لقاء مفتوح في فضاءات الفلسفة والعقيدة والإيمان والمنطق والأخلاق مع الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم

بدأ أحد مُنظِّمي الجلسة بالتسمية وقال أنه سيبدأ اليوم بتلقي الأسئلة، وطريقة طرح الأسئلة ستكون بأخذ أربعة أسئلة من كل طرف ثم يُجيب الشيخ، مُشيراً إلى أن حُسن السؤال نصف الإجابة وإلى ضرورة اختصار السؤال حفاظاً على الوقت.

– بدأ أحد الحضور بإلقاء السلام ورد عليه الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم بدوره ثم قال أن فضيلته طرح الكثير من المواضيع والآن هو يحضره نُقطتان مُشيراً إلى أن هذا ليس تخصصه لكنه مُهتَم بهذا الموضوع، قال أن فضيلته طرح موضوع الأخلاق والدين وأن الأخلاق لا تستقيم بدون الدين، ثم طلب منه أن يُناقِش هذه الفكرة لأن عنده مُلاحَظة في الحقيقة عن هذا الموضوع، وذكر أن السؤال الثاني عن مفهوم العدالة، أي مفهوم العدالة من وجهة نظر الفلاسفة، مُشيراً إلى أن نيتشه Nietzsche كان يرى أن الحكم القوي هو الذي يُمثِّل مفهوم العدالة، وحتى ميكافيلي Machiavelli كان يرى هذا، أما في رأي سقراط Socrates لا يخرج مفهوم العدالة عن الأُطر الاجتماعية، فهل مفهوم العدالة مُطلَق أم نسبي؟ وكيف ننظر إلى العدالة؟ وشكراً جزيلاً، ورد فضيلته بدوره قائلاً العفو.

– بدأ أحد الحضور بالتسمية وقال أنه يُحِب أن يسأل فقط عن النقد التاريخي والمقصود به.

– طرحت إحداهن السلام وقالت أن عندها استفسار بخصوص التراث الصوفي الإسلامي مُشيرة إلى أن بعض العلماء اتُهِموا بالزندقة والكفر في حين أن تراثهم في الوضع الحالي يُعتبَر غالياً جداً جداً جداً، ثم سألت كيف يُمكِن التعامل مع التراث والأخذ منه؟

– طرحت إحداهن السلام وسألت عن الكيفية التي ينبغي بها أن يتحكَّم الإنسان في الأفكار بحيث يقود أفكاره لا أن تقوده هي، وأرادت أن يُوضِّح فضيلته موضوع عالم الموت، ثم طرحت سؤالاً عن اليقين الصادق، وقالت كيف يُمكِن أن يصل الإنسان إلى اليقين الصادق؟

– أشار مُنظِّم الجلسة إلى أنه سيتم تلقي الأجوبة الآن من الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم، وهو ما حدث على النحو التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومَن والاه، سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩، اللهم افتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين.

أما بعد إخواني الأفاضل، أخواتي الفُضليات:

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله تعالى وبركاته، في الحقيقة طُلِب مني أن أكون مُختصِراً لدى جوابي عن هذه الأسئلة وسأُحاوِل، وهذه مُهِمة صعبة طبعاً لأن الأسئلة كبيرة، بعض الأسئلة كبيرة وضخمة وموضوعاتها إشكالية والكلام فيها طويل الشعوب – كما يُقال – والذيول، لكن سنُحاوِل أن نُعطي إلماحات وإيقاظات بحسب ما يتسع له المقام إن شاء الله تعالى.

أخي الأستاذ الفاضل أبو نعمة طلب تنويراً زائداً لمسألة لم طبعاً أتعرَّض لها، فقط أنا ذكرتها في سياق آخر، وهي مسألة قناعتي الشخصية ضمن مُفكِّرين آخرين أن الأخلاق لا يُمكِن أن تقوم بلا دين أو على غير أساس من الدين، طبعاً هذه المقولة يُمكِن أن يختلف معي فيها كثيرون إذا لم نُحدِّد بالضبط مفهومنا للدين، لست أعني الدين السماوي أو حتى الأديان التوحيدية، أنا أتكلَّم عن الدين بالمعنى الأعم، وهذا مُهِم جداً، المعنى الأكثر عمومية للدين هو الاعتقاد بالمُفارِق، أي أن هذا الكون ليس مُكتفياً بذاته وليس مُكتفياً بنفسه، هذا المعنى الأعم للدين، وطبعاً هناك مُحدِّدات عامة لكل دين واختلف فيها أيضاً دارسو الأديان وفلاسفة الأديان، لكن من ضمن المُحدِّدات التي ذكرها ويليام جيمس William James في كتابه ألوان من الخبرة الدينية هذا المُحدِّد كرقم واحد، أي الاعتقاد بعالم آخر والاعتقاد بقوة أُخرى خارج الكون وغير مشمولة بالكون، طبعاً هذه القدرة لها لياقة ولها الرغبة أيضاً أن تتواصل مع هذا العالم بطريقةٍ أو بأُخرى، تختلف طرق هذا التواصل في الأديان التوحيدية أو الوحيانية – كما يُقال – عن طريق الأنبياء والمُرسَلين، في أديان أُخرى عن طريق الإلهام والحدوس وإلى آخره، أنا أتكلَّم عن الدين بهذا المعنى، المعنى الأكثر إطلاقية وعمومية، وليس عن الدين بالمعنى الأخص.

– قاطع أحد السادة الحضور فضيلته قائلاً هل بمعنى الالتزام؟

فرد الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم قائلاً لا، ليس فقط الالتزام، الذي تكلَّمت عنه يُوشِك أن يكون تحديداً فلسفياً للدين، ما هو؟ الاعتقاد أن هذا الكون أو هذا الوجود أو هذا العالم ليس مُكتفياً بذاته، هناك ضروب كثيرة من الفلسفات المادية والتوجهات حتى العلمانية كالعلمانية الكُلية تعتقد أن هذا الكون مُكتفٍ بذاته، فهي نظريات مادية محضة لا تعتقد بأي شيئ مُفارِق وبالتالي يُصبِح الإنسان مرجعية ذاته، في نظري هذا ليس خطيراً فقط، هذا مُدمِّر وكارثي، هذه الطريقة من التفكير هي التي أفرزت لنا الفلسفات النيتشوية، نيتشه Nietzsche لم يكن طبعاً يُؤمِن بأي شيئ مُفارِق، رسالته الكُبرى كما عبَّر عنها تحطيم كل هذه الأصنام، لما حطَّم الدين حطَّم الأخلاق طبعاً، ماذا استبقى من الأخلاق هو؟ استبقى أخلاق العنف وأخلاق القوة وأخلاق الإنجاز وأخلاق دهس الآخرين، كان يقول إذا رأيت ضعيفاً – إنساناً أشل أو أعمى مثلاً – ويُوشِك أن يقع في حفرة دُعه فيها، ولك أن تتخيَّل هذا، هذا نيتشه Nietzsche وهو فيلسوف أخلاقي، هذا معنى الأخلاق عنده، هذه هي الأخلاق لديه، قال دُعه فيها، أي هذا الأعمى أو هذا المشلول دُعه في الحفرة لننتهي منه فهذا أفضل، وطبعاً بعد ذلك حتى النُظم الشمولية كالفاشية والنازية كلها ترتبت على مثل هذه الأفكار ومثل هذه النظريات، فالاعتقاد بأن الإنسان مرجعية ذاته يعني بجُملة واحدة وبكلمة واحدة وبخُطوة واحدة فعلاً أن البقاء للأقوى، وهذا ما حصل وهذا ما يحصل، بخلاف الاعتقاد بالمُفارِق.

ذات مرة طرحت سؤالاً وقد يكون طرحه غيري أيضاً، هناك عبارة – ما دام ذكرنا نيتشه Nietzsche – لنيتشه Nietzsche تقول – وهذا جُزء من فلسفته الأخلاقية – إن أخلاق الرحمة والحلم والصبر والعطاء والإحسان ورحمة الكبار بالصغار ورحمة الواجدين بالمُترَبين كلها حيلة ابتدعها الضعفاء لكي يختلوا بها الأقوياء، لكي يضحكوا على ذقونهم ويأخذوا شيئاً من مُنجَزاتهم، في مُقابِل نيتشه Nietzsche وقف ماركس Marx لكي يقول مقولة مُعاكِسة تماماً، قال هذه الأخلاق حيلة احتال بها الأقوياء والكبار لكي يستضعفوا بها الصغار، أي لكي يُسكِتوهم، فبعبارة أُخرى نقول الدين وأخلاق الرحمة وأخلاق المودة والإحسان في نظر نيتشه Nietzsche هي من ابتداع الضعفاء لسرقة مُنجَزات الأقوياء، ماركس Marx عكس الآية، وطبعاً ماركس Marx سابق على نيتشه Nietzsche بقليل، نيتشه Nietzsche مات في ألف وتسعمائة لكن ماركس Marx مات في ألف وثمانمائة وثلاث وثمانين، فهو قريب جداً منه، أي أنهما مُتعاصِران، ماركس Marx قال هذه من اختراع الأقوياء لكي يضمنوا هيمنتهم واستبقاء هيمنتهم على الضعفاء، وأنا طرحت سؤالاً، كلتا المقولتين كاذبتان – وطبعاً هذا وجه في اللُغة، يُمكِن أن تقول كلتاهما كاذبة أو كاذبتان، بعضهما يرى أن هذه أفصح – وخاطئتان، لكن حنانَيْكَ! بعضُ الشرّ أهوَن من بعضِ، أيهما أدنى إلى الحق؟ يُوجَد مَن هو أقرب إلى الحق، أيهما أدنى؟ كلتاهما مقولتان باطلتان، لكن أيهما أدنى إلى الحق؟ لأن الباطل أيضاً بعضه أدنى إلى الحق وبعضه أمعن في البُعد عن الحق وهذا واضح جداً؟ ربنا قال وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ۩، فإذن هو قال أَقْرَبَهُمْ ۩، لا يتطابقون معنا لكنهم أقرب إلينا، النصارى أقرب من اليهود – مثلاً – والمُشرِكين، وهذا واضح، بعض الشر أهون من بعض، ففكِّروا في هذا السؤال العجيب، مَن أقرب؟ كلمة نيتشه Nietzsche أقرب أم كلمة ماركس Marx؟ ولماذا؟

– انقسم السادة الحضور فقال بعضهم ماركس Marx وقال البعض الآخر Nietzsche، فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم إذا أردنا أن نتحاور سنقول لماذا ماركس Marx أقرب؟ لماذا نيتشه Nietzsche أٌقرب؟ فعلَّق أحدهم بأن الفقير أولى بخلق هذه الصفات لكي يستمر لكن الغني لا يُساوَم، ثم قال آخر أن الغني يملك القوة، فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم على كل حال الذين قالوا نيتشه Nietzsche أنا أتفق معهم، قد يكون الذين قالوا ماركس Marx على صواب لكن أنا أتفق مع أن مقولة نيتشه Nietzsche هي الأقرب، لماذا؟ سأُبرِّر لكم، طبعاً في ردنا على ماركس Marx لا يعدم الآن ولن يعدم الأقوياء والكُبراء ألف حيلة وحيلة غير الدين وغير الأخلاق لكي يُهيِّمنوا على الضُعفاء بما فيها الحديد والنار والسجون والزنازين والترهيب، فهم لا يعدمون هذه الأشياء، لكن انتبه إلى التالي، الضعيف المسكين إذا عدم حيلة – لو افترضنا أنها حيلة، هذا يُسمونه بالتنزل، هذا نقاش اعتباطي فقط من باب التنزل – الدين والأخلاق المُرتبِطة بالدين بماذا يُقنِع القوي لكي يُعطيه ولكي يحن عليه؟ لا شيئ، لا يستطيع، ليس في يده شيئ، لذلك نيتشه Nietzsche أقرب إلى الصواب، على كل حال أعود إلى الموضوع الرئيس.

إذن أنا أتحدَّث عن الدين بالمعنى الأعم، ليس الديني الوحياني، ليس الدين بالمعنى الأخص، محمد عبده – رحمة الله عليه – صاحب المنار أو الأجزاء الأولى من المنار طبعاً أراد أن يتكلَّم عن الدين لأن الله يتكلَّم عن الدين ويقول الله إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ ۩، ليس دين محمد وإنما محمد وموسى وعيسى ونوح وإدريس، كل الأديان، قال الله إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ ۩، قال هذا الدين قوامه شيئان فقط، الإيمان بالله والحساب في الآخرة، أن هناك إلهاً وأن هناك حساباً، أي هناك مُساءلة، فقط هذا الدين، قال أساسان في كل دين، فجرَّد الدين من كل مُشخِّصات الدين وجعله فقط مُقتصِراً على هذا الاعتقاد الوحياني الأعلى، أعني الإيمان بالله واليوم الآخر، والقرآن قال هذا، قال الله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۩، علماً بأن هذه آية مُشكِلة وحولها بحث طويل جداً جداً، وهذه الآية إلى الآن لم تُدرَس حق درسها ولم يُفرَغ من القول فيها، بالعكس أنا أرى أن كل المُفسِّرين تحاموا الكلام فيها لأنها مُشكِلة وخطيرة جداً، وكل ما قيل فيها ليس بكافٍ، هذه آية خطيرة جداً جداً، هذه الآية يُمكِن أن تُشكِّل دستوراً في الاجتماع الديني الكوني للعالمين، على كل حال نعود، إذن هذا معنى الدين لدينا وهذا كان أولاً، ثانياً الآن قد يُرد علينا بالقول هذا غير صحيح، لماذا لابد أن تستند الأخلاق إلى دين وإلى الإيمان بالمُفارِق؟ لماذا؟ وقد وجدنا أن ماركس Marx نفسه وقد اقتبسته قبل قليل كان رجلاً أخلاقياً بشكل لافت، وأنا قلت لكم أنني مُعجَب بالجانب الإنساني في ماركس Marx، ماركس Marx في الرابعة والعشرين من عمره احتاز على الدكتوراة بامتياز، كان يستطيع أن يعيش من هذه الدكتوراة ويأكل الذهب، يُمكِن أن يُدرِّس مثل أي بروفيسور Professor في الجامعات الألمانية ويكون إنساناً مُحترَماً، لكن الرجل عاش فقيراً ومات فقيراً ولم يكن يجد العلاج حتى لبُنياته من أجل أنه يُفكِّر في مصلحة وفي مُعاناة الضعفاء المسحوقين، وهذا جانب إنساني عظيم جداً جداً جداً، في نظري هذا أشرف من ملايين من رجال الدين اليهود والنصارى الذين كانوا يتحالفون مع القوى البرجوزاية والقوى الرأسمالية لسحق هؤلاء المُضطهَدين، هو أشرف منهم وأكثر إنسانية منهم وأعظم أثراً في تاريخ الدنيا منهم، هذا الرجل أقام الدنيا ولم يُقعِدها، أثَّر في النهاية، فالتاريخ أثبت حاجة الناس إليه وحاجة المرحلة – وربما كل مرحلة – إلى مثل هذا الفكر، فهذا الرجل عنده أخلاق، وهي أخلاق عالية جداً جداً، يكفيه هذا الاهتمام ليشهد على أخلاقيته وأخلاقية منازعه الفكرية بغض النظر عن توفيقه في أشياء وخذلانه في أشياء أُخرى، لكن من أين استمد هذا؟ هو هذا، ماركس Marx لم ينشأ في فراغ، ماركس Marx لم ينشأ على المريخ ثم أتى بالباراشوت Parachute على الأرض على أنه مُلحِد صِرف محض وأتى إلينا بهذا الطرح الأخلاقي والفلسفي طبعاً والاقتصادي، هذا غير صحيح، ماركس Marx نشأ في أسرة يهودية دخلت بعد ذلك في النصرانية، أليس كذلك؟ ماركس Marx كان يقرأ تراث الأمم الغابرة الروماني واليوناني، ماركس Marx في كل صيف كان يقرأ هومر Homer، وخاصة الإلياذة والأوديسا، وذلك في كل صيف، وطبعاً النفس الديني والمثيولوجيا Mythology طبعاً واضح وكان يتخلل كل نسيج هذه المقروءات وهذا التراث، إذن لا يستطيع لا ماركس Marx ولا نيتشه Nietzsche ولا كانط Kant ولا أي أحد أن يُفلِت من تأثيرات الدين، تأثيرات الدين تتخلل كل شيئ في الأدب وغيره، ماركس Marx يستخدم كثيراً جداً في كتبه – وأنا قرأت مُعظَمها – كلمة شهيد، والشهيد كلمة ذات إيحاء وذات أساس ديني، إلى الآن الشيوعيون يستخدمون كلمة شهيد، يقولون شهيد، شهيد ماذا؟ تتحدَّثون عن أي شهيد؟ الشهيد مُصطلَح ديني عُرِف في العهد الروماني مع الشهداء المسيحيين، أي عصر الشهداء، لكنه كان يستخدمه كثيراً.

إذن نستطيع أن نقول كل ما نلمسه من أخلاقيات هؤلاء العلمانيين الكبار والملاحدة أيضاً يعود وتنميه أُسسٌ وأصولٌ دينية لم يستطيعوا الإفلات منها، سأُعمِّق هذا المنظور حتى لا أُطيل عليكم بمثال أخير، جيفارا Guevara – تشي جيفارا Che Guevara الطبيب البرجوازي – من عائلة برجوازية أيضاً لأب وأم مُحترَمين، وكان يستطيع أن يُواصِل حياته في الأرجنتين كأي طبيب أيضاً ويعيش مُعزَّزاً مُكرَّماً، لماذا فعل الرجل ما فعل؟ قطع وسلخ شبابه ومات حتى في بداية كهولته من أجل الشعوب المظلومة، كان أمله الذي يحدوه أن يُشعِل ألف ثورة في ألف بلد وأن يُحرِّر الدنيا، أعني خُطة الألف نار، يُسميها خُطة الألف نار، أنا قلت مرة وفي مسجد قلتها – في مسجد رسول الله، وكل المساجد لله ورسوله – قلت تشي جيفارا Che Guevara في نظري أخلاقي، وطبعاً أنا أُحِب أن أكون صادقاً، وأنا أختلف عن المشائخ في مسألة بسيطة وأعوذ بالله من كلمة أنا، أُحِب أن أتكلَّم قناعاتي، لا أُحِب أن أُهادِن لا الجماهير ولا المشائخ ولا طلّابي ولا العلماء، أُحِب أن يكون عندنا نوع من الحرية ثم نتناقش ونتحاور، كثير من الطروحات حين توصَّلت إليها حين كنت أجلس مع بعض إخواني من العلماء الكبار – علماء كبار على مُستوى الأمة العربية – يقول لي الواحد منهم والله يا شيخ أنا هذا في قلبي منه شيئ من عشرين أو ثلاثين سنة، إذن لماذا تسكت؟ تحدَّث يا أخي وقل هذا، قل أنت وأنا سأقول وهو سيقول وبعد ذلك سنتعوَّد على هذا، لكنهم يسكتون ويقولون ما يطلبه المُستمِعون، أي الجماهير، وهذا غير صحيح، وقلت أكثر الذين درسوا حياة هذا الثائر الكبير – أعني تشي جيفارا Che Guevara – يتأثَّرون به، وأحياناً تبكي رُغماً عنك، حين تقرأ حياة هذا الإنسان أنت تبكي، حين تُشاهِد وثائقياً عنه وعن نهايته المأساوية تبكي أيضاً وتشعر بالصغار، أنك صغير بالنسبة إلى هذا الإنسان المُلحِد، فهو ماركسي مُلحِد لكنه أخلاقي، كان أخلاقياً بشكل غير طبيعي، هل أنا أخلاقي مثله؟ مُستحيل، مُستحيل أن يكون شيخ من علماء الدين في الإسلام أو في اليهودية أو في النصرانية أو في أي دين من الأديان يأكل ويشرب وينتفخ من أرزاق الناس وفي نفس الوقت يُفتي ضد مصلحة الجمهور وضد الشعب، أليس كذلك؟ لصالح السُلطان الظالم ولصالح كذا وكذا وأحياناً لصالح الاستعمار وبعد ذلك يقول أنا أخلاقي، عن أي أخلاق تتحدَّث؟ بالعكس أنت تذبح الدين بسيف الانتهازية والوصولية، وهذا أشرف، فلماذا نتأثَّر به؟ لعل في الجزيرة قبل سنتين بثوا عنه برنامجاً وثائقياً لطيفاً جداً، ورأينا مُحجبات يستوحين جيفارا Guevara، وأنا لم أستغرب من هذا، هذا طبيعي جداً جداً، يستلهمن جيفارا Guevara، لماذا تستلهم الواحدة منهن جيفارا Guevara؟ لا ترى مِن علماء الدين ومن رجال الدين مَن هو في مثل قامة جيفارا Guevara ومَن هو في مثل تمحيض جيفارا Guevara نفسه لمصلحة العالم ولمصلحة الكون ولمصلحة البشر، فأنا قلت لهم سأقول لكم شيئاً، جيفارا Guevara بشكل أو بآخر هو مُؤمِن بالله تبارك وتعالى، هو لم يُدرِك أنه مُؤمِن، هو كفر بالله – كما قلت لكم – بالمعنى الذي كفر به ماركس Marx، كفر بالله الذي تُمثِّله الكنيسة والذي يُمثِّله البابا، قال إذا هذا هو الله أنا كافر به، لا أُريده ولا أُؤمِن به.

جاء ذات مرة أحد الناس أيها الإخوة والأخوات إلى أحد الأئمة الكبار وقال له يا إمام ما بالنا ندعو الله – تبارك وتعالى – فلا يستجيب لنا؟ قال له أنت ما دعوته، قال له كيف؟ أنا لا أزال ولا أدأب وأدعوه، قال له أنت لا تدعو الله، أنت تدعو إلهاً قددته على قد هواك، أُسقِط في يده الرجل أو سُقِط في يده الرجل، وهذا جواب عجيب وصحيح مائة في المائة، قال له أنت لا تدعو الله الذي تعرَّف إلينا في كتابه الكريم على أنه كذا وكذا وكذا وكذا والذي يطلب أيضاً منا كذا وكذا لنا – لا يطلب شيئاً له – وإنما تدعو الله الذي قددته أنت وفصَّلته على قدك، بعض الناس لا يعرف الله – تبارك وتعالى – حين يكون قوياً مُتسيداً مُتسلِّطاً في موقع المسئولية وسُدة الحكم، لا يعرف الله حينها، يعرف كيف يمسخ – والعياذ بالله – مَن أمامه وكيف يتغوَّل ماله وكيف يُصادِر حُرياته وكيف يُهين كرامته وكيف يستذله ويستخزيه، لكن حين يُصبِح هو في موقف الضعيف يبدأ يجأر ويقول يا الله يا الله، عن أي إله تتحدَّث أنت؟ مُستحيل، أليس كذلك؟ لذلك هذا عبد مُنكَر، الملائكة تقول يا رب هذا صوت من عبدٍ ضعيف، صوتٌ مُنكَر من عبدٍ مُنكَر، هذا لم يعرف الله، أليس كذلك؟ ليس العبد الذي تعرَّف إلى الله وعلى الله في الرخاء لكي يعرفه في الشدة فانتبه، هو يعبد إلهاً على قده وعلى مقاسه، يُريد إلهاً يُحقِّق له أهواءه فقط ومصالحه، مهما حقَّقها كان إلهاً طيباً كريماً، وتماماً هذه وثنية، هذا ضرب من الوثنية، اليونانيون كانوا يعبدون الإله بان Pan، إله الخصب والرعي والمراعي، فإذا قُحِطوا ولم تُمطِر السماء ولم تُنبِت ذهبوا إليه وقذفوه بالحجار ولعنوه، يقولون له لماذا لم تُعطنا؟ هذه مصالح مُتبادِلة، ليس هكذا الله تبارك وتعالى، ولذا قال له أنت لا تعبد الله، فأنا أقول بمعنى مُعاكِس بالعكس جيفارا Guevara كان يعرف الله – تبارك وتعالى – بمعنى من المعاني، ليس بالمعنى الكامل الذي نعرفه به، إن شاء الله نكون مِمَن يعرف الله بالمعنى الكامل، كيف؟ أنا أقول لكم مَن يستطيع أن يُقارِب كذات؟ لا أحد، لا يُمكِن هذا حتى للأنبياء، لا يُمكِن لأحد أن يعرف الله كذات، لأن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩، الذات لا كالذوات، لا ينطبق عليها أي شيئ مما ينطبق على كل شيئٍ مخلوق وموجود، لا إله إلا هو، ولذلك كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩، لكن كيف نُقارِبه إذن؟ نُقارِبه كصفات وكاتجاه، نُقارِبه – لا إله إلا هو – كرحمة، نُقارِبه ككرم، نُقارِبه كتسامح، نُقارِبه كمعنى إذن وليس كذات، علماً بأن هكذا نصل إليه، وهذا جوهر الدين، الأخت التي سألت في النهاية عن اليقين الصادق وما إلى ذلك أقول لها هذه بداية اليقين، هذه بداية اليقين فانتبهوا، ولذلك يجتمع أن ترى الإنسان دائماً يهتف ويُهِل باسم الله – تبارك وتعالى – وربما تنهل دموعه لكن مسيرته في الحياة ومسلكه يُؤكِّد أنه من أبعد خلق الله عن الله، فما معنى أن نُقارِب الله كمعنى؟ كما في الحديث: عبدي مرضت فلم تعدني، مرضت! وهذا الحديث في مُسلِم، يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ ألم تعلم أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما إنك لو عُدته لوجدتني عنده، الله أكبر، هذا هو الله فانتبهوا، هذا هو الله، ولذلك قال لك أنا عند المُنكسِرة قلوبهم من أجلي، إني أدنو إليهم كل يوم كذا وكذا قيراطاً ولولا ذلك لانهدموا، مَن كان مع الضعفاء والمساكين والمحاويج والمكسورة قلوبهم من أجل الله وجد الله وشعر بالله، الله يُشعَر به فانتبهوا، مُشكِلتنا نحن أننا نُريد أن نعلم الله، ندرسه في الكتب العقائدية التي تتعلَّق بعلم الكلام واللاهوت، وهذا كلام فارغ، المُهِم أن نشعر بالله، أن نجد الله في نفوسنا، قال الله في الحديث القدسي لم تسعني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن، وقال النبي إن الله تعالى يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني، فقال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا بن آدم، استسقيتك فلم تسقني، قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه؟ أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي، أرأيتم؟ هذه مُقارَبة الله كمعنى، إذن جيفارا Guevara كان يُقارِب الله كمعنى، كان يُقارِب الله ككرامة للإنسان وكحرية للبشر وكعزة وكعدالة وكمُساواة بين الناس، هذا هو الله، بهذا المعنى كان المسكين يعبد الله ويُقارِبه دون أن يشعر، وأنا أقول لكم هذا سر تعاطفنا الفطري معه، وحتى يكون الشيخ مُتقياً كثيراً ويتعاطف في الداخل معه، يقول هذا إنسان نبيل، وطبعاً هو نبيل، لأنه يُقارِب الله تبارك وتعالى، لكنه يحمل العنوان الخطأ، هو يحمل لافتة خاطئة، نحن العكس، نحمل لافتة الله والرسول ونسير في الطريق الخطأ، والعنوانات – أي العناوين – لا يُمكِن أن تُغني عن الحقائق شيئاص، أكتفي هذا القدر، إذن هذا الذي أُريد أن أقوله، بهذه الطريقة إذن يُصبِح فعلاً لا معنى للأخلاق خارج الدين ولكن بهذا المعنى للدين وبهذا المعنى لمُقارَبة الله تبارك وتعالى.

نأخذ سؤال أخينا الفاضل عن النقد التاريخي، إذا أردت أن تتوسَّع في هذا الدكتور المرحوم عبد الرحمن بدوي عنده كتاب كامل في النقد التاريخي، وطبعاً هناك كتب كثيرة جداً، كارل بوبر Karl Popper عنده كتاب في عقم التاريخانية، أي استخدام التاريخ مذهباً في تفسير كل شيئ، مثل الاقتصادوية – مثلاً – من جهة أُخرى، فهو عنده كتاب مُمتاز وأنا أنصح بقراءته اسمه عقم التاريخانية، أي المذهب التاريخاني، لكن تقليدياً جرى استخدام هذا المُصطلَح – النقد التاريخي – على مُستويين، النقد الخارجي والنقد الداخلي، النقد الخارجي بنقد الوثائق والمُستنَدات، لأن التاريخ ما هو؟ التاريخ هو أشخاص وأماكن وأحداث، الأحداث تفنى لأنها أعراض انتهت، والأشخاص يموتون ويفنون، وتبقى الأماكن والسيرة، السيرة محفوظة في الوثائق وفي المُستندَات، وإلا يضيع الحدث، يعوم مُباشَرةً في بطن العدم التاريخي، الإمام السخاوي في كتابه الإعلام بالتوبيخ لمَن ذم التاريخ كتب يقول مَن ورَّخ – أي مَن أرَّخ – ميتاً فقد أحياه، وكذلك مَن كتب سيرة مدينة أو سيرة حدث أو سيرة معركة فقد أحياها، وإلا تعوم في بطن العدم التاريخي، ففي هذه المرحلة لابد من نقد المُستنَدات والوثائق وفق مناهج مُعيَّنة، هنا نفخر – لنا الفخار كمُسلِمين بفضل الله – أن علماء مُصطلَح الحديث قدَّموا هنا – للبشرية وليس فقط للمُسلِمين – زاداً غير مسبوق، قواعد في النقد الخارجي من أذكى ما يكون لكنها غير كاملة، أنا أقول لكم أنها غير كاملة Perfect، تُوجَد عليها نقود في بعض الأشياء ولابد أن تُتمَم، مُشكِلة المُسلِمين أنهم بنوا في البداية بنشاطٍ عارمٍ وبجهود مُتلاحِقة مُتسارِعة وحثيثة ثم قعدوا، بعد القرن الخامس تقريباً الهجري لم تُوجَد إضافات حقيقية لا في العلوم الكونية ولا في العلوم الشرعية واللُغوية، إلى اليوم اجترار، مسألة اجترار فقط، لكن لو أكملنا ما بدأ به أجدادنا من وضع ضوابط النقد الخارجي للأسانيد – أسانيد الأحاديث وأسانيد التاريخ – لأتينا بشيئ عجيب.

أذكر العلّامة والمُؤرِّخ الماروني اللبناني أسد رستم، هو علّامة كبير ومُؤرِّخ خطير جداً، هذا الرجل انحدر في أوائل الثلاثينيات إلى دمشق الشام، وهو مسيحي ومُؤرِّخ كبير، وجلس فترةً لا بأس بها بين يدي مُحدِّث الديار الشامية العلّامة الإمام والولي الصالح بدر الدين الحسني قدَّس الله سره الكريم، هذا الرجل فلتة بشهادة الكتاني، قال لم تر الأمة بعد ابن حجر العسقلاني مثله، وُلِد في عام ألف وثمانمائة وخمسين، كان شيئاً رهيباً، كان آية من آيات الله، هو آية من آيات الله حقيقةً، فأسد رستم تعلَّم عليه مُصطلَح الحديث وكتب كتاباً أدعو أخي الفاضل السائل أن يقرأه، وهو في الحقيقة كُتيب يُمكِن أن تقرأه في ساعة، حوالي مائة صفحة من القطع المُتوسِّط، اسمه مُصطلَح التاريخ يُناظِر به مُصطلَح الحديث، وهو مطبوع الآن – الحمد لله أنه طُبِعَ طبعة حديثة أيضاً وقد طُبِعَ قبل ستين سنة – طبعة حديثة في المكتبة العصرية للأنصاري في بيروت، وأنا أنصحكم بقراءته، وقد أثبت فيه أن طريقة علماء المُسلِمين في النقد الخارجي للنصوص – طبعاً الحديثية – ولأسانيد النصوص الحديثية هي أحسن طريقة يُمكِن أن تُعتمَد وأن تُصطنَع في النقد الخارجي للحوادث التاريخية وللوثائق، وهذا شيئ مُمتاز، النقد الداخلي للأسف قصَّرنا فيه كثيراً، المُسلِمون قصَّروا فيه لكن وضعوا له بعض الأُسس وقصَّروا حتى في تطبيق هذا البعض اليسير المنزور من الأُسس، أحسن مَن حاول أن يُحييه بضرب أمثلة واقعية فعلاً من التاريخ العلّامة ابن خلدون في المُقدِّمة، العلّامة ابن خلدون وضَّح لنا كيف يكون النقد الداخلي، الآن بدأنا نُلاحِظ ونلحظ في الفترة الأخيرة من بعض علماء الدين الجريئين والجسورين مُحاوَلات لا يتهيبون فيها من النقد الداخلي لبعض النصوص الحديثية، مع أنها نصوص ثابتة في الصحاح أو ثابتة في الكتب الستة، يقولون لك هذا صحيح، فتمر بالنقد الخارجي لكن النقد الداخلي فيه مُشكِلة، على كل حال هناك قواعد مُطوَّلة وأنا أنصحك أيضاً أن تعود إلى أي كتاب يكون مُوسَّعاً إلى حدٍ ما – ليس مُختصَراً وليس مُسهَباً جداً – في علم مُصطلَح الحديث، فيُمكِن أن تتوسَّع في معرفة طرق العلماء في النقد الخارجي والنقد الداخلي.

على كل حال بمعنى آخر حتى لا أُطيل أيضاً النقد التاريخي يُستخدَم لدى الآخرين بمعنى مُختلِف عن هذا، لا يتناقض مع هذا لكنه يُتمِمه ويلتقي أكثر ما يلتقي مع النقد الداخلي، يُمكِن تقويم الأشياء من منظور تاريخي، يُمكِن أن تُقوِّم عملاً أدبياً من منظور تاريخي، ليس شرطاً أن تُقوِّم فقط أحداثاً تاريخية، يُمكِن أن تُقوِّم عملاً أدبياً أو فنياً من منظور تاريخي بقراءته أو إعادة تسييقه – وضعه في السياق المُفترَض أن يكون فيه – فإما جاز وإما تعثَّر، وهكذا في سائر الأعمال الفكرية، هذا هو باختصار.

الأخت الفاضلة سألت عن التراث الصوفي الفلسفي، مثل الحلّاج وابن عربي – مُحي الدين – وطبعاً ابن سبعين صاحب ود العارف وابن الفارض والسهروردي نفسه صاحب اللوائح وكثيرين، كيف نتعامل مع هذا التراث؟ طبعاً لا أُريد أن أكون مُستسهِلاً في الجواب وأقول كما نتعامل مع أي تراث، هذا غير صحيح، فالتراث الصوفي فعلاً تراث له مزايا وله خصائص، أولاً لُغته لُغة خاصة، مُعجَميتها مُعجَمية خاصة، إذا أتيت الآن بالمُعجَم الشرعي لتُعيد قراءة أو إنتاج التراث الصوفي سوف تتورَّط في أخطاء كبيرة في حق البحث العلمي وفي حق الحقيقة الموضوعية وفي حق هؤلاء الذين تقرأ لهم أو تُعيد قراءتهم وربما في حق الشريعة التي ستُتهَم في النهاية بأنها جافة – مثلاً – أو ظاهرية أو جامدة وإلى آخره، فطبعاً المُعجَم الصوفي مُعجَم مُتميِّز، مُشكِلة هذا المُعجَم أيضاً أن جُزءاً منه لا يُمكِن فهمه بالدرس على طريقة المُستشرِقين بمعنى أنه يشرح بالضبط، هذا لا يكفي، هناك أشياء لا تُفهَم حتى تُعاش، هذا هو، ولذلك حدها وتعريفها يختلف جداً بين من أراد تحديدها، التعريفات كثيرة جداً جداً جداً، وطبعاً هذا في التراث الصوفي بعامة وليس فقط الفلسفي، خُذ الرسالة القُشيرية – مثلاً – وخُذ أي باب وانظر إلى الحدود بعد ذلك، سوف تجدها مُختلِفة تماماً حتى في المُصطلَحات شبه الشرعية أو الشرعية، مثل تعريف التوبة، التوبة أن تنسى ذنبك، والتوبة ألا تنسى ذنبك، تعريفان مُختلِفان لعارفين مُختلِفين، كلٌ يتحدَّث من منظور تجربته الشخصية، من منظور تقييمه الشخصي، طبعاً لماذا أقول لُغة خاصة وصعبة ولابد أن تُعاش؟ لأن لدى الصوفية بالذات كلمة في مُنتهى الروعة، يقولون كلما اتسع المعنى ضاقت العبارة، وأنا فسَّرت هذا فلسفياً، اللُغات – كل اللُغات وليس العربية فقط – موضوعة أصلاً للتعامل التحديدي – أي التعريفي – مع المحدود، لأن لا يُمكِن تحديد إلا المحدود بذاته، إذا كان الشيئ غير محدود لن يُمكِن أن يُحَد، بمعنى أن تُعطيه تعريفاً Definition، لذلك – مثلاً – أن يُعرِّف الله؟ هل يستطيع أحد أن يُعرِّف الله؟ مُستحيل، التعريفات غير منطقية، بمعنى أنها لا تستوفي الشروط المنطقية، بعضهم يُعرِّف الله تعريفاً لفظياً ويقول أنه مُشتَق من ماذا وما إلى ذلك، هذا تعريف لفظي، لكن تعريف الله على الشرط المنطقي مُستحيل، لأن الله – لا إله إلا هو – غير محدود، ولذلك سيبويه صاحب الكتاب لما رُئيَ في المنام بعد موته قيل له يا عثمان – عثمان بن قمبر – ماذا فعل الله بك؟ قال الحمد لله غفر لي وأنزلني مُنزَلاً خيراً، قيل بماذا؟ قال بقولي في الكتاب الله أعرف المعارف لا يُعرَّف، قال هذا في الكتاب فأدخله الله بسببه الجنة، قال الله أعرف المعارف لا يُعرَّف لا إله إلا هو، فلو افترضنا – مثلاً – أننا سألنا أحد السادة وقلنا له مَن هذا الطفل؟ فقال هذا ابني فهذا يجوز، وبعد ذلك إذا سألناه عن رجل شاب يُدانيه ويُقارِبه في السن مَن هذا؟ فقال هذا ابني سوف نقول هذا مُحتمَل، لعله تزوج في الحادية عشرة من عمره مثل عمرو بن العاص، عمرو بن العاص تزوَّج وعمره حوالي عشر سنوات أو أحد عشر سنة، حين يُرى هو وابنه يجدون بنفس الشيئ، نفس السن ونفس الشخصية، فهذا مُمكِن، بعد ذلك سألناه عن رجل في سنه وقد يكبره بقليل فقال هذا ابني، ومن ثم سوف نبدأ نشك، سوف نشك في عقل هذا الإنسان، سألناه عن رجل أكبر منه فقال هذا ابنه، هنا سوف نستخلص حتماً أن هذا الرجل لا يعرف معنى كلمة الابن، إذا اتسعت عنده لتُعرِّف كل شخص في الحقيقة هي لا تُعرِّف أي شخص، أليس كذلك؟ فهذه وظيفة اللُغة، اللُغة لابد أن تتعامل مع محدود فتحده بالألفاظ، بالأمس ونحن في الدروس الفلسفية تكلَّمنا عن كهف ماوراء العقل وطور ماوراء العقل بالنسبة للمُعتكِف في كهف العقل بلغة أبي حامد قدَّس الله سره، وهذا يعني أن ذاك طور لم تُوجَد اللُغة أصلاً للتعامل معه، اللُغة أصلاً قاصرة للتعامل مع المعيش والمذوق والمحدوس والمُختبَر في هذا العالم، ولنضرب لكم مثلاً أيضاً مشهوراً، كلمة الحُب كلمة عجيبة، هذه مثل كلمة الابن تتسع لأبيه وجده وعمه وابنه وصاحبه وأخيه، فهي تقريباً مثل هذه، نحن نُحِب الله ونُحِب الرسول ونُحِب الملوخية ونُحِب البامية ونُحِب الأرانب ونُحِب الأفلام الأكشن Action ونُحِب دروس الفلسفة ونُحِب المساجد ونُحِب الفضل والكرم والنُبل ونُحِب زوجاتنا ونُحِب أبناءنا ونُحِب أصدقاءنا وإلى آخره، نحن نُحِب كل هذا، هذا كله حُب، ما هذه الكلمة؟ ماذا تصف هذه الكلمة؟ ويُوجَد سؤال: هل هذا مُشترَك لفظي أم مُشترَك معنوي؟ لابد أن تُجيبوا، هذا مُشترَك لفظي أم مُشترَك معنوي؟ مُشترَك معنوي، الحُب مُشترَك معنوي فهو كالكتاب ليس مُشترَكاً معنوياً، ليس مثل كلمة العين، فهو مُشترَك معنوي لكن المُشترَك المعنوي عنده مُشكِلة وهذه مُشكِلته، وفي نفس الوقت لابد أن تكون اللُغة على هذا النحو، لماذا؟ لأن اللُغة لكي تكون لُغةً وتُؤدي وظيفة التواصل لابد أن تكون اقتصادية، الاشتراك المعنوي فيها من سماتها الاقتصادية، لو لم تكن كذلك لاضطُرِرنا أن نضع كلمة تُعبِّر عن هذه العاطفة الخاصة وهذا الوجدان الخاص إزاء كل شيئ بحياله وبالتالي ستتضخم اللُغة بشكل غير طبيعي، ربما أحدنا يبلغ سن السبعين أو الثمانين وهو لا يزال لا يتكلَّم جيداً، لأنك ستحفظ لكل حالة كلمة تُعبِّر عنها وعن العلاقة الوجدانية معها، أليس كذلك؟ وهذا شيئ غير معقول، انتبهوا إلى التالي، فكيف إذا قفزنا الآن إلى طور آخر وراء كل هذا الطور الحسي المادي الذي نعيش فيه ويُهيمن علينا؟ اللُغة تفشل تماماً، أليس كذلك؟ اللُغة تفشل تماماً، ولذلك يُمكِن أن يُعزى الشطح الذي يقع فيه الصوفية والأولياء والعارفون ليس إلى سوء مُعتقَداتهم – حاشا الله – وإنما إلى القصور اللُغوي وتورّطهم في خطأ، هم تورَّطوا في خطأ أصلاً، ما هو؟ استخدام هذه اللُغة المحدودة للتعبير عن شيئ لا يُعبَّر عنه باللُغة، ولذلك أحسن تعبير عن تلكم الحالة ما هو؟ الصمت، أن نصمت ولا نتكلَّم، جرِّب هذا، عليك أن تُجرِّب وأن تعيش هذه الحالة، وهذا يعني أن المسألة مُعقَّدة وصعبة، فلو جئنا الآن إلى هذا التراث ينبغي أن نُدرِك هذا، وانتبهوا إلى أننا لا نُبرِّر هذا التراث الصوفي جُملةً وتفصيلاً بمثل هذا المُدخَل، هذا يُعتبَر جناية أيضاً على الحقيقة، لكن فيه جانب لا يُستهان به يُمكِن أن نُعمِل فيه ما ذكرناه وهناك أيضاً جوانب أُخرى، ونأخذ – مثلاً – مُحي الدين بن عربي، مُحي الدين بن عربي – رحمة الله عليه – واضح أنه رجل حاول تقريباً أن يُحيط بالتراث الثقافي الكوني في عصره، للأسف في أكثر فعله لم يُشِر إلى ذلك، ابن عربي – مثلاً – لا يقول لك هذه فكرة هندوسية، الفتوحات فيها جُملة غير يسيرة من الأفكار والعقائد الهندوسية، فيها جُملة أيضاً من الأفكار البوذية، بوذية ماهايانا Mahayana، الآن بدأ المُستشرِقون يتنبَّهون لهذا الشيئ، يقولون الأصول الهندوسية لفكر ابن عربي وما إلى ذلك، الرجل كان موسوعاً ويبدو أنه كان مُغرَماً بتحصيل أفكار واسعة القراءة لكنه لا يُشير طبعاً، لسنا ملزوزين ولسنا مُضطَرين أن نقبل كل ما قال ابن عربي لأنه – مثلاً – في نظرنا رجل صالح أو عارف كبير أو فيلسوف ضخم، لابد أيضاً أن نقرأ هذا التراث من زاوية مُقارنة، ونُفرِز ونقول هذا يرتد إلى أصول كذا وكذا، فنحن لنا لدينا موقف، ليس شرطاً أن يكون موقف ابن تيمية، ابن تيمية موقفه من الصوفية – مثلاً – واضح ولن نُعلِّق عليه، واضح موقفه من الصوفية، علماً بأنه ليس بذلك العمق وليس بذلك الاستقصاء، موقف انتخابي اختياري، فهو ينتخب بعض الوجوه والأشياء وينتهي الأمر، يشطب على الشخصية وينتهي الأمر فيُصبِح مُحي الدين طبعاً باستشهادين أو بثلاثة وحدوياً، يُقال مُحي الدين بن عربي وحدوي Pantheist، وهذا يعني عليك أن تحرق تراثه كله وننتهي منه، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، بالعكس هناك لمحات كثيرة جداً جداً جداً في مئات المواضع تدل على أن مُحي الدين بن عربي ليس وحدوياً بل مُوحِّداً، فالرجل مُوحِّد بشكل واضح، في آخر الفتوحات وتحديداً في الوصايا الخاصة به وقد طُبِعَت مُجرَّدةً – جُرِّدَت من الفتوحات وطُبِعَت بحيالها – يُشهِد الرجل الله على نفسه ويقول أُشهِد الله وملائكته ورسله وعباده الصالحين أنني أعتقد كذا وكذا وكذا ثم يقول وأن الله بائنٌ من خلقه، تفضَّل هذا، كيف هذا؟ هذا لا يقوله وحدوي مُطلَقاً، وهذا نص، إذا أردنا أن نُعمِل حتى قواعد الأصول ونُحكِّم النص في المُتشابِه – أعني المُحكَم في المُتشابِه – سوف نجد أن نص الرجل يقول أنه ليس وحدوياً.

بعد ذلك هناك مسألة الدس على هؤلاء، وهذه مسألة تحقيق تاريخي وما إلى ذلك، تم الدس على هؤلاء في كتاباتهم، الشيخ على الطنطاوي – العالم والأديب الكبير الذي مات في جدة رحمة الله تعالى عليه – زعم رحمة الله عليه – طبعاً كلمة زعم لا تعني أنه كذب، حاشا لله، فالنبي قال زعم جبريل في صحيح مُسلِم، غلام ثعلب يقول زعم ثعلب، فهذا عادي، وأيضاً زعم الخليل، فزعم تعني قال، والنبي قال زعم جبريل – أن جده طنطاوي الكبير الذي جاء من طنطا بمصر قد اطلع على النُسخة المخطوطة من الفتوحات المكية بخط القونوي وهو ربيب مُحي الدين، لأن مُحي الدين تزوَّج أم القونوي، فكانت مكتوبة بخط القونوي ووجدها مُطابِقة لما بين أيدينا من النُسخ المطبوعة، بمعنى أن مُحي الدين لم يُنسَب إليه شيئ على جهة الدس، فهي كالمنسوخة بين الناس أو بأيدي الناس، وهذا عجيب، والشيخ الشعراني قال – انتبهوا إلى هذا – تُوجَد كفريات في الفتوحات، تُوجَد كُفريات واضحة وتُضاد عقيدة الإسلام، لكن الشيخ بريء منها، فهي مدسوسة عليه، موضوع الدس إخواني وأخواتي في العصور السابقة كان كثيراً، لم يكن قليلاً بل كان كثيراً جداً، فأبو الفتح القُشيري- الإمام ابن دقيق العيد رحمة الله تعالى عليه شيخ المالكية وشيخ الشافعية بدار مصر، تُوفيَ في سبعمائة واثنين، وهو إمام كبير لا يُشَل له غُبار – دُسَّ عليه غير شيئٍ لكي يُزنَدق لكن – بفضل الله – نجاه الله من ذلك، تاج الدين السُبكي دُسَّ عليه واتُهِم بالنصرانية وأنه نصراني يلبس الزنار ويُصلِّب في بيته، والرجل شيخ الإسلام – رحمة الله عليه – وكان مُجتهِد عصره، عبد الوهاب السُبكي نفسوا عليه اجتهاده لأنه كان في سن صغيرة، كان عمره أربعين سنة وقال أنا اليوم – كان في الأربعين – مُجتهِد الدنيا على الإطلاق، لا يقدر أحد يرد علىّ هذه الدعوى، فنفسوا عليه ذلك، أربعون سنة وتدّعي أنك كذا وكذا، فهو علّامة كبير صاحب طبقات الشافعية، اقرأوا الطبقات وانظروا إلى أسلوب وطريقة هذا الرجل العجيب، كان رجلاً عجيباً وموسوعةً، فهم ادّعوا عليه، أحمد بن حنبل دُسَّ عليه أشياء، الإمام الطبري دُسَّ عليه أشياء، الإمام الحاكم دُسَّ عليه أشياء، فكان الدس كثيراً، عبد الوهاب الشعراني دُسَّ عليه الكثير، وهو عنده فصل في كتبه يتحدَّث فيه عن هذا الدس، دُسَّ عليه وجاء علماء المالكية في عصره بالذات وحكموا قائلين هذا الكلام كفر صريح، واستُدعيَ إلى مجلس التحقيق فقال لهم هذا لم أكتبه ولم أقله وأنا سآتيكم بكتبي، وآتاهم ببعض كتبه بخطه فبرأوه وشهدوا أنه رجل بريء ومظلوم، فهذا كان موجوداً كثيراً، لذلك نجد بعض الصوفيين الأتقياء من أصحاب الورع الذين يترضون على مُحي الدين بن عربي ويُقدِّسون سره ينصحون لنا إذا لم نكن مُتمكِنين جداً في هذه الأبواب أن نتبعد عن قراءة هذه الأشياء، إذا كنا مُتمكِنين يُمكِن أن نقرأها لأنفسنا على مُحاذَرة، لكن ممنوع أن نقرأها على الناس ونشرحها للناس كأنها تراث موثوق، لأننا نجعل الناس في بلبال، كان من هؤلاء – مثلاً – الشيخ محمد الحامد الحموي – رحمة الله عليه – وكان صوفياً كبيراً وهو تلميذ سيدي أبي النصر النقشبندي ابن الشيخ محمد سليم خلف النقشبندي قدَّس الله سرهم أجمعين، أُناس صُلحاء كبار وعلماء فطاحلة، كان يقول أنا أُحرِّم على نفسي وعلى إخواني قراءة الفتوحات، رغم أنه يترضى على مُحي الدين رحمة الله تعالى عليه.
آخر شيئ أختم به لكي نقول لكم كيف تصير الأمور كان قديماً يُوجَد شيخ اسمه محمود أبو الشامات رحمة الله عليه، كان أيضاً شيخاً صوفياً كبيراً، وكان هذا الرجل يُعتبَر المُرشِد الأول والأكبر للسُلطان عبد الحميد الثاني طبعاً، وهو السُلطان قبل الأخير في الدولة التركية العثمانية، وكان يُقبِّل يده السُلطان عبد الحميد ويكتب إليه/ إلى سيدي كذا كذا أُقبِّل أياديكم، وأنا قرأت الرسالة بخط السُلطان عبد الحميد، والذي لفت نظري أنه يكتب بخط نسخي جميل جداً أحسن من أكثر العرب، فالسُلطان عبد الحميد يكتب هذا بخط يده، المُهِم الشيخ محمود أبو الشامات – رحمة الله تعالى عليه – عرض له في المنام أو سنح له في المنام مُحي الدين بن عربي ذات مرة، وقال له يا شيخ محمود ألا تسعى في تبرئتي؟ لقد ظُلِمت كثيراً، قال له مِن مَن؟ وبخصوص ماذا؟ قال له من الناس، من مُعظَم الناس، وقيل في إنني أقول بوحدة الوجود ولست هنالك، لا أقول بهذا ولم أقل به، وإنما كُذِبَ علىّ، قال له يا شيخ هل من آية؟ كيف نعرف؟ قال له سأُنشِدك الآن قصيدة فاحفظها وعلِّقها على قبري بقاسيون، أي بسفح قاسيون، قال له هات يا مولانا، فتلا عليه قصيدة تتكوَّن من أكثر من عشرين بيتاً وكانت موزونة ومُقفاة ومن أورع ما يكون، فقام الشيخ محمود وهو يحفظها على ظهر قلبه، علماً بأننا نقول عن ظهر قلبه وهذا غلط فالصحيح هو على ظهر قلبه، فقام وهو يحفظها على ظهر قلبه، بعث إلى السُلطان عبد الحميد وقال له أنا أطلب منك أن تكتبها كما أمر الشيخ، وكُتِبتَ وعُلِّقت على القبر، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ ۩، فنسأل الله – عز وجل – دائماً أن يهدينا طريق الصواب، على كل حال مَن يبتغي الحق ومَن يُريد الحق بالنية الخالصة دائماً يهديه الله – بإذن الله تبارك وتعالى – إذا بحث عن الحق.

الأخت الفاضلة قالت كيف نتحكَّم في الأفكار بدل أن تتحكَّم فينا أفكارنا؟ السؤال فيه مُناقَضة فلسفية قليلاً، حين تقولين كيف أتحكَّم في الأفكار سوف أقول أي أفكار؟ في أفكارك، هي أفكارك بمعنى أو بآخر، وتقولين بدل أن تتحكَّم فيكِ وهي جُزء منكِ أيضاً، فالمسألة ليست واضحة بهذه الطريقة تماماً، نعم أنا أعي أننا أحياناً – ليس أحياناً بل في مُعظَم الأحايين – قد تتسلل إلينا أفكار ومباديء وربما أيديولوجيات ونظم فكرية ليس على الرُغم منا وإنما مُخادَعة لنا، ومن ثم نُخدَع بهذه الأفكار التي تتسلل، يُمكِن أن نكتشف بعد عشر سنين أو بعد خمسين أو بعد ستين سنة أننا كنا مخدوعين، يُوجَد هم كبير يا إخواني وأخواتي عند أي مُفكِّر حُر وعند أي إنسان عنده صدقية ذاتية، أنه لا يُريد أن يكتشف في آخر حياته أنه كان مخدوعاً، هذه كارثة، وأقول هذا حتى على المنبر للناس، أقول لهم أنا باستمرار كلما عنت لي شُبهة أو تاحت لي فرصة أن أُعيد اختبار ديني وأنا وثيق – بفضل الله وإن شاء الله – مثل كل إخواني المُسلِمين والمُسلِمات بديني بفضل الله عز وجل، لكن إذا عنت فرصة أو تاحت فُرصة أن أُعيد الاختبار أفعل، أفعل بحرية تامة، لماذا؟ لأن يُوجَد شيئ حقيقةً تفطنت له وهو شيئ ليس مُقلِقاً فقط وإنما مُزلزِل ومُخيف، فكَّرت ورأيت المسيحيين – سبحان الله – عندهم قناعات – أعني المُتدينيين منهم طبعاً والصادقين في التدين – مُطلَقة أنهم على حق، يرثون لنا ويرثون لليهود، ويقولون هؤلاء لا يعرفون حقيقة المُخلِّص والكفّارة والفداء، فهؤلاء مساكين، وبعد ذلك تجد هؤلاء المسيحيين في قمة الأدب وقمة الإنسانية والإيثار والتسامح ودائمي الابتسام – سبحان الله – وعندهم إنسانية غير عادية وأخلاق عالية جداً جداً جداً، وطبعاً هذا المسيحي لا يخطر على باله أن دينه على باطل مثلاً، اليهود الصادقون في التدين نفس الشيئ، الهندوسي نفس الشيئ، البوذي نفس الشيئ، المُسلِم السُني نفس الشيئ، المُسلِم الشيعي نفس الشيئ، كلهم بنفس الطريقة، فقلت هذا شيئ مُخيف والله العظيم، هذه أكبر بلية، إذا سألني أحد الناس ما هي أكبر بلية ابتلى الله بها الخلق وامتحنهم بها سوف أقول له أنه زُيّن لكل أمة عملها، قال الله كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ۩، وهذا شيئ مُخيف يا أخي، فكيف أعرف؟ لعلي أكون في النهاية كمُسلِم مخدوعاً ويتضح أن ديني لم يكن على حق، قد تقول كيف يا أخي؟ الأمة الإسلامية من مليار وسبعمائة مليون، والأمة المسيحية مثلك أيضاً، هذا ليس له علاقة، فالحكاية ليست بالعدد، أليس كذلك؟ لو كان العدد هو المعيار – أن كل هؤلاء خُدِعوا مثل الأئمة الذين نتحدَّث عنهم كمُحي الدين فضلاً عن الصحابة كأبي بكر وعمر وعليّ وعثمان والعلماء كابن تيمية وكل هذه الدنيا كانت مخدوعة – فهم عندهم نفس الشيئ، وعندهم أناس قساوسة وعندهم أناس قدّيسون وأُناس أولياء وأصحاب كرامات وأشياء غريبة ويجدون نفس الشيئ، يكشفون عن أحدهم بعد مائة سنة ويجدون جسده غضياً طرياً كأنما دُفِن البارحة، هذا حدث كثيراً مع المسيحيين وحدث مع المُسلِمين، فهذه فتنة مُخيفة، الحكاية ليست بالعدد، لو كانت المسألة بالعدد لكان ينبغي أن يكون موقف اليهودي أو المسيحي الذي عاصر محمد – صلى الله عليه وسلم – هو الصحيح، لأن كم رجل كان مع محمد؟ سوف يقولون له كم رجل معك؟ هل معك مائتان أو ثلاثمائة أو ألفان؟ هذا كلام فارغ، نحن معنا ملايين حول العالم مثلاً، أليس كذلك؟ نحن على حق، لكن المسألة لا تتعلَّق بالعدد، هذا ليس له علاقة بذاك، قبل أن تقوم الساعة الله – عز وجل – يطوي بساط هذه الأمة، يُرسِل ريحاً رخياً ولا يبقى مِمَن يُؤمِن بالله على الأرض أحد، فهذا ليس له علاقة بالعدد، لابد أن يكون اختبار المسألة من زوايا أُخرى، لكن أنا أقول لكم أساس الاختبار – والله – النية الصادقة والشجاعة طبعاً، هذا ليس سهلاً يا إخواني، ولذلك ترى هذا المسيحي – مثلاً – الذي يُسلِم أو اليهودي الذي يُسلِم حالته مُختلِفة، أنا مُتأكِّد أنه عند الله خير من أضعاف أضعافنا، والنبي قال ثلاثة يُؤتون أجرهم مرتين، والحديث في الصحيح، في البخاري، وقال رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالعملية ليست سهلة، وأنتم رأيتم – ما شاء الله – هذا، أنا اليوم ذهبت أُصلي الجماعة فوجدت أن المسجد شيعي، قلت هذا جيد، لماذا لا؟ سوف أُصلي، وصليت هناك وحضرنا الكلمة لشيخهم الشيرازي وعُدنا إلى أماكننا والحمد لله، ووجدته شيئاً جميلاً، قلت يا ليت يُوجَد في كل مكان شيعي وسُني وإباضي ومُعتزِلي وزيدي وإلى آخره، هذا شيئ حلو، كلهم مُسلِمون ويُكبِّرون ويقولون سبحان ربي العظيم ويذكرون محمداً وآل محمد، مُسلِمون مُوحِّدون يا أخي، ما هذه التعصبات؟ لكن أنا واثق أنه من الصعب جداً جداً جداً أن تُقنِع الشيعي أن يُصبِح سُنياً، أنا التقيت مع علماء شيعية كثر، يقول لك يا أخي مما يدلك على صحة مذهبنا وصحة طريقتنا أنك لا تجد شيعياً ذا هيئة يتسنن، لكن تجد كثيرين ومنهم علماء تشيَّعوا، وطبعاً هذا الكلام غير صحيح، أنا أعرف من الشيعة ليسوا كثيراً ولكن أعرف عدداً من الشيعة ومنهم أصدقاء لي تسننوا وأعرف سُنة تشيَّعوا، فهذا يحدث، وهناك أُناس ألحدوا من الشيعة والسُنة، فهذا ليس مقياساً، هذا كلام عامي، ليس كلاماً علمياً وليس كلام تحقيق، لكن من الصعب جداً أن يتسنن الشيعي، أليس كذلك؟ وخاصة إذا كان مُتعلِّماً قليلاً، ومن الصعب جداً أن يتشيع السُني وهلم جرا، فكيف يكون أحد على غير دين الإسلام يدخل الإسلام ويترك دينه ودين آبائه؟ هذه المسألة ليست سهلة، هذا تحدٍ كبير – والله العظيم – وهداية، هذه الهداية الإلهية، هذه الهداية الواضحة الصارخة بفضل الله عز وجل.

فأردت أن أقول المسألة تعتمد على صدق النية وخلوص القصد، إذا توجَّهت إلى الله بصدق وخلوص يهدك سواء سبيل وسوف تعرف الطريق – بإذن الله تبارك وتعالى -والله، أنا أعرف بعض الناس كلما تصير له مُشكِلة فكرية وما إلى ذلك يسنح له الرسول في المنام، هل تُريدون أحسن من هذا؟ الرسول مُعلِّم، ويُفتيه ويقول له هذا حق وهذا باطل، ذات مرة قال له أنا هذا قلته، عن حديث مُختلَف فيه، قال له أنا هذا قلته، وثبت أنه قاله بعد ذلك، لأن الرجل عنده نية، فأنا أُريد أن أقول أننا أحياناً قد نُخدَع، قد تتسرب إلينا أفكار وأشياء غير صحيحة، هنا الابتلاء الحقيقي أو البلية أو المحنة يا إخواني أننا – أقول هذا لأختي وسنتكلَّم علمياً أكثر – لا ننتخب أفكارنا كما نظن فعلاً وفق مُحاكَمات فكرية، هذا غير صحيح، بالعكس مُعظَمنا على الإطلاق ليس كذلك، ننتخب أفكارنا بدوافع عاطفية شعورية أو لاشعورية، قد تقول لي بالعكس أنا أجريت بحثاً، بحثي في الماجستير أو بحثي في الدكتوراة، لكن هذا في الظاهر، والمُشرِف الخاص بك طبعاً على مِلتك ومن أهل مذهبك، أليس كذلك؟ ومن أهل لُغتك، وأنت تعرف توجهه وتعرف طريق الرسالة – إن شاء الله – والعلامة، لكن هناك جوانب عاطفية في الداخل، لو أجريت هذه الرسالة نفترض في الغرب وعنده مُشرِف آخر واتجاهه مُختلِف سوف تجد نفسك أيضاً تلقائياً انتهيت إلى نتائج نسبياً تختلف عن التي تنتهي إليها في الحالة الأولى وسوف تقول لي البحث العلمي أدى بي إلى ذلك، ربما كنت أكثر تحرراً مثلاً – من قيود تحكمك في بلدك، أليس كذلك؟ عند مُشرِف يكون – مثلاً – عالماً دينياً لكن هذا مُستشرِق لا يهمه شيئ ويدّعي الموضوعية، فلو قرأنا القرآن الكريم سوف نرى يا إخواني وأخواتي أن آيات كثيرة تتحدَّث عن أن الناس ينتخبون آراءهم بدوافع عاطفية، المُعجَم القرآني في هذه المسألة مُعجَم عاطفي، وهذا شيئ عجيب وغريب، الله يقول – قبل قليل قلنا هذا – كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ۩، هو يرى أنها حلوة، يرى أعماله حلوة، وكونها حلوة لا يعني أنها صحيحة، أليس كذلك؟ لكن هذه لُغة عاطفية، يقول لك بالعكس انظر إلى طريقة السُنة حين يُصلون، ما أجملها! يضع يده على اليمين على اليسار ويقول فيها أدب يا أخي، لكن الشيعي يقول انظر إلى هذا السُني البليد الذي يضع يده بهذه الطريقة، لأنه يرى أهله من صغره يُصلون بالطريقة التي يعرفها ومن ثم يقول هذه الصلاة المُمتازة، هذه الصلاة التي فيها خشوع، ويقول لك لا تُكتِّف يدي ويغضب، فهذه عاطفة وليست مُحاكَمات عقلية، يقول الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ۩، فهو قال حَبَّبَ ۩ ولم يقل أقنعكم، هذا تحبيب، فالمسألة تتعلَّق بأنك أحببت هذا الشيئ وهذه لُغة عاطفية، قال الله وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۩، أليس كذلك؟ إبراهيم ماذا قال لقومه؟ مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ۩، أنتم فقط لكي يُسعِد بعضكم بعضاً ويسعد بعضكم ببعض تنتمون إلى نفس الأفكار ونفس المنظومات، أي لكي لا تُشقي الناس بك، وهذه كلها لُغة عاطفية، المُشكِلة أن التجارب العلمية الآن في القرن الحادي والعشرين أكَّدت هذا، أكَّدت أننا نتحرَّك عاطفياً وليس بمُحاكَمات عقلية، في دماغنا تُوجَد مراكز مثل المُحاكَمات المنطقية، وتُوجَد مراكز للفاعليات العاطفية، طبعاً بالتصوير المشهور – MRI – نستطيع أن نعرف أين المراكز التي تتحرَّك، هذه أم تلك؟ ونراها أمامنا بالألوان، هم فعلوا هذا بهذه الطريقة اللطيفة، أتوا بجماعة من الناس وقسموهم إلى فرقتين بحسب انقسامهم الأيدولوجي، جماعة منهم يُؤيِّدون الحزب الفلاني ألف وجماعة أُخرى يُؤيِّدون الحزب الآخر، في الحقيقة هذه المسألة كانت في الولايات المُتحِدة الأمريكية، أُناس مع الديمقراطيين وأُناس مع الجمهوريين، وبعد ذلك أتوا للجمهوريين المُرشَّح الخاص بهم وعرضوا له عدة عبارات يتناقض فيها، يقول الشيئ ثم يقول عكسه ويقول الشيئ ثم يقول عكسه وهكذا، قالوا لهم تفضَّلوا انظروا إلى هذا، وطبعاً يُصوِّرون أدمغتهم، هنا لم تتحرَّك مراكز التفكير المنطقي ولم تشتغل، التي اشتغلت مراكز الانفعال العاطفي، فهذا حبيبنا ومنا، أليس هو من حزبنا؟ هذا مُمتاز وهو مُرشَّحنا، هو غير مُتناقِض وإنما هو عميق وكلامه عميق طبعاً، هذا الكلام فيه عمق يا أخي، حين حكى كذا كان يقصد كذا لكن في المرة الثانية قال غير هذا لأن عنده عمق، الرجل عميق ودقيق فعلاً في كلامه، فهم لم يروا أي تناقض، جُمل كثيرة لم يروا فيها أي تناقض، صفحة كاملة قالوا ليس فيها أي تناقض، فقالوا لهم حسناً ثم أعطوهم تناقضات مُشابَهة لمُرشَّح الحزب الديمقراطي، العاطفة سكتت واشتغل المنطق، قالوا طبعاً هنا يُوجَد تناقض واضح، وطبعاً هم لا يعرفون ما الذي يحدث، وهذا الشيئ لطيف جداً، هذه التجربة سحرتني فعلاً، هذا الذي يحصل معنا يا إخواني، الشافعي لم يكن عنده التصوير بالرنين المغناطيسي – MRI – ومن قديم كان يفهم هذه المسألة، قال:

وعينُ الرِّضا عن كلَّ عيبٍ كليلة ٌ                 وَلَكِنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المَسَاوِيَا.

يكفي فقط أن تُحِب الشخص أو المذهب أو الأيدولوجيا وإلى آخره حتى تعمى عن مساويه، وجرَّب هذا في علاقاتك مع أصدقائك، حين تسخط على صديق تنقلب كل حسناته إلى سيئات، وهذا أمر عجيب، وهذا المسكين طبعاً يُسقَط في يده ويقول لك أنا! فتقول له طبعاً أنت فعلت هذا استغلالاً لي، يقول لك هل أنا استغلالي؟ هذه كانت خدمة، لكنك تقول لك هذا استغلال وأنا كنت أشعر أنه استغلال، لكن هذا بالأمس كان خدمة وأنت قبَّلت رأسه لأنه خدمك، سبحان الله يا أخي، هذا هو الإنسان، مَن الذي يترفع عن هذا المُستوى؟ أنا أقول لكم هذا لابد أن يكون ولياً من أولياء الله، الذي يترفَّع يكون فعلاً إنساناً يُعطي النصفة، قال النبي مَن أحب أن يدخل الجنة ويُزحزَح من النار فلا تأتينه منيته إلا وهو يشهد أن لا إله إلا الله – اللهم اجعلنا منهم – وأن محمداً رسول الله وأن يأتي إلى الناس مثل الذي يُحِب أن يُؤتى إليه، تُعطي النصفة من نفسك، تحكم على نفسك بنفس الشدة والصرامة المنهجية والدقة العلمية التي تحكم بها على الناس ومواقفهم، لكن مَن يفعل هذا؟ أرجع وأقول لكم مَن يفعل هذا؟ هنا عندكم في الكويت عالم فاضل لن أذكر اسمه طبعاً – أعوذ بالله – سمعته ذات مرة يسأله رجلاً سؤالاً، وهو طبعاً عالم فاضل لكن ليس علّامة فاضلاً، فقط عالم فاضل وشيخ دين محدود، يُدرِّس عقيدة وعنده سلسلة كبيرة في العقيدة، أن تُدرِّس عقيدة فلابد أن تعرف معرفة دقيقية جداً جداً جداً الفرق والمذاهب، أليس كذلك؟ ينبغي أن تعرف الكل وخاصة الشيعة الاثني عشرية لأنهم كثيرون، هؤلاء ليسوا قلة، وكذلك الحال مع الشيعة الزيدية والإباضية وإلى آخره، ينبغي أن تعرف كل هذه المسائل يا أخي، فالرجل معرفته محدودة جداً جداً بالشيعة، وأتى بقصة قنبر وهي قصة موضوعة وباطلة، وذكر أن الإمام عليّ وضعهم في النار وأنه قال لما رأيت الأمر أمراً مُنكَراً أججت ناري ودعوت قنبرا وكل هذا كلام فارغ لم يثبت، وهذا ليس دفاعاً لكنني أقول لكم الحقيقة العلمية، المُهِم قام أحدهم وسأله قائلاً يا فضيلة الدكتور هل تنصح بالقراءة لمحمد باقر الصدر؟ قال له هل هذا في الوزارة في إيران؟ يقصد أبا الحسن بني صدر وتلك الأيام، فقال له لا يا مولانا، هذا عالم عراقي، لم يسمع به، ولك أن تتخيَّل هذا، هو عالم ودارس عقيدة لكنه لم يسمع بمحمد باقر الصدر، وهذه كارثة، لم يسمع بأكبر عقل فلسفي عربي في القرن العشرين على الإطلاق، هو لم يسمع به، كتبه تُترجَم وتُلخَّص وتُدرَّس في جامعات غربية وله إسهاماته الفلسفية والمنطقية، لكنه لم يسمع به، ثم أنه مرجع، مرجع شيعي أعظم محمد باقر الصدر رحمة الله عليه، فهذا الرجل مرجع وليس أي كلام، فقال له لا ليس هو، فقال يا مولانا هو صاحب اقتصادنا وفلسفتنا، يُريد كتبه المشهورة، فقال له لم أقرأها ولم أسمع بها، فقلت ما هذا العلّامة ما شاء الله؟ وهو مُتخصِّص في العقيدة لكن لا علينا للأسف، بعد ذلك قال له هل هو شيعي؟ قال شيعي، فقال أنصحك ألا تقرأ له، وهذا غير مُمكِن، أنت عالم وما إلى ذلك، وهذا لا يعني أنك لابد أن تتعاطف مع الشيعة، الأمر ليس كذلك، العلم ليس فيه تعاطف وغير تعاطف، العلم فيه حقائق، ندرس لكي نتناقش مع الشيعة أيضاً بصرامة وبأدب ولكينعرف كيف نتكلَّم معهم، أليس كذلك؟ بعيداً عن السباب والمُهاتَرات نتكلَّم ونقول لهم أنتم تُخطئون في كذا وكذا ونحن نعرف كذا وكذا وعندنا حُججنا، وهم يفعلون نفس الشيئ، نقاش علمي مُحترَم من غير مُجامَلات، الحقائق ليس فيها مُجامَلات، ولك أن تتخيَّل هذا، فهذا مُستوى كبير ومُدرِّس في الجامعة من سنين ومع ذلك قال ما دام هو شيعي أنصحك ألا تقرأ له، وطبعاً بعض الشيعة يفعل نفس الشيئ، يُقول أحدهم ما دام سُني أنصحك ألا تقرأ له، هذا السُني من العوام، وهذا غير مُمكِن يا جماعة، بالعكس أنا أرى يا ليتنا أيضاً نُعوِّد أنفسنا أن نقتبس ليس الشيعة والسُنة فحسب بل أن نقتبس حتى نيتشه Nietzsche وماركس Marx على منبر رسول الله، لكي نفتح أدمغتنا قليلاً، والنبي قال الحكمة ضالة المُؤمِن أنى وجدها التمسها وفي رواية أصابها وفي رواية فهو أحق الناس بها، وهذا في حديث الترمذي وغيره، النبي – عليه السلام – قبل أن يُبعَث كان يُوجَد رجل من ثقيف اسمه أُمية بن أبي الصلت وهو شاعر – ما شاء الله – مُبين، وكان مُوحِّداً وكان يعتقد أنه سيكون نبي آخر الزمان، حين بُعِث النبي سُقِط في يده وغضب الرجل وكفر بالنبي، النبي قال آمن شعره وكفر هو، لكن النبي في حديث في صحيح مُسلِم ذات مرة كان في سفر فاستنشد أحد أصحابه قائلاً يا فلان ما معك من شعر أُمية بن أبي الصلت؟ هذا عدوه الذي كفر به لكن هذا لا يعني أن أُمية ليس عنده شعر مُمتاز وعنده شعر في الرقائق وشعر توحيدي ومن ثم لا ينبغي أن نُضيِّعه، لماذا نُضيِّعه؟ هذا تراث، أليس كذلك؟ انظروا إلى النبي، النبي عنده آفاق واسعة جداً، فقال له معي كذا، وأنشده بيتاً، قال له هيه، أي قل أكثر فأنشده، قال حتى أنشدته مائة بيت، انظر إلى هذا التوسع، واليوم ممنوع أن نقتبس إلا مَن يكون في نفس الدائرة وعلى نفس الطريقة وإلا يُنظَر إليك بعد ذلك.

سألت الأخت أيضاً عن عالم الموت، وهذا السؤال طبعاً كبير، هذا سؤال كبير لكن ماذا نقول عن عالم الموت؟ ربما تقصد عالم القبر وعالم ما بعد الموت، هذا عالم حق إن شاء الله، وأنا عندي وجهة نظر في بعض المسائل لن أُفضي بها الآن حتى لا أُشوِّش عليكم لكن هو عالم حق، عالم البرزخ عالم حق وثابت في العقيدة الإسلامية، يُوجَد اختلاف حول بعض المسائل، طبعاً الذي يجري في عالم البرزخ هو حساب جُزئي يسير جداً على العنوان فقط، هل هو مُؤمِن أو كافر أو مُنافِق فقط، أما تفاصيل الأعمال فيُرجأ الحساب عنها إلى يوم القيامة، فهذا يكون محبوساً على ذمة التحقيق، هذا هو، في القبر اليوم حبسوا زيدان – مثلاً – خمسة عشر يوماً، فهو في القبر على ذمة التحقيق فقط, والحساب الكامل والسجن أو التسريح – إن شاء الله – في الآخرة، فهو عالم حق بلا شك، لا نشك فيه.

نأتي إلى اليقين الصادق، فالأخت تسأل عن اليقين الصادق ولعل هذا أهم سؤال، كيف نحصل على اليقين الصادق لأن أهم شيئ في النهاية أن نُغادِر هذه الدنيا – إن شاء الله – ونحن على يقين صادق ننجو به يوم القيامة بإذن الله تبارك وتعالى؟ طرق تحصيل اليقين الصادق أيها الإخوة طرق كثيرة ومُختلِفة، في أولها المعرفة والعلم، ضروري أن نتعلَّم، نقرأ القرآن ونقرأ السُنة ونقرأ تُراث الناس الصالحين والسلف المُكرَمين الطيبين، هذا مُهِم جداً جداً، الشيئ الثاني هو أن نتجاوز العلم أو نُعمِّق علمنا هذا لكي يستحيل معرفة، لا نكتفي بمُجرَّد العلم، العلم وحده لن ينفع كثيراً فانتبهوا، ابن حزم – رحمة الله عليه – عنده كتاب في الأخلاق يقول فيه أنا لاحظت – انظروا إلى هذه المُلاحَظة الجريئة الصادقة والمُرة، هي مُرة طبعاً وهو عالم وإمام – أن الفجور والفسق والتحلل أكثر ما يكون في علماء الدين، كان يتحدَّث عن علماء الأندلس وهذا شيئ مُحيَّر، علماء الدين! وتجد في العوام الطيبة ويُعطون ويتصدَّقون وما إلى ذلك، والعالم يدّعي أنه كذا وكذا، طبعاً هذا لا يعني أنهم جميعاً كانوا كذلك لكن هو قال أكثر ما يكون، في عصره وفي بلده يبدو أن هذا كان موجوداً للأسف، ابن حزم قرأت له ذات مرة حين قرأت كتابه في أصول الفقه – وهو الإحكام في أصول الأحكام – حكاية غريبة اقشعر لها شعر بدني، حكى عن رجل عالم من أهل القرآن تلا آية وأخطأ فيها، وهذا يحدث يا أخي كثيراً، الرسول نفسه كان يُنسى بعض الآيات، أليس كذلك؟ كان يُنسّى بعض الآيات، وهذا موجود في البُخاري، قال رحم الله فلاناً، مررت عليه بالأمس يقرأ – في قيام الليل في بيته -، لقد أذكرني آياتٍ كنت أُنسيتها، فهذا الرجل يترحَّم عليه النبي، هذا يحدث وعلى قلبه أُنزِل، أليس كذلك؟ فعادي أن تكون قارئاً بالقراءات السبع والعشر والأربع عشرة وتنسى، هذا عادي جداً، الكسائي ذات مرة كان يؤم بهارون الرشيد وقرأ آية طبعاً بقراءة غير موجودة بالمرة، قراءة خاطئة، كانت زلة لسان وخجل من أن يُعيد الآية وأن يقرأها بشكل صحيح، وهذا غلط منه طبعاً، وهذا الكسائي – علي بن حمزة الكسائي – نحوي كبير، وأنا لا أذكر بالضبط الخطأ لأنني قرأت هذا قبل سنوات بعيدة، نفترض – مثلاً – أن الكلمة كانت يعملون لكنه قال يعملين.

ملحوظة: قاطع أحد السادة الحضور الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم قائلاً أن الخطأ هو كلمة يرجعين، فقال له فضيلته أحسنت، الكلمة التي قالها هي يرجعين، أحسنت، فتح الله عليك، أحسنت، واستأنف حديثه قائلاً: فالرشيد قال له يا إمام هذه قراءة مَن؟ شك لأنه لم يسمعها قبل ذلك، فاعتذر الكسائي وقال له بمعنى الكلام قد ينبو السيف أو يعثر الفارس، قال له أحسنت، واستوثق منه الرشيد فهذا يعني أنه إنسان تقي، كان يُمكِن أن يقول له هذه قراءة كذا وكذا ويضحك عليه، لكنه لم يفعل، فابن حزم يحكي قصة رجل أخطأ في آية فقيل له أين هذا؟ فقال لهم هذه القراءة موجودة وهي في المُصحَف، فقالوا لا يا رجل، هذا غير موجود ولم يقرأ بها أحد، قال عندي مُثبَتة، قالوا أرنا إياها، قال فدخل وحك في المُصحَف وكتب بيده، أي أنه زوَّر كتاب الله، لكن الحمد لله كتاب الله ليس اسمه الكتاب في الأول، من بين خمس وخمسين اسماً ووصفاً أحصاهم شيذلة أشهر اسم هو القرآن، إشارة إلى حفظه في الصدور، وبعد ذلك يأتي الكتاب إشارة إلى حفظه في السطور، فاسمه القرآن قبل أن يكون الكتاب وهذا مُهِم، خرج لهم فقالوا له ما هذا؟ اختبروا وعرفوا أنها محكوكة وافتُضِحَ بين الناس والعياذ بالله، فالعلم وحده إخواني وأخواتي لا يكفي، لا يكفي أن تكون عالماً وحافظاً، العلم لابد أن يستحيل إلى معرفة، ما هي المعرفة؟ كما قال ابن القيم – رحمة الله عليه – في المدارج وغيره المعرفة هي أن يكون أوصاف شيئٍ أو أوصاف شخصٍ أو معنى – حدود معنى – في الذهن ثم تُختبَر بعد ذلك في الواقع فتأتي المُطابَقة، قال تعالى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ ۩، أوصافه عندهم، سمعوا عنه وقرأوه في الكتاب، محمد بن عبد الله كذا وكذا من مكة ويكون يتيماً وسيُهاجِر إلى المدينة وما بين لابتيها كذا وكذا، بعد ذلك جاء وقالوا هو هذا، هذا مضبوط، ومن ثم حدثت معرفة، لم يقل الله يعلمونه، ماذا قال الله؟ يَعْرِفُونَهُ ۩، الأوصاف حاضرة في الذهن، وبعد ذلك جاء الواقع الخارجي مُطابِق لها، هذه هي المعرفة، أبو حامد – رحمة الله عليه – في الرسالة القدسية قال ما هي المعرفة؟ المعرفة كالذي يرى النار ويعلم أنها حارة وأنها تلسع وأنها تُحرِق وأنها كذا وكذا، هذا علم، فإذا اصطلى بها وذاق لسعها عرفها، هذه هي المعرفة، كذلك نحن في اليقين الصادق نأمل – بإذن الله تبارك وتعالى والله هو المُستعان والمأمول في ذلك – أن يتحوَّل العلم الذي عندنا أو بعض العلم إلى معرفة، نختبر هذا في حياتنا السلوكية الذوقية المعيشة بإذن الله، ينبغي أن نختبر هذا فيُصبِح معرفة بإذن الله تبارك وتعالى، في حديث الإمام الطبراني وغيره وهو حديث مُرسَل والمُسنَد ضعيف – حديث حارث بن مالك الأنصاري – قال الرسول – هذا سؤال الأخت عن اليقين – كيف أصبحت يا حارثُ؟ قال له أصبحت يا رسول الله مُؤمِناً حقاً، قال انظر يا حارثُ فإن لكل شيئ حقيقةً فما حقيقة قولك؟ قال له هذه دعوى، كما يقول الصوفية دعوى عريضة، قال له هذه دعوى، أنت تقول أصبحت مُؤمِناً حقاً، أي أنك مُؤمِن حق الإيمان، قال له يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا – وفي رواية ألست قد – فأظمأت نهاري – قضى النهار صائماً – وأسهرت ليلي فأصبحت وكأني أرى عرش ربي بارزاً، وهذا شيئ عجيب، فهو وصل إلى حالة من حالات العرفان، أرأيتم؟ كأن القلب يرى هذا الشيئ بإذن الله تبارك وتعالى، ابن القيم حين عرَّف أيضاً العرفان في المدارج – مدارج السالكين – قال العرفان أن يُجلى قلب المُؤمِن الصادق بحيث يُصبِح قلبه كالمرآة المجلوة تعكس ما بإزائها فيعكس قلبه – أي هذا الصادق – ما آمن به من الغيب كالإله تبارك وتعالى، هكذا قال، قال كالله والأنبياء والملائكة والجنة والنار وإلى آخره، ثم أنشد قول الشاعر:

إذا سكن الغدير علي صفاءٍ                             وجُنِب أن يحركه النسيمُ.

بدت فيه السماء بلا امتراءٍ                         كذاك الشمس تبدو والنجوم.

كذاك قلوب أرباب التجلي                             يُري في صفوها الله العظيم.

ابن القيم – قدَّس الله سره ورحمة الله تعالى عليه – الرجل الصالح قال هذا، هذا هو، وطبعاً هذا التشبيه كثير عند الصوفية، وخاصة أبا حامد يُلِح عليه كثيراً، أن تُجلى مرآة القلب حتى تعكس المُغيِّبات بإذن الله تعالى، أي الغيوب، فيُصبِح القلب كالمرآة، قال النبي اتقوا فراسة المُؤمِن، فحارث بن مالك الصحابي الأنصاري كان شاباً صغيراً، قال له فأصبحت وكأني أرى عرش ربي بارزاً، عبد الله بن عمر يأتي إليه رجل وهو يطوف بالكعبة المُشرَّفة – زادها الله هيبةً وبراً – ويقول له كلاماً بخصوص ابنته، كان يخطب إليه ابنته، فيقول له أفي مثل هذه الساعة ونحن نتراءى ربنا؟ أرأيتم كيف يكون الطواف؟ ليس كطوافنا، قال له أنت قطعت علىّ طوافي، أفي مثل هذه الساعة ونحن نتراءى ربنا؟ حالة كشف أو انكشاف حقيقي كان يعيشها هؤلاء الناس، هذا هو، قال حارث وكأني بأهل الجنة عن يميني يتزاورون فيها – أي كأنني أراهم، القلب يرى كل شيئ – وأهل النار عن يساري يتضاغون فيها، يعني – أكرمكم الله – تضاغي الكلاب، يتصايحون كما تتضاغى الكلاب أكرمكم الله وأكرمكن، فماذا علَّق النبي الأبر المصدوق عليه الصلاة والسلام؟ قال عبدٌ نوَّر الله قلبه، عرفت يا حارث فالزم، عرفت فالزم، عرفت فالزم، هذا العرفان، هذا أصل مُصطلَح العرفان والمعرفة والعارف بالله وليس العالم، قال ابن القيم لذلك من هنا قيل العالم دون ما يقول – العالم حين يتحدَّث ويقول أنا كذا وكذا يكون دون ما يقول، دائماً تجده أقل من قوله – والعارف فوق ما يقول، العارف مهما حدَّثك عن نفسه هو دون ما يقول، هو أعلى من هذا، أعلى من تعبيره حتى، هذه مسألة كبيرة، فكيف نصل إلى العرفان – عرَّفنا الله وإيامكم به إن شاء الله ودلَّنا عليه دلالة الصادقين – بالله؟ هو هذا، هذا الطريق، كيف نصل إلى العرفان؟ نُحيل العلم إلى معرفة، لا نكتفي بالعلم وحده، هذا لن ينفع، وإلا نكون نستكثر من حُجج الله علينا يوم القيامة، أليس كذلك؟ والله أنا مُتأكِّد يوم القيامة – والله العظيم – سيتمنون أنهم لو عاشوا وماتوا وبُعِثوا جُهلاء، هذا أفضل لهم، لأن ليس مَن علم كمَن جهل، قال:

فعالمٌ بعـلمِــهِ لم يعـمَـلَنْ                             مُعَـذَّبٌ مـن قـبلِ عُـبَّادِ الوَثَنْ.

الخطيب البغدادي عنده جُزء كامل عنده في هذا الموضوع، أعني اقتضاء العلم العمل، فيا أختي الفاضلة والكلام للجميع – إن شاء الله – نصل إلى اليقين الصادق بالاجتهاد الصادق في الوصول إلى الله – تبارك وتعالى – بكثرة العبادة وبكثرة الذكر – الذكر مُهِم جداً، لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله – تبارك وتعالى – وبالبُعد عن المعاصي والمساخط والقذروات قدر ما نستطيع والتخلّق بأخلاق الصالحين المُقرَّبين بإذن الله من التواضع والإخبات والإنابة والإنكسار والصدق والبر والتُقى والخشية والرجاء وعِظم الاعتماد على الله تبارك وتعالى، فهذه أشياء كثيرة وهذا طريق طويل لابد أن نسير فيه، في نهاية المطاف الطريق إلى الله يا إخواني طريق اسمه اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۩، أي أنه لا يُقطَع بالتمني – لا يُمكِن أن نجلس ونتمنى – وإنما يُقطَع بالسير فيه، لابد أن نسير فيه، إذا لم نجد أنفسنا كل يوم وقد قطعنا مراحل جديدةً فهذا يعني إذن أننا لم نسر فلسنا في الصراط المُستقيم، نحن قعود على الصراط، لكن لابد أن نمشي في الصراط المُستقيم، وكلما قطعنا مراحل – بإذن الله تبارك وتعالى – كلما قاربنا الله أكثر، النبي – عليه السلام – صحَّ عنه أنه كان يستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة، وفي حديث آخر صحيح أيضاً – في صحيح مُسلِم – مائة مرة، وقال السادة العلماء – روَّح الله أرواحهم – لماذا؟ قالوا كان كلما ارتقى مقاماً فإنه يُطالَع بتقصيره في المقام الذي سبقه، كأنه يقول أين كنت أنا؟ كنت، طبعاً لأن الله ليس دونه مُنتهى ولا وراءه مرمى، أليس كذلك؟ لو عاش الإنسان إلى الأبد وهو يُقارِب الله لن يصل الوصول الأخير، أليس كذلك؟ لكنه دائماً يقترب، قال الله له وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ۩، لم يقل له وصل، لذا مُصطلَح الوصول عند الصوفية غير دقيق، هذا غير دقيق لأن الدقيق هو الاقتراب، اقترب باستمرار، فكان النبي يستغفر، بعد ذلك بعد ساعة مع الذكر ومع العبادة يرتقي النبي مقاماً جديداً – ولك أن تتخيَّل هذا – فيستغفر الله من تقصيره في المقام السابق، كان يرى تقصيره في المقام السابق فيستغفر، وهكذا باستمرار، قال الإمام عليّ – كرَّم الله وجهه – مَن استوى يوماه فهو مغبون، أي خاسر الصفقة، ومَن فضل أمسه يومه فهو ملعون، سوف يكون مطروداً، إذا رحمه الله لن يكون هذا وضعه وإنما سوف يكون وضع اليوم أحسن.

أكتفي بهذا القدر، وسامحوني على الإطالة وسامحوني على الإيجاز، أنا أعرف أن الجوابات مُوجَزة أيضاً، بهذه الطريقة هي مُوجَزة جداً جداً وغير مُفيدة في أسئلة كبيرة كهذه، لكن نحن نُحاوِل.

– أشار مُنظِّم الجلسة إلى أنه سيفتح الباب لتلقي أربعة أسئلة جديدة.

– قالت إحداهن أن الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم ذكر حُجج النقد والحل في العلم الحصولي والعلم الحضوري وطلبت مزيداً من التوضيح.

– سأل أحد السادة الحضور عن فائدة الفلسفة في حياتنا العملية والفكرية مُشيراً إلى رغبته في أن يكون الجواب مُسهَباً قليلاً.

– بدأ أحد الحضور بقوله جزاكم الله خيراً يا شيخ فرد فضيلته بدوره قائلاً جميعاً إن شاء الله، وذكر مفهوم الحرية المُطلَقة، ثم سأل قائلاً لماذا قيَّدنا حرية الأخلاق في المنظومة الإسلامية وقيَّدنا حرية الاعتقاد؟ وشكراً، وعلَّق الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم قائلاً أحسنت، سؤال جميل.

– قال أحدهم يُعطيك الله العافية يا شيخ فرد فضيلته قائلاً يُعافيك الله ويفتح عليك، ثم قال أن الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم ذكر تعريف أرسطو Aristotle للإنسان، حين قال أنه حيوان ناطق، مُشيراً إلى أن المُراد بالناطقية العقلانية وما إلى ذلك، ثم قال أننا نرى بعض البشر ليس عنده عقل، فقد يكون أحدهم مجنوناً مثلاً، ومع ذلك يُطلَق عليه إنسان، ومن هنا يتساءل هل هذا التعريف للإنسان فيه إشكال أم لا؟

– بدأ الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم في الإجابة عن الأسئلة قائلاً:

هذه أربعة أسئلة إن شاء الله، بالنسبة لسؤال الأخت الفاضلة عن العلم الحضوري والعلم الحصولي وحُجج النقد في الحقيقة لم تكن الحُجج النقدية والحلية بخصوص العلم الحصولي والعلم الحضوري بذاتيهما، وإنما كانت رداً على شُبهات السفسطائيين مُنكِري الحقائق، فقلنا أننا أجبنا عليهم بطريق الحل في البداية، في تضاعيف الجواب تطرَّق الكلام إلى العلم الحضوري، وقارناه بالحصولي وحصل الكلام، فإذا كان السؤال عن إعادة تعريف العلم الحضوري والعلم الحصولي حتى يضح نفعل هذا، لكن لا أرى أننا مُحتاجين أن نُعيد النقد على السفسطائية، ذكرنا ذلك وأعتقد أنه كان واضحاً وبيّناً، باختصار العلم الحصولي عبارة عن حصول صورة الشيئ في الذهن، وطبعاً الآن نحن لا نتصل بالعالم الخارجي بطريقة حصول الشيئ في الذهن، هذا مُستحيل فالأشياء مُتخارِجة عنا وبائنة منا، فهذا الكوب لا يدخل في دماغي حتى أُدرِكه وإنما تدخل صورة منه، أكيد أن صورة منه تدخل عن طريق وسائل الحس فتحصل في الذهن، وتسمى بالإحساس، هذه صورة حسية، بعد ذلك إذا نُحّيَ هذا الكوب من أمام ناظريي أو أنا التفت عنه أو تركت المكان حتى وبعد سنة أو سنتين تذكّرت يُقال هذه صورة خيالية، تبقى في الذاكرة، الصورة المُتذَّكرة، فهي تبقى في الذاكرة، بعد ذلك – كما قلنا – الذهن الإنساني – وهذا له علاقة بأخي الفاضل المُتعلِّق بالناطقية والتعقل – من خصائصه ولياقاته أنه يستطيع أن ينتزع المفاهيم الكُلية من المُتشخِّصات الجُزئية فيرى كوباً أو عدة أكواب كل واحد منها له ما يُميِّزه فيترك كل هذه المُشخِّصات، يُسقِطها ويُبقي المُشترَك، هذا المُشترَك يُسمى المفهوم الكُلي، كمفهوم الكوب والإنسان والخاتم والشاي وإلى آخره، أي مفهوم، فهذا اسمه المفهوم الكُلي، وهذا كله له علاقة بالعلم الحصولي، الآن العلم الحضوري يختلف ويفترق من العلم الحصولي في أن العلم الحضوري عبارة عن حضور المعلوم بذاته لدى الذات العالمة أو العارفة أو المُدرِكة، ليس صورة منه، وذلكم كعلم النفس بنفسها، كعلم النفس بقواها وانفعالاتها ووجداناتها، أليس كذلك؟ خوفي أنا ليس شيئاً في الخارج وإنما في الداخل، هذا إحساس داخلي، أشعر أنني خائف، وكذلك الحال مع جوعي، أشعر أنني جائع، أشعر أنني قلق أو أنني مُتحرِّج أو أنني مُتحسِّس وأنني أستحي، فعلمي بحيائي وبخوفي وبتحرجي وبقلقي وبتعبي وبجوعي وبعطشي وإلى آخره علم حضوري، وذلك قلنا تربوياً ينبغي ألا يُناقَش فيه، أنا أشعر بهذا وانتهى الأمر، لا تُقنِعني بأنني لا أشعر بهذا، لأن هذا علم حضوري، وهذا من أقوى درجات العلم، أن يحضر الشيئ بالذات لدى المعلوم، يُسمونه اتحاد العارف والمعروف، علماً بأنهما شيئ واحد، النفس وحالاتها شيئ واحد، لكنها يتمايزان بالاعتبار لا بالذات، إذا نظرنا إليهما هما بالذات شيئ واحد، لكن باللحاظ – بلحاظ أن هذا العارف وأن هذا المعروف – صارا كأنهما شيئان لكن هما شيئ واحد، وقلنا أيضاً أن العلم الحصولي نفسه في النهاية يستدعي العلم الحضوري، لماذا؟ لأن نحن نعلم هذه الكأس – مثلاً – بحصول صورتها في الذهن، الصورة الحاصلة لها في الذهن كيف تُعرَف عند الذهن؟ بحضورها في الذهن لا بصورة ثانية، أليس كذلك؟ طبعاً ليس بصورة ثانية في الذهن، الصورة الحاصلة تحصل في الذهن وتُصبِح ومعلومة للإنسان وللذهن الإنساني، هذه الصورة الحاصلة في الذهن حاضرة في الذهن، فهي تُشكِّل الآن علماً حضورياً، إذن لو سُئلنا كيف يعلم الذهن أو الإنسان بالصور الحاصلة؟ سوف نقول بالعلم الحضري، ولو سُئلنا كيف علم بهذا الشيئ في الخارج علماً حصولياً؟ سوف نقول بصورته الحاصلة، وهذا يعني أن العلم الحصولي عنده درجتين، أرأيتم؟ في الأول بالارتسام – ارتسام الصورة – في ثم نيل الذهن بطريقة الحضور الصورة المُرتسَمة فيه، ولذلك كل علم حصولي يستدعي الحضوري، هذا ما يتعلَّق بهذا الموضوع.

– ذكر أحد السادة الحضور أنه يُوجَد علم من غير صورة، فقال له فضيلته نحن قلنا هذا في العلم الحضوري، فالخوف ليس له صورة، ثم استفسر السائل عن وجود الله سبحانه وتعالى، فقال له الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم كيف نُحصِّل هذا؟ هذا علم حصولي، كيف هذا؟ انتبه إلى التالي وقد قلناه أمس حتى في نقاش المنطقية الوضعية، هل علمك بالله – أستغفر الله العظيم – علم بشكل الله؟ هل هذا علمك؟ لا تخربط ، علمك بالله ليس هو علم بشكل الله – كيف يكون شكله ومن ثم نراه – وإنما علمك بوجود الله، بمعنى أن الله – لا إله إلا هو – موجود، موجود كقوة حكيمة عاقلة مُدبِّرة فعلت كذا وكذا وكذا، عبر ماذا عرفت هذا الكلام؟ بالاستدلال عليه، من ماذا؟ من آياته في الكون، قال الله سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا ۩، فإذن في النهاية قلنا لك الله الذي تُؤمِن به ما هو عندك؟ سوف تقول القوة العاقلة المُدبِّرة والكذا والكذا وإلى آخره، طبعاً هذا بالأسلوب الفلسفي، في الدين لا نقول العاقلة فلابد أن تكون الأوصاف الشرعية، سوف تقول القوة الحكيمة المُدبِّرة المُقتدِرة وإلى آخره، فطبعاً هذا حاصل بطريق الاستنباط برؤية الآيات، إذن هو في النهاية علمٌ بوجود الله – تبارك وتعالى – وأسمائه وصفاته، يُمكِن هنا أن نسأل سؤالاً فلسفياً ثانياً أعمق قليلاً، قد تسأل وتقول لي وجود الله – تبارك وتعالى – هل هو من جنس وجودنا؟ هذا سؤال فلسفي في الأنطولوجيا Ontology وسنُجيب لكم عنه بسرعة إن شاء الله، هل وجود الله من جنس وجودنا؟ وهذه المسألة في الأنطولوجيا Ontology يُسمونها وحدة مفهوم الوجود، هل له فعلاً مفهوم واحد أم يتعدد هذا المفهوم؟ عدد لا بأس به من علماء الكلام – شطر علماء الكلام – قالوا مفهوم الوجود مُتعدَّد، ليس فقط في حق الله وإنما في حق كل شيئ، وجود الكأس غير وجود الإنسان، ووجود الإنسان غير وجود السماء، ووجود السماء غير وجود رب السماء لا إله إلا هو، وطبعاً واضح أن هذا الكلام غير صحيح بالمرة، مُستحيل أن يقول هذا فيلسوف، الفيلسوف المُدقِّق لا يقول هذا الكلام، لكن قاله بعض علماء الكلام، وهم ليس لهم علاقة بالفلسفة وكان رأيهم ضعيفاً، لماذا؟ لو قلنا الآن وجود كل شيئ يختص به مفهومياً ولذلك عندنا مفاهيم أو مفهومات للوجود بتعدد الماهيات – كل ماهية لها وجود يُقابلِها – لاقتضى هذا مُباشَرةً مُعادَلة الماهية بالوجود، أليس كذلك؟ بحيث نستغني بأحدهما عن الآخر، وهذا لا يقول به أحد، لا يقول به أحد على الإطلاق، وهذا كان أولاً، ثانياً مِن العلماء مَن قال نحن نقول أن الوجود في حق الله له معنى وفي حق ما ومَن عدا الله له معنى واحد، لكن في حق الله مُختلِف تماماً، وهذا غير موضوع الوجود وحيثية الوجود، وأيضاً هذا الرأي فيه نوع من القوة لكنه ضعيف أيضاً، الفلاسفة يقولون لا، السؤال لكي نُبسِّط – أنا أعرف أن المسألة صعبة – هو هل مفهوم الوجود مُشترَك لفظي أو مُشترَك معنوي؟ هذا هو، لو قلنا أنه مُشترَك لفظي هذا سوف يعني أن كلام المُتكلِّمين كان صحيحاً، إذا قلنا الله موجود فهذا سوف يكون له معنى، وإذا قلنا الإنسان موجود أو الخلق موجود أو الكون موجود بمعنى آخر، فهذا مُشترَك لفظي مثل كلمة عين التي تعني مرة جاسوساً وتعني مرة ذهباً ومرة كذا وكذا، لكن إذا قلنا الوجود مُشترَك معنوي فماذا سوف يعني هذا؟ سوف يعني أن في حق الله نفس المعنى في حق المخلوقات كلها، أليس كذلك؟ هذا هو، الفلاسفة يقولون الوجود مُشترَك لفظي، بمعنى أن له وحدة مفهومية خلافاً للمُتكلِّمين، لماذا؟ لو لم يكن الوجود مُشترَكاً معنوياً وكان مُشترَكاً لفظياً لجاز حمل نقيضه على الله، فسوف يكون عندنا الآن الإنسان موجود والكون موجود والعرش إلى الفرش موجود بمعنى، أليس كذلك؟ وسوف يكون نقيضه هو الذي يصح في حق الله، أليس كذلك؟ سوف يكون معنى هذا أن الله معدوم ولا يقول بهذا مُوحِّد، أليس كذلك؟ وهذا من أقوى الحُجج التي رُدَّ بها على مَن قال بأنه مُشترَك لفظي، وهذا كان أول شيئ، الشيئ الثاني ما هو الخطأ ومنشأ الشُبهة لدى علماء الكلام ما حملهم على أن يقولوا بالاشتراك اللفظي لمفهوم الوجود؟ هو أنهم ظنوا أنه إن اشترك هذا المفهوم معنوياً اتحدت الماهيات، وهذا غير صحيح، هل تعرفون لماذا؟ لأن هذا صحيح فقط في حق المفاهيم الماهوية، أما المفاهيم الفلسفية هذا غير مشروط فيها بالمرة، فطبعاً نقول الله موجود والإنسان موجود والعرش موجود والنمل موجود والنحل موجود ولا يعني أبداً اشتراكهم في الماهية، فماهية النحل غير ماهية الإنسان غير ماهية كذا وكذا، لماذا؟ لأن مفهوم وجوده – موجود – مفهوم فلسفي وليس مفهوماً ماهوياً، لو كان ماهوياً لحدثت مُشكِلة، فهذه دقة الفلسفة.

نعود إلى سؤال أخينا الفاضل عن فائدة الفلسفة وهو سؤال جميل، وأنا كنت أتوقع أن أُسأل هذا السؤال طبعاً، لأن بعض الناس قد يقول أنت تحدَّثت عن كلام نراه صعباً إلى حدٍ ما، رغم أن هذه البداية، نحن لا نزال على الشاطئ، وحين نتعمَّق أكثر سندخل في مسائل مُعقَّدة جداً جداً جداً، فلماذا؟ لماذا نأتي بالصداع – Headache – إلى أنفسنا ونُصدِّع أدمغتنا بسبب مسألة الدين يُغنينا عنها بفضل الله تبارك وتعالى؟ طبعاً ابتداءً واضح أنه ليس شرطاً أن يكون كل إنسان مُتخصِّصاً في الفلسفة، لكن – كما قلت في أول الدرس – أنت سوف تجد في النهاية أنك تتفلسف دون أن تدري، هذا أمر لازم لكنه طبعاً على تفاوت، أنا أقول لك الدين نفسه عدا النص الإلهي المُقدَّس المعصوم المحفوظ لم يخل من حُجج وبراهين وطرق فلسفية في الاستدلال والكلام، هذا موجود، لكن لا تأخذ العناوين الفلسفية، ليست بعنوان الفلسفة لكن هي في جوهرها فلسفية، وسأشرح لكم شيئاً الآن، من المفاهيم الفلسفية مفهوم بطلان الدور – وعلماء الكلام استسلفوا هذا المفهوم وأخذوه من الفلاسفة – ومفهوم بطلان التسلسل ومفهوم بطلان الرجحان بدون ترجيح، هذه مفاهيم فلسفية سنشرحها باختصار، ما المقصود بالتسلسل؟ اسم على مُسمى، التسلسل هو عزو الظاهرة إلى علل لا تتناهى، عزو الظاهرة إلى علة والعلة إلى علة والعلة إلى علة والعلة إلى علة إلى ما لانهاية، العقل يقضي بأن هذا مُستحيل، التسلسل مُستحيل، قيل الآن – مثلاً – عليك يا عدنان أن تحمل هذه الزجاجة فقلت أنا لن أحملها حتى يحملها الذي خلفي، الذي خلفي قال وأنا لن أحملها حتى يحملها الذي ورائي وهكذا، وبعد يومين وجدنا أن هذه الزجاجة حُمِلت، حملها عدنان مثلاً، ماذا سوف نفهم من هذا الكلام في النهاية؟ أن في النهاية كان يُوجَد رجل لم يجد رجلاً يُحيل عليه، نظر خلفه فلم يجد مَن يُحيل عليه فقال سوف نحملها، والذي أمامه قال لأنك حملتها سوف أحملها وهكذا إلى أن حملها عدنان، هذا المُمكِن طبعاً، فهذا الشيئ كان يُمكِن أن يُحمَل وكان يُمكِن ألا يُحمَل، بعد ذلك وجدنا أنه حُمِل، هذا يعني وجود علة أولى، لو رأيناها لم تُحمَل سوف نقول هذا لا تُوجَد علة لكي يقف عندها الحد، هذا اسمه بطلان التسلسل، مُستحيل أن تتسلسل العلل إلى ما لانهاية، انتبهوا إلى هذا، فهذا مُستحيل، ماذا عن بطلان الدور؟ طبعاً الدور أنواع لكننا سنأخذ النوع الواضح والمُبسَّط له، أنا تخرَّجت – مثلاً – من الثانوية العامة وذهبت لكي أتقدَّم إلى الجامعة، لأنني أُريد أن ألتحق بكلية – نفترض – الفلسفة، قالوا إذا كنت تُحِب أن تدرس الفلسفة لابد أن تكون مُتخرِّجاً من الجامعة، يا جماعة أنا أُريد أن أدخل الجامعة لكي أدرس وأتخرّج، قالوا لا، لا نقبل في الجامعة إلا دخل الجامعة وتخرّج منها، هذا يعني أنك لن تدخل الجامعة أبداً، هذا مُستحيل، الشاعر يقول:

مَسْأَلَةُ الدَّوْرِ جَرَت                                    بَيْنِي وبَيْن مَنْ أُحِبّْ.

لَوْلاَ مَشِيبِي مَا جَفا                                     لَوْلاَ جَفَاهُ لَمْ أَشِبْ.

لم نعرف مَن قبل مَن، هو شاب لأنه أحب أم هو أحب حين شاب، لم نفهم شيئاً، هذا شاعر لطيف، انظر إلى هؤلاء العرب الأذكياء، يُريد أن يُعبِّر عن الفلسفة بشعره، قال هذه مسألة الدور، فنحن لم نفهم بصراحة، هل هو أحب حين شاب أم شاب حين أحب؟ لم نعرف، قال المسألة فيها دور، فهذا اسمه الدور، في النهاية ترى الدور من باب اعتماد الشيئ على نفسه، كأنه على هذا النحو، آخر شيئ عندنا الرجحان بدون مُرجِّح، ككفتي الميزان، إذا رأينا واحدة رجحت والأُخرى شالت نعرف أن هذه التي رجحت إنما رجحت بشيئ سقط فيها رجَّحها على أُختها، أي على الكفة الأُخرى، هنا إذا قال لك أحدهم رجحت وحدها سوف تقول له هذا مُستحيل، سوف يقول لك انظر، لكنك سوف تقول له المُشكِلة ليست في أن ننظر، الهواء هو المُرجِّح، حتى الهواء لو زاد ضغطه هنا يُرجِّحها، إذن يُوجَد سبب.

الآن نأتي إلى كل ما في الوجود، من أي أقسام؟ هل هو من أقسام المُستحيل أم من أقسام الجائز أو المُمكِن؟ هو من أقسام الجائز أو المُمكِن، كل ماعدا الله من العرش إلى الفرش – كل شيئ – يدخل فيما يُعرَف بالمُمكِن، ما معنى المُمكِن؟ المُمكِن هو الذي تستوي نسبته إلى الوجود والعدم، ولابد من مُرجِّح خارجي يُخرِجه من كتم العدم إلى أنوار الوجود، إذا قلت لي هو خرج وحده من غير أن يُخرِجه أحد سوف أقول لك هذا مُستحيل، أليس كذلك؟ مُستحيل، هذا اسمه بطلان الرجحان بدون مُرجِّح، لابد من مُرجِّح، فجئنا لكي نرى الوجود فوجدناه كله مُمكِن، قد تقول لي كيف عرفنا أنه مُمكِن؟ هذا موضوع ثانٍ يتعلَّق ببراهين الإمكان، كيف نُثبِت أن كل ما في الكون هو من قسم المُمكِن؟ وفعلاً هو من قسم المُمكِن، ليس من قسم الواجب وإنما من قسم المُمكِن، يُمكِن ألا يكون كما يُمكِن أن يكون، تستوي النسبة.

هذه ثلاثة براهين ألَّفوا فيها كتباً وقالوا كلاماً وسوَّدوا صحائف كثيراً وأراقوا مداداً غزيراً، القرآن عبَّر بنفس هذه الطرق، ما رأيكم؟ قال الله أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ۩، هذا بطلان ماذا؟ قال الله مُستحيل، هذا بطلان الرجحان بدون مُرجِّح، قال الله هل أتيتم وحدكم؟ هل أتيتم من غير شيئ؟ قال هذا مُستحيل، هذا تعبير قرآني رباني يا أخي لا يُوجَد أبلغ ولا أفصح ولا أجمل ولا أبهى منه، قال الله أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ۩،وهذا مُستحيل، وبعد ذلك قال في نفس الآية أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ۩، هذا بطلان ماذا؟ الدور، فهو خالق ومخلوق، والشيئ يتوقَّف على نفسه، وهذا مُستحيل، ثم قال الله أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لّا يُوقِنُونَ ۩، هذا يعود أيضاً إلى بطلان الرجحان بدون مُرجِّح، لماذا؟ لأنهم غير لائقين أن يكون هم الذين خلقوا، لا يُمكِن أن تكون أنت مَن رجَّحه، هل تقدر أن تقول أنا رجَّحت خلقها؟ مُستحيل، هي لم تُخلَق عبر الإنسان، مُمكِن في الثانية أيضاً – أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ۩ – يُمكِن أن نُدخِل فيها أيضاً برهان التسلسل، أليس كذلك؟ كأن يُقال لا تُوجَد حلقة أولى في السلسلة لكنهم خُلِقوا، سوف نقول لهم هذا مُستحيل، فأنت سوف تجد هذه البراهين موجودة في كتاب الله ومُعبَّر عنها في كتاب الله، وهنا يشرحها رجل بيانياً مثل الزمخشري ويشرحها رجل ثانٍ نحوياً مثل السمين الحلبي ويشرحها رجل ثالث فلسفياً مثل الفخر الرازي، أليس كذلك؟ فلا تقل لي القرآن ضد الفلسفة، هذا موجود وليس عندنا أي مُشكِلة، لكن نُريد أن ننتبه الآن، انتبهوا إلى التالي، هل لاحظتم أن كل القضايا التي تبحثها الفلسفة هي قضايا دينية؟ لا، الفلسفة تبحث في أشياء كثيرة وخاصة الفلسفة التقليدية التي يُسمونها أم العلوم، فهي تبحث في كل شيئ، تتحدَّث عن الأحجار والمعادن والفلك والهيئة والموسيقى والرياضيات والطبيعة وإلى آخره، أقسامها معروفة ونحن قلنا هناك حكمة علمية نظرية وهناك حكمة عملية، أليس كذلك؟ كل العلوم كانت داخلة فيها، فليس شرطاً أن تقول لي الدين يُغني عنها، فهل الدين يُغني عن الطب؟ لا، هل الدين يُغني عن علم الهندسة والمعمار؟ لا، هل الدين يُغني عن علم الكوزمولوجيا Cosmology وعلم الفلك؟ لا، هل الدين يُغني عن علم الرياضيات؟ لا، الدين له وظائف مُحدَّدة يُغني فيها – بفضل الله – الغَناء كله، الفلسفة فن من الفنون أيضاً وعلم من العلوم يحتاجها نفر من الناس عندهم طوق إليها وعندهم نزوع ولياقة خاصة بها، أهلاً وسهلاً، هذا أمر عادي، لماذا نُحجِّر عليهم؟ تكون عندنا مُشكِلة فعلاً مع الفيلسوف أو دارس الفلسفة حين يأتي ويُبشِّر بأشياء انتهى إليها فلسفياً تُناقِض الأصول الدينية والأصول العقدية وتُضارِبها وتُشاكِسها، هنا تحدث المُشكِلة، لكن هذه المُشكِلة كيف تُحَل؟ إن شاء الله سوف يكون الجواب مع السؤال المُتعلِّق بمفهوم الحرية وما إلى ذلك، هل تُحَل بالسيف وبالقتل وبالتكفير وبحد الردة أم تُحَل بمُقارَعة الحُجة بالحُجة؟ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩، وسوف نجد أنفسنا في النهاية كعلماء الدين أو مَن أرد هذا مُتورِّطين في قراءة الفلسفة.

لدينا سؤال أخينا الفاضل عبد المُحسِن، يسأل عن مفهوم الحرية وطبعاً هو سأل وأجاب، قال الحرية بدون قيود، وطبعاً هذا ليس موضع اتفاق، أن الحرية تعني زوال القيود بالمُطلَق ليس موضع اتفاق، هل تعرف لماذا؟ لو كانت الحرية هي زوال القيود بالمُطلَق ستفقد ذاتها، ستُصبِح حرية من ماذا وإزاء ماذا؟ أليس كذلك؟ هذا هو التفكير العدمي بهذه الطريقة، ستُدمِّر ذاتها، هذا نُسميه المفهوم الذي يُدمِّر ذاته بهذه الطريقة، كالعلمانية مثلاً، العلمانية الكُلية أو الشاملة كما يُسمونها التي عندها هذا الموقف الحدي من الدين إذا أصرت على أنها كذلك فهي مشروع غير قابل للاستمرار، لأن نجاحه يعني القضاء عليه في النهاية، إذا نجحت بهذه الطريقة سوف تنتهي، أليس كذلك؟ ولذلك لا يُمكِن أن تكون أيديولوجيا دائماً للحياة، إذا كان مشروعها فقط أن تقضي على الدين بالكامل وبعد ذلك قُضِيَ على الدين ماذا سوف يبقى؟ سوف تنتهي العلمانية ولن تبقى، وهذا إذا حدَّدنا سلبياً بهذه الطريقة فقط، فإذن الحرية في نهاية المطاف ليست مُطلَقة، ولذلك وُجِد عدد كبير من الفلاسفة وضعوا دائماً في تحديد الحرية أو تعريف الحرية دائماً مفهوم تقييدي، هذا لابد منه، مونتسكيو في روح الشرائع عرَّف الحرية بأنها طاعة القانون، قال الحرية طاعة القانون، قال هذه الحرية، الحرية عند هيجل Hegel تحديد ذاتي، هيجل Hegel قال الحرية هي تحديد ذاتي، عبارة عن تحديد ذاتي وليس تحديداً خارجياً، هذا هو، لو كانت تحديداً خارجياً سوف تُعتبَر قهرية وليس حرية، لكن ما دام التحديد ذاتي تكون هذه هي الحرية، ولنضرب مثالاً على ذلك، نحن الآن اتفقنا على أننا سنأخذ راحة – مثلاً – لعشر دقائق، وأنتم وافقتم على هذا، لم يقم أحد قائلاً أنا أعترض، عشر دقائق فترة قصيرة جداً وإلى آخره، أنتم قلتم – مثلاً – فليكن ووافقتم، أو وافقتم في البداية على أن نأخذ أربعة أسئلة ونُجيب ثم نأخذ أربعة أسئلة، وافقتم دون أي اعتراض، وبعد ذلك خضعنا لهذا الشيئ، لا يُمكِن لأحد أن يقول أنا لست حراً، أنا أشعر بالمقهورية، لا يُمكِن هذا أبداً، أنت الذي طلبت هذا ووافقت عليه، جماعة – مثلاً – لاحظوا أنه في مُنعطَف مُعيَّن تكثر الحوادث فطلبوا من البلدية أن تُقيم هناك – مثلاً – الإشارات المرورية Traffic lights، فأقامت البلدية هذه الأشارات، وضعوا مطباً – مثلاً – وإشارات مرورية تُنظِّم سير السيارات والمارة، لا يُمكِن لأحد أن يأتي ويقول أنا – والله – أرى أن هذا ضد حريتي، لماذا ينبغي أن أقف كلما أجد الضوء الأحمر هنا؟ أنت طلبت هذا، المُواطِنون طلبوا هذا، أليس كذلك؟ واستُجِيبَ لطلبهم، نعم هو يُقيِّد حريتهم المُطلَقة الموهومة لكن هذا التقييد هو عين الحرية كما يقول هيجل Hegel، هذا اسمه تحديد ذاتي، نحن أردنا ذلك، وهكذا نشعر بحريتنا – ولك أن تتخيَّل هذا – بالتحديد الذاتي، لأن مفهوم حرية مُطلَقة بلا قيود غير موجود ولم يُوجَد ولن يُوجَد أصلاً، وهو ليس لائقاً بالإنسان، هذا مُستحيل، وأنا أقول لك يُوجَد ما هو أعجب من هذا، رب العالمين – تبارك وتعالى – هل أعطى نفسه صلوحية حرية بهذا المعنى؟ أجيبوا دينياً، دينياً لم يُعط نفسه هذا، قال يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي، هذا تحديد ذاتي، ربنا – لا إله إلا هو – أراد هذا، وكان يقدر على … الله أعلم، قال الله وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩، فلا تتعجَّل، هل تعرف لماذا؟ لو قلت الله يظلم سوف أقول لك لا يظلم الناقص، الكامل المُطلَق لا يظلم، أليس كذلك؟ لماذا؟ مَن الذي يظلم؟ الآن نفترض وجود شخص طاغية مثلاً، وقام رجل مغلوب على عقله وعارضه – عارضه رجل مجنون – قائلاً هذا طاغية، المجنون يُريد إسقاط النظام، لن يلتفت له الطاغية لأنه لن يُؤثِّر عليه، لكن لو تحرَّك الشعب وخرج مليون رجل سوف يُعطي الأوامر بضرب الناس بالرصاص، وهو طبعاً يظلم لأنه خائف وسوف يُصبِح مغلوباً على أمره، لكن رب العالمين يخاف مِن مَن؟ ومَن يُمكِن أن يُتابِعه بالمُطالَبة؟ قال الله لا يُوجَد تبيع لي، أليس كذلك؟ قال لا يُوجَد تبيع لي، وقال وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ۩، قال أُدمِّر ولا يقدر أحد على أن ينتقم مني، ولا يُمكِن لأحد أن يلحقني ويُتابِعني – هذا معنى التبيع – ويُطالِبني بالثأر، قال هذا غير موجود، المُلك كله لي، ومع ذلك قال إني حرّمت الظلم – لكي يُعلِّمنا – على نفسي، لا يُوجَد شيئ اسمه حرية مُطلَقة فأفعل كل ما أُريد وكيفما أُريد، هذا مُستحيل، حتى – أكرمكم الله – الحيوانات لا تفعل هذا، الحيوانات مُحدَّدة بأشياء أيضاً ولو كانت على المُستوى الغرزي، أليس كذلك؟ مُحدَّدة بغرائزها رُغماً عنها أيضاً، لكن السؤال يبدو ذكياً لدى التفصيل، لماذا – مثلاً – نحن وافقنا وخاصة المُفكِّرين الإسلاميين على أن حرية الأخلاق عموماً وفي الجُملة تُقيَّد وحرية الاعتقاد تكون مُطلَقة؟ قبل أن أُجيب أُريد أن أختبر وأُعيد اختبار هذا المُصطلَح – حرية الاعتقاد مُطلَقة – الآن، ما معنى حرية الاعتقاد؟ انتبهوا إلى هذا، ما معنى حرية الاعتقاد؟ نحن أمس أخذنا كلاماً عن بعض القضايا وتحدَّثنا عن التحليلية والتركيبية وما إلى ذلك، هل تجد نفسك حراً في أن تعتقد بأن واحداً زائد واحد يُساويان اثنين أو يُساويان ثلاثة؟ هل عندك حرية هنا؟ لا يُمكِن، أنت مُضطَر أن تُذعِن بأن واحداً زائد واحد يُساويان اثنين، أين الحرية هنا؟ لا تُوجَد حرية، لماذا انتفت الحرية هنا إذن؟ هل انتفت الحرية؟ لا نعرف، لعلها لم تنتف فانتبه، هذا يعني أن تعريفنا للحرية غائم وغير دقيق، أنا لا أرى أنني مُجبَر على الاعتقاد بأن واحداً زائد واحد يُساويان اثنين، أنا لا أرى هذا ولا أشعر بهذه المُجبَرية والمقهورية، وفي نفس الوقت لا أشعر بالحرية بالمعنى الذي قر في ذهني للحرية، وهي الانتخاب والاختيار، أقدر على اختيار هذا الطريق أو ذاك الطريق والشيئ ونقيضه أو عكسه، لا أشعر بهذا، إذن ما القضية؟ القضية كما قال أفلاطون Plato أن مُعظَم خلافات الناس وإشكالاتهم الفلسفية ناجمة وناشئة عن عدم تحديد المُصطلَحات، نتكلَّم ولا نفهم بالضبط عن ماذا نحن نتكلَّم، لو حدَّدنا مُصطلَحاتنا بدقة تقريباً خمس وسبعين في المائة من المشاكل الفلسفية والفكرية سوف تنتهي، ثلاثة أرباعها سوف تنتهي – بإذن الله – بضربة واحدة، ونرجع مرة أُخرى إلى ما كنا فيه.

إذن لفظة حرية تُوحي أول ما تُوحي بإمكانية الانتخاب، وهذا يعني أن لما إمكانية الانتخاب تختفي لسبب أو لآخر بطبيعة الأمور لن يكون للحرية أي دور، فلا نقول هناك حرية، إذن أنا لست حراً في أن أعتقد بأن واحداً زائد واحد يُساويان اثنين، هذا غير صحيح، هذا تعبير غير سليم، لا تقل لي أنا حر هنا، لماذا؟ لأن الحرية إمكانية انتخاب، لا يُوجَد انتخاب هنا، عندك سبيل واحد هنا، أليس كذلك؟ عندك سبيل واحد ولا إمكانية للكلام هنا، أنت لست حراً – نفترض – في أن تُحِب ابنك، لا يُمكِن أن تقول أنا حر في أن أُحِبه وما إلى ذلك، هذه مسألة غرزية فطرية، أليس كذلك؟ مهمها حاولت ولو حلفت على المُصحَف قائلاً أنك لا تُحِبه نحن نعرف أنك لست صادقاً معنا ولا مع نفسك، الإنسان يهوى أولاده وأجزاءه بالفطرة، سبحان الله حتى الحيوان يفعل هذا بالفطرة، هذا شيئ مُركَّب فيه، إلا أن تختل طبيعته، أليس كذلك؟ كأن يُجَن أو يُغلَب على عقله وهذا شيئ ثانٍ، إذن هذه ليست قضية حر أو غير حر أبداً، هذه قضية مُختلِفة، إذا فهمنا هذا سنرجع الآن إلى السؤال، حرية الأخلاق مُقيَّدة وحرية الاعتقاد مُطلَقة، نفس الشيئ لدينا، هل نحن نتحدَّث في الدائرة الأوسع للاعتقاد أم الاعتقاد بمعنى مُحدَّد كالاعتقاد الديني والأيديولوجي؟ إذا كان بالمعنى المُطلَق يُصبِح السؤالان سؤالاً واحداً طبعاً، قبل قليل جاءت أخت فاضلة وسألتني عن موضوع النسبية في الأخلاق، ما يراه هذا الشخص – مثلاً – شيئاً سائغاً يراه غيره جريمة نكراء، أليس كذلك؟ سألتني أخت وقالت في الغرب – مثلاً – يدعون إلى التساهل مع الشذوذ، يقولون هذا من حقوقهم، من حقوق الناس أن يفعلوا بأجسامهم ما شاءوا، ونحن نرى هذه جريمة نكراء، أليس كذلك؟ ونُعاقِب عليها ونُطالِب بالمُعاقَبة عليها، هم يرون هذا تقييداً للحرية، نحن نرى هذا جرائم أخلاقية ومُجتمَعية وإلى آخره، فهذا موضوع النسبية، الشيئ هنا يكون خيراً وهناك يكون شراً، هذه المسائل تابعة لماذا؟ لاعتقادات مُعيَّنة أيضاً فلسفية أو دينية أو قيمية وإلى آخره، وهنا تقول لي إلى أي حد أنا حر أن أعتقد كذا وكذا؟ وهل يسمح لي المُجتمَع أن أُمارِس حريتي هذه بنشر أفكاري في هذا الموضوع – مثلاً – الاجتماعي أو الفلسفي أو المِلي أو الديني؟ المسائل مُتداخِلة، إذن فصل موضوع الأخلاق والسلوك عن موضوع الاعتقاد بالمعنى الأعم للاعتقاد فصل أيضاً تعسفي غير دقيق وغير فلسفي، أرأيت؟ في النهاية سوف تجد جذراً مُشترَكاً للمسألتين كلتيهما، لكن إذا لم نعتبر هذا العمق في هذا الجذر المُشترَك وأخذنا المسألة على ظاهرها كما يفعل البعض فأنا أقول لك نعم مبدئياً هناك ما يُسوِّغ التفرقة بين المجالين، ويُوجَد شيئ أنا أشرت إليه ربما أول أمس، ما هو؟ أن خطأ الفكر المحض – ليس الفكر الذي يستحيل إلى سوق مُباشِر، وإنما الأفكار كما قلنا الفلسفية وربما حتى العقدية المِلية وإلى آخره – يُمكِن استدراكه، لكن الخطأ المسلكي أحياناً يُدمِّر الشخصية، أليس كذلك؟ الإنسان لو تورَّط – كما قلنا لا قدَّر الله – في قتل إنسان عنده مباديء مُعيَّنة أخلاقية أو ثورية أو سياسية سمحت له لن يُمكِنه أن يستدرك هذا، اليوم قرأت في النهار تقريباً – قرأت هذا في جريدة كويتية – لقاء مع عبود الزمر، وأنتم تعرفون هذا الذي تورَّط في قضية السادات وما إلى ذلك، شيئ فظيع، انظروا كيف تُفكِّر الناس، وهذا الرجل كبير في السن وإسلامي وتُوجَد سذاجة فكرية أيضاً، قال له أنا أصلاً لم أتورَّط في قتل السادات ولم اتُهَم، أنا اعُتبرت مُحرِّضاً ولذلك لم يُطالِبوا بإعدامي، المُهِم أنه قال عن الناس الذين أفتوا بإعدام السادات وبحِل دمه هؤلاء أخطأوا وهذا خطأ يُتدارَك بالدية، ولك أن تتخيَّل هذا، هذا شيئ فظيع، فلا زالت عنده هذه البذور العنيفة المُخيفة الاستئصالية، يقول بالدية، هو يُفتي نفسه، يظن أنه مُفتي وفي نفس الوقت هو رجل عكسري وما إلى ذلك، لماذا؟ كيف يُتدارَك بالدية؟ هذه الدية أين شرع الله لها؟ في القتل الخطأ، هل يُمكِن أن يأتي إنسان فتاوى بقتل الناس وقتل الزعماء ويُحرِّض على القتل وتقول في النهاية هذا أخطأ ويخرج من التبعة بمُجرَّد الدية؟ ما هذا الكلام؟ هذا غير معقول، فأُريد أن أقول أن الأخطاء في هذا المجال الأخلاقي من الصعب تداركها، يُوجَد مثل يقول خطأ الفكر يُستدرَك لكن قطع العنق لا يُمكِن استدراكه، حين يُؤدي خطأي إلى قطع رأس إنسان كيف سأُستدرِكه؟ لذلك يقول أحد القانونيين قبل أن نقطع الرأس علينا أن نتمهَّل طويلاً طويلاً، لماذا؟ لأن الرأس لا تُلأم مرة أُخرى، إذا قتلت إنسان ينتهي الأمر وبعد ذلك يُمكِن أن تكتشف أنه لم يكن يستحق القتل أو المسألة فيها نظر، مثلما حدث مع الدكتور الترابي في السوداني، حين أفتى – هو الذي أفتى – وحرَّض الرئيس السابق النُميري على قتل محمود طه، هذا الرجل جاوز السبعين من عمره، كان في الست والسبعين، قال يُوجَد حد الردة واقتلوه، قتلوا الرجل وأعدموه، بعد ذلك ذهبت الأيام وجاء وقال الدكتور الترابي لا يُوجَد شيئ اسمه حد الردة في الإسلام، هذا غلط يا جماعة، لماذا؟ لأن الترابي نفسه كُفِّر وُطولِب برأسه، قالوا هذا مُرتَد كافر فاقتلوه، قال أصلاً لا يُوجَد حد الردة في الإسلام، سوف نقول له وماذا عن رأس الشيخ طه؟ هل ستُرجِعه؟ لذلك النبي قال لأن يُخطيء الرجل في العفو خيرٌ من أن يُخطيء في العقوبة، ينبغي أن يتمهَّل في هذا الموضوع، فأُريد أن أقول خطأ الأخلاق – انتبه إلى هذا – والمُطالَبة بالحرية بلا قيود في الأخلاق عملية أول مَن يدفع ثمنها الشخص نفسه فضلاً عن المُجتمَع والهيئة الاجتماعية كلها، هذه مسألة خطيرة، لذلك لابد أن نكون فيها أكثر مُحاذَرة قليلاً، لابد أن نكون أكثر مُحاذَرةً في الموضوع الأخلاقي وأن نتخب خياراتنا الأخلاقية والمسلكية على مهل، على نار هادئة، موضوع الفكر على العكس، موضوعه سهل ومُتسامِح فيه أكثر، وهذا من حيث المبدأ – كما قلنا – وإلا في النهاية الجذر مُشترَك بين المسألتين.

يُوجَد أخ أرسل لي سؤالاً عن حد الردة وأعتقد هو امتداد إذن لسؤال مفهوم الحرية، سأل عن حد الردة وهل يتناقض هذا أيضاً مع حرية الاعتقاد وحرية الفكر وحرية السلوك وإلى آخره؟ واضح أنه يتناقض طبعاً، لا يُمكِن القول بأنه لا يتناقض، هو يتناقض، حد الردة يتناقض مع هذه الحريات، لماذا؟ طبعاً هذا موضوع طويل وأرجو أن أُوفِّق في عرضه – إن شاء الله – في عشر دقائق، هذا موضوع طويل جداً ومُعقَّد فعلاً، أولاً يا إخواني ليس من العادي أن يكون موضوع هذا يتعلَّق بالدماء – هذا الموضوع فيه قتل، أي قتل للإنسان – ولا يُذكَر في كتاب الله في آية واحدة، هذا غير معقول، حد السرقة مذكور، أليس كذلك؟ حد القذف مذكور، حد الزنا مذكور، وما يتعلَّق بالحرابة مذكور، والقصاص طبعاً عنده الأحناف يعتبرونه ليس حداً وهو له اسم خاص لكنه مذكور، لكن حد يتعلَّق بالقتل وبقطع الأعناق غير مذكور بالمرة، والمذكور في كل آيات كتاب الله عكسه تماماً، روح القرآن الكريم مُضادة تماماً لهذا الحد، القرآن الكريم على لسان الأنبياء جميعاً قال أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ۩، أليس كذلك؟ قال أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ۩، وقال أيضاً لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ۩، فضلاً عن أنه قال إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ۩، أليس كذلك؟ الحساب عند ربنا، قال الله ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ۩، الاختصام عند الله، وقال أيضاً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ ۩، فالقضية يُريدها الله على هذا النحو، اختلاف الناس في العقائد والأديان والمذاهب والمِلل، الله يُريد هذا، هذه سُنة كونية، أليس كذلك؟ قال الله وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۩ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ ۩، وقال لك كل أحد حر، قال الله فعلاً لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ۩، هذه روح القرآن الكريم، قد تقول لي لكن النبي خالفها، وهذا غير صحيح، النبي لم يُخالِفها أبداً، قد تقول لي هو الذي قال اقتلوهم، ومن هنا لابد أن نُعيد قراءة هذه الأحاديث النبوية الصحيحة، لن نُشكِّك في صحتها، هذه الأحاديث في الصحاح ثابتة حقيقةً، أحاديث قتل المُرتَد وما إلى ذلك، لكن النبي أيضاً اتفق مع روح القرآن وخالف هذه الأحاديث وفي غير مرة وكانت مُخالَفة صارخة، والنبي لا يتناقض، هذا مُستحيل، صلى الله عليه وسلم، إذن المسألة لابد أن تقرأ قراءة جديدة، لابد أن نفهمها من زاوية جديدة، ما الذي يحدث؟ ما الذي حدث؟ ليس بهذه البساطة يُقال هذا مُرتَد فيُقتَل وينتهي الأمر، طبعاً قبل أن أُمعِن في استعراض بعض هذه النصوص والاستدلالات أُحِب أن أقول الطريقة العقلية التي يعتمدها بعض العلماء والمشائخ والوعّاظ في تبرير حد الردة عقيمة جداً جداً ومُتهافِتة، غير مُقنِعة بالمرة، تُقنِع فقط بعض العامة، حين أقول لك يُوجَد شيخ الآن وهو مُحدَّث كبير وحيّ يُرزَق بارك الله فيه – والله بهذه العبارة ويُمكِن أن ترى هذا في اليوتيوب YouTube – قال نحن نقول لهم دخول الحمّام ليس كالخروج منه، أستغفر الله العظيم، صار الإسلام – هذا الدين العظيم والشرع الخاتم – يُشبَّه بالحمّام؟ ما هذا الكلام الفارغ؟ هل هكذا يُدافَع عن الأحكام الشرعية؟ قال دخول الحمّام ليس كالخروج منه، هذا منطق إكراهي، هذا المنطق بحد ذاته منطق إكراهي، وهو موقف تبريري لكنه فاشل، يُوجَد أُناس مثل الشيخ المرحوم العارف الشعراوي – رحمة الله عليه رحمة واسعة – الذي قال الإسلام حتى عادل في حد الردة، وطبعاً هذا الكلام كله كلام إنشائي، لماذا؟ قال لأن نحن نقول لأي أحد قبل أن تُسلِم خُذ فرصتك كاملة، اذهب وفكِّر مرة وألف مرة، نحن لسنا مستعجلين، لكن انتبه وأنت حر، معك حرية كاملة قبل أن تُسلِم، تكون كما أنت، شيوعي أو بوذي أو أو أياً تكن، إذا دخلت الإسلام سوف تنتهي هذه الحرية، وسوف تبقى مُسلِماً إلى أن تموت، إذا خرجت من الإسلام سوف تُقتَل، ويُقال له الله، لماذا يقولون الله؟ كأنه حكى شيئاً جوهرياً، هذه مُصيبة التي حكاها الشيخ بصراحة، لا يُمكِن لأحد عاقل ومُتحرِّر الفكر يُوافِق على هذا الكلام يا أخي، لماذا؟ هل تعرفون ما هو المسكوت عنه؟ ما هو المفروض في كلام الشيخ الشعراوي رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة؟ المفروض في كلامه أن الإسلام حقيقة مُطلَقة وأول ما تصل إليها ينتهي الأمر، رجوعك عنك يعني أنك إنسان مُكابِر وجاحد وفعلاً كافر وتستحق إهدار دمك، الجُزء الصحيح أن الإسلام فعلاً حقيقة مُطلَقة، هذا صحيح، فالإسلام هو الدين الحق والدين المُطلَق لكنه ليس كذلك في ذهن كل أحد فينا يا جماعة، نحن بشر، عند الله في علم الله نعم هذا الدين الحق والمُطلَق، لكن عندنا ليس كذلك، نحن مُباشَرةً نتعاطى معه كبشر وكل أحد يتعاطى بحسب عقليته، المفروض الثاني المسكوت عليه في كلام الشيخ الشعراوي – رحمة الله عليه – أن الإنسان باهتدائه إلى الإسلام يتم عقله ويكبر، أي أحد فينا حتى ولو كان عنده شهادة إعدادية، ليس إكاديمياً وإنما عنده إعدادية، أو عامل بسيط حتى مسكين وغير دارس، واهتدى إلى الإسلام، الشعراوي يقول – هذا معنى كلامه – أن هذا – ما شاء الله – عقله الآن تم وكبر، عقله أكبر من عقل أرسطو Aristotle، لا يقبل الخطأ ويثقب اللؤلؤ هذا العقل الذي عنده، ولذلك هذا عوده يُعتبَر كفر بالعقل نفسه فيُقتَل، وهذا غير صحيح، أنا أقول لك سواء هذا الذي دخل الإسلام عنده إعدادي أو ابتدائي أو عنده عشر شهادات دكتوراة هو بشر، ما معنى بشر؟ يترقى فكره وعاطفته واستدلالاته طالما هو حي، الإنسان حتى يتناسخ فكرياً، أنا أقول لكم أي أحد ترونه اليوم يقول كلاماً وبعد عشر سنين يقول نفس الكلام اغسلوا أيديكم منه، قولوا هذا إنسان فارغ بصراحة، هذا بيّاع كلام، الإنسان العادي وليس المُفكِّر أو الفيلسوف، الإنسان العادي لابد أن يتطوَّر باستمرار، طروحاته ومنظوراته وأفكاره لابد أن تتطوَّر، ليس كل شيئ فيها لكن أشياء كثيرة، ألبرت شفايتزر Albert Schweitzer الفيلسوف الألماني الكبير الإنساني قال لست أنحل شرف التلقيب بلقب مُفكِّر لكل مَن ليس لديه شجاعة أن يتناقض مع نفسه، أنه بعد ذلك يقول مسائل عكس التي كان يقولها قبل سنين تماماً، هذا أمر لازم، وهذا شرف المُفكِّر، ذات مرة جاء رجل لكي يُعيِّرني، وكان من هؤلاء المُتشدِّدين، فقال لي أصلاً أنت يا شيخ عدنان تتناقض كل فترة وفترة، قلت له أتناقض! كثيراً ما أتناقض، قال لي أنا لا أفهمك، وهذا كان في لقاء صحافي، قلت له هذا شرفي وهذا فخري، كل إنسان يقرأ ويتعلَّم يحدث معه هذا، قلت له هذا طبيعي، قلت مَن لا يتناقض هو الإنسان الفارغ، لكن هذا المسكين لم يستوعب ولم يفهم، هو يُريد منك أن تقرأ كتابين أو ثلاثة في أي شيئ وتبقى تُردِّد ما في تلك الكتب إلى أن تلقى الله تبارك وتعالى، وهذا غير صحيح يا أخي، ماذا عن سيدنا إبراهيم؟ قال الله وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ۩ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ۩، المسألة فيها تدرج بصراحة، انظر إلى هذه البداية، العلماء أخذوا فقط آيات فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ۩ وقالوا هذا في مقام المُحاجَة، كان يُحاجِج الكفار، لكن انظر إلى بداية السياق، قال الله وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ۩، وبعد ذلك مَن هذا يا سيدي؟ هذا إبراهيم بالذات، يبدو أنه كان الشخصية النبوية الشكية الأولى، لأن هناك قال سيدنا إبراهيم وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ ۩، وسيدنا إبراهيم كان يعرف أن حتى اليقين عنده رُتب باختلاف المصدر والمنبع وجهد الاستدلال، أليس كذلك؟ الآن مَن يقول أن الإيمان بأي شيئ غيبي عن طريق الاستدلال وعن طريق البخوع للنص الوحياني يُعطي يُقين لكن لا يختلف يقينه عن يقين المُعايَنة؟ هذا مُكابِر لأنه يختلف، يختلف يا سيدي، هذه رُتبة وهذه رُتبة، في القرآن الكريم يُوجَد عندنا علم اليقين ويُوجَد عندنا عين اليقين ويُوجَد عندنا حق اليقين، إنسان سمع عن العسل مثلاً، لم ير في حياته العسل ولم يذق العسل، سمع بالعسل وسمع أن صفته كذا وطعمه كذا ولذته كذا وإلى آخره، أصبح عنده علم، هذا علم يقين، وقد صدَّق هذا، الكل الناس يتحدَّثون عن العسل لكنه لم يره، بعد ذلك أتينا به له فرآه ورأى قوامه وإلى آخره، فأصبح عنده عين يقين، قال هذا العسل، والآن آن الأوان يا أبا عسل أن تتعسَّل فأخذ منه، إذن هذا حق اليقين لأنه عاش التجربة، ولذلك يُوجَد عندنا إسلام وإيمان وإحسان، أليس كذلك؟ يُوجَد عندنا شريعة وطريقة وحقيقة، السلفيون يُجَنون ويقولون ما هذا؟ هذا أمر عادي، هذا اسمه الإسلام والإيمان والإحسان وهذا اسمه علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، لماذا أنتم تخافون؟ هم يخافون من المُصطلَحات، يكرهون كلمة فلسفة ومنطق وطريقة وشريعة وحقيقة وقدَّس الله سره، يخافون هؤلاء المساكين، ابن جني كان يقول العرب إذا أحكمت المعنى تساهلت في اللفظ، لا تخف من اللفظ، لا مشاحة في الإصطلاحات، الاصطلاحات لا تُخيفنا ولا تُزلزِلنا، المُهِم تحقيق المضمون والمفهومات، أليس كذلك؟ فقالوا عندنا شريعة وعندنا طريقة وعندنا حقيقة، الشريعة هي علم اليقين بفضل الله، والطريقة هي عين اليقين، والحقيقة هي حق اليقين، الشريعة هي الإسلام، الإيمان هو الطريقة، الحقيقة هي الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، أنت سمعت – مثلاً – أن في نهاية الطريق يُوجَد قصر جميل ويُوجَد كذا وكذا وأنه من التراث الإندلسي – أشار الدكتور إلى أحد السادة الحضورقائلاً كاتبنا الكبير وأنت رأيت هذا – وكنت مشوقاً ويحدوك الأمل والشوق اللاعج وقلت نُريد أن نذهب إلى قصر الحمراء أو قصر كذا، هذا هو الإسلام، آمن بهذا الشيئ، هذا هو الإسلام، لأنه سمع به، بعد ذلك ركب سيارته وبدأ يمشي في الطريق المُؤدية إلى هذا القصر، هذا الإيمان أو الطريقة كما يُسمونها، فهو يقطع الآن، بعد ذلك فتُحِتَ لها أبواب القصر فدخل القصر وبدأ يرى ما فيه ويتمتع بمجاليه، هذه اسمها الحقيقة، هذا هو، الحقيقة أتت الآن، وهذا ما يحدث، فإبراهيم – عليه السلام – كان يعرف لكنه قال أُريد أن أرى، وإذا رأيت سوف تكون عندي طمأنينة زائدة، قال له أَرِنِي كَيْفَ ۩، لم يقل لي برهِن لي على أنك تُحيي الموتى، هو يعرف أن الله يُحيي الموتى، لكنه قال له أنا أُريد أن أرى الآلية وما يحدث، أُريد أنا أعرف كيف تكون الآلية، أرأيت؟ كيف تُحيي الموتى؟ وربنا جعله يرى هذا فعلاً وقال له افعل كذا وكذا فاطمأن قلبه، لذلك يُوجَد قول يُنسَب إلى الإمام عليّ – كرَّم الله وجهه – أنا أصبحت غير مُقتنِع به، يقول لو ارتفع الحجاب ما ازددت يقيناً، لا أعتقد أن الإمام عليّ قال هذا، هذا مُستحيل، يُوجَد فرق بين إيمان بحجاب وإيمان بلا حجاب، وإلا فالحجابُ حجابُ، هو اسمه حجاب أصلاً، أليس كذلك؟ الحجابُ حجابُ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، أليس كذلك؟ وما معنى الإدناء؟ وما معنى التقريب؟ أليس كذلك؟ كيف هذا؟

نرجع إلى ما كنا فيه، الذي أُريد أن أقوله أن هذا غير صحيح، أعني ادّعاء أن الإنسان إذا اهتدى إلى الإسلام يكون بلغ ذروة التفكير العقلي وقمة الاجتهاد في الفكر وينتهي الأمر، هذا غير صحيح، بالعكس قد يكون في مرحلة فكرية ثم يعن بعد سنة أو سنتين أو بعد عشر سنوات وتعرض له شُبهات مُعيَّنة تجعله يكتشف – هو على الأقل في ذاتيته – أن خياره في اختيار الإسلام كان غير صائب وغير سليم، فيبدو له أنه يرغب في الخروج منه، يقول أنا أُريد أن أخرج منه، هذا عادي، مع السلامة، ماذا نفعل لك؟ قد يقول أحدهم سنقتله، وهذا غير صحيح، لا نقتله، هذا غير صحيح، لماذا لا نقتله؟ النبي لم يقتله، كيف؟ النبي لم يقتله، حصلت نفس هذه الحالة والنبي قال له ماذا أفعل لك؟ اذهب، النبي تركه والحديث في الصحيحين، الحديث في البخاري ومسلم، وسوف نرى ما الفرق، وطبعاً النبي لم يقتل المُرتَدين ولو لمرة كما قال ابن الطلّاع في أحكام القرآن، قال لم يثبت أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قتل مُرتدَاً، الذين قتلهم كلهم ليس بسبب جريمة الردة وإنما لأسباب أُخرى مذكورة وواضحة، ولك أن تتصوَّر هذا، لكنه لم يقتل أحداً لأنه مُرتَد، النبي لم يفعل هذا، هل أمر بقتل المُرتَدين؟ أمر وثبت عنه هذا، لكن يُوجَد أناس ارتدوا ولم يقتلهم، فما القصة إذن؟ نُريد أن نفهم النصوص بطريقة واحدة لا تتناقض بها النصوص بل تتآزر وتتضافر – إن شاء الله – وتتداعى إلى تقرير معنى واحد نقبله وتقبل به روح القرآن، وهذا مُمكِن جداً – بفضل الله – وسهل، جاءرجل في حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين وأسلم، وبعد ذلك بكم يوم الرجل لم يُعجِبه الوضع كله، فقال له يا محمد أقلني بيعتي، ومُصرِّح في رواية في البخاري بايعه على الإسلام، ليس على الهجرة أو على الجهاد وإنما على الإسلام، فالرجل دخل الإسلام ثم قال له أقلني بيعتي، أي أُريد أن أخرج منه، لا أُريد هذه المسألة، فالنبي أعرض عنه، هذا الرجل الأحمق سيُهلِك نفسه فأعرض عنه لأنه لا يرضى له هذا، فرجع وقال له يا محمد أقلني بيعتي، فأعرض عنه، ثم قال له يا محمد أقلني بيعتي، وفي كل ذلك يُعرِض عنه، فولى الرجل، إذا لم تُرِد أن تقلني أنا أقلت نفسي، ورجع إلى الصحراء، كان أعرابياً وقد أتى من الصحراء – من قلب الصحراء – طبعاً، ليس من غطفان وليس من ثقيف وليس من قريش، هذه مُجتمَعات مُعسكَرة ضد المدينة وكانت في حالة حرب، وإنما أتى من الصحراء، فهو في حالة تسالم مع الرسول ولا تُوجَد مُشكِلة مع الرسول ولا مع مُجتمَع الرسول، فالنبي اكتفى بالتعليق عليه قائلاً المدينة كالكير – ككير الحديد – تنفي خبثها وينصع طيبها، اكتفى بهذا ولم يقل اتبعوه أو ائتوا به أو اضربوا عنقه وما إلى ذلك، لم يقل هذا أبداً، وهذا كان أولاً، ثانياً عندنا مُشكِلة أصعب من هذه بكثير، وهي مُشكِلة المُنافِقين، أليس كذلك؟ الذين كفروا وارتدوا وجاهروا بذلك وطوَّلوا ألسنتهم وقلوا أدبهم ولم يتوبوا، وفي رأسهم رأس النفاق الخبيث عبد الله بن أُبي بن سلول الذي شبَّه أشرف خلق الله، مَن هو أشرف من عرش الله، قال ابن القيم – رحمة الله عليه – عبارة مُبكية والله العظيم، قال سُئل أبو الوفاء بن عقيل – وابن القيم وافق عليها في بدائع الفوائد، وهو كتاب لابن القيم وهو في أربعة أجزاء – أيهما أشرف الكعبة المُشرَّفة أم الحُجرة الشريفة؟ فقال إن كان السؤال عن الحُجرة بذاتها فالكعبة، وإن كان السؤال عن الراقد في الحُجرة فلا العرش ولا حملته ولا الملائكة ولا شيئٌ في الكون، لا يُوجَد، هل تسأل عن الرسول نفسه وعن جسده؟ الرسول أشرف من عرش الرحمن، هو أشرف من العرش وأشرف من جبريل وميكائيل وأشرف من كل شيئ آخر، ليس أشرف من الكعبة فحسب، ما الكعبة؟ أما إذا كان السؤال عن الحجرة كحُجرة فالكعبة أشرف منها، هذا الرسول، الخبيث الملعون ابن سلول يقول لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۩، لا أجد لنا ولهم مثلاً إلا كما قال الأول سمَّن كلبك يأكلك، أُتريدون كفرة صلعاء شنعاء بشعاء قبحاء أقبح وأشنع وأصلع من هذه؟ والنبي مع ذلك كفَّنه في جُبته وصلى عليه وأبى أن يقتله، والصحابة قالوا له اقتله، اقتله يا رسول الله هذا الملعون الخبيث الكافر البذيء، وهو فعلاً يستحق ألف قتلة بشر قتلة، قال أتُريدون أن يتحدَّث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟ لكم ما علاقة هذا بحد الرد؟ هل هذا يُعطِّل حداً من حدود الله؟ لماذا لم يقل في موضوع المخزومية أنه كذا وكذا؟ قال لا، ورفض شفاعة أسامة وغضب غضباً شديداً، قال وإنما أهلك مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه وإلى آخره، ثم قال ولو سرقت وذكر سيدتنا الشريفة – عليها السلام – لقطع محمدٌ يدها، وأنتم تعرفون مَن هي عليها السلام، لماذا هنا لم يعتذر النبي بحكاية أن يتحدَّث الناس؟ الموضوع مُختلِف، الإمام أبو محمد بن حزم – طيَّب الله ذكره وثراه – في كتابه المُحلى شرح المُجلى – كتاب الفقه الظاهر العظيم، المُجلى متن بسيط لكن شرحه في تسع مُجلَّدات كبيرة – كتب زُهاء خمسين صفحة أدعوكم إلى قراءتها، ثلثا هاته الصحائف يطحن ويعجن المسكين لأنه يُريد أن يُثبِت لنا أن النبي لم يقتل المُنافِقين لأنه كان لا يعلمهم، وفشل ابن حزم، طبعاً والفشل كل في جانبه، لأن ابن حزم لم يقدر على أن يستوعب أن هناك احتمالية لأن يكون قتل المُرتَد ليس حداً، هذه مسألة أُخرى، هذا ليس حداً شرعياً ثابتاً كحد السارق وما إلى ذلك، لم يستوعب أن هذا ليس حداً، لكن هناك كفّار ارتدوا وهم المُنافِقون والقرآن سجَّل عليهم بالكفر والردة، قال النبي لم يعرفهم، هناك مَن كفروا لكن النبي لم يعرفهم، لو عرفهم لقتلهم، والذين عرفهم تابوا، وهذا غير صحيح، والأدلة أكثر بكثير من أن تُذكَر على عدم وعلى وهاء كلام ابن حزم، فالنبي كان يعرفهم والصحابة يعرفونهم ونحن أيضاً نعرفهم اليوم، وفي رأسهم اللعين رأس النفاق الذي لم يتب ولم يعتذر ولم يرجع، أليس كذلك؟ ابن حزم فشل أن يُفسِّر هذا الجانب الكبير في السيرة، أليس كذلك؟ هذه حقائق، لماذا لم يقتلهم؟ هذا كان ثانياً، ثالثاً ابن حزم عنده عبارة في المُحلى يقول فيها مَن اعتقد أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – مات ولقيَ ربه ولله عليه حدٌ في أحدٍ من خلقه فقد كفر، انظروا إلى هذه العبارة البليغة والقوية، يقول أي أحد فيكم يعتقد أن النبي لقيَ ربه – أي مات – ولله عليه حدٌ في أحدٍ من خلقه فقد كفر، إذا كنت تظن أن النبي عطَّل حداً واحداً في مرة واحدة في واقعة واحدة ولقيَ الله والحد مُعطَّل تكون كفرت، النبي يُقيم الحدود ولا يتساهل فيها، أليس كذلك؟ وهذا جيد، وهذا الآن موقفه من المُنافِقين وأنت حاولت ولم تقدر على النجاح، لم يُقِم الحدود، مع هذا البدوي الأعرابي لم يُقِم الحد فيه وتركه والحديث في الصحيحين، الأصعب من هذا أنه ذهب ووقع وثيقة – لم يُوقَّع بخط يده طبعاً لأن النبي كان لا يكتب لكنه وافق عليها طبعاً – الصلح في الحُديبية، وهذه مذكور فيها بشكل واضح إذا أحد من أصحابك أو جماعة تركوك ورغبوا عن دين ومِلتك وارتدوا ولحقوا بنا لا تُطالِب بهم، والمفروض يقول لهم لا، كيف لا أُطالِب؟ هذا حدود من حدود الله، يجب أن أُطالِب بهم لأُقيم فيهم حد الله، لكنه لم يقل هذا، قال ليس عندي مُشكِلة في أن تأخذوهم، في ستين داهية، لماذا؟ موضوع الحُديبية كيف وافق عليه النبي؟ أليس كذلك؟ وهو يتعارض على طول الخط مع حدة الرد، فكيف وافق؟

في الحقيقة النموذج البسيط الذي يُمكِن أن يُفسِّر كل هذه الأشياء المُتعارِضة في الظاهر هو التالي والله – تبارك وتعالى – عنده العلم والحكم، ما هو؟ أن النبي حين أمر بقتل المُرتَدين إنما قتل المُرتَدين المُحارِبين الذين تدل السياقات كلها على أنهم مُحارِبون، والدليل على ذلك يا إخواني أنه في الظروف التي تنتفي فيها الحرابة وتختفي فيها شُبهتها النبي كان لا يُطالِب بالقتل، مثل موضوع الحُديبية، لأن كان يُوجَد صلح، هذا سلام لعشر سنين، قريش لن تُقاتِلنا ونحن لن نُقاتِلها، فالحرب وضعت أوزارها والآن نحن مُتسالِمون، نحن في سلام، النبي قال لا تُوجَد مُشكِلة، إذا أراد أحد أن يكفر فليكفر، هو حُر، قال الله لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ۩، لأن لا تُوجَد حرب، نحن أُمِرنا بأن نقتله لماذا؟ لأنه أصبح حرباً علينا وإلباً ضدنا وعلينا، أما وقد وضعت الحرب أوزارها فقد انتهى كل شيئ، انظروا إلى النبي المُتسِق مع نفسه، المُشكِلة أن العقل الفقهي أحياناً يظن أنه يفهم النص من جميع جوانبه بشكل مُطلَق وصحيح دائماً، هذا غير صحيح، أحياناً العقل الفقهي يقصر عن فهم النص بدقة فعلاً، يأخذه من جانب مُعيَّن فيتورَّط في أشياء ويقول هذه حدود وهي ليست كذلك، هذه ليست حدوداً، لا يُمكِن أن يُقال هذا حد عطَّله النبي، البدوي الأعرابي واضح أنه لم يكن مُتحيِّزاً إلى فئة في حالة حرب عسكرية مع مُجتمَع المدينة، بدوي من وراء شويهاته وغُنيماته والنبي يعرف حالته فقال فليكفر ويرتد، ماذا نفعل؟ يرجع ويعود كما أراد، لكن هو حُر، لأنه ليس مُحارِباً، المُنافِقون في المدينة واضح أنهم لم يكونوا مُحارِبين فعلياً يا إخواني، أليس كذلك؟

سوف نختم – إن شاء الله – في دقيقتين، المُنافِقون لم يكونوا مُحارِبين فعليين، بالعكس كانوا حتى يذهبون أحياناً إلى الجهاد ويدخلون الصفوف وما إلى ذلك، لكن هؤلاء الخبثاء كانوا يخذلونه أحياناً ويبغون الخبال، فهم كانوا يذهبون ويُظهِرون حتى الإسلام، لكن يظهر منهم الكفر والردة غير مرة ومع ذلك النبي لا يقتلهم، كان يتركهم وهو غير مأمور بقتلهم، إذن النبي لا يقتل المُرتَدين، والذي يدل على ذلك الحديث الذي أخرجه النسائي وسنده قوي – بفضل الله – عن عائشة، حديث الثلاثة الذين يُقتَلون، لا يحل دم امرئ مُسلِم إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المُفارِق للجماعة، هذا في الصحيحين، هذه الصيغة واضحة، قال العلماء من قديم التارك لدينه المُفارِق للجماعة صفة كاشفة ليست مُستقِلة، لكنها مُستقِلة، قديماً النبي حين قال هذا الحديث كان فعلاً كل مَن يترك دينه لا يترك دينه ويقعد في بيته وإنما كان إذا ترك دينه لابد أن يتحيَّز إلى فئة لأنها مُجتمَعات قبلية، كانت مُجتمَعات مُعسكَرة ومُتحرِّرة، أليس كذلك؟ لم تكن المُجتمَعات كاليوم، المُجتمَع على أساس المُواطَنة ويُمكِن أن يكون هذا مُسلِماً وهذا يكون يهودياً وهذا بلا دين، لم يكن المُجتمَع كذلك، المُجتمَع كان على أساس الدين والاعتقاد وكان تُوجَد حرب، الحرب كانت قائمة بين مُعسكَرين، فإذا ترك الإسلام يُصبِح مع الكفّار ويحمل السيف، فهذا يعني أن الردة كانت تُساوي ماذا؟ الحرابة، لذلك في رواية النسائي بسند قوي عن عائشة ماذا قالت؟ قال – صلى الله عليه وسلم – لا يحل كذا وكذا ولم يقل التارك لدينه المُفارِق للجماعة، وهي سمعت هذا من النبي، قال ورجلٌ – لم يقل التارك لدينه المفارِق للجماعة وإنما قال ورجلٌ – خرج مُحارِباً بسيفه لله ورسوله، هذا هو، صرَّح النبي هنا في هذا اللفظ عند النسائي بأنه مُحارِب، الآن فهمنا لماذا خلا القرآن من حد الردة، في الحقيقة لم يخل بل ضمَّنه ضمن حد ماذا؟ الحرابة، يُوجَد حد للحرابة، فسواء أكان المُحارِب مُرتَداً أم لم يكن مُرتَداً المُحارِب مُحارِب ويُقتَل، أما إن كان المُرتَد غير مُحارِبٍ فهذا لا يُقتَل، يُترَك ونُعمِل فيه الآيات، قال الله لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ۩، أما إن كان مُحارِباً فهذا الذي لا يُترَك، وهكذا يُصبِح الإسلام – سبحان الله – فعلاً شريعة معقولة ورحيمة وفيها حرية – حرية اعتقاد وحرية فكر وحرية تدين – ومُتسِقة مع نفسها، فالآيات مُتسِقة مع نفسها والأحاديث مُتسِقة مع الآيات والأحاديث مُتسِقة مع السيرة ومع الأحاديث الأُخرى، لن يُوجَد أي تشاكس ولا أي تعارض، كل الأمور ستسعد ببعضها البعض، لكن وفق النموذج القديم لن يحدث هذا، فأعتقد – إن شاء الله – أن هذا إيجاز أرجو ألا يكون مُخِلاً في الجواب عن مسألة الرد وهي مسألة طبعاً أرى أنها دائماً تُثار بطريقة أو بأُخرى.

– سمح الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم لأحد الحضور أن يُلقي سؤالاً قائلاً تفضَّل يا أخي، فتفضَّل بدوره وطرحه ثم أجاب فضيلته قائلاً على كل حال أنا أقول هذه الأحاديث الآحادية المفرَدة التي تقول أن النبي أهدر دم فلانة – امرأة حتى سبته – وما إلى ذلك هذه التي لابد أن يُنظَر بدقة وبصرامة في أسانيدها لأنها تختلف مع كل هذا الكم الغفير من الأحاديث والنصوص وحتى مع النص القرآني المُتواتِر، لابد أن ننظر فيها نظرة جادة وجريئة حتى لا تُشوِّش على كل هذه المنظومة، الحرابة لا تكون باللسان، في الحقيقة التعريف الفقهي الدقيق للحرابة وأشد التعريفات للسادة المالكية لا تكون باللسان، لا يُمكِن أن يسب إنسان وما إلى ذلك فتقول هذا مُحارِب، هذا غير صحيح، المُحارِب معروف مَن هو، المُحارِب هو الذي يقطع الطريق ويهتك الأعراض ويغصب الأموال – ليس حتى يسرق وإنما يغصب الأموال – أيضاً، هذا هو المُحارِب، وهناك شروط أدق من هذا، هل يُشترَط أن يكون داخل المدينة أم يكون على حدودها وفي الطرق المُؤدية إليها؟ أشياء كثيرة اختلفت فيها المذاهب، علماً بأنه لا يجوز أن نُوسِّع المفاهيم من غير تأصيل فقهي دقيق، أنا رأيت حتى في المُعاصِرين مَن يحمل المجازات على ما تُحمَل عليه الحقائق ويستنبط فتاوى فيها قتل وإهدار دماء، وهذا شيئ فظيع، القاعدة فعلت هذا، القاعدة من الأشياء التي تورَّطت فيها إهدار الدماء، أنا ذات مرة استمعت إلى أحد مُنظِّري القاعدة، لن نقول اسمه لكن المُهِم أنه من أهل العلم للأسف الشديد، قال عملية ضرب البرجين في الولايات المتُحِدة الأمريكية – هذه العملية الإرهابية الحقيقية حيث تم قتل الناس الأبرياء المدنيين – على أساس أن هؤلاء يُحارِبوننا، كيف يُحارِبوننا؟ قال يُحارِبوننا إعلامياً، ونحن لابد أن نُحارِبهم، ولك أن تتخيَّل هذا، خلط الحقيقة بالمجاز ثم استشهد بقوله وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۩، قال هم أيضاً عاقبونا باحتلال كذا وكذا وإلى آخره ونحن نُعاقِبهم، شيئ غريب جداً، طريقة عجيبة في الاستنباط، انظر إلى أن الناس تُقتَل بهذه الأساليب، أولاً أن تُسمى الحرب الإعلامية حرباً هذا مجاز، والمجاز يُعامَ بالمجاز، إذن نُحارِب الإعلام بالإعلام، هم يسبوننا ونحن نسبهم، أليس كذلك؟ الإمام عليّ – كرَّم الله وجهه – كان أمير المُؤمِنين، السُلطة العُليا في الدولة الإسلامية لأنها خليفة، قام ابن الكواء وسبه أمام الناس في خلافته، قال له أنت كذا وكذا وكذا وكذا، قام أُناس وأرادوا أن يبطشوا به فقال اتركوه، قال لا تُرعِبوه ولا تُفزِعوه، ما المُشكِلة؟ إنما هو سبٌ بسب، أكثر شيئ – وأنا خليفة فانتبه – امتلك إزاء سبه إياي أن أسبه، كأن أقول له أنت البعيد كذا وكذا، قال إنما هو سبٌ بسب أو عفوٌ عن ذنب وقد عفوت، هذا الدين وهذه سماحة الدين الحقيقية، أليس كذلك؟ الإمام عليّ لم يستحل دماء الخوارج الذين استحلوا دماءه ومَن معه، أليس كذلك؟ لم يُكفِّرهم ولم يستحل دماءهم إلا دفاعاً عن النفس، أليس كذلك؟ قال لا نبدأهم بقتال، ولك أن تتخيَّل هذا، عندهم أفكار خطيرة لكنه قال إذا لم يبدأوا سوف نُدافِع فقط، لكن لا نبدأهم بقتال، أليس كذلك؟ قال ولا نمعنهم مساجد الله ولا نمنعهم الفيء إذا قاتلوا معنا وكانت يدهم معنا على عدونا، هذه سماحة الإسلام الحقيقية، هذه روح الإسلام، فعلى كل حال الإعلام بالإعلام والاقتصاد بالاقتصاد والحرب الحقيقية بالحرب الحقيقية في ساحة الحرب فانتبه، قال الله وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ۩، قال لي أحد الذين يُؤيِّدون القاعدة قال الله وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ۩ – مثلما قال أبو حفص الموريتاني، فقلت له هذا صحيح، قال الله وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا ۩، هذا مضبوط، لكن هذه حُجة لنا عليك، قال لي كيف؟ قلت له مَن الذي يُعاقَب: الجاني أم البريء؟ قال لي الجاني، قلت له مَن الجاني: الجندي الذي جاء يقتلك أم الذي يجلس في البرج؟ سكت، قال لي هذا صحيح، هم يضحكون عليهم بكلام فارغ، نعم أنا سأُعاقِب لكن سأُعاقِب الذي جاء يقتلني، أُحارِبه في أرضي إذا جاء يُحارِبني في أرضي، أليس كذلك؟ لكن لا أذهب وأقتل أُناس أبرياء في مكاتبهم وأقول الله قال فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۩، أي فقه هذا يا أخي؟

قرأ الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم من ورق الأسئلة الذي أمامه ثم قال مازحاً يُوجَد سؤال يقول لدينا أسئلة لم نأخذها ولدينا نصف ساعة فقط، كيف نُجيب عن هذا السؤال؟ الأخت التي سألت عن النسبية في الأخلاق وما إلى ذلك وعدتها بأن أُجيبها بسرعة ووعدت أختي أم محمد قبل أن آتي على هذه الدورة أن هذه الموضوعات – إن شاء الله – إذا أجرينا دورات أُخرى سوف نأخذها – بإذن الله تعالى – بحيالها، مثلاً نأخذ حلقة لست ساعات عن موضوع النسبية والإطلاق في الأخلاق، مبحث من مباحث الفلسفة الأخلاقية سوف نُناقِشه بإسهاب بإذن الله، لكن باختصار أنا أقول لأختي التي سألت عن النسبية في الأخلاق أن مباديء الأخلاق مُتفَق عليها بين بني البشر جميعاً والاختلاف يأتي في التطبيق، كيف؟ حتى الذين يستحلون دماء – مثلاً – شعوب أُخرى واستعمارها عندهم أن دماء أبنائهم وشعوبهم معصومة – هذا صحيح – ومُقدَّسة ولا تُنتهَك، من أين جاء الخطأ؟ جاء الخطأ من نزعة تخفيضية للآخرين على أنهم شياطين أو منقوصو الإنسانية أو مُؤبلَسون ويجوز معهم كذا وكذا وكذا، فهذا خطأ، أليس كذلك؟ لكن الأصل مُتفَق عليه، أن الإنسان له كذا وكذا، فإذا قرَّرنا إنسانية هذا الطرف أو ذاك سوف نرى أنفسنا مُلزَمين أن نُعامِله بالمفاهيم المعروفة في الأخلاق وهي الأُسس، لكن في التطبيق يحدث نوع من الاحتيال والمُخادَعة، هذا الذي يحدث عند البشر عموماً، أرأيت كيف؟ مثلاً بر الوالدين والإحسان إلى الوالدين عموماً أصل مُتفَق عليه في كل الثقافات والحضارات، لكن ما بال الإسكيمو Eskimo – مثلاً – يقتلون والديهم؟ يذبحونهم، كيف هذا؟ هل هذا يعني أن القضية نسبية؟ لا، ليست نسبية، بالعكس عند الإسكيمو Eskimo إذا أصبح الرجل كبيراً وعلت سنه وبدأت الحياة تُثقِله وأصبح عبئاً على الحياة يُصبِح عقوقاً من ابنه أن يتركه لعذابات الحياة اليومية، هذا عقوق وهذا ابن عاق، فإذا كان باراً بأبيه لابد أن يُودِعه الثلج، لا يُوجَد تراب طبعاً هناك فلابد أن يُدفِنه في الثلج ويُنهي حياته، ومن ثم يُعتبَر باراً والناس يحترمونه، يقولون هذا إنسان مُحترَم يا أخي، ما شاء الله وضع أباه في الثلج وقتله، ما شاء الله عليه، فهنا قد تقول لي هذه نسبية، هذه ليست نسبية أيضاً، هذه تخدم إطلاقية الأخلاق، هل تعرف لماذا؟ لأن الجوهر المُشترَك في الحالتين هو بر الوالد، أليس كذلك؟ بإعطائه ما يراه شيئاً طيباً كريماً، عند الإسكيمو Eskimo حين تُنهي حياته يُعتبَر هذا شيئاً طيباً، أرأيت؟ الآن في أوروبا يُوجَد قتل الرحمة Euthanasia، أليس كذلك؟ في بعض المُستشفيات يعتبرون أن هذا الشيئ يُعَد مُمتازاً وما إلى ذلك، وإذا لم تفعل سوف يدل هذا على أنك إنسان قاسي لأنك تركت المريض المسكين يتعذَّب كل يوم، كُن رحيماً وملاكاً وأنهي حياته، وهذا يعني أن هناك جذراً مُتفَقاً عليه، ما هو؟ الرحمة التي اختُلِف في موارد تطبيقها، هناك أُناس رأوا أن تقتله رحمةً به، وهناك أُناس رأوا أن هذه ليست رحمة وقالوا أنت لست أرحم به من ربه، فاختلفنا فقط في المصاديق والتطبيق، أرأيتم؟ يتحدَّثون عن تحقيق المناط وما إلى ذلك، هذا هو في تحقيق المناط، فموضوع النسبية طبعاً هو موضوع أعقد من هذا لكن هذا الجواب مفتاح يُمكِن أن يرشدنا، وإذا كنتِ تُريدين كتاباً في هذا الموضوع فأحسن مَن كتب في نسبية الأخلاق وإطلاقيتها والتر ستيس Walter Stace، والتر ستيس Walter Stace عنده كتاب اسمه مباديء الأخلاق ناقش فيه هذا الموضوع في حوالي ستين صفحة، نقاش جميل مُبدِع وعلى طريقة والتر ستيس Walter Stace ومُبسَّط وبسيط، يُمكِن أن يُفهَم حتى لغير المُختَص إن شاء الله.

– سمح الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم لأحد الحضور أن يُلقي سؤالاً قائلاً تفضَّل يا أستاذي، فقال له أحدهم أنه سأله سؤالاً من قبل وهذا ما صدَّق عليه فضيلته قائلاً نعم لقد سألتني سؤالاً، ثم استتلى قائلاً أخونا الفاضل قال لي أن أرسطو Aristotle عرَّف الإنسان بأنه حيوان مُتعقِّل، قال ما بالنا نجد – مثلاً – من أفراد الإنسان المجنون؟ يُمكِن أن نجد شخصاً مجنوناً مثلاً، هذا الجواب من شُعبتين، الشُعبة الأولى هل هذا المجنون عنده أصل لياقة تكوين المفاهيم الكُلية أم ليس عنده؟ عنده وهو مجنون طبعاً، لماذا؟ سوف نرى، كيف يتبدّى الجنون؟ يتظاهر بماذا الجنون؟ المجنون الآن – مثلاً – لو قلت له سوف يأتي رجل لكي يُنهي حياتك سوف يقول لك لا، لا أُريد أن يُنهي حياته، فهو يفهم رغم أنك لم تُعطه حتى اسم الرجل، وهذا يعني أن مفهوم رجل موجود عنده في دماغه، أليس كذلك؟ كوَّنه، لم يقل لك ما معنى رجل؟ لم يقل هذا، أليس كذلك؟ إذا قلت له اسكت وإلا سأضربك بالكوب سوف يقول لك لا، لا تضربني، ويُمكِن أن يقول لك إذا ضربتني بالكوب سوف يتبخَّر الكوب مثلاً، فهذا مُمكِن لأنه مجنون لكنه سوف يفهم ما هو الكوب، أليس كذلك؟ سوف يفهم ما هو الكوب، وهذا يعني أن هناك مفهوماً كُلياً للكوب عنده في دماغه، فلا نستطيع أن نقول … علماً بأن هذا الذي يجعل هناك حداً أدنى لإمكانية مُخاطَبة حتى المجنون، يُمكِن أن تُخاطِبه بأي طريقة، عبد العزيز القوصي – عالم النفس المصري الكبير – ذات مرة كان يُناقِش مجنوناً يدّعي الإلهية، كان رجلاً مجنوناً لكنه يدّعي أنه إله وكان يقتنع تماماً أنه إله، وهذه ميجالومينيا Megalomania، علماً بأنه يُمكِن لك أن تُناقِشه وإذا كنت خبيراً – نفترض مثلاً – في علم النفس والعلاج وما إلى ذلك يُمكِن أن تصل معه إلى حل أنت تهدف إليه، وهذا يعني أن هناك إمكانية للتواصل إذا فهمت منطقه، والجنون عموماً لماذا هو جنون؟ لأنه يختلف عن منطقنا المُعتاد، لا ينطبق عليه، وليس عنده منطق مُحدَّد، تجد في كل دقيقة يأخذ مسلكاً ويأخذ طريقاً مُختلِفاً، فدخل معه الدكتور القوصي في نقاش وقال له هل أنت الإله؟ قال له نعم أنا الإله، قال له هل أنت مُتأكِّد؟ قال له نعم أنا مُتأكِّد، قال له هذا جيد، فالقوصي يقول لكي تصل مع هؤلاء الناس إلى شيئ إياك أن تُعارِضهم، لا تُعارِضه ولا تقل له أنت لست إلهاً وأنت بشر، لا تفعل هذا، وافقه وقل له فعلاً أنت إله، وافق على كلامه وبعد ذلك ألزِمه بلوازم ادّعاء الإلهية إلى أن يصل هو إلى الاعتراف بالعجز، أنه لا يقدر على فعل هذ الشيئ فيسكت، وسوف يتوقَّف المسكين على الأقل لساعة زمن عن ادّعاء أنه إله، وبعد ذلك يرجع يدّعي أنه إله، قال له هل أنت الإله؟ قال له نعم أنا الإله، هذا مضبوط وصحيح، قال له أنت ماذا تُريد؟ قال أنا أُريد أن أُدخِّن، هم يمنعونني من التدخين، قال له مَن الذي منعك؟ قال العاملون في المستشفى والتمرجية وما إلى ذلك، قال له لكن أنت الإله، أنت تستطيع أن تفعل ما تُريد بكُن فيكون، قال له كيف؟ قال له هذا هو لأنك إله، فعليك أن تفعل هذا، وعليك أن تأتي بالدخان وأن كذا وكذا، قال لا أستطيع لأنهم يمنعونني ويضربونني وبعد ذلك سوف يحبسونني، سكت المسكين وانتهى الأمر، هذا مجنون، إذن هناك إمكانية حتى للتواصل مع المجنون، المجنون يُدرِك المفاهيم الكُلية، لكن ما هي الشُعبة الثانية في الجواب؟ سنفترض أن هذا المجنون لياقاته التعقلية ناقصة، ليس كالإنسان الكامل وإنما لياقاته التعقلية ناقصة، أنا أقول لك إذا كانت ناقصة فهو كإنسان مصداق للإنسانية سوف يكون أحد المصاديق الناقصة، انتبه إلى هذا، هو ليس مصداقاً كاملاً للإنسان، لابد أن يكون مصداقاً ناقصاً للإنسان، أليس كذلك؟ لو افترضنا الآن أننا عرَّفنا الكوب وقلنا الكوب هو كذا وكذا وكذا وبعد ذلك وجدنا كوباً من الأسفل مثقوب ومفتوح – حين تضع فيه الماء يسقط – ماذا سوف نقول؟ سوف نقول هذا كوب مثقوب، لابد أن نقول أنه مثقوب، لماذا؟ هذا كوب لكنه مثقوب، بكلمة مثقوب ما الذي حصل؟ مثقوب على وزن معيوب فأصبح ناقص المصداقية، هذا ليس مصداقاً كاملاً للكوب، أليس كذلك؟ هذا طبيعي، وهذا يُمكِن أن نُطبِّقه في كل شيئ وليس فقط مع المجنون والإنسان العاقل ومع إلى ذلك، فحين نجد إنساناً ليس عنده كل اللياقات العقلية أو التعقلية سوف نقول عنه إنسان مجنون، ونُعرِّفه أنه ناقص اللياقات التعقلية، لم ننف الإنسانية لكننا لم نتورَّط خطأً وأثبتنا تمام المصداقية، هذا خطأ لأنه ليس عنده تمام المصداقية، أليس كذلك؟ هذا هو، لكن هذا لا يعني … وأنا طبعاً أعرف ما الذي بعثك على السؤال، الذي بعثك على السؤال أننا بهذه الطريقة يُمكِن أن ننزع الإنسانية عن المجانين، وهذا سوف يُصبِح تفكيراً إجرامياً وتوحشياً، أليس كذلك؟ لكن لا تنس أيضاً أن أرسطو Aristotle كان ذكياً، أعتقد أنه لو بُعِث حياً وسألته – هو ذكي جداً وقوي العارضة وسريع البديهة – سوف يقول لك أنا لم أقل الإنسان عاقل، أنا قلت حيوان عاقل، فلو ذهب نصف العقل بقيَ عنده كل الحيوانية ونصف التعقل، لا يُمكِن أن تنفي هذا، احسبها حتى رياضياً، نعطي الإنسان كامل اللياقات بنسبة مائة في المائة، نقص من التعقل عنده خمس في المائة سوف يتبقى عنده خمس وتسعون، إذا نقص عشر في المائة سوف يتبقى عنده تسعون في المائة، وقد يكون حيواناً بنسبة ثمانين في المائة ويكون ناطقاً بنسبة عشرين في المائة، أهلاً وسهلاً بهذا، ليس عندي أي مُشكِلة، هذا يُمكِن أن يحدث، أما نزع الإنسانية بالكامل هل تعرف ماذا يُساوي؟ نزع الحيوانية كلها ونزع الناطقية، وهذا غلط، هذا غير صحيح، لا تزال فيه كل مُقوِّمات الحيوان، أليس كذلك؟ جسم نامٍ حسّاس مُتحرِّك بالإرداة وإلى آخره، فضلاً طبعاً عن الناطقية، إذن لا تُوجَد مُشكِلة، الجواب عن هذا السؤال هو الجواب عن كل مسألة تمام المصداقية أو نقص التمام.

– طلب أحد مُنظِّمي الجلسة من أن يُطيل زمن الجلسة لفترة زمنية أزيد من المُقرَّرة فوافق فضيلته على إعطاء ربع ساعة أو نصف ساعة مثلما أرادوا، وقد علَّق سريعاً على الموضوع السابق قائلاً النبي قال لأبي ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، أرأيت؟ أنت مُسلِم لكن فيك جاهلية، أنت لست تمام مصداقية المُسلِم.

– بدأ الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم في تلقي أسئلة جديدة، فقالت إحداهن السلام عليكم يا دكتور، تفضَّلي يا أختي، وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، ثم استأنفت حديثها قائلة أن عندها إشكالية مع قصة أصحاب الكهف لأن الله جعلهم ينامون أكثر سني عمرهم وبعد ذلك قاموا، ثم قالت أنها دائماً ما كنت تتساءل عن الفائدة التي عادت عليهم من هذه التجربة، هم كانوا مُؤمِنين والله – سبحانه وتعالى – قادر على أن يُنجيهم بدون هذا الأمر الذي اختاره – سبحانه وتعالى – لهم، وأشارت إلى أن في النهاية الحياة هي تجربة يقين، وبالتالي سنوات العمر المقطوعة لم تُؤثِّر لأنهم لم يعيشوها في يقين، وأوضحت أن عندها إشكالية إلى حدٍ ما في أخذ تجربة الغير المُتعلِّقة بالإيمان وما إلى ذلك، لأنها حين حاول أن تعيش هذه الفكرة لم تجد إيمانها يُحرِّكها من الداخل ومن ثم ينبغي أن نبحث في تجاربنا حتى لو سقطنا وقمنا أكثر من مرة، وهذا كان أولاً، ثانياً سألت عن الإيمان العقلاني وهل هو يُؤدي بنا إلى التصوف الروحي أم لا؟ وهل إذا وصلنا إلى هذا المرحلة سوف يعني هذا أن قيمة الدين في حياتنا هي علاقة مع الله – سبحانه وتعالى – وسلوكيات أكثر ما هي أنظمة وقوانين وما إلى ذلك؟ هذا هو فقط، جزاك الله خيراً، علَّق الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم قائلاً ما شاء الله عليكِ، هذه الأسئلة حقيقةً من أروع ما يكون، وهي أسئلة عميقة لكنها باقة – Package – كاملة ومجموعة كبيرة من الأسئلة.

– قال أحد مُنظِّمي الجلسة سوف نبدأ يا دكتور في تلقي أربعة أسئلة جديدة ووافق فضيلته.

– قال أحد السادة الحضور يا دكتور سؤالي ما هي الشروط أو الضوابط التي ينبغي أن نضعها على كل شخص يُريد أن يبحث مسألة فقهية في الدين؟ وأشار إلى أن الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم تكلَّم عن مسألة الحدود مُشيراً إلى أن الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا – مثلاً – عنده كتاب تكلَّم فيه عن موضوعات الردة والبغي والخمر وقال ليس لها حدود وإنما ضوابط، وذكر أن هناك مَن ليس عنده أهلية وأحقية الدكتور محمد سليم العوا ويبحث في هذه المسائل، فهل يُمكِن لأي شخص أن يأتي ويبحث أي مسألة؟ هل العملية مُطلَقة ومن ثم قد تحدث فوضى لعدم وجود ضوابط وأصول مُعيَّنة؟ ثم قال أننا نعرف أن المذاهب الإسلامية تقوم على أصول وضوابط ينبغي أن يتوفَّر عليها الفقيه ولا يحيد عنها، وختم بسؤاله قائلاً ما هي الضوابط التي ينبغي أن نضعها لأي شخص يبحث في مسألة فقهية – مثلاً – ويأتي بحكم؟

– ذكر أحد السادة الحضور أن الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري في واحدة من مُقابَلاته قال العلمانية لو كانت هي فصل الدين عن الدولة فهذا شيئ جميل ومثال الهند موجود، مُشيراً إلى أن الاعتراض كان على العلمانية الشاملة، ثم قال أن العلمانية في اعتقاده هي أكثر نظام عادل نيوياً لدرجة أننا نرى مشائخ الدين في أوروبا يتمنون وجود العلمانية لكي يدعوا إلى الله في حين أنهم حين يأتون عندنا في الوطن العربي يعتبرونها شذوذاً وخروجاً عن الدين، وذكر أن سؤاله كالتالي: أليست العلمانية هي حاجة للأقلية المُسلِمة وللأكثرية المُسلِمة سواء تغيَّرت الدولة أو بقيت كما هي؟

– ألقى أحد السادة الحضور السلام ودعا لفضيلته بالعافية ورد عليه بدوره ثم قال لأن الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم يتحدَّث باللغة الألمانية سيذكر له مُشكِلة عند الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بدوي في ضبط الأسماء، ففي موسوعته يضبط أسماء الفلاسفة بشكل غريب وخاصة الفلاسفة الألمان، فمثلاً اسم جوته Goethe يكتبه جيته، فضلاً عن بعض الأسماء الأُخرى غير الألمانية، وختم حديثه مُتسائلاً ما هي المُشكِلة بالضبط؟

– قال أحد السادة الحضور هل صحيح ما يُقال أن الفلسفة برهانية والشريعة خطابية؟ فعلَّق الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم قائلاً هذا محمد عابد الجابري.

– طلب أحد مُنظِّمي الجلسة من الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم أن يشرع في الجواب عن الأسئلة المُلقاة قائلاً تفضَّل يا دكتور، فقال بدوره سنُحاوِل أن نختصر إن شاء الله، وأتت الأجوبة على النحو التالي:

الأخت الفاضلة سألت عن الفتية – أصحاب الكهف – طبعاً أكثر من سؤال حولهم، سألت في البداية ما الذي استفادوه من أنهم مكثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنوات وبعد ذلك قاموا ثم قضوا بعد ذلك كما تقول الحكايات المُختلِفة؟ فماذا استفادوا؟ لو كان الله يُريد أن يُنجيهم لأنجاهم بطريقةٍ أو بأُخرى، لكن بهذه الطريقة لا هم عاشوا حياتهم ولا هم ماتوا في الوقت المُناسِب، لكن الأمر ليس كذلك يا أختي، الآية التي يُقيمها الله – تبارك وتعالى – صنفان، آيةٌ في نفسك وآيةٌ في غيرك، هكذا تكون الآيات كلها، قال الله وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ۩، وقال أيضاً وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ۩، إذن هناك آيات آفاقية أو آيات خارجية وهناك آيات في الأنفس، فهذه الآية في الحقيقة كانت آية أقامها الله – تبارك وتعالى – من خلال هؤلاء للعالمين، إلى اليوم تبقى آية كلما ذكرنا هذه الحكاية، أعني حكاية النوّام السبعة، يُسمونهم باللغات الأجنبية حكاية النوّام السبعة Seven Sleepers، فهي آية من عجائب الآيات، قد تقول لي ما الفائدة؟ ما العجيب فيها؟ يُوجَد فيها شيئ عجيب، بالعكس هذه تُقيم أولاً برهاناً على إمكانية الخلود، أن الخلود مسألة مُمكِنة وتحقَّقت، الله يقول تحقَّقت على الأقل في مرة أو مرات، في حق عُزير الذي أماته الله مائة سنة وفي حق هؤلاء، وتحقَّقت في حق رسول الله ليلة المعراج أيضاً، أليس كذلك؟ وهذه ثلاث وقائع غريبة وعجيبة جداً قبل أن يأتي ألبرت أينشتاين Albert Einstein بألوف السنين والذي أثبت لنا بمُعادَلة رياضية أن الزمان فعلاً يُمكِن أن يتباطأ وأن يتلكأ وأن ندخل عتبة الخلود، هذا مُمكِن لأن هناك مَن يقول الخلود المسألة مُستحيلة لأن الكون كله مبني على مبدأ الحركة والحركة دائماً تُؤدي إلى الانحلال Decay، يقولون ولذلك الخلود بالذات في حق العضويات أو المُتعضيات عملية مُستحيلة علمياً، وهذا غير صحيح، علمياً هذا مُمكِن أيضاً بالبرهان الرياضي، زمان الجسم المُتحرِّك يُساوي زمانه ثابتاً مضروب في الجذر التربيعي لواحد ناقص مُربَّع سرعة الجسم على مُربَّع سرعة الضوء، احسبي هذه المسـألة، كلما تسارع الجسم كلما تباطأ زمانه، كلما تسارع كلما تباطأ وكلما تسارع كلما تباطأ وهكذا إلى أن نصل إلى قريب من درجة الصفر، وهذا يعني أنه علمياً مُمكِن، الخلود علياً مُمكِن، فلسفياً طبعاً وعقلياً مُمكِن دون أي نقاش، المُشكِلة أننا اليوم نعيش في عصر العلم وليس في عصر الميتافيزيقا، وأكثر الناس دائماً يطلب البرهان العلمي وليس البرهان العقلي، وطبعاً دائرة العقل أوسع بكثير من دائرة العلم، دائرة العقل والإمكان المنطقي والإمكان العقلي أوسع بكثير من دائة العلم، الإمكان العلمي محدود، محدود دائماً حتى بالمدى الذي تبلغه التقنية البشرية أو ما تُعطيه المُعادَلة القانونية الرياضية، أكثر من هذا يكون صعباً لأنه محدود، فإذا ثبت لدينا إمكانية هذا الأمر علمياً فهذا نصر كبير جداً جداً جداً، القرآن يتحدَّث عن قصص واقعية وحقيقية تحقَّق فيها معنى الخلود على الأقل في حالات نسبية محدودة، فهذه آية من آيات الله الكبيرة الجليلة، لم لا؟

بالأمس بعد الدرس تقريباً جاء أخ وسألني عن قصة استُفتيَ فيها الإمام حسن البنا رحمة الله تعالى عليه، يُحكى عن الإمام الشعراني أنه ختم في ليلة كذا وكذا ختمة، فقلت له أنا من حيث الأصل أُؤمِن بهذا وأُوقِن به وتُوجَد عليه أدلة شرعية نصية، هناك أدلة شرعية نصية، قال لي كيف؟ قلت له حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، قال – صلى الله عليه وسلم – أمر داود أن يُسرَج له فرسه فبين هو يُسرَج إذ قرأ القرآن، حديث غريب صادم، فترة سراج الفرس تقريباً خمس دقائق وليس أكثر من هذا، يضع السرج عليه ويربطه وما إلى ذلك في خمس دقائق، فالنبي قال في هذه الفترة قرأ داود القرآن، وطبعاً القرآن هنا الزبور بإجماع العلماء، وهذا الحديث نص في أن كلمة القرآن – علم على الكتاب المُقدَّس الكريم، أعني كتابنا – كلمة مُشتَقة من قرأ، قرأ يقرأ قرآناً، كالشاعر الذي قال في حق سيدنا عثمان:

ضحّوا بأشمطَ عنوانُ السجود بِهِ                       يُقَطّع الليل تسبيحاً وقرآنا.

أي قراءة، المُهِم الشاهد في الحديث أن داود – عليه السلام – قرأ الزبور وهو كتاب كبير – المزامير – في خمس دقائق، لماذا النبي حدَّث الصحابةهذا الحديث؟ ليلفت النظر إلى هذا الموضوع، أن هناك مِن الناس مَن يُبارَك له في الزمان بإذن الله تبارك وتعالى – ويُنجِز الشيئ الكثير في الزمن القليل، وقلت لأخي الفاضل الإمام النووي – قدَّس الله في سره – في التبيان في آداب حملة القرآن الكريم ذكر عن جماعة من السلف – نعم – أنهم كانوا يختمون أكثر من ختمة في اليوم والليلة، وقلت له على ما أذكر أيضاً ذكر عن بعضهم – ربما من التابعين أو من الصحابة، نسيت لأنني قرأت هذا قبل أكثر من عشرين سنة – كان يختم القرآن كله مرة بين المغرب والعشاء، هو ذكر هذا، وابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية – رحمة الله عليه – قال أكثر ما بلغني عن فلان الفلاني – كان شيخاً عارفاً من الشافعية – أنه كان يختم في اليوم والليلة سبع عشرة ختمة، قلت له أما قصة الشعراني هذه لم أعرفها، قال لي حتى الشيخ البنا قال أنا لم أقرأها ولم أعرفها، رغم أنني قرأت تقريباً كل تراث عبد الوهاب الشعراني المطبوع لكنني قرأت للشيخ عبد الوهاب الشعراني – رحمة الله عليه – في المواهب أنه يقول عن نفسه كيف أنه بعث غلامه للشيخ اللقَّاني المالكي – رحمة الله تعالى عليه – واستعار منه المُدوَّنة، فأعطاه إياها بعد لأي، خمس مُجلَّدات عظيمة، فأخذها الشعراني وجلس فيها سويعة بسيطة وأرجعها، قال له خُذها وارجع له في بلده، فلما عاد بها الغلام غضب الشيخ اللقَّاني وقال شيخك يسخر منا وما إلى ذلك، فقال له لا يا شيخ، هو قرأها، فزاد غضباً، كيف قرأها؟ هذه تحتاج إلى أسابيع، المُهِم قال له علَّق عليه، حشَّ عليها، فبدأ يتصفَّحها عليها وإذا به فعلاً حشَّ على مُعظَم صحائفها، فبعث للشيخ عبد الوهاب وقال له تعال لكي نتعرَّف عليك، ما قصتك؟ وضعك في حالة غير طبيعية، فهذا يحصل ولذلك يُرووا عن الشيخ أبو الفتح – ابن دقيق العيد رحمة الله عليه – أنه كان يقرأ كل ليلة خمس مُجلَّدات – بإذن الله تبارك وتعالى – مع الفهم والاستيعاب، فهناك أُناس عندهم هذه الكرامة، الرسول هو صاحب هذه المُعجِزة الآية الغراء المُحجَّلة، في ليلة المعراج قطع الكون والسبعة الطباق ووصل إلى مُنقطِع الأين وإلى الصفيح الأعلى والأُفق الأسمق وعاد وفراشه لا يزال دفيئاً، تفضَّلوا هذا، فهو قطع مسافات لا تُقطَع إلا في بلايين بلايين السنين الضوئية بحسب الكوزمولوجيا – Cosmology – الحديثة، كل هذا تم ربما في سبع دقائق، كيف؟ فسِّروا هذا، كيف؟ هو هذا، هذا القرآن الكريم يُقيم لنا آيات، عُزير – الأرجح أنه عُزير – حدث معه هذا، الله – تبارك وتعالى – قال – أكرمكم الله – للحمار ليسر عليك أو فيك قانون الزمان فأصبح عظاماً تتقعقع، أليس كذلك؟ عظام تلوح في الصحراء، والطعام والشراب وعُزير قال الله لزمانهم توقَّف، في نفس المساحة، في نفس المكان، ربما في عشرة متر مُربَّع، فقام عُزير بعد مائة سنة وظن نفسه أنه نام يوماً أو بعض يوم، الله قال لا، انظر إلى الحمار، الحمار مات من قديم وأصبح عظماً، لكن الطعام والشراب إذا وضعناه في الصحراء سوف يتبخَّر في يومين، الشراب كما هو لَمْ يَتَسَنَّهْ ۩، لم يتعفَّن، لم يعطب، لم يفسد، آية من آيات الله يا أختي، فهناك آيات يُقيمها الله في أنفسنا وهناك آيات يُقيمها الله في الآخرين لنا لكي نتفكَّر فيها وندرسها ونرى ما الإمكان الخاص بها من ناحية عقلية ومن ناحية واقعية ومن ناحية فنية ومن ناحية علمية ونتكلَّم، هذا الآن – بفضل الله – يُعَد سبقاً، لما القرآن يتكلَّم عن هذه الحالات ويحدث ما حدث مع النبي هذا سبق لهذا الدين، فهو يُؤكِّد هذا الشيئ، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

بالنسبة إلى التجربة الدينية أنا معكِ مائة في المائة، تجربة غيري لا تُغنيني كثيراً، تُغني لكنها لا تُغنيني كثيراً، مُهِم جداً أن أقرأ تجارب الناس الصالحين والعارفين والعلماء والمُجتهِدين وأرى كذا وكذا وأستفيد وأتشبَّه لكن في النهاية كما قال الشاعر العارف:

لو كِلْتَ أَلْفَيْ رَطْلِ خَمْرٍ لم تكن                         لِتَصِيرَ نَشْوَانًا إذا لم تَشْرَبِ.

لن ينفع، لا يُمكِن أن تظل تتكلَّم في العرفان والتصوف والذكر والصلاح وطي الزمان وبسط الزمان ما لم تدخل التجربة – بإذن الله تعالى – وتصير مصداقاً لها، لن ينفع هذا، ورحمة الله على محمد إقبال الذي قال ليس كل مَن درس النحل أكل العسل، قال هناك أُناس كثر يتخصَّصون في النحل لكن لا يأكلون من العسل، فهذا هو – كما قلت لكم – الفرق بين العلم والعرفان والفرق بين العالم والعارف بالله، ليس كل عالم عارف، فالعالم دون ما يقول والعارف فوق ما يقول، أنا أُسميها بلغتي البسيطة النُسخة الخاصة من الإيمان وأُطالِب نفسي وأُطالِب كل أحد وأقول لابد أن يكون لنا نُسخنا الخاصة من الإيمان، أما إيمان عبد المنعم ياسين وابن تيمية والطبراني وأقرأ الكتاب وأحفظه وأظل أتكلَّم في الإيمان والتوحيد وعمري خمس عشرة سنة كما أتكلَّم فيه بعد سنة فهذه – والله – خيبة كبيرة وخُسران مُبين حقيقة، هناك أُناس على هذا النحو وهم علماء كبار ومُتخصِّصون ويُدرِّسون في الجامعات، يتكلَّم الواحد منهم في قضايا الإيمان كما كان يتكلَّم قبل ستين سنة، يا أخي أين نُسختك الخاصة أنت؟ هل ليس لك تجربة إيمانية خاصة بك؟ لابد أن يكون لك تجربة إيمانية خاصة مع الله تبارك وتعالى، مولانا جلال الدين الرومي – قدَّس الله سره – يقول ما الذي يحدث؟ قال مخازننا من أربعين سنة وهي فارغة من القمح، لابد أن الفأرة تسلَّلت إلى مخازن قمحنا، الرياء والكذب وكذا وكذا، لابد أن هناك هذه الأشياء، ولذلك ليس عندنا أي محصول، مُتدين من أربعين سنة وأرى نفسي لا يعظم إيماني ويتألَّق ويصفو ويشف ويرق بل أراه مُتراجِع ومُتكلِّس ومُتجمِّد ومُتحجِّر، أليس كذلك؟ هناك من الناس يا إخواني بدل أن يحلو وأن يصفو حين يكبر وهو من المُؤمِنين تجده يصلب ويتجمَّد ويُصبِح أكثر سوءاً، لأنه ليس عنده تجربة إيمانية حية، فلابد أن تكون التجربة الإيمانية فعلاً تجربة ذاتية ونُسخة خاصة وحية، هذا يحتاج إلى قدر كبير من اليقظة الروحية، أحياناً أنا أُحذِّر – وقد حذَّرت نفسي وحذَّرت من نفسي أيضاً – من علماء الدين حين يتطاول عليهم الأمد، ربنا قال هذا، قال الله وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۩، أحياناً ترون العالم المسكين والداعية حين يكبر ويصل إلى الستين أو السبعين يُصبِح مُتهتِكاً – والعياذ بالله – ويُعطي فتاوى للسُلطان ويُعطي أشياء فظيعة ويُحلِّل ما حرَّم الله، يكو ن مُتساهِلاً ويعتبر أن هذا الدين ملكية خاصة له ويظن أن عنده الحق في أن يُدخِل فيه ما شاء ويُخرِج منه ما شاء ويقول أنا من خمسين سنة في الدعوة، لماذا؟ لأن هذا المسكين قسا قلبه وكان يُمكِن أن يكون العكس، أنا أقول لكم لو كان يقظان وصاحياً لكان في هذا السن ليس عالماً ومُفتياً بل لكان عارفاً بالله كبيراً جداً جداً – بإذن الله – يُربي الناس بالنظرات – بإذن الله – ولأحيت بركاته – والله – القلوب، أليس كذلك؟ ولكان حضوره بين الناس مُؤثِّراً، النبي – عليه السلام – كان كذلك، أنتم لاحظوا في الآيات الكريمة لما سيدنا إبراهيم دعا ماذا قال؟ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ ۩، أنا أقول لكم هذه تقريباً دروب الأنبياء جميعاً – تعليم وتربية وما إلى ذلك فضلاً تزكية – إلا محمداً صلى الله عليه وسلم، فهو حالة استثنائية تماماً، حين أخبر الله عن الواقع وقرَّر الحقيقة ماذا قال؟ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ۩ وبعد ذلك قال في نفس الآية وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ۩، هذه غير دعوة إبراهيم، هذه حالة استثنائية، أليس كذلك؟ في سورة آل عمران نفس الشيئ، قال الله وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ۩، ولذلك أتى الإمام ابن جرير الطبري وروى شيئاً جميلاً بإلاسناد الصحيح عن أُبي بن كعب الذي أُمِر الرسول بأن يستمع القرآن منه فقال له يا رسول الله أذكرت هناك؟ وظل يبكي، فهذا صحابي جليل، أُبي بن كعب سمع ذات مرة النبي كيف يُجيز قراءات مُختلِفة، يقول أُبي النبي أقرأني هذه السورة بطريقة وجاء رجل آخر والنبي أقره على قراءة مُختلِفة، قال فوقع في قلبي من الشك لا والذي كان في الجاهلية، شك أُبي في القصة كلها، لعل هذا لا يكون نبياً وضحك علينا وخدعنا ولعل لا يُوجَد شيئ من هذا، المسكين شك في كل شيئ والأمور التاثت عنده، حين رأى هذه المسألة وقعت فتنة،قال فكأن النبي أذِن – عَلِم – فنظر إلىّ وضرب بكفه الشريف في صدري، لأنه مُربّي، لو كان عالماً لكفر أُبي وذهب، النبي ليس عالماً وما إلى ذلك بل هو سيد العارفين وسيد المُتصِلين، طُولِع بحال الرجل مُباشَرةً، قال ضرب بكفه الشريفة في صدري وقال يا شيطان اخرج، قال فارفضت عرقاً – عرق شديد جداً جداً جداً – ولكأني أنظر إلى ربي فرقاً، كأنني رأيت الله في هذه اللحظة، أنقذه الرسول بماذا؟ ببركته وبسره القوي الباتع الماتع كما يُقال، ليس بالمعلومات والكلمات والآيات، لأنه يُزكي، النبي بُعِث للتزكية، فهذا ما نطلبه يا أختي، هذا الكلام مطلوب من الجميع، أن يكون لنا هذه التجربة المُتواصِلة مع الله – تبارك وتعالى – لكي نقدر على أن نُزكي مَن حولنا ونُزكي أنفسنا، وليس فقط أن نُعلِّم ونتكلَّم، هذا هو، ولذلك قيل – وبحق قيل – مَن لم ينفعك لحظه لم يُفِدك لفظه، العالم الذي حين تراه لا تستفيد من خلقته – هناك مَن تراه وتشعر بالنور الإلهي – لا تُحاوِل أن تسمع له، سوف تتعب نفسك ولن ينفعك في نهاية المطاف، فأنا معكِ وبالعكس أشد على يدك وهذا المطلوب حقيقة.

تقولين الإيمان العقلاني، لكن الإيمان ليس عقلانياً، لا أكذب عليكِ فالإيمان بطبيعته غير عقلاني، ونحن تحدَّثنا حتى أمس أو أول أمس عن سورين كيركغور Søren Kierkegaard، الإيمان عنده ليس وظيفة عقلية، الإيمان قفزة في المجهول، ما الذي يُبرِّرها في النهاية؟ وما الذي يدعمها؟ ما تفضَّلتي به وهو التجربة الذاتية، هذه تجربتي وانتهى الأمر، أنا أعرف مِن الصالحين مَن لو جاء كل فلاسفة العالم على أن يُشكِّكوه لحظة فيما هو فيه والله العظيم يفشلون، كيف يُشكِّكون وفي ماذا؟ هل يُشكِّكونه في شيئ هو مُكاشَف به ويعيش هو بل ويعيش به؟ هؤلاء مساكين، ولذلك قيل علم العلماء – ائت بأكبر عالم سواء في الفلسفة أو في الفكر أو في الفيزياء أو في الكيمياء أو في الشريعة – إلى عالم الأولياء كعلم الصبيان إلى علم العلماء، الولي ينظر إلى الناس – الولي الذي يكون مُكاشَفاً وما إلى ذلك – ويعرف أنهم بسطاء يلعبون بالألعاب ولا يعرفون شيئاً، لأنه يعيش في آفاق مُختلِفة تماماً، فنسأل الله أن يصل حبالنا بحبله – تبارك وتعالى – وأن يفتح علينا فتوح العارفين به، فالإيمان ليس بطبيعته عقلاني، هذا غير صحيح، وأنا إلى حد بعيد أُؤمِن بأن أكثر الأدلة العقلية مُتكافئة، يُمكِن بالدليل العقلي نفسه إثبات هذا، واليوم أنا حدَّثتكم عن استحالة التسلسل واستحالة الدور واستحالة الرجحان بدون مُرجِّح، أليس كذلك؟ يُوجَد الآن مُفكِّرون وفلاسفة آخرون ومن ضمنهم كانط Kant مَن أبطل كل هذه البراهين بضربة واحدة، وأنا بصراحة لم استخر الله ولكن استشرت نفسي ولن أذكر لكم برهانه لأنه سيُشوِّش على بعضكم، مَن يُريد أن يتعمَّق بعد ذلك في الفلسفة وحده ويدرس يُمكِن أن يرى حلاً لهذه المسألة، كانط Kant أبطل كل هذه البراهين بضربة واحدة، الذي يفهم فلسفة كانط Kant النقدية إذا اقتنع بها للأسف لا يعود مُقتنِعاً ببطلان هذه البراهين، هذه البراهين الثلاثة تُصبِح بلا معنى عنده، ما رأيكم؟ وسوف يقتنع بهذا الشيئ، ولن يتجاوز هذه الشُبهة الفلسفية الخطيرة إلا إذا كان عنده من عمق البحث الفلسفي ما يجعله يتجاوز كانط Kant نفسه ويُصحِّح عليه، وهذه المسألة صعبة جداً، ولذلك نحن عندنا الكثير من الفلاسفة العرب المساكين يُلحِدون، يقرأ كانط Kant ومن ثم لا يعود يقتنع ويسخر من العقل الديني، فلا ينبغي أن نتورَّط في هذا وأن نكون مُتواضِعين، قال الله قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ ۩، سألني ذات مرة أحدهم قائلاً هل أنت تقول لابد أن نخوض جميعاً تجربة كالتي خاضها أبو حامد الغزالي؟ قلت له لن تقدر، هل تُريد الجواب؟ أنت أصلاً لن تقدر، قال لي كيف؟ قلت له هل أنت تعرف ما معنى تجربة أبي حامد الغزالي التي حكاها في المُنقِذ من الضلال؟ معناها أن الرجل لما وجد أن كل العلوم العقلية التي درسها وكان أستاذاً فيها وكل العلوم الشرعية التي برَّز وكان إماماً فيه لم تُسعِفه تخطاها، عقله بلغ من العملقة والضخامة لم تعد تلكم البراهين تُقنِعه، هل فهمتم كيف؟ قلت له لكن براهين أبي حامد عُشر معشارها يُقنِع أمثال الأرض منا، أي ملء الأرض من أمثالنا، لأن نحن عقولنا صغيرة ومن ثم هي تُقنِعنا، لكن إذا كان عند أحد فينا مثل عقل أبي حامد ولم تعد براهين علم العقيدة والكلام تُقنِعه سوف يُطلِب شيئاً وراء ذلك، الله سوف يقول له هذا موجود، قال الله كُلًّا نُمِدّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاء رَبّك ۩، وقال أيضاً وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ۩، هذا موجود وسوف أُعطيك برهاناً خاصاً بك، وهذا الرجل ذهب خاض ووجد البرهان فعاد أشد إيماناً وأرسخ يقيناً بفضل الله تبارك وتعالى، وصار أبا حامد العارف وليس العالم المُتكلِّم، ولذلك أنا أقول لكم عقول الناس كحواصب الطير، منهم مَن تكيفه حبات قمح يسيرة جداً جداً جداً، كالعصفور الذي يكتفي بهذا، يُمكِن أن نُعطيه برهانين وسوف يقتنع، هناك مِن العلماء الكبار مَن يفرح بنفسه ويتحدَّث عن برهان التسلسل ويظن أنه يتحدَّث عن مسألة كبيرة لكنه لو جلس مع فيلسوف كبير سوف يلعب به وسيُوضِّح في النهاية أنه لا يفهم شيئاً، لكن هذا جيد فهو فرح والناس فرحة به والأمور تسير، إذا كانت هناك طبقة أُخرى سوف تحتاج إلى نوع آخر من البرهنة، وإذا وُجِدَت طبقة أعلى وأعلى سوف تحتاج إلى طريق أُخرى حتى – ليس نوعاً وإنما طريق – في البرهان والاستدلال، مثل طريق أبي حامد وأمثاله، قال الله قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ ۩، أبو حامد يقول هذه البراهين العقلية في علم الكلام والعقيدة في الحقيقة هي دواء وليس غذاء، فمُعظَم الناس أصلاً لا يحتاجونها، مُعظَم الناس مثل أمي وأمك وجدتي وجدتك، أنا أقول لكم عندهم نوع من الراحة – بفضل الله والله – واليقين بالله وبموعود الله وبلقاء الله من غير تشويش، هؤلاء الأوفق أن نتركهم فيما هم فيه، أليس كذلك؟ينبغي ألا نُشوِّش عليهم، لكن إذا جاءنا طالب درس الفلسفة ودرس علوم عقلية وما إلى ذلك وتشوَّش المسكين لابد أن يكون منا مَن ينتدب نفسه لإزالة هذا الداء العُضال، أليس كذلك؟ وهكذا، فهذا معنى قول الله قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ ۩.

السؤال الأخير هل الدين يجد نفسه وجوهره في العلاقة الخاصة بالله في النمو الروحاني والنضج الذاتي الداخلي أكثر من المنظومة التشريعية؟ في نهاية المطاف الدين عقيدة وشريعة فانتبهوا، لا نستطيع أن نُخالِف في هذه المسألة، لكن إن قلنا أن جوهر الدين يجد نفسه في الجُزء الأول أكثر من الجُزء الثاني فهذا سوف يكون صحيحاً بلا شك، هل تعرفون لماذا؟ سأذكر فقط برهانين وهما بسيطان جداً، البرهان الأول كالتالي، هل يقدر أي أحد فيكم أن يقول إيمانه أعمق من إيمان موسى أو عيسى أو إبراهيم؟ مُستحيل، لكن في نفس الوقت نحن نعرف أن شرع إبراهيم غير شرع محمد عليه السلام، أليس كذلك؟ وشرع موسى وعيسى غير شرع محمد، هناك أشياء في شرعنا حلال وفي شرعهم كانت حراماً والعكس صحيح، إذن اختلفت الأمور، الشرائع ناظرة دائماً ومُلاحِظة للسياقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وما إلى ذلك، أليس كذلك؟ وتتطوَّر بتطوّرها، لا بأس فليس هناك مُشكِلة، فزواج الأختين – مثلاً – في وقتٍ واحدٍ في شرع إبراهيم وإسحاق كان مُباحاً، يعقوب – عليه السلام – تزوَّج الأختين في نفس الوقت وأنجب منهما الأولاد المعروفين – اثنان والبقية – لكن في شرعنا هذا مُحرَّم إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۩، كان في الجاهلية والآن انتهى، فهذا عادي، إبراهيم لم يكن يُصلي صلاتنا هذه بالرجوع والسجود والفاتحة وما إلى ذلك، لم يكن يفعل هذا، يُصلي صلاة أُخرى، أليس كذلك؟ نحن نُصلي هذه الصلاة، لكن إيمانه بلا شك أكمل وأنقى وأحسن، اقرأوا الفاتحة وسوف تجدون اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۩، الله قال هناك صراط مُستقيم، قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۩، ونحن نقول اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۩، وهذا اتضح أنه صراط مَن؟ صراط الأنبياء، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ۩، قال تعالى فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ۩، وهذا جميل، فلأن الصراط المُستقيم هو صراط جُملة الأنبياء وتفاريقهم مع اختلاف تشريعاتهم فصار جوهر الصراط المُستقيم غير ناظر إلى خصوص الشرائع إنما ناظر إلى وحدة الدين والاعتقاد يا إخواني، هذا جوهر الدين، ولذلك قلت لكم اليوم نقلاً عن الإمام محمد عبده – رحمة الله عليه – أنه قال جوهر الأديان السماوية أمران: الإيمان بالله واليوم الآخر، قال الله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا ۩، هذا هو فقط، هذا الجوهر، فطبعاً ما المُشكِلة؟ سؤالك هذا فيه سؤال حقيقي، لماذا؟ الآن تُعقَد مُؤتمَرات في الدول العربية وعندنا في أوروبا دائماً هناك مُؤتمَرات، وتسع وتسعون في المائة تقريباً من هذه المُؤتمَرات تنظر دائماً إلى الجوانب التشريعية، تنظر إلى الجوانب التشريعية باستمرار، وأنا إلى الآن لم أُشارِك في أوروبا في مُؤتمَر يتحدَّث في العقائد – مثلاً – والتربية الروحية وما إلى ذلك، لم يحدث هذا أبداً ولو لمرة، كلها مسائل فقهية وتشريعية وإندماجية وتكيفية مع البيئة وما إلى ذلك، لكن أين العقيدة؟ أين تربية الروح حقيقة؟ أين تربية الرؤية الكونية الدينية؟ هذا غير موجود ونحن لا نهتم بهذا، فأنا أرى أن المُسلِم المُعاصِر والفقيه المُعاصِر والداعية المُعاصِر فعلاً مُستهلَك كثيراً في التأكيد على الشرعي بإزاء الروحي والعقدي، وهذا نقص كبير وخلط للأمور وعدم تناغم مع الخُطة القرآنية في عرض الدين كله، يُوجَد عدم تناغم، لعل يُصبِح الدين يسير على رأسه وليس على رجليه، وهذا غير جيد.

بعد ذلك المُقارَبة الفقيهة للحياة أعتقد أنها مُقارَبة محدودة وضيقة، ليست كما يظن الفقيه، الفقيه يظن أن الحياة كلها تُقارَب فقيهاً وهذا مُستحيل يا إخواني، المُقارَبة الفقهية لها مجال ضيق تتحرَّك فيه، الآن – مثلاً نفترض – حين نتحدَّث عن مُقارَبة الفقهية لموضوع الزواج فإنه يُقارِبه من نواحي معروفة تُكتَب في فقه الأحوال الشخصية، لكن عالم الاجتماع – مثلاً – يُقارِب موضوع الزواج والأسرة من زوايا مُختلِفة تماماً وكثيرة، عالم النفس يُقارِب موضوع الزواج من زوايا مُهِمة وحسّاسة ولا تصلح الحياة بغير التأمل فيها، أليس كذلك؟ فالحياة لديها منظورات اقتصادية وفلسفية واجتماعية وسيكولوجية وإلى آخره، وليس فقط المُقارَبة الفقهية المحدودة، سيدنا عمر في يوم من الأيام ذهب وتجسَّس على جماعة كانوا يتعاطون الخمر، بعد ذلك ماذا قال لهم؟ يا أعداء أنفسكم كذا وكذا، فقالوا يا أمير المُؤمِنين لا تعجل علينا، نحن أخطأنا في واحدة وأنت أخطأت في ثلاث، وأنتم تعرفون القصة، المقصود هنا هو ماذا؟ هم نبَّهونه وقالوا له أنت قاربت المسألة فقهياً وتشريعياً وقانونياً، وأغفلت عن الجانب الأخلاقي، تُوجَد حاجة أخلاقية، التجسس عيب، وهو رأى أن المُقارَبة الفقهية والقانونية خسرت أمام المُقارَبة الأخلاقية للموضوع، اغفروا لي والسلام عليكم وذهب، ولم يقولوا له حد الله وما إلى ذلك، حد الله ماذا؟ أليس كذلك؟ الآن هذه قصة ينبغي أن نُعدنا قراءتها، حتى الشيخ أو المُفتي أو الداعية أو العضو في البرلمان الذي يُطالِب ويُريد كذا وكذا لابد أن نقول له انتبه، كيف أنت تُطالِب؟ كيف أن تُقارِب حتى المسائل وتطرحها؟ لابد أن تنتبه إلى الناحية الأخلاقية، ومن ناحية ثانية لابد أن تنتبه حتى إلى الناحية المُجتمَعية والتصالح والتسالم الاجتماعي، الأمر لا يقتصر فقط على أنك تُريد تطبيق حد الله، أليس كذلك؟ وإلا سوف تقع في أخطاء فظيعة، فعلينا أن نتنبَّه إلى هذه الناحية.

لعلي أحببت أيضاً بسبب هذه النُقطة أن أحكي مسألة جيدة لعل تكون فيها إضافة، سألني أحد طلّاب العلم من المملكة السعودية قائلاً هل الأخذ بالقصاص – أي تنفيذ القصاص – هو المُستحَب عند الله والأفضل أم العفو؟ قلت له يا أخي هذا سؤال بدهي، العفو طبعاً، قال لي يا أخي أنا لا أستوعب هذا، أنا طيلة حياتي أسمع عن القصاص وأنه لابد منه، فقلت له لا يا أخي بالعكس، قلت له أنا أقول لك بصراحة القصاص غير مُستحَب من أصله أصلاً، وطبعاً الآية نفسها قالت فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ ۩، قال الله فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ ۩، ففي المائدة الله قال أنها صدقة، هذه صدقة حتى ولو كانت من أي نوع، حتى في الأروش والجراحات فضلاً عن النفس والروح، وفي البقرة قال فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ ۩، قال الله وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ ۩، هذا العفو بشكل عام أيضاً، قلت له أنا أقول لك أن الرسول – عليه السلام – حاول أن يُفهِمنا مثلما يقول دُعاة حقوق الإنسان اليوم أن الذي يأخذ القصاص مِمَن يجب أخذه منه هو قاتل، قال لي كيف؟ قلت له قاتل، هو قاتل، سمه قاتلاً بحق أو قاتلاً مُقتصِراً هو في النهاية قاتل وأزهق روحاً، قال لي لا، هذا منطق غريب، قلت له لا، هذا منطق الرسول في صحيح مُسلِم، قلت له سأقول لك حديثاً لم أسمعه ولو لمرة من أي شيخ للأسف الشديد، قرأته مائة مرة في الصحيح ولم أسمعه ولو لمرة، لأن أكيد الشيوخ لن يستوعبوه، والعقلية الخاصة بنا انتخابية ومن ثم نتصرَّف وكأننا لم نره ونمشي، لأنه حديث يهز الإنسان، الحديث باختصار عن أن رجلاً جاء إلى رسول الله وهو يجر رجلاً بنسعته، أي بحبل أو سير من جلد، هذا يُسمونه النسعة، وضع النسعة في رقبتي وجره إلى الرسول، قال له يا رسول الله هذا قتل أخي، أُريد أن أقتاد منه، فالنبي حقَّق، هل فعلاً حدث هذا؟ قال له نعم، أنا قتلت أخاه، لماذا؟ قال له خرجنا نختبط – ونختبط تعني أن نضرب أوراق الشجر فتقع ومن ثم نأخذها ونبيعها ونرتزق، هذا اسمه الاختباط – فصارت مُلاسَنة بيننا، قال فأخذت فأسي فضربته على قرنه، فمات من فوره، أي أن الرجل اعترف، قال أنا قتلته، فالنبي رغَّب أخ القاتل في العفو، قال له اعف عنه وما إلى ذلك وسوف يظل أخاك المُسلِم، هذه ساعة شيطان والرجل غضب وما إلى ذلك، رغم أن هذه قِتلة حقيرة، هل إذا أغضبك إنسان تضربه على قرنه بالفأس؟ لكن هذا ما حدث بسبب هذا الرجل المجنون، فقال له لا، دم أخي، أنا أُريد دم أخي، قال له أنت وذاك، هذا يحق لك، هذا قصاص وإن كان العفو أفضل، فأخذه يجره بنسعته لأنه يُريد قتله، ماذا قال النبي؟ النبي علَّق قائلاً إن قتله فهو مثله، هو قاتل أيضاً، أنت سوف تُصبِح قاتلاً، هو تورَّط وقتل نفساً وأنت سوف تقتل نفساً، الصورة صورة قاتل، أليس كذلك؟ والفعل فعل قاتل، أنت سوف تأخذ رجلاً وتذبحه، هذا غير معقول، هذه مسألة صعبة كثيرة جداً، قد تقول لي كيف يحكي النبي هذا الكلام والله يقول وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ۩؟ طبعاً لأن هذا الشرع ناظر إلى حال المُجتمَع، مُجتمَع مُتهالِك وكانت ثورة الدم فيه فظيعة، أعني المُجتمَع العربي، لم يكن مُجتمَعاً راقياً جداً، أنا أقول لكم اليوم هؤلاء الأوروبيون الذين نحتقرهم عندهم – والله العظيم – رقي إنساني في بعض المسائل أكثر منا بكثير، برقيهم وصلوا إلى درجة عالية، وهم كانوا مُحترِبين أكثر منا مليون مرة، كانوا مُخيفين جداً، كانوا وحوشاً، الآن قالوا الأفضل أن نُحاوِل الوصول إلى هذا الأفق، حتى لو قتل ابني سأُحاوِل أن أعفو، لن أقتله، لماذا أقتله وأُصبِح مُجرِماً مثله؟ هذه مسألة عالية جداً جداً جداً، فهم وصلوا باختيارهم وانتخابهم الثقافي والاجتماعي والتاريخي إلى شيئ القرآن سماه صدقة وسماه عفواً ورغَّب فيه وهو يُريده، أعلى أفق تبلغه هذا الأفق الذي بلغوه هم باختيارهم – ولك أن تتخيَّل هذا – وبتجاربهم، نحن لا نُحِب أن ننظر له، نحن لا نُريده ونذبح، لأنه ذبح سوف نذبح ونبقى في الذبح إلى أن نموت، هذا غريب، فيا ليت نُحاوِل هذا، النبي قال إن قتله فهو مثله، بعض الصحابة قالوا يا فلان أسمعت ما قال النبي؟ قال كذا وكذا، قال أهو قال هذا؟ رجع وخاف المسكين، قال يا رسول الله ماذا قلت؟ قال قلت إن قتله فهو مثله، قال أُشهِدك أني قد عفوت عنه، لا أُريد قتله إذا كانت المسألة هكذا، وطبعاً الرجل ذكي، هؤلاء عرب يا أخي، الرجل ذكي جداً جداً جداً فلم يُحاجِج النبي ولم يقل له كيف والله يقول وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ۩؟ لم يقل هذا لأنه فهم أن النبي يُريد العفو، نعم هذا حقك ولكن في النهاية إذا قتلته سوف تكون قاتلاً، أنا استمعت ذات مرة في برنامج وثائقي إلى رجل قاتل، قتل في حرب أهلية، وفعلاً قال شهادة يُمكِن لكل أحد أن يستوعبها، قال أنا بالنسبة لي سواء حُوكِمت أو لم أُحاكَم ما لقيته من عذاب يكفي وزيادة، قال له لماذا؟ قال له من اللحظة التي تورَّطت فيها في قتل جاري – كانت حرب طائفية أهلية – إلى اليوم لم أجد نفسي، انتهى الأمر، أصبح إنساناً ثانياً، فقد شيئاً في ذاته وفي شخصيته، انتهى هذا الشيئ ولم يعد إليه، هذا هو القتل حتى لو كان بحق كأن تقتل إنساناً اقتصاصاً، هذا شيئ فظيع، أنا مُتأكِّد من أن هذا سوف يُوثِّر على شخصيتك إلى أن تلقى الله، فأُريد أن أقول المُقارَبة الأخلاقية والرحمانية هي جوهر الشريعة، قال الله وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ۩، المُقارَبة الشرعية والقانونية من الشرعية بلا شك لكن عندنا الحد وعندنا الندب الشرعي لأن نتجاوزها ونعلو عليها، لماذا لا؟ يا ليتنا نجعلها منظوراً مُجتمَعياً عاماً ونبدأ نتنادى إليه بإذن الله، سوف يكون هذا أفضل كثيراً.

الأخ الفاضل سأل ما هي شروط الباحث وضرب مثالاً بالدكتور سليم العوا، سليم العوا رجل فقيه يا أخي ورجل أصولي، انتبه حتى لا نخلط الأمور، كونه محامٍ ويرتدي الكرافت مثلي لا يعني أنه لا يعرف الفقه، وهناك أُناس يلبسون طبعاً عمائم ضخمة ومشائخ أزهريون ولا يعرفون عُشر معشاره لا في الفقه ولا في الأصول، الرجل أصولي وفقيه بارع وهو رجل ذكي وعالم بحق حقيقةً، لكن باختصار سواء الدكتور العوا – حفظه الله يحفظه وكثَّر من أمثاله – أو غيره الشروط واضحة، الاجتهاد من أهله وفي محله، ارجع إلى أي متن بسيط في الأصول في شروط المُجتهِد لكي تعرف مَن هو المُجتهِد وما إلى ذلك، إذا توفَّر رجل أو امرأة على هذه الشروط وحصَّلها – بإذن الله – فأنا أقول لك بغض النظر عنده شهادة شرعية أو ليس عنده شهادة شرعية وإلى آخره هو من أهل هذا الشيئ، نحن ليس عندنا مُؤسَّسات دينية، ليس عندنا مُؤسَّسات ولا نقول أننا لا نسمع إلا لمَن كان مُتخرِّجاً من الأزهر أو من جامعة الملك كذا، لا يُوجَد عندنا في الإسلام هذا، أبو حنيفة في أيامه لم يكن هناك لا أزهر ولم تكن هناك زيتونة ولا غيرهما، أليس كذلك؟ وكذلك الحال مع الشافعي، هذا العلم – بفضل الله – مُباح للجميع، لكن نعم بلا شك العلماء لهم احترامهم وبعد ذلك هذه الحيثيات الأكاديمية وما إلى ذلك تُوفِّر الطريق علينا، حين نعرف أن فلاناً عنده دكتوراة في الشريعة – مثلاً – نرتاح لأننا سنعرف أن هذا الرجل مُؤسَّس، لكن يُمكِن ألا يكون عند الرجل هذا ولا يكون دارساً لكنه عالم، ثبت أن الرجل عالم بحق، وأنا أقول لك مُعظَم العلماء الكبار والفطاحلة هم كوَّنوا أنفسهم، الأساتيذ فقط أعطوهم بداية الطريق، علماً بأن التعليم الحقيقي يُعطيك المفتاح وبداية الطريق وبعد ذلك أنت لابد أن تكون حصيلة نفسك، الجامعة لا تُكوِّن أحداً، وإنما هي تُعطيك فقط المفاتيح، فإذن الاجتهاد من أهله وفي محله، وكل مَن ادّعى الاجتهاد في مسألة أو أتى بما يُستنكَر عليه – مثلاً – أو يُخالِف به السائد أو ما عليه الجمهور يُناقَش، أليس كذلك؟ لابد أن يُناقَش، انتبه إلى هذا، يُوجَد عندنا طريقة الآن في الحكم على الاجتهادات والحكم على التجديد، ما هي؟ الإتيان بإدانات، وهذه طريقة غير علمية، مثلاً نفترض أن الدكتور فلان اجتهد في مسألة، ماذا نعمل؟ نذهب إلى السعودية والكويت وتركيا ونأتي بشهادات تقول أن هذا ضال مُضِل وقال بكذا وخالف كذا، هذا الذي كذا وكذا، وأنا أُحذِّر وأنا كذا وكذا، هذا كله كلام في نظر أهل العلم وطلّاب العلم والعلماء الراسخين في العلم لا وزن له – والله – ولو بشروى نقير، ما الذي له وزن؟ المُباحَثة والمُحاوَرة، هناك قاعدة عندنا في علم المُناظَرة والمُحاوَرة تقول العلماء مأمونون على ما نقلوا مبحوثٌ معهم فيما قالوا، المفروض أن العالم إذا قال لك قال – مثلاً – ابن الهُمام أو قال فلان لا تقل له كذبت، لا يُوجَد هذا الكلام، فهذا عالم والمفروض أنه صادق مبديئاً فيما نقل وفيما حفظ إذا ذكر لك نقلاً، لكن إذا ادّعى دعاوى وبدأ يأتي بأشياء مُبتدَعة في العلم وغير مأنوسة وجديدة يُباحَث، أليس كذلك؟ لا يُنكَر عليه ويُدان فقط، من بعيد ومن وراء وراء يأتوا بإدانات ويضعونها على الإنترنت Internet ويضعون كلمات وأشياء ومُلصَقات، هذا كله كلام فارغ، أنا حصل لي هذا قبل أن آتي إلى الكويت ربما بعشرة أيام، جاء عندنا الشيخ التونسي الفاضل الدكتور عبد الفتاح مورو، وجاء عندنا جماعة من الذين ينصبون لي المشاكل والعداء، ولا يأتون إلا حين يأتي عالم، أنا من عشرين سنة أدعوهم إلى النقاش، وأقول لهم أنا رجل نقاش، ولا يأتي أحد، فعلوها مرتين فقط ولم يُكرِّروها بعد ذلك، فعلها حزب التحرير مرة وفعلها السلفيون مرة، وإلى اليوم لم يتكرَّر هذا، وأنا أقول لهم لابد من النقاش، تعالوا نُنقاش، والنقاش يكون بأدب وباحترام، لكنهم لا يأتون للنقاش، يأتون فقط لكي يُؤلِّبوا علينا العلماء، جاء الشيخ مورو – حفظه الله – فبعثوا له ما حكم مَن يفعل كذا وكذا وكذا؟ بعد أن أنهى الشيخ مورو استأذنت وقلت لأحدهم يا أخي أنت تعنيني أنا، فقال لا، قلت له لا، أنت تعنيني وهذا عادي، أنا صريح ومفتوح، أنت تعنيني أنا، وأُريد أن أقول لك شيئاً مع احترامي لكل المشائخ الفُضلاء، قلت له يا أخي مسائل العلم لا ينفع فيها هذا الأسلوب، مثل ما حكم كذا وكذا، أنا سأقول لك ما حكم كذا، أنا مُستعِد أن أقول لك قول سبعين إمام في المسألة التي سألتني فيها، يُمكِن أن أقول لك ماذا قالوا فيها، لكنني غير مُقتنِع بهذه الأقوال وعندي رأي مُختلِف، إذا كان عندك مُشكِلة معي لا ينبغي أن تأتي لي بإدانات، ينبغي أن تأتي لي بعلماء لكي يُناقِشوني، أنا هذا أطلبه ومُستعِد له، لو نكصت عنه سوف يكون عندك الحق في أن تُعيِّرني، فسكت، الشيخ مورو قال هذا الصحيح ثم قال له قم قبِّل رأس الشيخ، فقلت له لا، لا أُريد منه أن يُقبِّل رأسي، سهَّل الله له، فلابد أن تفهم الناس كيف تكون الأساليب، أليس كذلك؟ لابد من معرفة أساليب الحوار العلمي يا أخي، أنت مُختلِف مع أحد وتقول عنه أنه خالف الأمة وخالف الجمهور فناقِشه يا أخي، وبعد ذلك يُهوِّلون عليك بالإجماع، إجماع ماذا؟ رحمة الله على الإمام أحمد الذي قال مَن ادّعى الإجماع فقد كذب، ما يُدريه لعل الناس اختلفوا؟ إجماع ماذا؟ لا يُوجَد إجماع، إجماع ماذا؟ والمسائل الوحيدة التي أجمعوا عليها هل تعرف ما هي؟ المسائل النصية، هي من الكتاب ومُتواتِر السنة ولذا لا تحتاج إلى إجماع، والذي ادُعيَ فيه الإجماع كإجماعات ابن عبد البر وغيره كله كلام فارغ، لا يُوجَد إجماع يا أخي، إجماع ماذا؟ يُقال لك أجمعوا، لم يُجمِعوا، كيف أجمعوا؟ لم يُجمِعوا، الأمة مُختلِفة في هذه المسائل كلها ويدّعون فيها الإجماع، بعد ذلك اتفاق المذاهب الأربعة له على موضوع مُعيَّن لا علاقة له بالإجماع لا من قريب ولا من بعيد، وهناك مسائل كثيرة اتفقت عليها المذاهب الأربعة وهي مسائل ظاهرة البطلان، أليس كذلك؟ هذا معروف، وقد نبَّه عليها العلماء مثل ابن حزم وابن تيمية، مثل عورة الحُرة والعبدة، أي الأمة، هذا كلام فارغ، قالوا عورة الأمة أياً كانت – تركية صبوحة حسناء وضيئة جميلة – من السرة إلى الركبتين، كيف يا حبيبي؟ ابن حزم كتب لك فصلاً طبعاً ونسف هذا الكلام نسفاً، قال لهم هذا كله كلام فارغ، لا يُمكِن أن ياتي به دين الله تبارك وتعالى، وفعلاً هناك تفرقة عنصرية بعد ذلك، وابن تيمية كان ضده، وهذا قول المذاهب الأربعة، المذاهب الأربعة تقول عورة الأمة من السرة إلى الركبتين، وهذا غير معقول، فهذا ليس شرطاً.

سؤال أخي الفاضل – وقد أطلنا والله – عن موضوع العلمانية وما إلى ذلك، وهذا موضوع طويل يا أخي الكريم، أنا سأقول لك وجهة نظري الشخصية وهي تحتاج إلى شرح وإلا ستتسبَّب في لغط، أنا مع فصل الدين فعلاً – بمعنى أن يبتعد رجل الدين الذين هم رجال دين فعلاً – عن الدولة وليس عن السياسة، لأن لا يُمكِن فصل الدين عن السياسة، السياسة جُزء من الحياة والدين في نسيج الحياة، فالدين لا ينفصل عن السياسة، لكن هذا يُمكِن عن الدولة، فليس شرطاً لأنه شيخ يُصبِح وزيراً مثلاً، هذا غير صحيح وليس له علاقة بما نقول، يُصبِح وزير الداخلية مَن يُحسِن هذا الموضوع بغض النظر أكان مُتمشيخاً أو غير مُتمشيخ، إذا كان يُحسِن هذا ينبغي أن يُعيَّن، لكن في الدول الثيوقراطية والدول الدينية رجال الدين فعلاً كانوا يمسكون كل شيئ، هذه دولة دينية نحن نبرأ إلى الله منها، وعموماً نحن ليس عندنا دولة دينية في تاريخنا، لا تُوجَد دولة دينية بهذا المعنى، لكن فصل الدين عن السياسة لسنا معه، وهو غير مُمكِن أصلاً، علماً بأن هذه أكذوبة، حتى في أوروبا هو غير مُنفصِل، لماذا نفصله نحن إذن؟ بعد ذلك يُوجَد موضوع عدالة العلمانية، وهذا يعود في النهاية إلى تحرير ما المقصود بالعلمانية، ما المقصود بالعلمانية؟ هذا هو، لكن هذه مسألة إشكالية، هل يُمكِن الآن تأسيس المُواطَنة على أُسس غير عقدية وعلى مفهوم الوطن وحده فعلاً؟ يُوجَد إطار واسع اسمه الوطن يشمل كل مَن انتمى إليه بالشروط المعروفة بغض النظر عن اعتقاده ودينه ويُوجِب عليه التزاماتٍ ويُنشيء له حقوقاً، أنا مع هذه الفكرة، وأعتقد أنك ستجد ألف مُفكِّر مُسلِم مُستنير مع هذه الفكرة أيضاً، ليس شرطاً اليوم أن نُنشيء دولنا على أُسس اعتقادية أو أيديولوجية – مثلاً – كما كان الحال في القرون الوسطى، كان الكل وقتها كذلك إلا دولة رسول الله، فهي إلى حدٍ ما تجاوزت هذا الإطار الضيق وفعلاً أرست أُسس المُواطَنة، أليس كذلك؟ أرست أُسس المُواطَنة الواسعة، وجعلت مفهوم الأمة ليس مفهوماً مِلياً بل مفهوماً سياسياً، يهود بني عوف أُمةٌ مع المُؤمِنين، كيف أُمة وهم يهود؟ أُمة، لكن أُمة سياسية، هذا اسمه الاجتماع السياسي، أليس كذلك؟ هذا مُمكِن، تُوجَد عندنا أشياء لهذا الموضوع، على كل حال أنا أقول لك التخوف من المشروع الإسلامي السياسي له ما يُبرِّره، بشكل عام له ما يُبرِّره، أنا – مثلاً – اليوم جاءني سؤال عن حد الردة وتفضَّلت أنت الآن بذكر أن هناك مُطالَبة بتفعيل حد الردة ضد كذا وكذا وهذا شيئ مُخيف، هذا شيئ مُرعِب، أول مَن يقع ضحيته أُناس ربما مثل الدكتور طارق وربما مثلي، هذا أمر عادي، ومثل الشيخ الغزالي قديماً، فهذا يُمكِن أن يُعدَم بشكل عادي، وهذا باسم حد الردة، وهذا ما حصل في تاريخنا عشرات المرات، أُعدِم دُعاة ومُجدِّدون ومُصلِحون وثائرون وأناس مُمتازون سياسةً لاديانةً لكن باسم الدين، ويُضحى بهم عند المنابر والله العظيم، وهم كانوا أمّارين بالمعروف نهّائين عن المُنكَر، ولم يكونوا مُنافِقين، ذُبِحوا ذبحاً باسم الدين، في حين تُرِك المجال واسعاً لزنادقة، زنادقة حقيقيون يُشكِّكون في النبوة والإلهية وفي كل شيئ ويسبون الناس الأفاضل، لماذا؟ لأنهم كانوا مع الدولة، والدين ساكت، فأنا أرى في تاريخنا الإسلامي للأسف الشديد أن الذي حصل إلى الآن عكس ما حصل في السياق الغربي، في السياق الغربي السُلطة الروحية ابتلعت السُلطة الزمنية، الكنيسة أخذت كل شيئ، فلما ثاروا هم حقيقةً على هذا الشيئ أرادوا أن يُحرِّروا الزمني من قبضة الروحي، وعندهم الحق كل الحق، وقد استفادوا من هذا، نحن وضعنا المعكوس تماماً، مثل الأيزومير Isomer،الصورة المُعاكِسة في الكيمياء، ما هي؟ عندنا السياسي من أيام بني أُمية إلى اليوم هو الذي ابتلع الديني وأراد أن يُوظِّفه ونجح إلى حد بعيد طبعاً لصالحه، وهذا الذي منع نمو تجربة دينية حقيقية حُرة في تاريخنا، وصار عندنا هذا التصوف الشائه أو المنظور الشرعي الجامد القابل لإعادة القد والتفصيل المُستمِر، وهذا شيئ مُزعِج جداً جداً جداً إلى اليوم، فنحن اليوم نرى أنه من صالحنا نحن كمُسلِمين وكمُتدينين بصراحة أن يتحرَّر الدين من قبضة السياسة، بعد ذلك اليوم في ظل أفكار جديدة وطروحات مثل الدولة الحديثة التي هي مُحجَّمة الصلاحيات ومحدودة الفاعلية – أي Etat minimal أو Minimal state – تُصبِح المسألة غير خطيرة بشكل كبير، أليس كذلك؟ الدولة عندها صلاحيات محدودة، وبعد ذلك اترك كل شيئ للمُجتمَع المدني بما فيه النشاط الديني الحر، أليس كذلك؟ هناك طروحات كثيرة يُمكِن أن يكون فيها – إن شاء الله – نوع من الجدة والابتكار، لكن الموضوع طويل جداً جداً.

مُشكِلة الدكتور بدوي يا أستاذي الفاضل ليست فقط في الأسماء بل وحتى في الترجمة وخاصة بالألمانية، يُخطيء أحياناً في فهم المعنى، الرجل كان يشتغل على ثماني لغات، وطبعاً معروف أن الجاحظ في البيان والتبيين قال لا يُوجَد عالم أو أديب يُجوِّد لسانين إلا بالجور على أحدهما، فكيف الحال مع ثماني ألسنة أو ثماني لغات؟ لابد أن يحدث خطأ عنده في اللغة، لا يُمكِن أن يُوجَد لسان مُمتاز، سوف تضعف الملكة في كل …فبدوي عنده أخطاء حتى في الترجمة ذاتها، وبعد ذلك السبب الثاني كما أعتقد وهو سبب فني هو أن الحروف العربية الموجودة الآن – الثمانية والعشرون – لا تكفي لمُناظَرة كل الحروف الأجنبية حقيقةً، والمجامع العربية إلى الآن غير مُتفِقة على بعض التعديلات المُقترَحة من كل مجمع على حدة سواء، المجمع التبع لدمشق أو التابع للقاهرة أو التابع لبغداد، فهذا الأمر مُختلَف فيه، وهذا أيضاً سيُسبِّب إشكالية.

أخيراً لدينا السؤال المُتعلِّق بأن الفلسفة برهانية والشريعة خطابية، طبعاً هذه الفكرة تجد جذرها عند ابن رشد، وتجد الدفاع الحميم عنها عند محمد عابد الجابري في العصر الحديث، وطبعاً لا نُسلِّمها وليست صحيحة بالمُطلَق، بالعكس الشريعة يُمكِن إعادة قراءة خطابها بطريقة مُختلِفة عن تلك الفكرة.

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: