم، من أن يُقبِّلهم، ومن أن يستمع إلى مشاكلهم ومُزعِجاتهم وشكاواهم وتبريحاتهم، دائماً ليس عنده وقت! الوقت للدراسة والوقت للعمل، في النهاية سيصل إلى نُقطة سيُضحي فيها أو يكون على استعداد أن يُضحي بكل ما أنجزه، بكل أمواله، بكل علمه، وبكل شهاداته في سبيل أن يعود إليه ابن واحد ضال، سقط صريعاً للمُخدَّرات أو الخمور أو النساء أو الفساد أو فشل في كل حياته، أو ابنة – نفس الشيئ – ضلت طريقها وشذت عن الركب بالكُلية، سيُدرِك مدى فشله وليس مدى إنجازه، والسبب هو عدم التوازن.

صدق المُصطفى المُعلِّم الأكبر حين قال – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – يا أبا الدرداء إن لبدنك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزورك – أي لضيفك، الضيوف، الناس، العلاقات الاجتماعية، يا أخي ما أعظم هذا الحديث! أعتقد في هذا الإطار الآن فهمنا هذا الحديث بطريقة أكثر تنوراً وإضاءة – عليك حقاً، فأعط كل ذي حقٍ حقه، صلَّى الله وسلَّم وبارك وشرَّف وكرَّم مُعلِم الناس الخير، الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة، والسراج المُنير، وآله وأصحابه وأتباعه، وسلَّم تسليماً كثيراً.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم إنا نسألك في هذا المقام الكريم في هذه الساعة المُبارَكة من هذا اليوم العظيم إلا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرَّجته، ولا كرباً إلا نفَّسته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه وأذهبت غمه وهمه وحُزنه يا رب العالمين.

اللهم اهدنا واهد بنا، وأصلِحنا وأصلِح بنا، اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اللهم إنا نسألك أن تحقن دماء المُسلِمين، اللهم أصلِح ذات بين المُسلِمين، اللهم أصلح ذات بين المُسلِمين في فلسطين والعراق، وفي أفغانستان وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم ألِّف بين قلوبهم، اللهم جنِّبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، إلهنا ومولانا رب العالمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، قوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (15/6/2007) 

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: