إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۩ الزَّانِي لا يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ۩ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۩ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ۩ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ۩ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ۩ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ۩ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

على الموعد ومع عقوبة أو حد الرجم: رجم الزناة المُحصَنين من الرجال والنساء.

الإمام الفقيه الشافعي الكبير ابن حجر الهيتمي – وليس ابن حجر العسقلاني – في شرحه المشهور على منهاج الإمام النووي قدَّم تبريراً أو تعليلاً لنسخ تلاوة آية الرجم التي يُزعَم أنها آية الرجم، وقد وقفتم عليها في الخُطبة السابقة الشيخُ أو والشيخُ والشيخةَ إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم، فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة، بما قضيا من الشهوة، والروايات كثيرة، آية ولكن لها روايات كثيرة لأنها آية، لكن ليس هذا شأن الآيات، لماذا هذه الآية نزلت ثم نسخها الله – تبارك وتعالى – تلاوةً وأبقى حكمها؟ وقد قلنا لكم هذا عجيب وغريب وغير معقول وغير مقبول وغير منطقي، لأن التلاوة – أي النص أو الشيئ المتلو – هو دليل الحكم، فإذا أراد الله أن يستبقي هذا الحكم المهول القاسي الفظيع – القتل بالرجم حتى الموت – لاستبقى النص، حيث يُوضَع الإنسان الجاني وهو الزاني المُحصَن أو الزانية المُحصَنة ويُضرَب أو تُضرَب بالحجارة إلى أن تزهق نفسه أو نفسها، وهذه عقوبة مُخيفة وفظيعة ومهولة جداً، والذي لا يراها مهولة وفظيعة أنا أقول له راجع إنسانيتك، فيك شيئ غير طبيعي ، فيك شيئ غير عادي، كيف تقول لي هذه عقوبة عادية؟ هذه ليست عادية، لذلك العلّامة الفقيه ابن حجر الهيتمي في شرحه تُحفة المحتاج على منهاج الإمام النووي قال الحكمة في رفع تلاوة هذه الآية – هذه الآية غير موجودة في المُصحَف، لا نتعبَّد الله بها في المحاريب ولا في الصلوات – التي حكمها باقٍ أن ذلك أتى تخفيفاً عن الأمة، تخفيف في ماذا؟ الحكم تقريباً تكاد الأمة تُجمِع عليه، ليس هناك إجماع حقيقي، ولكن تكاد الأمة تتسالم وتتطابق وتكاد تُجمِع على تقرير هذا الحكم، أي أن المُحصَن يُرجَم إلى الموت، فأين التخفيف؟ التخفيف أنها غير مكتوبة ولا تُتلى، فأخفى الله تلاوتها عنا، لماذا؟ قال لأنه عقابٌ فظيع مٌخيف،أنت تسمع به مُجرَّد سمع ترتج أركانك، كيفيُرجَم الإنسان حتى الموت بالحجر؟ هذا شيئ مُخيف، هل الزنا أعظم أم القتل العمد؟ القتل طبعاً بإجماع الأمة، الأمة أجمعت على أن القتل أعظم وأفحش من الزنا، والقاتل يُقتَل قتلةً حسنة، النبي قال إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وقال لا قود إلا بالسيف، يُضرَب ضربة واحدة بالسيف بسرعة حتى يموت في ثانية، لكن ليس ردماً، لم يقل حتى يُردَم بالحجارة، هذا الشيئ مُتناقِض.

على كل حال هذا المُفتتَح يفيد أن هذه العقوبة أقر علماؤنا وأئمتنا الكبار – رحمة الله على الجميع – أنها مهولة وفظيعة ومُخيفة بلا شك، هل هذه العقوبة مبدئياً تتناسب مع شريعة المبعوث رحمةً للعالمين؟ سوف نرى، وهو القائل فيما صح عنه أنا نبي الرحمة، وفي صحيح مسلم إني لم أُبعَث لعاناً وإنما بُعِثت رحمة، حتى على الكفار الذين قاتلوه وأرادوا قتله في معركة أحد وكسروا رباعيته وشجوا وجهه ورأسه الشريف صلى الله عليه وسلم، قالوا يا رسول الله ادع عليهم، فقال إني لم أُبعَث لعاناً وإنما بُعِثت رحمة، ووصفه في كتاب الله ، في سورة الأعراف الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۩، هذه الشريعة امتازت من شرائع السابقين بأنها وضعت عنا وعن مَن اتبع هذه الشريعة حتى منهم الآصار والأغلال التي كانت عليهم، حيث جاءت مُخفِّفةً، ولهذا مصاديق وأمثلة كثيرة جداً ذكرها العلماء الفقهاء والمُفسِّرون على الخصوص، فقالوا – مثلاً – كان في شرعهم وجوب وانبغاء قطع المكان الذي لابسته النجاسة أو مسته النجاسة من الثوب أو منه ومن البدن أيضاً، وهذا الشيئ غليظ جداً، هذا ليس لدينا، نحن لدينا تطهير ويبقى الثوب، يتم التطهير بالماء وانتهى كل شيئ، وأيضاً كان في شرعهم إبانة العضو الذي خطأ أو الذي أصاب الخطيئة، فهذا يُبان عندهم، وعيسى في الإنجيل يقول إذا أعثرتك عينك فاقلعها وارمها، فهذا خيرٌ لك من أن تُرمى كلك في النار، وهذا شرع موسى وقانون موسى عن إبانة الأعضاء الخاطئة، وأيضاً التحتيم عليهم في القتل العمد والخطأ لالقصاص، فلا تُوجَد دية ولا يُوجَد صلح، لكن جاء شرعنا وقال حتى قتل العمد فيه العفو وفيه الصلح وأخذ الدية، القتل الخطأ ليس فيه قصاص وأنتم تعرفون الكفارة، أما القتل العمد في شرعنا الرحيم – وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ۩ – فحتى هذا فيه العفو وفيه الصلح وأخذ الدية، قال الله فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ۩، فالله هنا يقول هذا أخوك وإن قتل أخاك وإن قتل أباك وإن قتل ابنك، لكنه يبقى أخوك، أخوك في الملة والدين، فاعف عنه واستحي نفسه، ليكون فعلك هذا محمدةً لك في الدنيا والآخرة وليكون من أعظم وأظهر مصاديق وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيْعًا ۩، أنت أحييته حين عفوت عنه، فكأنك أحيت الناس من عند آخرهم، كم أجرك؟ لا يعلمه إلا الله، أجرٌ لا يُقادَر قدره ولا يعلم قدره إلا الذي أمر بالعفو والصفح والتسامح والتجاوز لا إله إلا هو.
أيضاً كان في شرائعهم وقوانينهم ونواميسهم أنهم لا يتعبدون الله إلا في معابدهم، والنبي قال وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، فأيما رجلٌ من أمتي أدركته الصلاة فليصل، أي في أي مكان بإذن الله تبارك وتعالى، هذا شرع الرحمة الذي جاء تخفيفاً، قال الله وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ ۩ وقال أيضاً يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ۩، أنا أقول لكم وأما في شرعهم فالرجم، الرجم لأشياء كثيرة، حتى الذي يعتدي على ملك في التوراة يُرجَم، حين تنتقص ملكاً من الملوك تُرجَم، وهذا مذكور في التوراة، أما بالنسبة للزناة فالتوراة لا تُفرِّق بين أنحائهم وبين أصنافهم، مُحصَنين كانوا أم غير مُحصَنين وذكوراً وإناثاً طبعاً، مَن زنا يُرجَم، فالتوراة بالرجم في كل الأحوال، أما القرآن العظيم فأتى واضحاً، واستعيدوا مطلع هذه السورة العجيبة الجليلة التي تُسمى سورة النور، فهذه إسمها سورة النور – هذا خطر لي للتو بفضل الله تبارك وتعالى – وكأن الله يقول عجيبٌ يا أمة محمد، عجيبٌ يا أمة خيرتي، عجيبٌ يا أمة القرآن أن تتهوكوا وأن تتزيدوا وأن تلعبوا بكتابي وبنبيي وبهذا التراث السماوي الطهور المُتألِق بصدد آيات وأحكام أنزلتها في سورة أسميتها النور لأنها واضحة، كل شيئ فيها واضح، هى إسمها سورة النور، لكن كيف افتتحها الله؟ انظروا إلى مطلع هذه السورة، قال الله سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا – هذه فرائض ليست مُجمَلة ولا مُبهَمة، ولا تحتاج إلى كثير تصنع في التفسير والبيان لأنها مفروضة، فإذن هى سورة مفروضة وعلينا أن نبخع لفرائضها – وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ – الله هنا يقول بَيِّنَاتٍ ۩ والأمة تقول ليست بينات، هذه السورة لابد أن ننسخ منها أشياء ولابد أن نخص منها أشياء لأنها ليست واضحة، في حين أن الله يقول هذه السورة مفروضة وبينة – لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۩، فهنا الله يقول الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ۩ وهذه من ألفاظ العموم، فتعم كل زانٍ من ذكرٍ وأنثى من المُكلَّفين، شرطاً أن يكون مُكلَّفاً بغض النظر مُحصَناً كان أم غير مُحصَن ومُحصَنةً كان أم غير مُحصَنة، هذا ما تقوله الآية، لكنهم قالوا الخطب يسير، أنت تتفيقهون وتتفلسفون بين يدي الله ورسوله، نحن؟ بالعكس، نحن الذين عز علينا وكبر ويكبر علينا جداً أن تعمل هذه الأمة على تشكيك أبنائها وبناتها – إي والله – وعلى تشكيك نفسها في نبيها وفي كتابها، وسأُثبِت لكم بالبرهان أننا لو كان لنا شيئ من عقل وشيئ من إنصاف لعلمنا أننا نُشكِّك أو استجابنا لمَن شكَّك ودس هذا في كتب الحديث طبعاً، ومن هنا دائماً كلما عثرت بأمثال هاته المواضيع أقول صلى الله على مُعلِّم الناس الخير الذي قال لا تكبتوا عني شيئاً غير القرآن، مَن كتب عني غير القرآن فليمحه، وهذا الحديث صاح صحيح، هذا الحديث في الصحاح، لماذا؟ كان يعلم أنه بإسم الأحاديث سيُكذَب عليه وعلى أصحابه وأزواجه وأمهات المُؤمِنين وعلى ربه وكتابه، ونحن ندين الله – تبارك وتعالى – بأن النبي ما كتم شيئاً من كتاب الله، في حديث مسروق بن عبد الرحمن أبي عائشة الكوفي – تلميذ أم المُؤمِنين عائشة رضوان الله عليهما – قالت له مَن حدَّثك أن محمداً كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، أي أنه أكبر كذّاب، لا تقل لي يُوجَد شيئ مكتوم، لكن ابن الضريس – غفر الله لنا وله – في كتابه فضائل القرآن يروي عن عبد الله بن عمر – رضيَ الله عنهما وهما بريئان والله، عمر وابن عمر ما قالا هذا ولا خطر على بالٍ منهما أو بال أحدهما هذا – وبالسند لا يقولن أحدكم قرأت القرآن كله، فإن من القرآن ما رُفِع، أي أنه قال أن القرآن كله لا يعرفه أحد إلا الله، هناك أشياء رُفِعَت منه، فمَن أدراكم؟ وهذا كلام فارغ، الله يقول وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ۩ وهم يقولون قال ابن عمر هناك أشياء مرفوعة، مثل الشيخ والشيخة طبعاً، وعجبتُ لنا نذهب نتحدث عن عبد الله بن المقفع وقبل ابن المقفع وتقافيعه اللعين مسليمة الكذاب – لعنة الله تعالى عليه – الذي ذهب يُحاكي القرآن وما قدر وما قرب وليس يسوغ له ولا يتأتى له ولا لأحد من الأنس والجن، لو تأتى شيئٌ من هذا لأحد لتأتى لفصحاء قريش وهم أفصح العرب، فعجبتُ لنا نذهب نُعظِم النكير على هؤلاء لكن أين نكيرُنا على مَن نسب هذا إلى أصحاب رسول الله؟ أين نكيرنا على مَن طرَّق طريقاً لتوضَع هذه الآثار في الصحاح – في البخاري ومسلم – أيضاً؟ وقيل لي أنت تُشكِّك في البخاري ومسلم، لكن أنت تُشِّكك في كتاب الله، لا يكبر عليك أن تُشكِّك الناس في كتاب الله، لكن لو تكلَّمنا بالحق وبالميزان تقول تُشكِّك في البخاري، فصار البخاري – رحمة الله على البخاري رحمةً واسعة – أقدس عندنا من كلام رب العالمين بل أقدس من رسول الله نفسه، الرسول يُشكَّك فيه لكن البخاري إياك أن تُشكِّك فيه، هذا شيئ غريب، كأن الله تكفَّل بحفظ البخاري ولم يتكفَّل بحفظ كتابه، قال الله وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ۩، وفي حديث أنس في صحيح البخاري سورة أنزلها الله – تبارك وتعالى – وكان مما أنزل فيها وارتفع – ارتفع هذا كله وما عُدنا نتلوه ولا نتعبَّد الله به – أن بلِّغوا إخواننا أو قومنا أنا لقينا ربنا فرضيَ عنا وأرضانا، ما هذا؟ هل هذا قرآن؟ قالوا لك نعم، هذا في البخاري، فهذا الشيئ نزل وبعد ذلك ارتفع في أصحاب بئر مَعُونة الشهداء – رضوان الله تعالى عليهم – وقد اختُلِفَ في عددهم، فهذا في البخاري، قالوا قرآن نزل وارتفع، وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري كانت هناك سورة طويلة وشديدة، يُشبِّهها في الطول والشدة ببراءة، أي بالتوبة، يقول أبو موسى الأشعري – وحاشاه، هو والله ما قال هذا، وأنا أحلف أنه ما قال ولا درى بهذا، ولا كان شيئٌ من هذا بفضل الله تبارك وتعالى،وإن كان ليس فقط في مسلم بل في مليون مسلم وبخاري – نُشبِّهها بسورة براءة في شدتها وطولها، وكان مما أنزل الله فيها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على مَن تاب، وكلنا مُذ كنا صغاراً نعلمُ أن هذا حديثٌ نبوي ويُروى هذا حديثاً من كلام النبي، وهو كلام جميل وجليل فأهلاً وسهلاً، لكن لم جعلتموه آية؟ ما القصد؟ أردتم أن تقولوا هذا الكلام قرآناً ونُسِخ، والثابت في أحاديث أخرى – وهذا في صحيح مسلم، أي في الصحيح أيضاً – أنه قرآن نُسِخ ونُسِخَت تلاوته، وهذا أمر عجيب، إذا نُسِخَت تلاوته لماذا تتحفظونه؟ كيف تتحفظونه؟ لو أراد الله نسخه ورفعه وإنساءه لأنساه الجميع كما قلت في الخُطبة السابقة، لكن هذا الحديث من كلام النبي فأهلاً وسهلاً به وهو على الرأس ونعمة ألف رأس وعين، لكن لا تجعلوه من كتاب الله، ومع ذلك قالوا في مسلم هذا من كتاب الله، وهل هذا النمط من التعبير هو تعبير كلام الله؟ هل تُقِر العرب بهذا؟ لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على مَن تاب؟ هل هذا قرآن؟ هل هذا نمط قرآن؟ قالوا لك هذا قرآن يا أخي، في صحيح البخاري لا ترغبوا عن آبائكم فمَن رغب عن أبيه فهو كفرٌ، وقالوا هذه آية، هذه كانت آية ونُسِخَت في البخاري فانتبهوا، لماذا لا نتكلَّم عن مسليمة وعن ابن المقفع؟ ما القصد من وراء التأكيد والتشديد والبدء والإعادة على أن هناك قرآناً نُسِخَت تلاوته وما عاد مكتوباً وما عاد يُتلى؟ أن القرآن ليس محفوظاً وأن القرآن ليس مُتواتِراً، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأعجب من هذا حديث الشيخ والشيخة الذي يقول والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وطبعاً البخاري لم يُصرِّح بهذا وكذلك مسلم أيضاً، فهما لم يُصرِّحا بهذا، جرى الحديث عن آية الرجم التي تحدَّث عنها عمر حين قام وخطب الناس وقال لهم كذا وكذا – لا نُريد أن نذكر هذا فالوقت ضيق جداً – لكن غير البخاري كالنسائي في الكُبرى والإمام مالك في مُوطئه يُروى من طريق سعيد بن المسيب عن عمر، والمشهور عند علماء الجرح والتعديل والرجال أن سعيد بن المسيب لما استُشهِد عمر كان سعيد ابن سنتين، فمتى روى عن عمر؟ ومتى لقيَ عمر أصلاً؟ ومتى أدرك هذا؟ هذا في موطأ مالك عن سعيد بن المسيب عن عمر عن آية الرجم، ويُحذِّر أن نذهل عنها حتى لا نتورط في إنكار فريضة أنزلها الله في كتابه، ويقول فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله في كتابه، فأين هذا يا أخي؟ القرآن عندنا محفوظ، أين أنزلها الله في كتابه؟ ألا وإن الرجم حقٌ في كتاب الله، أين هذا في كتاب الله؟ هذا يُنسَب إلى عمر ومُخرَّج – كما قلت لكم – في الصحاح، وهذا في الموطأ، وطبعاً للأسف الشديد حتى تكمل الدائرةلقد شاركنا شرف ادّعاء آية الشيخ والشيخة إخواننا من الشيعة، فنفس الشيئ عند الشيعة في الكافي، والشيخ والشيخة إذا زنيا بما قضيا من اللذة، كيف يُقال اللذة؟
هل ورد في كتاب الله كلمة لذة؟ يُوجَد تلذ، لكن هل وردت لفظة لذة بهذا المعنى هكذا؟قالوا بما قضيا من الشهوة، وقال أبو عبد الله جعفر الصادق وصححه المجلسي – محمد باقر المجلسي صاحب بحار الأنوار – هذا موجود، أي الشيخ والشيخة، لكن أين هو موجود؟ موجود عند السُنة وعند الشيعة وهذا شيئ غريب، والأعجب من هذا –
وأسأل الله عز وجل أن يحلل عقدة من لساني ليفقه قولي – أن الإمام أبا جعفر بن جرير الطبري في تفسيره العظيم الماتع الجامع – جزاه الله خير الجزاء – جعل هذه الآية من التوراة، فقال هذه آية من التوراة وذكرها، والحديث طويل طبعاً، جاء اليهود يتحاكمون إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فسألهم مَن أعلمكم بالتوراة؟ قالوا فلان الأعور – واحد يُلقَّب بالأعور ولعله كان أعوراً، ولكن بالحتم الذي كذب هذا الكذب هو الأعور – فأوتيا به، فقال أنت أعلمهم بالتوراة؟ قال هكذا تزعمُ اليهود، فقال له أنشدك بالله وبالتوراة التي أنزلها على موسى يوم طور سيناءما تجد في التوراة؟ في الزانيين؟ لأن جاء اليهود لكي يتحاكموا إلى النبي في زانيين زنيا، فقال نجدُ فيها يا أبا القاسم أن الشريف إذا زنى بالبدنيئة – هو رجل شريف وزنى بامرأة عادية من سقط المتاع، أي من العامة لا من العلية – فإننا نُحمِّم وجهه – يضعون له الحميم، أي السخام أو الفحم ويُسوِّدون له وجهه – ونُركِبه على بعير – أي بالمقلوب كما نقول بالعامية، ويبدو أن المسلمين أخذوا هذا من بني إسرائيل بعد ذلك ويُسمونه التجريس، فالتجريس مشهور جداً عندنا في الحضارة الإسلامية، وقد اشتُهِر جداً جداً جداً بالذات في العهد المملوكي في القرن الثامن الهجري وما بعده – ونجعل وجهه قِبَل ذَنَب البعير – لجهة ذَنَب البعير، أي مُؤخَرة البعيرة أو مُؤخَّرة البعير -، وأما المرأة الدنيئة فنرجمها ونفعل هذا أيضاً لكن على العكس، إذا زنى دنيء بشريفة فالدنيء يُقتَل وأما هى فتُحمَّم وتُجرَّس – دائماً ينجو مَن؟ الذي يكون من العلية -، فأعاد النبي عليه قوله أنشدك بالله وبالتوراة التي أنزلها على موسى يوم طور سيناء ما تجد في التوراة؟ ثلاث مرات تقريباً – ماذا تجد في التوراة؟ لماذا تكذبون؟ لماذا تخفون؟ – فقال فيها والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فهم قالوا هذه آية توراتية، وطبعاً التوراة الآن بين أيدينا ولم يثبت هذا، واسألوا أحبار اليهود وأكيد سيخبروننا إن سألنهم عن عدم وجود الشيخ والشيخة، هذا كلام لا معنى له، وهو كلام مُتناقِض، هذا الكلام بالذات يحتاج إلى أدلة وإلى تخصيص وقصة كبيرة، أتعرفون لماذا؟ انتبهوا لكي تعرفوا لماذا، إذن هذه الآية – على ما يُقال – آية توراتية، لكن واضح أن الذي وضع هذه الأكاذيب والأفائك والأزعومات كان عالماً أن هذا شرع التوراة وهاته آيات التوراة فأراد أن يُلصِقها بكتاب الله تبارك وتعالى، لماذا لم تكتف أن تقول من التوراة؟ لو قال من التوراة فإن التوراة غير مُلزِمة، لو قيل لنا رسول الله رجم – رجم مالك بن ماعز الأسلمي ورجم الغامدية وهناك حالة ثالثة، وكلها حالات بالإقرار وليس بالبينة – سوف يسهل جداً طبعاً الجواب عن هذه الشبهة، لأننا سوف نقول رجم قبل نزول سورة النور، وهذا إن ثبت عنه أنه رجم، وأنا أسأل الله ألا يكون رجم أصلاً وأستبعد أن يكون رجم، ولكن إن ثبت في واقع الحال – لا في صحيح مسلم والبخاري وإنما إن ثبت فيما يعلمه الله أنه رجم – فأنا أقول لكم أن الأرجح – وستأتيكم الأدلة بإذن الله والبراهين – أنه فعل هذا قبل أن تتنزل عليه فرائض النور، أي قبل نزول سورة النور، لأنه كان يُحِب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمَر فيه بشيئ لأنه شرع والله قال إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ۩، وهذا السياق الكريم في سورة المائدة، لكن قبل أن تنزل سورة النور، فلما نزلت نسخت هذا الشرع، وهذا أيضاً إثباتٌ جديد ومصداقٌ جديد أن شرعنا هو شرع الرحمة، فشرعنا دائماً يتقدَّم على شرع أهل الكتاب، وجاء يرفع عنا – يضع عنا – الآصار والأغلال وليس العكس، هذا هو إذن، قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ ۩، موسى له شرعة وعيسى له شرعة ومحمد – صلى الله على الجميع وآل كلٍ وسلم تسليماً كثيراً – له شرعة، ولكن شرعة موسى فيما يعرف كل علماء الأديان المُقارَنة وتاريخ الأديان شرعة الناموس، شرعة موسى هى شرعة القانون، واقرأوا التوراة ، واقرأوا الشروح على التلمود، اقرأوا المشنا والجمارة، علماً بأن التلمود النسخة الكاملة في زهاء خمسين مُجلَّداً، وهذا شيئ عجيب، خمسون مُجلَّداً من القوانين والتعقيدات شديدة جداً، قفص حديدي له علاقة بكل شيئ، قوانين في الأكل وفي الشرب وفي العبادة وفي الزواج وفي الطلاق، وهذا شيئ مُعقَّد جداً جداً، وعلى كل حال موسى أتى بالقانون أو بالناموس كما سماه عيسى، فهذه شريعة الناموس، ولذلك عقلية اليهود عبر الزمان عقلية قانونية لا تُفسِح كثيراً للرحمة وللمحبة وللعفو وللتجاوز وللتسامح، ويقولون القانون والحق حق، فهذا لك وهذا لي، هكذا هم في الأصل، فليس عندهم أي مُدخَل قيمي أو مُدخَل أخلاقي واسع، وإنما عندهم مُدخَل قانوني، أتعلمون مثل ماذا؟ مثل الذين يدعون اليوم أنهم يحملون الإسلام بالطول وبالعرض، ولن أُسميهم وأنتم تعرفونهم، فهذه عقلية قانونية أيضاً، في كل شيئ قانون ويقولون حرام وحلال وبدعة وشرك وكفر وممنوع وإلى آخره، فما هذا؟ هذه عقلية مثل عقلية بني إسرائيل – لا أقول عقلية إسرائيلية ولكن أقول مثل عقلية بني إسرائيل – لأنها لا تلتفت إلى الجوهر ولا إلى الغاية ولا إلى المقصد، وإنما إلى الرسوم ودقائق التفاصيل، ومن ثم يُؤلِفون لك كتباً عن هل تنزل على الركبة أو على الأيدين وأين تضع اليد، فما هذا؟ ما حاجتنا بهذا؟ ما حاجتنا بهذه المسائل؟ يقولون قال النبي صلوا كما رأيتموني أُصلي، لكن هل هذا معنى كلامه؟ أنت تتسبَّب في مُشكِلة وتشق صفوف المسلمين في المساجد وفي الجامعات وفي الكتب والمناببر من أجل طريقة وضع اليد في الصلاة، هل هذا هو المعنى؟ الصحابة لم يكونوا يهتمون بهذه الأشياء، لذلك الأحاديث تعارضت عندهم، وهذا موضوع آخر، فعلى كل حال شريعة موسى هى شريعة القانون، قال الله لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ ۩، وشريعة عيسى هى شريعة المحبة طبعاً والصفح والعفو والتجاوز فيُقال لك تنازل عن حقك وأعط الكثير وأعط مما أعطاك الله وأكثر مما يُطلَب منك، ففي كل شيئ تجاوز، والقانون هنا أصبح ضعيف الحضور جداً، لكن الأخلاق ظاهرة بارزة الحضور في شرع عيسى، وهذا الشرع في نهاية المطاف لن يكون واقعياً طبعاً، لذلك رأينا المسيحيين عبر العصور – أكثر من بني إسرائيل وأكثر من المسلمين عشرات المرات – هم الذين شقوا العالم وهم الذين حركَّوا الحروب الصليبية وهم الذين ذبحوا الآخرين وهم الذين ذبحوا أنفسهم، فالحروب الدينية في أوروبا شيئ مُخيف ومُرعِب، وهذا كله بإسم مَن؟ بإسم عيسى وبإسم شرع عيسى، فهل هذا شرع عيسى؟ لأن هذا الشرع – كما قلت – غير واقعي، هو شرع مثالي بشكل زائد عن اللزوم ومن ثم يُصبِح غير واقعي، وجاءت الأمة الوسط بالشرعة والمنهاج الوسط، قال الله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ۩، ولدينا القدرة واللياقة إن فهمنا، لا كإخواننا أصحاب النواميس والقوانين ولا أيضاً كالصوفية والدارويش أصحاب منطق المحبة الزائد الذي أخرجهم إلى حدود الزندقة والعياذ بالله، فبعضهم لا يُصلي ولا يصوم ويستحل الكبائر ويقول لك الله غفور رحيم والله محبة، فهذا يحدث من صوفيتنا لكن هذه زندقة، شرع محمد كما نعلمه وكما نُطالِعه في كتاب محمد الذي أُنزِل على قلب محمد النبي الأمين – صلى الله على محمد وآل محمد – هو شرعٌ وسط، قسوة القانون ومقاطع الحقوق وحدود الواجبات ممزوجة فيه بروعة الأخلاق وسماحة التغافر والحث على المحبة، لذا هو شرع مرن وواقعي وقابل للتطبيق وقادر على إنتاج وإعادة إنتاج العدالة في كل قضية، لأنه شرع مُتوازِن، وطبعاً الشهادات لن أقول بالمئات ولكن بالعشرات من دارسي القانون – أتحدث بلغة قانونية – في الغرب هنا على هذه السمة للشريعة الإسلامية، فهذه – الحمد لله – شريعة عجيبة وغريبة وموجود فيها كل هذا، لكن لابد من التوازن،ولذا حسدونا على هذا وقالوا لا، قالوا مرةً أخرى تُثبِت يا محمد وتُبرهِن بقرآنك أن شرعك أكثر مرونة وروعة ورحمة من شريعتنا ومن توراتنا فنسخت الرجم – وقد رجمت – بماذا؟ بالجلد فقط، لكننا لا نُريد هذا وسندس هذا عليكم مرة أخرى، سنُعيد تخليقه وإنتاجه وسنغش هذه الأمة، وانطلت الحيلة طبعاً، لكن انتبهوا الآن، لماذا جعلوها آية؟ لماذا لم يكتفوا بالأحاديث كأن يقولوا هذه أحاديث تُنسَب إلى النبي والنبي قال كذا كذا كذا؟ لأن – كما قلت لكم – من السهل أن نرد على هذه الأحاديث، لكن حين نجعلها آية سوف تُصبِح المسألة أصعب، لكن لو قلنا أحاديث سنجد أن مِن العلماء مَن يقول لا يسوغُ ولا يجوزُ للسُنة النبوية أن تنسخ كتاب الله، أتعرفون مَن هو؟ الشافعي إمامي، إمامنا أبو عبد الله الشافعي في الرسالة قال بهذا، مذهب الشافعي في كتابه الذي عبَّر عنه وفصله أن السُنة لا تنسخ القرآن – هذا ممنوع – وأن القرآن لا ينسخ السُنة أيضاً، حتى لا نُطرِّق طريقاً لإبطال السُنة بإسم القرآن، فلا القرآن ينسخها ولا هى تنسخه، وهذا أمر عجيب، لكن هذا مذهب مَن؟ مذهب الشافعي، ماذا عن مذهب أبي حنيفة وأتباع الإمام الأعظم أبي حنيفة؟ قالوا السُنة المُتواتِرة فقط قادرة على أن تنسخ القرآن، الآحاد لا تنسخ القرآن، وسوف نرى هل أحاديث الرجم هى آحاد أم مُتواتِرة، أين هى من التواتر؟ بينها وبين التواتر مفاوز، ولذلك تفتق ذهن أعداء هذه الأمة الشرير عن هذه الحيلة وقالوا فلنجعل الرجم آية، والقرآن ينسخ بعضه بعضاً، فنسخنا ما في النور في حق المُحصَنين بآية قرآنية نزلت ثم ارتفعت وحكمها باقٍ، لكن إذا أراد الله أن يُلزِمنا بحكمها لماذا رفعها؟ هذا حكمٌ شديدٌ جداً، في القانون – يعلم هذا مَن درس قانون – ما يسمونه بشرعية الجريمة وشرعية العقاب، أي المشروعية، لكن كيف هذا؟ ما معنى شرعية الجريمة وشرعية العقاب؟ القاعدة طبعاً في علم القانون لا جريمة إلا بنص ولا عقوبة إلا بالنص، لابد من التنصيص على الجريمة والتنصيص على العقوبة، ولابد أن يكون النص قطعياً ومضموناً بلوغه للكافة، لذلك في كل الدول – في الشرق والغرب – حين يُشرِّع البرلمان – المجلس التشريعي – قانوناً جديداً يُنشَر في الجريدة الرسمية لضمان أن يبلغ الكافة، أي لكي يصل الكل، فيُنشَر هذا في الجريدة الرسمية الخاصة بالدولة والحكومة، ويُصاغ بطريقة تجعل فهم المراد منه ودلالاته واضحاً تقريباً حتى لغير المُختصين، فإن طرقه أو شابه شيئ من غموض أو إبهام أو لبس يأتي هؤلاء المُقنِّنون ويُعيدون شرحه وتفصيله بأوضح عبارة وإن اقتضى المقام الإسهاب، لماذا؟لأن لا تجريم إلا بنص، ولابد أن يكون النص قاطعاً في وروده وقاطعاً في دلالته، ولا عقوبة إلا بنص، ولابد أن يكون النص على العقوبة قاطعاً في وروده وقاطعاً في دلالته، وسوف نرى أن موضوع التجريم ليس قاطعاً في وروده إطلاقاً وليس قاطعاً في دلالته، وسوف أُعالِج المسألة من جهة أصولية ولعلي لم أُسبق لهذا، فإلى الآن لم اقرأ لأحد عالجها من هذه الزاوية مع أنه مُتاحة، وكل إنسان درس الأصول يُمكِن أن يُعالِجها من هذه الزاوية كما سأفعل بُعيد قليل، إذن ما القصة؟

أنا أعلم طبعاً أن بعضكم وبعضكن لن يستوعب بسهولة ولابد أن يعود مرات ومرات وأن يُعاوِد السماع مرات ومرات، فما القصة؟ ما قضية الرجم وغير الرجم؟ للأسف قبل سنوات في أول هذه الألفية كتب المُفكِّر الإسلامي الفاضل الأستاذ الدكتور طارق رمضان – من سويسرا وهو الآن مُقيم بالدوحة في قطر – بياناً – Statement – يدعو فيه إلى تعليق العمل بالحدود، ولأنه يدعو إلى التعليق -Suspension – هاجت الدنيا طبعاً، وكان مما ذكره طارق رمضان أن حد الرجم وإن ورد في كتاب الله غير مُناسِب وما إلى ذلك، وهذا كلام غير صحيح، فحد الرجم ليس له ذكرٌ في كتاب الله لا من قريب ولا من بعيد، فإذن أخطأ مثل طارق رمضان الذي قضى حياته في الفكر الإسلامي، لكن هو غربي وليس مُفكِّراً عربياً أصيلاً، فهو مولود في الغرب ولغته الأجنبية هى لغة فرنسية وما إلى ذلك، ومن ثم استحضاره لكتاب الله ضعيف طبعاً، لذلك هو جعل الرجم في كتاب الله وقال لك أنه في كتاب الله لكن هذا غير صحيح، الرجم ليس في كتاب الله لا من قريب ولا من بعيد.

ماذا فعل العلماء؟ ماذا قالوا العلماء؟ العلماء قالوا أولاً الله – تبارك وتعالى – درَّج وناسخ في حدود الزنا – أي في عقوبات وأجزية الزنا – فبدأ أولاً بآية سورة النساء، قال الله في الآية الخامسة عشرة وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ۩ ثم قال في الآية التي تليها وهى الآية السادسة عشرة وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا أي الفاحشة – مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ۩،قالوا هذا الجزاء الأولي وبعد ذلك نُسِخ، وفي الحديث الثابت في الصحيح عن عبادة بن الصامت قال صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً خذوا عني – وفي رواية خذوا عني خذوا عني – قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام – فهذه عقوبة البكر ذكراً كان أم أنثى، جلد مائة وتغريب عام، أي نفي عام-، والثيب بالثيب جلد مائة ورجمٌ بالحجارة، قالوا إذن هنا حدث تطور في التشريع، متى قال النبي هذا؟ قالوا قاله بعد نزول آية النور التي تقول الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۩، فصار عندنا نوع من التخصيص أو النسخ، وسوف نُوقِفكم على الفرق بينهما الآن عملياً بتشغيل هذه المُصطلَحات الأصولية لأننا سنُشغِّلها الآن في المقام، على كل حال قالوا حصل نوع من النسخ أو التخصيص لما في آية النور، لكن في حق مَن؟ في حق المُحصَنين، وبقيَ الموضوع في عير المُحصَنين – في العزّاب أو الأبكار – على ما هو، ولكن زاده النبي بعقوبة التغريب، وهذا لعله من باب التعزير، أي سياسة شرعية كما قال السادة الحنفية وغيرهم، فإذن هناك نسخ أو هناك تخصيص، أي هناك تعديل بالتخصيص أو النسخ، وكل تخصيص هو تأويل – أي من باب التأويل – وهذا أمر معروف، فكل تخصيص هو تأويل كما يقول الأصوليون.

أُحِب أن أُنبِّه على أشياء وأستعينُ الله – تبارك وتعالى – حتى أُلملِّم أفكاري وأُدرِّج، فالموضوع مُعقَّد وشائك ويحتاج إلى كتاب حقيقةً، أول شيئ هو أنني – قلت لكم في الخطبة السابقة – أن آيتي سورة النساء – فيما أُرجِّح وفيما رجَّح غيري من العلماء الكبار وأنا منهم تعلمت وأخذت – لا تعني الفاحشة فيهما الزنا، بل في الآية الأولى – وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ ۩ – بيَّن وقال مِن نِّسَآئِكُمْ ۩، فهذا أمر يختص بالنساء ويحدث بين النساء، ولذا قال وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ ۩ إذن هن نساء، والدليل أنه قابل النساء بذكرين فقال وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ ۩، فهنا نساء وهنا ذكران إذن الحكاية في فاحشة أخرى، لكن قد يقول لي أحدكم يا رجل اربَعْ عَلَى ظَلْعِكَ، ما هذا الكلام الفارغ؟ الفاحشة هى الزنا، وهذا غير صحيح، أنا أقول له أنت لا تفهم شيئاً هنا، وكأنك لم تتل كتاب الله مرة واحدة في حياتك، لماذا؟ يُوجَد ما يُعرَف بالسدومية، وطبعاً هذه يُسمونها اللواط أو اللواطة، وأنا لا أُحِب أن أُسميها بهذا وقد قلت هذا قبل خمس عشرة سنة، الله لم يقل لواط ولا النبي قال لواط، لكن الفقهاء قالوا اللواط واللواطة ولواطة النساء، وهذه عبارة قبيحة جداً جداً، كيف تنسب هذا الفعل الشنيع المقبوح المرذول إلى نبي الله يا أخي؟ هذا – والله – لا يجوز، قل مَن عَمِلَ عمل قوم لوط، والأفضل أيضاً أن تقول كما يقول الأجانب، فالأجانب في الغرب يُسمونها السدومية، نسبة إلى قرية سدوم التي كان فيها هؤلاء – سدوم وعمورة – فسمها السدومية وينتهي كل شيئ، هذا أفضل لنا، ولكن أنا أُضطر أحياناً أن أقول اللواط لكي تفهم الناس، لأنني لو قلت السدومية سوف يُقال لي ما معنى السدومية؟ هل أنت تُؤلِّف أشياء جديدة من عندك؟ فالسدومية معناها اللواطة، أي شذوذ الرجال فيما بينهم أو بعضهم البعض، إذن في كتاب الله – تبارك وتعالى – كأين من آية لوط يقول لقومه أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ ۩ ويقول أيضاً أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ۩، فما الفاحشة هنا؟ السدومية أو اللواطة، هذا واضح جداً، إذن الله سماها الله ماذا؟ سماها فاحشة، لماذا؟ لأن الفحش في الأصل – مثل فحش الشيئ – هو مُجاوَزة القدر المقبول في كل شيئ قولاً أو فعلاً، لذلك يُقال رجلٌ فاحش الطول أو طويل طولاً فاحشاً، فهذا طول غير مُستحسَن لأنه زائد عن اللزوم، جاوز المترين ومن ثم يصير طولاً قبيحاً كما يُسمونه، وهناك فحش القول، قال رسول الله لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ، فالبذاء – بذاءة اللسان – النبي سماه أيضاً الفحش، هذا لا يعني الزنا.

على كل حال فتح الله – تبارك وتعالى – وله الحمد والمنة إن أصبت وإلا فالخطأ مني ومن شيطان – ووقفت على أشياء غريبة وضوابط من أعجب ما يكون والله العظيم، لكن هذه لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ۩، هذه وحدها – أُقسِم بالله وأنا في يوم جمعة – تُثبِت أن هذا القرآن من عند الله، هذا شيئ عجيب، في القرآن الكريم هناك الفاحشة وهناك الفحشاء وهناك الفاحشة المُبيِّنة وهناك الفواحش، وهذا شيئ عجيب يا أخي، ووالله كلما أتت كلمة تأتي في موضعها وليس في موضع آخر، فهذا لا محمد ألفه ولا ائتفكه، ولكن بالحري كان يعرفه بإذن الله تبارك وتعالى، فبعد أن نزل عليه واستتم نزوله بالحري أن الله أطلعه على هذه الأسرار وعلى غيرها الكثير والكثير مما لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، باختصار كلمة فاحشة إذا ذُكِرَت قد تدل على الزنا بأنواعه المذكورة قرآنياً، زنا المُخادَنة أو زنا السفاح أو زنا البِغاء، وهذه كلها مذكورة في كتاب الله، قال الله وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ۩، وقال أيضاً غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۩، فنحن عندنا المُخادَنة بمعنى أن يكون لها عشيق واحد تختص به ويختص بها ويأتيها والعياذ بالله، فهذه إسمها المُخادَنة أو زواج مُخادَنة، وهذا زنا طبعاً، وعندنا السفاح أو المُسافَحة، وعندنا البغاء وهو المدفوع الأجر، أرأيتم هذا؟ القرآن دقيق جداً جداً، كل هذا يدخل تحت إسم الجنس، وإسم الجنس هو الفاحشة، فهذا إسم جنس وتحته صنوف وأنواع كثيرة، الزنا بأنواعه أو أقسامه الثلاثة والسدومية – اللواطة – والسحاق في آيتي سورة النساء وأكثر من هذا أزيدكم حيث تحدَّث عن ما يكون بين رجل المرأة في غير حِل مما هو دون الزنا من لمسٍ وتقبيل وتحسيس وتشميم وإلى آخره، فهذا كله فاحشة، ولا تقل لي غير هذا، هذه فاحشة أيضاً، إذا أردت أن تتقي الله وتزكو نفسك وتتقرب إلى الله فلتبتعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، هذا الضم واللمس والتحسيس والتقبيل والكلام الفارغ هذا كله – سبل الشيطان – فاحشة، قال تبارك وتعالى كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۩، وهنا قد يقول لي أحدكم أن الله قال الفحشاء وليس الفاحشة، وهذا صحيح، فانظر إلى هذه الأعجوبة أيضاً قبل أن أُكمِل، انتبه إلى أن الله قال لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۩، وحاشا لنبي أصلاً أن يقوم احتمال على وقوع الزنا منه، مُستحيل أن النبي يفعل الزنا، ولكن الله يقول ما دون الزنا مصروف عنه بإذن الله تبارك وتعالى ولو لمسة، فالنبي لا يقع في هذا، لأن الله صرفه، لكن الله لم يصرف النبي أبداً وإنما صرف السوء والفحشاء، قال الله لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۩ ولم يقل لنصرفه عن السوء والفحشاء، النبي واقف كالجبل وهو الكريم ابن الكرماء، لو قال لنصرفه هذا سوف يعني أنه تقدم إليها ولو خُطوة – حاشاه – والله صرفه، لكن الله لم يقل هذا، وإنما قال لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۩، وهنا لم يقل الزنا فانتبهوا، بدليل ما رواه الإمام أحمد والإمام الترمذي وغيرهما من حديث عمرو بن الأحوص – ذكرناه قبل ربما شهر أو شهرين – حيث قال عليه الصلاة وأفضل السلام في خُطبة حجة الوداع ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكن عوانٌ – أي أسيرات لأن العان هو الأسير – ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشةٍ مُبيِّنة، وهنا لا يُمكِن أن يقول لي أحد أن الفاحشة المُبيِّنة هى الزنا، هذا غير صحيح، فالفاحشة المُبيِّنة مذكورة في كتاب الله في ثلاثة مواضع، والثلاثة المواضع تدل أنها لا يُراد بها الزنا، وهذا موضع زل فيه ألوف العلماء، فكثير من الصحابة والتابعين قالوا أن المُراد الزنا، وهذا غير صحيح، ليس المُراد الزنا، حاشا لله أن يكون هذا، لكن الفاحشة المُبيِّنة هى بذاء اللسان والنشوز والعصيان وشراسة الخلق وزعارة المرأة مع زوجها وأحمائها من أهل زوجها، هذه هى الفاحشة المُبيِّنة، هل تعرفون لماذا؟ لأن الفاحشة التي هى الزنا يُستسَر بها ويُستحيى منها ويُستخفى بها، أليس كذلك؟ أما الفاحشة التي تكون بيِّنة هى التي ترفع المرأة رأسها بها وهى طول اللسان وقلة الأدب والشراسة، لذلك ماذا قال النبي؟ قال ألا أن يأتين بفاحشةٍ مُبيِّنة، النبي يُريد المرأة المُحصَن، فهو يتحدَّث عن زوجة المُخاطَبين، فهو قال ألا أن يأتين بفاحشةٍ مُبيِّنة، فإن فعلنا ذلك فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مُبرِّح، هل يقصد الزنا إذن؟ حاشا لرسول الله أن يُعلِّمنا الدياثة، هذا يكون تعليماً للدياثة، كأنه يقول
ليكن الأبعد ديوثاً، يرى زوجته تأتي بفاحشة مُبيِّنة بمعنى الزنا ويقول له اضربها ضرباً غير مُبرِّح، كأن يضربها على يدها ويقول لها عيب عليكِ، يا سلام، هذا مستحيل طبعاً، ما هذا؟ لكن الفاحشة المُبيِّنة هى النشوز والعصيان وقلة الأدب وطول اللسان، هذه هى الفاحشة المُبيِّنة، وهذه فيها هجر في المضاجع وفيها ضرب غير مُبرِّح، قال الله فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ۩، يا سلام، كتاب الله عجب.

إذن هذا معنى الفاحشة، أرجع معكم مرة ثانية الآن وأقول ما الفرق بين الفاحشة والفحشاء في كتاب الله؟ وهذا بفضل الله عز وجل طُولِعت به في لحظة هكذا ولله الفضل والمنة وأسأل الله أن يفتح علينا فتوح العارفين، فهذا حدث في لحظة بالأمس ولم أقرأه – والله – في كتاب، وهو شيئ عجيب وغريب، ما الفرق بين فاحشة وفحشاء؟ اقرأوا كل كتاب الله وعودوا إلى المُعجَم المُفهرَّس للقرآن الكريم، أنتم عندكم كمبيوتر Computer فابحثوا في القرآن الكريم، وسوف تجدوا أينما وردت كلمة فحشاء فهى الفحشاء النظرية، مثل شيئ تُفكِّر فيه وتتصوره كيف يكون، فهذه هى الفحشاء، لذلك الشيطان يأمر بماذا؟ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء ۩، والصلاة تنهى عن ماذا؟ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ ۩، الشيئ الذي لم تُلابِسه ولم تقع فيه ولم تتورط فيه إسمه فحشاء، لكن إذا وقعت فيه فهى الفاحشة، ولا ترد كلمة فاحشة إلا في حق مَن وقع فيها، لا إله إلا الله يا أخي، والله أقشعر بدني، ما الفرق إذن؟ في كلمة فحشاء أين يُوجَد المد؟ في آخر الكلمة، فنقول فحشااااء، كأن الذي يتصوَّر الفحشاء أو يسمع عنها ويُآمر نفسه ويقول أفعل أو لا أفعل وأقدِم عليها أو أُحجِم يظن ويتوهم أن عاقبتها ومُعاناتها ستكون بعد زمان طويل، ويقول هذا المسكين المُغفَّل أن من المُمكِن أن تكون في الآخرة فقط، لكن هذا غير صحيح، الله قال إن وقعت فيها تهورت لأول العهد بها مُباشَرةً وسوف ترى كم تُؤثِّر على صفاء روحك ونفسك وعلى أخلاقك وعلى شخصيتك، لكن تلك إسمها ماذا؟ فاحشة، فالألف قُدِّمَت مُباشَرةً، والكلمتان – فحشاء وفاحشة – كلتاهما خمسة أحرف، فحشاء خمسة أحرف، وفاحشة خمسة أحرف، فالفحشاء تتصوَّرها كتصور وتتخيَّل أنهم يقولون كذا وكذا وأن بعد ذلك سيحدث كذا، لكن الفاحشة تدل على أنك تقع مُباشَرةً كأنها بئر، ولذا لا ترد كلمة فحشاء إلا في الفحشاء المُتصوَّرة، ولا ترد كلمة فاحشة إلا في الفحشاء المُتهوى فيها، وقد جمع الله بين الكلمتين وأعطانا هذه الضابطة في آية واحدة من سورة الأعراف، قال الله وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۩، إذن قال الله وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ۩ ولم يقل إذا فعلوا فحشاء، ثم قال قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۩ ولم يقل بالفاحشة، لأنه طبعاً ينهى عن الفحشاء المُتصوَّرة، كأن يقول لا تقتل ولا تسرق ولا تزن مثلاً، فالنهى يكون عن المُتصوَّر طبعاً أما المفعول فهو شيئ ثانٍ، لذا قال قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۩ وهذا شيئ غريب.

بقيت الخاتمة وهى عن آي من أعجب ما يكون أيضاً، ماذا عن الفواحش؟ انتبهوا إلى أن الفواحش وردت في كتاب الله في أربعة مواضع فقط، قال الله وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ ۩، فهنا الله يقول وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ۩ بصيغة الجمع، فلم يقل ولا تقربوا الفحشاء وإنما قال وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ۩، فالله يعظنا الآن ويُريد أن يُزكينا، وقال أيضاً قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ ۩، فضلاً عن أنه قال في الشورى وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ۩، وآخر شيئ في النجم حيث قال الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ ۩، فلماذا قال الفواحش؟ لأن الله – تبارك وتعالى وجل وعز – يعلم أن المُؤمِن أو المُؤمِنة إذا سمع النهي بلفظ الفاحشة قد يترجَّح لديه أو يسبق إلى ظنه أنها خصوص الزنا فقط، كأنه يقول له لا تفعل الزنا لكن غير هذا يُعَد من الأمور الخفيفة، وهذا غير صحيح، فاحترازاً واحتراساً ماذا قال تعالى؟ قال الفواحش، ليُنبِّهك أن كل ما فَحُشَ من هاته الذنوب وخاصة المُتعلِّقة بالناحية الجنسية عليك أن تبتعد عنها، فهو يُحذِّرك من قربانها ولذلك قال الفواحش ولم يقل الفاحشة أوالفحشاء وإنما قال الفواحش كلها من زنا ومن سحاق ومن لواط ومن مس امرأة لا تحل لك وإلى آخره، فكل هذا ممنوع، كلها هذه فواحش، لكن بعضها أفحش من بعض بلا شك، وطبعاً عكس المُتبادَر للناس أيهما أفحش في كتاب الله: الزنا نفسه أم السدومية؟ الزنا والعياذ بالله، السدومية هذه قد تكون لسبب أو لآخر – أعوذ بالله منها لأنها أفحش القبائح بلا شك ونسأل الله أن يعصم أولادنا حتى وبناتنا أيضاً من الفاحشة الأخرى – أخف، لأنها لا تُوجِب اختلاط أنساب وإدخال أنساب في أنساب ويُمكِن أن يُنزَع عنها بطريقة أو بأخرى، هذه مسألة أخرى، ولكن الزنا فيه إدخال أنساب – والعياذ بالله – وتحطيم عائلات وأسر ويُحدِث دماراً كاملاً، وعلى كل حال ماذا قال القرآن؟ قال فَآذُوهُمَا ۩، وذلك عن السدوميين، قال الله وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ ۩، وطبعاً هناك أربعة أدلة – المقام للأسف لا يتسع وذهب الوقت – على أن المقصود بقوله وَاللاَّتِي ۩ المُساحِقات Lesbians وأن المقصود بقوله وَاللَّذَانِ ۩ السدوميين والعياذ بالله، وهنا قد يسألني أحدكم أين هذا؟ عُد إليها في تفسير الفخر الرازي، نقلها – رحمة الله عليه – عن أبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المُعتزلي ومال إليها، فالفخر الرازي مال إليها بشكل واضح ورجَّحها، قال هذه السحاقيات وتلك اللوطة والعياذ بالله، لكن رد عليه الجمهور بواحد واثنين وثلاثة وأربعة، فرد الفخر الرازي على الجمهور ورجَّح قول أبي مسلم لقوته وظهوره، وبعد ذلك قالوا له الأمة أجمعت قبل أبي مسلم على أن المقصود بها الزنا، فقال لهم غير صحيح، مُجاهِد قال بهذا، وهذا في تفسير الطبري، روى الإمام الطبري بسنده عن الإمام مُجاهِد – سيد مُفسِري التابعين وتلميذ ابن عباس – أنه قال أراد الله بقوله وَاللَّذَانَ ۩ الرجل والرجل، يقول الطبري نقلاً عن الراوي لا يكني، فهذا واضح، ليس المقصود الزنا وإنما السدومية، وهذا معنى أنه قال الرجل والرجل، لا يكني، وذلك في قول الله وَاللَّذَانَ ۩، فهذه واضحة وهناك أربعة أدلة رد بها أبو مسلم على ما يُمكِن أن يُورَد عليه لكن الموضوع طويل.
نعود مرة أُخرى، إذن لا يُوجَد نسخ، هذه آية مُحكَمة، ونحن قلنا لا يُوجَد نسخ في كتاب الله، هذه في السحاقيات، وهؤلاء هم اللوطة – والعياذ بالله – أو السدوميون، ونأتي بعد ذلك إلى موضوع النسخ لآيات النور، قالوت منسوخة بما ثبت في السُنة والنبي رجم فانتبهوا، في صحيح البخاري كتاب الحدود باب رجم المُحصَن عن الشيباني قال سألت عبد الله بن أبي أوفى – الشيباني يسأل الصحابي الجليل ابن أبي أوفى – هل رجم رسول الله؟ وهذا يعني أن المسألة كانت على بساط البحث والنقاش أيام التابعين، فيُقال يُوجَد رجم ولا يُوجَد رجم وهذه شريعة يهودية منسوخة وهذه ليست شريعة لنا والقرآن نسخها، أي كان عندهم مشاكل فانتبهوا، ولا تعتقدوا أن المسألة كانت واضحة وأنهم أطبقوا على إجماع، قال ابن أبي أوفى نعم، فقال الشيباني قبل سورة النور أو بعد؟ وفي رواية أو بعدها؟ فهو قال قبل سورة النور أو بعدُ؟ أي قبل سورة النور أو بعدُ سورة النور؟ فهذا مقطوع على الإضافة كما في النحو، وقال في في رواية – الكشميهني – أو بعدها؟ فخطير هذا الحديث وهو في صحيح البخاري، لكن ما معنى هذا؟ لماذا تسأل أنت؟ هذا ترتب عليه أمر خطير جداً جداً، شرحه ابن حجر شرحه في فتح الباري، قال الحافظ ابن حجر فائدة السؤال إن كان رسول الله رجم قبل نزول سورة النور فتكون آيات سورة النور نسخت عقوبة الرجم وانتهى الأمر، كان يرجم النبي على شريعة اليهود حتى جاء شرعنا المحمدي الرحماني – إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ۩ – الذي يضع الآصار والأغلال لكي يُخفِّف عنا ومن ثم لا يُوجَد حرج فيه لأنه شرع الرحمة، بالله عليكم انظروا إلى أن القاتل يُمكِن أن يُعفى عنه أو تُؤخَذ منه دية، وماذا عن المُرتَد؟ أيهما أفحش وألعن: الردة عن دين الله وهى كفر بجملة دين الله وتفاصيله أم الزنا؟ طبعاً الردة وهذا أمر معروف، لكن المُرتَد عند جماهير العلماء له توبة، ونقول له تب يا رجل، تب إلى الله يا كافر بمحمد ورب محمد ودين محمد، فإن تاب خُليَ وتُرِك، لكن الزاني المُحصَن أو الزانية المُحصَنة قالوا ليس لهما أي توبة، رجم بالحجارة إلى الموت، فكيف هذا؟ أنتم جعلتم للمُرتَد توبة – والله جعل له ذلك للمُرتَد والأدلة كثيرة على ذلك – وجعلتم للقاتل توبة ولم تجعلوا للزاني المُحصَن أو الزانية المُحصَنة، وعلى كل حال القاتل حفز الله وحث على أن نعفو عنه، وعلى الأقل نصطلح فنأخذ الدية، وليس هذا فحسب بل أن هناك توبة حتى في الحرابة أو السرقة الكُبرى كما يُقال، وهذه فيها قطع للطريق واعتداء على الأعراض والقتل وأخذ المال، وهذا شيئ مُخيف وفساد في الأرض، والله قال في آية الحرابة إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۩ ثم قال بعد ذلك إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩، وهؤلاء كانوا ماذا؟ كانوا مُحارِبين وعملوا أشياء فظيعة، لكن الله قال إذا تابوا قبل القدرة عليهم وقبل وقوعهم في قبضة القانون فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩، لماذا؟ هذا دين الرحمة، هذا الدين فلسفة العقوبة فيه نعم الردع والزجر ولكن الأهم من ذلك تهذيب واستصلاح الناس، من المُمكِن أن يكون – والعياذ بالله – قاطع طريق ومُجرِم وما إلى ذلك وبعدين يصلح ويصير من أحسن الناس، فالله قال هذا مُمكِن، ومن ثم قال فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩ وذلك قبل أن تقدروا عليه، لأن طبعاً إذا قدرت عليه سوف يقول لك أنا تائب، لكن لا يا حبيبي، هذا يحدث قبل ذلك، إذا أعلن توبته وترك كل شيئ – وفيها تفاصيل لا نُطوِّل الآن بذكرها أيضاً لأنها تختص بالدماء وأشياء أخرى – فينتهي الأمر، ومع ذلك قالوا إلا الزاني والزانية، الزاني والزانية عضو مُتسرطِّن فاسد لا سبيل لإصلاحه ولابد بتره، وهذا كلام فارغ، هذا كلام إنشائي ليس له أي واقعية، هل تعرفون لماذا؟ ألوف من الناس وخاصة في الغرب هنا – ونسأل الله الستر علينا – يقضون حياتهم في الزنا وفي المُسافَحة – والعياذ بالله – وبعد ذلك يتوبون وتحسن توبتهم ويصيرون بكّائين وقوّام ليل، فمُمكِن جداً أن الزاني ينصلح، فلماذا تقول عكس هذا يا حبيبي وتقول إلا القتل؟ هذا كلام إنشائي غير صحيح، أنتم جعلتم لهذا توبة ولهذا توبة ولهذا توبة ولهذا مجال ولهذا مسرح إلا الزاني، قلتم ليس له إلا الرجم بالحجارة، لكن هذا ليس شرع محمد، هذا شرع اليهود، هذا ليس شرع سورة النور، سورة النور واضحة وتقول الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۩، فالله قال مائة جلدة، سواء مُحصَن أو غير مُحصَن مائة جلدة، وهنا قد يستنكر أحدكم المائة جلدة وكأنها شيئاً بسيطاً، فإذا قلت لي هذا شيئ بسيط سوف أقول لك أنك لم تقرأ لم تقرأ كتاب الله أيضاً، هل تعرف لماذا؟ الله قال هذه العقوبة شديدة جداً، وهنا قد يسأل أحدكم هل معنى أنها شديدة أنها أشد من التصليب أو أشد من القتل؟ لا ليست أشد، هى ليست أشد من هذا كله، لكن هذا إسمه مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، فهى شديدة بالنسبة للجريمة، بالنسبة لجريمة الزنا المائة جلدة عقوبة شديدة جداً، وهنا قد يقول لي أحدكم من أين أتيت بهذا الكلام؟ وأنا أقول له اقرأ الآية، قال الله وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ۩، وهذا يعني أن من كثرة ما هى شديدة قد تنساق أنت وراء داعي الشفقة وتقول حرام أن يُجلَد الشخص مائة جلدة وسنُخفِّف عنه قليلاً كأن نجعلها سبعين أو ستين ونتركه، لكن الله رفض لأنه يحتاج إلى ردع وزجر أيضاً، وهذا معنى أن الله يقول وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ۩، فهل فهمتم الآية؟ كأن الله يقول هذه العقوبة وهى مائة جلدة على الزنا أقصى – Ultimate – ما يُمكِن وأقسى – من القسوة، فقَسا ليَزْدَجِروا – أيضاً المُتاح على هكذا جريمة، فمائة جلدة شيئ مُناسِب في الردع والزجر، وهو شديد وليس سهلاً، فلا تقل لي هذا سهل، لأن نحن اليوم عندنا – ما شاء الله – عقلية استئصالية، وعندنا أُناس يأكلون القلوب وأُناس يأكلون الأكباد ويقولون هذا دين والله أكبر، ما هذا يا أخي؟ انتبه أين أنت؟ تلعب أين؟ إلى أين تذهب؟ دينك لابد أن يُحيلك إنساناً حقيقياً، لابد أن يكون عندك إنسانية ولطف ورقة وشفافية ورحمة، لا ينبغي أن تكون أشبه بوحش كاسر، فلا تفعل عكس هذا وتقول هذا هو الإسلام، أي إسلام يا رجل؟ نحن نُنشيء إسلاماً من عند أنفسنا ونظنه الإسلام الحقيقي، ونسمع مَن يقول هذه حدود الله، كيف هذا يا رجل؟

إذن يقول ابن حجر فائدة السؤال إن كان رسول الله رجم قبل نزول سورة النور فتكون آيات سورة النور نسخت عقوبة الرجم وانتهى الأمر، وذلك عن سؤال هل رجم رسول الله؟ الذي سأله الشيباني للصحابي الجليل ابن أبي أوفى، وقال ابن أبي أوفى نعم، فقال الشيباني قبل سورة النور أو بعد؟ وفي رواية أو بعدها؟ وهذا في البخاري، فإذا كان رجم قبل النور تكون النور نسخت الرجم وانتهى الأمر ولم يعد في شريعتنا أي رجم، لأن النبي هنا رجم ولكن قبل النور، أما إذا كان رجم بعد النور أيضاً فيكون رجمه نسخاً لآيات النور، هذا نوع من النسخ لأن الله يقول الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۩ وجاء النبي وقال لا، هذا فقط في حق الزانية والزاني الأبكار أما المُحصَنون فنرجمهم على شريعة التوراة، فهذا نوع من النسخ، لكن ماذا قال ابن حجر؟ قال هذا ليس نسخاً وإنما هو تخصيص، لكن الآن سأُدلي بدلو جديد وأُجيب – إن شاء الله – عن هذه الشُبهة، وأسأل الله أن يُقرِّب هذه المعلومات لي ولكم لكي نعرف ما الفرق بين هذا وهذا لأن المسألة إشكالية، وسيثبت لكم الآن بالبرهان أن المسألة إشكالية، فعلى الطريقة المذهبية هى إشكالية وسوف نرى هذا.
أولاً ما هو التخصيص؟ التخصيص فيه طريقتان مشهورتان، طريقة الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة وطريقة الأحناف، طريقة الجمهور أن التخصيص هو قصر اللفظ العام على بعض أفراده بعامل أو بدليل يُسمى المُخصِّص، وهذا المُخصِّص قد يكون مُستقِلاً وقد يكون غير مستقل، وبالأمثلة تضح الأمور وكل منهما له أقسام، لكي نفهم ونبسط المسائل الأصولية نقول ما معنى المُستقِل أو مُخصِّص مُستقِل؟ المُستقِل يعني أنه يأتي ومعناه مُتكامِل تام، فهو له معنى مُتكامِل، غير الآية التي
يأتي ليُخصِّصها، لكن هو ذو معنى كامل، وهذا المُستقِل في معناه وفي دلالته قد يكون كلاماً وقد يكون غير كلام، وإن كان كلاماً قد يكون مُتصِلاً بالعام الذي دخل عليه ليُخصِّصه وقد يكون مُنفصِلاً عنه، أي في موضعين، مثل آية هنا وآية بعديها بخمسين آية أو في سورة أخرى أيضاً أو في حديث ربما، هذا يُسمونه المُخصِّص المُستقِل المُنفصِل، وإن كان في نفس الآية وفي نفس السياق يُسمونهه المُخصِّص – طبعاً هو كلام ونص ونقل، أي مُخصَّص نقلي – المُستقِل المُتصِل ويُسمونه الأحناف المُقارِن،مثل قال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۩، واضح من هذه الآية أنه فرض على كل مُكلَّف إذا حضر شهر رمضان أن يصوم رمضان، قال في نفس الآية مُباشَرةً وفي نفس السياق وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ ۩، الآن العموم في الأول فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۩ قَلَّ أم لم يقل؟ قلَّ لأنه أخرج بعض الأفراد من المرضى والمُسافِرين، فهذا إسمه تخصيص، مُستقِل أم غير مُستقِل؟ مُستقِل، لأن قول الله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ۩ هو كلام تام واضح وقول الله وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ ۩ هو كلام مُستقِل بمعناه، فلو حذفناه وقرأناه وحده سوف نفهمه، والكلام الاول أيضاً مفهوم بغيره، فهذا إسمه مُستقِل في المعنى، هل هو متصل أو مُنفصِل؟ مُتصِل، لأنه مُتصِل بالكلام، وهذا إسمه التخصيص عند الجمهور.
عندنا مُخصِّص مُستقِل في المعنى لكنه مُنفصِل وهو نص أو كلام، مثل ماذا؟ يُمكِن أن نأتي بمثال من سورة الطلاق أو غيرها لكننا سنأتي بمثال من سورة النور وقد قرأنا منها اليوم، ماذا قال الله؟ قال وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ۩ هذه عامة في حق مَن؟ عامة في كل قاذف، أي أحد يقذف مُحصَن أو مُحصَنة وليس معه ثلاثة من الشهود تتواطأ شهاداتهم إلى آخر الكلام، ما عقوبته؟ ثمانون جلدة، فهذا عام في كل قاذف، هنا قد يسألني أحدكم هل لو قذف أحدهم زوجته وليس عنده ثلاثة شهود معه لكي يكون هو الرابع يُجلَد ثمانين جلدة؟ لا، لأن بعدها جاء التخصيص في الآيات التالية، قال الله وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ۩ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ۩، فنحن عندنا حكم اللعان والمُلاعَنة والأيمان، إذن هنا خصَّصنا أم لم نُخصِّص؟ خصَّصنا، لكن الآياتان مُنفصِلتان عن الأولى، وإن كانت هذه الآيات في نفس السياق، عندنا – مثلاً – قول الله وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ۩، فكل مُطلَّقة عدتها ثلاثة قروء، لكن عندنا آية أخرى في سورة أخرى تقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۩،هنا قال تُوجَد مُطلَّقات ولا تُوجَد عدة من أصله، لماذا؟ ماذا قال الله في الأولى قال وَالْمُطَلَّقَاتُ ۩، وهذه تعم كل مُطلَّقة، وما العدة؟ ثلاثة قروء، لكن الله قال هنا تُوجَد مُطلَّقات ولا تُوجَد عدة، إذن هذا تخصيص أم ليس تخصيصاً؟ تخصيص، هل هو بمُستقِل أم غير مُستقِل؟ بمُستقِل، الكلام وهو وحده له معنى، هل هو مُنفصِل أم مُتصِل؟ مُنفصِل لأنه في سورة ثانية، في سورة الطلاق قال تعالى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ۩، إذن عندنا عدد أُخرى الآن، فهل وقع التخصيص؟ أيضاً وقع التخصيص لثلاثة قروء، فنحن صار عندنا نوع من التخصيص بمُستقِل مُنفصِل.

عندنا مُستقِل لكن ليس بالكلام والنقل – كآية وآية أو حديث وآية وإلى آخره – وإنما بالعقل، فالعقل يُخصِّص مُباشَرةً، حين تسمع قول الله تبارك وتعالى اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۩ تعلم أنه لم يخلق نفسه، إذن العقل خصَّص هذا، لا تقل لي الله شيئ وبما أن الله خالق كل شيئ فالله خالق نفسه، وإلا سوف ندخل في التناقض Contradiction، وهنا قد يقول أحدكم من أين أتيتم بأن الله شيئ؟ الله هو الذي قال هذا، قال الله في سورة الأنعام قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ۩،لذلك الراجح في علم الكلام وعلم العقيدة أن الله يُقال له شيئ، لأن الآية تقول قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ۩، فالله يُسمى شيئاً لكن لا كالأشياء وهو خالق الأشياء، فإذا سمعته يقول اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۩ تعلم أنه لم يخلق نفسه، كيف خصَّصتم الآية وهو يقول كُلِّ شَيْءٍ ۩؟بالعقل، هل يدخل فيها الله نفسه؟ لا لأن لا يُمكِن أن يكون خالقاً مخلوقاً، هذا يُوجِب التناقض، والتناقض – Contradiction – مرفوع، لكن هذا تخصيص بالعقل.

عندنا أيضاً تخصيص بالعرف لكن لن أتكلَّم عنه لأنه قصة طويلة تتعلَّق بالعرف القولي والعرف العملي والاختلاف بين الشافعية والأحناف وما إلى ذلك، فهذا المُخصِّص عند الجمهور، لكن هذا كله تخصيص بالمُستقِل، يُوجَد عندنا تخصيص بغير المُستقِل، ما معنى تخصيص بغير المُستقِل؟ الذي ليس له معنىً بذاته، بحيث إذا أبنته – أي نحيته أو فصلته – عن الكلام وعن السياق لا يغدو له أي معنى، لو سمعت أحدهم يقول حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ ۩لن تفهم المعنى، ما معنى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ ۩؟

لم نفهم شيئاً من هذا، حين يقول أحدهم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ ۩أيضاً لن نفهم شيئاً بصراحة، عن ماذا تتحدَّث؟ ماذا تدوي كما يقولون في ليبيا؟ هذا إسمه التخصيص بالمُخصِّص غير المُستقِل وهو أنواع، الشوكاني في إرشاد الفحول ذكر اثني عشر نوعاً على ما أذكر لأن الكتاب لم أُطالِعه من سنوات، وعلى كل حال ذكر على ما أذكر اثني عشر نوعاً، لكن أشهرها – كما نقول دائماً – مفهوم الشرط ومفهوم الاستثناء، أي مُخصِّص الشرط ومُخصِّص الاستثناء أو التخصيص بالاستثناء، والتخصيص بالغاية وغير هذا، هناك أشياء أخرى كثيرة، فإذا قال الله تبارك وتعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۩ ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن ما بعد الغاية يأخذ عكس حكم ما قبل الغاية، أي يأخذ خلاف حكم ما قبل الغاية،ما الغاية إذن؟ تبين الخيط الأبيض، أي دخول الفجر الصادق، هذه هى الغاية، فما حكم الذي قبلها؟ إباحة الأكل، فتقدر أن تأكل وتشرب وأن تأتي أهلك في ليل رمضان، لكن ما حكم ما بعدها؟ المنع، ممنوع إتيان الأهل وممنوع الأكل والشرب إلى أن تغرب الشمس، هذا معنى الغاية، الله يقول وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ۩في آية الوضوء، فلابد أن تغسل يديك بهذه الطريقة، قال الله وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ۩، فهذه غاية لأن الله يقول إِلَى ۩،فما بعد الغاية – ما بعد المرفق – غير واجب غسله، واجب الغسل إِلَى الْمَرَافِقِ ۩، فدائماً ما بعد الغاية يأخذ خلاف حكم ما قبل الغاية، وهناك أيضاً الشرط، الله يقول إذا أردت أن تنكح أمة وتتزوجها زواجاً وليس أن تتسرى بها يُوجَد شرط وهو أن تكون ماذا؟ مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ ۩، إذا لم تكن مُؤمِنة ممنوع تنكحها، مُمكِن تتسرى بها حين تكون مسيحية أو يهودية أو أي شيئ، لكن لكي تتزوجها زواجاً شرعياً وبمهر مع أنها مملوكة لأهلها لابد أن تكون مُؤمِنة، والاستثناء كثير جداً جداً جداً، قال الله وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ ۩،فهذه كلها مُخصَّصات غير مُستقِلة ليس لها معنى بذاتها، لكن أين يظهر معناها ودلالتها؟ بنظم الكلام، يجب أن يُؤخَذ الكلام كله لكي تفهم، وهذا رأي مَن؟ رأي الجمهور، لذلك دائرة التخصيص عند الجمهور وسيعة جداً، إخواننا الحنفية عندهم دائرة التخصيص ضيقة، ماذا قالوا؟ قالوا التخصيص لا يكون إلا بدليلٍ مُستقِل – أي له معنى تام في ذاته كما قلنا – مُتصِل إن كان كلاماً، فإذا كان آية أو حديثاً لابد يكون مُتصِلاً، وطبعاً واضح أن الحديث لا يكون مُتصِلاً في معظم الحالات على الإطلاق، لكن الآية مُمكِن تكون مُتصِلة وُممكِن تكون مُنفصِلة كما رأينا في كتاب الله، فهم قالوا لابد أن يكون بدليل مُستقِل إذا كان كلاماً وأن يكون مُتصِلاً، أي مُقارِناً، فإن كان بدليل مُتسقِل لكنه مُنفصِل قالوا فهو النسخ، وإن كان التخصيص – الذي نُسميه التخصيص – بدليل غير مُستقِل مثل الشرط والاستثناء والغاية وبدل البعض وإلى آخره – في الأنعام زكاة في سائمتها، هذا إسمه بدل البعض، أي في سائمة الأنعام وليس في كل الأنعام، فهذا بدل البعض – فهذا لا يُسمى تخصيصاً ولا نسخاً وإنما إسمه القصر، فصار عندنا النسخ وصار عندنا القصر، نأتي الآن إلى الموضوع من ناحية أصولية، يُوجَد عندنا قاعدة مُهِمة عند الأحناف وهى أن القرآن – كما قلت – لا تنسخه السُنة الآحادية وإنما تنسخه السُنة المُتواتِرة، لذلك انتبهوا الآن، فنحن لدينا آية سورة النور التي تقول الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۩ ولدينا أحاديث جاءت تُخصِّص هذه الآية على رأي الجمهور، فهل هذا تخصيص أم نسخ على رأي الحنفية؟ طبعاً هذا نسخ لأنه مُنفصِل، نعم نقل ونعم مُستقِل في المعنى لكنه غير مُقارِن وغير مُتصِل وإنما مُنفصِل، فهو نسخ إذن، هذا يُعتبَرعلى طريقة الأحناف نسخاً، والنسخ عند الأحناف لا يكون إلا بالمُتواتِر، وهنا قد يقول لي أحدكم هذا مُمتاز لكن هل معنى كلامك يا عدنان أن الأحناف يُنكِرون حد الرجم؟ لا للأسف، هم لا يُنكرِونه، لماذا؟ لأنهم اعتقدوا أن أحاديث الرجم مُتواتِرة، وهذا غير صحيح، هى غير مُتواتِرة، هكذا يُصبِح نقاش المسألة أصولياً، إذا أثبتنا أنها غير مُتواتِرة ينبغي أن يُنكِروا هذا، بل كثير منها أحاديث مُتناقِضة وفيها مشاكل لا يعلمها إلا الله، وكلها غريبة عجيبة وخاصة آية والشيخ والشيخة وهذا الكلام الفارغ والعبث بكتاب الله، لكن للأسف هم انساقوا مع الجمهور، وهناك مَن أنكر الرجم من الخوارج – الخوارج عموماً أنكروا الرجم – وقالوا لا يُوجَد رجم أبداً، هذا غير ثابت وهذا تكذيب لكلام الله أيضاً، وكذلك بعض المُعتزِلة أو كثير من المُعتزِلة فيما حكى ابن عبد البر والحافظ بن حجر وغيرهما، إذن الخوارج كلهم وبعض أو كثير من المُعتزِلة أنكروا هذا، ونحن نحتاج إلى أن نرى أدلة الآن، إذن هنا لدينا أصولياً إشكالية حقيقية في المسألة، وغير واضح عندنا أن النبي فعلاً رجم قبل أو بعد، والأرجح أن يكون رجم قبل وليس بعد، قد يقول لي أحدكم لماذا؟ هل هذه شهوة عندك؟ هل تقول هذا لكي تُرضي الغرب؟ لا يا أخي، غرب ماذا؟ وشرق ماذا؟ هذا ديني وليس لعباً، فأنت عندك دائماً أكليشيهات سخيفة جداً جداً جداً ولذا تقول هو يعيش في الغرب ويقول هذا لكي يُرضى الغرب، غرب مَن يا حبيبي؟ لا علينا من هذا، نرجع ونقول لماذا نحن نُرجِّح أن النبي رجم قبل وجاء القرآن ونسخ الرجم؟بالقرآن نفسه، لدينا بعض الأدلة في كتاب الله على هذا، وأنا أقول لكم أن الآن كل مَن سيسمعنا سوف يقول سبحان الله العظيم كأني لأول مرة أقرأها، والله إنها لواضحة،ونأخذ منها دليلين أو ثلاثة، أولاً في سورة النساء قال الله تعالى وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ – ما معنى الإحصان هنا؟ الحرائر، بدليل المُقابَلة لأنه سوف يُقابِلها بالفتيات الإماء، فالمُراد الحرائر المُؤمِنات، لكنه لا يقدر على هذا لأنها امرأة حرة – فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم – هذه هى المُقابَلة كما عرفنا – مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۩، بالله عليكم انتبهوا الآن بعد استمعتم إلى هذه الآية، يقول الله الذي ليس عنده قدرة مادية أن يتزوج امرأة حرة مهرها غالٍ فإنه في هذه الحالة يُمكِن أن يتزوج – ليس أن يتسرى وإنما يتزوج – ويعقد عقداً على أمة مملوكة لسيد غيره، هى ليست أمته هو وإنما عند واحد ثانٍ، لكنه يذهب لكي يخطبها من سيدها، وهذه ليست حرة، وبعد ذلك الله قال شريطةً أن تكون مُؤمِنة، قال الله مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ ۩، بالله عليكم ماذا تفهمون من الإحصان هنا؟ الزواج، أحصنها الذي نكحها، لكن ما المُشكِلة؟ قال الله فَإِذَا أُحْصِنَّ ۩، وهنا قد يقول لي أحدكم لماذا لا يكون المقصود الإسلام وقد قال الشافعي أنه الإسلام؟ لكنني أقول له هذا الكلام غير صحيح، هل تعرف لماذا ليس هو الإسلام؟أولاً الإيمان مذكور أصلاً، وهو قال لك من الأصل ممنوع أن تأخذها إلا أن تكون مُؤمِنة، لكنك قد تقول لي كيف أعرف الإيمان؟ الله قال وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ ۩، فهذا يكون فيما يظهر لك، قال تعالى في الممتحنة فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ ۩، كيف أعلم؟ بحسب القرائن والادلة الظاهرة هذا يُورِث أحياناً علماً ترجيحياً، وهذا يُسمونه علم تقريبي في علم الاستقراء Induction، وهذه قصة طويلة، وعلى كل حال نرجع إلى ما كنا فيه، الله قال فَإِذَآ أُحْصِنَّ ۩، بماذا؟ بالزواج، أي تزوجت الامة المُؤمِنة فأحصنتها بالزواج، فلا تقل لي أحصنتها لأنها أسلمت، كيف يكون المُراد أنها أسلمت؟ هى من الأصل لابد أن تكون مُؤمِنة، ممنوع أن تتزوجها إلا أن تكون مُؤمِنة من الأصل، ثانياً قول الله فَإِذَآ أُحْصِنَّ ۩ رُتِّبَ على ماذا؟ رُتِّبَ على فَانكِحُوهُنَّ ۩، أنت نكحتها فحصل لها التحصين، أي أنها أُحصِنت، وهذا كلام منطقي، فلا تقل لي قال الشافعي في الأم، لا تقل قال مَن أحفظ عنهم مِن أهل العلم إحصانها إسلامها، لكنهم أتوا لك بأحاديث عن رسول الله وعن عليّ وعن فلان وعن علان، وهذا كله كلام فارغ، هذا يُمزِّق الآية – والله العظيم – ويُخرِجها عن سياقها ولا يجعل لها معنى لكي يضربوا أقوى دليل على أنه لا رجم في الإسلام، وسوف ترون لماذا، هذا من أقوى الأدلة وهو واضح جداً، ومع ذلك يُقال إحصانها إسلامها، أين هذا يا حبيبي؟أي إسلام هذا؟ الإحصان هنا يحدث بالزواج، بدليل أنك أنت لو أخذت امرأة – لكن هنا الكلام سوف يكون مُتناقِضاً لأن الله قال لابد أن تأخذها مُؤمِنة – من المُمكِن أن تُسلِم ومن المُمكِن ألا تُسلِم، فإذا كان الإحصان هو الإسلام لعبَّر بقوله فإن أحصن، لأن (إن) تدل على التشكيك، هن يُوجَد شك لأن من المُمكِن أن تُسلِم ومن المُمكِن ألا تُسلِم، لكن الله لم يقل فإن وإنما قال فَإِذَا أُحْصِنَّ ۩، فالإحصان حاصل حاصل بنسبة مائة في المائة، وهذا لا يكون في الدين والاعتقاد، هو ليس شرطاً فبعضهن تُسلِم وبعضن لا تُسلِم وتبقى كافرة، لكن إذا دخل بها زوجها وتزوجها قطعاً حصل لها الإحصان، فهذا معنى الإحصان ولا يُوجَد أي معنى آخر حتى وإن قاله إمامي وشيخي الشافعي، الحق أحق أن يُتبَع، هذا كتاب الله.

قال الله فَإِذَا أُحْصِنَّ ۩،وبعد ذلك اتزوجت الآن هذه الأمة، فقال فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ ۩، فانظروا إلى دقة القرآن، هنا قال فَإِذَا أُحْصِنَّ ۩ لأن الإحصان حاصل حاصل بالزواج، ولذا لا تقل لي إن طلعت الشمس سوف آتيك، وإنما قل إذا طلعت الشمس سوف آتيك لأنها سوف تطلع لا محالة، إن قلت إن سوف تكون اخطأت فانتبه، وهناك قال فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ ۩،ولم يقل فإذا، لأن ليس شرطاً أن تأتي بالفاحشة، لو قال فإذا سوف يُصبِح الكلام غير واقعي بالمرة، هذا غير صحيح على الإطلاق، لأنه سوف يعني أن كل أمة يتزوجها شخص حر لابد أن تزني، فالله لم يقل فإذا وإنما قال فَإِنْ ۩،فانظروا إلى دقة القرآن، قال الله فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ ۩،والآن واضح أن هذه فاحشة وليست فاحشة مُبيِّنة، الفاحشة مُبيِّنة مثل آية العَضل ومثل آية يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۩،ما معنى الفاحشة المُبيِّنة هنا؟ أن تُطوِّل لسانها على الرسول وتبذأ عليه وتفحش عليه وتعصيه، حاشا لله أن يتكلَّم في حق الأزواج المُطهرات أمهات المُؤمِنين ويقول الزنا، حاشاهن وكلا، لكن الفاحشة المُبيِّنة معناها البذاء، قال الله في سورة الطلاق لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ ۩، قيل الفاحشة المُبيِّنة هى الفحش في الكلام وليس الزنا، ما علاقة هذا بهذا؟ وقيل خروجهن من البيت هو الفاحشة المُبيِّنة، أي حين تخرج من غير تكون هذه فاحشة مُبيِّنة، كأن يقول قائل لا تلعن أمك إلا وأنت عاق وكأن تقول لا تسب نبيك إلا وأنت كافر، أي إلا أن تكون عاقاً وإلا أن تكون كافراً، وهذا معنى وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ ۩ وهى الخروج، قال الألوسي وهو بديعٌ جداً، أي أنه تفسير من أحلى ما يكون، فالقرآن يحتاج إلى العلم واللغة وفهم الأساليب.

نعود إلى الآية، قال الله فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ ۩،هذه الأمة مُحصَنة الآن وأتت بفاحشة، ونحن نعرف أن في الشرع الإسلامي في موضوع العبيد والإماء كل شيئ على النصف، وهذه أمة وليست حُرة، والعقوبات على النصف، مثل أن يملك أحدهم طلقتين فقط وما إلى ذلك، فكله على النصف، ماذا قال سيدنا عمر؟ قال لوددت أني نصَّفت الصلاة فجعلت ركعةً ونصفاً، لأنه هذا عبد وكل شيئ على النصف، الله قال هذه أمة أُحصِنت بالزواج لكنها أتت بالفاحشة – بالزنا – فما عقابها؟ قال فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ – ماذا يكون معنى المُحصَنات هنا؟ المذكور في أول الآية حين قال الله وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ، أي الحرائر – مِنَ الْعَذَابِ ۚ۩، فالمُحصَنات الحرائر المُزوَجات، وهذا عذاب وليس موتاً وليس رجماً وإنما هو عذاب، قال الله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۩، وخذ هذه الصاعقة التي سوف نختم بها – للأسف الوقت ضيق – الآن، عندنا آيات المُتلاعِنِين أو المُتلاعِنَين – الزوجين – في اللعان، واللعان يكون بين زوج وزوجة، زوجة مُحصَنة بالحرية ومُحصَنة بالدخول بها، أي بزوجها، هل قال الله ويدرؤا عنها الرجم؟ لم يقل هذا، هل قال الله ويدرؤا عنها الرجم؟ لم يقل هذا، هذا غلط وكذب، الله لم يقل هذا وإنما قال وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ۩، لا إله إلا الله، هذه امرأة مُزوَّجة وحرة وزوجها يحلف بالله خمسة أيمان أنه رأى هذه البعيدة تفعل الفاحشة، فلو ثبت عليها هذا ماذا قال الله؟ قال الله عليها عذاب، لكن أي عذاب يا رب العالمين؟ هل هو الموت؟ لا يا حبيبي، ليس الموت، فالموت شيئ والعذاب شيئ آخر، قال تعالى لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ۚ ۩، فالموت شيئ مُختلِف عن العذاب، ولا يُقال الموت عذاب، هذا كلام فارغ، وهنا قد يقول لي أحدكم قال الله يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۩ وأنا أقول له هما مُتمايزان، فالتذبيح والاستحياء شيئ والعذاب شيئ آخر، العذاب لمَن؟ العذاب لمَن يُفعَل بأهله وقومه هذا، فهذا هو العذاب، حين ترى أهلك يُفعَل بهم هذا يكون هذا هو العذاب، لا أن الموت يُسمى عذاباً، فالموت لا يُسمى عذاباً أبداً، الموت يُقابِل العذاب، فهما مُختلِفان، وتُوجَد في كتاب الله عشرات المواضع التي تُؤكِّد هذا على كل حال، لأن هناك مَن يتفلسف وهو لا يفهم شيئاً ويأتي بآيات وهو لم يفهم ولم يُحقِّق المسائل، ونرجع إلى ما كنا فيه، قال الله وَيَدْرَؤُا عَنْهَا ۩، عن مَن؟ عن امراة مُزوَّجة وزوجها حلف خمسة أيمان – خمس شهادات – أنه رآها تفعل الفاحشة، لكن ماذا لو ثبت عليها ولم تحلف؟ الحد الشرعي، ما هو الحد؟ العذاب، قال الله وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ۩، لكن أي عذاب يا الله؟ الألف واللام في العذاب للعهد، وأنا أقول لكم هذا العهد به قريبٌ جداً، قال تعالى وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۩ وهو المائة جلدة، فثبت بهذا أن عذاب أيضاً المُزوَّجة إذا ثبتت عليها الفاحشة بنص كتاب الله هو ما قلنا، فلا تقولوا لنا جاءت السُنة ونسخت هذا وتتحدَّثون عن الرجم، فيفرح بعد ذلك الذين دسوا هذه الدسيسة وائتفكوا هذه الأفيكة، ومن ثم يقولون لنا ليست شريعتكم بأرحم من شريعتنا، نحن بخصوص هذه المسألة في القسوة والشدة والغلظة سواء، لكن اللهم لا، واضح أن شريعتنا بفضل الله أرحم بكثير، شريعتنا نسخت الرجم وأبقت فقط على الجلد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

بقيَ الكثير لكن – إن شاء الله – لعلها تكون هناك فرصة أُخرى نُفصِّل فيها بعض ما فتح الله – تبارك وتعالى – به علينا، لكن قد يسأل سائل هل من فقهاء العصر مَن ذهب هذا المذهب وأنكر حد الرجم أو عقوبة الرجم؟ نعم، هناك ثلة لا يُستهان بها من كبار وعيون أذكياء فقهاء العصر بحمد الله تبارك وتعالى، فالمسألة ليست وقفاً على الخوارج وعلى بعض المُعتزِلة، من أشهر هؤلاء شيخ الأزهر العلّامة الإمام محمود شلتوت، فهو أنكر حد الرجم وأتى بكلام نعم ليس مُسهَباً ولكنه كلام دقيق وذكي في تفسيره للأجزاء العشرة الأولى من كتاب الله، والشيخ شلتوت قطعها بكلمة واحدة قال النفس لا يرفع حرمتها ولا يُبيح دمها إلا أسباب ثلاثة مذكورة في كتاب الله، وهى أولاً القصاص بمعنى النفس بالنفس وثانياً الإفساد في الأرض بمعنى الحرابة وثالثاً وأخيراً عدوان الكافر على المُؤمِن فهذا يُبيح قتاله لأن الله قال وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ۩، لكن غير هذا مما أتى في الأحاديث ومما أتى عند الفقهاء يتناقض مع مقاصد وروح الشريعة، القتل لابد فيه من التحوط حتى الغاية وحتى النهاية، هذا قتل إنسان فلا نأخذ به بأشياء غير قطعية كما قلنا لكم، شرعية العقوبة أن تكون قطعية الورود وقطعية الدلالة، فكيف يكون فيها مثل كل هذه الخلافات وهذه الإيرادات وتقول لي هذه قطعية؟ هذه ليست قطعية، وعلى كل حال أنكر الشيخ شلتوت – رحمة الله تعالى عليه – هذا، فقيه العصر الأول والأكبر الإمام محمد أبو زهرة أنكر الرجم، وحكيت لكم مرة في خُطبة سابقة قصته وكيف أعلن عن رأيه هذا قبل وفاته بفترة بسيطة – ربما أقل من سنة – في مُؤتمَر في ليبيا وكان على ما أعتقد في البيضاء، قال – رحمة الله عليه – أنا طويت أضلاعي على هذا الرأي عشرين سنة، فمن عشرين سنة وأنا مُقتنِع بعدم وجود الرجم وأن الرجم شريعة منسوخة توراتية، لكنني خشيت أن أموت وأن ألقى الله فيسألني لماذا كتمت علماً مما علمتك؟ ولذا لابد أن أقول، وأتى بثلاث أدلة فقط – رحمة الله عليه – والأدلة أكثر من هذا بكثير، ومنهم أيضاً علماء آخرون مثل الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ طه جابر فياض العلواني – الأصولي والفقيه العراقي المشهور – وشيخ العصر أيضاً مصطفى الزرقا أو الزرقاء رحمة الله تعالى عليه، فهؤلاء ثلاثتهم ذهبوا إلى أن الرجم تعزير وليس حداً، ولذلك يُمكِن أن نتنازل عنه ويُمكِن أن نستعيض عنه بتعزير آخر أدون وأهون منه بكثير ويُمكِن أن نتركه أصلاً لأنه تعزير وليس حداً، واستدلوا بدليل أختم به حيث قالوا بهذا لأن النبي قال في حديث عبادة خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والقرآن ليس فيه حتى في البكر التغريب، من أين أتى التغريب؟ فقد يكون النبي زاد هذا من باب التغليظ في العقوبة حتى تترسَّخ رهبة هذه الجريمة والفحشاء في نفوس الأمة المسلمة الناشئة، ويحق له ذلك من باب التعزير، ثم قال النبي والثيب بالثيب جلد مائة ورجمٌ بالحجر، وجلد مائة مذكور في كتاب الله وهذا هو الحد، فكأنه زاد عليه الرجم تغليظاً من باب التعزير، لكن الأحناف للأسف قالوا في الأولى لا يُجمَع بين حدين، فهذا تعزير وليس حداً، لكنهم لم يجرأوا أن يقولوا هذا في نظيرتها، النبي قال البكر بالبكر جلد وتغريب، وهم قالوا التغريب تعزير ومن ثم من المُمكِن أن نتنازل عنه، علماً بان عمر تنازل عن التغريب – النفي – أيضاً، لكنهم لم يقولوا في نظيرتها التي تقول والثيب بالثيب جلد مائة ورجمٌ بالحجارة أن هذا تعزير، سكتوا وكأنه حد،وهذا غير صحيح، الحد هو جلد مائة.
اللهم إنا نسألك أن تفتح علينا فتوح العارفين، علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً وفقهاً ورشداً، اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، اغفر لنا ولوالدينا وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (17/5/2013)

 

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: