الرئيسية / التفريغات النصية / وعينا التاريخي كم هو بائس!

وعينا التاريخي كم هو بائس!

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

 

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۩ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ۩ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ۩ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

لا يُخطيء ناظرٌ أنعم النظرة في كتاب الله – تبارك وتعالى – حقيقة أن هذا الكتاب الأعز الأجل طافحٌ وملآن من سير الأولين وأخبار الماضين، فيقتصُ ماجرياتهم  ويعرضُ حكاياتهم وينصبها للمُعتبِرين ويرفعها مناراً لأولي الألباب من عباد الله  تبارك وتعالى، ولذلك كان المُستفيد الوحيد والأول والرئيس من درس تلكم الماجريات والوقوف على تلكم الأحداث الماضيات هم العقلاء الألباء من البشر، قال الله لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ ۩، على أن القرآن العظيم لا يختصرُ في اقتصاصه هاته الأخبار الماضية على ذكر الأمم السالفة وما اتفق للنبيين منها والمُرسَلين من أنباء وحوادث مُعجِبة ومُذهِلة أحياناً مع أقوامهم، كلا ليس القرآنُ مٌقتصِراً على هذه الناحية وحدها بل إنه ريّان أيضاً بالتأريخِ واقتصاص أخبار الجيل الأول المُبارَك من هذه الأمة، الجيل المُؤسِّس وفي مُقدَّمه خاتم النبيين والمُرسَلين – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – في كوكبةٍ وزُمرةٍ من أصحابه الأبرار المُطهَّرين، فالقرآن أيضاً ملآن من ذكر هؤلاء على أنه لا يعرضُ لذكرهم على نحوٍ من التمجيد والتبجيل والاحتفاء وحده بل يعرضُ أيضاً لذكرهم على نحوٍ من العتبِ الشديد أحياناً والتثريب والتقريع ليُقيم منهم لأنفسهم عبرةً وعظةً وللأمة إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، ولا أحسبني محوجاً ولا ملزوزاً أن آتي بطرفٍ على سبيل الاستقراء فهذا يضيقُ عنه المقام ويحضرُ كلاً منكم ومنكن طرفٌ لا بأس به من هذا المعنى كقوله تبارك وتعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ  وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۩، إلى آخر السياق الكريم، ومعروفة الخلفية التاريخية التي نزلت عليها هاته الآيات، فلقد تنازعوا وتضاربوا من أجل المغنم فجاء القرآن مُباشَرةً مُعقِّباً مُعلِّقاً ومُعلِّماً ومُصحِّحاً، قال الله في أُحد إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ  ۩، ومعنى أن الله قال اسْتَزَلَّهُمُ  ۩ أي أنه يُسجِّل هنا خطأً وخطيئة بشكل واضح، فالله هو المُتحدِّث لا إله إلا هو.

قال الله مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ  ۩ وقال أيضاً إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىَ أحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَ أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمّاً بِغَمّ ۩، كالغم الذي أصاب الكفار في بدر أصابكم في أحد بسبب هاته المُخالَفات، ونحو هذه الآيات كثيرة، فالله قال في الخندق أو في الأحزاب هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ۩  وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ۩، فالقرآن طافح بأخبار المُنافِقين من الصحابة الذين كانوا أصحاباً في الظاهر إلا أنهم ينطوون على دغل وعلى نفاق، واقرأوا سورة التوبة وأيضاً فيما يتعلَّق بالأحزاب في سورة الأحزاب، فهم مُنافِقون وفي قلوبهم مرض، والقرآن ملآن بهذا، فلم يقل مرةً إن الذين كانوا يكتنفون رسول الله هم كُمَّل وصادقون كلهم، لم يقل هذا وإنما قال فيهم وفيهم وهم على طبقات وأنحاء، فليسوا معنىً واحداً وليسوا شيئاً واحداً، هذا تزييف وإدخال على الدين ما ليس منه، لكن هذا هو القرآن العظيم الذي يتحدَّث، الله هو الذي يتحدَّث وليس الرواة وليس المُخرِّجون وفلان عن فلان عن فلان عن فلان، بل الله هو الذي يتحدَّث حديثه القاطع الصارم الباتر لا إله إلا هو.

قال الله وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۩، وقيل لم يبق معه إلا اثنا عشر، وهذا شيئ عجيب، فقد هُرعِوا إلى القافلة ونزل القرآن مُصحِّحاً، قال الله إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ۩، أي لا عقل لهم هؤلاء ولا أدب لديهم، وهذا عتبٌ شديد وتثريبٌ مُؤكَّد مُفظِع، فهذا هو القرآن الكريم، قال الله قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ۩ فهم يتسلَّلون في الأحزاب أيضاً، قال الله أيضاً وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ۩، قال تعالى وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ۩، فهؤلاء هم المُخلَّفون.

هذا هو القرآن في واقعيته، فلا يُزيِّف ولا ينظر إلى التاريخ والوقائع والأحداث نظرة انتشائية تبجيلية تمجيدية ونظرة أمثلة، لأن هذه الأمثلة والتمجيد في غير محله كذب، فاختلاق نوع من التاريخ الزائف يُضلِّل وعي الأمة وبالتالي يُوعِّر طريقها ويجعل علائم الطريق غير ظاهرة وغير مُستبينة وغير لائحة، فمَن المستفيد؟ سوف نرى بعد قليل مَن الذين يستفيدون من أمثال هاته الخُطة، وهى خُطة جهنمية – إن جاز التعبير – ومُحكَمة ومُخيفة جعلت هذه الأمة قروناً وإلى يوم الناسِ هذا تُستغفَل ويُضحَك عليها، فهذا لصالح مَن؟ مَن المستفيد؟ وأنا أقول لكم أن الفائدة تصب في صالح القبيلة الملعونة، قبيلة المُستبِدين والطواغيت فقط، الظلمة الذين يدوسون هام هذه الأمة ويغتالون حقوقها، ولكن كيف؟ الموضوع مُعقَّد وطويل الشعوب والذيول، ولكن قد يلوح منه جوانب – إن شاء الله – بعد مُضينا قليلاً وبعيداً في الحديث بحول الله تبارك وتعالى، فهذا هو القرآن الذي لديه خُطة مُتوازِنة لعرض الأشياء بصدقية تامة وكاملة.

أعجب من هذا كله سورة النور التي أبت إلا أن تُؤرِّخ وتُخلِّد حادثةً مُروِّعة فظيعة مُخيفة مُزلّزِلة وهى حادثة تورّط جماعة من الصحابة الصادقين مع نفر من المُنافِقين يتزعمهم رأس النفاق عبد الله بن أُبي بن سلول – لعنة الله عليه – الذي تولى كبره وباء بأعظم إثمه، وهى حادثة الطعن في حرم رسول الله وفي عِرض رسول الله، وطبعاً واضح جداً وبدهي أنه لولا أن القرآن خلَّد هذه الحادثة لدفناها ولقيل لنا: ما ينبغي أن يتحدَّث فيها أحد، إنك أثيمٌ زنديق، لماذا تتحدَّث فيها؟ مَن المُستفيد؟ لماذا تتحدَّث أن بعض الصحابة طعنوا في عِرض أم المُؤمِنين وأُقيمَ عليهم حد القاذف؟

فهم جُلِدوا على مرأى من الناس ولم يُبهرَجوا وإنما جُلِدوا، والقرآن هو الذي فعل هذا وخلَّده ليكون عبرةً لنا، منارة وضوابط وصور وعلائم تُعلِّمنا كيف نكون واقعيين وذوي صدقٍ وصدقية في درس تاريخنا والتعاطي معه.

أكثر ما يغيظ ويبعث على الحنق والغضب أن تسمع أكاديمياً جامعياً أو مُثقَّفاً يتحدَّث حديث الجُهَّال، أكثر من هذا أن تسمع مُتخصِّصاً في الفكر الإسلامي أو مُفكِّراً أو ما صار بالداعيةً المشهور ويتحدَّث مثل هذا الحديث، ولفظ  داعية عجيب نوعاً ما، بل هناك أحياناً ما يتفق أن يتحدَّث مُدرِّس التاريخ الإسلامي وأستاذ للتاريخ في الجامعة ويقول لك “ما الفائدة من طرح هاته الموضوعات؟ قال الله ﺗِﻠْﻚَ ﺃُﻣَّﺔٌ ﻗَﺪْ ﺧَﻠَﺖْ ﻟَﻬَﺎ ﻣَﺎ ﻛَﺴَﺒَﺖْ ﻭَﻟَﻜُﻢْ ﻣَﺎ ﻛَﺴَﺒْﺘُﻢْ ﻭَﻻ‌ ﺗُﺴْﺄَﻟﻮﻥَ ﻋَﻤَّﺎ ﻛَﺎﻧُﻮﺍ ﻳَﻌْﻤَﻠُﻮﻥَ ۩” وهذا شيئ غريب، هذا أكثر ما يغيظني، وأنا أزعم الآن أنه لا تُوجَد أمة مُتحضِّرة على وجه الله تُفكِّر على هذا النحو.

نيقولا بيرديائيف
نيقولا بيرديائيف

الفيلسوف والمُفكِّر الروسي الكبير نيقولا بيردييف Nikolai Berdyaev  في كتابه The Meaning of History أو معنى التاريخ لاحظ كما لاحظ غيره أيضاً من هؤلاء الفلاسفة والمُفكِّرين أن الأمم في لحظات تدليها وانحطاطها ومكروثيتها وتراجعها يرهف فيها الحس التاريخي والفكر التاريخي والحس النقدي للتاريخ، فيحدث هذا – سبحان الله – في لحظات الانحطاط، وضرب مثلاً بالقديس أوغسطين Saint Augustine وقال “هذا الرجل – وهو طبعاً في القرن الخامس الميلادي – استطاع أن يُشيِّد بناء نظرية شاملة ومُتكامِلة لتفسير التاريخ ألقت بطابعها وبآثارها على كل مَن تلاها”، وهى نظرية معروفة بالفعل، فلا يُوجَد إنسان درس فلسفة التاريخ لا يعرف ما هى نظرية سانت أوغسطين  Saint Augustine في تفسير التاريخ، والقضية لاهوتية على كل حال ولكنها شبه تامة وفق مفروضاتها ومقبولاتها التي تأسَّست عليها، لأن القديس  أوغسطين   Augustine عاصر انهيار العالم القديم وسقوط روما، وهذا حدث مُروِّع وكبير أرهف فيه حس التاريخ وفهم التاريخ والماضي وإعادة تفسيره وفق رؤية – Vision – لا وفق رواية فقط.

الثورة الفرنسية
الثورة الفرنسية

أيضاً الثورة الفرنسية والحروب النابليونية هنا في أوروبا أرهفت درس التاريخ وحس التاريخ إلى الغاية، وهذا معروف أيضاً، فكل مَن درس تطوّر الفكر التاريخي بعد الثورة الفرنسية والحروب النابليونية تطوّر جداً درس التاريخ في أوروبا.

ابن خلدون في السياق العربي الإسلامي ذكر ما سأقوله لكم في المُقدِّمة بشكل فاقع وناصع، لكن أولاً لماذا الرجل أصبح فيلسوفاً للتاريخ؟!

هو أول فيلسوف تقريباً إذا استثنينا سانت أوغسطين  Saint Augustine ولكن ابن خلدون بشهادة توينبي Toynbee هو أعظم بكثير، فابن خلدون أعظم وأكثر واقعية بل وأكثر علمية من القديس أوغسطين Augustine  بشهادة أرنولد توينبي Arnold  Toynbee في كتابه العظيم دراسة التاريخ.

ابن خلدونابن خلدون ذكر هذا في المُقدِّمة لأنه رأى العالم الإسلام المُترامي الأطراف والمُنداح الجنبات يتقطَّع ويتمزَّق ويتشظى، وبتعبير عبد الرحمن بن خلدون رحمة الله عليه كأن الله أذن بطي البساط، أي شعر كأن بساط هذه الأمة يُطوى، ولاحظ ابن خلدون بذكاء وهو المُتوفى في أول القرن التاسع – ثمانمائة وسبعة للهجرة – أن الآخر الغربي الأوروبي الذي كان بالأمس الفرنجي الصليبي  بدأ يتقدَّم وينهض، فابن خلدون لاحظ وسجَّله بذكاء أيضاً، لكن السؤال الآن: هل نحن بخير؟!

لسنا بخير، ومعروف وضع الأمة العربية اليوم ووضع الأمة الإسلامية، ولكن لماذا لا نرى لدينا حساً مُرهَفاً بالتاريخ؟!

هذه النظرية الصحيحة الدقيقة عجيبة، وكل دارسي التاريخ يُقرِّرونها في العصر الحديث ويُصادِقون عليها، لكن ما بالها لا تنطبق على الأمة؟!

لماذا لا تنطبق هذه النظرية علينا؟!
أنا أقول لكم لماذا، لأن الذين أرادوا وأُريدَ لهم أن يتصدَّروا المشهد وأن يُقال هم دعاة الخير في هذه الأمة وهم الذين يجب أن تستعيروا عقلهم ورأيهم ومنظورهم في الفهمِ والانطلاق والسلوك هم جماعة من المُغفَّلين ببساطة، ولا علاقة لهم بالتاريخ ولا بدرس التاريخ وأعجز من أن يفهموا التاريخ أصلاً، لأنهم يُحرِّمون دراسته أصلاً ويُفتون بوجوب إعدام وثائقه وبيِّناته، ويقولون “يجب أن تُعدَم وتُطوى، ممنوع أن تظهر للناس، ممنوع أن تُدرَس، ممنوع أن تُحقَّق” وهذا شيئ غريب، ألم أقل لكم هذه أمة غريبة وتُفكِّر على نحو غريب جداً، فليس لها نظير في هذا التيه والضياع؟!

هذا يُقلِق كل مُفكِّر وكل مُثقَّف حقيقي لا يجد له نظيراً، ولكن لماذا أيضاً كان الأمر على هذا النحو فالجواب هذا ليس كافياً؟!

لأنهم لا يألمون ولا يشعرون بحجم انحطاطهم ويقولون “لا، الأمة ليست مُنحَطة إلى تلكم الدرجة التي تظنون، الأمة في صحوة مُمتازة طالما تحجَّبت النساء أو انتقبن والتحى الرجال وأموا المساجد وأخذوا المساويك وحافظوا على الشعائر والطقوس وسبَّحوا بحمد السُلطان، فالأمة مُمتازة وليس بينها وبين أن تُصبِح كجيل الصحابة إلا خُطوات يسيرة”، فهل هذا هو مشروعكم؟ ويقولون: هذا مشروعنا وهكذا نحن نعرضه، فماذا تُحِبون أكثر من هذا؟

وهل تعرفون لماذا أيضاً مرة أخرى؟!

لأن هؤلاء غائبون ومُغيَّبون وضائعون زمُضيِّعون، هؤلاء لا علاقة لهم بالعالم الآخر، هؤلاء لا يرون كيف يعيش الناس وكيف يُفكِّر الناس، حتى الأجيال الشابة الآن من الشباب والشواب في الأمة العربية والإسلامية هؤلاء لا علاقة حقيقية لهم بهم، لا يعرفون كيف يُفكِّر هؤلاء ولا يعرفون العالم الوسيع المُنداح الذي انفتح عليه أبناؤنا وبناتنا في الفكر والأدب والثقافة والفن والسياسة، لا يعرفون هذا، بل أن كبيرهم وهو أعظم رأس من هؤلاء في مصر – سأكون واضحاً ولكنني لن أُحدِّد اسمه لأني لا أُحِب أن أجعلها شخصية – له مُحاضَرة جماهيرية أمام الناس مُسجَّلة وموجودة على اليوتيوب YouTube ويا للعار، وأنا أقول له سارع بحذفها، ولكنها سُجِّلَت، هناك مليون مَن سجَّلها، فالرجل يطرح مُقترَحاً بسيطاً جداً لحل المُشكِل الاقتصادي لأن مصر فيها مُشكِلة اقتصادية كأكثر دول العالم الإسلامي والعالم الثالث، فقال “سهلة جداً جداً جداً”، فكيف يا مولانا، يا خبير، يا مُفكِّر، يا مُجدِّد، يا مُصلِح، يا مولانا العلَّامة؟!

قال ” الحل في الغز، علينا أن نغزوا، فاخرجوا واغزوا الكفار”، ومَن هم الكفار اليوم؟!

أوروبا وأمريكا وأمريكا اللاتينية والهند والصين واليابان، فهؤلاء هم الكفار، وطبعاً هو يفترض أنك ستخرج بسيفك الخشبي أو بالسواك وبالجلابية وستغزو وستربح كما لو كان العالم توقَّف عند القرن الأول الهجري، فأنت ستربح بالسواك – إن شاء الله تعالى – وربما بالمطاوي وبأعمدة الخيم وذلك حين تغزو العالم المُترسَّن بالنووي وبالهيدروجيني وبالأسلحة الذكية التي يُمكِن أن تُدمِّر بلدك وأهلك وهم يجلسون في مكانهم يقزّقِزون اللب كما فعلوا من قبل بالأسلحة الذكية، ومع ذلك يقول لك “اذهب واغزو”، ولكن ماذا بعد يا مولانا؟ لم يقل أن القضية محسومة ولكنها محسومة طبعاً  بدليل أنه قال “ثم نعود كما كانوا يعودون، ومع كل أحد كذا وكذا رأس”، قال هذا بنفس التعبير، كما لو كان يتحدَّث عن قطعان من الماشية ويقول “كذا وكذا رأساً”، ثم يقول “فأنت معك – مثلاً – ثلاثون رأساً، نصفهم رجال ونصفهم حريم، ثم أنك سوف تبيع منهم، فاضرب – هكذا يقول اضرب، وجدول الضرب تعلَّمناه في الإبتدائي فسهلة العملية إذن، لأن كلنا يعرف جدول الضرب مع القسمة – كل رأس بكذا وكذا”، أي أن المبلغ الذي ستحصل عليه سيستحق ما تفعله، فما هذا؟!

شرُ البلية ما يُضحِك، فسذاجة هؤلاء في الاقتصاد لا تُضارِعها إلا سذاجتهم في السياسة، فهم يقولون “الديمقراطية كفر وزندقة”، أحد هؤلاء قبل حوالي خمسين سنة عارض بالعقلية التقليدية الرجعية – هذه هى الرجعية فعلاً – مُعارَضة النظام الملكي القائم والدعوة إلى الجمهورية، عارض وتحمَّس جداً، فقيل له لماذا يا مولانا تُعارِض النغمة الجمهورية وهى طراز حديث وجيد ومن ثم سوف يكون أحسن من نظام الملوك الذي جرَّبناه؟  فقال أنا أُعارِض على أساس ديني، ولكن كيف هذا يا عبقري السياسة الشرعية والفقه السياسي؟ قال “لأن الله قال في كتابه تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء  ۩ ولم يقل تؤتي الجمهورية مَن تشاء”, الله أكبر على الفقه السياسي، وهو علَّامة وله مُؤلَّفات ودروس، ويُدرِّس للناسمن أربعين سنة، وقد يظن فيه أتباعه أنه من المُصلِحين المُجدِّدين المبعوثين على رأس المائة ليُجدِّدوا الدين، وهذه كارثة وسذاجة بل وحماقة  وصبيانية وولدانية في الاقتصاد وفي السياسة وفي الفكر وفي الفقه وفي الدين وفي الأخلاق وفي كل شيئ، وهذا شيئ لا يكاد يُصدَّق، ولذلك المعري من قديم قال:

أغَايَةُ الدّينِ أنْ تُحْفُوا شَوَارِبَكم                      يا أُمّةً ضَحكَتْ مِن جَهلِها الأُمَمُ.

نفس النمط اللعين يتكرَّر من أيام المعري، فهم يقولون “حفوا الشوارب وكبِّروا اللحى واعفوا اللحى وكذا وانتهت المُشكِلة والدين عاد كالأول ما شاء الله، فقد جُدِّدَ الدين”، ما هذا؟ هل هكذا يُجدَّد الدين؟

قال المعري:

أغَايَةُ الدّينِ أنْ تُحْفُوا شَوَارِبَكم              يا أُمّةً ضَحكَتْ مِن جَهلِها الأُمَمُ

فالأمم تضحك ونحن نبكي ونُستغفَل ونُداس في الداخل والخارج قرناً تلو قرن، والتاريخ نفسُ الشيئ حيث يُوجَد لدينا سذاجة في الوعي التاريخي، فحين تأتي لتفتح أي ملف يُقال لك “لا يجوز، أنت أثيم”، وتتغيَّر النظرة إليك ويظنونك زنديقاً ومدفوعاً ومدخولاً ومُوظَّفاً ويتساءلون عن مَن يقف وراءك ومَن يُحرِّكك، وأنا أقول لهم “القرآن هو الذي يُحرِّكني ومصلحة أمتي هى التي تُحرِّكني والحقيقة هى التي تُحرِّكني، ولكن لماذا يغيظ هذا السؤال؟ هل تعرفون لماذا؟ لا أُحِب أن أُقسِم بالله كعادة هؤلاء ولكن أقول لكم أنا مُتأكِّد ومُوقِن أنه لا تُوجَد أمة على وجه الأرض ماضيها ماثل وحاضر وبعنف في حاضرها كالأمة الإسلامية، وأتحداكم في هذا، ائتوني بأمة ماضيها لايزال ينبض بعنف في حاضرها كالأمة الإسلامية، ثم يتساءل هؤلاء التائهون لم ندرس التاريخ ويقولون ﺗِﻠْﻚَ ﺃُﻣَّﺔٌ ﻗَﺪْ ﺧَﻠَﺖْ  ۩، الله أكبر، ما شاء الله، ولكن لم نحن اليوم ما زلنا سُنة وشيعة وزيدية وإباضية وفرقاً وطوائف نحترب ونقتتل ويُراد لنا أن نحترب وأن نقتتل؟!

أُريد أن أذكر مُلاحَظة وهى أنني من الذين يتحدَّثون في هذا الشأن الفرقي أو الأفراقي، فأتحدَّث عن الشيعة والسُنة والزيدية والإباضية دائماً وقصدي واضح تماماً، فأنا أدفع إلى مزيد من التسامح لأنني ضد التكفير وضد التعبئة والتجييش وضد فتاوى ضبح الآخر وإقصاء الآخر، وهناك مَن يفعل هذا ويُدفَع لهم في فضائياتهم في بريطانيا سنوياً أكثر من مائة مليون دولار، وفضحتهم التقارير المكتوبة بالإنجليزية عنهم لأن العرب أمة لا تقرأ، وهم يعرفون أننا لا نقرأ، فمشائخنا لا يقرأون ولا أحد يقرأ ولا أحد يهتم، فمَن الذي يهتم؟!

مُؤسِّس  راند RAND المعروفة بالخلفيات الصهيونية الصليبية لها كتب في تقريرها “نحن أنفقنا في هذا العام سبعمائة مليون دولار، ثلاثمائة مليون للفضائية الفلانية، ومائة مليون للفضائية العلانية في بريطانيا”، وماذا تفعل هذه الفضائية؟ علماً بأنني حذَّرتكم منها قبل ست أو سبع سنوات من هذا المنبر بفضل الله – عز وجل – وقلت لكم واضح جداً أن هذه الفضائية تتظَّهر وتتظاهر بأنها تُريد أن تُقيم حواراً بين الشيعة والسُنة، فيا حبذا الحوارو يا حيهلاً بكل حوار- والله – حتى ولو مع الكفار ومع اليهود ومع النصارى ومع الزنادقة ومع الملاحدة، فكيف لا يكون يا حيا ألف هلاً وهلاً مع إخواننا المسلمين المُوحِّدين من أهل “لا إله إلا الله، محمد رسول الله” ومن أهل القبلة الواحدة والكعبة الواحدة؟ كيف لا أُرحِّب؟

ابن تيمية في وقته – عفا الله عنه وسامحه – كتب كتابة واضحة جداً جداً جداً يدعو فيها إلى حوار مع ملك قبرص ولكنه كان تقريباً استئصالياً مع الفرق الإسلامية الأخرى، ونفس النغمة تتكرَّر اليوم، فيقولون “نُرحِّب بالحوار مع اليهود والنصارى، وأهلاً وسهلاً بالحوار حتى مع الملاحدة والكفار لأن ديننا دين حوار، لكن ندعو إلى التعبئة والتجييش ضد الآخر المسلم المُوحِّد من أهل لا إله إلا الله”، فلماذا إذن؟ أُحِب أن أفهم لماذا وأنا مألوم ومكبوت وممرور، هل تعرفون لماذا؟!

ببساطة لأن العدو يُريد هذا، أُقسِم بالله لأن العدو يُريد هذا، واُقسِم بالله مرة أخرى لأن العدو يدفعهم إلى هذا وأنتم تعرفون هذا، لكن هو لا يدفع هؤلاء السذج المُغفَّلين من المشائخ وغير المشائخ وإنما يدفع الساسة ويدفع السُلطات الحاكمة التي عندها أجندات سياسية تفرضها على المُفكِّرين والصحفيين والمُثقَّفين والمشائخ البُله، هكذا سأُسميهم المشائخ البُله ولن أنعتهم بنعت أحسن من هذا، فاليوم هم بُله وليحمدوا ربهم لأن غداً سيظهرون على حقيقتهم وسيُعرَف أنهم مُجرِمون، فسيظهرون مُجرِمين قتلة، ويوم تدور المعركة ويذبح بعضنا بعضاً سيقول العالم كله وتحديداً العالم المسلم لهم “لعنة الله عليكم، أنتم الذين أرَّثتم هذه النيران، لعائن الله عليكم إلى يوم الدين، أنتم الذين أحرقتم عالمنا الإسلامي وضيَّعتم ثوراتنا وضيَّعتم استقرارنا وأجهضتم نهضتنا”.

نحن إقليم ولذلك الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي ككل أكثر ما يحتاجه الآن هو الاستقرار والهدوء، ولا استقرار ولا هدوء والتعبئة والتجييش والنفخ وبتفوير الدم يعمل على مدار الأربع وعشرين ساعة في الفضائيات وعلى صهوات المنابر التي تُشعِل الحروب ما شاء الله، فهم يمتطون منابرهم كأنهم يمتطون يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي ليذبح الأمة بعضها بعضاً، فتباً لهم، اللهم إني أبرأ إليك منهم ومِمَن دفعهم ومِمَن يدفع لهم.

هذا شيئ لا يكاد يُصدَّق، لكن كما قلت لكم عوداً على بدء ائتوني بأمة ماضيها حاضر وبعنف ونبض كالأمة الإسلامية، فهذا يحدث إلى اليوم، كأن حرب الجمل وصفين والسقيفة حاضرة إلى اليوم وهى التي تجعل من الشيعي شيعياً ومن الزيدي زيدياً ومن السُني سُنياً وإلى آخره، إذن لا مناص من أن نفتح هذه الملفات، فنتيجة الفتح بالدراسة الصادقة المُتعمِّقة معروفة، علماً بأنني أتحدَّث عن الدراسة الصادقة المُتعمِّقة وليس عن الاستهبال، واسمحوا لي بهذه العبارة وأنا أعتذر منكم ومن المُستمِعين لكن هذا إسمه استهبال واستغفال، وهذا يُمرَّر بالأكاذيب، فمُسلّسَل الحسن والحسين ومُسلّسَل قعقاع بن عمرو كلها مُسلّسَلات زور وإفك وكذب، وهى تعتمد رواية سيف بن عمر التميمي وهو أكبر كذَّاب في تاريخ الرواة بشهادة كل علماء الحديث، يقول عنه يحيى بن معين “فلسٌ خيرُ منه” لأنه كذَّاب، واتُهِمَ سيف بن عمر بالزندقة أيضاً كما قال ابن حبان “سيف بن عمر التميمي مُتهَم بالزندقة”، فهذا خلق لنا تاريخاً لم يُوجَد يوماً وزيَّف التاريخ كله، فلعنة الله على فعله لأنه زيَّف تاريخنا، واعتُمِدَت روايات وزيوف له كثيرة، فالطبري للأسف – رحمة الله عليه – ساق – لكن هو ينقل فقط – في تاريخه ثمانمائة رواية لسيف بن عمر أو ساق بالضبط سبعمائة وخمس وثلاثين رواية تقريباً منها عن تلميذ هذا الرجل وهو شعيب بن إبراهيم وهو كذَّاب قولاً واحداً، فهذا تاريخ من الكذب، وما يتعلَّق بفتنة عثمان كله كذب، والجمل وصفين كله كذب، فهذه كلها أكاذيب لا أول لها من آخر، وهذه الأكاذيب جُسِّدَت مُسلّسَلاً يُصوَّر على أنه  يُظهِر لنا الحقيقة وهى ليست بحقيقة، فليس هذا من الحقيقة في شيئ ومن هنا نقول كفى، عيب على أمة أن تكذب على نفسها، نحن كذبنا على أنفسنا ألف وأربعمائة سنة، ألم تأت لحظة للمُحاسَبة لكي يكون لدينا الجرأة والصدق العلمي المنهجي المهني أن نُحدِّق في عين الحقيقة كما نُحدِّق في عين الشمس وإن آلمت؟  لكن الحقيقة مُرة، وتساءلت مرة لماذا هى مُرة؟ لماذا يقول شوقي “إنَّ الذي جَعَلَ الحقِيقةَ عَلْقمًا”؟ فلماذا هى علقم مع أن  الحقيقة في ذاتها ولذاتها لابد أن تكون جميلة وجليلة وحلوة ولاذة ومُستعذَبة؟ فهل تعرفون لماذا؟
لأن أعداءها أبوا إلا أن يجعلوها مُرة، فالحقيقة لا تقف مُنتصِبةً مُفرَدةً مُتوحِّدةً في الميدان أبداً، بل يتناوشها الأعداء من كل جانب، فهناك الشهوة والغرض والحسد والحقد واللوثة العقلية واللوثة النفسية والمنفعة والمصلحة والطائفية والمذهبية والسياسة ودجل السياسة والحزبية والضعف البشري والسأم والملل والنظرة القاصرة والنظر في موضع القدمين، فأعداء الحقيقة يجلَّون عن الحقيقة والحصر ويجعلونها صعبة جداً جداً جداً جداً، فمُجاهِد وفُدائي هو الذي يُريد أن ينشد الحقيقة، وأكثر جهاديةً واستشهاديةً منه هو الذي يُعانِقها ويتقبَّلها برحابة صدر ويُبشِّر بها، فهذا قضى على نفسه بالشهادة حتماً، ربما مادياً وربما معنوياً وربما مادياً وقطعاً معنوياً، ولذلك الحقيقة لا يُمكِن أن يستفيد منها حقاً إلا الأجيال التي ستأتي، فالجيل الحاضر من الصعب أن يستفيد، لأن الجيل الحاضر دائماً هو الذي يُؤدِّي ثمنها من خلال الشهادة والفدائية فقط  لكي يستفيد منها جيل آخر، وهذا الشيئ نفسه سيتكرَّر مع الجيل الآخر وهكذا، ولكن الحقيقة في نهاية المطاف سوف تعبر كما يُقال بالإنجليزية، فمَن هم جيناتها؟ مَن هم مُورِّثاتها؟

رجال على مثالية عالية جداً إلى حد أن يُتهَموا بالجنون، لأن ما دامت الحقيقة لها كل هؤلاء الأعداء فلا يُمكِن أن تعبر إلا إذا حملها رجال من طرازٍ فريدٍ جداً جداً إلى حد أن يُتهَموا بالجنون أو الحمق، فهم مُستعِدون ومُتأهِّلون للتضحية بكل شيئ في سبيل أن تعبر الحقيقة، ولكن أين هذا من منهج علمائنا الذين أهالوا التراب ويُهيلون إلى اليوم على تاريخنا وعلى بيِّناته وعلى وثائقه؟!

قد يسألني أحدكم قائلاً هل أنت تتكلَّم كلام شعر وخطابة أم كلام منهج وتحقيق؟ وأنا أقول له هذا كلام وثائق وأدلة وبيِّنات.

الإمام أحمد بن حنبل كان يُفتي في شأن الأحاديث الرديئة كما كان يُسميها، وأستغفر الله لنفسي وللإمام أحمد من تعبير أحمد هذا، لأن الأحاديث الرديئة ليست وقفاً فقط على الأحاديث الموقوفة بل الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله أيضاً، ولكن يُسميها  الإمام أحمد رديئة، وأستغفر الله العظيم من هذا، فببساطة حين يتحدَّث الرسول ويصح عنه أنه تحدَّث وقال حديثاً لا يتفق مع أهواء الطائفة والحزب والسياسة على الرسول أن يتراجع وأن يسكت، وعليك أن تُحرِّق حديثه وأن تدفنه في الأرض، ويحرم عليك أن ترويه ويحرم عليك أن تستمع إليه، ويُباح لك بفتوى أحمد أن تسرق الكتاب أو الورقة أو الرق الذي كُتِبَت فيه الأحاديث الرديئة وأن تُخرِّقها وتُحرِّقها، كما لو كان لا مُشكِلة في أن تعتدي على غيرك وعلى مال غيرك، فهذه الوثيقة مُهِمة وهى بمثابة المال لغيرك ومع ذلك بفتوى أحمد يُقال لك حرِّقها وغرِّقها، علماً بأن هناك روايات كثيرة في هذا الشأن، فمَن شاء أن يعود إليها ويُصدَم كما صُدِمت وصدمت فليعد إلى الجزء الثالث من كتاب السُنة لأبي بكر الخلَّال من الطبقة الثانية وهو من أنجب تلاميذ الحنابلة بل هو جامع علوم وعقائد أحمد، علماً بأن الكتاب مطبوع في السعودية ومُحقَّق هناك، فعودوا إذن إلى المُجلَّد الثالث واقرأوا فتاوى أحمد.

تكرَّر نفس الشيئ مع الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء لأنه يأمر بإخفائها وطيها وإعدامها، لكن مِن أجل مَن نفعل هذا يا أخي؟ إذا كان الرسول تحدَّث وصرَّح وبلَّغ وأبرأ ذمته وحذَّرنا من بني فلان وبني علان في أحاديث قوية وصحيحة وبعضها مُستفيض، فلماذا نُسكِتها نحن؟ إذن هذا يعني أننا لا نُؤمِن بالسُنة المُحمَّدية بل نُؤمِن بالسُنة السياسية، فنحن نُؤمِن بالسياسة لا بالدين، واليوم في علم النقد في أوروبا هناك مُصطلَح يقول لك “نص السُلطة وسُلطة النص، حُجة السُلطة وسُلطة الحُجة”، فهذا موجود في علم النقد والهرمينوطيقا ـ Hermeneutics – وعلم التأويل، لكن ما معنى هذا الكلام حتى نفهم؟!

هذا الكلام بسيط، فالآن هناك نص مُعيَّن وليكن إلهياً أو نبوياً، هذا النص له سُلطة على الناس بلا شك، وهى سُلطة معرفية وتوجيهية وتوعوية وإرشادية، فهذه هى سُلطة النص، لكن هناك ما يُسمى بنص السُلطة، فالسُلطة القاهرة المُتغلِّبة الفارضة والضاربة بأطنابها لها نص مُعيَّن وتُريد أن يُتلى هذا النص على مدار الأربع والعشرين ساعة على الناس، ولكن للأسف تُليَ علينا أربعة عشر قرناً، فلابد أن ننتبه لأن مَن يقرأ ويُحقِّق سيعلم أن من أربعة عشر قرناً وهذا النص يُتلى علينا وهو نص زائف ومكذوب، علماً بأنني الآن بصدد عقد دراسة سريعة موضوعها هو: كيف أجهضوا النص النبوي وأقاموا النص السياسي؟ فكل شيئ يُدينهم ويدمغهم ويُحذِّر منهم ويكشف حقائقهم أسكتوه وأعدموه رغم أن الرسول قاله، فإن لم يُفلِحوا ومر وعبر قابلوه بزيف على الضد منه تماماً، وهذا شيئ لا يكاد يُصدَّق – أُقسِم بالله – وبالتالي أنا أتعجَّب منه، فهم يقولون صح أنه قال كذا كذا كذا ولكن نحن نقول كذا كذا كذا على لسانه، وهذا كله كذب مصنوع ومُصنَّع طبعاً، لكن هذا هو نص السُلطة!

الأمة الإسلامية – ونحن منها بحمد الله تبارك وتعالى – لديها نزوع وقابلية أن تُصدِّق نص السُلطة أكثر من أي نص آخر، وفعلت هذا على مدى أربعة عشر قرناً، وتفصيل هذا طبعاً يحتاج إلى مُحاضَرات تصل إلى عشرات الساعات، وأنا أفعل هذا كل سبت لمَن أراد أن يتعلَّم وأن يسمع وأن يُناقِش وأن يرد علىّ، فكل سبت نفعل هذا لعشرات الساعات لكي نُثبِت هذا بالبيِّنات والأدلة والوثائق، فليس لك إلا أن تُناقِش وأن ترد أو تنسحب، لكن على كل حال نحن نُصدِّق نص السُلطة وأنتم تعرفون لماذا، وهذا كله أدَّى إلى تسخيف وتهزيل الوعي التاريخي لدينا.

اليوم بالذات الخُطبة كانت عن بؤس الوعي التاريخي في الأمة الإسلامية بشكل مُنقطِع النظير في الأمم المُتحضِّرة اليوم وربما بالأمس أيضاً، وحتى أُبسِّط سوف أُكثِّف وأجمع نفسي وأُعيد وأُكرِّر ما قلته، فلا تُوجَد أمة يعيش ماضيها في حاضرها ويرتهن مُستقبَلها كالأمة الإسلامية، ثم هى تتساءل لم ندرس التاريخ؟ وتقول قال تعالى  تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ۩ وتعتقد أن هذه فتنة ولا ينبغي أن يُفتَح باب فتنة على الناس، وطبعاً ليس لدي وقت أن أرد عن هذا وهذا ولكن ربما فعلت، فهذه كانت النُقطة الأولى، أما النُقطة الثانية تتعلَّق بأنهم  يظنون أن التاريخ رواية، وهذا مُضحِك تماماً ومُعجِب، فهو يُثير العجب والاستغراب لأن التاريخ لم يكن يوماً رواية، التاريخ هو رواية ورؤية، فسل اليوم أي مُؤرِّخ يفهم فلسفة التاريخ وقل له ما التاريخ بكلمة؟ وسوف تعرف أنه رواية ورؤية، علماً بأن هناك مئات التعاريف للتاريخ، وتاريخنا الإسلامي وتاريخ الحقبة المُؤسِّسة يُوشِك أن ينطبق عليه ما قال مارك توين  Mark Twain، فهو قال “الحبر الذي كُتِبَ به التاريخ هو تعصبٌ سائل”، وهذا التعصب ليس للنبي وليس للصحابة المُكرَّمين وإنما للذين ظلموا هذه الأمة واستباحوا حقها في حكم نفسها، فيُوجَد تعصب سائل كُتِبَ به التاريخ وليس حبراً حقيقاً للأسف الشديد، وعلى كل حال سل أي مُؤرِّخ – كما قلت لك – عن تعريف التاريخ وسوف يقول لك أن التاريخ في أحسن تعاريفه وتحديداته هو رواية ورؤية، فهو سيكون بلا رواية مضلةٌ لك وتضييع وتمغفل واستغفال واستحماق، وسوف أُوضِّح لكم هذا.

هل رأيتم مُؤرِّخاً في العالم المُتدمين اليوم والمُتحضِّر يتناول تاريخه السياسي على قواعد شبه القواعد الفقهية مثل استصحاب براءة الأصل وأن الإنسان يبقى بريئاً ما لم يثبت هذا بالقطع لأننا نُحِب بل ويجب أن نستصحب معنا دائماً حُسن الظن، لأن الله قال إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ  ۩، فنحن لنا الظاهر والله يتولى السرائر؟!

هذه الطريقة بالنسبة لي مُضحِكة جداً وبالنسبة لأي مُؤرِّخ ستجعله ينتف شعر رأسه ويقول “هل هكذا تدرسون التاريخ؟ إذن أنتم لا تعيشون في الحاضر”، وهذا ألهمني جُملة تقول “أعجزُ الناس عن إدارة – Management – حاضرهم وفهم حاضرهم ولذلك لا مُستقبَل لهم هم أعجزهم عن فهم الماضي”، فالذي لا حس تاريخياً له لا يُمكِن أن يُفلِح في إدارة حاضرة، وكونفوشيوس 孔夫子 ذهب إلى أبعد من هذا من قبل خمسة آلاف سنة، فيا حسرةً على أمة محمد من بعض أحبارها ورهبانها الذين أضلوها السبيل، فأين نحن وأين بقية الأمم؟ كونفوشيوس 孔夫子 من خمسة آلاف سنة كتب يقول “مَن أحب أن ينظر إلى المُستقبَل – ليس إلى الحاضر المرئي الموجود الماثل – كتاباً مفتوحاً فليُحسِن درس الماضي، افهم الماضي جيداً تفز بالحاضر والمُستقبَل”، الله أكبر على هذه العقول، ثم استتلى كونفوشيوس 孔夫子 قائلاً “ولكن التصديق التام لكل ما كتب المُؤرِّخون هو شرٌ من عدم وجود مُؤرِّخين أصلاً” أي لو انعدم التاريخ سيكون أفضل من أن تُصدِّق كل ما كتب المُؤرِّخون، وأنا أقول هذا صحيح وبخاصة أمثال أكبر كذّاب سيف بن عمر التميمي.

قد يتساءل أحدكم قائلاً: وماذا عن القعقاع بن عمرو؟!

طبعاً الآن ستُصدَمون وتحزنون، فلا بأس أن تحزنوا وقد فقدتم وهماً على أنكم قد اكتسبتم حقيقة، فالحقيقة هى أنه لا يُوجَد ولم يُوجَد يوماً بشر إسمه القعقاع بن عمرو، علماً بأنني لم أحضر المُسلَسَل لكن يا حسرة على المُخرِج وعلى المُنتِج وعلى الناس الذين ضيَّعوا الساعات في رؤية البطل المغوار الذي قد يربو في البطولة على خالد بن الوليد أحياناً، وعلينا أن ننتبه إلى أنه من بني تميم، وكذلك سيف بن عمر تميمي، ولكن قد يقول أحدكم: كيف هذا؟ هل هذا يتعلَّق فقط بكون سيف بن عمر كذَّاباً؟!

لا يا جماعة، لأن لم يتحدَّث أحدٌ من خلق الله عن واحد إسمه القعقاع بن عمرو التميمي قبل سيف بن عمر التميمي المُتوفى زُهاء مائة وثمانين للهجرة، فأنا الآن عدنان إبراهيم في القرن الحادي والعشرين وأتحدَّث – مثلاً – عن شخصية كبيرة في عالم الفروسية أو السياسة في القرن التاسع عشر في ألمانيا – مثلاً – أو في مصر، ولم يحدث قبلي أن تحدَّث عنها أحد لا في ألمانيا ولا في مصر ولا في العالم، لكن فجأة في القرن الواحد والعشرين كتب عدنان ليتحدَّث عن هذا السياسي، فهل سيُصدِّقني طفل صغيرة؟!

مُباشَرةً سوف يقولون “هذا كذَّاب، وهو اختلق هذه الشخصية”، وهذا ما فعله سيف بن عمر التميمي، فلم يتحدَّث أحد مُطلَقاً ولم يُوجَد شخص إسمه القعقاع بن عمرو لكن فجأة رأيناه ظهر مع سيف بن عمر التميمي  لأنه يخلق أبطالاً لقومه، وطبعاً أدار عليه معارك وأحداث وأشياء لم تقع، فيا حسرة لأنكم – كما قلت لكم – الآن فقدتم بطلاً كبيراً وإلى الأبد فلن تستردوه، ولكن هل تعرفون لماذا؟!

لأن التحدي أقامه دارسو التاريخ الأيقاظ الصادقون من أكثر من عشرين سنة وقالوا لكل مَن يُنكِر “نتحداك أن تأتي لنا برواية واحدة عن غير هذا الكذَّاب، ائتنا برواية قبل سيف بن عمر وليس بعده طبعاً”، لأن بعده أخذ الطبري الروايات طبعاً وأنتج مُسلَسَلاً كاملاً بروايات سيف بن عمر، فهذه أمة تُصدِّق الأكاذيب، لكن لماذا هذا الكذب؟!

إذن كونفوشيوس 孔夫子 يُحذِّرنا ويقول لنا “التصديق التام لكل أقوال المُؤرِّخين هو شرٌ من عدم وجود مُؤرِّخين أصلاً”، وهذا يدل على الذكاء البشري وعلى الوعي الذي كان موجوداً آنذاك لأن كونفوشيوس 孔夫子 قال هذا من خمسة آلاف سنة، لكن هذه الأمة إلى اليوم تقول لك “التاريخ نبنيه على حُسن الظن”.

سأُعطيكم مثالاً بسيطاً جداً الآن للتبسيط:

بالله عليكم هل يُوجَد أحد في العالم اليوم وخاصة في العالم العربي والإسلامي الذي يئن تحت وطأة الأكاذيب والدجل السياسي يُصدِّق حاكمه السياسي؟!

فحكّام العرب ما شاء الله – بل طواغيت العرب – لديهم خُطب رنَّانة إسلامية وقومية ووطنية ما شاء الله ومن أجمل ما يكون طبعاً، لكن لا أحد يُصدِّق هؤلاء، فالكل يعرف أنهم كذبة وأنهم يقولون شيئاً وفي الخفاء يفعلون عكس هذا الشيئ تماماً، وقبل بضع سنين فضحهم كارتر  Carter وكتب هذا حتى أكثر من مرة وقال “هؤلاء الزعماء العرب أنا لا أحترمهم”، وهو أكثر احتراماً منهم – والله – وأكثر صدقية منهم، فجيمي كارتر Jimmy  Carter هو الذي كتب عن  الأبارتهايد  Apartheid الإسرائيلي وقامت عليه قيامة الصهيونية في العالم، فهو أصدق من حكّام العرب الدجاجلة لذلك قال أنه لا يحترم هذه الشخصيات، ولكن لماذا تقول هذا يا سيادة الرئيس السابق؟ قال “لأنهم يملأون الدنيا ضجيجاً وصياحاً بإسم فلسطين والقضية الفلسطينة وإسرائيل، وخلال مُدة حكمي تقابلت مع الكثيرين منهم – وخاصة الذين يحملون ما شاء الله الهم من دول الطوق – ولم يُناقِشني أحد في ملف فلسطين”، علماً بأنه تحدَّاهم أنه يُكذِّبوه، فهذا كله كذب واستهلاك محلي من أجل الدول العربية والشعوب المُستغفَلة عبر ألف وأربعمائة سنة ومازالت مُستغفَلة وباللغة الدارجة مضحوكاً عليها، فهل يُصدِّق أحد فيكم هذا؟!

نحن بشر والبشر عالم مُعقَّد وعالم مُركَّب ومُتراكِب، فأنت يومياً تمر بضروب من الخداع والغش والاحتيال لا عد لها ولا حصر، فقد يتبسَّم لك أحدهم ابتسامة صفراء ومن ورائها قلب ملآن بالحقد والغيظ، وقد يُعطيك يداً تُسبِّح وفي يده الأخرى يُوجَد خنجر ليذبح، وهذا الأمر أصبح عادي لأنه يحدث يومياً، وهناك مَن يدّعي العفة وهو معروف ما شاء الله بعكس هذا، ودائماً ما يُختالِك ويُخادِعك عن أهلك ومالك، وطبعاً ليس كل الناس هكذا – أعوذ بالله – لأن لا زال الأخيار في الناس وهم كُثر، ولكن هؤلاء في الناس وإلى يوم يلقى الله الناس، إذن هؤلاء البشر موجودن في حياتنا، فكيف بعالم السياسة الذي يتأسَّس أصلاً على الاستخفاء والتحالفات الخفية والسرية وعلى المصالح وعلى التوازنات وعلى الكذب والختل والخداع؟!

قال أحد الساسة “أنا أُعرِّف السياسة لأنها مهنتي، فهى تتعلَّق برجال – أي الساسة – يأخذون أموال الأغنياء وأصوات الفقراء ويقطعون وعوداً للجميع قلما يوفون بها”، فهذه هى السياسة، هى دجل في دجل، لأن السياسة عبر التاريخ واضح أنها سياسة مكر وسياسة تغلب وسياسة لعب للوصول إلى السُلطة وتغول أموال الأمة وحرياتها، ومع ذلك تجد مَن يقول لك “علينا أن نُحسِن الظن”، فهل تُريد من الرواية أو من رجل سياسي في تاريخك أن يقول لك أنا البعيد لعين والديه وأنا فعلت كذا وكذا وكذا؟ هل تُريد منه أن يقول لك هذا بالفم الملآن هكذا؟ هذا لم يحدث ولا يحدث، بل أن الطواغيت الكبار حين يُضرَبون بالنار كما حال القذَّافي يستنكرون هذا ويسألون الشعوب ماذا بكم؟ كما لو كان لا يُوجَد أي مُشكِلة، ولكن هذا يحدث لآخر لحظة وهذا شيئ عجيب، ففعلاً الإنسان هو أكبر طاغوت، وليس هذا فحسب بل أن  القرآن علَّمنا أن هؤلاء يأتون يوم القيامة ويحلفون لله كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ۩، أي أنهم يُحاوِلون أن يخدعوا رب العالمين يوم القيامة أيضاً في ظل وجود الجنة والنار، ويقولون والله يا رب كذا وكذا، فهم سوف يحلفون بالله كذباً، وليس هذا فحسب أيضاً بل أن القرآن حدَّثنا عن أنهم سوف يُقذَفون في أعماق وأطباق جهنم وسوف يصلونها سعيراً ومع ذلك سيقولون مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ ۩، أي أنهم يتساءلون عن الذي يجري، فأين بلال وسلمان وعمَّار وأبو ذر؟ ويستعجبون لماذا هم وحدهم في النار، لأنهم حتى الآن وهم في جهنم غير قادرين على أن يقتنعوا أنهم على باطل وأن الجماعة الآخرين على حق، ولكن هذا هو الإنسان، فنسأل الله أن يكشف الغماء عن عقولنا وبصائرنا.

عليك أن تنتبه لأن أكبر مُخادِع لك هو نفسك، فلا تُعط نفسك فرصة أن تخدعك، فإن جاز عليك هذا خدعك كل مَن في الأرض وأنت لا تدري، قال الله وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ۩، فإذا لاحت لك الحقيقة ووضح لك الحق ببرهانه ابخع مُباشَرةً ولا تتردَّد وقل “إي والله إنه لحقٌ”،فلا تتردَّد ولا تتفلَّسف أو تُأوِّل شيئاً وإلا سوف تضيع، الله سيقول لك سوف أخذلك  وسوف أتركك في عمى إلى أن تلقاني، وهذا شيئ مُخيف!

إذن لا ينبغي أن  نتناول التاريخ بهذه الطريقة التي نتناولها بها، فليس كذلك هو الصحيح، لأن التاريخ رؤية تدعم رواية، فطبعاً الرواية والوثائق مُهِمة، ولذلك في القرن التاسع عشر في أوروبا هنا كان العلم الخفَّاق المرفوع في علم التاريخ للمدرسة الوثائقية التي عُرِفَت بالمدرسة التاريخية، وهذه المدرسة الوثائقية قالت “الوثيقة أولاً والوثيقة آخراً”، أي أن التاريخ رواية، فأهم شيئ هو الرواية والوثائق، ثم اجعل الوثائق تتحدَّث إذن، ولكن صدِّقوني من الصعب جداً أن تتحدَّث الوثائق، لأن الوثائق صامتة، وأنت بالرؤية وبالافتراض العلمي – وهذا هو جوهر العمل العلمي – تستطيع أن تختبر المسكوت عنه، فالتاريخ عموماً تفاريق ومزق لا تنتظم ولا تتآزر ولا تُصبِح عالماً من المعقولية بتعبير هيجل Hegel إلا ضمن رؤية وافتراض علمي مُعيَّن، وإلا تبقى مزقاً لا تستطيع أن تربط بينها، ولكن مَن درس التاريخ برؤية – والله العظيم  – سوف يُصدَّع رأسه وسوف يجد ارتباطاً عجيباً بين كل شيئ، وبالتالي سيسقط اعتراضه: لم تدرس هذه المسائل؟ فهو يدرسها لأنها ترتبط بكل شيئ في حياتنا، هى ترتبط بالعقيدة وبالسياسة وبالثقافة وبالاجتماع وبالأخلاق وبالرواية وبالأدب وبالفن وبماضينا وبحاضرنا وبمُستقبَلنا وبكل شيئ في حياتنا، ولكن هذا كله إذا فهمت التاريخ جيداً!

على كل حال مدرسة الوثائقيات كانت في القرن التاسع عشر، وكان من أشهر أعلامها الأنجلو Anglo وأمثاله، وكانت تقول “الوثيقة أولاً والوثيقة آخراً”، وهى مدرسة وضعانية لأنها تأثَّرت بالفلسفة الوضعية  – Positivism – وفلسفة أوجست كونت Auguste Comte، وفي مطلع القرن العشرين تعرَّضت هذه المدرسة لضربات شرسة جداً جداً جداً ونشأت لدينا مدرسة جديدة نقدية تُؤمِن بالتركيب، هذه المدرسة انتهت مع فرديناند بروديل  Fernand Braudel  إلى ما يُعرَف  بمدرسة التاريخ الجديد التي ذابت فيها الفروق بين التاريخ وبين السوسيولوجيا Sociology والإثنولوجيا Ethnology – علم الأعراق – والأنثروبولوجيا Anthropology – علم الأناسة – وما يتعلَّق بالديموغرافية وما يتعلَّق بالجغرافيا وما يتعلَّق بالسياسة وما يتعلَّق بالـ Semantics واللسانيات واللغويات والمُعجَميات والفيلولوجيا Philology، وكل هذا أصبح يُعتمَد في دراسة التاريخ طبعاً، فلا يُمكِن اليوم لمُؤرِّخ ذكي يحترم نفسه منهجياً تغيب عنه لغة النص، فمثلاً لا يكتفي المُؤرِّخ الحاذق أن يقرأ الحديث والحديث صحَّحه البخاري أو مسلم لأن هذا سيُعتبَر كلاماً فارغاً إذا اكتفى به وحده، بل يجب أن يقرأ لغة النص، لأن أحياناً يكون من الواضح أن لغة النص تنتمي إلى القرن الثالث الهجري أو الثاني الهجري وليس إلى القرن الأول وإلى عصر محمد، وبالتالي هذا كله كذب، مثلما يحدث في التمثيليات العربية حين يأتيك هارون الرشيد ويقول “لا تقولوا هذا، وما قولكم هذا إلا كالذر للرماد في العيون”، والذر للرماد هو مثل فرنسي يا حبيبي تُرَجِمَ في القرن العشرين، إذن هذا كذب لأن هذا المثل لم يكن موجوداً أيام هارون الرشيد، فلن تجد كلمة ذر للرماد في العيون في كل تاريخ العرب الأدبي ومع ذلك يأتي هارون الرشيد ويتكلَّم بلغة الذر للرماد في العيون، فهذا إسمه هبل، وهذا الهبل يحدث مثله في الأحاديث النبوية، النبي يُحدِّثنا وصحَّ هذا السند عند فلان وعلان عن فرقة من أمته يُقال لها القدرية، فكيف يتكلَّم النبي عن القدرية وعن فرقة المُرجئة وعن فرقة الروافض ويقول يكون في أُمتي أُناس يُقال لهم الروافض؟ فكيف تُصدِّقون هذا؟ هذه اللغة أفراقية نشأت في القرن الثاني والثالث يا حبيبي، ولا يُمكِن لدارس مُحترَم أن يقبل تصحيح ليس فقط البخاري – مثلاً – بل مليون من أمثال البخاري لأمثال هاته الأحاديث.

علينا أن ننتبه إلى أن هناك الكثير من العلوم التي لا يغيب أثرها أثناء دراسة التاريخ، فحتى علم الطب يُعتبَر علماً مُهِماً جداً جداً جداً هنا، وكذلك علم الإثنولوجيا Ethnology زعلم الأنثروبولوجيا Anthropology  وعلم الوراثة، فاليوم لا يغيب عن مُؤرِّخ حاذق وذكي أثر الوراثة في السياسة وفي التاريخ، لكن كيف هذا؟!

أنا سأُعطيكم مثالاً، وهذا المثال واضح جداً وقريب وله تأثيره:

أسرة عُرِفَت في الجاهلية كما عُرِفَت بعد الجاهلية بالقسوة، فالنساء كان لديهن كالرجال قسوة تبلغ حد الوحشية وتبلغ إلى حد أكل أكباد الناس الموتى بعد تشويههم وتقطيعهم، فهم عندهم وحشة غير طبيعية – وأنتم طبعاً تفهمون قصدي – ومن ثم قطعوا رأس ابن بنت رسول الله وأوطأوا الخيل صدره وأخذوا رأسه وحملوه من مكان إلى مكان وضربوه بقضيب حديد على أسنانه، وهذا يدل على الوحشية والتوحش والدموية في هذه الأسرة التي عُرِف هذا عن رجالها ونسائها، فضلاً عن أنها كانت معروفة بالفسق وبالفجور في الرجال وفي النساء، ولن أُفصِّل لكن مَن أحب أن يأخذ التفصيل عليه أن يقرأ البيِّنات وأن يتعمَّق في التاريخ ويترك سيف بن عمر والمُسلّسَلات الكاذبة والزيف الكاذب.

هذه الأسرة عُرِفَت بالأحقاد التي لا تُنسى ولا تُمحى، وعُرِفَت بالغطرسة والكبر على أنها تمتهن التجارة وتُمعِن في المُراباة، فهى تستغرق في التجارة  بشكل كبير وإن كانت مهنة التجارة شريفة ومن أحسن المهن، ولكن إذا استغرق الإنسان – وسلوا التجار عن هذا – فيها بصدق رقَّقت قيمه، فتُصبِح القيم عنده ضعيفة ويُصبِح الثبات القيمي عنده والأخلاقي هش وضعيف، لأن الأولوية عنده للربح – Interest –  بأي طريقة، وطبعاً ما زال هناك صفات أسوأ من هذا بكثير، ولذلك هذه الأسرة أصرت على مُعاداة الإسلام ورسوله وحزبه إلى الساعة الرابعة والعشرين في يوم الإسلام، أي إلى فتح مكة، وكان يقول النبي لكبيرها وهو أبو سفيان “قلها يا أبا سفيان”، أي قل “محمد رسول الله”، لكنه كان يقول “يا محمد في النفس منها شيئ”، فحتى الآن لا يستطيع أن يُصدِّق هذا، العالم كله صدَّق وهو غير قادر على أن يُصدِّق، قال الله وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ۩، وهذا إذا اشتهى!
ثم يأتي أحد أفراد هذه الأسرة ويتسنَّم أعظم سُلطة – مثلاً – في الدولة، قماذا تتوقَّعون منه أن يكون؟!

هل تتوقَّعون أن يكون صحابياً جليلاً وباراً ورحيماً ومُؤدَّباً لدرجة أنه لا يُوجَد مَن هو أحسن منه؟ هذا إسمه عبط تاريخي، وهذا لا يسوغ – والله العظيم – على أي مُؤرِّخ، فهناك المُدخَل الإثنولوجي والمُدخَل الأنثروبولوجي والمُدخَل الوراثي في تحليل الشخصيات يا جماعة، فحتى وإن اعترض البعض على كلامي ولم يستطيع أن يفهم الإثنولوجيا Ethnology وما إلى ذلك إلا أن النبي نفسه قال “تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام – إذن شرهم في الجاهلية شرهم في الإسلام أيضاً – إذا فقهوا”،وضبطها بعضهم “فُقِّهوا” أي عُلِّموا، فالنبي يتحدَّث عن المُدخل الوراثي هنا، فلابد من معرفة الشخصية وطبيعة الشخصية وابنة مَن هذه الشخصية ومِن أي أصل تنحدر، فابن الأصل دائماً يجره أصله ويمنعه أصله، لكن نحن رأينا الفتك ورأينا الغدر ورأينا نقض العهود تحت الأقدام، وفي المُقابِل رأينا الإمام عليّ – عليه السلام – في أكثر اللحظات حراجة – في لحظات المعمعة الضروس الحمراء – يُبدي أحدهم عورته له فيتركه ولا يُحِب قتله، فما هذه العظمة؟ هؤلاء هم بنو هاشم، انظر إلى العظمة وإلى الرجولة وإلى المجد الباذخ في هذه الشخصيات، هذا هو ابن عم الرسول فطبيعي أن يكون كذلك، هؤلاء هم بنو هاشم وليس بني عبد شمس العبشاميين، فلابد أن نفهم هذا!

إذن حتى المُدخَل الطبي – وأختم به الآن – له أهمية، وقد استخدمته شخصياً حين أنجزت تحقيقي وتقصي عن موضوع موت النبي بالسُم، وقرأت بعض المراجع الأكثر حداثة في علم السُم والسُمية ووجدت أنه علمياً من مُنطلَق علم السُميات يستحيل أن يكون النبي قد مات بالسُم، فلا تقل لي الآن هذا صح أو لم يصح لأن هذا لا يعنيني، أنا أقول لك هذا علمياً كذب، فلا يُمكِن أن يتسمم أي أحد بالسُم هذا وبالذات بسُم  الأرسنيك Arsinic أو الزرنيخ كما حقَّقته في بحثي ثم يموت بعد خمس سنين، هذا كلام فارغ علمياً، إذا لم يمت في  أول شهرين أو ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر فمن المُستحيل طبياً أن يموت بهذا السم بعد خمس سنين، إذن علينا أن ننتبه إلى أن الطب له مُدخَلية في درس التاريخ أيضاً.

أحب أن أقول إذا أحببنا أن نفهم تاريخنا علينا أن نتعلَّم من الآخر كيف يُدرَس التاريخ وكيف نبني وعياً بالتاريخ، فهذا لا يُمكِان أن يأتي بطريقة المُدخَل الفقهي والاستشهاد بآية إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ  ۩ وأن علينا أن نُحسن الظن لأن لنا الظاهر والله يتولى السرائر، هذا لا يُمكِن أن يحدث، فأنت لا تتعامل مع الساسة اليوم بهذا المنطق، فكيف تتعامل بهذا المنطق مع السياسي قبل ألف وأربعمائة سنة؟ هذا غير مُمكِن، وإلا لن تفهم شيئاً ولن تقع على شيئ.

إذن عليك أن تتزوَّد برواية وتتسلَّح برؤية تستند إلى وتتأسَّس على قاعدة عريضة معرفية لها اعتلاق بشتى العلوم والمعارف التي تحق وتمس حاجة المُؤرِّخ إلى التسلح بها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

(الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد إخواني:

وإذا ما أفلحنا اليوم أو بعد سنة أو بعد مائة سنة في أن نُعيد إنتاج ماضينا عبر دراسة رؤيوية ومنهجية صارمة ودقيقة أنا أضمن لكم – والضمان عند الله تبارك وتعالى – أن كثيراً من أدواء هذه الأمة سوف تشفى وسوف تُعافى منها الأمة، أضمن لكم أن هذه الأمة بسُنيها وشيعيها وإباضيها وزيديها وإلى آخره ستكون أكثر تقارباً، لأن الذين لا يجمعهم الحق لا يُمكِن أن يجمعهم الباطل، فأكثر ما يُمكِن أن يُقرِّبنا الحق والحق وحده، والآن لا يعنيني – والله – مَن سيكون ضحية لهذا الحق، والله لا يعنيني هذا حتى ولو كنت لا تُريد أن يكون فلان ضحية مِمَن تعدهم من الجيل العظيم، هذا لا يعنيني لأن أنا تعنيني الحقيقة، أما الذين سيظهر أنهم ضحايا في نهاية المطاف أو أننا كنا نحن الضحايا في الحقيقة والمخدوعين بهؤلاء الشخصيات فهذا لا يعنينا، لأن نحن يعنينا الحق فقط – وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۩ – عسى الله – تبارك وتعالى – أن يُيسِّر السبيل على الأمة لتسلكه، وعسى الله – تبارك وتعالى – أن يُصبِح ذات بينها.

اللهم أصلح ذات بيننا وألِّف بين قلوبنا، اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأبرم لهذه الأمة – أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً – أمر رشداً تُعِزّ فيه أولياءك وتُذِلّ فيه أنوف أعدائك ويُعمَل فيه بطاعتك، يُتآمر فيه بالمعروف ويُتناهى فيه عن المُنكَر وتأمن فيه سُبل المُؤمِنين بعزتك وقوتك يا قوي يا متين يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المُنكَرات وحب المساكين وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت في عبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، نعوذ بالله من العمى بعد البصر.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اجزهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات مغفرةً ورضواناً، واغفر اللهم للمسلمين والمسلمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

عباد الله:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩،

وأقم الصلاة.

 

                                                                                                                  (انتهت الخُطبة بحمد الله)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Comments

comments

شاهد أيضاً

Little-Lots-adnan-ibrahim

القليل والكثير

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …