تطور الإنسان – الجزء الثاني

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المُرسَلين سيدنا محمد بن عبد الله النبي الأمين وعلى آله الطيبين وصحابته المُبارَكين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً.

أما بعد، أحبتي في الله، إخواني وأخواتي: السلام عليكم ورحمة الله جميعاً وبركاته،ومع الحلقة الثلاثين من سلسلة التطور، وقفنا في نهاية الحلقة التاسعة والعشرين عند الحديث عن الخصائص الكُبرى والميزات المُهِمة للرئيسات، ونُكمِل الحديث – إن شاء الله – في هذه الحلقة ونبدأ بالقول نحن الهومو ساپيانس Homo sapiens أو الإنسان العاقل النوع الوحيد الآن من أشباه الإنسان الذي لايزال حياً باقياً، علماً بأن أشباه الإنسان تعني Hominidae، فهناك الهومينيد Hominid وتُجمِع باللاتينية Hominidae، فالهومينيد Hominid أو Hominidae تعني بدقة أشباه الإنسان الأولى أو الأول، والـ Hominidae هذه عائلة، وهى عائلة أشباه الإنسان الأول، لكن ما معنى أشباه الإنسان أو أشباه الإنسان الأول؟ باختصار أشباه الإنسان الأول هى رئيسات، يعني إنسان وقرود وما إلى ذلك، ولكنها طبعاً قرود قبل أن تأخذ الصيغة النهائية، فكل هذه قرود، أي هى إنسان وقرود، فهى رئيسات مُنتصِبة القامة، وهذا مُهِم جداً، فإذا قلت ما هى الـ Hominidae أو الهومينيد Hominid؟ أو قلت ما هو شبيه الإنسان الأول؟ فإنه من الرئيسات التي تمشي مُنتصِبة القامة، وهذا مُهِم جداً، لكن لماذا؟ لأنه سيدفع توهماً قد يقع فيه بعض الناس حين يسمع مثلاً بالهومو إريكتوس Homo erectus ويظن أن أول حيوان مشى مُنتصِباً هو هذا الإريكتوس Erectus، والإريكتوس Erectus هو المُنتصِب، فحين يسمع بالهومو إريكتوس Homo erectus أو الإنسان المُنتصِب سيظن أن كل ما قبل الهومو إريكتوس Homo erectus – الهومو إريكتوس Homo erectus قبل اثنين مليون سنة -لم يكن مُنتصِباً، فإذا سمع أي شيئ من أنواع الجنس المشهور بالقرد الجنوبي الأسترالوبيثكس Australopithecus سوف يقول الأسترالوبيثكس Australopithecus معناها أنه يمشي على أربع، وهذا غير صحيح، فكل أشباه الإنسان الأول مُنتصِبة، كلها مُنتصِبة وتمشي واقفةً وتمشي وتسير سيراً ثنائياً Bipedal، لكن لماذا قلنا هومو إريكتوس Homo erectus إذن؟ لماذا هو إريكتوس Erectus؟ هذا الهومو إريكتوس Homo erectus ليس أسترالوبيثكس Australopithecus، هذا من جنس الإنسان، أي الإنسان المُنتصِب، وطبعاً منطقياً لا يلزم من كون الإنسان مُنتصِباً في الهومو إريكتوس Homo erectus أن يكون الأسترالوبيثكس Australopithecus غير مُنتصِب، فهذه ليس لها علاقة بتلك، وفي الحقيقة فقط كلمة أشباه الإنسان تُفهِمك أن كل ما ينطوي تحت هذه العائلة كان مُنتصِباً، وهذا مُهِم جداً، فكلها إذن كانت تمشي، وبالتالي إذا سمعت الآن أي مُصطلَح فيه أسترالوبيثكس Australopithecus اعلم أنه يمشي على قائمتين Bipedal، وأي مُصطلَح فيه هومو Homo – أي هومو Homo – معناه أنه يمشي أيضاً على قائمتين، هو هذا، فإذن هذا معنى الـ Hominidae أو عائلة أشباه الإنسان الأول.

إذن نحن البشر كلنا من أشباه الإنسان، نحن من عائلة الـ Hominidae لكن هل كل أشباه الإنسان هم بشر؟ طبعاً لأ، هنا يُوجَد عموم وخصوص مُطلَق، فالدائرة الكبيرة هى الـ Hominidae، وهناك دائرة صغيرة في المُنتصَف إسمها الهومو Homo، أي نحن البشر، والهومو Homo الآن عندنا هو نوع واحد فقط، فكل أنواع الهومو Homo انقرضت وانتهت – علماً بأننا سنتحدَّث عنها بالتفصيل في إبانها – وبقيَ منها الهومو ساپيانس Homo sapiens الإنسان العاقل، فنحن الآن نُوجَد وجدنا،لكن هل كل أشباه الإنسان انقرضت؟ ولماذا وهى كلها أشباه الإنسان؟ الأسترالوبيثكس Australopithecus – مثلاً – كثيرة جداً – كما قلنا – وتنزل إلى حوالي سبعة ملايين سنة -من ثلاثة مليون إلى سبعة مليون سنة – طبعاً، فآخر ثلاثة مليون تكون لنا، وكلها مُنتصِبة القوام، إذن الإنسان من أشباه الإنسان، أي أن البشر نحن من أشباه الإنسان، لكن ليس كل أشباه الإنسان بشراً، فهم أشباه إنسان لكنهم ليسوا بشراً، والآن لدينا هذه العائلة الـ Hominidae مع القرود، فالآن يُوجَد عندنا قرود وهى الشِمْبانزِي Chimpanzee والغوريلا Gorilla والأورانجوتان Orangutan، فهذه اسمها القرود، وهناك ما يُعرَف بالبونجيدا Pongidae باللاتيني، أي بونايدس Pongids بالإنجليزي، وتكون هذه الـ (G) ساكنة لكن باللاتينية تُلفَّظ، وعلى كل حال ماذا تعني البونجيدا Pongidae؟ البونجيدا Pongidae هى عائلة القردة – Apes – التي هى بلا ذيول، فعائلة القردة التي بلا ذيول إسمها عائلة الـ Apes أو البونجيدا Pongidae، والعرب يُسمونها البونجيدات، فلما تقرأ البونجيدات تعلم أن المقصود بها البونجيدا Pongidae وهى هذه الـ Apes التي هى بلا ذيول، فالغوريلا Gorilla والأورانجوتان Orangutan والـ Chimp إسمهم الـ Apes أو البونجيدا Pongidae، بالإضافة إلى الـ Hominidae فتعمل عندنا رُتبة أعلى إسمها الأناسيات، وهذه أخذناها من كلمة وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ۩، فنقول الأناسيات أو الهومونويد Hominoidea، فتلك هومينيد Hominid وهذه هومونويد Hominoidea، وتُجمَع Hominidae، فهومونويد Hominoidea نضع فيها حرف الـ (O) وليس حرف الـ (I)، وهى إسمها الأناسيات، إذن لما ترى هومينيد Hominid وهومونويد Hominoidea وفيها حرف الـ (O) وليس حرف الـ (I) فإذن هذه أناسيات، هذه أشباه الإنسان الأول، لكن ما الفرق؟ هذا أوسع وهذا أضيق أيضاً، فالهومينيد Hominid أضيق، والهومونويد Hominoidea أوسع، فهى تشمل الهومينيد Hominid زائد القرود، لكن هذا غير مُتفَق عليه الآن، وحدث شرخ، ومن هنا – كما قلت لكم – مُشكِلة التصنيف، فهناك اختلافات – للأسف الشديد – لأن بعض العلماء قال لك أن الفروق بين الـ Apes وبين البشر – أي حتى بين الناس، بين الهومينيد Hominid كلها عموماً من أشباه البشر – ليست بتلك المسافة التي تسمح بتصنيفهم هذا التصنيف الثنائي، إذن سنضعهم كلهم برتبة واحدة، أف، ألهذه الدرجة؟ كأننا لا نتميز منهم وكأننا نُعَد شيئاً واحداً وهذا أمر غريب، فهؤلاء التطوريون المُتعصِبون جداً للمنظور التطوري غير قادرين على أن يروا أن هناك امتيازات فعلاً هائلة للإنسان، ومنهم عالم كبير في الفسيولوجي Physiology وفي البيولوجي Biology وفي الأحياء التطورية ،وفي التاريخ وفي الجغرافيا أيضاً، فهو أشهر جغرافي أمريكي وهو جارد دايموند Jared Diamond، لما تقول لي مَن أشهر جغرافي أمريكي الآن؟ سوف أقول لك جارد دايموند Jared Diamond، وهو صاحب كتاب في التطور من أشهر الكتب على مُستوى العالم إسمه القرد الشِمْبانزِي الثالث The Third Chimpanzee، وصاحب كتاب آخر معروف حتى عند العرب لأنه تُرجِمَ وهو كتاب مُهِم بل هو من أهم الكتب في تاريخ الحضارة والفكر والصراع بين الحضارات والثقافات في العالم المُعاصِر، هذا الكتاب إسمه Guns, Germs, and Steel، أي بنادق وجراثيم وفولاذ، فهو لجارد دايموند Jared Diamond، وقد تُرجِمَ إلى لغات كثيرة، فهو عالم موسوعي في حقول كثيرة، وهو تطوري طبعاً صلب، وهو الذي يرىعدم وجود أي مُبرِّر لوضع هذه البونجيدات وحدها وأشباه البشر وحدهم، فقال لابد من أن يدخلوا مع بعضهم، فيجب أن يكونوا كلهم بونجيدات أو أن يكونوا كلهم Hominidae، وهذا فيه نوع من التطرف هنا.

على كل حال دونالد جوهانسون Donald Johanson الذي قلنا عنه أنه مُكتشِف لوسي Lucy – لوسي Lucy هى أسترالوبيثكس Australopithecus، فلوسي Lucy ليست هومو Homo، وإنما هى أسترالوبيثكس أفارنسيس Australopithecus afarensis العفارية، نسبة إلى العفار – يرى في كتابه From Lucy to Language الذي حدثتكم عنه واستفدت منه كثيراً في الحقيقة لذا أنصح به أن التصنيف التقليدي الذي يضع الإنسان ضمن الـ Hominidae والقردة العُليا ضمن البونجيدا Pongidae قد تعرض للشك والمُعارَضة، وأنا الآن أُعطيكم مثالاً فقط عن دايموند Diamond، فهو قال هذا التصنيف لم يبق كما هو، فزمان كان مُسلَّماً به إلى حدٍ ما، لكن الآن تعرض للشك والمُعارَضة، فلماذا إذن؟ استناداً إلى مُعطيات الدراسات الجزيئية – Molecular Studies – طبعاً، والتي هى البيولوجيا Biology الجزيئية، فهو قال هناك دراسات عن هذا، مثلما رأينا وقلنا عدة أمثلة عن هذا، فنحن نشترك مع الشِمْبانزِي Chimpanzee في ثمانية وتسعين وستة من عشرة، وكما رأينا أننا في حمض أميني واحد – هيموجلوبين Hemoglobin – نختلف، وهذا شيئ غير طبيعي، وسوف نرى هذا في النقد طبعاً، ويُوجَد فرق كبير حتى في حجم الدماغ، فانظر إلى دماغ الـ Chimp‏ وسوف تجد أربعمائة سنتيمتراً مكعباً – (cc) – لكن نحن ألف وأربعمائة، وهذا شيئ هائل، فهو أقل من الثلث، فكيف هذا لا يُعطي فرقاً؟ لذلك يُوجَد فرق في الحضارة وفي الثقافة وفي اللغة، فالـ Chimp‏ ليس عنده حتى لغة، ولا يُوجَد عنده جهاز صوتي حقيقي، وإلى الآن من الواضح أنه غير قادر ولن يقدر على أن يكون عنده لغة، وسوف نرى كل هذا في النقد، فيبدو أن هذا المنظور بصراحة الذي يستند حتى إلى الدراسات الجزيئية ليس صلباً فحسب وإنما هو مُتطرِّف تطورياً، حيث يُوجَد نوع من المُغالاة في المنظور التطوري.

بالنسبة لجوهانسون Johanson نجد أنه يقول بوجود مُقترَح من علماء كثيرين استندوا إلى الدراسات الجزيئية والكيميوحيوية التي تُؤكِد أن القرابة بيننا وبينهم أكثر مما يُتصوَر، وطبعاً المُتحمِس الأكبر – لن أصفه طبعاً بأي صفة أخرى – للتطور ريتشارد دوكنز Richard Dawkins في مواضع من وثائقياته ومن كتبه يقول “أنا طبعاً سألت أناساً مُتخصِصين أكثر في هذه الجنبة أو في هذه الجهة بالذات وأكدوا لي أنه مُمكِن”، لكن ما هو هذا المُمكِن الذي يتحدَّث عنه وهو يضحك طبعاً؟ مسألة فظيعة ومُخيفة ولا إنسانية، وهى أن من المُمكِن أن يحدث تهجين بين الإنسان وبين الـ Chimp، فلو أنزينا ذكر Chimp‏ على أنثى إنسان أو العكس من المُمكِن أن يحدث التوالد، وهو طبعاً لم يُصرِّح بهذا وهم عامة غير قادرين على أن يقولوا هذا في الوثائق لأنه طبعاً شيئ لا إنساني وشيئ فظيع، وهو لم يُجرَّب طبعاً، فواضح أن إلى الآن يُوجَد خزين أخلاقي في هذا الغرب العلماني الذي يُوصَف بكذا وكذا، فهو لا يُسمَح بهذا، ولا يُمكِن حتى أن يخطر على البال أن تُجرى تجربة مثل هذه، فهم لا يُريدون هذا ولذا لم يفعلوها، لكن هذا المُتخصِص يُؤكِّد – ودوكنز Dawkins يُوافقه ويضحك لأنه مبسوط من هذا – أن من المُمكِن أن يُصبِحا كأنه نوع واحد، وهذا هو الفارق الأعظم في التمييز بين الأنواع، لكن كيف نعرِّف النوع؟ هذه مُشكِلة كبيرة من السويدي أيام كارل لينيوس Carl Linnaeus مُؤسِس علم التصنيف Taxonomy، فلا يُمكِن أن نقول ما هو النوع بالذات لأن إلى الآن هذه مُشكِلة كبيرة، لكن من أهم التحديدات أن النوع هو ما يسمح للأفراد بالتكاثر، فإذا أتى هذا هذا يُمكِن أن تأتي الذُرية، فإذن هذا نوع واحد، وإذا لم نجد ذُرية فهو ليس بنوع، وأحياناً لا يُوجَد إمكان للنزو وللعملية الجنسية – Mating – أصلاً وذلك لأسباب ميكانيكية، مثل أن هذا يُعَد صغيراً جداً وهذا يُعتبَر كبيراً وبالتالي لا يُمكِن أن يحدث هذا ميكانيكياً، وأحيانا تُوجَد هذه الإمكانية لكن جينياً ووراثياُ حيوياً من غير المُمكِن أن يحدث الحمل والتكاثر، ولا يُمكِن أن يحدث أي تلقيح كامل أصلاً، لكن هؤلاء المُتطرفون للأسف يعتقدون أن هذا من المُمكِن أن يحدث بين الـ Chimp‏ والإنسان وأنهما كادا أنا يكونا شيئاً واحداً، ولذلك يقول جوهانسون Johanson – دونالد جوهانسون Donald Johanson – أن هؤلاء في الحقيقة يرون أن من الأفضل إلا نقول Hominidae زائد بونجيدا Pongidae لأن كل هذا Hominidae فقط، وبالتالي ننتهي من قصة البونجيدا Pongidae، فلا يُوجَد بونجيدا Pongidae لأن كله Hominidae، فللأسف هذا موجود.
جوهانسون Johanson نفسه سار في كتابه على خُطة تقسيم، علماً بأن هذا الحديث لمَن أراد أن يقرأ الكتاب، فينبغي أن يعرف ما هى خُطة هذا الرجل، لكن ما هى خُطة التقسيم هذه؟ قسَّم أشباه الإنسان الأول إلى قسمين، حيث قال نحن عندنا الـ Hominidae وسنقوم بتقسيمه إلى اثنين – وهذه مسألة مقبولة عندنا وليس لدينا أي مُشكِلة فيها، بالعكس هى جميلة وتستحق وأنا سوف أسير على نفس الخُطة، لكن هو طبعاً أدرى وأكثر خبرة وعلماً لأن هذا تخصصه – الآن، القسم الأول هو أشباه الإنسان الأول المُبكِّرة، والقسم الثاني هو أشباه الإنسان الأول المُتأخِرة، ونحن سوف نرى هذا مع العلم أنني وضحت هذا لكم غير مرة، وعلى كل حال أشباه الإنسان الأول المُبكِّرة هى أسترالوبيثكس Australopithecus فقط، لكن إلى أي وقت تنتمي هذه الكائنات؟ كما قلنا من ثلاثة مليون سنة تقريباً – في الماضي طبعاً – قِدماً إلى زُهاء إلى سبعة مليون سنة – هذا أكثر شيئ – بحسب آخر الأحافير، فهذه كلها أسترالوبيثكس Australopithecus، فلن تجد غير تقريباً إلا أسترالوبيثكس Australopithecus، ويُوجَد شيئ واحد أو نوع واحد، وسوف نتكلَّم عنه الآن، فهو جنس ثانٍ إسمه الراميدوس Ramidus وهو شيئ آخر، لكن هذه هى أشباه الإنسان الأول المُبكِّرة، ولدينا أشباه الإنسان الأول – Hominidae – المُتأخِرة وهى الهومو Homo فقط، إذن نحن عندنا المُتأخِرة وهى الهومو Homo وعندنا المُبكِّرة وهى الأسترالوبيثكس Australopithecus أو القرد الجنوبي، وسوف نرى ما الذي يُضَم تحت الأول من أنواع، لكن – كما قلت لكم أيضاً – يُوجَد سبعة هنا وسبعة هنا، فتحت جنس أسترالوبيثكس Australopithecus عندنا سبعة أنواع كالتالي:

أولاً أسترالوبيثكس أنامنسيس Australopithecus anamensis،ثانياً أسترالوبيثكس أفارينسيس Australopithecus afarensis، وهذه نسبة إلى أفار Afar – عفار – في شمال شرق أثيوبيا فوق، وعلى كل حال لدينا إذن أسترالوبيثكس أفارينسيس Australopithecus afarensis، أما ثالثاً فلدينا أسترالوبيثكس أفريكانوس Australopithecus africanus، علماً بأنها لا تُلفَظ أفريكانيس وإنما أفريكانوس Africanus، رابعاً أسترالوبيثكس أثيوبيكوس Australopithecus aethiopicus، أي القرد الجنوبي الأثيوبي، خامساً أسترالوبيثكس روبوستوس Australopithecus robustus، سادساً أسترالوبيثكس بويزي Australopithecus boisei، سابعاً – آخر شيئ -أسترالوبيثكس أليبارليجاز Australopithecus bahrelghazali، وهذا أليبارليجاز Bahrelghazali عجيب قليلاً.
إذن سبعة أنواع، وهذه هى الأسترالوبيثكس Australopithecus، ونحن عندنا أرديبيتيكوس Ardipithecus الذي حكيت عنه في لقائي زمان مع الاتجاهات،فالأرديبيتيكوس راميدوس Ardipithecus ramidus مُهِم – أي حفرية مُهِمة – وسوف نراها لأن لها قصة كبيرة، فهذه عمرها أكثر من أربعة مليون سنة، وهذا الأرديبيتيكوس Ardipithecus قال عنه العلماء أنهم سوف يعتبرونه جنساً مُبكِّراً من أجناس أشباه الإنسان إلى جانب الأسترالوبيثكس Australopithecus، وهذا يعني أن الأردي Ardi – أرديبيتيكوس Ardipithecus – جاء كاستثناء، وتحته نوع وحيد فقط وهو الراميدوس Ramidus الذي ذكرناه في اللقاء من قبل، فإذن يُوجَد أرديبيتيكوس راميدوس Ardipithecus ramidus، جنس وعنده نوع واحد فقط، إضافةً إلى الأسترالوبيثكس Australopithecus وتحته سبعة أنواع، وطبعاً بعض العلماء يعتبرونه نوعاً ثامناً من أنواع الأسترالوبيثكس Australopithecus، أي أنهم لا يعتبرونه جنساً على حدا، فإذن يُوجَد لدينا رأيان!

نأتي الآن إلى جنس هومو Homo الذى هو أشباه الإنسان، فالـ Hominidae أوأشباه الإنسان المُتأخِرة التي أتت في آخر ثلاثة ملايين تضم أيضاً سبعة أنواع كالتالي:

أولاً هومو رودولفينسيس Homo rudolfensis، والهومو رودولفينسيس Homo rudolfensis تعني إنسان بُحيرة رودولف Rudolf، نسبة إلى بُحيرة رودولف Rudolf، ثانياً هومو هابيليس Homo habilis، وهابيليس Habilis معناها الصانع – Maker – طبعاً، وبالتالي هى تعني الإنسان الصانع، ثالثاً هومو إرجاستر Homo ergaster، علماً بأننا سوف نتحدَّث عنه بعد قليل وسوف نقول أن الإرجاستر Ergaster تعني العامل، فالهابيليس Habilis تعني الصانع أما الإرجاستر تعني العامل، والإرجاستر هو الإريكتوس Erectus طبعاً وهو النوع الرابع، وسوف نرى كيف أنهما هما نفس الشيئ، فهناك موجة منه أو موجات انطلقت من أفريقيا وذهبت إلى آسيا ثم وصلت إلى أوروبا، وهذه أخذت إسم هومو إريكتوس Homo erectus، لكن الذين ظلوا في أفريقا وتطوروا أيضاً يُسموا هومو إرجاستر Homo ergaster، وهذه المعلومات أتت مُتأخِرة طبعاً، وذلك في آخر عشرين سنة، لكن قبل ذلك لم يكن كل هذا واضحاً، أما الآن اتفقوا على هذا، ففي الحقيقة وفي نهاية المطاف هما شئٌ واحد، فالهومو إرجاستر Homo ergaster هو الهومو إريكتوس Homo erectus الخاص بأفريقيا، أم الخاص بأوروبا وآسيا سموه هومو إريكتوس Homo erectus، وهذا هو الفرق بينهما فقط، فإذن الهومو إرجاستر Homo ergaster هو الذي ظل في أفريقيا، أما الذي خرج وانتشر واستعمر هذا العالم سموه بالهومو إريكتوس Homo erectus، فإذن عندنا هومو إريكتوس Homo erectus أيضاً، خامساً هومو هايدلبيرغينيسيس Homo heidelbergensis، أي إنسان هايدلبيرغ Heidelberg، والهومو هايدلبيرغينيسيس Homo heidelbergensis سوف نتحدَّث عنه لكن على كل حال يُعتقَد أنه هو الأصل الذي تفرع منه النياندرتال Neanderthal والهومو ساپيانس Homo sapiens، وهذا معناه أن النياندرتال Neanderthal – وهو النوع السادس – ليس هو سلفنا ولكن هو ابن عمنا – Our Cousin – أو أخونا إذا حببينا نجامله، فهو ونحن تفرعنا من هومو هايدلبيرغينيسيس Homo heidelbergensis، أي أننا لم نتفرع من النياندرتال Neanderthal، علماً بأننا سوف نرى هذا بالأدلة الجزيئية، فنحن لدينا الهومو نياندرتالنيسيس Homo neanderthalensis، ولدينا الهومو ساپيانس Homo sapiens ، أي الإنسان العاقل وهو النوع السابع، فأقرب شيئ وآخر شيئ هو النياندرتال Neanderthal وبعد ذلك نأتينحن بعده، والآن نحن فقط الذي نُمثِّل الهومو Homo الوحيد على وجه البسيطة، فكله انتهى – أي كل هذه الأشياء اللي ذكرناها – طبعاً، وبهذا أعتقد أن الخُطة أصبحت واضحة عندنا، فنحن عندنا الـ Hominidae أشباه الإنسان من الرئيسات مُنتصِبة القائمة تنقسم إلى قسمين، القسم الأول مُبكِّرة، والقسم الثاني مُتأخِّرة، فالمُبكِّرة هى الأسترالوبيثكس Australopithecus، والمُتأخِرة هى الهومو Homo، وهنا يُوجَد سبعة أنواع، وهناك يُوجَد سبعة أنواع،وبالتالي سوف نفهم الآن إلى أين نحن نتحرَّك، ثم أنك سوف ترتب – كما قلت لك – الأشياء زمانياً، فتقول متى هذا وُجِد ومتى هذا وُجِد وما إلى ذلك من القصص والأشياء التفصيلية بإذن الله.
نأتي الآن على ما يُميز الهومو Homo عن الأسترالوبيثكس Australopithecus، أي الإنسان عن القرد الجنوبي، وطبعاً واضح أن الجمجمة عندنا أكثر اتساعاً، وهذا معناه أن الدماغ – Brain – سوف يكون أكبر، علماً بأن هذا لا يتعلَّق بالإنسان – أي نحن الآن – فقط وإنما بكل الهومو Homo عموماً، وذلك إلى ثلاثة مليون سنة تقريباً قِدماً، فجمجمة الهومو Homo عموماً أكثر اتساعاً من جمجمة الأسترالوبيثكس Australopithecus، حيث يتراوح حجم جمجمة الهومو Homo من خمسمائة وثلاثين سنتيمتر مكعب – (cc) – إلى ألفين سنتيمتر مكعب، فهذا هو أقل شيئ وهذا هو أكثر شيئ، لكن قد يتساءل أحدكم لماذا يصل إلى ألفين؟ وسوف تتفاجئون بأن دماغ وجمجمة النياندرتال Neanderthal أكبر منا وهذا معناه أن لو المسألة مسألة ذكاء فإن حجم الدماغ وحجم الجمجمة من المفروض أن يُمثِّل خطاً تطورياً سابقاً علينا وأرقى منا على الأقل بالأحرى، فليس شرطاً أن يكون سابقاً في الزمان ولكن لابد أن يكون أرقى منا، فلماذا انقرض؟ لماذا تغلبنا عليه؟ لأن عموماً النموذج الذي كان يُوجَد إلى وقت غير بعيد هو أن النياندرتال Neanderthal كان غبياً، فهو قوي لكنه أقصر منا قليلاً وغبي، وهو قوي ومتين بلا شك وشمّام لكنه – كما قلنا – غبي، ولذلك نحن غلبناه، لكنهم قالوا بعد ذلك هذا غير صحيح، فلا تُوجَد أدلة على أنه كان غبياً، وحتى إذا أخذنا حجم الدماغ وحجم الجمجمة – Skull – سنعرف هذا، فعلبة الدماغ – Endocast – تُشير إلى أنه لم يكن غبياً، فمن الصعب أن تقول أنه غبي، ولكنه انقرض لأسباب أُخرى، علماً بأننا سوف نرى هذه الأسباب الآن وسوف نرى آخر النماذج التفسيرية لانقارض النياندرتال Neanderthal إن شاء الله تعالى، وهذا كان أولاً، أما ثانياً فهو الميل إلى زيادة طول القامة، بمعنى لو أردنا أن نأخذ أول هومو Homo وأن نأخذ الهومو ساپيانس Homo sapiens سوف نجد أننا الأطول، وعموماً الهومو Homo يستطيل دائماً مع الزمن أكثر، أي أنه يصير أطول فأطول فأطول فأطول وهكذا، وهذا معناه عموماً أن الساپيانس Sapiens أطول من النياندرتال Neanderthal مع أنهما تعاصرا على الأقل في آخر فترة، فهما تعاصرا لكن الساپيانس Sapiens أطول من النياندرتال Neanderthal، والنياندرتال Neanderthal عموماً طوله يصل إلى مائة وسبعة وثمانين أو مائة وسبعة وستين أو مائة ثمانية وستين سنتيمتر، فهذا هوالنياندرتال Neanderthal، لكن نحن أطول من هذا، فنحن نصل إلى ستة أقدام Six Feet، فهذا هو مُعدَّل الساپيانس Sapiens في الأنثروبولوجيا Anthropology، وعلى كل حال نحن الأطول.

إذن يُوجَد عندنا ما يُميّز الهومو Homo عن بعضه، والهومو Homo عن الأسترالوبيثكس Australopithecus وهذا أهم شيئ طبعاً، فالأسترالوبيثكس Australopithecus دائماً أقصر منا، وكل القردة الجنوبية عموماً أقصر، ولذا الهومو Homo يكون دائماً أطول من القردة الجنوبية، والهومو Homo بعضهم أطول من بعض، فإذن يُوجَد لدينا الميل إلى الزيادة – كما قلنا – في طول القامة وخاصة في الطرفين السفليين مُقارَنة بالقرود الجنوبية بل وحتى مُقارَنة بالقرود الحديثة أيضاً، فكل القرود الحديثة التي ترونها ينطبق عليها هذا، فالـ Apes لديها الذراعان طويلان دائماً وقريبان من الساقين بل هما أحياناً أطول حتى من الساقين، لكن الإنسان ليس كذلك، فدائماً ساقاه أطول من ذراعيه، والنسبة معروفة دائماً، وحتى الوزن يختلف، فالساقان دائماً أوزن من الذراعين، والعكس في القرد الجنوبي وفي القردة عموماً، فهذه نمتاز بها كهومو Homo عن الأسترالوبيثكس Australopithecus، وأيضاً تُوجَد زيادة في وزن الجسم، فالهومو Homo أثقل من القرد الجنوبي، أي أننا نتفوق عليهم حتى في الوزن، ويُوجَد أيضاً تقلص الاختلاف الشكلي بين الذكر والأنثى، فهناك فرق واضح محسوس ومعروف في القرود – يُمكِن أن ترى هذا حتى في الغوريلا Gorilla – بين الأنثى والذكر، لكن شكل الذكر والأنثى في الهومو Homo ليس كذلك، فهو قريب لأن الفروق طفيفة بين ذكر الهومو Homo وبين أنثاه شكلياً ومورفولوجياً وما إلى ذلك، وبالنسبة للأسترالوبيثكس Australopithecus تُوجَد فروق واضحة بين الأنثى والذكر، ولذلك ترون أنتم ومَن يقرأ هذه الكتب الكثير من الجماجم التي تُعَد على أنها – مثلاً – من الهومو Homo لكن يأتي آخرون ويقولون هى ليست كذلك، فهذه أسترالوبيثكس Australopithecus أنثى، فكان من المُمكِن أن يكون شكل الأسترالوبيثكس Australopithecus قريباً من الهومو Homo الإنسان ذكراً كان أو أنثى، لكن لماذا؟ لأن الأسنان صغيرة، فالأسنان تكون أصغر – أكثر صغراً – طبعاً، وسنان الأنثى الأسترالوبيثكس Australopithecus غير أسنان الذكر العريضة المُسطَّحة والكبيرة، لكن الأنثى ليست كذلك، فأسنانها أصغر دائماً، ولذا يُوجَد مثل هذه الفروق الواضحة بينهما، وسوف نرى لما نتحدث عن سيرة الحفريات كيف تم توجيه هذه الشُبهة إلى بعض الحفريات، فقالوا هذه من المُمكِن أن تكون أنثى قرد جنوبي، وعلى كل حال بالنسبة للهومو Homo تقلصت الفروق بين الذكر والأنثى إلى حد كبير.

نأتي الآن إلى صغر عظام الوجه، فعند الهومو Homo يكون أصغر دائماً، وجهاز المضغ الخاص بالفكين – Jaws – يكون أصغر دائماً، وحتى حجم الأسنان يكون أصغر دائماً مُقارَنةً بمثيلاتها في الأسترالوبيثكس Australopithecus، والوجه عندنا يكون مُسطَّحاً – Flat – وعمودياً، لأنه الجمجمة عموماً مُتعامِدة عندنا على الجسم، فالـ Foramen Magnum وهى الثقبة العُظمى – إذا افترضنا وجود جمجمة الآن سوف نجد أن عندها ثقبة كبيرة في الأسفل، هذه الثقبة يُسمونها بالثقبة العُظمى أو الـ Foramen Magnum باللاتينية، وهناك أمور تتعلَّق طبعاً بالـSpinal Cord وما إلى ذلك – عند الإنسان الآن – مثلاً – بالذات مُتعامِدة على العمود وعلى الـ Spinal Cord، فالـ Foramen Magnum تأتي في نصف الـ Skull تقريباً، لكن بالنسبة للقرود تأتي في المُؤخَرة، ولذلك نرى العمود الفقري عندنا إحنا دبل Double (C) ومن ثم يُصبِح على شكل (S)، لكن عندهم على شكل (C) فقط، فهذ        ا يأتي من الخلف وبالتالي هو ليس عمودياً، لكن عندنا يكون عمودياً، علماً بأنان سوف نشرح هذه المسائل بالتفصيل في وقتها إن شاء الله.

إذن وجه مُسطَّح وعمودي، ولأنه مُسطَّح وعمودي فإنه يتسم ببروز الأنف، انظر إلى البروفايل Profile الخاص بالإنسان من الجنب وسوف تجد أن هذا الكلام يُعتبَر واضحاً تماماً وأن الأنف يُعَد أنفاً بارزاً، ثم انظر إلى القرود والغوريلا Gorilla وما إلى ذلك لتعرف كيف يكون الوجه وكيف يكون الأنف، فهو يُوجَد في الداخل، أي أنه
أفطس طبعاً، لكن نحن لسنا كذلك، فهو مُسطَّح وعمودي، أي أننا نتميز بأنف ناتئ بارز، وهذا هو الذي يُعطيك البروفايل Profile بشكل واضح ويُعطيك صورة أمامية واضحة، وهذا البروفايل Profile مُهِم حتى في حالات الجرائم والتوثيق، فهو يُحِّدد الشكل لأن الأنف ناتئ ومن ثم يعطي الملامح.

الجمجمة لدى الهومو Homo عموماً تتسم بأنها قصيرة، والجبهة عمودية أيضاً وواسعة، لكن لماذا هى عمودية؟ لأن جبهة القرود راجعة إلى الوراء مُباشَرةً بزاوية، وأنت الآن ترى كيف تكون القرود والغوريلا Gorilla والـ Chimp‏ وكيف يكون الأسترالوبيثكس Australopithecus، فكله كان كذلك، لكن الإنسان ليس كذلك، فالجبهة عنده عمودية وليست كبجهة كالقرود، فهى عندهم غير عمودية مُباشَرةً وترجع إلى الوراء، وهذا يعطي طبعاً حجم أقل لعلبة الدماغ وللجمجمة، ويُعطي مساحة أصغر للـ Brain، فمن الصعب أن يتطور الـ Brain، وبالتالي سيظل صغيراً، فالشِمْبانزِي Chimpanzee – مثلاً – عنده هذا في حدود أربعمائة سنتيمتر مكعب، لأن الجمجمة تأتي مُباشَرةً إلى الوراء، فهى ليست عمودية، ويُهيمن عليها طبعاً الدماغ الكبير.

إذن – كما قلنا – لدينا أشبه الإنسان الأول، القرد الجنوبي بأنواعه السبعة، ولدينا أيضاً أشباه الإنسان الأول المُتأخِّرة، الهومو Homo بأنواعه السبعة، وسوف تجد في الخط الزمني – كما حددت لكم – اختلافات من مرجع لمرجع، وهذا طبيعي بالذات في هذا الملف ، وعموماً أصلاً التقديرات المُتعلِّقة بالتأريخ – Dating – مثل تأريخ الأحافير وتأريخ الموجودات القديمة فيه خلاف دائماً، وكل ما يكون أبعد وكل ما تزيد المُدة وتترك عشرات ملايين السنين أو مئات ملايين السنين يصير الفرق أكبر، فقد يفرق هذا معك أحياناً بخمسين مليون سنة أو بأربعين مليون سنة، بحسب الحالة طبعاً، وكل ما يكون أقرب يكون هامش الخطأ أقل دائماً، وهكذا سوف تجد هذا، فلا تنزعج من هذه الأشياء، بل قد تجد أن حتى المُؤلِف نفسه في مصدر حديث له بدأ يتبنى أرقاماً أخرى غير التي تبناها واقتنع بها من قبل، وأنا عندي تقريباً أربعة مراجع لجوهانسون Johanson من ضمن مراجع كثيرة بالإنجليزية قد لاحظت خلافات فيها، فهذا يحدث بحسب تاريخ الكتاب، والأفضل دائماً في العلم أن تُتابِع أحدث الكتب، لأن الدراسات تتطوَّر باستمرار، وسوف نرى في النياندرتال Neanderthal كيف كانت النظرية ثم نُسِخَت، فهناك سنين مُعينة نُسِخَت بالكامل بعد ذلك وقالوا أنها غير صحيحة لأن ثبت عكس ذلك، لكن كيف حدث هذا؟ بأدلة جزيئية، فهناك دراسة للـ DNA هامة قام بها الألمان ونجحوا فيها، حيث استطاعوا أن يستخلصوا من العضل الخاص بالنياندرتال Neanderthal الـ DNA الخاص به، وعملوا دراسات خطيرة غيرت المنظور، فإذن العلم يتطوَّر باستمرار طبعاً.

الآن انتهينا من التمهيد، وأعتقد أصبح واضحاً لديكم ما قلت، ونحن الآن مُهيأون لأن ندخل في هذه القصص السردية، وسوف نرى كيف تم اكتشاف أشهر هذه الحفريات، وخُطتنا – كما قلنا – تكمن في أن نبدأ بماذابالأقدم زمنياً في الاكتشاف، أي سوف نرى ما هى أول حفرية أو عينة تم اكتشافها ثم نبدأ نتكلَّم عنها.
أول شئ – كما قلت لكم – هو إنسان النياندرتال Neanderthal، فقد تم اكتشافه في سنة ألف وثمانمائة وست وخمسين، لكن ما هو إنسان النياندرتال Neanderthal؟ نقول له الهومو نياندرتالنيسيس Homo neanderthalensis، والهومو نياندرتالنيسيس Homo neanderthalensis يحتوي على كلمة هومو Homo، فهو من أشباه الإنسان الأول المُتأخِرة كما فهمنا، فهذا جنسه وهذا نوعه، لكن لماذا إسمه النياندرتالنيسيس Neanderthalensis؟ نسبة إلى الوادي الذي تم اكتشاف حفريته فيه، حيث يُوجَد وادي في ألمانيا إسمه وادي نياندرNeander Valley Valley، ولذلك هم نسبوه إليه.
هذه كانت كمُقدِمة للنياندرتال Neanderthal، لكن أن يحدث هذا في ألف وثمانمائة وست وخمسين يعني أنه يُساوي ثلاث سنوات قبل نشر أصل الأنواع، وكان عمال الحفر في وادي النياندر Neander – هم عمال عاديون وليسوا علماء إحاثة أو ما إلى ذلك وإنما عمال عاديون – يحفرون في مكان في هذا الوادي فعثروا على قحف، لكن ما هو القحف؟ القحف هو الـ Skull Cap الذي يُوجَد أعلى الجمجمة، أي طقية الجمجمة، وعلى كل حال عثر العمال على الـ Skull Cap وعثروا أيضاً على عظمة فخذ Femur، ومن حُسن الحظ أن كان لهم علاقة بمُدرِّس هاوٍ، فذا الرجل كان يجمع الحفريات، وهو دارس للتشريح ويعمل كمُدرِّس في مدرسة عادية، فكان عندهم علاقة به وكانوا يعرفون أن عنده هذا الاهتمام بهذه الأشياء، في البداية فكروا أن يقوموا بكسرها ثم رميها ولكن بعد ذلك قالوا سوف نتركها حتى يأتي ومن ثم نُعطيه إياها، لعله يجد فيها شيئاً مُفيداً، وهذا أمر جيد، علماً بأن هناك الكثير من محاسن الصدف في العلم، فهذا كثير جداً، والذي يقرأ تاريخ العلم وتاريخ الاكتشافات سوف يجد أشياء كثيرة كانت تعتمد في الظاهر على مُسمى صدفة، لكن هذا في نظرنا يُعَد تقديراً إلهياً، فهذه حظوظ إلهية مقسومة، ففي آخر لحظة تركوا الحفرية، والحمد لله أنهم فعلوا هذا وإلا سوف تكون خسارة كُبرى، فمن المُمكِن أن يتأخر هذا الكشف إلى ثلاثين أو أربعين سنة طبعاً لو حدث عكس هذا، والمُهِم هو أنهم قرروا أن يعطوا عظمة الفخذ – Femur – وطقية الجمجمة – Skull Cap – لهذا المُدرِّس الألماني، وهذا المُدرِّس إسمه يوهان Johann – أي جوهان بالعربية – فولروت Fuhirott، وإسمه بالكامل يوهان كارل فولروت Johann Carl Fuhirott، فنادوه وقالوا له لقد وجدنا كذا وكذا وكذا يا أستاذ، وهو – كما قلت لكم – جيولوجي هاوٍ، وهو يقوم بجمع الأحافير وبالتالي عنده خبرة في هذه الأشياء، فأول ما رأى هذا الـ Cap – أي الـ Skull Cap – أدرك أن الحفرية ليست لإنسان حديث مثل، أي أنها ليست لهومو ساپيانس Homo sapiens، فهذه ليست جمجمة لإنسان حديث، وأيضاً هى ليست جمجمة لقرد من القرود المُنتشِرة التي يعرفها، فهو عنده خبرة بهذه الأشياء، ومن ثم قال هذا يعني أنه شيئ مُتميّز – أي أن الرجل أدرك أنه شيئ مُتميّز بالفعل – لأن هذه الحفرية ليست لإنسان وليست لقرد، ثم بدأ يتأمل فيها بعد ذلك، لكنك قد تقول لي كيف تسنى له أن يفعل هذا من خلال قحفة جمجمة؟ هذا أمر طبيعي بالنسبة للعلماء المُتخصِصين، أعط هذا القحف لأي أحد منهم وسوف يقول لك مُباشَرةً كيف يكون شكل الجمجمة كلها، وأحياناً يكون هذا قريباً جداً من الحقيقة لحسب خبرته، ونذكركم للمرة الثالثة أو الرابعة بزعم الفرنسي كوفييه Cuvier حين قال “أعطني سناً – Tooth – وسوف أرسم لك الهيكل كله من خلال هذا السن”، فهو يقول أنه يستطيع أن يفعل هذا من خلال هذا السن وليس من خلال جمجمة، أي أنه يقول لك كيف كان كل هذا الجسم من خلال السن فقط، وطبعاً هذه الدعوى كبيرة وقد – اختُبِرَت مرة – كما قلنا – وفشلت، لكن فيها جزء من الحقيقة، فلما تعطي عالماً مُتخصِصاً أو حتى هاوياً مُتحمِساً مثل هذا الـ Cap فمن المُمكِن أن يقول لك كيف كان شكل الجمجمة طبعاً، فهذا أمر عادي يتعلَّق بأشياء كثيرة وبالتخصص على كل حال، لذا هذا المُدرِّس تخيل أو عرف كيف كان الشكل، فهو مثل إنسان عادي لأن هذه مثل جمجمة عادية لإنسان إذا مسكتها من جهة الأنف وجذبتها للخارج، فيُصبِح شكلها على هذا النحو، لكن نحن – كما قلنا – نمتلك وجهاً مُسطحاً Flat، أي أن عندنا هذا التسطيح، لكن هذا لديه وجه مشدود إلى الخارج، وقد تخيل أنه إنسان النياندرتال Neanderthal أو الذي سوف يُسمى بعد ذلك بإنسان النياندرتال Neanderthal، فإذن هذا الوجه المشدود بهذه الطريقة يجعل الأنف ضخماً كبيراً وناتئاً، كذلك أعلى الحاجبين يُوجَد جزءان ثقيلان كثيفان وغليظان، وهذا ما تراه الآن على الشاشة وما سوف تجده في كل صور للنياندرتال Neanderthal، فدائماً يُصوِّره العلماء هكذا، وهذا ما نجده حتى في الأفلام وفي مثل هذه الأشياء، حيث يُوجَد دائماً جزءان ثقيلان وغليظان، والذقن يكون صغيراً، علماً بأن الذقن يُذكَّر طبعاً، لكن يُخطئ كثيرون ويُؤنِّثون فيقولون ذقن عظيمة، وهذا غير صحيح، لكن حتى في كتب الفقه أحياناً يُخطئون، والذقن الأصح فيها أنها مُذكَّر، فيُقال عنده ذقن صغير وأنف كبير وهكذا.

طبعاً بعد ذلك – كما أشارت في حلقة سابقة – سيتم اكتشاف أكثر من ثلاثمائة هيكل للنياندرتال Neanderthal   في أوروبا وفي الشرق الأوسط أيضاً، وهذا معناه أن هذا الإنسان استعمر مساحات كبيرة نسبياً من المعمورة، وسوف نجد هذا بالمُواصفات نفسها، فأي مكان فيه هياكل للنياندرتال Neanderthal سوف تجد نفس المواصفات، وهى أن الطول – كما قلت لكم قُبيل قليل – يصل إلى مائة وثمانية وستين سنتيمتر، فهو ليس طويلاً بشكل كبير وليس قصيراً أيضاً، والوزن يصل إلى ثمانين كيلو جرام، وحجم الدماغ يصل إلى ألف وأربعمائة سنتيمتر في المُتوسِّط، وقد يصل إلى ألف وثمانمائة فيكون كبيراً جداً طبعاً، ولذا نقول أن حجم الدماغ عند النياندرتال Neanderthal يُعَد كبيراً، والرأس كانت ضخمة ومُطوَّلة وليست مُستعرِّضة، وإنما ضخمة ومُطوَّلة، والموطن أو المأوى – Habitat – الذي يعيش فيه هو الكهوف، وطبعاً هو يجول في الغابات وما إلى ذلك لكي يصطاد، فهو يتشمم الفرائس ويُطارِدها ويكمن لها، فالنياندرتال Neanderthal صياد ماهر، ومن الواضح إذن أنه كان قوي وشديد البنية، فالنياندرتال Neanderthal عاش في أواخر العصر الجليدي المُتأخِر حيث البرد الشديد، إذن لا يُمكِن التغلب عليه إلا برفد ومزيد من الطاقة، وبالتالي الأرجح أنه كان آكلاً للحوم، لأن أكثر شيئ يعطي الطاقة هو البروتين Protein، فهو يحتاج إلى البروتين Protein – ليس البروتين Protein الخاص بالنبات وإنما بالحيوان – الآن، وإذن كان صياداً فلابد أن تكون له أدوات، وهذه الأدوات وُجِدَ بعضها طبعاً، فبعضها كان مدفوناً وبالتالي هى تُؤكِّد أنه كان صياداً، حيث كان يستخدم أدوات حجرية مُدبَّبة يصيد بها مثل الرماح، فإذن هو كان صياداً ماهراً فعلاً، وساعدته حاسة الشم على هذا، فكان يكمن لطرائده أو فرائسه في الغابات من أجل صيدهم.

إذن أسلحتهم كانت أدوات بقائهم، فهى أدوات حيوية ومُهِمة لهم في البقاء، وقد عاشوا في جماعات، وهناك أدلة تُؤكِّد أنهم عاشوا حياة مجموعية – أي في مجموعات – طبعاً، والذكر القوي كان ربما يعول عشرة من الأفراد – من الذكور الصغار والضعاف والنساء – بنفسه، فإذن هو عاش حياة جماعية، وطبيعي أن يعيش حياة جماعية لأن الإنسان المُنتصِب الهومو إريكتوس Homo erectus عموماً هو كائن اجتماعي، وسوف نرى الأدلة التي تُؤكِّد هذا، لكن قد يقول لي أحدكم كيف هذا في حين أن هذه المسائل كانت في التاريخ من مئات ألوف السنين؟ فكيف يعرفون هذا؟ وهنا يأتي الذكاء، فهنا ذكاء العلم – سبحان الله – والبحث والإلهام الرباني، فهم لما يروا – مثلاً – عظمة من إنسان عاش قبل مئات ألوف السنين، وهذه العظمة تكون مكسورة ومُلتئمة – أي لم تبق مكسورة، كُسِرَت في مكان والتأمت بعد ذلك، بمعنى أن الالتئام تم – فهذا دليل يُرجِّح أن صاحب هذه العظام عاش حياة اجتماعية، وهذا شيئ جميل، لأن في تلك البيئة وفي تلك الأزمان حيث العيش في الغابات – مثلاً – وحيث الوحوش والمُفترِسات الخطيرة من الصعب أن نجد إنساناً يعيش وحده وينشط وحده بعد أن تُكسَر رجله، لأن إذا كُسِرَت رجله سوف تكون فرصته في البقاء معدومة، فهو لن يقدر على شيئ بعد أن تُكسَر ومن ثم سوف يُتلهَم مُباشَرةً، لكن هذه كُسِرَت والتأمت، وهذا معناه أنه تلقى علاجاً وأن هناك مَن اعتُنى به، فإذن تُوجَد حياة جماعية ولذلك عُنِى به، وهذه أشياء بسيطة لكنها – سبحان الله – تدل على الذكاء.

ما الذي يروق في مثل هذه الأفكار ومثل هذه المعلومات والمعارف؟ هناك دائماً شيئ عام يجمع كل هذه الأشياء في ذهني، وهو أن هذا العالم مُكوَّن ومخلوق ومُقدَّر بحيث لا يضيع أي شيئ، قال الله وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ ۩، وليس شرطاً أن يكون مُستطَراً في كتاب فقط عند الله عز وجل، فهذا موجود بالطبع في الكتب، وإنما مُستطَر في طبيعة الظاهرة وفي الوجود نفسه، وبالتالي لا يضيع أي شيئ، فكلامنا هذا لا يضيع، ليس لأنه يُسجَّل الآن، ولكن المقصود أنه لن يضيع بل سيبقى في الجو إلى أن يشاء الله، فهو موجود إذن، وطبعاً العلماء إلى الآن عندهم بعض الحماس أن يخترعوا جهازاً يسترد هذه الموجات الصوتية من عشرة آلاف سنة ومن خمسين ألف سنة، ثم يُعيدون الفصل بينها فنبدأ نسمع المسيح وهو يخطب ومحمداً وهو يخطب، وصوت يوليوس قيصر Julius Caesar وأرسطو Aristotle وهو يتكلم ويُدرِّس، وهذا شيئ عجيب، لكن العلماء عندهم هذا الحماس ويقولون هذه الأشياء موجودة لأنها لا تضيع، فحادث مثل هذا وقع لإنسان قبل مائتين أو ثلاثمائة ألف من السنين لكن الآن نستطيع أن نستدل منه على كيف كان يعيش وماهو نمط حياته بل وماذا كان يأكل أيضاً بحسب الظروف البيئية، وهذا شيئ غريب، وقد رأينا كلنا إنسان الثلج أوتزي Ötzi في النمسا هنا، ونعرف عنه أشياء كثيرة غير عادية، وعلمنا أنهم درسوا آخر وجبة في أمعائه وعرفوا ماذا أكل هذا الرجل بل وعرفوا أشياء أقل منها، وهذا معناه أن هذا الكون فعلاً يُعتبَر مصوغاً ومبنياً على أساس أن لا يُمكِن لأي شيئ أن يضيع،لا إله إلا الله، فلماذا هذا الإنسان الغلبان وحده فقط هو الذي يُحِب أن يُكبِّر رأسه ويُغلِّظها وأن يقول لك هناك أشياء يُمكِن أن تضيع وسوف أفعل ما أُريد ولأنني شاطر وفهلوي سوف أهرب وأنفذ بفعلتي؟ هذا غير صحيح، فوالله لن تنفذ ولن تهرب.

هذه الأشياء كلما أفكر فيها أعلم – هذا أحد الأدلة البسيطة، فهو ليس دليلاً بحياله -أن هذا كله مُصمَّم لكي يقول “هناك إله، وهذا الإله إليه المرجع والمآب، ولن يضيع شيئاً” بل حتى الشيئ الذي تُفكِّر فيه – يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ۩ – ويُوجَد في قلبك لكن الله لا يرضى عنه ولم تتب منه لن يضيع – والله – أبداً، فالله هو الذي قال لك هذا، ولذلك لما يحدث حوار أو مُشادة بينك وبين أحد سيكون أحسن شيئ يُمكِن أن تقول له هو أن الله وراء قلب كل امرئ ولسانه، فاحلف وقل ما تشاء وأنت أخي في الله وأنا أُصدِّقكك، لكن في نهاية المطاف الله اللي هو الذي وراء قلبك ووراء لسانك وليس أنا، فأنت تستطيع أن تكذب علىّ وأن تحلف لي الأيمان وأن تضحك علىّ وأن تزور على نفسك لكنك لن تزورعليه – لا إله إلا هو – هو، لأنه قبل قلبك وراء قلبك، فقبل ما تفكر في شيئ هو يعرفه، وبما أننا فتحنا هذا الموضوع سوف نقول كلمتين ثم نمضي إلى موضوع النياندرتال Neanderthal، فأنا لدي نصيحة أخوية لكم، فوالله العظيم إذا أردتم يا إخواني التوفيق ومحبة الله ودعمه – الله يبعدكم من الخذلان – عليكم أن تُراقِبوا الله بهذا المعنى دائماً، وهو أنه وراء ليس فقط ألسنتكم وإنما وراء قلوبكم، فكُن صادقاً مع نفسك ومع الله قدر المُستطاع ودع عنك الناس، وعندما تكون كذلك سوف تكون أحلى الناس للناس، وسوف تكون ألطف الناس بالناس، وأرحم الناس بالناس بإذن الله تعالى، وسوف تكون نظيفاً وعبداًربانياً حقاً، لأن تعويلك كله على الله واعتمادك كله على الله واستمدادك كله من الله، فسواء ظُلِمتَ أو أُنصِفتَ أنت مع الله وفقط، فيجب أن تقول أنا سوف أكون الأنظف والأحسن دائماً، لن أزور ولن أرتدي قناعاً ولن أدّعى أنني كذا وكذا في حين أنني لست كذلك، وهذه مسألة صعبة فاللهم اقدرنا عليها، لكن يجب أن أفعل هذا لأنه – لا إله إلا هو – وراء قلبي، فأين سأذهب؟ إذن هذا كان يعيش – كما قلنا – في جماعات، ونرجع إلى أخينا يوهان Johann فولروت Fuhirott – يوهان كارل فولروت Johann Carl Fuhirott – الآن، حيث اقترح فولروت Fuhirott أن النياندرتال مان Neanderthal Man هو سلف الإنسان المُعاصِر، و طبعاً أنتم الآن ترفضون هذا لأنه مُستحيل، فالآن أصبح مرفوضاً لكن في زمانه لم يكن كذلك، فهذا التعاطي الأول مع المسألة أصلاً برمتها،وطبعاً رُفِضَ لأنه التعاطي الأول لكنه اقترح هذا على كل حال، وطبعاً يحدوه أمل أن يكون بلغ النهاية حين يقول أن هذا هو سلفنا الذي تطورنا منه وانتهت القصة وانتهى كل شيئ، وهذا غير صحيح، علماً بأن في هذه الأيام لم يكن كتاب داروين Darwin منشوراً، فكتاب داروين Darwin سَهَّلَ المُهِمة، والمُهِمة الآن قبل داروين Darwin كانت شبه مُستحيلة، فلماذا تفترض أنه هذا الإنسان الذي عنده أنف كبير والذي كان شكله فيه قردية نوعاً ما – هو ليس إنساني بنسبة مائة في المائة وإنما هو أقرب إلى الإنسان، نعم من الواضح أنه هومو Homo بصراحة ولكن فيه مسحة قردية كبيرة – كان أصلاً لنا؟ وهذا الموضوع لم يخطر على بال الناس أصلاً فرُفِض اقتراحه وتُجهم، وقيل له “هذا كلام فارغ، فما هذا الذي تقول؟ ما معنى أنه سلف لنا؟ هذا خلق آخر”، والعلماء الذين لديهم شيئ من الفهم قالوا “هو منا أصلاً، وبالتالي هذا أمر عادي”، أي أنه نُسخة من الإنسان نفسه، وحين ترى البشر الآن سوف تجد أن فيهم فرقاً كبيراً جداً، وخاصة في أقزام أستراليا Australia، ويُمكِن أن ترى هذا في التلفزيون Television، فمُباشَرةً قالوا “هذا هومو ساپيانس Homo sapiens”، لكن أشكالهم وأجسامهم وقصرهم يُعَد شيئاً غريباً، فقالوا “هذا صحيح لكن البشر أيضاً يتفاوتون نسبياً طبعاً، فأكيد هذا النياندرتال Neanderthal منا أيضاً، فهو بشر وإنسان عادي مثلنا، وقد عاش قبل هذه المُدة الطويلة أو القصيرة مثلنا”، وعلى كل حال لم يلق هذا الاقتراح – اقتراح فولروت Fuhirott – ترحيباً، لكن ستُنفَخ فيه الروح بعد ذلك، فهذا الاقتراح ستُنفَخ فيه الروح بعد ثلاث سنين، على الرغم من أن أصل الإنسان لم يُنشَر بعد ثلاث سنين وإنما نُشِرَ أصل الأنواع، لكن اتضحت الوجهة واتضح أن المسألة كلها وبرمتها تخضع للتطور، علماً بأنهم يتمنون أن يكون الإنسان استثناءاً، لكنه ليس استثناءاً، فسوف يُوضِّح داروين Darwin وهكسلي Huxley قبله أنه ليس استثناءاً، لكن الناس كانت تتمنى ذلك، ولما سمعت إحدى السيدات الفاضلات في المُجمَع النبيل وهى زوجة رجل دين كبير أن داروين Darwin يقول كذا كذا وأن هذا يلزم منه أن الإنسان حدث له كذا وكذا قالت “أدعو الله ألا يكون هذا حقاً، وإن كان حقاً أدعو الله ألا يسمع به الناس”، أي أن هذه ستكون مُصيبة لأننا سنُفكِّر في أننا تطورنا عن قرود وعن حيوانات وما إلى ذلك، يا ساتر، فيا خفي الألطاف الطف بنا مما نخاف، ومن ثم قالت إن شاء الله لن يسمع أحداً لأن في ذلك الوقت لم يكن لديهم نت Net وفضائيات وفضائح، فكان من المُمكِن أن تُقبَل دعوتها ويُغلَق الموضوع وينتهي كل شيئ، وهناك نظريات انتهت في حين أنها قد تكون حقاً يعني، أي الحق المهجور كما يُقال، فقد يكون فيها أشياء صحيحة ومن ثم سيجري بعثها، علماً بأن ما من فكرة يتوفر صاحبها على بعض الحق في طرحها ويتم اقصاؤها ويتم كبتها وإخفاؤها وحفظها إلا ويُعاد النفخ في روحها ولو بعد عشرة آلاف سنة، مع أن كل تاريخنا المكتوب أقل من هذا، فهو خمسة آلاف سنة – التاريخ المكتوب خمسة آلاف سنة – فقط، لكن سيُعاد نفخ الروح فيها وسوف ترجع من جديد إلا إذا أُبيدت الفكرة، ومن هنا خطورة وهمجية إبادة الكتب والمخطوطات وما إلى ذلك، فهذه الإبادة بهذا الاعتبار أصعب من إبادة البشر، لأنك إذا أبدت بشراً وحرقته أو قتلته واعتديت عليه وعلى أفكار لكن كتبه موجودة فإن هذه ستكون رحمة، لأن هذا البشر سوف يُبعَث هو ومزاجه العلمي من خلال كتبه، لكن أخطر شيئ وأسوأ شيئ أن يُباد الكتاب، وخاصة قبل عصر الطباعة وفي عصر الخط والمخطوطات، لأن من المُمكِن فعلاً أن تُبيد كل النُسخ المُتاحة من كتابه وينتهى كل شيئ، وبالتالي تفقد البشرية تراثاً لن تسترده إلى يوم الدين، لكن الحمد لله الآن يُوجَد عصر الطباعة من خمسمائة سنة تقريباً أو أقل قليلاً، وعندنا عصر الرقمنة أيضاً، فيستحيل أن يُباد أي كتاب، هذا الأمر انتهى لأنه يستحيل الآن، وكأن الله يقول أن مسيرة التقدم البشري هى تأكيد للحرية، فهى تأكيد لحرية الكلمة ولحرية الفكرة بإذن الله تعالى.

إذن بعد ثلاث سنوات ستُنفَخ الروح في اقتراح فولروت Fuhirott من جديد، وفي أواخر القرن التاسع عشر للأسباب التي تعرفونها طبعاً صار المُجتمَع العلمي الأوروبي بالذات وفي أمريكا أيضاً محموماً المفقودة، أي أصابته الحُمى وأصابه الهوس – Mania – بسببها، فأصبح مُجتمَعاً مهووساً – Maniac – بالحلقة المفقودة، كل العلماء الذين اقتنعوا بالنظرية التطورية صار هوسهم أن يُصيبوا وأن يقعوا على الحلقة المفقودة، وطبعاً في ظنهم – كما شرحت سابقاً – أن الخط التطوري هو خط بسيط واصل من البداية إلى النهاية التي اقتعد قمتها وذروتها الإنسان، أي الهومو ساپيانس Homo sapiens، فقالوا “في مُنتصَف الطريق والمشوار التطوري الإنساني سوف نجد حلقة مفقودة Missing Link، وهذه الحلقة الوسيطة – كما قلت – سوف تجمع نصفاً من قرد ونصفاً من إنسان وينتهي كل شيئ، فإن وجدنا هذه الحلقة سوف تكون بمثابة البرهان النهائي والقاطع والدامغ على حصول التطور للإنسان”، وبدأ المُجتمَع العلمي يبحث في هذا، فأجرى بحثيات وكشفيات ودرس ونقِّب ولكن إلى الآن ليس عندنا – كما قلت لكم – غير النياندرتال Neanderthal ، لكن البحث ظل مُستمِراً، وهذا طبعاً أسعد صاحبنا الألماني فولروت Fuhirott لأن اقتراحه أصبح مقبولاً الآن، ولكن رغم ذلك لن يُوافَق على أن العينة الخاصة بالنياندرتال Neanderthal هى الحلقة المفقودة، فلماذا إذن؟ لأنها إنسانية بشكل زائد عن اللازم، فمن الواضح أنه إنسان، لأنه ليس أقرب إلى القرد وإنما هو أقرب إلى الإنسان كثيراً جداً جداً جداً بل هو بالحري إنسان، والعلماء – كما قلت لكم قُبيل قليل – اقتنعوا بهذا، وقالوا “من المُؤكَّد أن هذا كان إنساناً فهو ليس قرداً وبالتالي لن نعترف بأنه هو الحلقة الوسيطة أو الحلقة المفقودة، فهو لا يصلح هذا”، وهذا الكلام يُعتبَر معقولاً جداً، لأن فعلاً هو ليس قرداً بل هو إنسان، هومو Homo.

بعد ذلك سوف يفهم العلماء أن النياندرتال Neanderthal فعلاً كان يعيش ويعمر الأرض إلى ما قبل أربعين ألف سنة، وطبعاً بعض الكتب تقول أن ذلك كان قبل ثلاثين ألف سنة، لكن المشهور في أكثر المراجع أن هذا كان قبل أربعين ألف سنة، فهو انقرض قبل أربعين ألف سنة لكن في بعضها أقل من هذا لأنهم قالوا أنه انقرض قبل ثلاثين ألف سنة، وعلى كل حال هذا قريب جداً، فبالأمس القريب كان النياندرتال Neanderthal موجوداً، فسواء انقرض قبل ثلاثين ألف أو قبل أربعين ألف فإن هذه المُدة قريبة جداً وتلك المُدة قريبة جداً، وبعد ذلك سثبت فعلاً أمور كثيرة، وطبعاً بالقياس – كما قلت – وبفحص الـ DNA سوف نعرف أشياء كثيرة جداً وسوف نعرف علاقته بنا ومتى انفصل عنا والكثير من المسائل الكبيرة، فضلاً عن أننا سنعرف وهل تزاوجنا معهم وتزواجوا معنا – Cross Breeding – أم لا، وكل هذا سيحدث بالفحص الجزيئي من خلال الـ DNA الذي سوف نأخذه من العظم، لكن هذا سيكون فيما بعد لأنه سيحدث في القرن العشرين، وتحديداً في أواخر القرن العشرين.

للأسف انتهى الوقت من جديد، فأسُضطَر أن أتوقف عند هذا الحد إلى أن ألقاكم في حلقةٍ مُقبِلة، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

(تمت المُحاضَرة بحمد الله)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

تعليقات 3

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: