معرفتان

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ۩ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ۩ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ۩ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ۩ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۩ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ۩ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ۩ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

إخواني وأخواتي:

من ضمن ما يُمكِن ان تُعرَّف به الحكمة وبالتالي يُحدَّد به الحكيم أن الحكيم هو مَن يُحسِن أولاً انتخاب الرؤية وانتخاب المبدأ والمُنطلَق، أي مَن يُحسِن انتخاب عقائده وآرائه ومبادئه وقيمه في الحياة، ومجال الانتخاب هنا واسع جداً، على أنه حرج جداً، لأن طريق الحق والهُدى واحدة مُفرَدة، يُقابِلها بالإزاء طرق الضلال، وهي كثيرة، تُشبِه ألا تكون مُتناهية.

ولكن الحكمة لا تتحدَّد بهذا وحده، لأن الكثير من الناس يصدر عن مبادئ جيدة قولاً، قولاً ودعوى وتبشيراً! لكن الحكمة تقتضي الجانب الثاني والأساس الثاني، لكي يكتمل بناؤها ومعمارها، أن يعيش المرء وفق ما انتخب من هذه العقائد والرؤى والمبادئ والقيم الصحيحة، مَن يفعل هذا هو الحكيم، هذا هو الحكيم!

ولذلك هذا الحكيم قد يكون فقيراً وقد يكون غنياً، قد يكون رعية وقد يكون أميراً، حاكماً أو سُلطاناً مُتسلِّطاً، قد يكون عالماً واسع العلم وقد يكون قليل العلم، بمعنى قليل المعلومات والمعارف، لكن خُطته في الحياة تشهد بحكمته، هذا حكيم، هذا إنسان ذو عقل.

تجدون – إخواني وأخواتي – مِن بين مَن تُصادِفونه في مشوار الحياة من البشر أُناساً انقلبت أوضاعهم، تغيَّرت حيواتهم، وتجوهروا من جديد، بسبب قولة استمعوا إليها، قولة! قولة عثروا بها هكذا في برنامج مُتلفَز أو في كتاب أو على لسان خطيب، بنصيحة من مُشفِق – جار أو صديق أو مُحِب أو عابر سبيل – انقلبت حياتهم، حكماء! لأنهم حكماء، نفعهم القليل، صدروا عنه في عيشهم، في كل سلوكاتهم، فتغيَّرت حياتهم.

وبالإزاء تجدون مَن يُبشِّر بالفضائل والقيم والمعارف الراقية العالية والأذواق الطيبة، لكنه يعيش في مُدلهم من اشتباك خطوب النفس وأهوائها وضروب ضعفها وهشاشتها، المسكين يعيش في هذا، ولذلك يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ۩ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ۩.

هذا الأمر أحبتي في الله – إخواني وأخواتي – يتأسَّس أساساً على مسألة لطيفة إلا أنها بعيدة الأثر، عظيمة الخطر، وهي أن يُميِّز المرء بين ضربين من ضروب المعرفة، يُمكِن أن تُقسَّم المعارف كلها على تعددها واختلافاتها وتبايناتها إلى ضربين اثنين، معارف يستوي في اكتسابها والتضلع منها المُؤمِن والكافر، التقي والفاجر، النبيل والوضيع، وإبليس والقدّيس، وهي كل المعارف التي لا تمس الإنسان مساً مُباشِراً، التي لا تتعلَّق به تعلّقاً عامداً، كل المعارف! ولذلك – كما قال مرة أبو الفلسفة الحديثة الأوروبية رينيه ديكارت René Descartes – يستطيع الآثم – الخاطئ، المُجرِم، والفاسق – أن يحذق المُعادَلات الرياضية على النحو نفسه الذي يحذقها عليه القدّيس، نفس الشيئ! هذه مُعادَلة رياضية، يفهمها قدّيس ويفهمها إبليس، سواء تعلَّقت هذه المُعادَلة الرياضية بالأفلاك والأجرام العُلوية أم بالأجسام السُفلية الأرضية، نفس الشيئ! وهذا صحيح، واقع الناس يشهد بهذا، وهذا ليس فقط بصدد المُعادَلات، كل المعارف التي لا تمس الإنسان مساً مُباشِراً.

وبالمُقابِل أو في المُقابِل هناك الضرب الثاني من ضروب المعارف، هي تلك التي تمسنا بطريقة مُباشِرة، هي التي كانت من أجل تكميلنا، من أجل إصلاحنا، من أجل إسعادنا، ومن أجل كشفنا أمام أنفسنا وتوعيتنا بذواتنا، أن نكون مفهومين أكثر لأنفسنا، هذه المعارف عيشها جُزء من فهمها، جُزء عضوي لا محالة، لا يُمكِن أن تُفكِّك بين هذه المعارف وبين عيشها ثم تدّعي أنك حذقتها، مُستحيل! هذا وهم كبير.

بالمُناسَبة كثير من الناس واقع في هذا الوهم، هو يظن أنه بمُجرَّد أن يتضلَّع من هذه المعارف، أن يتملَّكها، أن يستحوذ عليها، فضلاً عن أن يصدر عنها في أقواله، وفضلاً عن أن – هذه خُطوة أبعد – أن يُبشِّر بها بين الناس ويدعو إليها أنه يُحسَب أنه من طائفتها ومن أهلها، أبداً هذا لا علاقة له بها، لا علاقة حقيقية له بها أبداً! هذه علاقة سطحية قشورية لا تُسمِن ولا تُغني من جوع، لماذا؟ لأن هذه المعارف بطبيعتها ذاتية، ما معنى ذاتية؟ لا أعني بالذاتية هنا التي يُبدِعها المرء من خلال تجاربه أبداً أبداً، هذه المعارف لها أصول موضوعية، المعارف الإلهية والمعارف الدينية عموماً هي من هذا الضرب، وليست من الضرب الأول يا إخواني، هذا في عمومها، أكيد هناك استثناءات، لكن في عمومها هي من الضرب الثاني، وبلا شك لها أعظم الجذور في الموضوعية، بالعكس! هذه المعارف الصحيحة تماماً، ليست من إبداع البشر، ليست من ابتكارهم، وإنما أعني بالذاتية – إخواني وأخواتي – أنه لا يُمكِن التحقق من جوهر هذه المعارف إلا عبر يعشها بتجربة خصوصية، كل تجربة هي خصوصية، كل تجربة هي ذاتية.

ثم هذه المعارف لا يُمكِن أن تُتلقَّى خاماً كما هي أبداً، لابد أن تخضع للتأويل، وبالمُناسَبة كل معرفة تأويلية تقريباً، كل معرفة تأويلية مهما كانت واضحة، لابد أن تُشاب بشوب التأويل، لابد أن يدخلها التأويل، ولا أتحدَّث الآن باللُغة الأصولية – بلُغة أصول الفقه – الدقيقة، لا! أتحدَّث بلُغة عامة فلسفية أعمق أو أبعد أو أكثر حتى ربما عمومية من اللُغة الأصولية الدقيقة التي تتحدَّث أو تختص وتتعلَّق بباب تفسير النصوص وفقه القواعد المعروفة، لا! أتحدَّث بلُغة أعم من هذا قليلاً، على كل حال هذا معنى الذاتية هنا، هذا معنى الذاتية!

حدِّثني ما شئت وما شاء لك الحديث عن السعادة والشقاوة، عن السكينة والطمأنينة، عن القلق والتمزق والضياع والتيه والاغتراب، وعن الثقة والاعتماد والاحتساب والتوكل والخشية والخوف والرجاء والمحبة والشوق والذوق، إلى آخر هذه القائمة الطويلة من المعاني والمعارف، كل هذا لن يكون له معنى ما لم أعشه وما لم تكن أنت قد عشته من قبل، ليس له معنى! ولذلك هذه المعاني في نهاية المطاف لها نُسخ مُتعدِّدة كثيرة جداً، الأصل واحد، وهناك نُسخ مُتعدِّدة، مثل الجينات Genes في علم الوراثة، هناك الأصل وهناك النُسخة الثانية منه، الأليل Allele كما يُسمونه، الأليل Allele! هذه نُسخة أُخرى، فهناك نُسخ، هذه النُسخ مُتعدِّدة بمقدار الأفراد الذين عاشوا هذه المعاني عبر تأويلاتهم المعرفية، وأكثر من هذا عبر تجاربهم وخبراتهم الذاتية الشخصية.

هنا – إخواني وأخواتي – يأتي معنى الابتلاء، آيات كثيرة تتحدَّث عن الابتلاء، وهو باللُغة العامية العادية المعروفة المأنوسة لنا الاختبار، الابتلاء هو نوع من الاختبار، لماذا يختبرنا الله تبارك وتعالى؟ هو سيُحاسِبنا يوم القيامة، فلماذا يختبرنا؟ هناك فرق طبعاً، مبدئياً ثمة فرق كبير ومُهِم بين الابتلاء – الامتحان أو الاختبار – وبين الحساب، الحساب بطبيعته استيعابي استغراقي، الحساب استيعابي استغراقي! كتابنا يوم القيامة لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۩، كله سيُوضَع في الميزان، في كفة الميزان اليُمنى أو في الكفة اليُسرى، كله! كل شيئ فعلناه، هذا هو الحساب، الاختبار أُنموذجي بطبيعته، مثل حتى اختبارات الدنيا، أُنموذجي! يقولون لك الاختبار النموذجي في المدارس، وفعلاً كل اختبار نموذجي، كل اختبار أُنموذجي، لماذا؟ لأن لا يُمكِن لأحد أن يُحصي الأسئلة المُحتمَلة التي يُمكِن أن تأتي في الامتحان، كثيرة جداً جداً جداً، يُمكِن للمُدرِّس أن يُشقِّق من الأسئلة الأشياء الهائلة، صعب أن يُحصيها امرؤ مُعيَّن، يُمكِن أن يُقارِب، لكن لا يُمكِن أن يُحصي، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام وآله – استقيموا ولن تُحصوا، يُمكِن أن تُقارِب، لكن لن تُحصي، كذلك الجواب الذي يأتي تبعاً للسؤال، يأتي نموذجاً، نموذج لماذا؟ لما لديك من المعرفة، طبعاً يستطيع المرء هذا، ولذلك أستاذك أو مُدرِّسك يطرح عليك أربعة أسئلة من ضمن ربما أربعة آلاف سؤال أو أكثر، إن شاء يطرح أربعة أسئلة، ومن خلال جواباتك – أي أجوبتك – عن هاته الأسئلة الأربعة هو يعرف ما لديك، تقريباً يستطيع أن يعرف، يُقارِب ما لديك ويعرف، يعرف مُستوى تحصيلك، مستوى فهمك، ومُستوى حذقك للمادة، السؤال أُنموذجي والجواب بالتالي ماذا؟ لابد أن يكون أُنموذجياً، هذا أُنموذج للأسئلة الكثيرة وهذا أُنموذج للتحصيل، أي لما لديك من تحصيل.

هذا معنى الاختبار، فالاختبار بطبيعته خلافاً للحساب ليس استيعابياً، ليس استغراقياً، وإنما هو أُنموذجي، من هنا خطورة الاختبارات التي نمر بها يومياً، كل يوم نحن نعيش اختبارات، الحياة كلها مضمار اختبار، ميدان اختبار! الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۩، الاختبار يا إخواني أو الابتلاء باللُغة القرآنية إنما كان من أجل ولأجل ماذا؟ من أجل سبر، كشف، تشخيص، وتحديد مقدار التفاوت أو مدى التفاوت أو المسافة بين القول والالتزام والعمل والعيش، الله يُريد أن يكشفك أمام نفسك في مرآة الاختبار، الله يُعطيك مرآة، هذه هي! ليس لأنه لا يعرف، لا يعزب عن علمه شيئ، لا إله إلا هو! هو عارف هذا أزلاً قبل أن يخلق حتى اللوح والقلم، أزلاً هو عارف، العليم لا إله إلا هو! ولكن لفائدتك أنت، يُعطيك مرآة، ترى فيها مقدار التفاوت بين ما تقول وبين ما تعيش.

من المأثور قولهم لست ما تقوله – أي عن نفسك، أنت لست ما تقول، أنا وأنا وأنا وأنا، أُؤمِن بهذا وأُصدِّق بهذا وأقتنع بهذا، مبدأي ومُنطلَقي وقيمي وفضائلي، كل هذا لا قيمة له كبيرة، سهل! القول سهل، القولي مجاني – لكن أنت ما تُناضِل من أجله، هكذا يقولون، أنت ما تموت من أجله، أنت ما تعيش وتموت من أجله، لكن نحن لا نُريد أن نتحدَّث عن القضية بتطرف هكذا، نُريد ما هو أقل من هذا قليلاً، نُريد أن نتحدَّث بتواضع، نتحدَّث بتواضع ونقول أنت لست ما تقوله، أنت ما تعيشه.

هنا يأتي الاختبار، هنا يا إخواني يحدث الكسوف العظيم، مثل كسوف الشمس، المُتألِّق يغدو مُظلِماً، والكبير يعود صغيراً، والنبيل يرجع وضيعاً، تتكشَّف الحقائق! تتكشَّف الحقائق بمسبار الاختبار، من ضمن ما يقوله هو طبعاً – نسأل الله العفو والعافية والمُعافاة الدائمة – ويقولونه أنه مُؤمِن بالله، يقول هذا جميل، قول جميل!

إذَا نُصِبُوا لِلْقَوْلِ قَالُوا فَأَحْسَنُوا                       وَلَكِنَّ حُسْنَ الْقَوْلِ خَالَفَهُ الْفِعْلُ.

ونأتي الآن إلى ما يعيشه، ما يعيشه أنه يُؤمِن بالدولار وباليورو، هذا هو! يُؤمِن بالمال، يُؤمِن بالمادة هو، لا يُؤمِن بالله، ما يعيشه يُؤكِّد هذا، هو يمنع حقوق الله تبارك وتعالى، هو يتعدى ويخرق ويهتك حدود الله، من أجل ماذا؟ أن يستكثر من هذا المال المُحرَّم أو المشبوه، عجيب! أين الإيمان بالله؟ هذا قول، قول! كما قلت لكم يحدث الكسوف، يحدث الانقلاب المُروِّع الرهيب، الاختبار يُريد أن يقفنا وأن يقف كلاً منا على هذه الحقيقة، مدى التفاوت بين ما تقوله وتعتقده وبين ما تعيش، ولذلك مَن أحسن الاستفادة من هذه الاختبارات – هي هدايا ربانية لنا بالمُناسَبة، هذه هدايا ربانية – أحسن الاستعداد ليوم الحساب، يُصبِح وضعه أكثر ترتيباً بإذن الله تعالى، طبعاً يُصبِح وضعه أكثر ترتيباً!

يُفصَل من عمله أو يلحقه شيئ من دين، لا يقر له قرار، يكاد يُجَن! أين الثقة؟ أين الاعتماد؟ وأين التوكل؟ أنت تقول إنك واثق برحمة الله، مُقسِّم الأرزاق، لا إله إلا هو! ولأنه يعلم أنك مُزعزَع ومُضعَضع وضعيف وهش ومُتردِّد وبعيد تفاوت ما بين قولك وفعلك أقسم على هذه الحقيقة لكي تقر قليلاً وتسكن، قال فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ۩، رزقكم مكفول، لا تقلقوا بشأنه، لكن الإنسان يقلق، لماذا؟ لأن إيمانه بهذا الذي أقسم – لا إله إلا هو – ضعيف جداً جداً، إيمان قول!

ولذلك هذا يُفضي بنا إلى سؤال آخر ومسألة أُخرى حرجة جداً، ماذا نفعل بهذه المعارف الدينية التي نتلقَّاها، نتعلَّمها، نُعلِّمها، ونُبشِّر بها؟ ماذا نفعل؟ هذه المعارف إنما كانت أصلاً من أجل أن تُستثمَر يا إخواني، ميدان استثمارها الأصيل العتيد الذات، النفس! أول ما ينبغي أن تُستثمَر في، فيك، فيها، فينا! من أجل ذلك هي كانت أصلاً، من أجل أن تُستثمَر فينا، كثيرٌ من الناس ترك هذا الاستثمار، وذهب يا إخواني يستثمرها في ميادين أُخرى، بعضهم يستثمرها في ميدان تحصيل الأموال، أي بها، بالمعارف الدينية! ينصبها شراكاً وفخاخاً، يتغوَّل بها أموال السلاطين والأمراء والأغنياء والغلابة حتى من الناس إن أمكنه، أليس كذلك؟ مُمكِن جداً، وهذا واضح، لنا نأتي بأمثلة حتى لا نُحرِج ولا نجرح أحداً، ليس من بُغيتنا أن نجرح أو نُجرِّح في الناس، لكن هذا موجود.

ولذلك هذه المعارف أيضاً مرنة جداً، مثل عجينة طيعة بين أيدي هؤلاء الذين ما أحسنوا الاستثمار والله، هم يظنون أنهم أحسنوا الاستثمار وأنهم أذكياء وشطّار ومهرة، أنتم غلابة ومساكين لكن نحن بهذه المعارف كوَّنا الملايين، والله ما مسكين إلا أنت، والله – وعزة جلال الله – ما مسكين إلا إنت، أنت الذي ارتضيت بالدون، أنت الذي استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، أخذت البعر – أعزكم الله – وتركت الدر، الدر هو هذه المعارف الإلهية، أهدرتها وأخذت عوضاً منها الدولارات واليوروات، هذا بعر! هذا كله كلام فارغ، عما قليل ستموت، كلنا سنموت، لا أحد مُخلَّد، هذه أكثر الحقائق سطوعاً وإقلاقاً، سنموت! ستعود إلى الله – إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩ – بماذا؟ بالاستثمار الذي استثمرته في نفسك، ستعود هيكلاً عظمياً فقيراً، عظم بلا لحم، لا شيئ عليك، فقير أنت! وربما يعود بعض مَن استمع إليك ومَن استغللتهم وأحسنت استغلالهم ببعض هذه المعارف، يعودون سمينين، أغنياء بإذن الله، موفورين لرب العالمين، ببعض ما استفادوا من كلامك، ولم تكن النية فيه خالصة.

لم يستثمروه في أنفسهم، استثمروه لكي يُحصِّلوا به الأموال أو الجاه عند الناس والرفعة والمحمدة، هذا الذي أرادوه أو أشياء مثل هذه، كلها أشياء سخيفة، بالقياس إلى ماذا؟ إلى طبيعة هذه المعارف الإلهية العالية، التي جاءت لكي تُلحِقك بالملأ الأعلى، لكي تدلك على جوهر إنسانيتك، لكي تسمو بك من الأفق الحيواني، وبلا شك أن كلاً منا ينطوي على أُفق حيواني، لا يقل لي أحد لا، كلٌ منا وبلا شك ينطوي على أُفق حيواني، في نهاية المطاف جُزء فينا حيواني، هذا أكيد! نحن نأكل ونشرب ونأتي أهلنا كما تفعل الحيوانات، هذه هي صفات الحياة، طبيعة موجودة فينا! ولكن أيضاً فينا جُزء آخر هو الذي جعلنا مُستخلَفين في هذه الأرض، خلفاء الله في هذه الأرض! جُزء آخر مُختلِف تماماً، ولا ينتمي إلى طبيعة هذا العالم، هذا الجُزء مُسكَّت مُصمَّت مظلوم مُضطهَد ومهضوم عند هؤلاء الغلابة المساكين، الذين يُبشِّرون بأشياء يكفرون بها عملياً، هل هذا واضح يا إخواني؟ وعند آخرين ليسوا بثمابتهم في الشُهرة والعلم هذا الجُزء ليس مهضوماً، إنما هو موفور، موفور ومُحترَم ومُقدَّر، وبه صاروا بشراً حقيقيين، صاروا عباداً لله، وهذا مُنتهى الشرف، أن تكون عبداً لله، لا إله إلا هو! لكن لا بالأُفق الحيواني، وإنما بهذا الأُفق العالي المُتسامي.

فإذن سؤال استثمار، أين استثمرت هذه المعارف؟ كل هذا يعود في نهاية المطاف ويؤول إلى المسألة، طبيعة المعرفة! لِمَ تُعامِل هذه المعارف كما تُعامِل تلك المعارف؟ هما من طبيعتين مُختلِفتين تماماً، لم يلتفت إلى هذه الحقيقة فضل السبيل طيلة حياته، ضل السبيل طيلة حياته!

طبعاً بعض الناس يُبالِغ في تقرير هذه النُقطة على نحو غير صحيح، أي غالط، لا يخلو من غلط ومن اشتباه والتباس، فيقول لا يعنيني ما تُؤمِن به، إنما الذي يعنيني كيف تعيشه، غير صحيح! هذا اشتباه كبير، اشتباه كبير يُوضِّحه حقيقة أن من الناس ناساً فعلاً المسافة – بالفعل وفي الواقع – بين رؤاهم وآرائهم ومُعتقَداتهم وأفعالهم وعيشهم شبه معدومة، قد تقول لي هذا جيد، لكن ليس دائماً، ليس دائماً! لماذا؟ لأنهم لم يُحسِنوا انتخاب ما يعيشون به ووفقه، كما قلنا الحكمة أساسان، أن تُحسِن الانتخاب ثم أن تنعدم المسافة بين عيشك وبين ما انتخبت، هذه الحكمة! هذه الحكمة الكاملة وصاحبها هو الحكيم، بعض الناس لم يُحسِن الانتخاب، هو انتخب آراء رديئة وعقائد في غاية السوء، وعاش وفقها تماماً، كان أميناً لها ووفياً لها، لكنه ليس حكيماً، هذا قد يكون مُجرِماً، قد يعيش مُجرِماً، قد يعيش قاتلاً، قد يعيش طاغوتاً رهيباً، قد يعيش لعنة على نفسه وعلى مَن اتصل به، هؤلاء موجودون! خلاف لمَن أحسب الانتخاب وعاش وفق ما انتخب، والمسافة دائماً كانت قريبة وأحياناً معدومة، هذا هو الحكيم، هذا هو الذي يُخلَق رحمةً لمَن حوله، رحمةً لنفسه ورحمةً لمَن اتصل به أو اتصل سببه به، يا إخواني هو هذا!

لذلك يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ۩ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ ۩، ما أعظم هذه الكلمة! ما أحنى وأرحم هذه الكلمة! هذه الكلمة كلمة مُخيفة في ظاهرها، المقت أشد الكره وأعظم الكره، الله يكره جداً مَن يفعل هذا، هذه الكلمة فيها حنو غامر، فيها حنو غامر جداً! كيف؟ إذا أردت أن تُفكِّر في الله – تبارك وتعالى – لكي تُوقِن أنه مصدر الخير والرحمة والحُب والجمال والبر، لا إله إلا هو! هو يقول أنا أكره هذا لكم ومنكم جداً، ما الذي تكرهه يا مولانا؟ ما الذي تكرهه؟ قال أكره أن تُضيِّعوا أنفسكم، أكره ألا تُحسِنوا أن تستفيدوا مما اختطته لكم من سبيل الهُدى وبه سُعدكم وفلاحكم في الدنيا والآخرة، ستصيرون أسعد الموجودات، أسعد الكائنات! لكنكم لا تفعلون، مغبونو الصفقة، فأنا أكره هذا، أكرهه منكم ولكم، هذا الكره يدل على ماذا؟ على رحمانية فيّاضة، على حُب غامر – لا إله إلا هو – من الله – تبارك وتعالى – لعباده، هل هذا واضح يا إخواني؟

في الدنيا تنظر في بعض لؤماء الناس، ضيقي العطن النفسي من الناس، يُحِب لك الواحد منهم أن تتدهور، يكره لك أن تسلك سبيلاً تكسب من ورائه خيراً مادياً أو معنوياً، أليس كذلك؟ يُضلِّلك، لأنه لئيم، خالٍ من النور، من الذوق، ومن المحبة، رب العالمين – بالعكس – هو مصدر كل محبة ونور وكرم، لا إله إلا هو! إذا أحب شيئاً لك أو أبغض شيئاً لك إنما في نهاية المطاف يُحِب ما فيه سعادتك وصلاحك وخيرك.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرَّجته، ولا كرباً إلا نفَّسته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، أعِذنا من شر نفوسنا وألهِمنا رُشدنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وحقِّق لنا الأماني في رضاك.

اللهم اجعل خشيتك أخوف الأشياء عندنا، واجعل محبتك أحب الأشياء إلى نفوسنا، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقر عيوننا من عبادتك برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.

___________
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (24/11/2017)

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

3ilaj_takafat_almahana

علاج ثقافة المهانة

عقيب حول خطبتي “متلازمة المهانة” فيه دعوة إلى تأسيس ثقافة جديدة تقطع مع السائد يغلب …

اترك رد