الرئيسية / التفريغات النصية / نماذج من صيام الصالحين

نماذج من صيام الصالحين

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سُبحانه وتعالى من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول المولى – سُبحانه وتعالى – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۩ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات:

نحمد الله – سُبحانه وتعالى – حمداً دائماً مُتواصِلاً، على أن منّ علينا وأسبغ علينا نعمته وتفضَّل علينا وتحنَّن – سُبحانه وتعالى – بأن بلَّغنا هذا الشهر الكريم، فهذه – إن شاء الله تعالى – من علامات سعادة المرء المُؤمِن، أن يُبلِّغه الله رمضان جديداً، وأن يُيسِّره فيه لتقواه، ومن العمل الصالح لما يرضاه، اللهم اجعلنا من أولئكم ويسِّرنا لذلك يا رب العالمين.

أيها الإخوة:

كما تعلمون هذا شهر فضيل، وهذه أيام وليال من أيام الله – سُبحانه وتعالى – مشهودة وفاخرة ومُقامها عظيم وشرفها خطير وجليل، حتى قال رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – لو تعلم أمتي ما في رمضان – أي من الخير والعطاء والكرم الجزيل ووجوه المغفرة والإثابة – لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان، كيف لا وهذا شهر تُضاعَف فيه الأعمال؟ مَن تقرَّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمَن أدى فريضةً فيما سواه، ومَن أدى فريضةً فيه كان كمَن أدى سبعين فريضةً فيما سواه، فيبدو أن التضعيف على الأقل فيما يختص بالفرائض حده الأدنى سبعون، ولا نهاية لحده الأعلى، لأن الله يُضاعِف لمَن يشاء.

كيف لا وهو شهر يُكفِّر عاماً برأسه؟ ففي صحيح مُسلِم الصلوات الخمس، والجُمعة إلى الجُمعة، ورمضان إلى رمضان، مُكفِّرات لما بينهن إذا اجتُنبت الكبائر، أما الكبائر فتُكفِّرها – إن شاء الله تعالى – نية التوبة الصادقة، نية التوبة الصادقة تلحقها توبة مُحقَّقة – إن شاء الله تعالى -، النية الصادقة مع التوبة تُكفِّر الكبائر – إن شاء الله تعالى -.

ولرب سائل يسأل إذا كانت الصلوات الخمس تُكفِّر ما بين بعضها البعض فماذا تُكفِّر الجُمعة؟ وإذا كانت الجُمعة إلى الجُمعة تُكفِّر أو تُكفِّران ما بينهما فماذا يُكفِّر رمضان؟ أجاب السادة العلماء – أعاد الله علينا من بركاتهم – بجوابات كثيرة، من أحسنها هذان الجوابان: الجواب الأول أن هذا التكفير مشروط بأن يأتي العبد بالعبادة على وجهها، أن يأتي بها تامة كاملة، ومَن ذا الذي يزعم أنه يستطيع ذلك؟! لذلك مَن صلى الصلوات الخمس على وجهها كفَّرت ما بينهن، نعم! لكن مَن الذي يُصليهن على وجههن؟! كذلك القول في الجُمعة وفي رمضان أيضاً، ويشهد لهذا الفهم قوله – عليه الصلاة وأفضل السلام – فيما أخرجه أبو داود في سُننه من حديث أبي بكرة – رضيَ الله عنه وأرضاه -، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – لا يقولن أحدكم صُمت رمضان كله ولا قُمت رمضان كله، لا تستطيع أن تزعم أنك صُمته كله وإن صُمت ثلاثين يوماً، لكن لا تقولن صُمت رمضان كله، قال أبو بكرة – رضيَ الله عنه – فلا أدري أكره التزكية – أي من باب كراهة أن يُزكي المرء نفسه، تقول صُمت رمضان كله، هذه تزكية للنفس، قال عز من قائل فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ۩ – أم لابد من غفلة، لعله نهى عن ذلك – عليه الصلاة وأفضل السلام – لعلمه – عليه الصلاة وأفضل السلام – بطروء الغفلة على المُتعبِّد، بطروء الغفلة على المُتعبِّد وأنه لا يخلو منها عابد، فبعيد جداً أن يأتي العابد أو العبد بالعبادة على تمامها وعلى كمالها، بعيد جداً! ولذلك احتاج هذا المرء أو احتاج هذا العابد واحتاجت هذه الأمة – وهذا من رحمة الله وإفضاله سُبحانه وتعالى – إلى دوائر أوسع للتكفير، فما لم يُكفَّر بالصلوات الخمس تُكفِّره الجُمعة المشهودة، مثل هذا اليوم، وهو عيد من أعياد المُسلِمين، وما لم يُكفَّر بالصلوات ولا بالجُمع يُكفِّره رمضان – إن شاء الله تعالى -، وما لا يحتمل رمضان ولا الجُمع ولا الصلوات الخمس تكفيره تُكفِّره التوبة الصادقة، ويُكفِّره الحج أيضاً، إلا التبعات، فالحج لا يُكفِّر التبعات، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

وقيل إن الصلوات الخمس – وهذا هو الجواب المُستجاد الثاني، والأول أجود إن شاء الله تعالى – تُكفِّر ذنوباً بأعيانها، ذنوباً مخصوصة، وتقصر عن أن تُكفِّر ذنوباً أُخرى بأعيانها، فتُكفِّرها الجُمعة، وأيضاً الجُمعة تقصر عن أن تُكفِّر ذنوباً مخصوصةً بأعيانها، فيحتمل تكفيرها رمضان، يقدر على تكفيرها هذا الشهر الفضيل.

كيف لا وهذا شهر يُغفَر فيه في أول ليلة منه لهذه الأمة المرحومة جميعاً؟ اللهم اجعلنا منهم بفضلك ومنّك يا رب العالمين، فقد أخرج الإمام البيهقي وابن خُزيمة – رضيَ الله عنهما -، عن أنس – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، قال قال – عليه الصلاة وأفضل السلام، أي وأقبل رمضان – ماذا تستقبلون؟ وماذا يستقبلكم؟ ثلاث مرات، ماذا تستقبلون؟ يُعظِّم من شأن هذا الضيف، من شأن هذا الوافد، من شأن هذا المُستقبَل، ماذا تستقبلون؟ وماذا يستقبلكم؟ ثلاث مرات، فقال الفاروق عمر – رضيَ الله عنه وأرضاه – أوحي نزل يا رسول الله؟ قال لا، قال عدو حضر؟ قال لا، قال فماذا؟ قال إن الله – تبارك وتعالى – يغفر في هذه الليلة – ليلة أمس التي قُمناها بحمد الله في هذا المسجد – لأهل هذه القبلة جميعاً، وأشار إليها بيده – عليه الصلاة وأفضل السلام -، فهز رجل جالس بين يديه رأسه وقال بخٍ بخٍ، قال بخٍ بخٍ، كأنه استعظم ذلك واستكثره، تُقال للاستعظام، كما أيضاً للاستملاح والاستحسان، قال بخٍ بخٍ، فقال – عليه الصلاة وأفضل السلام – يا فلان ثقلت بك أو عظمت عليك هذه البُشرى؟ قال لا يا رسول الله، بالعكس! أنا جد فرح وسعيد بها، ولكن ذكرت المُنافِق، لأن المُنافِقين يستقبلون هذه القبلة، إذن دخلوا في عموم هذه المغفرة، دخلوا في عموم هذه المغفرة الجزيلة في هذه الليلة الأولى الكريمة من ليالي هذا الشهر العظيم والفضيل، فقال – عليه الصلاة وأفضل السلام – كلا، إن المُنافِقين هم الكافرون، المُنافِقون نفاق اعتقاد، وليس نفاق العمل، مَن إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد لم يُوف، إلى آخر ذلك، لا! وإنما هو نفاق العقيدة، نعوذ بالله من كل أشكال وأنواع النفاق، من صغيره دقيقه وجليله كبيره، قال إن المُنافِقين هم الكافرون، وليس للكافرين في هذا الأمر شيئ، لا! لأنهم كافرون – والعياذ بالله -.

كيف لا ويُغفَر في آخر ليلة من ليالي هذا الشهر أيضاً للصائمين؟ يُغفَر لهم في آخر ليلة كما في حديث جابر عند البيهقي مرفوعاً – رضيَ الله عنهم وأرضاهم -، يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام – حتى إذا كان آخر ليلة من ليالي رمضان غفر الله لهم جميعاً، قال رجل يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال لا، ألم تر إلى العمّال إذا فرغوا من عملهم وُفوا أجورهم؟ هذه غير ليلة القدر، هذه جائزة لأنهم انتهوا من صيام هذا الشهر وقيامه، فلهم جائزة جزيلة، وهي أن يغفر الله لهم، الله أكبر! مغفرة في أوله، ومغفرة في آخره، ورحمة أيضاً في أوله، ومغفرة في أوسطه، وعتق من النار في آخره.

أيها الإخوة الأفاضل:

تقدَّموا – جزاكم الله خيراً – وأفسِحوا لإخوانكم، هنا يُوجَد فراغ كبير في مُقدِّم الصفوف، فأفسِحوا لإخوانكم – بارك الله فيكم -.

كيف لا وهو شهر فيه لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۩؟ لما عُرِضت أعمار الأمم السابقة على مولانا رسول الله – صلوات ربي وتسليماته وتشريفاته وتبريكاته عليه دائماً، أبداً، صرمداً – كأنه تقاصر أعمار أمته، ألا يبلغوا فيها ما بلغه غيرهم من الأمم في طول أعمارهم، أعمار الأمم السابقة أطول، كان بعضهم يعيش بضع مئات من السنين، ثلاثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة أو ستمائة سنة! وهذه الأمة أعمارها ما بين الستين والسبعين، يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام – وقل منهم مَن يُجاوِز ذلك، قل منهم مَن يُجاوِز هذا العمر، ما بين الستين إلى السبعين، فما عساه أن يفعل ابن ستين أو ابن سبعين إذا ما قورِن وقويس بابن الستمائة والسبعمائة؟! فأُعطيَ – عليه الصلاة وأفضل السلام – ليلة القدر، هي خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۩، ليلة واحدة! وفَّر الله – تبارك وتعالى – علينا ماذا إذن؟ المُعاناة والدأب والنصب والتعب في مئات السنين لو طالت أعمارنا، وأعطانا مثل أجورهم وأزيد، هذه أمة مرحومة، وانتبهوا إلى قوله فأُعطيَ النبي، كرامةً له، هذه من كرامات مولانا وسيدنا وتاج رؤوسنا وحبيب قلوبنا رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام -، كرامةً له، رفعةً له، أعطاه الله لأمته جمعاء هذا الفضل الجزيل، جزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته وخير ما جزى رسولاً عن رسالته، صلوات ربي وتسليماته عليه.

كيف لا وهو شهر تُفتَّح فيه أبواب الجنان، وتُغلَّق فيه أبواب النيران، وتُصفَّد فيه الشياطين، ويُنادي فيه مُنادٍ – أي من قبل الرحمن، جل جلاله – يا باغي الخير أقبل – فُرصة لكل مَن يُريد أن يتجر، لكل مَن يُريد ان يستثمر مع المولى، لا إله إلا هو! فُرصة عظيمة، ليس لها مثال، ليس لها ما يعدلها أو ليس ثمة ما يعدلها ولا ما يُضارِعها – ويا باغي الشر أقصر؟ وهذه الأمة لن تخزى في رمضان، وما خزيها؟ أن تنتهك محارم الله، مَن انتهك فيه محارم الله كان خزيان – والعياذ بالله -، وسيُبعَث يوم القيامة خزيان أسيان مطروداً محروماً، فالحذار الحذار أيها الإخوة من معصية الله في هذا الشهر، حذاري حذاري من التقصير في الفرائض والعزائم، كالصلاة، وأهم ذلكم الصلاة في هذا الشهر، حذاري حذاري، والبدار البدار إلى صنوف الأعمال الصالحة في هذا الشهر الكريم.

هذا شهر يُكسِب المُؤمِن شفافية وذائقية، تعظم فيه وفي قلبه معاني الخشية والحُب والخوف والرجاء، تقوى فيه الوصلة بينه وبين الله – تبارك وتعالى -، تشتغل مجامر القلوب، ويحيا ميت النفوس، ويهيج كل نفس صادقة حُب خالص وذكر ضارع واجف لله رب العالمين.

سُئل تقي الدين الحسن البِصري – قدَّس الله سره -، يا أبا سعيد ما يُدخِل الحُزن القلب؟ قال الصوم، مَن أرد أن يكون حزيناً فليصم، فإن الصوم يُدخِل الحُزن القلب، أي يُوجِب لصاحبه رقة وشفافية، قيل وما يُخرِجه منه؟ قال الشبع، وكان – رضيَ الله عنه وأرضاه – يقول استغفروا ربكم وتوبوا إليه من كثرة الطعام وكثرة النوم، وكان يقول مَن أراد الصيام والقيام فلم يستطعهما فليعلم أن خطاياه وذنوبه قد كبَّلته، خاطئ لا يستطيع أن يكون صوّاماً، خاطئ لا يستطيع أن يكون قوّاماً، نعم قد يصوم وقد يقوم، أما أن يكون صوّاماً قوّاماً فلا.

أيها الإخوة:

ومن فضيلة الصيام الآتي، هذا الذي سأل بصدده أبو أمامة الأنصاري، وبسبب سؤاله عنه استفدنا هذه الفائدة الجُلة، سأل أبو أمامة الأنصاري – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – عن خير ما يُتقرَّب به ويُتزلَّف به إلى الله – سُبحانه وتعالى -، أي سأله عن خير العمل، فقال له عليك بالصوم، فإنه لا عدل له، أي لا شيئ يعدله، لا شيئ يرجح بالصوم، وفي لفظ في رواية فإنه لا مثل له، يقول الراوي فكان أبو أمامة – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – هو وزوجته وخادمه لا يُلفون مُفطِرين، صاموا الدهر، انظروا إلى الطاعة، لا يسأل فقط لكي يستكثر من العلم ويتفنن ثم يأتي يُعلِّم الناس ويتكلَّم، لا! يسأل للعمل، وما يُراد من العلم إلا العمل، علم وبال على صاحبه إن لم يتأدى به إلى عمل صالح، وبال وأي وبال! فلربما كان الجهل خيرٌ منه.

سأل سؤالاً وأُجيب بهذه الجُملة الوجيزة، اقتصر عليها النبي، قال عليك بالصوم، فإنه لا عدل له، فمات أبو أمامة ولم يُفطِر إلا في الأيام التي يجب أن تُفطَر، وهما يوما العيدين وأيام التشريق، وغير ذلك أنت حر، سأله حمزة بن عمرو الأسلمي – وهذا حديث صحيح -، قال له يا رسول الله إني أسرد الصوم – أصوم كل يوم – وأُسافِر أفأصوم في السفر أو تكون معصية؟ يتفقَّه! قال إن شئت فصُم، وإن شئت فأفطر، وهذا دليل لمذهب مالك ومذهب الشافعي كما قال النووي على أنه يجوز سرد الصوم، أن تصوم كل يوم، عدا يومي العيدين وأيام التشريق، يجوز! وقد سرد الصوم جماعة أجلاء من كرام هذه الأمة وكريماتها، مِن أصحابه – عليه الصلاة وأفضل السلام – ومِن أتباعه ومَن جاء بعدهم – رضوان الله عليهم أجمعين -.

يقول عبد الله بن عمر لم يُتوف عمر إلا بعد أن سرد الصوم، الله أعلم كم سنة! أي ما مات إلا بعد أن سرد الصوم، وأما ابن عمر نفسه – ابنه الراوي – فيقول عنه سعيد بن جُبير – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – لما احتُضر بكى، فسُئل فقال أما إني لا آسى على شيئ من دنياكم هذه، ولكن آسى على ظمأ الهواجر – كان صوّاماً -، ومُكابَدة الليل، وعلى أني لم أُقاتِل هذه الفئة الباغية، التي بغت على الإمام عليّ – عليه السلام -، يندم! وقد صح عنه أنه ندم على ذلك، أنه لم يكن إلى جانب الإمام عليّ ضد أهل الشام، ندم على ذلك وكان يبكي، لأنها هي الفئة الباغية التي أخبر النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – أنها باغية، فندم ندامة شديدة – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -.

كان ابن عمر يسرد الصوم، إلا أنه يترخَّص في السفر، مذهبه أن الفطر للمُسافِر أفضل، قال نافع – تَلميذه ومولاه، رضيَ الله عنه وأرضاه، وحبيبه – كان ابن عمر لا يُرى صائماً في السفر، ولا يُرى مُفطِراً في الحضر، يصوم دوماً، ولا يُفطِر وحده، كان من كرمه وسخاء نفسه وجوده أنه لا يُفطِر إلا مع أحد من الناس، أكثر ما يكون من الفقراء والمساكين، لا يُفطِر وحده، وكان يُنفِق ما يُحِب – رضيَ الله عنه وأرضاه -، اشتهى السمك يوماً، وكان صائماً، فاحتالوا له بسمكة، السمك غير موجود، بحثوا هنا وهناك وهنالك، فأتوا بسمكة واحدة، ثم جهزوها له، ووُضِعت له ساعة الإفطار، فطُرِق بابه، فإذا بسائل، فقال قدِّموها له، فتغيَّظوا جداً، فقال إن ابن عمر يُحِب أن يُنفِق مما يُحِب، لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۩، قال ابن عمر يُحِب ذلك، يُحِب أن يُنفِق مما يُحبه – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -.

وأما أخته – بنت الفاروق عمر – فهي حفصة – رضيَ الله عنها وأرضاها – السائحة، سَائِحَاتٍ ۩، أي صائمات، وسياحة هذه الأمة الجهاد والصوم، إنها سياحة ملكوتية – أيها الإخوة والأخوات -، الصوم سياحة في ملكوت الرب الجليل، لا إله إلا هو، السائحة الصوّامة القوّامة المُتعبِّدة، روى الإمام الحاكم بإسناد حسن أن الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – لما طلَّقها – وقد طلَّقها يوماً، قال لما طلَّقها، والنبي فعل كل أولئكم إلا الظهار، لم يُظاهِر من نسائه، لكنه طلَّق ولم يُراجِع، وطلَّق وراجع، عليه الصلاة وأفضل السلام، قال لما طلَّقها، عليه الصلاة وأفضل السلام – دخل عليها خالاها عثمان وقُدامة ابنا مظعون – رضيَ الله عنهما – وهي تبكي، فقالت أما إنه لم يُطلِّقني من شِبع – لست امرأة بطنة، لست امرأة تأكل، أنا امرأة صوّامة، لم يُطلِّقني لأنه شكا أنني آكل كثيراً، لم يُطلِّقني من شِبع، تذكر أحسن مزاياها، وهي الصوم، رضيَ الله عنها وأرضاها، هي أم المُؤمِنين -، فدخل عليها النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – فتجلببت – لأنها مُطلَقة، فتجلببت -، فقال يا حفصة أتاني جبريل – عليه السلام – فقال لي إن رب العزة يقول لك يا محمد راجع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة، وإنها لزوجك في الجنة، الله أحبها وأعلى منزلتها، لماذا؟ ليس لأنها زوجة النبي، بالعكس! هي الآن بقيت زوجة للنبي للوصف الثاني، وليس لأنها ابنة عمر أو أخت عبد الله بن عمر أبداً، لكن لأنها صوّامة قوّامة، يُحِبها الله – تبارك وتعالى -، إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ۩.

باب في الجنة يُدعى الريّان، من الري، يُدعى الريّان، فعلان، من الري، لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوه أُغلِق بعدهم، هذا للصائمين فقط، كرامة خاصة، من أبواب الجنة الثمانية، ومن هذه الأمة المرحومة مَن يدخل الجنة مِن ثمانية أبوابها، سأل أبو بكر كما في صحيح مُسلِم الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – يا رسول الله وهل مِن هذه الأمة مَن يدخل مِن هذه الأبواب كلها؟ قال نعم، وإني لأرجو الله أن تكون منهم يا أبا بكر، كان أستاذاً، كان فذاً، كان فريداً في كل أبواب الخيرات والمبرات أبو بكر – رضيَ الله عنه وأرضاه -، حتى أعجز وأعيا مَن بعده، واعترف بذلك الفاروق، لم يستطع أن يلحق به، عمر لم يستطع أن يلحق بأبي بكر، صدّيق هذه الأمة – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -.

وعلى ذكر الصدّيق، ابنته الصدّيقة الكُبرى عائشة – رضيَ الله عنها وأرضاها – زوج رسول الله في الجنة، طلبت من النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – أن تكون معه في الجنة، فقال لها يا عائشة إذا أردتِ أن تكوني معي في الجنة فلا تستجدي ثوباً حتى تُخلِقي ما عندك، الزُهد في الدنيا! وأديمي قرع أبواب الجنة بكثرة الصيام يا عائشة، أكثر شيئ نستفتح به أبواب الجنان هو الصوم، العبادة الوحيدة الفذة – لا ثاني لها – التي أضافها الله إلى ذاته – لا إله إلا هو -، أضافها إلى نفسه! لا نعرف ثانية لها من العبادات، قال إلا الصوم، فإنه لي، لأنه تشبه بالرب الجليل، انقطاع عن كل الشهوات، ليس شهوة البطن والفرج فقط، وشهوة العين وشهوة اللسان أن يتكلَّم وأن يخوض في الأعراض وفي الناس، حتى أن يخوض في المُباح، لا! غير لائق بالصوم، لا تجعلن يوم صومك ويوم فطرك سواء، يجب أن يتميَّز اليوم الذي تكون فيه صائماً من اليوم أو من الأيام التي تكون فيها مُفطِراً، فلا تجعلن كما قال أبو الدرداء يوم صومك ويوم فطرك سواء، نعم! هذا هو.

عائشة – رضيَ الله عنها وأرضاها – كانت تسرد الصوم، عملاً بوصية رسول الله، وكانت زاهدة، وأي زاهدة كانت في هذه الدنيا! يبعث إليها الزُبير بن العوّام بمال كثير فتفعل الآتي، كما يروي محمد بن المُنكدِر عن أم ذرة، وكانت هذه السيدة الجليلة – أي أم ذرة – تغشى عائشة في كثير من الأيام، يقول ابن المُنكِدر راوياً عن أم ذرة، قالت دخلت عليها فإذا بمال كثير أرسل به إليها الزُبير بن العوّام، زوج أختها أسماء – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، وهذا كان من أغنياء المُسلِمين بعد فقر مدقع برَّح به، لكنه كان كريماً، انظروا إلى الكرم، انظروا إلى الجود، انظروا إلى الوفاء، الوفاء لرسول الله وعهده في أهله وأهل بيته، في أزواجه وأهل بيته، أرسل إليها كم! تقول أم ذرة أُراه – أي أظنه، إذا قلنا أَراه أي أَراه أو أعلمه، وإذا قلنا أُراه فهو الظن – ثمانين ومائة ألف، أرسل مائة وثمانين ألف درهم فضي، هدية لعائشة، وليست المرة الوحيدة، هذه مرة من المرات، كرم! يتزلَّفون إلى الله، والرسول قد تُوفي وترحل – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وفاء وكرم وعطاء، أرسل مائة وثمانين ألف – رضيَ الله عنه وأرضاه -، أي الزُبير، أحد العشرة، حواري رسول الله، ابن عمة رسول الله وحواري رسول الله، تقول أم ذرة فدعت بطبق، فجعلت تقسم، هذه لفلان وهذه لفلانة وهذه للأسرة الفلانية وهذه لخباء أو لأهل الخباء الفلانيين، إلى آخره! حتى لم تُبق شيئاً، وكانت صائمة، لأنها كانت تسرد الصوم، فلما حضر وقت الإفطار قالت يا جارية هلمي الفطور، فأتت بخُبز وزيت، هذا هو، خُبز وزيت! فقالت أم ذرة يا أمنا غفر الله لكِ، أما كان لكِ أن تقسمي لنا مما قسمتِ اليوم بدرهم لحم؟! لو خصصتِ نفسكِ وإيانا بدرهم واحد من مائة وثمانين ألف درهم واشترينا لحماً، قالت لا تُعنفيني لو أذكرتِني – أي لو ذكَّرتِني، يُقال ذكَره وذكَّره وأذكَره – لفعلت، لكن نسيت، الله أكبر! هذه أعظم وأعلى مقاماً من وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۩، هل تعلمون لماذا أعظم؟ لأنها نسيت نفسها أصلاً، الذي يُؤثِر يذكر نفسه ويُقابِل ثم يُؤثِر، لكن هذه نسيت أصلاً – رضيَ الله عنها وأرضاها -، هذه عائشة أم المُؤمِنين.

وأما عثمان – ذو النورين، شهيد المحراب، وشهيد القرآن، رضيَ الله عنه وأرضاه – فكان يصوم الدهر، نعم! كان يسرد الصوم – رضيَ الله عنه وأرضاه -، وهو الغني الثري المُتموِّل، لكن ما يُريد من هذا المال إلا نُصرة الإسلام وإسعاد المُسلِمين، كان يُعطي أهله وقراباته والمُسلِمين، سمح جواد كريم – رضيَ الله عنه وأرضاه -، وكان يقوم الليل، لا ينام إلا أوله هجعة تأخذ بنفسه، فقط في أول الليل بعد العشاء يهجع هجعة واحدة، حتى إذا قام لم ينم بعدها، يختم القرآن كله في ركعة، هذا عثمان بن عفان، ويصوم النهار كله بطوله، يسرد الصوم، صام دهره – رضيَ الله عنه وأرضاه -.

وأما زيد بن سهل المعروف لدينا جميعاً بأبي طلحة الأنصاري – زوج أم سُليم، أم سيدنا أنس بن مالك، فأنس ربيب أبي طلحة، زيد بن سهل المعروف بأبي طلحة، الفارس المغوار، الذي وقف في أُحد يقول للرسول نحري دون نحرك يا رسول الله، صدري دون صدرك، لا يصل إليك شيئ وأنا حي، السهام كلها في نحري وفي صدري، دون أن يصل إليك شيئ، توَّجه النبي بتاج فروسية الإسلام، وقال لصوت أبي طلحة في الجيش خيرٌ من ألف فارس، صوته حين يُكبِّر خيرٌ من ألف فارس، هذا أبو طلحة – فيقول عنه أنس – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – كان أبو طلحة لا يصوم كثيراً على عهد رسول الله، لماذا؟ يقول من أجل الغزو، كان فارساً، يُحِب أن يغزو، والذي يغزو صعب جداً أن يصوم، فضلاً عن أن يسرد، كان يُحِب أن يبقى مع رسول الله، وأن يُرافِقه في كل غزواته، فكان لا يصوم كثيراً.

يقول أنس فلما تُوفيَ الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – ما رأيته أفطر إلا في يوم فطر أو أضحى، سرد الصيام، بعضهم قال أربعين سنة، لكن الذهبي صحَّح أنه عاش بعد الرسول نيفاً وعشرين، وهذا هو الأصح، عاش نيفاً وعشرين سنة، فسرد الصيام – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، هذا أبو طلحة، شأنهم عجيب، شأنهم عجيب غريب!

الأسود بن يزيد النخعي – رضيَ الله عنه وأرضاه، هذا تابعي، خرجنا الآن من الأصحاب الكرام، نماذج! هذه نماذج فقط، خرجنا إلى التابعين، رضوان الله تعالى عليهم، خير هذه الأمة بعد أصحاب رسول الله، صلوات ربي وتسليمات عليه، وهذا الأسود بن يزيد النخعي الذي قيل فيه انتهى الزُهد إلى ثمانية من التابعين، الأسود واحد منهم، التابعون كانوا بالآلاف، أزهدهم ثمانية، الأسود واحد منهم، الأسود بن يزيد، رضيَ الله عنه وأرضاه – كان يصوم حتى يخضر جلده، وكان يصوم حتى يصفر جلده، فقيل له أفما تُريح نفسك؟ قال راحتها أُريد، نعم سأُتعِب نفسي، وأتعَبتها، كَيما تَكون مُريحتي، أنا أُريد لها الراحة، لكن ليس في دار التعب، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ۩، إي والله أيها الإخوة، ما من أحد منا إلا وهو مكبود موؤود مُتعَب مهدود، لكن هذا مهدود بالعبادة – وقليل ما هم، جعلنا الله وإياكم من هؤلاء القليل – والآخرون مكدودون بالدنيا، بهموم الدنيا، ما من أحد مُستريح.

كلُّ مَن تَراهُ يَشكو دهرَه                               ليتَ شِعري هذه الدنيا لمَنْ؟!

إنها لأولياء الله، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۩، نعم! السعادة والطمأنينة والرَوْح والراحة والريحان لأهل الله، لأهل العبادة، لأهل الزهادة، لأهل الإقبال على الله والانقطاع عن هذه الدنيا.

أيها الإخوة:

أيضاً تقدَّموا – بارك الله فيكم -، يبدو أن هناك ازدحاماً شديداً على باب المسجد، فأفسِحوا لإخوانكم يفسح الله لكم، تقدَّموا – بارك الله فيكم -.

هذا الأسود بن يزيد الذي صام حتى اخضر واصفر جلده، كان يسرد الصوم عشرات السنين، لما احتُضر ظهر عليه الجزع، يبكي جزعاً! فقيل له تجزع وقد صُمت كذا وكذا وقُمت الليل؟ فقال وما لي لا أجزع؟! وأي الناس أحق بي من هذا الجزع؟! أنا أعلم بنفسي وبما كان بيني وبين ربي، والله لو أوتيت بمغفرة ربي لحُقَّ لي أن أجزع، وذلكم يا إخوتي – يقول لهم وذلكم يا إخوتي – أن مَن كان بينه وبين أحد من عباد الله شيئاً – أي ذنباً صغيراً – فلقيه لا يلقاه إلا وهو مُستحٍ منه، فكيف برب العالمين؟! فرَّطت أنا – قال -، عندي تفريط، عندي تقصير، كيف أُقابِل ربي؟! يستحي، غلب عليه الحياء، والنبي قال الحياء خير كله، وقال الحياء لا يأتي إلا بخير، وخير الحياء وأجمعه ما كان من الله – لا إله إلا هو -.

ولا يكون العبد مُستحياً من الله حق الحياء حتى يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وحتى يذكر الموت والبِلَى، هذا هو المُستحيل، قال مَن أحق مني بالحياء؟ هذا الأسود بن يزيد – رضيَ الله عنه وأرضاه -، أما نظيره – عصريه ومُجايله، نظيره علماً وجلالةً وإمامةً وزهادةً وعبادةً وسناً، في نفس السن – فهو مسروق، أبو عائشة! مسروق بن عبد الرحمن الكوفي – رضيَ الله عنه وأرضاه -، كانت تقول له عائشة – ولذلك هو يُكنى بأبي عائشة، لأن الله رزقه بنتاً أحبها جداً، أسماها على اسم أم المُؤمِنين، رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – يا مسروق إنك من ولدي وإنك لمن أحب ولدي إلىّ، لرغبته في العلم والعبادة، كان عابداً عالماً، وهي تُحِب أهل العلم وأهل العبادة، الذين هم على شاكلتها، وعلى شاكلة نبيهم – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

كانت تقول له وإنك لمن أحب ولدي إلىّ، وابنته عائشة كان لا يعصيها في أمر، كان يُطيعها في كل أمرها، يُحِبها لأنها على اسم أم المُؤمِنين عائشة، وكان مسروق يسرد الصوم، كان يصوم كل يوم، حتى إذا كان يوم معمعاني – طويل شديد الحر، يُقال له اليوم المعمعاني، كان ابن عمر كما يقول نافع ينظر إلى اليوم الذي يكون معمعانياً طويلاً فيصومه، يُحِبه لله طبعاً، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ۩، قال مُجاهِد بن جبر يرون أنها نزلت في الصوّام، أي هذه الآية، يرون أنها نزلت في الصوّام، إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۩، جماهير المُفسِّرين أكثر قولهم على أن المُراد بهذه الآية إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۩ من سورة الزمر مَن؟ الصوّام، لماذا؟ لأن الصوم شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، والصبر نصف الإيمان، فصار الصوم وآض رُبع الإيمان، وحده بحياله! لا إله إلا الله، المُهِم أن الآتي حدث في يوم معمعاني طويل – غُشيَ عليه، أي غُشيَ على أبي عائشة مسروق، فقالوا أهلك نفسه، فجاءته ابنته، حتى إذا استفاق قالت له يا أبتِ أفطر، أفطر وأصب من الطعام والشراب، تخشى عليه الهلكة، فقال يا بُنية ما أردتِ؟ لماذا تُريدين أن أُفطِر؟ أي إلى ماذا تقصدين؟ ماذا تستهدفين؟ كما نقول، وهذه العبارة ليست فصيحة، خطأ لُغةً أن نقول تستهدفين، ماذا تُريدين يا بُنية؟ قالت يا أبتِ أُريد راحتك، أُريد أن ترتاح قليلاً، تُريح بدنك، قال يا بُنية الراحة أُريد لنفسي فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ۩، من أجل ذلك أنا أصوم، أطلب الراحة، لكن ليس في الدنيا، لكن ليوم كان مقداره خمسين ألف سنة.

أيها الإخوة:

الناس يُحشَرون فيه أجوع ما كانوا قط – يقول النبي، عليه الصلاة وأفضل السلام -، وأعطش ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا، وأخوف ما كانوا، وكثيرون منهم أذل ما كانوا، وأخزى ما كانوا، اللهم لا تجعلنا منهم، ولا تُخزنا يَوْمَ يُبْعَثُونَ ۩ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۩.

قال نعم أُريد الراحة، لكن ليوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ولذلك أصوم هذه الأيام، وأما العلاء بن زياد العدوي البَصري أو البِصري – رضيَ الله عنه وأرضاه، وما أدراكم ما العلاء! هذا الرجل بكى من خشية الله حتى غُشيَ بصره، وكذلكم بكى أبوه حتى غُشيَ بصره، عوَّضهم الله الجنة من كل مُصاب في سبيل الله، ولنعم العوض إن شاء الله تعالى – فكان إذا قرأ أو ذكَر أو ذكَّر أجهشه البكاء، لا يستطيع! يبكي – رضيَ الله عنه وأرضاه -، كان يقوم الليل ويصوم النهار، صام دهره إلا الأيام المُحرَّم صيامها.

يقول أخوه هشام بن زياد العدوي، يقول وتجهَّز رجل من أهل الشام، يُريد الحج، فبين هو على ذلك إذ رأى فيما يرى النائم مَن يقول له ائت العراق يا فلان، ثم ائت البصرة، ثم ائت العلاء بن زياد العدوي، فبشِّره بالجنة، رجل من أهل الشام، لا يعرف العراق، لم يزر العراق أصلاً، قال فقلت رؤيا، ليست بشيئ، رؤيا، كلام، حديث نفس ربما، فلما كانت الليلة الثانية آتاه نفس الآتي – نفس الشخص، يراه ويسمعه – وأخبره بالرسالة، قال له ائت العراق، ثم ائت البصرة، ثم ائت العلاء بن زياد العدوي، رجل أقسم الثنية بسّام، فبشِّره بالجنة، أقسم إذا انكسرت ثنيته من مُنتصَفها أو من نصفها، يُقال له الأقسم وهي قسماء، رجل أقسم بسّام، ائته فبشِّره بالجنة، فقال مثلما قال في الأولى، أي رؤيا، حديث نفس، فآتاه في الثالثة بوعيد، أما تأتي العراق؟ قال له وهو يُهدِّده، أما تأتي العراق، فتأتي البصرة، فتأتي العلاء بن زياد، فتُبشِّره بالجنة؟! فخاف الرجل، قال بلى.

فلما أصبح تجهَّز، ثم انطلق إلى العراق، والغريب أنه كان يرى هذا الذي رآه في المنام يسير بين يديه، قدامه! نعم يراه، يدله على الطريق، وكلما نزل فقده، الله أعلم، هل هو ملك؟ لا نعرف، حتى إذا أتى الكوفة – وهو يراه قدامه وبين يديه – ونزل الكوفة فقده، حتى إذا تجهَّز للبصرة رآه يلوح بين يديه، فصار في إثره، حتى إذا نزل البصرة فارقه، فأتى وسأل عن دار العلاء بن زياد – رضيَ الله عنه وأرضاه – العدوي، ففتح له الباب أخوه هشام بن زياد العدوي، وقال له ماذا تُريد؟ تفضَّل يا أخي، انزل، حُط رحلك، وضع متاعك، قال أنت العلاء بن زياد؟ قال لا، قال لا أنزل، لا أُريد إلا العلاء، أين هو؟ قال في المسجد، يقول أخوه هشام وكان أخي يكون كثيراً في المسجد، هو معلَّق به، قلبه مُعلَّق بالمساجد، هو مجلسه، مأنسه، موضعه، ومثابته، أي المسجد، يكون هناك، يُصلي ويدعو بدعوات ويُذكِّر، يُذكِّر عباد الله ويعظ، وقد كان إماماً في العلم أيضاً.

فقلت له – يقول هشام فقلت له – سأذهب وآتي به، قال فأتيته وقلت له يا أخي رجل يُريدك من أهل الشام، وهو لا يعرف القصة، لم يقل له لماذا، فقط يُريد العلاء، فقط! قال فصلى ركعتين، ثم دعا، ثم أقبل معي، فلما رأى هذا الضيف ابتسم له، فإذا هو أقسم، أقسم الثنية، فقال هذا صاحبي الذي أُريد، الشامي قال هذا صاحبي الذي أُريد، قال أهلاً وسهلاً، على الرحب والسعة، انزل يا أخي، فنزل، فدخل معه وحدَّثه بما رأى، فأجهش في البكاء، يقول أخوه أغلق على نفسه الباب سبعة أيام، ثلاثة أيام بطولها يبكي ليل ونهار ويدعو، أسمعه يقول في خلل دعائه – أي خلاله – أنا؟ أنا؟ يستكثر ذلك على نفسه، وهو يرى نفسه من المُنافِقين، من أهل النار، من الكذّابين – رضيَ الله عنه وأرضاه -، يقول أنا؟ أنا؟

حُدِّث قبل ذلك، قال له أحد إخوانه الصالحين رأيتك في الجنة، فقال اذهب، أما وجد الشيطان غيري وغيرك يعبث بهما؟ هذا من الشيطان، أرأيتني في الجنة؟! بعض الناس يفرح إذا قيل له هذا، وهو يطمئن أنه من أهل الجنة، لا! هذا من الغرور ومن قلة العلم، فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ۩، انتبهوا! هذا شيئ مُخيف.

سُليمان – عليه الصلاة وأفضل السلام، ابن داود – ماذا آتاه الله من النعمة والمُلك؟ ما لم يُؤت أحد من العالمين مثله، قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۩، وسخَّر الله له الجن والإنس والطير والريح والماء وكل شيئ، وليس ذلكم وحسب، وقال له – تبارك وتعالى – هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۩، ما معنى ذلك؟ تصرَّف في هذا المُلك كما تُريد، ولا حساب عليك يا سُليمان، الله أكبر! لن نُحاسِبك، الله يقول له لن تُحاسَب على هذا المُلك، افعل ما تُريد، أعط مَن شئت، اقبض يدك عمَن شئت، تصرَّف كيف تُريد يا عبدي ويا نبيي، لا حساب عليك، فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۩، هل اغتر بذلك؟ وهل طغى في مُلكه؟

نملة وقعت يوماً على ثوبه، فأخذها ورمى بها هكذا، فأنطقها الله، قالت له يا نبي الله ترميني رمية جبّار؟ فبكى، أخذها واعتذر إليها وبكى واستغفر ربه – عليه الصلاة وأفضل السلام -، مع أن الله قال له بِغَيْرِ حِسَابٍ ۩ ـ، يبكي لظلمه نملة، وهو لم يكن قاصداً ظلمها؟ حركة لا شعورية، لا إرادية! قالت له يا نبي الله – أي سُليمان – ترميني رمية جبّار؟

ماذا كان رد فعل سُليمان – عليه الصلاة وأفضل السلام -؟ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۩، لم يقل هذا لأنني مُصطفى مُخلَص حبيب، وهذه خصيصة وميزة مازني بها من بين سائر خلقه، لا! قال ابتلاء وفتنة، مكر! وأعوذ بالله أن أكون مِمَن يكفر نعمة ربه ويُبدِّل نعمة ربه كُفراً، هذا سُليمان، وهكذا هم الصالحون، انتبهوا! هكذا هم الصالحون، ليس لأحدنا أن يغتر بعمله الصالح مهما عمل، لأن الله ما يتقبَّل إلا من المُتقين، ولا ندري هل نحن من المقبولين – اللهم اجعلنا منهم – أو نحن من المطرودين المردودين – والعياذ بالله تبارك وتعالى -؟ اللهم تقبَّلنا في الصالحين يا رب العالمين.

المُهِم يقول أنا؟ أنا؟ يقول أخوه هشام بن زياد ومكث سبعة أيام لم يطعم شيئاً ولم يشرب ماءً، سبعة أيام في بيته! قال وكنا نهاب أن نفتح عليه بابه، حتى رأيت أني أذهب إلى الحسن البِصري، كان مُعاصِراً له وكان أخاً له في الله، ما هذه الأمة؟! يا ليتنا كنا معهم! ما هذه الأجيال؟! ما هذه النفوس المُبارَكة؟! ما هذه الأرواح الماجدة؟! تسمع بأسماء غريبة جداً، وكانوا مُتجايلين ومُتعاصِرين، قال فذهبت إلى الحسن، وقلت له يا تقي الدين ما أُراه إلا قاتلاً نفسه، سيقتل نفسه، وهم لا يعرفون لماذا، ماذا قال له الرجل؟ ربما ظن اخوه أنه بشَّره بالنار أو شيئ من هذا.

قال فأتى الحسن وضرب عليه بابه، أي قرع الباب، فلما سمع صوت الحسن في جلالته فتح له، لم يجد بُداً من أن يفتح للحسن، ففتح للحسن البِصري، فلما رآه الحسن قال له رحمك الله، ومن أهل الجنة – إن شاء الله -، كأن الحسن كوشِف، الحسن البِصري! إمام هذه الأمة، أشبه هذه الأمة بالأنبياء، قال له رحمك الله، ومن أهل الجنة – إن شاء الله -، كوشِف بسره، عرف! فبكى العلاء بن زياد، بكى كثيراً، يقول هشام أخوه ثم أخبرني أنا والحسن بما كان من شأن الرؤيا والبشارة، وقال سألتكما ألا تُحدِّثا بها أحداً ما دُمت حياً.

يَقُولُونَ خَبِّرْنَا فَأَنْتَ أَمِينُهَا                                   وَمَا أَنَا إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ بِأَمِينِ.

يقولون خبِّرنا فأنت أمين على سر ليلى، مُستودَع هذا السر، فقال لا، إن خبَّرتكم فلا أكون أميناً على سرها، لم يُرِد أن يعلم أحد بهذه الكرامة حتى توفاه الله – تبارك وتعالى -.

ثابت البُناني وقد ذكرناه غيره مرة – أيها الإخوة الأماجد والأخوات الفاضلات – هو الذي قال فيه أنس – أستاذه، أنس بن مالك، الصحابي الجليل – إن للخير مفاتيح، وإن ثابتاً لمفتاح من مفاتيح الخير، كان يقوم الليل ويصوم النهار، صوّاماً قوّاماً، ويذكر الله على جميع أنحائه وفي كل أحواله، يقول المُبارَك بن فضالة فأتيته وقد اعتل وتمرَّض وهو في علو له – ما معنى في علو له؟ أي علت سنه، شاخ، أصبح كبير السن، عالي السن، قال أتيته وهو في علو له -، وكان لا يزال يذكر أصحابه – أي لم يُغلَب على عقله، يعرف مَن هذا ومَن هذا، يعرف كل شيئ -، فدخلنا عليه، فإذا هو يبكي، وقال يا إخوتاه لم أستطع البارحة أن أصوم كما كنت أصوم، من شدة المرض لم يصم، هذا يوم من عشرات السنين، أفطر هذا اليوم، من عشرات السنين! قال ولم أستطع أن أُصلي كما كنت أُصلي، ولم أستطع أن أنزل إليكم فأذكر الله كما كنت أذكره، ثم رفع يديه وقال اللهم إذ حبستني عن ثلاث: أن أُصلي لك كما كنت أُصلي، وأن أصوم كما كنت أصوم، وأن أذكرك كما كنت أذكر، فلا تدعني في الدنيا ساعة، قال فمات من ساعته – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، هذا ثابت البُناني، مفتاح الخير، الذي كان يقول لا يُسمى عابدٌ أبداً عابداً وإن كان فيه كل خصلة من خصال الخير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان، ما هما؟ الصوم والصلاة، كثرة الصيام وكثرة الصلاة، لأنهما من لحمه ودمه، إذا كنت تزعم أنك عابد فمن لحم العابد ودمه الصوم والصلاة، وهو الذي كان يقول اللهم إن كنت أعطيت أحداً أن يتنعَّم بالصلاة في قبره فأعطني ذلك، فرُؤيَ بعد أن نُبِش قبره لشيئ – وحدَّثتكم بالقصة قبل أشهر -، رُؤيَ في قبره واقفاً يُصلي، فلما رأى الذي فتح قبره عاد نائماً – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، شيئ عجيب.

منصور بن المُعتمِر – هذا الإمام الحافظ القدوة، رضيَ الله عنه وأرضاه – صام ستين سنة كما يقول سُفيان الثوري، ستين سنة! صام ستين سنة، وقام ليل ستين سنة، صيام ستين سنة وقيام ستين سنة، كان يقوم ليلةً كاملةً قائماً لله، ركعة واحدة! والليلة الثانية راكعاً لله، ليلة كاملة! عشر ساعات، والليلة الثالثة ساجداً لله، فلما قبضه الله – تبارك وتعالى – إلى رحمته وكرامته – إن شاء الله تعالى – قال صبي صغير كان جاراً لهم لأمه يا أماه الجذع الذي كنت أراه على دار جيراننا لا أراه، قالت يا بُني ليس هذا جذعاً، منصور بن المُعتمِر توفاه الله، كان يحسبه جذعاً، شجرة! أي منصور بن المُعتمِر، تقول له أمه يا بُني إنك قاتل نفسك، فيقول أنا أعلم بما صنعت بنفسي، أنا أحتاج إلى هذا، أنا أعلم بما صنعت بنفسي.

وأخيراً أبو بكر بن عيّاش، والأمثلة كثيرة جداً، ما هذه إلا أنموذجات، أنموذجات يسيرة من هذه الأمة المرحومة، التي نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُلحِقنا بهم، وأن يحشرنا في زُمرتهم، تحت لواء نبينا وحبيبنا رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وأن يُخلِّقنا بأخلاقهم، وأن يُعيد علينا من بركاتهم ومن نفحاتهم ومن أنوارهم، وأن يسلك بنا السبيل التي سلك بهم – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، والله يشعر المرء بالفخر وبالعز حين ينتمي لأمة كهذه، بالفخر وبالعز! أننا من أمة كهذه.

حدِّثونا ماذا يفعل الآخرون، حدِّثونا عن موت اليهود والنصار إذا ماتوا، ماذا يرون؟ وبماذا يُبشَّرون؟ حدِّثونا، حدِّثونا! حدِّثونا عن عباداتهم، حدِّثونا! أين أمة كهذه الأمة؟! يا رب لك الحمد على أن جعلتنا من هذه الأمة المرحومة.

وممّا زادَني شرَفاً وتيهاً                                   وكدْتُ بأخْمصي أَطأُ الثُّريَّا.

دُخولي تحتَ قولِكَ “يا عبادي”                           وأن صيَّرتَ أحمدَ لي نبيَّا

قال دُخولي تحتَ قولِكَ “يا عبادي”، أي من هذه الأمة المرحومة المُخاطَبة، وأن صيَّرتَ أحمدَ لي نبيَّا، هذا أعظم شرف نفخر ونتيه به على العالمين، ونسأل الله أن نموت على هذا الدين وعلى هذه المِلة، اللهم آمين.

أبو بكر بن العيّاش الذي قال فيه الإمام مُحي الدين النووي – قدَّس الله سره – الإمام المُجمَع على فضله، عاش أزيد من تسعين سنة، قريباً من مائة سنة، صام وقام من هذه المائة سبعين سنة، سبعون سنة يصوم كل يوم إلا الأيام المُحرَّم صومها، ويقوم الليل كله إلا قليلاً، ولما احتُضِر أبو بكر بن عيّاش – رضيَ الله عنه وأرضاه، وهو أحد القرّاء، أحد القرّاء المشهورين – حصل الآتي، لما احتُضِر ابن عيّاش – رضيَ الله عنه وأرضاه – بكت ابنته، فقال يا بُنية لِمَ تبكين؟ أتخافين على أبيكِ أن يُعذِّبه الله – تبارك وتعالى – وقد ختم القرآن في هذه الغُرفة أربعة وعشرين ألف ختمة؟ أربعة وعشرون ألفاً! ختمه أربعة وعشرين ألف ختمة، وقال لابنه اطمئن، ما ارتكب أبوك فاحشة قط، وإياك أن تعصي الله في هذه الغُرفة – قال له -، غُرفة خُتِم بها الكتاب العزيز أربعة وعشرون ألف مرة، طبعاً! عاش مائة سنة، أكيد من هذه المائة سنة تسعون سنة في العبادة والقراءة كل يوم، كان يختم القرآن كل يوم، أي أبو بكر بن عيّاش، وبعضنا لا يختمه إلا في رمضان مرة، بل بعضنا لا يستطيع، لا يُوفَّق إلى أن يختمه حتى مرة، لا حول ولا قوة إلا بالله، هكذا!

الجد، علينا بالجد، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، فليكن رمضان البداية – إن شاء الله تعالى -، اجعلوا عهداً بينكم وبين الله أن يكون هذا الوقت الشريف هو البداية، الشياطين مُصفَّدة – بحمد الله -، قوى النفس تُصبِح هامدة، تخفت وتبهت – إن شاء الله تعالى -، والعطايا جزيلة، والرحمن مُقبِل، لا إله إلا هو! وما من علة تعوقنا، فاجعلوا البداية في هذا الشهر، أن نعود وأن ننقطع إلى الله – تبارك وتعالى -، لعل الله يمنّ علينا بوصلة، فنُواصِل ما يتلو هذا الشهر بهذا الشهر الكريم.

اللهم أعطنا ذلك وأنلناه بفضلك ورحمتك يا رب العالمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المُنكَرات، وحُب المساكين، وأن تغفر لنا، وإذا أردت بخلقك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

اللهم إنا نسألك عزائم مغفرتك، ومُوجِبات رحمتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم إنا نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن درك الشقاء، ومن جهد البلاء.

اللهم إنا نعوذ بك أن نقول زوراً وأن نغشى فجوراً، اللهم أصلِحنا لك كما أصلحت الصالحين يا رب العالمين، اجعلنا هُداةً مُهتدين، غير ضالين ولا مُضِلين، أعنا على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك.

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم إنا نسألك وندعوك ونبتهل إليك أن تُعيننا على أن نصوم هذا الشهر الكريم وأن نقومه على الوجه الذي يُرضيك عنا يا رب العالمين، اللهم اجعلنا فيه من المسعودين، واجعلنا فيه من المبرورين، واجعلنا فيه من المقبولين، واجعلنا فيه من المرحومين، واجعلنا فيه مِمَن غفرت لهم ذنبهم كله يا رب العالمين، وأعتقت رقابك من نار جهنم بفضلك ومنّك، إلهنا ومولانا رب العالمين.

اللهم ونسألك وندعوك ونضرع إليك أن تنصر الإسلام وأن تُعِز المُسلِمين، اللهم ربنا يا ربنا يا ربنا أعل بفضلك كلمتي الحق والدين، اللهم اقهر أعداءنا، أعداء الدين، الصهاينة المُجرِمين، والأمريكان الواغلين، اللهم أحصهم جميعاً عدداً، اللهم اقتلهم ودمِّرهم بدداً، اللهم لا تُبق منهم أحداً، اللهم اجعلهم عبرةً للمُعتبِرين وشماتةً للشامتين، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرُعب والخوف والفزع في قلوبهم يا رب العالمين، اللهم اجعل بأسهم بينهم شديداً، اللهم رُد كيدهم إلى نحورهم، واكفنا شرورهم بما شئت، كيف شئت يا رب العالمين، وأرِنا فيهم يوماً أسود قريباً، فإنهم لا يُعجِزونك، إلهنا ومولانا رب العالمين، في هذا الشهر الكريم، في هذا اليوم العظيم، في هذا المقام الطيب المُبارَك يا رب العالمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من أفضاله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (15/10/2002)

Comments

comments

شاهد أيضاً

الصوم، مُحاوَلة جديدة للفهم

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

اترك رد