الرئيسية / مرئيات / خطب جمعة / هل أنت سعيد؟

هل أنت سعيد؟

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل مجده – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ۩ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ۩ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ۩ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ۩ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ۩ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ۩ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ۩ إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

في هذا الشهر الجاري – شهر فبراير – فاجأت دولة الإمارات العالم والعالم العربي خصوصاً بترسيم وزيرين جديدين ليسا لمُعظم الدولة حول العالم عهدٌ بهما، وزير للسعادة ووزير للتسامح، وهى خُطوة بلا شك رائدة تُشكَر عليها دولة الإمارات العربية على أنها قد سبقت قبل زُهاء سنة إلى سن قانونٍ كان ينبغي أن يُشكَر على نحوٍ واسع خاصة من طرف العالم العربي والإسلامي، ويقضي هذا القانون المسنون بعقاب شديد قد يبلغ حد السجن عشر سنوات لمَن يطعن في أديان او مذاهب أو طوائف الآخرين، وكانت خُطوة مُتقدِّمة جداً على طريق ترسيخ ثقافة التسامح وثقافة التعايش، أما اليوم فهناك وزير وهناك وزارة دولة للتسامح، ولن نتحدَّث في هذه الخُطبة عما يتعلَّق بموضوعة التسامح ولكن سنتحدَّث عن الموضوعة الأخرى وهى موضوعة السعادة بسبب ووزارة للسعادة، وهذا شيئٌ عجيب، طبعاً والطريف أن الوزير هذه المرة أُنثى، فتاة لم تُكمِل ربما عامها الثاني والعشرين هى وزيرة السعادة، وقد اجترحت بعض القرارات العجيبة واللطيفة أيضاً في الوقت ذاته، فما هى قضية السعادة حتى تتدخَّل فيها الدول والحكومات وترسم بإنشاء وزارة لها؟ الجميل في الموضوع أن دولة الإمارات حتماً ومُؤكَّداً أدركت عن وعي أن السعادة ليست شأناً شخصياً خالصاً كما قرَّ في أذهان مُعظمنا بل كما هو مُقرَّر في أذهان مُعظم البشر حول العالم، فهم يقولون السعادة شأنٌ شخصي وهذا غير صحيح بالمرة، والآن يُدرِك علماء النفس وبالذات علماء النفس الإيجابي أن هذه المقولة غير صحيحة بالمرة أو غير صحيحة إلى حد بعيد، فالدول والحكومات لها دور، والشأن العام له أعظم الدخالة في قضية السعادة، فمن شأن الدول والحكومات أن تُوفِّر للناس الحدود المقبولة من الأمن والاستقرار ومن الرخاء والرفاه وأيضاً مما يُساعِد على التعايش بشكلٍ عام، فهذه المُقوِّمات بلا شك تُعتبَر من أهم مُقوِّمات السعادة بمعنى من المعاني، وأعتقد أن موضوعة السعادة موضوعة أكثر أهمية مما يظنُ بعضنا، والسعادة ربما هى أكثر ما يبحث عنه البشر وأحياناً دون أن يعلموا لأنهم لم يتوفَّروا ربما على فنيات الموضوع أو علميات أو فلسفيات الموضوع ولكنهم يفعلون، فهى قضية مفعولة دون أن يعلموا، ولكن ليت شعري، ما هى السعادة؟ هل هى شيئٌ آخر خلاف الحياة الطيبة الموعود بها في الآية التي تلوتها على مسامكم صدر هذه الخُطبة التي تقول مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ ۩؟ هل الحياة الطيبة هى السعادة؟هذا رأي ابن عباس في رواية عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس وهى من أوثق الروايات عن الحبر رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه، ففي رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال الحياة الطيبة السعادة، والقرآن يُعطي هذا الموضوع أولوية، فالقرآن يجعل السعادة جائزةً ومُكافأةً للسير المُلتزِم بمنهج الله تبارك وتعالى، قال الله مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ ۩، صحيحٌ أنه لم يقع الاتفاق فضلاً عن الإجماع على أن المُراد بالحياة الطيبة السعادة لكنه وارد، فالإمام عليّ – عليه السلام – يقول الحياة الطيبة هى القناعة، الضحاَّك يقول الحياة الطيبة هى العبادة، أي عبادة الله تبارك وتعالى، الحسن البصري ومُجاهِد وقتادة يرون أن الحياة الطيبة هى حياة الآخرة حيث قالوا لا حياةَ طيبة لمُؤمِن في الدنيا، الدنيا أصغر وأحقر من أن يحيا فيها المُؤمِن حياة طيبة، وهذا الاتجاه في التفسير خلاف ظاهر الآية، فواضح من ظاهر الآية أن الحياة الطيبة الموعود بها جزاءاً ومُكافأةً للمُؤمِنين والمُؤمِنات من الذين يسلكون وفق منهج الله – تبارك وتعالى – في هذه الدنيا لقوله تبارك وتعالى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۩، على أن إجزاء الأجور يتسع ليكون في الدنيا كما في الآخرة أيضاً، وقد نبَّهت على ذلك المعنى اللطيف والدقيق الذي يغبى ويغيب عن كثيرين منا في خُطبة سابقة قبل بضع سنين، والقرآن نفسه يقول الأجر على الأعمال الصالحة يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، نعم مُعظم الأجر يكون في الآخرة ولكن في الدنيا أيضاً الأجر على الأعمال الصالحة، فهذا يتسع لأن يكون في الدنيا والآخرة على أن ظاهر الآية أن الحياة الطيبة حياة الدنيا، ولكن هل الحياة الطيبة – إن أخذنا بالآراء الأخرى غير رأي الحبر رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – تتقاطع مع السعادة أم تشمل السعادة وتضمها تحت جناحيها كما يُقال؟ سوف نرى لكن مبدئياً أرى أن التعبير القرآني أكثر توفيقاً بمراحل من التعبير بمفهوم السعادة، فالحياة الطيبة شيئ يُغني عن السعادة، يشملها بطريقةٍ أو بأخرى وهو أوسع منها وأفضل منها، علماً بأن الآن جماعة من أكبر المُختصين في علم السعادة بدأوا يستوعبوا هذه المسائل، وطبعاً العجب الآن أصبح هناك علم للسعادة، ليس فقط وزارة في بعض الدول وإنما علم للسعادة، وعلم النفس الإيجابي بالذات يدرس السعادة باهتمام وعنو كبيرين، وإلى وقت قريب نسبياً كانت هذه المسألة لا تُستوعَب، فالسعادة موضوع فكَّر فيه بعض الفلاسفة وخاصة الفلاسفة الأخلاقيين ولكن لا يقتضي من علماء النفس أن يتخصَّصوا فيه وأن يُنفِقوا في درسه وبحثه وتفكيكه سنوات أعمارهم، والآن انقلبت الآية تماماً، هناك علماء قضوا عقوداً – خاصة في هذه العقود الأخيرة – يدرسون موضوع السعادة في رأسهم العالمان المشهوران والأكثر شهرة في هذا الباب إيد وروبرت داينر Ed and Robert Diener، وإيد داينر Ed Diener يُعتبَّر – كما يُقال – إنديانا جونز Indiana Jones علم النفس الإيجابي وبالذات في موضوعة السعادة، وقد أنجزا كتاباً لطيفاً دار حول العالم وُترجِمَ إلى أكثر من لغة، هذا الكتاب هو السعادة تفكيك أو حل ألغاز الموضوع، أي تفكيك ألغاز الموضوع أو تفكيك ألغاز الثروة النفسية Psychological Wealth، فإذن هما يريان – هذان الخبيران العظيمان جداً عالمياً – أن السعادة يُمكِن أن تتقوَّم ويُمكِن أن تُكثَّف بكلمة واحدة وهى في حيازتك للثروة النفسية، أي الثراء النفسي Psychological Wealth، ويُعبِّران عنها بتعبير تقريباً يختص بهما هو حُسن الحال أو حُسن الوضعية الشخصية Subjective Well-being، فهكذا يقولان حُسن الوضعية الشخصية Subjective Well-being، وهذا هو مُلخَّص أو حصيلة أو جوهر الثروة النفسية التي عند التفكيك لها مُقوِّمات كثيرة في رأسها العلاقات الاجتماعية الوثيقة وليس مُجرَّد العلاقات فحسب، وهذا ما يجب أن ننتبه إليه وهو واضح جداً، فبعض الناس له علاقات واسعة جداً وعريضة جداً وعنده عشرات بل مئات الأصدقاء أو الصديقات ولكنه تاعس وبائس، وقد ينتهي به الأمر إلى الاكتئاب وربما الانتحار، فليست القضية بالعدد، كأن يُقال أنا عندي مائة صديق او أكثر أو أقل، ولكن المُهِم هو أن تكون العلاقات علاقات وثيقة – Close Relationships – وعلاقات حقيقية تقوم في جوهرها على إسجاء وإسداء المعروف والمُسانَدة أكثر من طلبهما، لكن بعض الناس حتى أناني في علاقاته، يُريد أن يأخذ أكثر مما يُعطي، ينتظر فقط أن يأخذ، وهذا لا يُمكِن أن يكون سعيداً وسيكون تاعساً، وفي دراسات مُطوَّلة – كما يُقال – أو طويلة الأجل – Long-term studies – ثبت أن الأكثر سعادة بخصوص هذه النُقطة هم الذين يُعطون المُسانَدة وليسوا أولائك الذين يتلقَّون المُسانَدة – Support أو Unterstützung – وإنما الذين يُعطون ويُسدون العطاء وهذا مُهِم جداً، والعجيب أيضاً أنهم أطول الناس أعماراً، وصدق رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – هنا، وهذا الحديث طبعاً مُخرَّج في الصحيحن وهو من أعجب الأحاديث، وسبحان الله كل فترة من السنوات أقع على دراسات جديدة وخاصة الدراسات طويلة الأجل – Long-term studies – دائماً ما تُؤكِّد هذا الحديث باستمرار، حيث قال النبي ولا يزيدُ في العمرِ إلا البر، فالنبي هو الذي يقول هذا، ويُؤكِّد أن العمر يُمكِن أن يزيد، لقد اقشعر بدني حيث يُمكِن أن تُصبِح أطول عمراً وأزيد سنوات حياةٍ بسبب ماذا؟ مُسانَدة الآخرين وإعطاء الآخرين والتعاطف مع الآخرين، هو هذا وليس العكس، والنبي قال هذا لأنه كان يعرف هذا جيداً، وهو القائل ومَن أراد أن يُنسأ له في أجله ويُبسَط له في رزقه فليصل رحمه، على أن حديث “ولا يزيد في العمر إلا البر “أعم لأنه تكلَّم عن البر وليس مُجرَّد صلة الأرحام، وطبعاً لا يُمكِن أن تكون باراً أو براً وأنت تقطع أرحامك ثم تصل الآخرين، فهذا مُستحيل، أنت أقرب إلى أن تكون شيئاً آخراً لن أذكره، وطبعاً الأقربون أولى بالمعروف، ولكن البر دائرة تتسع للأقارب والأباعد وللأغارب أيضاً، فالبر كلمة تدل – كما قال علماء التفسير وعلماء اللغة – على الاتساع في وجوه الخير، أي في كل نشاطات الخير.

إذن المُقوِّم الأول هو علاقات اجتماعية وثيقة، أما المُقوِّم الثاني فهو وجود قيم وأهداف في الحياة رضية سامية، وهذا ما يُشير إلى النمو الروحي وهذا يُذكَر الآن، ولذلك اتُهِما العالمان المذكوران إيد Ed وروبرت داينر Robert Diener بأنهما يصطنعان دعاية للدين ويُروِّجان للدين، لكنهما قالا لا ليست هذه قضية ترويج للدين، نحن مُجرَّد علماء مُلتزِمون تماماً بالنهج العلمي، ولكن الدراسات أثبتت هذا فماذا نفعل؟ الإحصاءات والدراسات الطويلة أثبتت أن الذين يتوفَّرون على قيم دينية ومفاهيم دينية وعلى إيمان – طبعاً ليس الإيمان الذي هو من النوع الداعشي وإنما الإيمان والتدين من النوع الإنساني المُحِب للآخرين والمُسانِد للآخرين والمُحِب للحياة والمُوقِّر للحياة والمُقدِّس لها وليس الكاره لها والنافي لها – هم أكثر سعادة وأطول أعماراً وأطول زيجةً، أي أن الزواج يتأثر أيضاً، ففي أمريكا – مثلاً – وفي العالم الجديد نصف الزيجان تبوء بالفشل وتنتهي إلى الطلاق، والنصف – خمسون في المائة – رقم مُريع مُخيف، وليس معنى ذلك أن نصف الازواج أو نصف الشركاء يفقدون شركاءهم، هذا غير صحيح، لكن معنى ذلك في حال وجود الأولاد – وفي مُعظم الحالات هناك أولاد – دمار اجتماعي حقيقي ودمار نفسي ومُعاناة وبؤس وتعاسة لأجيال كاملة، أجيال وراء أجيال طبعاً، حيث يُوجَد ولد بلا أب أو ولد بلا أم وأحياناً بلا الاثنين، فتستوعبهم الملاجيء ودور الأيتام ومُؤسَّسات إعادة التأهيل الاجتماعي، وهذه مُصيبة كبيرة، لكن الزيجات الطويلة دائماً يحظى بها الأشخاص السعداء، فالسعيد لا يُطلِّق والسعيد لا تنفصم علاقته بزوجته بسهولة ولا تنفصم علاقته بأصدقائه بسهولة فكيف بزوجته شقيقة الروح وتوأم الروح؟ فإذن قيم وأهداف رضية عالية سامية تأتي في رأسها، وإذن النمو الروحي – كما قلنا – والمُشارَكة في الأنشطة الفعَّالة والإيجابية، كالأعمال الاجتماعية أو الخيرية أو التعاونية وإلى آخره، فهذه من مُقوِّمات السعادة ومن مُقوِّمات الثروة النفسي، وتُحقِّق حُسن الحال الشخصي أو الذاتي Subjective Well-being.

أيضاً من المُقوِّمات التي ذكرها الباحثان المشهوران في كتابهما المُفيد جداً بلا شك والثري بمعلومات ودراسات عجيبة غريبة – هو كتاب علمي منهجي ولكنه مُبسَّط – التوازن المزاجي، بمعنى تغليب الانفعالات الإيجابية لديك على تلك السلبية، لكن بعض الناس ليس كذلك، فمُعظم انفعالاته سلبية، فهو مُتعوِّد ومُتدرِّب وأستاذ في أن يرى دائماً النصف الفارغ من الكوب – كما يُقال – والجانب المُعتِم لكل شيئ، وهؤلاء الأشخاص بلا شك مُكتئبون لأن هذه الحالة اكتئابية أصلاً، فالذي يتوازن بهذه الطريقة السالبة هو إنسان مُكتئب – Depressed – وقد يكون مضغوط أيضاً، وهو ومُجهَد دائماً ويُعاني من الإجهاد المُستمِر، ولذا القرب منه مرض، فكما في الأدبيات الإسلامية بعض الناس القرب منهم مرض، أي أنه يُمرِض، وعلماء النفس الإيجابي يقولون فعلاً القرب منهم مُمرِض، بل يُوجَد ما هو أكثر من هذا، فأحد مشاهير علماء النفس أثبت في دراسات وأبحاث أن بعض الناس يُنمّون حساسية – Allergy بالإنجليزية أو Allergie بالألمانية – إزاء بعض الأشخاص، وهذا أمر عجيب، ولأول ل مرة أسمع بهذا، فبعض الناس عنده حساسية من حبوب الطلع ومن بعض الفاكهة كالكمثرى – الإِجَّاص – والتفاح والبيض – مثلاً – وهذه الأشياء وهى كثيرة – مئات الأسباب – لكن كيف يكون لديه حساسية إزاء أشخاص؟ هذا يحدث، فأول ما ترى أو تسمع صوته تُصاب بالحساسية وتحدث لك حالة ربو وانتفاخ ومشاكل ويكون لديك حساسية حقيقية، فبعض الناس القرب منهم يسبب فعلاً هذا، لماذا؟ لأنهم يستنفذون طاقتك، فحين تجلس معه أنت تفقد حتى حس الدعابة وتفقد مشاعر الأمل والتفاؤل وحب النفس وحب الحياة وحب القدر، تفقد كل هذا ويُصوِّر لك كل شيئ على أنه تاعس وبائس، ويُحدِّثك عن الأقدار والحياة والأمم والثقافة والناس والأوضاع والسياقات وهو يشكو دائماً، فهو شديد وكثير ومُتواتِر الشكوى وصعب الإرضاء وكثير التطلب وكثير التأوه والتذمر، وهذه مُصيبة ولذا القرب من هؤلاء المساكين مُتعِب جداً، فهؤلاء يحتاجون إلى علاج، وطبعاً أعظم المُصاب بأمثال هؤلاء – لا كثَّر الله في الناس من أمثالهم وشفاهم الله من عاهاتهم وأمراضهم – هم الأزواج الشركاء ومن ثم الأولاد، فحين يحظى الزوج بامرأة كهذه تكون مُصيبة كبيرة، وحين تحظى المرأة بزوج كهذا -من هذا النمط – تكون مُصيبة كبيرة أيضاً، وكذلك الحال مع الأولاد أيضاً بعد ذلك بلا شك، وفي أحيان كثيرة تنتهي الزيجات إلى الطلاق بلا شك بسبب هذه الحالة – كما قلت لكم – المُمرِضة التي تُنمّي حساسيةً إزاء أصحابها والتي تستنفذ طاقاتنا، فأنا ما عندي طاقة أن أظل أُداعِب فيك وأرضي فيك وأُبرِّر لك وأخلق لك الآمال، هذا غير معقول يا أخي، كُن مُتفائل قليلاً، انظر إلى الجانب المُضيء وإلى الجانب المليء، عوِّد نفسك على هذا!

إذن التوازن المزاجي من المُقوِّمات الرئيسة المُهِمة للثراء النفسي أو للثروة النفسية، ولكن التوازن المزاجي ليس معناه وجود خمسين في المائة للإيجابيات وخمسين في المائة للانفعالات السلبية – Fifty-Fifty – لكن التوازن المزاجي معناه ثمانين في المائة أو أكثر أو أقل قليلاً للإيجابيات وأقل من هذا للسلبيات، وهكذا يسعد الإنسان ويرضى، فمَن رضيَ فله الرضا.

وطبعاً لأكون صريحاً معكم لن أتحدَّث عن موضوعة السعادة لا بمزاج فلسفي ولا أيضاً بطريقة علمية لأن هذا الموضوع يُعتبَر طويلاً جداً جداً جداً، غادخلوا على موقع التسوق الإلكتروني العالمي الأمازون Amazon واكتبوا – مثلاً – Happiness – أي السعادة – أو Unhappiness – أي التعاسة – وسوف يظهر لكم آلاف الكتب، صدقاً آلاف الكتب، وقبل سنوات كان لدينا زُهاء ألفي عنوان لكن الآن الحكاية أصبحت أكثر من هذا بكثير، فماذا تفعل في هذا الموضوع؟ هذا الموضوع بحر مُمتَّد وفيد دراسات كثيرة وخاصة الدراسات العلمي المُحترَمة، وبعض هذه الدراسات امتدت فترات طويلة، فأطول دراسة عن هذا الموضوع – دراسة القرن العشرين – امتدت لخمس وسبعين سنة، وهى أطول دراسة على الإطلاق – Long-term studies – مُتعلِّقة بهذا الموضوع، وقد أجرتها طبعاً ولاتزال تُشرِف عليها جامعة هارفارد Harvard وكلية علم النفس المُختصة بهذا الموضوع طبعاً، والعلم المُشرِفون أحياء، جيل بعد جيل بعد جيل يُشرِفون على هذه الدراسة، والدراسة تمت على سبعمائة وأربعةٍ وعشرين رجلاً، يعيش منهم الآن ربما العشرات، عشرون أو أقل من ثلاثين فقط وربما – إن لم تخني الذاكرة – تسعة عشر رجلاً مُعظمهم في التسعين من عمرهم، ولن أُحدِّثكم عن تفاصيل هذه الدراسة رغم أن الدراسة لطيفة جداً ومشوقة ولذة ولكن سأُحدِّثكم عن النتائج.

دراسة سبعمائة وأربعة وعشرين رجل على مُستوى القرن تقريباً هى دراسة لسبعمائة وثلاثين حياة، فهذه حيوات كثيرة وحيوات مرصودة عبر قرن كامل تقريباً، يُقال جيل الألفية، فهكذا يُسمونه أو ينعتونه، وطبعاً مسموح للباحثين والمُشرِفين أن يتحصَّلوا على السجلات الطبية لهؤلاء الأشخاص من أطبائهم، وبلا شك أجروا معهم عشرات وعشرات وعشرات المُقابَلات الشخصية في أماكن سُكناهم وفي بيوتهم والتقوا أيضاً بأزواجهم قليلاً، الزوجات قلن هذا الموضوع طويل فلم يُحبِبنه معظمهن، والتقوا مع أولادهم أيضاً ومع أصدقائهم، وأجروا معهم مُحادَثات كثيرة عن سيرهم الذاتية وعن شخصياتهم وعن آمالهم وعن مشاكلهم ومُعاناتهم وطموحاتهم وأشياء كثيرة عبر هذه الفترة الطويلة جداً، علماً بأن هذه الدراسة الوحيدة التي امتدت إلى هذه المُدة، فهى الوحيدة التي امتدت إلى خمس وسبعين سنة، وقد تفاجأ العلماء -تفاجئوا فعلاً – بسببها، وكانوا يعلمون سلفاً أن البشر من طبيعتهم أنهم يُغيِّرون مع تقدم أعمارهم أهدافهم ومُخطَّطات حياتهم، فبلا شك أهداف شاب في العشرين أو في الثلاثين من عمره غير أهداف إنسان في الخمسين، وأهداف ابن الخمسين غير أهداف ابن السبعين أو الثمانين أو التسعين، فتختلف الأهداف طبعاً وهم يعلمون هذا ولكن لم يكن يخطر على بالهم أن الموضوع سيُشكِّل صدمة حقيقية لهم على النحو الذي ستسمعون الآن للتو، فما هو؟ يقولون بالمُختصَر أننا لم نجد أن النجاح الشخصي في ميدان العلم وتحصيل الشهادة وميدان المهنة والعمل وتحصيل المال وما إلى ذلك، وإلى الآن تقول هذه الدراسة أن الأشخاص الذين يخضعون للاختبار والسؤال يُعرِب ثمانون في المائة منهم عن أن في رأس أهدافهم الإثراء، أي أن يُصبِح غنياً To Be Rich، وهذا بنسبة ثمانين في المائة وخاصة في المُجتمَعات الغربية، ففي المُجتمَعات الغربية هم صادقون مع أنفسهم ولذا لا يُزيِّفون، وطبعاً أنا أعني ذلك لأنك قد تسأل مسلماً أو عربياً بالذات ويقول لك أنه يُريد رضا الله، وهذا كذب طبعاً، هو يُريد – والله العظيم – الدولار أو يُريد – أُقسِم بالله – اليورو، وحياته تُؤكِّد هذا ومع ذلك يقول لك رضا الله، فهو يكذب حتى في الاستبيانات لأن الثقافة معطوبة، لكن هم لا يكذبون، وبعضهم يقول لك الجنس والإمتاع الشهواني، فأنا شخص لذائذي -Hedonic – وهذا الذي يُثريني، فهم صادقون تماماً، وصدقهم حتى مع أطبائهم واضح، فيذهب واحدهم إلى الطبيب ويحكي له كل ما يُعانيه من ضعفه الجنسي ومن مشاكله بشكل عادي لكن العربي لا يفعل هذا، هذا مُستحيل لديه ويقول لك أنا شيخ الرجال وأنا شيخ الفحول وأنا كذا وكذا وهو مسكين لأن لديه ثقافة مريضة تحتاج إلى قنبلة، فلابد أن تُنسَف هذه الثقافة – أُقسِم بالله – وأن نُنشيء ثقافة جديدة وإلا سنظل نُفرِّخ ما نُفرِّخه الآن، وعلى كل حال – سامحوني على هذه الاستطرادة – هم صادقون، وثمانون في المائة قالوا نحن نُحِب الثراء، فأنا أُحِب أن أُثري وهدفي الأول في رأس القائمة أن أُصبِح غنياً، ثم من فئة الشباب خمسون في المائة منهم مَن أعربوا عن أن هدفهم هو الشهرة، أي أن يُصبِح مشهوراً Famous أو Bekannt، ولكن مع تقدم العمر لا شيئ من هذا، وفي هذه الدراسة ثبت أن هذا ليس هو الأساس، فليس الأساس هو المال أو الشهرة أو العلم أو العمل المُمتاز والوظيفة الجيدة أو حتى المكانة الاجتماعية – أن يكون لي اعتبار وحيثية واحترام في نظر المُجتمَع والناس – فما رأيك؟ ليس هذا كله، وهذا أمر عجيب، فماذا إذن؟ علاقات اجتماعية حميمة وصادقة وواثقة، أي أن السبب هو العلاقات الاجتماعية، هذا السبب الرئيس في السعادة وعنوان السعادة وهو وجود علاقات اجتماعية وثيقة مُتفائلة داعمة.

المُهِم في نظر الفقير سوف يضح أنه غير مُهِم في نظر مَن أصبح غنياً، هذا الذي أصبح غنياً بدأ فقيراً وكان عنده أهم شيئ الثروة وأن يُصبِح مالتي مليونيراً Multi millionaire أو أن يُصبِح مليارديراً كما يحدث الآن، فأنت تُصبِح مليونيراً الآن هذا يُعَد شيئاً سهلاً، لقد أصبحنا نسمع عن الذين يملكون المليارات وليس فقط الملايين، ولكن بعد أن حقَّق هذا لم يسعد، وهذا طبعاً استغرقه عمره، فهنا – كما أقول دائماً وأُكرِّر ويطيب لي ان أُكرِّر هذا – أعظم الخسارة أن يكتشف أحدنا – وأكثرنا يفعل هذا وأكثرنا سيفعل هذا – في غروب حياته – حين تغرب شمس حياته – وفي آخر سنوات حياته حين يُصبِح مُتهدِّماً لا له ولا عليه ولا منه ولا عليه أنه عاش غلطاً، عاش حياة بالمقلوب، عاش الحياة الغلط، فهذا أعظم خسارة، ولذلك حديثي بالذات موجَّه إلى الشباب والكهول أيضاً – الكهول ليسوا هم الشيوخ، فالكهول أبناء أكثر من ثلاثين، أي من ثلاثين إلى خمسين، فهذا إسمه الكهل، لأن كلمة الكهل لا تعني الكبير في السن، أما بعد الخمسين يُسمى بالشيخ، قال الله وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا ۩،فعيسى كان ابن ثلاث وثلاثين سنة لذا هو كهل وليس شيخاً – وأقول لهم تأنوا كثيراً وقفوا طويلاً لتنتخبوا أهداف حياتكم، صدِّقوني أكثر ما ينبغي أن نُعنى بتعلّمه والبحث فيه وعنه ومن ثم تعليمه وتوصيله أهداف الحياة وما هى الحياة الصح التي يجب أن نعيشها، فما رأيكم؟ إن لم تفعلوا – مُعظم الناس لا يفعل – ستعيشون تاعيسين وستنتهون مُكتئبين بل وربما سيحدث معكم ما يحدث مع بعض الناس هنا في الغرب الذين ينتهون مُنتحِرين، والآن طبعاً – الحمد لله الذي لا يُحمَد على مكروهٍ سواه – نصيب العالم العربي في ازدياد من المُنتحِرين، فالانتحار أصبح عجيباً الآن، تسمع كل يوم في مصر وفي تونس وفي غزة عن حالات انتحار باستمرار، وهذا شيئ لم نكن نسمع به من قبل، وذلك بسبب تراجع الإيمان وازدياد اليأس، فالإيمان – كما نقول دائماً – جزءٌ منه كبير هو الأمل، ولذلك السعادة في منظوري ومُقارَبتي الشخصية -وقد أكون مُخطئاً – قد نكون قاربناها دائماً بطريقة خاطئة حين تعاطينا معها على أنها مفهوم مُفرَد واحدي كمفهوم الرضا أو القناعة أو الحب أو غير ذلك وهذا غير صحيح، فالسعادة مفهوم مُركَّب، ومن الصعب جداً أن يثبت أنه مفهوم واحدي مُفرَد، فإذا كانت مُركَّبة وإذا كانت مفهوماً مُركَّباً ما عساه يتركَّب منه؟ أي ما عسى هذا المفهوم أن يتركَّب منه؟ أنا أقترح أنه مُركَّب من أمرين وهما الرضا والأمل، والإمام عليّ كان يقول القناعة، لكن هناك مفهوم أعظم من القناعة وهو الرضا، فالأمر لا يقتصر على القناعة فقط، لأن القناعة تُوحي بالرضا المُوجِب أو الرضا بالشيئ الإيجابي، فالله – مثلاً – أعطاني قدراً من المال ليس كثيراً جداً وليس طبعاً يُلحِقني بالمُعدمين، أي كَفاف – كما يقال – ولذا أنا أقنع بهذا لأنني أُعطيت شيئاً، وكذلك أقنع بزوجتي وأقنع بحظي من الدنيا ونعيمها على أنه ليس بذلك الحظ الوافر الباذخ، فهذه قناعة، لكن الرضا أمر مُختلِف، فهو مفهوم يعمل في الاتجاهين معاً، فيحتوي القناعة ويحتوي شيئاً آخر وهو ماذا؟ حين يُصاب الإنسان بالمُصيبة وحين يُكرَث مثل أن يموت ابنه أو تمرض زوجته بالسرطان ويُهدِّدها الموت أو يفقد جزءاً من ثروته أو كلها أحياناً في صفقة خسارة أو في مسألة احتيال ونصب فهنا الرضا يأتي أيضاً، أي الرضا بالمكتوب والرضا بالمُصيبة، وقد قرأت مرة للأديب الإيرلندي جورج برنارد شو George Bernard Shaw مقولة جيدة، فشو Shaw يقول حياةٌ كلها سعادة – وواضح أنه يتبنّى مفهوماً مُفرَداً للسعادة – هى الجحيم بعينه على الأرض فلا يُطيقها أحد، ويُمكِن أن نُضوِّيء أو نُضيء هذا المعنى بأن نقول ماذا يعني المال لمَن لم يذق الحرمان يوماً كأبناء الملوك والأمراء وأصحاب الملايير والملايين؟ هو كلام فارغ، فهو عنده حساب في البنك ويقدر على أن يصرف كل شهر أربعة آلاف وخمسة آلاف يورو، وهذا عنده شيئ ليس له أي معنى، لكن لو أخذ ابنك أو ابني في الشهر مائة يورو أو مائتين يورو سوف يكون هذا – أف – شيئاً كبيراً جداً جداً جداً، وسوف يفتخر به لأنه يبعث على السعادة والرضا، وماذا يعني الشبع لمَن لم يلذعه الجوع يوماً في الدهر؟ لا شيئ، هو لا يفهم معنى الشبع لأنه لم يجع يوماً طيلة عمره، وهذه إحدى حكم الصوم، فهى تحسيس إجباري للأغنياء والواجدين بمُعاناة المُعدمين، يجب أن تحس بهم رغماً عنك، نعم عندك مليارات لكنك سوف تصوم وسوف تجوع لكي تبدأ تُفكِّر في الآخرين كما قال نبي الله سليمان عليه السلام، وهكذا إلى بقية الأشياء، ولذلك لكي تشعر بالحياة – كما يقول شو Shaw – وتنعم بالحياة وتسعد بالحياة لابد أن تذوق معنيي الحياة، فتذوق النعيم والحرمان، النعمة والنقمة، النعمة والمحنة، أي تذوق هذا وهذا، ولكن لو كانت الحياة كلها نعمة وكلها سعادة – كما يقول – فسوف تُصبِح جحيماً، وهذه ليست السعادة التي نعنيها، فالسعادة في تعريفنا – وهى مُقارَبة ذات أصل وجذر قرآني – لا يُمكِن أن تكون هكذا، قال الله فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ ۩، ولم يحدث ولن يحدث أن يأتي مُفسِّر ليقول الحياة الطيبة هى أن تجد فلا تفقد وأن تُعطى فلا تُحرَم وأن تحيا فلا تموت، هذا مُستحيل طبعاً، فكل أحد يفقد، ومحمد فقد أبناءه وفقد أعز الناس عليه وفقد حتى أن يشبع شهراً وشهرين وثلاثة، ومُعظم حياته قضاها هكذا، أليس كذلك؟ فالله يقول ليست هذه هى السعادة وليست هذه هى الحياة الطيبة، ولذا لم يفهم أحد من الآية أن معنى الحياة الطيبة هو أن تصير من أصحاب الملايين وألا تمرض زوجتك ولا تفقد أحداً من أولادك أو أحداً من والديك، هذا مُستحيل، وأين يُوجَد مثل هذه الحياة؟ هذه غير موجودة أصلاً ولا يُمكِن أن الله يعد بها، فإذن الله يعدنا وهو يعلم أننا سيموت لنا ومن ثم سنموت نحن وسنفقد وسنمرض وسنُعاني وإلى آخره ولكن هى حياة طيبة، وهذا أمر عجيب، فإذن كيف تكون حياة طيبة؟ في القلب منها الرضا، ولذلك المُؤمِن راضٍ في كلتا حالتيه، فهو راضٍ في حالة النعمة وفي حالة البؤس، إذا أنعم الله عليه شكر وهو خير له، وإذا ابتلاه الله وامتحنه صبر فكان خيراً له، قال سيد الخلق وحبيب الحق – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – عجباً لأمر المُؤمِن إن أمره كله له خيرٌ، إن أصابته نعماء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمُؤمِن.

هذا هو الرضا والأمل إذن، فهذا ليس رضا وحده وإنما هو رضا وأمل، لكن أمل في ماذا؟ أمل في التعويض وأمل في الامتداد، نعم فقدت شيئاً لكن عندي أمل أن الله يُعوِّضني من هذا الشيئ في الدنيا، فإن لم يكن ففي الآخرة، والعوام يقولون لك منه العوض وعليه العوض، وهم يقولونها بالعامية طبعاً لأنهم يعلمون أن الله سيُعوِّض بإذن الله تعالى، فهذا هو إذن، قال الله وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ۩ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۩، أي عبدٌ صلى الله عليه، لكن ما معنى هذا؟ يعني أن الله أعطاه سكينة وأعطاه طمأنينة وأعطاه رضاً، ولذا قال صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۩، والرحمة غير الصلاة أيضاً كما سيأتي، فالله يقول وَرَحْمَةٌ ۩، فيرضى ويطمئن، قال الله أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ۩، وهذا ليس بذكر الله كأن تقول الله يا الله، ولكن بذكر أن الله هو الفاعل المُختار – لا إله إلا هو – وهو الذي أحيا وهو الذي أمات وهو الذي أعطى وهو الذي منح وهو الذي منع وهو الذي رفع وهو الذي خفض، وتعلم أن له حكمة وراء هذا، وهى دائماً حكمة خيِّرة، فالله – لا إله إلا هو – ليس شريراً، حاشاه سبحانه وتعالى، وهذا يُعطيك هذه الحالة من الرضا، ولذلك المُتدينون لديهم هذا حتى من الذين في الغرب والذين لم يعودوا الآن يُحبِّذون تعبير مُتدين وما إلى ذلك وإنما يُحبِّذون كلمة الروحاني كما يقولون، أي الذي لديه أفق روحاني ومعنى روحاني، بمعنى أنه يُؤمِن بشيئ أكبر منه، لكن نحن لا نُؤمِن بشيئ أكبر منا، نحن نُؤمِن بالله الذي هو أكبر من كل شيئ وهو كما قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩، فنحن واضحون بفضل الله وهذا يُعطينا السعادة، فأنا مُتأكِّد من أن المُؤمِن الذي يفهم دينه يكون كذلك، فإن فهمنا ديننا حقاً هذا ينبغي أن يجعلنا أسعد الناس – والله العظيم – وأكثر الناس طمأنينة، ولكن سيبرز لي الآن مَن يقول لي اربع على ظلعك، رويدك يا رجل، رويدك رويدك، عن أي سعادة تتحدَّث ونحن أبناء مُجتمَعات مطحونة بالغلب والقهر والذل والفقر والخوف؟ وأنا أقول له صدقت ومعك الحق، ولذا انتبهوا فليس معنى أن الإيمان والقيم الروحية عامل أساسي ورئيس وإن لم يكن الوحيد في الإسعاد والإمتاع أنه بالضرورة أن يكون المُؤمِن سعيداً بمُجرَّد إيمانه تحت كل الظروف، فهذا غير صحيح وهو صعب جداً جداً، وهذه قد تكون حالة بعض الأولياء وحالة الأنبياء عموماً، ولكن هذه ليس مطلوباً لأن يكون حالة كل واحد منا، فنحن عباد عبيد وضعفاء ومعجونون من طين وماء، نحن أبناء الضعف وأبناء الاحتياج وأبناء الفاقة والعوز، ولذلك لابد أن أُشير هنا بهذه المُناسَبة إلى أن السعادة ليست نفياً للتعاسة، فليس بالضرورة إذا لم تكن تاعساً أن تكون سعيداً، لكن هذا هو التفكير الفرويدي، فسيجموند فرويد Sigmund Freud كان يُفكِّر على هذا النحو واتضح الآن أنه كان مُخطئاً بنسبة مائة في المائة، فبعض الناس يُفكِّر هكذا ويقول إذا لم أكن تاعساً فأنا سعيد، وهذا غير صحيح، فقد لا تكون بائساً تاعساً ولكنك لست سعيد، هناك نُقطة في المُنتصَف، لماذا؟ لأن السعادة والتعاسة قطبان مُتوازيان ومُتبادِلا الاعتماد، فالاعتماد مُتبادَل بينهما بطريقة حيوية، فلا يُمكِن لأحدهم أن يكون نفياً للآخر، هما قطبان مُتوازيان، بمعنى أنك قد لا تكون فقيراً ولا تكون مقهوراً لا بسجن ولا بأي شيئ آخر وقد يكون لديك المال الكافي والصحة والعافية والزوجة والأولاد والتعليم الحسن ولكنك لست سعيداً، وهذه حالة صنف من الناس، فقد يكونعنده كل هذه الأشياء وهو ليس تعيساً ولكنه ليس سعيداً، فالسعادة شيئ آخر، السعادة لا تتحدَّد بالنفي بمعنى ألا تكون تاعساً، لكن جوهر السعادة لابد أن يتحدَّد بشيئ إيجابي إن لم نخبره فلن نعرفه، فهو يتحدَّد بشيئ إيجابي وليس بالنفي كألا أكون كذا، ولكن إذا كنت فقيراً ومسجوناً ظلماً وما إلى ذلك هل أكون سعيداً؟ من الصعب جداً أن تكون سعيداً، ومن هنا نعود إلى الإمارات – دولة الإمارات – ونُثمِّر ونُبارِك ما فعلت ونقول مُهِم جداً ومطلوب جداً وليس فقط جيد جداً بل هو مطلوب جداً من الحكومات الراشدة الواعية التي تسهر الآن على سعادة رعاياها أن تُوفِّر لهم – كما قلت – الحدود التي تنفي التعاسة، وفي الحقيقة السعادة موضوع أكثر تعقيداً لكن لابد أن تنفي التعاسة، فمرفوض أن يعيش الناس فقراء في مُجتمَع الإمكانيات فيه طافحة بأن يعيش كل الناس فوق خط الفقر وبمراحل، ولكن بسبب الفساد والمحسوبية واللصوصية والفساد الضارب بأطنابه – كما يُقال – من أعلى رأس لأقل موظَّف حدثهذا، وطبعاً يُوجَد ناس تحتاز الملايير وناس لا تجد الملاليم، فما هذا النظام؟ ما هذه الدول؟ هذا الوضع هو وضع مُخيف ووضع كارثي ولا ينبغي أن يستمر، وأيضاً ممنوع أن يُسجَن إنسان ظلماً فضلاً عن أن يُقتَل ظلماً، ومعنى أن يُسجَن ظلماً ويُقتَل ظلماً هو ألا يحظى بمُحاكَمة عادلة نزيهة من قضاء مُستقِل لا يخشى إلا الله ولا يتبع إلا سُلطة الشرع والضمير، وليس قضاء التليفون الخاص بالذين يُقال لهم تخلَّصوا منهم فنحن لا نُريدهم ومن ثم اذهبوا بهم إلى المشنقة، فما هذه المُصيبة؟وطبعاً جدير بالإنسان أن يعيش تاعساً بائساً في هذه المُجتمَعات، فمن الصعب جداً ان يُفكِّر بعقلية السعداء، سعداء ماذا؟ وسعادة ماذا؟ لكن هذا ليس السعادة، ولكن هذا الشرط ضروري جداً جداً جداً جداً على طريق السعادة، أي أن تنتفي عوامل التعاسة والبؤس، ثم بعد ذلك يأتي سؤال السعادة، علماً بأن بعض الناس قد يرى في كلامي هذا فلسفة، لكن بالعكس العوام يفقهون تماماً ما أقول ولكن بطريقة فطرية، فكيف إذن؟ قد يُقال لامرأة عامية لا تكتب ولا تقرأ ولا تفك الخط فلان ما شاء الله ضرب ضربته أو الحظ – كما يُقال – أسعده ووفَّقه وتحصَّل على أول مليون دولار في حياته، فقد تسأل هذه المرأة العامية قائلة وهل هو سعيد؟ إذن هى تفهم أن السعادة ليست بالضرورة أن تأتي مع المال، فيبدو أن المال لا يشتري السعادة، ليس بالضرورة أن يشتري السعادة ولكنه قد يُساهِم في شرائها، فمن المُؤكَّد أن المال يشتري لك البيت الوسيع ويشتري لك ثلاثة قصور ويشتري لك الإجازات المُمتازة، فيُمكِن أن تعمل إجازات ليس فقط في البلد المُجاوِر وإنما إجازات في أشياء لا تخطر على بالنا نحن الفقراء المساكين، فبعض الناس يقضي ليلة واحدة في جناح في فندق لكن هل تعرفون كم تُكلِّف؟ تُكلِّف ثلاثين ألف دولاراً في ليلة واحدة لمدة خمس ساعات، فلماذا؟ يُقال لك لأن هذا الجناح صمَّمه المُهندِس العالمي آي. أم. بي   I. M. Pei – الأمريكي والصيني الأصل – بنفسه، والمُهندِس بي Pei هو الذي صمَّم الهرم الزجاجي في اللوفر Louvre، ولذا هو يتكلَّف هذا المبلغ لأن هذا الجناح في هذه الفندق – وهذه حقيقة أنا لا أُمثِّل – صمَّمه بي Pei، فيدفع الثلاثين ألف دولاراً في أربع ساعات، وبعض الناس يقول لك أنه لا يطيب له إلا أن يسعد هناك، فالمال يشتري لك المبيت في هذا الجناح، وهذا أمر عادي، ويشتري لك الإجازات المُمتازة والبيوت والسيارات الفخمة جداً جداً جداً التي قد تكون بنصف مليون بل وبمليون يورو، ويشتري لك التعليم العالي والمُمتاز والمُتميّز لأولادك، ويشتري الرعاية الصحية المُمتازة، ولكن هل يُمكِن أن يشتري السعادة؟ السؤال مشهور جداً جداً جداً، مبدئياً ليس بالضرورة، ولذا بعض أشهر المُنتحِرين كانوا من كبار أصحاب الملايين والملايير ومع ذلك انتحروا، وهو ما حدث في النمسا هنا، فمنهم من انتحروا وبعضهم انتحر في يوم افتتاح قصره هنا في فيينا، فقتل نفسه أمام التلفزيون Television، وهذا من حوالي عشرين أو خمس وعشرين سنة، وهذا شيئ غريب، لكنه يبعث رسالة ضاجة صاخبة للناس ويقول لهم افهموا ولا تضيعوا كما ضعت، لا تُضيِّعوا ولا تُهدِروا حياتكم كما أهدرت أنا حياتي، فهذه تُسمى النزعة المادية، ومن ثم يُقال لك هذا شخص مادي، لكن ليس المقصود طبعاً المادية الفلسفية وإنما المادية في علم النفس الآن فانتبهوا، لكن ماذا تعني النزعة المادية في هذا السياق؟ تعني أن الشخص يجعل همه ووكده وهدفه الرئيس ومُعظم جهده واجتهاده في سبيل مُراكَمة الأموال وكسب الأموال Earning Money، فهو يُريد المال باستمرار ولو على حساب الحب والطمأنينة والسكينة والعلاقات المتينة بل وحتى على حساب وقت الفراغ، فما رأيكم؟ لكن الناس التي تفهم ما هى السعادة يُعَد وقت الفراغ أمراً مُهِماً جداً جداً جداً لها، فهو مُهِم للإنسان وأنا لا أتخيل حياة تكون عملاً مُتصِلاً – عمل ثم نوم ثم استيقاظ للعمل – أبداً، فهذا مُستحيل لأن هذا هو الجحيم، هذا جحيم برنارد شو   Bernard Shaw، لكن لابد من وقت فراغ اُفكِّر فيه وأقعد فيه وأتمتّع وألهو وأُسبِّح وأدرس، فلابد من وقت فراغ أجد نفسي فيه، لأن لا يُمكِن أن تكون الحية على هيئة عمل مُتواصِل، من أجل ماذا يفعل أحدهم هذا؟ من أجل مئات الملايين أو المليارات بعد ذلك، وهو عنده مليارات ثم يموت ولم يُنفِق عُشر بُعيشيرها، فما هذه الحماقة؟ هذه حماقة ومن ثم أنت ضعت، وهذه هى الرسالة الضاجة لهؤلاء المُنتحِرين من أصحاب الملايين والملايير التي تقول لا تضيعوا ولا تُضيِّعوا أعماركم، انتبهوا وأعِدوا انتخاب وانتقاء أهدافكم في الحياة ليس بالمال وحده يعيش الإنسان فهناك ما هو أعظم.

نعود إلى الدراسة – دراسة هارفارد Harvard الطويلة الأجل – التي تحدَّثنا عنها، في الخمسين من أعمار هؤلاء السبعمائة والأربعة وعشرين رجلاً المبحوثين المدروسين – وقد اجتمعت معلومات كثيرة ملأت عشرات آلاف الصفحات كما يقول الباحثون المعنيون – لم يكن أو لم تكن نسبة الكوليسترول Cholesterol في الدم أو الأمور الأخرى والمُؤشِّرات الحيوية المُختلِفة أيضاً هى العامل الرئيس في إطالة الأعمار وتحقيق أعلى منسوب من السعادة، لم يكن الأمر على هذا النحو وهذا الذي فاجأ العلماء، فماذا كان إذن؟ الذي كان العامل الرئيس مرة أخرى هو العلاقات الاجتماعية المُمتازة، والنبي يقول الْمُؤْمِنُ آلِفٌ مَأْلُوفٌ، ومعنى قوله آلِفٌ مَأْلُوفٌ أن الناس يُحِبونه وهو يُحِب الناس ويُساعِد الناس والناس يُساعِدونه، فهو كائن اجتماعي حقيقي، ويبدو أن الإيمان أيضاً كما يُعادِل الأخلاقية يُعادِل الاجتماعية، فالمُؤمِن لا يكون مُتفرِّداً معزولاً مُنعزِلاً فتتآكله الوحدة، وفوائد السعادة التي تُعطيها مثل هذه العلاقات الحميمة القوية – Close – أكثر مما تظنون في هذه التجربة وفي غيرها أيضاً من أمثالها، ونحن قلنا أن من فوائدها العمر الطويل والزيجات الطويلة والصحة المُمتازة، وكذلك يكون التواتر المرضي أقل ويكون التماثل للشفاء أسرع، فحتى اندمال الجرح يتأثَّر، علماً بأن هذه تجارب معملية مخبرية، فالشخص السعيد إذا جرح يتماثل السعيد للشفاء أكثر من الشخص المُكتئب أو المضغوط، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، وهذا شيئ غريب،وطبعاً مُشكِلتنا نحن النوع البشري أن الضغط – Stress – والإجهاد يأكلنا أو يتآكلنا كالحمض أكثر مما نتخيَّل، لماذا؟ هذه ضريبة الذكاء وضريبة أننا نحمل فوق كواهلنا أدمغة كبيرة، يُوجَد ألف وثلاثمائة سنتيمتر مُكعَّب، فهذا الدماغ كبير إذن، وهذا الدماغ الكبير الذكي المُتخصِّص والمُعقَّد جداً قادر على مُعايشة التجارب الصادمة والضاغطة إلى أمد طويل، فلا ينسى طبعاً، ولذا بعض الناس يعيش معه الهم والحزن والشعور بالمرارة وبالمهانة وبالمذلة عشرين وثلاثين وأربعين سنة، أف ما هذا؟ وطبعاً هذا البشر يعيش تعيساً فانتبهوا، مثل هذا لا يكون إنساناً مُمتازاً، هو إنسان تعيس، أقرب إلى أن يكون إنساناً تعيساً، وطبعاً تأكله الأمراض وخاصة الأمراض القلبية والوعائية، وهذا طبعاً غير أمراض الروماتيزم والمفاصل وتراجع الذاكرة والزهايمر Alzheimer وما إلى ذلك، ويُوجَد كتاب لعالم إسمه سابولسكي Sapolsky وهذا الكتاب على ما أذكر إسمه Why Zebras Don’t Get Ulcers?، أي لماذا لا تُصاب حمير الوحش – حمير الزرد بالقرحة المعدية؟ والكتاب كبير وقد قرأته قبل حوالي عشر سنوات وهو لطيف جداً، ومُلخَّص هذا الكتاب العلمي المُحترَم أن حمار الوحش – Zebra – حين يُدهَم وحين يُهاجَم فإنه مُباشَرةً يكشف عن ردة فعل كالبشر تماماً، فتزداد نبضات القلب وتُصبِح الأجهزة فيه مغمورة بالكورتيزول Cortisol والإدرينالين Adrenaline ويلوذ بالفرار مثل البشر – سبحان الله – تماماً ولكن مع فارق – كما يقول المُؤلِّف – خاص به، وهو أنه بمُجرَّد أن يبلغ مأمنه ويبلغ المنطقة الآمنة وينقطع عنه الخطر بعد أن رأى الأسد يأس وعاد أدراجه مُباشَرةً يعود إلى سويته الحيوية، فتعود المُؤشِّرات الحيوية كلها تمام، لذلك لا يُصاب بالقرحة المعدية Ulcers، لكن البشر للأسف ليسوا كذلك، فالواحد منا قد يحدثمعاه حادث بسيط أو تُقال له كلمة – وأنا منهم – فيشعر بالألم، لأنه حساس للكلام جداً، ولذا من المُمكِن لكلمة يسمعها أن تُسمِّمه، يقول لك أن هذه الكلمة أشعرته بآلالام وبمهانة وما إلى ذلك، فهو يتألَّم جداً وتحدث له مشاكل بسبب هذه الكلمة، وكلما تذكرها يعود له الحزن والألم، ولذلك في الجنة لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ۩، وأنا سأكون صادقاً معكم وسأقول لكم أن العلماء الذين أنقل عنكم والذين قرأت لهم وأتعلَّم منهم – هؤلاء العلماء الكبار وهؤلاء المُتخصِّصون – يقولون أن البشر يتميَّز من حمار الوحش وغير الحمار الوحش ليس فقط بأن لديه هذا الدماغ الذي يُعيد مُعايشة التجارب الضاغطة والصادمة إلى أمد طويل وأحياناً أمد طويل جداً بل بأن هذا الدماغ أيضاً – والله هذا بالضبط هكذا كما قرأت – لديه القدرة على أن يُجهِدك وأن يضغطك وأن يُسمِّمك لأنه قادر على التنبؤ بالمُستقبَل، فقد يقول “أنا ارتكبت خطأ وسوف يحدث لي كذا وكذا، ولو حصل كذا سوف يحصل كذا، وأنا عندي فحص وسيحدث لي كذا كذا ثم بعد ذلك سأدخل في كذا، وماذا عن أولادي وبناتي الذين هم في الجامعة، سوف يحصل لهم كذا” وإلى آخر كل هذه القصص، وهذا لم يحدث أصلاً لكن هذا المسكين يفترض كل هذا ويُعايشه، والقرآن الكريم قال لك مادام الجنة دار النعيم ودار المُكافأة إذن لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ۩، لكن الخوف يكون من ماذا؟ هل الخوف من الماضي أم من المُستقبَل؟ الخوف من المُستقبَل، لكن في الجنة لا يُوجَد خوف، فالمُؤمِن في الجنة ليس عنده خوف ودماغه مرتاحة، طبعاً لن يُصبِح حماراً وحشياً – Zebra – بالتأكيد – هذا مُؤمِن جنائني – ولكنه سوف يكون مرتاحاً، ثم أن الله قال بعد أن قال لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ۩ قال وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ۩، فهو لن يحزن على على الذي فاته، وهذا تماماً ما يتحدَّث عنه العلماء الكبار المُختصون، فهذا سر السعادة أو سر التعاسة، إذا كان عندك خوف وعندك أحزان فأنت تعيس، وإذا لم يكن عندك خوف ولم يكن عندك أحزان وإنما عندك رضا وأمل فأنت سعيد، وأعود مرة أخرى لأتساءل أمل في ماذا؟ أمل في التعويض – كما قلت – وأمل في الامتداد، فأنا لدي شيئ فقدته ولكن عندي أمل أن الله يُعوِّضني دنيا وأخرى، وعندي بعد ذلك حالة لاذة مُنعِمة ناعمة هنية رضية أُريد منها أن تمتد ولا أُريد أن أفقدها، فالإيمان أمل، الإيمان هو الذي يُعطيني أمل أن الله يجعل أعمار مَن نُحِب أطول من أعمارنا، أليس كذلك؟ فيا سلام على آبائنا وأمهاتنا، كم أحترم هذا الجيل، بمقدار ما أنا تقريباً ساخط على جيلنا وعلى هذه الأجيال الثانية لأنها أجيال أنانية بمقدار ما أحترم هذه الأجيال السابقة، لكن هذه الأجيال الحالية أنانية، وقد وُجِدَ أن كل المُنتحِرين الذين دُرسوا – أي في الحياة الدراسية – يُكثِرون في خطاباتهم وفي سيرهم الذاتية وفي مكالماتهم من أنا ولي وعندي وخاصتي وما إلى ذلك، فكل المُنتحِرين كانوا كذلك، ما رأيك؟ وهذا معناه أن الذين لا ينتحرون عندهم نحن ولنا وعندنا وبنا وما إلى ذلك، فهذه الروح الفرديةوالأنانية والتمحور حول الذات من أكبر أسباب التعاسة، وقلنا أن عكسه هو العلاقات ومُسانَدة الآخرين، فالإنسان الأناني الذي لا يُفكِّر إلا في حاله هو بلا شك إنسان تعيس وتعيس جداً، وقد يكون في أحسن صحة بدنية وفي أحسن حالة مالية وحالة تعليمية ومكانة اجتماعية ولكنه تعيس جداً، فما رأيك إذن؟ وقد ينتهي به الأمر أو الحال – كما قلنا – مُنتحِراً، ومُعظم المُنتحِرين على الإطلاق يُعبِّرون بهذه الطريقة على عكس المُؤمِن، وعلماؤنا ومن قديم لاحظوا هذا وقالوا أن إسماعيل قال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ۩، ونحن نقول اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۩ ولا يقول أحدنا اهدني، فحتى لو كنت تُصلي وحدك وبغض النظر عن أي شيئ فإنك تقول أيضاً اهْدِنَا ۩ ولا تقول اهدني، وتقول إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ۩، فإذن إسماعيل قال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ۩، لكن في حديث موسى للخضر قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا ۩، فمع أنه قال إِن شَاءَ اللَّهُ ۩ لكنه لم يصبر، فدائماً كُن مع الجماعة، أنت قوي بالآخرين وسعيد بالآخرين أيضاً وليس قوياً فقط بهم بل أنت سعيد بهم أيضاً، فأنت تسعد بالآخرين لأن التمحور حول الذات مُصيبة كبيرة تأتي بالاكتئاب وقد تأتي بالانتحار.

إذن نعود ونقول يُوجَد أمل في التعويض وفي الامتداد، وكما قلت أنا مُعجَب بجيل آبائنا وأمهاتنا – والله – جداً، وعموماً هم أسعد منا وأحسن حالاً منا طبعاً مع أنه ظروفهم المادية أسوأ من ظروفنا بمراحل، ومع ذلك تسمع مَن يقول لك يجعل عمري أقصر من أعمارهم، فدائماً تدعو الأمهات هكذا، هى تُريد أن يكون عمرها أقصر من عمر زوجها وأقصر من أعمار أولادها، وتقول أيضاً ولا أذاقني الله حر فقدهم، وبلا شك هى تُريد هذا.

العالمان اللذان اقتبستهما اليوم أكثر من مرة أوردا في أحد فصول هذا الكتاب الماتع حكاية تخيلية من أجمل ما يكون، وهذه الحكاية هزتني، فهما يقولان لنا تخيَّل نفسك الآن وقد قُضيَ بك في الآخرة إلى الجحيم، جاءك ملك أو ملكان واقتاداك إلى بوابة جهنم، وعند بوابة جهنم وقف لك العفريت الملعون “إبليس” وقال لك هناك صفقة، سوف نعمل معاك صفقة – Deal – ما، فما هى؟ قال هذه الصفقة ستكون في صالحك – على طريقة إبليس طبعاً – ويُمكِن أن تتحرَّر وأن تذهب إلى النعيم – إلى الجنة أو إلى السماء كما يُسمونها باللغة المسيحية – بسببها، لكن ما المُقابِل؟ أن تفتدي نفسك بأحد مَن كانوا أحباءك، أي بأبيك أو بأمك أو بابنك أو بزوجتك أو بصديقك المُقرَّب جداً، فيذهب الواحد منهم مكانك وتذهب أنت مكانه، ثم يقول هذان العالمان لقد وجدنا أن مُعظَم الأشخاص الذين سألناهم هذا السؤال لم يُوافِقوا على هذا، فيا سلام على هذا الإنسان، الإنسان مع أنه فيه أشياء كريهة ولعينة لكن فيه أشياء نبيلة، فهذا هو الإنسان السوي الجميل السعيد، وهذه أشياء تُبكي – والله – جداً، فهما قالا مُعظم من سألناهم رفضوا هذا، ومرة أخرى أقول هم ليسوا عرباً مثلنا وهم لا يكذبون، فالواحد منهم قال لن أفعل هذا، سأختار ان أسقط في الجحيم على أن يسقط أحد مَن كنت أُحِب.

يا الله! قوة الحب قوة جبَّارة، ومرة أخرى سنعود إلى دوكنز Dawkins والتطوريين هنا ونقول حلِّل لي هذا وفسِّر لي هذا، هل يُمكِن أن يُفسَّر هذا بالجينات Genes الأنانبية الغبية الخاصة بك دوكنز Dawkins؟ هذا مُستحيل، هذا لا يُفسَّر بها أبداً، فحتى تخيلياً بهذا الدماغ الكبيرة لم يرض الواحد منهم بهذا في الآخرة، وقد تقول لي الآن هذا الكلام مُرعِب لأنني أعرف أشخاصاً ليسوا كذلك، وأنا أعرف أيضاً قبل أن تُكمِل أشخاصاً هكذاً، أعرف أشخاصاً يُمكِن أن يقذفنا في الجحيم الآن – الآن وليس غداًفي يوم الدينونة – سبعين مرة لا من أجل ألا ينشوي هو أو تُشوى عظامه في الجحيم بل من أجل مكاسب تافهة جداً يتنعَّم بها هو، فهؤلاء موجودون، وأنا أقول لكم أن هؤلاء هم أبالسة البشر وشياطين الإنس والجن، فهؤلاء شياطين الإنس حقيقة، لأن الذي لا يُحرِّكه شيئٌ مِن مُعاناة مَن سبَّب لهم المُعاناة والألم الرهيب الجهنمي في سبيل أن يحظى ببعض المُتعة وببعض المال وببعض السعادة وليذهب الآخرون – كما يقولون – إلى الجحيم هو من شياطين الأنس، أف هذا شيئ مُرعِب،ولكن ليس هذا هو الإنسان، فالإنسان عموماً ليس كذلك، وهذا جعلني أتساءل عن طبيعة وعن ماهية إبليس – الماهية الإبليسية – وفعلاً وجدتها بكلمة واحدة، فما هى؟الأنا، فإبليس أناني جداً جداً جداً جداً جداً، ولذا سبب تمرده على الله – تبارك وتعالى -هو شعوره المُنتفِخ إلى ما لا نهاية بذاته، ومن ثم قال له أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ۩، فهو يقول لله أَنَاْ ۩، والمعنى كيف تفضِّلوا علىّ؟ فأعوذ بالله ولعنة الله على هذا البعيد، فهو أناني بشكل رهيب، والأناني بشكل رهيب وبشكل لا محدود لا يُمكِن أن يشعر بالآخرين، لا يُمكِن أن يفرح بفرح الآخرين ولا يُمكِن أن يتسبَّب عمداً وإدراكاً في فرح الآخرين، بل بالعكس هذا الأناني وهذا الإبليسي وهذه الروح الإبليسية يُعبِّر عنها بلفظة ألمانية ليس لها مُعادِل في الإنجليزية، ولذا هى تُفسِّر تفسيراً لأن لا يُوجَد كلمة واحدة بالإنجليزية تُعادِلها، وهى كلمة (شادن فرويدا Schadenfreude)، فبالألماني يقولون (شادن فرويدا Schadenfreude)، لكن ما معنى (شادن فرويدا Schadenfreude)؟ الفرح بخسارة الآخرين وبمُصيبة الآخرين، وسيكون الأمر أحسن لو كنت Total schade، بمعنى أنك تكون مُدمَّراً بالكامل ومن ثم سوف يفرح حين تُدمَّر، وهذا هو إبليس لعنة الله عليه، وهناك بشر أبالسة على هذا النحو، وهم قلة قليلة، لكن هذه هى الروح الإبليسية، فانظر كم فيك من الروح إبليسية أو من الروح الإبليسية، ويا ليت اللغة تُطوِّر مُصطلَحاً إسمه الفرح بفرح الآخرين بكلمة واحدة لأن هذا غير موجود لا في الإنجليزية ولا في الألمانية، فما رأيكم؟ فقط يُوجَد (شادن فرويدا Schadenfreude)، لكن الفرح بفرح الآخرين والسعادة بسعادة الآخرين غير موجودة، فهذه اللفظة إلى الآن لا تُوجَد لا في العربية ولا في الإنجليزية ولا في الألمانية، ولا نعرف أكانت موجودة في اللغات اللبدائية ولغات البشر القريبين من الفطرة، وعلى كل حال هذا الموضوع طويل!

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد،إخواني وأخواتي:

وصلاً لموضوعة الأنانية والدوران حول الذات أُريد أن أختم الخُطبة بتساؤل وجواب وهو لماذا يظن أو يُقدِّر مُعظم الناس أن سعادتهم في أن يمتلكوا ما ليس عند الآخرين؟ وقد يقول لي أحدكم هل هناك مَن يفعل؟ لكي تعلموا إحدى أشهر المُقارَبات في فهم السعادة وتفكيك مفهوم السعادة في علم النفس الحديث والإيجابي تقوم على هذا المعنى، فإذا سألتهم ما هى السعادة وفق مُقارَبتكم؟ فإنهم يقولون بعد اللات والّلتيّا نحن وجدنا أن المرء يجد السعادة حين يمتلك شيئاً لا يمتلكه الآخرون وأحياناً حين يمتلكه بعد أن لم يكن مالكاً له، وقد يقول لي أحدكم كيف هذا؟ وسوف ترون أن مُعظم الناس كذلك، فما رأيكم؟ ونحن منهم وهذه مُصيبة ودليل صارخ على أننا بعدُ لم نفهم ما هى السعادة، فنحن لم نعشها ولم نخبرها ، لا نعرف ما هى السعادة، لكن قد تقول لي كيف؟ وأنا أقول لك أنت الآن تشعر بالفرح كثيراً بسبب الساعة الجديدة الثمينة التي اشتريتها بثلاثة آلاف أو بأربعة آلاف يورو، فلأول مرة يكون عندك القدرة الآن على شرائها، وقد تكون حصلت عليها من خلالها بيزنس Business أيضاً أو فوزت بها في اليانصيب، ولكن تخيَّل الآن وأنت في طريقك إلى المسجد هنا وعندك هذه الساعة التي قد يصل ثمنها إلى خمسة آلاف يورو أنك تفاجأت بأن كل الناس أو كل الصف الأول من الذين يجلسون معك عندهم مثل هذه الساعة، سوف تشعر بالإحباط طبعاً، ما رأيك؟ وكذلك الحال إذا اشتريت سيارة فارهة ومُمتازة بمائة وخمسين ألف يورو وأتيت إلى مكان ما أو حصلت على دعوة لحفلة من أجل فلسطين أو مصر أو غير ذلك فذهبت إلى هناك ووجدت أن كل السيارات الموجودة من نفس النوع بل ويُوجَد سيارات أحسن منها أيضاً، ففيها أشياء إضافية – Extra – وهى Full Options وليست كالتي لديك، فسوف تُحبَط وتكره الحفلة، وهذا يعني أنك ستكتشف أن هذه المُقارَبة صحيحة سواء عليك أو علىّ، وهذه معناها على ما يبدو أن جوهر السعادة – للأسف كما نعيشها غلطاً، فهذه السعادة مقلوبةً – أن نمتلك ما ليس عند الآخرين، فلو كل الناس أولادهم حصلوا مثل ابنك على تسعة وتسعين في المائة سوف تكون مُحبَطاً، لأن حتى ابني حصل على تسعة وتسعين في المائة وابن هذا حصل على تسعة وتسعين في المائة وهكذا، ومن ثم سوف تُحبَط وتجلس بطريقة عادية بعد أن كنت سعيداً وبعد أن أتيت وأنت ترفع رأسك بابنك وكنت تقول أنه حصل على تسعة وتسعين في المائة، لكن أنا ابني حصل على تسعة وتسعين في المائة فضلاً عن شهادة فخرية أيضاً من المُحافَظة، وبالتالي ستعود إلى منزلك وأنت مُتعرِّق وتعبان نفسياً، فلماذا إذن؟ ما القصة؟ هل نحن أنانيون إلى هذه الدرجة؟ هذا هو السؤال إذن، وهذا السؤال يتعلَّق به سؤال ثانٍ طبعاً، لأن هذه عملية تفكيك، فحاولوا أن تُفكِّكوا الأشياء، لا تعيشوا هكذا ببساطة وفكِّكوا وتعمَّقوا لكي يفهم كل أحد منكم نفسك، وكما قال سُقراط Socrates – وأنا أُحِب هذه الكلمة – أن الحياة غير المفهومة والتي ليس فيها مُعاناة الفكر لا تستحق أن تُعاش، فسُقراط Socrates يقول هذا بشكل واضح، لأن يجب أن تُفكِّر، وإلا لماذا أعطاك الله هذه الطنجرة الكبيرة المُسماة بالدماغ؟ هذه لا ينبغي أن تكون مثل طنجرة الطبيخ لأنه أعطاك إياها لكي تُفكِّر بها، ومن ثم يجب أن تُفكِّر، على مدار الأربع والعشرين ساعة فكِّر، فجزء من السعادة أيضاً يكمن في أن تُفكِّر، لكن بعض الناس يظن العكس تماماً، فمثلاً فلوبير Flaubert – جوستاف فلوبير Gustave Flaubert صاحب مدام بوفاري Madame Bovary – يقول السعادة هى غباء وأنانية وصحة جيدة، أما ألبرت شفايتزر Albert Schweitzer يقول السعادة هى صحة جيدة وذاكرة رديئة، وهذا صحيح ونحن رأينا لماذا، فهذا بسبب عدم وجود الخوف والحزن، فالذي عنده ذاكرة مُمتازة لا يكون سعيداً وسوف يظل يُعيد دائماً مُعايشة التجارب الأليمة، لكن الذي ذاكرته كالمُنخل يعيش سعيداً لأنه ينسى كل شيئ، فالواحد منهم يقول لك وضعت رأسي على السرير لكي أنام ونسيت كل حاجة، ولذلك يظل سعيداً مُبتهِجاً – اللهم اجعلنا من هؤلاء الهلافيت لأنهم سعداء – طبعاً.

على كل حال السؤال الثاني هو لماذا مُعظم البشر يستعدون للعمل على مدى عشرين سنة وثلاثين سنة وللتعب على مدار الأربع والعشرين ساعة وفي نهاية المطاف يُبذِّروا هذه الأموال في شراء أشياء قد تراها تافهة بكميات هائلة من المال؟ لماذا يحدث هذا؟ نحن سمعنا عن شخص قطري – لن نذكر إسمه – اشترى لوحة بول غوغان Paul Gauguin متى تتزوجين بمبلغ طائل، وأنا رأيت اللوحة لأنني أُحِب الرسم وحين كنت صغيراً كنت رسَّاماً، وعلى كل حال هى لوحة لسيدتين تجلسان وإسمها متى تتزوجين لكن هل تعرفون بكم اشتراها أو دفع فيها هذا القطري الثري؟اشتراها بثلاثمائة مليون دولار، فالأمر إذن لا يقتصر على شخص يعيش ليلة في جناح في فندق صمَّمه بي Pei بثلاثين ألف دولار، بل إن الأمر تعدى إلى هذا، فهذه اللوحة الصغيرة التي كانت في مدريد اشتراها هذا القطري الثري بثلاثمائة مليون دولار، ولن نذكر طبعاً أشياء ثانية أُخرى مثل شراب مارلين مونرو Marilyn Monroe وحذاء أنتوني كوين Anthony Quinn و سترة فلان وعلان، فهم يدفعون أموالاً عجيبة في مثل هذه الأشياء، وقد حدث هذا أيضاً في الإمارات، ففي الإمارات أثرياء يدفعون أموالاً في هذا، هناك مَن دفع ما يقرب من سبعة مليون من أجل أن يأخذ Kennzeichen – أي Gremm سيارة – سيارة عليها رقم خمسة، فدفع في الإمارات من أجل رقم خمسة فقط ما يقرب من سبعة مليون، وابن عمه بعده بسنة – في ألفين وثمانية – دفع خمسة عشر مليوناً لكي يأخذ Gremm سيارة رقمها واحد، فهو دفع خمسة عشر مليوناً ويرى أنها صفقة رابحة، فلماذا يفعل الناس هذا؟ لماذا تدفع هذه الأموال الكثيرة التي تعبت وعملت من أجلها وتعرضت لمُخاطَرات في هذه الأشياء؟ بعض الناس من علماء النفس الكبار وعلماء الاجتماع يُجادِل ويقول أن السبب ببساطة هو لأننا سطحيون وماديون وزُخرفيون، فنحن نظر للزخارف فقط، لكن هذا ليس تحليلاً عميقاً، وبعض الناس في الطرف المُقابِل تماماً – وأنا ضد هذا الطرف تماماً أيضاً وغير مُقتنِع به وعندي أدلتي – قال لأن الإنسان أكثر جوهريةً – More Essential – مما نتخيَّل، فهو يُحِب الجوهر ولا يُحِب المُقلَّد بل يُحِب الشيئ الأساسي، وهذا غير صحيح، لكن هل عرف لماذا؟ لأن الدراسات كشفت عن أن المُختبَرين حين سُئلوا هل أنت مُستعِد أن تدفع – مثلاً – مليون دولاراً – لو عندك – في سُترة – مثلاً – للمُمثِّل الفلاني؟ فقالوا نعم، ولكن ماذا لو مُنِعت من إشهار هذه الصفقة؟ بمعنى أن عندك الحق في أن تدفع مليوناً وتأخذ السُترة الخاصة بسيلفستر ستالون Sylvester Stallone – مثلاً – لك وتكون حلالاً زلالاً لكن ممنوع أن تتحدَّث عنها مع أي أحد وأيضاً ممنوع إعادة البيع، وجدوا أن كل المُختبَرين خفَّضوا قيمتها تماماً، فقالوا مليون رقم كبير، لن ندفعها فيها مليوناً، يُمكِن أن ندفع فيها ألف دولاراً أو ألفين دولاراً وليس أكثر من هذا، وهذا يعني أن في القلب من هذه الأشياء يُوجَد مرض التباهي وحُب التباهي، فيقول أحدهم أنا غير الكل وأن عندي ما ليس عندكم كما قلنا، فهم يظنون أن السعادة في أن يكون عند الواحد منهم ما ليس عند الآخرين، لكن السؤال الآن هل هذا يدل على أنانية الإنسان – أنه أناني وهو بلا شك أناني – أم يدل على فقر الإنسان؟ أنا أقول لكم أن هذا يدل على فقره أكثر مما يدل على أنانيته – وبهذا أختم لأن الموضوع مازال طويلاً ومُعقَّداً – لكن كيف؟ لأن هؤلاء إذا سألتهم سيقول لك الواحد منهم إذا أردت أن أكون واضحاً معك فسأقول أنني أُحِب التميز، أي أُحِب أن أكون مُتميِّزاً، وأكثر من هذا أُحِب أن أكون فريداً Unique، فلا يُوجَد مَن هو مثلي، لكن في الحقيقة يُوجَد مَن هو مثله بطريقة أو بأخرى لكن الأشياء التي يحتازها هى التي قد لا تكون موجودة، وهذا المسكين الآن ظل يتماهى مع المُتخارِج ومع أشياء ليست حقيقية، فهو تماهى مع لوحة و مع Gremm سيارة ومع غير ذلك، وأنا أقوله أن هذا كله ليس أنت، وأنت غداً سوف تموت، فهذا كله ليس أنت بالمرة، لكن هذا المسكين ظل يتماهى مع هذه الأشياء دون أن يدري وقال لك هذه الأشياء تُعطيني الفرادة Uniqueness، ولذا أشعر أن لا أحد مثلي، فأنا الوحيد الذي يمتلك هذه اللوحة مثلاً، وبالمُناسَبة هيرمان جورينج Hermann Göring – أنتم تعرفون جورينج Göring، وهو الشخص الثاني بعد هتلر Hitler والأب الروحي للجستابو Gestapo وهو أُعدِمَ طبعاً، فهو أحد القلة الذين أُعدِموا في مُحاكَمات نيرنبرغ Nuremberg – كان مهووساً بجمع اللوحات النادرة، وهتلر Hitler كان يمتلك لوحتين – طبعاً عنده مئات اللوحات غيرهما – للفنان فيرمير Vermeer، لكن جورينج Göring لم يكن عنده ولا لوحة، فذهب وطاف أوروبا وسرق ونهب ودفع مالاً كثيراً وبعد ذلك أخذ من تاجر هولندي إسمه هان فان ميجران Han van Meegeren – لوحة لفيرمير Vermeer بما يُعادِل الآن عشرة ملايين دولار، وفرح جداً جورينج Göring النازي بها لأنه يُحِب الفن، فهذا النازي والمسئول رقم واحد عن قتل الناس وإباداتهم كان يُحِب الفن، وبعد ذلك لما سُجِنَ جورينج Göring طبعاً – سيحظى بحكم بالإعدام ويسبقهم إلى قتل نفسه بجرعة من السُم بليلة واحدة – قُبِضَ على ميجران Meegeren – هان فان ميجران Han van Meegeren – من البوليس الهولندي بتُهمة الخيانة العُظمى، وقيل له هذا يستوجب الإعدام، كيف تُتاجِر في لوحات نادرة وهى ملك للبلد وتُعطيها للنازيين؟ لكن بعد أسابيع من السجن قال لهم في الحقيقة أنا لست خائناً لكن أنا مُزوِّر، فقالوا كيف تقول أنك مُزوِّر؟ قال هذه اللوحات أنا مَن رسمها، فهى ليست لفيرمير Vermeer، فلم يُصدِّقوا هذا في البداية وقالوا له يا رجل غيِّر وبدِّل ما تقول، فقال ائتوني بالأفيون – ميجران Meegeren يُحِب الأفيون ولا يستطيع أن يشتغل إلا بالأفيون -والمشروبات الروحية وأدوات الرسم وسوف أرسم لكم مثل هذه اللوحات، ولن أرسم لوحة واحدة بل لوحات، وقد ضحكت على أُناس كثيرين، فأنا مُزوِّر كبير، وبالفعل رسم نفس اللوحات فأدهشهم، وحُكِمَ عليه بسنة واحدة فقط ومات بطلاً هولندياً لأنه ضحك على النازيين وأخذ أموالهم، لكن ليست هذه القصة المُرادة الآن، فهذه قصة ميجران Meegeren ونحن نُريد قصة جورينج Göring، يقول كاتب سيرة جورينج Göring حين وصله الخبر قبل إعدامه وعرف أن اللوحة التي اشتراها ودفع فيها كذا وكذا هى لوحة مُزوَّرة وهى ليست لفيرمير Vermeer أُحبِط إحباطاً تاماً، ثم يقول كاتب سيرة جورينج Göring بالحرف مُستتلياً: وأبدا كما لو أنه لأول مرة يكتشف وجود الشر في العالم، أي كأنه يلعن هذا العالم الذي فيه أشرار، فهذا العالم فيه مُزوِّرون ولذا هو لأول مرة يشعر بالشر، فهو حرق الأطفال والناس ولم يشعر بالشر إلا الآن، والآن السؤال لماذا هذا؟ هل جورينج Göring حريص على روح الفن وعلى تلك اللحظة الإبداعية الخالدة في الفن كما يقول صاحب كتاب غريزة الفن؟ هذا غير صحيح، هو فقط يُحِب أن يكون مُتفرِّداً ويُحِب أن يكون مُتميِّزاً، لكن لماذا؟ ما معنى أن تكون مُتفرِّداً؟ هل معنى هذا أن تعيش وحدك؟ ليس معناه هذا بل بالعكس هذا سوف يكون العذاب كله والجحيم كله إن عشت وحدك، لكن هذا يعني أن مثل هذا الشخص يُحِب أن يكون معنا وهو ليس معنا، فهو معنا لكي نقول له أنت لست مثلنا ولكن أنت أعظم منا وأنت أرفع منا، فإذن هو فقير إلى ماذا؟ إلى نظراتنا، إلى كلمة واو Wow منا، إلى اندهاشنا وإلى ثنائنا عليه، إلى مقالات تُكتَب عنه وعن مقالاته، ولذا هو فقير، إنه الفقر الروحي والنفسي عند الإنسان، علماً بأن هذه الخُطبة على ما أعتقد لابد أن يكون لها جزء آخر نكشف فيه – أي في هذا الجزء – كيف يُحقِّق الإيمان في عمقه السعادة الحقيقية التي لا تقوم على النفي ولا تقوم على التمايز الكاذب هذا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (26/2/2016)

Comments

comments

شاهد أيضاً

جبرية الملاحدة

جبرية الملاحدة

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

21 تعليق

  1. نحن نبحث عن شيء لم يتم اصلا ادارجه في نظام هذة الدنيا …!!! و نظام هذة الحياة قائم علي الفناء .. و الانتهاء .. فهل السعادة هي أن استشعر السعادة ثم تنزول بول المؤثر ..؟؟ هذة ليست سعادة بل مسكن سعادة … أعتقد أن الله الذي خلقنا و اسكنها هذة الأرض لعمل معين و وظيفة محددة و لم يزكر لنا أن الحياة فيها سعادة بل كدح و ابتلاء و كرب … تؤدي فيها ما طلب منك تنال خيرها المحتوم ثم تنتقل لمرحلة اخري أبدية … هي المقياس الحقيقي لسعادتك أم لتعاستك … فلا سعادة بهذة الحياة … بل وهم سعادة .

  2. نحن نبحث عن شيء لم يتم اصلا ادارجه في نظام هذة الدنيا …!!! و نظام هذة الحياة قائم علي الفناء .. و الانتهاء .. فهل السعادة هي أن استشعر السعادة ثم تزول بزوال المؤثر ..؟؟ هذة ليست سعادة بل مسكن سعادة … أعتقد أن الله الذي خلقنا و اسكنها هذة الأرض لعمل معين و وظيفة محددة و لم يزكر لنا أن الحياة فيها سعادة بل كدح و ابتلاء و كرب … تؤدي فيها ما طلب منك تنال خيرها المحتوم ثم تنتقل لمرحلة اخري أبدية … هي المقياس الحقيقي لسعادتك أم لتعاستك … فلا سعادة بهذة الحياة … بل وهم سعادة .

  3. السلام عليكم و رحمة الله
    خطبة جميلة لم أكن أنوي التعليق لسببين الأول مزاجي معكر و الثاني أردت أن أستفيد …
    و السبب الذي حفز أناملي على الكتابة هو ذكرك لحب الرسم منذ الصغر ،كنت متأكدة من هذا آكتشفت هذا بأسلوبك في الخطابة لأن لوحاتك أقصد خطبك عبارة عن أعمال فنية محضة تستعمل فيها أطيافا من ألوان و أبعاد تخلب الالباب أنت فنان حقيقي و بصراحة أنا أتعلم منك الفن و لهذا أسمع لك أفتح آفاق ذهني و نفسيتي لأطور قدراتي الخيالية و تفكري الواقعي وأضبط جنوني ……. الفن بالنسبة لي هو السعادة ..هو نقطة البداية بعد كل نهاية في صغري كنت فاشلة في كل شيء لم أستطع حب ما أحب لكن الرسم كان سؤالا امتد في ذهني و لم أزاوله قط كما باقي الاشياء التي كنت أحبها …السمة التي يتصف بها أي إنسان من الصعب ان تتغير مع الزمن و الألوان هي الوسيلة السحرية التي تغير ما لا يتغير و تخلق الحياة من الموت و تلد السعادة من عمق البؤس و الشقاء …الانسان خليط من ألوان تركبه ان تمكن من ايجاد لوحة حياته برسمها واخراجها للواقع بممارسة الحياة بفن فهو فنان و الفنان أحيانا يعطينا نمودج من خطاب آخر يتحدى الموت و العالم و المصائب … ااسعادة وليدة الشقاء و اايأس يلد الأمل كما يولد الصبح من رحم الظلام و من تمرس على العيش في رحم السواد يتعلم كيف يخرج الألوان من بطن العتمة و هكذا رأيك ترسم و في كل خطبك لم أكن أراك الا فنانا يرسم بريشته أحلام الناس ….بيني وبين نفسي كنت أتسائل إن كان عدنان يرسم ما هو شكل لوحاته لا يمكنني أن أتخيل أني أرى لوحة من لوحاتك سأجن حقا …

    • احببت تعليقك

    • الى Beerra ddii: اعتقد انك لست موهوبه في الرسم فقط, فاني ارى فيك كاتبا روائيا او شاعرة من شعراء الشعر الحر.

      تحياتي

      • بارك الله فيك أخي لم يسبق لي و أن جمعت بين سطرين لأكون كاتبة روائية أو شاعرة الا أن الدكتور عدنان يجعلني أمزج بين ألوان ذاكرتي أما الرسم فلست رسامة …هو بالنسبة لي وسيلة تبقيني حية جسر أتواصل به مع العالم أو بطاقة تعريف…..أخرى شكرا لك على دفئ كلماتك و طيبة قلبك تحياتي

  4. أعلم تماما أنك د.عدنان لا تحب المنتحرين كما هو معلوم أن الناس لا تحب الفاشلين .
    الحب بين الناس مبني على المضاهر و الشكليات……… يعجز الناس عن حب
    الاشرار و السيئين و اللا أخلاقيين و المنتحرين و الفاسدين و الخاسرين و الأغبياء و المعوقين و السود و المشوهين
    و لهذا نبني مجتمعات منافقة تدعي حب الجمال .
    مؤخرا بدأت أخرج مع شباب صغار على أساس أنني واحدة منهم فعشت معهم جنونهم لمحاولة فهمهم فوجئت اننا نحن الكبار نعيش الوهم الصريح …بدا لي و كأن العالم مجرد خدعة سينمائية تهت لبضعة أيام
    لم أعرف كيف أثبت عقلي فالفساد الذي نراه فسادا و الانحلال الاخلاقي و الدعارة و التعاطي للمخدرات و المثلية الجنسية و الاجزام من سرقة و قتل و اعتداء ما هي الا ثوابت معززة في لا وعينا نحن الكبار نمررها عبر جيناتنا لأولادنا ليفصحو عنها بحرية أكبر لا تهتم للنفاق الاجتماعي و للتربية السطحية المبنية على النفاق و المراءات …. استنتجت بأن الامومة أو الابوة شيء رباني يكاد ينعدم بآنعدام العلم, مجتمعاتنا فاسدة أبا عن جد بسبب النفاق و الجهل لأن التربية علم و ليست فوضى و عشوائية ….من السهل أن تنزع عن الكبير اطاره ليسقط في أكبر زلة في رمشة عين و هذا يتبين أن القشرة التي يتغطى بها معضمهم خلفها شخصيات متجبرة أنانية تحب نفسها و فقط لأنه من المستحيل أن أحب أولادي ان لم أفكر في ترك طريق معبدة سليمة لهم يمشون فيها بسلام ..نحن مجتمعات أنانية عنصرية بغيضة جدا منافقة …فنانة في الكذب و عند التحقيق تحار العقول . معضم الاباء ينتضرون من أولادهم أن يحبوهم مقابل كونهم أباء و كأن الانجاب هو أعضم انجاز في الوجود….و عندما يتمرد الابن و ينحرف لا يحزن الآباء الا على فقدهم حب أبنائم و هذه لعنة حقيقية …. نعم هناك ضاهرة تقترب من أن تصبح موضة الانتحار بين الشباب و سببها الرئيسي هو التربية المجنونة الخالية من الحقيقة المبنية على الفراغ العاطفي و الروحي المليئة بالتخلف و الدنس الاخلاقي الذي يحاول الابوين أخفائه و العيش بأقنعة وهمية في الكذب الممتد وهم يحاولون اخفاء قبح وجوههم المفزعة الموحشة التي لا تخفى الا على صاحب القناع, المريض الذي يعتقد أن لا أحد يرى وجه الوحش الحقيقي الذي يحمله.
    المنتحر …ربما يرى الأمور أو رأى كل شيء بشكل واضح و لم يعثر على اطار يفسر له حقيقة ما يرى فكان الانتحار الجاذبية القسوى التي تجيبه عن كل الاسئلة التي جالت و تجول برأسه …………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………

  5. هناك نقط مهمة جدا و مختلفة تطرقت لها في هذه الخطبة ستوجب التحليل الطويل و أهمها تأثير الكلمة على الانسان و الامل في التعويض و الرضى
    الانسان مبتلى و الكلمة هي بلوى كما هي نعمة و الذاكرة كذلك الفرق بين التذكر و التسمم هناك هوامش عريضة يمكنها أن تتقلص حسب الوعي و الادراك
    الحيوان شبه آلة مبرمجة غرزيا بعكس الانسان الذي هو حالة متغيرة و غير ثابتة الا من ثبته الله بالطمأنينة و الرضى
    الانسان مخلوق يتعاطى مع الحرية و لهذا لا ينسى و يتأثر و هو ممتحن في أختياراته ..
    المحب الحقيقي ربما ينسى الامل فيالتعويض لأنه لا يغيب عن فكره أن الله حكيم و دماغه مشغله في التفكير في نهاية اللعبة كيف ينهيها فائزا أو خاسرا لا يهم المهم المشاركة …………………………..

  6. عندما نتحدث عن أمر ما، يجب أن لا يخرج السياق عن الأمر فيصبح الحديث كله خارجٌ عن سياق الأمر. الأمر هنا البشر و سياق الأمر السعادة أهي فطرية أم تنموية؟

  7. أطيب التحيات و الأمنيات بحياة مليئة بالسعادة و الفرح و السرور كما سُررنا بهذا الخبر _ انشاء وزارة للسغادة في الامارات و سبحان الله كنت هذا الأسبوع أشاهد قناة عجمان و من خلال مشاهدتي لها انعقد عندي انطباع بأن هذه البلاد أهل لأن تنشر السعادة في العالم ليس لأن لديها المال فحسب بل لأن لديها ما يرقى بالحس و الشعور الانساني نحو المعالي ليطرق أبواب السعادة الحقيقية من خلال توظيف السمع و البصر خير توظيف حيث المنظر الساحر الجميل و الكلمات الطيبة و اللحن الجميل .. نسأله تعالى التوفيق لتلك السيدة وزيرة السعادة في مد ظلال السعادة نحو كل البلاد لتتحقق فعلاً فكما قال الشيخ عدنان : أكثر ما يبعد عن السعادة التمحور حول الذات و الأنا و حب الشهرة أكثر من حب اسعاد الناس فليتنا نرى تلك البوادر الصادقة و الحقيقية في مجالات كثيرة و واسعة لأن الله تعالى حتماً سيؤيدها و يؤازرها اذ انطلقت من ما يرضيه سبحانه ولعل آية ( و أيدهم بروحٍ منه ) تعني التأييد بالقرآن لأن القرآن الكريم هو روح منه عز و جل ( كذلك أوحينا اليك روحاً من أمرنا ) و لهذا التأييد صور و دلالات كثيرة منها وضع القَبول في الأرض أي استحسان كثير من الناس لأعمال فلان منهم جعلنا الله و اياكم ممن يستخدمهم الله سبحانه و تعالى في عزائم الأمور و مراضيه فحتى الحيتان في البحار تدعو لمعلم الناس الخير جزى الله عنا الدكتور خير جزاء

  8. ،إذا ما ولجنا تخييلا في العوالم النفسية ،فحتما سنكتشف أن الذي يرتبط حبل أحاسيسه بما يُحقق نزعة الكمال الآدمي ،وبالتالي ،السعادة بجلب انتباه الآخرين ،صوبه ،ليس هوذاك المُتميَز ،الجاثم على قمة القيادة ، المُخالف للأعراف ،بقلب موازين المدارك ، بما يأتي به من سلوكات وأقوال،مُثيرة للتعجب أو الإمتعاض ،ولن يكسب ودا أو إعجابا ،وإنما تمشي المبتغيات على قفاها ،،،ومع ذلك ،ولو في جزيرة نائية تتموقع أفكاره المُغاييرة،ومشاعره في عزلة مُحببة قصد التأمل في الأوضاع،والإبتكار ،فلايمكن الجزم بأنه تعيس.
    إذن ليس هو الحكم ذاته الذي وجب أن تُبنى على أرضيته ركائز الإعتقادات مابين العادي من الناس، والمبدع أوالعبقري
    إنَما تختلف أنماط السعادة باختلاف الرؤى، والتشكيلات الفكرية .

  9. خطبة رائعة رغم انس لم اسمع الخطبة لانك عودتنا على الخطب الرائعة…

  10. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أريد أن أسأل د. عدنان حول قضية مهمة جدا وقد أثرت في بعض خطبه قائلا نحن عندما كنا شبابا لم يخطر حتى في بال بعضنا أن يتزوج امرأة كافرة لادين لها تشرب أحيانا بعض الخمر وتأكل الخنزير يجد هذا شيء مقزز فحينها تأثرت كثيرا لأنني احببت فتاتا بوذية فراسلتها عن طريق الفيس بكل تعبير صادق مني عن حبي لها هي لم تجبني بل لم تلقي لي بال ولاكن كانت ترسل لانها تدرس الموسيقى كانت ترسل لي دائما فيديوهات لي ليست لي ولاكن لانها على حسب مالدي من الذكاء اعرف انها قامت بنشر كل تلك الفيديوهات من أجلي فارسلت فيديو على قناتها في اليوتيوب وهي تغني لأجلي وانا متأكد مما اقول ولاكنها لا تحب أن تراسلني وكانت تغني بحزن شديد الأمر غريب حقا انا والله والله والله مررت بفترة عصيبة كدت أن اخسر فيها حياتي لاافكر إلا بها لاارى إلاهي لم أكن اعلم شيئا عن هذا لعالم حتى دخلته شيء صعب علي احببتها جدا وبت لايخلوا عقلي منها إلى الآن الأمر خطير جدا والله حاولة أن كلمها عن الإسلام بنشر فيديوهات من يوتيوب لعدنان لها وانا أعلم أنها تراهم لكنها لاتجيبني عمرها الآن 20 عاما الآن انا محطم في سني 18 عاما ونزلت علي كل المطارق فماذا علي أن أفعل ماذا وانا مقهور ارجو من اخواني أخواتي نصيحة وكيف يحدثني د.عدنان شخصيا عبر الهاتف ارجوكم اخواني في الله.

  11. أجيب على عنوان الخطبة ب [ نعم ما دمت موفقة لأن أضع نفسي في أجواء مُسعدة ] و التفاح المتعفن يصبح أطيب الأطايب و يتكلم بلغات العالم كله ما دام يصدر عن يد بيضاء معطاءة كريمة ….

  12. اسماعيل لبصير

    خطبة أكثر من رائعة و الجزء الثاني منها كان الأروع لأن فيها مقدمة لجوابات عن أسئلة تمثل معانات الإنسان في بحثه الدائم وسعيه الدؤوب [ المحموم ] عن المعنى الحقيقي للسعادة
    إن موضوعة السعادة تستأهل وقفات كثيرة وكل منا معني بذلك لأن طلب السعادة اختصاص إنساني يأتي في المترتبة الأولى من اهدافه وغاياته، وموجبات السعادة تختلف باختلاف الأشخاص ( المزاج.. الثقافة.. الميول.. إلخ) نعم هناك العناوين الكبرى للسعادة ولكن في الأخير تبقى السعادة شعوراً ذاتيا ينبع من رؤية الإنسان للأشياء والمعاني، فليس من الضروري مايسعد انسان يسعد آخر، وقد لا يدري الإنسان في سعيه الدائم منفلت العقال وراء السعادة أنه يبحث عن شيء آخر وهو النشوة واللذة وقد يعلق في هذا الفخ ويبقى أسيراً بلا فكاك، وبدون شك النشوة جزء من السعادة لكنها سعادة لحضية وارضاء لغريزة أما السعادة الحقيقية شعور ممتد من السرور كما قال الدكتور عدنان (رضا.. وأمل..) وبما أن الإنسان كائن اجتماعي بامتياز لا يمكنه أن يكون سعيداً لوحده فأكبر محدد للسعادة هو بإزاء من…؟ ومن ثم هناك نوعان من السعادة، الأولى بإزاء الآخرين والثانية سعادة مع الله، نرجوا من الدكتور عدنان ابراهيم بعد أن يفرغ من تفكيك معادلة السعادة مع الآخرين أن يعرج بنا إلى خفايا وأسرار السعادة مع الله، ذلك العالم البهيج مصدر النور والضياء منتهى السعادة الحقيقية.

  13. قصة اختبار في التوازن : أراد ملك أن يعين وزيراً له يعمل لديه في القصر فأتوه بأحدهم ممن يتوسمون فيه الخير فقال لحاشيته اذهبوا به فعرفوه على القصر و أعطاه ملعقة فيها زيت و قال له إياك أن يقع الزيت أثناء سيرك فذهب و لم يكن همه إلا أن لا يقع الزيت من الملعقة لذلك لم يتعرف على أيٍّ من معالم القصر فرجع و سأله الملك : ما انطباعاتك عن قصرنا ؟ فوقف واجماً لم يجبه بشيء فقال له لا نعطي الأهلية لمن لا يعرف المكان الذي سيتعين فيه أعِد ثانيةً ، فذهبَ و أمسك بالملعقة و استمتع بالنظر في كل ناحية من أنحاء القصر و أقسامه فما انتهى سيره إلا و الملعقة خالية قد انسكبَ منها الزيت فخسر الاختبار و ما فاز بشرف الوزارة … العبرة أننا لن نجد فينا الإنسان الحر عالي القدر و الشأن مالم نتوازن و لن نتوازن في رحلة حياتنا ما لم نستند إلى كبير وعظيم يدبر كل الكون اسمه [ رب العرش العظيم ] و ما لم نعتصم بحبلٍ هو من عند الذي خلقنا و أنشأنا فما نحن إلا أصفار تحتاج إلى واحد بجانبها ليصير لها معنى و قيمة ، و إن كانت حبالنا بربنا مهترئة بعض الشيء فهناك فرص لتفتيلها من جديد و إصلاحها عبر إيقاظ بصائرنا و ضمائرنا و النظر إلى ذلك التقويم العالي الذي خلقنا ربنا فيه فلا نحصر أنفسنا ضمن إطار مكانة نعمل عليها ليل نهار ليُقال لنا عندئذٍ { اعملوا على مكانتكم إنا عاملون } فكم الفرق شاسع بين المكانة ( الهابطة ) و التقويم ( العالي ) بل حريٌ بالإنسان كونهِ إنساناً مرموق الشأن أن يخرج عن هذا النطاق الضيق ، و من رحمته سبحانه بخلقه أنه أعانهم على ذلك بوجود الصالحين المصلحين الأبرار فما شغلتهم في هذه الحياة إلا تفتيل الحبال بين العباد و ر بهم و إصلاح ما اهترأ منها … شكراً جزيلاً للدكتور عدنان في تناوله مواضيع جوهرية في صلب و أعماق الحياة الإنسانية للرقي بها و السموّ نحو الآفاق و التقويم الشريف الذي هيأ الله عباده له …

اترك رد