إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۩ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ۩ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ۩ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ۩ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ۩ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً وهدىً ورشداً برحمتك يا أرحم الراحمين.

إخواني وأخواتي:

قال ابن سينا مرةً الفطانةُ البتراء أضرُ من الجهل، وهذا كما يُقال نصف طبيب هلاك الأبدان ونصف عالمٍ هلاك الأديان، ولعل في قوله – صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – لأن تغدو فتتعلَّم باباً من أبواب العلم خيرٌ لك من كذا وكذا، قال فتتعلَّم باباً ولم يقل فتتعلَّم مسألةً من مسائل العلم وإنما قال باباً يحصل لك بعلمه الوقوف على تصورٍ جامع بجماعِ مسائله وجريها على القاعدة حين تجري وما يحسن استثناءه من هذا الجري حين يحسن، وهذا لا يتأتى ولا يتهيأ إلا بالوقوف على الباب جُملةً وتفصيلاً، لا على مسألة من المسائل.

يُلاحَظ وقد رخصت الكلمةُ جداً في عصر التواصل العظيم وكثرة المنابر للقول والكلام أن أنفاراً من الناس – ونسأل الله أن يكونوا أنفاراً لا أكثر من هذا – يعوقون مسيرة التفقيه الحقيقي الذي يدعو إلى التراحم وإلى التآلف وإلى التمازج والتعارف وإلى التيسير والتسامح والتغافر، يعوقون هذه المسيرة، لا يُحِبونها ويُشوِّشون عليها، فإذا ذهبت تضرب نماذج وأمثالاً – أي أمثلةً – ليسر الدين وسماحة الشرع من عملِ خير هذه الأمة بعد نبيها – أعني أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين – جابهوك وشغبوا في وجهك وجعجعوا بالقول لا اجتهاد مع النص، لا اجتهاد في مورد النص، كيف يسوغ لعمر وغير عمر أن يجتهد والنص واضح؟ وهذا الكلام الذي يشغبون به ويُجلِبون إنما يروجُ ويسوغُ على أمثالهم من العامة، لأن هذا قول العامة، هذا فهم العوام الذين لا اختصاص لهم بدرك المعاني الشرعية ولا بفهم القواعد، أي قواعد الفهم والاستنباط، فالعامي لا يعرف هذا، والمُختَص في فن عاميٌ في غيره أياً بلغت مرتبته في الاختصاص، فمُؤرِّخ عظيم لا يدري ما الشرعية ولا ما قواعد تفسير النصوص واستثمار الأحكام من مظانها ومواردها هو عاميٌ هنا، مع أنه مُؤرِّخٌ عظيم أو فيلسوفٌ كبير أو مُهندِسٌ بارع أو طبيبٌ حاذق أو شاعرٌ أو أديبٌ مُفلِق مُبين – لا بأس – لكنه عاميٌ هنا، ليس هذا عشك فادرج كما يُقال، ليس هذا مجال اختصاصك، لم تتكلَّم فيما لا تُحسِن؟ حتى الذين يُعنَون بما يُعرَف الآن بالثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي ينطبق عليهم هذا، يُقال لك هذا مُثقَّف مسلم ومُفكِّر إسلامي، لكنه مُفكِّر لا يقرأ كتاب الله على وجه، مُفكِّر لا يُحسِن يُعرِب آية من كتاب الله، مُفكِّر إسلامي كبير لا يدري شيئاً من الأصول – أصول الفقه – إلا ما يدريه أيضاً العوام من أمثاله، كلمات هكذا عن الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمُطلَق والمُقيَّد يدريها العوام من أشباهه، لكن هذا لا يجوز، فنسأل الله – تبارك وتعالى – كما كانت دعوة رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – أن يرحمنا بألا نتكلَّف ما لا يعنينا، رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، فكم ذا رأينا ونرى ولا نزال نرى مَن يشغبون بهذه الجُملة التي ما لهم بها من علمٍ إلا ما كان أوهام العوام وتظنياتهم وهى لا اجتهاد مع النص، هل تفهم ما هو النص؟ وقد رأينا مُفكِّرين عرباً كباراً وأساتيذ مُبرِّزين في الجامعات على هذا النحو، لا نُحِب أن نُسيء إلى أحدٍ بذكر إسمه، هم ليسوا من أهل الاختصاص في علوم الشرع ولكنهم مُفكِّرون إسلاميون ويُدرِّسون دراسات إسلامية، أي أن الواحد منهم أستاذ للدراسات الإسلامية، وهذا فرعٌ مُستحدَّث – أي الدراسات الإسلامية – طبعاً، ما معنى دراسات إسلامية؟ ثقافة إسلامية، هذه ثقافة أيضاً يكتب فيها الصحفي أو يكتب فيها مُقدِّم برامج في التلفزيون Television، هذه ثقافة إسلامية، ليست علماً على أصوله، ليست علماً من مصادره وفي معايهه وبسُننه أو على سُننه أبداً، أستاذ بروفيسور Professor للدراسات الإسلامية لم يُكلِّف نفسه – كما نقول بالعامية لم يُكلِّف خاطره – أن يعود إلى كتاب من كتب الأصول المُوسَّعة ليفهم ما معنى هذه الجُملة وما معنى هذه القاعدة التي تقول لا اجتهاد في مورد النص ولا اجتهاد مع النص حتى لا يتهم أكابر هذه الأمة أصحاب رسول الله – رضوان الله عليهم وصلى الله على رسوله وآله وسلم تسليماً كثيراً – بأنهم تسوَّروا على حمى النص وقدَّموا بين يدي الله ورسوله وشطبوا الأحكام وأعملوا العقل مُقابِل النص إبطالاً للنص وإهداراً له، هذه إحدى الكُبر، أن يُتهَم الصحابة بهذا فإن هذه إحدى الكُبر، يُمكِن أن تقول اجتهاد صاحبٌ فأخطأ لأنه ليس معصوماً، نعم اجتهد فأخطأ، أما إنه يعود بالنقد والتهديم والإبطال على الأحكام القطعية النصية المنصوصة في كتاب الله وسُنة رسوله – أي مثابة منها – فهذا مُستحيل، مُستحيل أن يفعل هذا عالمٌ تقي فضلاً عن أن يكون صاحباً جليلاً كعمر وأبي بكر وعثمان وعليّ الأربعة وغير هؤلاء، هذا من المًستحيل، هو من أظهر المُحالات، أما أنه يجتهد فيُخطيئ فنعم هذا سبيل الاجتهاد ، يُصيب مرات ويُخطيء مرة، هذا مُمكِن بل ويُخطيء مرات أيضاً فلا بأس، ولذلك نُحِب أن نضع النقاط على الحروف، هذه الخُطبة فيها شيئ من التخصص فاحتملونا لأجل ربما الغرض الذي بعث عليها وعلى إنشائها، فقط نُحِب أن يفهم هؤلاء وأمثالهم – إن صدقت نواياهم – أن المسألة ليست كما تصوَّروها، ما هكذا تُورَد يا سعدُ الإبل.

أول ما نبدأ به أن كلمة النص في اصطلاح العلماء وأهل الاختصاص – أعني الفقهاء وعلماء أصول الفقه – تُطلَق بإزاء معنين، حين نقول نص والنصوص الشرعية وتضافرت نصوص الشرع على كذا وكذا وقضت نصوص الشارع بكذا وكذا وإلى آخره فإن كلمة نص تُطلَق بإزاء معنين، المعنى الأول كل ما دل على الأحكام من الكتاب والسُنة، كل آية من كتاب الله دلت على حكم من الأحكام وكل حديث ثابت عن رسول الله مقبول صحيح أو حسن – لأنه لا يُقبَل في الفقه إلا المقبول صحيح أو حسن – دل على حكم من الأحكام يُسمَّى نصاً، وهذا الذي تفهمه العوام، يقولون لك نص، ما معنى نص؟ أي قال الله وقال الرسول، هذا الاصطلاح موجود ويستخدمه الفقهاء بالذات، قالوا قال الله وقال رسول الله، فهذا نص يدل على الأحكام أياً كانت دِلالته أو دَلالته، علماً بأن الدلالة مُثلَّثة فيُقال دِلالة أو دَلالة أو دُلالة على كل حال، ولكن دُلالة سيئ، فهذا لفظٌ مُثلَّث هذا كما يُقال، إذن أياً كانت دِلالته أو دَلالته، ما معنى أياً كانت دَلالته؟هناك مرات للدلالة، النص قد يدل على المعنى بطريقة قطعية، فهذا يُسمَّى عند الجمهور الآن – وهذا اصطلاح أصولي – النص، إذن النص يُطلَق بمعنى الدليل، والنص يُطلَق بمعنى رُتبة خاصة من رُتب الدلالة، إذن لدينا النصوص بالمعنى الأول، مثل قال الله وقال الرسول والآيات والأحكام وأحاديث الأحكام كلها نصوص بالمعنى الفقهي العام الذي تفهمه العامة والدارسون للدراسات الإسلامية والمُفكِّرون الإسلاميون يفهمون هذا، يقولون لك نص – Text – أو متن، هذا هو النص لكن دلالته تختلف، فقد يدل بطريق الظاهر وقد يدل بطريق التأويل وقد يدل بطريق النص وهذه طريقة الجمهور، هذه طريقة الحنابلة والشافعية والمالكية، أقوى مراتب الدلالة النص ويتلوها الظاهر، ما معنى الظاهر عند الجمهور؟ الظاهر هو الذي يدل بنفسه على معنى راجح ولكنه لا يمنع احتمال المرجوح، موجود المعنى المرجوح، مثلاً إذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – واعذروني فأنا لا أُحِب أن أضرب الأمثلة لأنه سيُصبِح درساً في أصول الفقه وسيُصبِح صعباً، ولكن هذا فقط للتوضيح، وأنا سأكف عن ضرب الأمثلة في هذه الخصوص لأن هذه ستُصبِح كما قلت مُحاضَرة في الأصول لا تُناسِب خُطبة جمعية – توضئوا من لحوم الإبل فهذا ظاهر ليس نصاً، انبتهوا إلى أن هذا لا يدل على معنى واحد بغير احتمال آخر، وإنما يدل على معنى راجح، وهو الوضوء الشرعي الذي هو شرطُ الصلاة والطواف، هذا هو إذن، لكن هذا راجح، وهناك معنى مرجوح وهو أن يدل على غسل اليدين فقط ويُسمَّى هذا وضوءاً، من السُنة الوضوء قبل الطعام وبعده، ما معنى الوضوء هنا؟ غسل اليدين، فإذن قول النبي – عليه السلام – توضئوا من لحوم الإبل ظاهرٌ في الوضوء الشرعي ومُأوَّل في غسل اليدين، إذن هناك مرتبة الظاهر وهناك مرتبة المُأوَّل، ما هو المُأوَّل؟ ما يُقابِل الظاهر وهو معنى مرجوح يُقابِل المعنى الظاهر الراجح، انتبهوا فعلى كل حال لا نُطوِّل بهذا، إذن هذه المراتب عند الجمهور، النص ما دل بنفسه على معنىً واحد لا يُحتمَل غيره،لذلك أعلى مراتب القطعية في الاستدلال ما هى؟ النص، أن يدل النص – الآية أو الحديث – بطريقة النص وليس بطريقة الظاهر أو المُأوَّل وليس بطريقة النص، فهذا اصطلاحٌ خاص بالنص عند الجمهور، هذه طريقة الجمهور لكن طريقة الأحناف أكثر تفصيلاً وبحسب الظاهر هى أمتن وأكثر تقعيداً، قالوا هناك الظاهر وهناك النص وهناك المُفسَّر وهناك المُحكَم، أي أربع مراتب عند الأحناف، عند السادة الحنفية هناك أربع مراتب، الظاهر والنص – ضعيفتان عكس الجمهور – وبعد ذلك المُفسَّر والمُحكَم، وأقوى المراتب المُحكَم، المُحكَم والمُفسَّر إلى حدٍ ما يُعادِلان لدى الجمهور مرتبة النص هناك، ويُقابِل هذه المراتب أربع مراتب في الخفاء، إذن أربع مراتب في الظهور وأربع مراتب في الخفاء، إذن النص يُطلَق على أدلة الأحكام من كتابٍ وسُنة أياً كانت دلالتها بطريق الظاهر أو بطريق النص أو بطريق التأويل أو بالطرق الأربع عند السادة الحنفية، والنص يُطلَق على مرتبة خاصة من مراتب الدلالة، وهذا هو الاصطلاح الآخر أو الثاني للنص، وقد فهمنا قُبيل قليل أن النص عند الحنفية ليس كهو عند الجمهور، ما يُقابِل النص عند الجمهور أقوى مراتب الدلالة يوُرِث القطعية، هو بطريق القطع، هذه المرتبة وهى أقوى المراتب يُعادِلها تقريباً مرتبة المُفسَّر وبالذات المُحكَم، أقوى المراتب عند الحنفية المُحكَم، هذا هو النص، فإذا سمعتم أو قرأتم جُملة لا اجتهاد في مورد النص فإن هذا هو النص المُراد، ليس معناه أن إذا قال الله وهناك آية قرآنية لا كلام فنأخذ بظاهرها، لا تستطيع هذا، لا تستطيع مهما كنت لوذعياً وعبقرياً ومفتوحاً عليك، هل تعرف لماذا؟ لأسباب كثيرة هى التي لأجلها لم يستطع الصحابة أن يتفقوا، واختلفوا في مئات المسائل إن لم يكن في آلاف المسائل، واختلفوا أيام رسول الله وهو بين ظهرانيهم، فما رأيكم؟ وأقرَّهم على ذلك، لأنه يُريد لهذه الشريعة أن تتعدَّد شعوبها وسُبلها وأن تُبعَج طرائقها ومهايعها – أي سُبلها – حتى تُصبِح يسيرة على الناس.

يُروى أن عمر بن عبد العزيز – رضيَ الله عنه وأرضاه – جلس مرةً مع العالم الجليل وأحد الفقهاء السبعة – أحد فقهاء المدينة السبعة – القاسم، جلس مع هذا الرجل يتناقشان، فكان كلما أتى الفقيه الجليل بدليل في مسألة عارضه عمر بن عبد العزيز بدليل آخر، أي دليل نقدي، حتى اشتد عليه ذلك – على القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق – وتبيَّن في وجهه، فقال له عمر بن عبد العزيز لا تفعل، فما أُحِب أن يكون لي باختلافهم حُمر النعم، جميل جداً أنهم اختلفوا، جميل جداً أن الصحابة اختلفوا، لأنهم لما اختلفوا اتسع الأمرُ على الأمة، هذا لا يُناسِب ربما زماناً أو لا يُناسِب حالاً أو لا يُناسِب مكاناً أو لا يُناسِب شخصاً ولكنه يُناسِب آخرين، وهذا من يسر الشريعة، والشريعة موضوعة – أيها الإخوة – بطريقة تقوم على الاجتهاد، واضعها – تبارك وتعالى – جعل معظم الفروع كما قال الشاطبي يدخلها الاجتهاد، الشاطبي قال في المُوافَقات مُعظَم الفروع يدخلها النظر والاجتهاد، أي أنها ليست قطعية، مُعظم الفروع – العمليات والفقه، اتركوا العقيدة ومعاقد الأخلاق، نُريد الفقه وما يتعلَّق بالحلال والحرام والجائز والمكروه والمندوب – يدخلها الاجتهاد و قابلة للنظر، الشارع الحكيم أوردها هذا الإيراد عن تقصد لكي يتسع الأمر على الأمة، فيأيها الإخوة ليحذر امرؤٌ حين يتلفَّظ خاصة في حق الكبار وخاصة فيما أحسنوا فيه من الاجتهاد، الصحابة الكبار أحسنوا حين اجتهدوا ووسَّعوا على الأمة، فيأتيك رجل لا يعرف فعلاً كوعه من بوعه ويقول – والعياذ بالله – في حقهم كذا وكذا وكذا وكيت وكيت وقد صادموا النصوص، وكأنهم أعداء لله ورسوله، ما هذا يا أخي؟ ما هذا؟ هذا جزاء المُحسِنين من الجاهلين، والسبب هو الجهل، أنك تتكلَّم فيما لا تُحسِن أو أن في قلبط ضغناً تُريد له أن يتنفَّس بأدنى سبب ولا سبب، وأين هذا الأدنى؟ لا يُوجَد سبب أصلاً:

إذا محاسنيَ اللاتي أُدِلُّ بها                     عُدَّتْ ذنوباً فقل لي كيف أعتذرُ؟!

هذه من حسنات الصحابة أنهم اجتهدوا هذا الاجتهاد المُقعَّد الوسيع المُأصَّل الذي علَّموا به مَن أتى بعدهم من الأئمة جميعاً طرائق الاجتهاد وكيف يكون الاجتهاد، هم الذين علَّمونا، لكي نُوضِّح الآن نبدأ نُمثِّل لاجتهاداتهم ونُخرِّجها، نُريد أن نُخرِّج هذه الاجتهادات، كيف يتخرَّج هذا الاجتهاد؟ كيف يتخرَّج اجتهاد عمر في منع – مثلاً – سهم المُؤلَّفة قلوبهم؟ كيف يتخرَّج اجتهاد عمر في تعليق حد السرقة؟ علماً بأن هناك أشياء أخرى بالعشرات، وكيف نُخرِّج اختلافات الصحابة في عشرات – كما قلت – بل مئات إن لم يكن ألوف المسائل؟ ابن مسعود وحده اختلف مع عمر – كما يُقال – في أكثر من مائة مسألة، هذان فقيهان من أجلة فقهاء الصحابة، علماً بأن ابن مسعود كعمر من فقهاء الرأي من الصحابة، هل تعلمون مَن هم فقهاء الرأي من الصحابة؟أربعة، هم نجوم فقهاء الرأي الذين كانوا يستخدمون العقل، لكن أي عقل؟ العقل المُشترِع – أي المُتشرِّع – وليس الذي يتملَّص من ضوابط الشريعة، ولكنه فيلسوف شريعة أيضاً، ليس عقل جاهل أو عقل إنسان أمي أو شبه أمي حتى من طلَّاب العلم اليوم فبعضهم شبه أميين، هناك دكاترة في الفقه والأصول شبه أميين، وينتقد الواحد منهم على الكبار، لا يا أخي هذا عقل أجل هذه الأمة وأذكى هذه الأمة قلباً وعقلاً، هم أصحاب الزكانة والفطانة والفتوح الإلهية فعلاً، فهذا العقل عقل فيلسوف فعلاً في الشريعة، فيعرف مراميها وأغراضها ومقاصدها ويُحيط بروحها، هذه فعلا فلسفة حقيقية للتشريع لكنها فلسفة شرعية وليست فلسفة أرسطية شكلية – Formal – صورية، وإنما فلسفة شرعية حقيقية تفي بأغراض التطور وتُجاري التبدل والاختلاف ومنسوخية عوائد وأعراف وأحوال وشروط الناس أيضاً، وهذه الطريقة لها أصحابها ولها أربابها، ولكي نُوضِّح لابد أن نُقدِّم المُقدِّمة.

القواعد التي تُستنبَط بها الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية عموماً نوعان، قواعد لغوية وقواعد شرعية، القواعد الشرعية مثل ما يتعلَّق بمعرفة الناسخ والمنسوخ، هذه القواعد لها علاقة بالأوضاع الشرعية، بأوضاع النصوص الشرعية من حيث كونها شرعاً ومن حيث كونها نصوصاً شرعية إلهية ونبوية، كأن يُقال مَن تقدَّم ومَن تأخَّر وما هو آخر الأمرين من رسول الله، فهذا كله محكوم بقواعد شرعية، وكذلك الحال مع التعارض والترجيح، أي نص مع نص تعارضا، أحياناً يكون النسخ إحدى وسائل الترجيح بينهما، فنقول هذا ناسخ وهذا منسوخ مثلاً، حتى معرفة رُتب تصرف النبي وشخصيات النبي كما يُقال صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، كما نقول هل هذا تصرف بالإمامة أم تصرف بالفتوى والتبليغ أم تصرف بالقضاء أم تصرف مُتجرِّد – تجرَّد فيه عنه الإرشاد بلغة ابن عاشور – أم كذا وكذا، ابن عاشور جعل المراتب على ما أذكر ثنتي عشرة مرتبة في حين جعلها القرافي وغيره أربع مراتب، لكن ابن عاشور أوفى بها على ثنتي عشرة مرتبة، وهذا أيضاً من القواعد الشرعية في نظري، هذا يعد من القواعد الشرعية لكن هناك ما هو مُنتمي إلى دائرة أخرى، لدينا القواعد اللغوية، لذلك التمهر والتمرس في معرفة لغة العرب وأوضاع هذه اللغة وقوانين البيان العربي مُهِم جداً إلى الغاية للمُجتهِد، أي لكل مُجتهِد في شرع الله تبارك وتعالى، وسوف أُبسِّط لكم هذا لأن طالباً ربما شدا من العلم حروفاً قد يصعب عليه هذا، طالب العلم وليس العالم طبعاً أو المُتخصِّص، الطالب قد يقول لك يُقسِّمون الألفاظ إلى حقيقة ومجاز، ويُقسِّمون كلاً إلى صريح وكناية، وبعد ذلك يُوجَد التقسيم إلى عام وخاص ومُشترَك وجمع مُركَّب عند الحنفية، ونحن لم نفهم شيئاً، فضلاً عن وجود تقسيمات أُخرى، وأنت قبل قليل قلت هناك الظاهر والنص وهناك المُفسَّر والمُحكَم وهناك الخفي والمُجمَل وهناك المُتشابِه وإلى آخره، فما هذا؟ لكن المسألة سهلة وسنُبسِّطها لكم.

أيها الإخوة:

ما معنى الدلالة؟ الدلالة هى كون الشيئ بحيث يدل على غيره ويقود إلى غيره، هذه هى الدلالة، وهذا معنى الدليل، أي يُوصِّل إلى Link To، هذا هو الدليل لأنه وصلة، الدلالة نوع من من الاتصال ومن الوصلة، الدلالة هى كون الشيئ على هيئة بحيث يدل ويقود إلى غيره، والكلام الآن في دلالات الألفاظ، مثل قال الله وقال الرسول والآية والحديث، كيف يدل اللفظ على المعنى وعلى الحكم الشرعي من حلال ومن حرام ومن وجوب ومن ندب ومن إباحة وإلى آخره؟ كيف يدل؟ هذا حين تتمرَّس فيه تعلم مدى عبقرية هذه الأمة، ربما العلم الذي أظهر عبقرية أمة محمد أكثر من غيره هو علم أصول الفقه، أنا قرأت قبل سنين رسالة لعالم – ما شاء الله – مُبرِّز في هذا الفن من ليبيا الحبيبة إسمه الدكتور محمد يونس وهو الآن أستاذ في الإمارات بارك الله فيه، هذه الرسالة كتبها في بريطانيا في جامعة ليدز Leeds وأخذت الأولى على المملكة في سنتها، في تلك السنة كانت الأولى على المملكة البريطانية المتحدة هذه الرسالة، وهى في ماذا؟ هى في التداولية، لكن الرجل اعتمد على ماذا؟ اعتمد على علم أصول الفقه الإسلامي، وإذا بهذا العلم قد سبق وبذ وفاق كل ما توصَّل إليه العقل الغربي إلى اليوم، تُوجَد دقة عجيبة وعبقرية، حين تقرأ هذا تقول سبحان مَن فتح عليهم بهذا،وطبعاً الجهود مُتراكِمة ومُتراكِبة عبر القرون، فرضيَ الله عنهم وأرضاهم وجزاهم عن هذا العلم وتقعيده وبعجه جزاء شاكر.اللهم آمين.
إذن هناك اللفظ وهناك المعنى، أولاً ماذا كانت تفعل العرب؟ يضعون اللفظ على المعنى، علماً بأننا نقول وضع له والأفصح عليه، فاللفظ يوضع على، كما نقول وضع الشيئ على الشيئ، والبعض يقول وضعه له، لكن الأفصح وضعه على، هناك معاني – ثمة معاني – تجول في الخواطر والأخلدة والأفئدة، فيأتون بلفظ يضعونه على هذا، أي بإزاء هذا المعنى، وهذا أول وضع، وهذا أمرٌ طبيعي، لكن كون هذا بالتوفيق أو بالتوقيف فإن هذه مسائل في فقه اللغة وفي فلسفة اللغة ومن ثم الأصوليون لم يبحوثها كثيراً، وبعضهم بحثها تفضلاً، أي من باب الفضول، فضول العلم لا أصول العلم، وعلى كل حال هذا أول وضع، وبهذا الاعتبار لدينا اللفظ الخاص واللفظ العام واللفظ المُشترَك، وكما قلنا لن نُطوِّل ولن نُضيِّع الوقت بضرب الأمثلة، بعد أن يضعوا اللفظ على المعنى يأتي الاستعمال، قد يُستعمَل اللفظ في معناه الحقيقي الأول الرئيس الذي وُضِع عليه، فإن كان كذلك فهو الحقيقة، يُقال على الحقيقة، حين نقول (الأسد) ونُريد به هذا الحيوان المُفترِس – أي السبع – هذا يكون استعمالاً حقيقياً، هذا استعمال للفظ في حقيقته، الـ Leo أو الـ Lion هذا هو الأسد، فهذه الحقيقة طبعاً، وإن استُعمل لمعنى آخر لارتباط بين المعنين وثمة قرينة فهو المجاز، نقول جاء أسد الله عن حمزة، فهل هذه حقيقة أم مجاز؟ هذا مجاز، لماذا يُقال أسد الله؟ هذا يدل على حمزة فلماذا النبي أعطاه هذا اللقب؟ لوجود علاقة بين الأسد – أي السبع- وبين حمزة، مثل الشجاعة والشدة والإقدام، أليس كذلك؟ هذا هو إذن، فهذا أسد الله وهذاك أسد الغابة الذي يأكل لحسابه لكن هذا يُقاتِل ويُجاهِد لحساب الله تبارك وتعالى، على كل حال إذن في المرتبة الثانية نأتي إلى مرتبة الاستعمال، إذا استعملنا اللفاظ الموضوع على المعنى في معناه الأول الرئيس فهو استعمال في الحقيقة وعلى الحقيقة وإلا فهو المجاز، وكلٌ من الحقيقة والمجاز – كلٌ منهما – قد يأتي صراحةً وقد يأتي كنايةً، من المُمكِن يكون صريح أو غير صريح، فصار عندنا أربعة أقسام هنا، وهذا كله يعتور الألفاظ الشرعية، وسنضرب أمثلة ربما حتى لإيضاح هذا المقام حتى تفهموا هذا بشكل جميل وجيد، فالله – تبارك وتعالى – حين تكلَّم في آيات المواريث تكلَّم في أشياء وسكت عن أشياء، من ضمن المسائل المسكوت عنها أحكام الجد، وهذه صدَّعت أدمغة العلماء وحتى الآن فيها خلافات، تحدَّث العلماء عن أحكام الجد والجد الصحيح والجد الفاسد من قبل الأم ومن قبل الأب وعن قصة طويلة، لكن على كل حال الجد يُورَّث، عنده نصيب من التركة، لدينا في مسألة فقهية – مسألة ميراثية فرضية – جد وإخوة، أي مات رجل وترك إخوةً له وترك جده، أبوه مُتوفى ولكن الجد موجود، فانتبهوا الآن إلى ما سنقول، هل هذا الجد يحجب الإخوة حجب حرمان فلا ينالون شيئاً من التركة معه كما يحجبهم في حال وجوده لو وُجِدَ الأب؟ الأب لو كان موجوداً لن يأخذ الإخوة شيئاً، فهل فهمتم؟ هذا طبعاً معروف وعلى كل حال هو من مباديء الميراث، الأب لو كان موجوداً الإخوة لا يأخذون شيئاً، فالأب يحجب بالاتفاق، ولكن حجب حرمان وليس حجب نقصان، حجب حرمان بالكامل فلا يأخذون شيئاً، لكن الجد هل يحجبهم أو لا يحجبهم؟ الإمام عليّ – عليه السلام – وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود قالوا الجد لا يحجب الإخوة ولكن يُقاسِمونه ويُقاسِمهم، أي شركة، لكن التقسيم أيضاً فيه خلاف والقصة أيضاً تُصدِّع الرأس، وعلى كل حال هذه قصة أخرى، الآخرون وهم الجماهير مثل أبي بكر الصديق وابن عمر وابن عباس وعائشة وحذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل وأُبي بن كعب وغيرهم وغيرهم وغيرهم قالوا يحجبهم كالأب ولا يأخذون شيئاً، لماذا؟ انتبهوا إلى هذا، نقول هذا لهؤلاء الذين – كما قلت – يتسوَّرون على حمى أصحاب رسول الله ويقولون لا اجتهاد في مورد النص، تفضَّلوا هذا إذن، لقد اختلفوا هنا في هذه المسألة، فعلى ماذا استندوا؟ هل استندوا على أهوائهم وعلى أميالهم النفسانية وعلى مصالهم الذاتية؟ لم يفعلوا هذا أبداً، استندوا إلى مسألة لها علاقة بالدلالة اللغوية وليس بالدلالة الشرعية وإنما بالدلالة اللغوية، ما هى؟ هى هل يُسمَّى الجد أباً حقيقةً أو مجازاً؟ نحن لا نعرف، انقطعتم أنتم الآن، الصحابة اختلفوا في هذا، فالمسألة ليست قطعية، قد يكون العرب حين وضعوا لفظ الأب منذ البداية وضعاً أولياً وضعوه بإزاء الجد الأب الصلبي، أي الذي أنت من صلبه، فهذا مُمكِن طبعاً، هذا أب وهذا أب أيضاً، قد يكون هذا حدث منذ البداية، وقد يكونون وضعوه بإزاء الأب الصلبي الذي أنت ابنه لصلبه ثم توَّسعوا فيه على سبيل المجاز بعد ذلك فسمَّوا الجد أباً، هذا مُمكِن وهذا مُمكِن، وهذا يحتاج إلى تحقيق، ومن ثم الصحابة اختلفوا، وهناك آية في كتاب الله – تبارك وتعالى – على لسان الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف – عليه السلام – بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام أجمعين، قال وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي – يوسف ابن مَن؟ ابن يعقوب الذي هو إسرائيلي في المشهور – إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ ۩، يعقوب أبوك ونحن نفهم هذا لكن ماذا عن إسحاق وإبراهيم؟ اختلفت هنا أنظار العلماء واختلفت اجتهادات الصحابة، فمنهم مَن ذهب إلى أن الجد يُسمَّى أباً على الحقيقة أخذاً بظاهر هذه الآية، قال الآية سمَّته أباً، يوسف يقول لك وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ – وهو جده، أليس كذلك؟ أبو أبي أبيه – وَإِسْحَاقَ – هذا جده المُباشِر وهو أبو يعقوب – وَيَعْقُوبَ ۚ ۩، والإمام عليّ ومَن معه – ابن مسعود وزيد بن ثابت العالم الفاضل الجليل – قالوا هذا على سبيل المجاز، الجد يُسمَّى أباً على سبيل المجاز، فما الحل إذن؟ لا يُوجَد حل تقريباً، هذه المسألة تحتمل هذا وتحتمل وهذا، فلا تقل أخطأوا، لا تستطيع أن تُخطِّئهم، إلا إذا كنت أنت واضع اللغة وشهدت على وضعها مِن أول يوم فقلت حين وضعوها قبل خمسة آلاف سنة وضعوا هذا، وهذا لا يُمكِن ومن ثم صعب القطع في هذا، أرأيتم القضية؟ ولذلك لابد أن نتواضع إزاء اختلافات الصحابة ومن بعد إزاء اختلافات الأئمة أيضاً، الأئمة تعلَّموا هذا من الصحابة، مسائل الاجتهاد مسائل عسرة لحجة وضيقة، ولذلك لابد أن يُواجَه ضيقها وحرجتها بسعة صدورنا حتى لا تتحرَّج حياتنا بعد ذلك، ولكن حين نُواجِه هذا الضيق في مسائل الاجتهاد بحراجة صدور يتحرَّج كل شيئ وتغدو الحياة لعنة مع الدين ومع أحكام الدين وشهادات الدين، وهى رحمة طبعاً، قال الله وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۩، إذن هذا الارتباط الثاني، فأول ارتباط لفظٌ يُوضَع على معنى، والارتباط الثاني الاستعمال، وذلك في الحقيقة وفي غير الحقيقة، أي المجاز، سواء أكان صريحاً أو كناية، الارتباط الثالث هو أن تأتي الآن وتأخذ هذا اللفظ أو التركيب وتُريد أن تستبين دلالته على ما وُضِعَ عليه من معنى أو حكم كلي، للأسف الألفاظ والتراكيب تتفاوت قوةً وضعفاً في وضوحها وخفائها، أحياناً تكون واضحة جداً لا تحتمل إلا معنىً واحداً، وهذا الذي يُسمَّى في عرف الجمهور بالنص، يقولون دل نصاً، مثل شرع الله دل نصاً أو كتاب الله دل نصاً على أن الآيسة من المحيض عدتها ثلاثة أشهر، هذا قطعي لا كلام فيه، قال تعالى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ۩، إذن انتهى الأمر، قال الله ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ۩ فلا كلام يُقال هنا، ولذلك هذه المسألة إجماعية، ومُستنَد الإجماع فيها النص في سورة النساء القًصرى، التي هى سورة الطلاق، فهذه يُسموها سورة النساء القُصرى أو القصيرة، هذا نص وبالتالي لا كلام هنا، فلا تستطيع أن تقول غير هذا، قال الله ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ۩، وهنا قد يقول لي أحدكم وهل في مسائل العدد والطلاق وما إلى ذلك خلافات؟ تُوجَد كثيرة جداً، لنعد إلى الوضع الأول، نحن قلنا بالوضع الأول هناك العام وهناك الخاص وهناك المُشترَك، المُشترَك وُضِعَ وضعاً مُتعدِّداً، ما معنى هذا باختصار؟ المُشترَك هو لفظ لكن يدل على أكثر من معنى، وحين وُضِعَ وُضِعَ وضعاُ مُتعدِّداً، كلفظ العين، حين تقول “العين” أول ما يخطر في بالك العين الباصرة، لكن هناك أيضاً العين الجارية، يُقال لك هذا عن عين الماء، قال الله في سورة الغاشية فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ۩، هذه عين أيضاً، فهذه عين وهذه عين، والذهب يُسمَّى عيناً، يُقال نقده أربعمائة عيناً، ما معنى عيناً هنا؟ ذهباً خالصاً، يُقال لك عين بمعنى الجاسوس Spy أو Spion، فالجاسوس عين هذا للعدو، مالعين هو الجاسوس، والعين هو الذي يكون من علية القوم، يُقال لك أعيان القوم، الأعيان والذوات وأصحاب الهيئات، فهذا عين وهذا عين وهذا عين وهذا عين وهذا عين، لكن الكلمة واحدة أو اللفظة واحدة والمعنى مُتعدِّد، وهذا يُسمونه المُشترَك، لكن هل هو مُشترَك في اللفظ أم في المعنى؟ في اللفظ، لفظة واحدة اشتركت فيها معانٍ جمة، وهنا قد يقول لي أحدكم إذا لفظة مثل هذه أتت أو جاءت أو وردت في نصٍ شرعي ستُوجِب اختلافاً، وهذا مُؤكَّد طبعاً لأنه مُشترَك، هذا ليس خاصاً أو عاماً وإنما هو مُشترَك، نأتي إلى قول الحق – تبارك وتعالى – وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ۩، إذن الله قال ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ۩ وهذا مُشترَك، لماذا؟ لأن العرب حين وضعت هذه الفلظة – أي القرء – وضعتها وضعاً مُتعدِّداً غير مُتحِد بإزاء أكثر من معنى، من معاني كلمة قرء الحيضة، أي حيضة المرأة، ومن معانيها الطهر، أي حين تطهر المرأة من حيضتها، ومن معانيها كما ذكر ذلك الإمام المُقريء الكبير الكوفي أبو عمرو بن العلاء الزبَّان الفترة بين الحيض والطهر، فهذه إسمها قرء، وذكر بعضهم لها معنىً رابعاً، وهذا أمرٌ عجيب، فهذا كله إسمه القرء، إذن قال الحق – تبارك وتعالى – وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ۩، عن ماذا تتحدث الآية في البقرة؟ عن العدة، المرأة حين تُطلَّق تعتد، لكن إذا كانت من ذوات القروء، أما إذا كانت يائسة من المحيض فعدتها ثلاثة أشهر، إذا كانت لم تحض سواءٌ لصغر السن على مذهب الجمهور أو للضهي – Amenorrhea في الطب، هناك بنات يعني يبلغ عمرها عشرين سنة ولا يحضن، أكثر شيئ مُسجَّل في الكتب الطبية خمس وعشرين سنة، من المُمكِن أن يبلغ عمر الفتاة خمس وعشرين سنة ولم تأتها الدورة الشهرية، أي الطمث، فهذا إسمه Amenorrhea بمعنى الضهي، العرب يُسمونها ظاهرة الضهي، إذن هذا مُمكِن- فإن الله يقول وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ – حتى التي لم تحض إما لصغر سنها وإما لأنها مُصابة بهذه العلة وهى علة الضهي – فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ۩، لكن هذه من ذوات الأقراء، أي تحيض وتطهر، هذا معنى ذوات الأقراء، امرأة عادية تحيض وتطهر، ليست صغيرة وليست آيسة، لم تصل إلى سن السن Menopause، وعلى كل حال الله قال ذوات الأقراء عدتهن كم؟ ثلاثة قروء، قال الله يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ۩، ومن ثم اختلف الصحابة، فعمر وعليّ وابن مسعود أيضاً وآخرون – رضوان الله على الجميع – قالوا ثلاثة قروء تعني ثلاث حيضٍ، القرء هو الحيضة، وآخرون عدا هؤلاء قالواثلاثة قروء تعني ثلاثة أطهار، وهنا قد تقول لي كيف هذا؟ نقاش طويل ويأخذ صفحات مُطوَّلة تُصدِع الرأس وتستدعي البحث عن الأدلة وما إلى ذلك، لكن بعض الناس يستسهل ويقول لك رأي عمر وعليّ وابن مسعود كلام فارغ، كيف تقول كلام فارغ يا رجل؟ احترم نفسك يا رجل، وكأنه – ما شاء الله – سيبويه ويعرف اللغة أكثر منهم، قد يقول أحدهم قال الله – عز وجل – ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ۩ والمفروض حسب قواعد تمييز العدد أن العدد يُخالِف المعدود تأنيثاً وتذكيراً، فلو كان القرء بمعنى الحيضة لقال الله ثلاث قروءٍ، لكنه لم يقل ثلاث وإنما قال ثَلاَثَةَ ۩ إذن القرء بمعنى الطهر، أي ثلاثة أطهار، وهذه الحُجة قوية في الظاهر لكن هناك ما يُرَد به عليها، والمسألة أوسع من هذا واللغة وسيعة،وكما قال على ما أعتقد عمرو بن العلاء لا يُحيط باللغة العربية إلا ربُ الناس، مُستحيل إنسان يُحيط باللغة العربية، لغة وسيعة لأنها قديمة، ألوف السنين عمر هذه اللغة، انظر إلى علماء اللغة الكبار العظام عندنا، انظر إلى الفيروزآبادي في القاموس ثم انظر إلى الإمام الزبيدي – مُرتضى الزبيدي – الذي جاء واستدرك عليه في تاج العروس، استدرك عليه زُهاء ثنتي عشرة ألف مادة، وهذا شيئ غريب، ثم بعد ذلك جاء أحمد فارس الشدياق النصراني اللبناني الذي أسلم – رحمة الله تعالى عليه – وألف الجاسوس على القاموس واستدرك على الاثنين، جاء المُستشرِق الهولندي الكبير رَيِنْهَارْت دُوزِي Reinhart Dozy وألَّف تكملة المعاجم العربية واستدرك على كل ما كتب علماؤنا في معجماتهم بثماني مُجلَّدات ضخام، فهذا موجود لدينا، وكأن هذه اللغة ضاعت عليكم وهو هولندي فانظر إلى الجد:

هُوَ الجَدُّ حَتّى تَفضُلَ العَينُ أُختَها                 وَحَتّى يَصيرَ اليَومُ لِليَومِ سَيِّدا.

هذا بسبب كسل العرب في العصر الحديث للأسف الشديد ونشاط هؤلاء وعلو همتهم، فلا يُحيط باللغة إلا إله، إلا الله تبارك وتعالى، من الصعب أن يفعل هذا إنسان، وأنت هذه القاعدة تعرفها وأنت عمرك تسع سنين، فهل لم يعرفها عمر وعليّ وابن مسعود وأهل اللغة؟ لم يكن موجوداً لديهم حتى نحو وصرف، كان لديهم سليقية أو سليقة و:Competence

ولَسْتُ بنَحْوِي يَلُوكُ لسانَه                           ولكِن سَلِيقِيٌ أَقُولُ فأعرب.

هؤلاء كان لديهم سليقة، وكانوا يعرفون اللغة أحسن منا تماماً، فاللغة تحتمل هذا وهذا وأشياء كثيرة، وعلى كل حال ما الذي أوجب اختلافهم هنا؟ طبعاً في آثار هؤلاء الأصحاب المُختلِفين – رضوان الله عليهم – اختلف الأئمة المتبوعون إلى اليوم، فحين تسأل الشافعي يقول لك ذوات الأقراء عدتها بالأطهار، والحنبلي كذلك والمالكي كذلك، لكن الحنفي يقول لك بالحيضات، هذا المذهب الحنفي طبعاً، بسبب الإمام عليّ وابن مسعود، ففي الكوفة تأثروا كثيراً بمذهب الإمام عليّ وابن مسعود، وهذا معروف طبعاً، أي مسائل الآن تجد فيها للإمام عليّ قولاً ولابن مسعود يغلب أن يكون قال بها السادة الحنفية بسبب المكان، خلافة عليّ كانت في الكوفة، فهذا خلاف أوجبه الاشتراك في اللفظ، هذا في أول وضع، والوضع الثاني – كما قلنا – حقيقة ومجاز، والوضع الثالث – كما قلنا – تختلف الألفاظ والتراكيب في دلالتها على المعاني والأحكام قوةً وضعفاً في ظهورها وخفائها، أحياناً تكون قوية جداً وقطعية، كما قلنا قال الله ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ۩، وأحياناً تكون دون ذلك ودونه ودونه بحسب المراتب التي رتَّبوها، وهذا يعرض لأكثر النصوص الشرعية، هذا موجود في الكتاب والسُنة، لا تقل لي أن قولك قال الله وقال الرسول يعني أن المسألة قطعية، يُوجَد فرق بين قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، كتاب الله كله قطعي لجهة ثبوته، نحن لا نشك في حرف واحد من كتاب الله أبداً، كله ثابت بالنقل المُتواتِر، بعض الناس يُحاوِل أن يشغب على تواترية القرآن الكريم ويتحدَّث عن المصاحف وغير المصاحف وما إلى ذلك ويُقول وجدوا مصاحف في صنعاء وما إلى ذلك، يا رجل ما هذا الكلام الفارغ؟ القرآن أصلاً حفظه الرئيس بماذا؟ القرآن حفظه الرئيس ليس في المصاحف، حفظه في الصدور ثم بعد ذلك في السطور، حفظه في المحاريب، أمة تتلوه من أيام محمد – صلى الله على محمد وآل محمد – وتختمه ألوف المرات كل يوم في أنحاء العالم الإسلامي، أليس كذلك؟ هو محفوظ حرفاً حرفاً، لا نُريد المصاحف ولا يهمنا هذا، لأنه محفوظ ولا يُمكِن أن يضيع، لذلك أشهر أسماء ألقاب وأشهر أسماء الكتاب العزيز ماذا؟ القرآن، لذا إسمه القرآن، الكل يعرف هذه الكلمة، القرآن Quran، لماذا؟ لأنه يُقرأ، وبعد القرآن أشهر ألقابه وأسمائه ماذا؟ الكتاب، قال الله ذَلِكَ الْكِتَابُ ۩، إشارة إلى حفظه أولاً في الصدور وثانياً في السطور، محفوظٌ في الصدور ثم في السطور، وحفظه في الصدور أقوة من حفظه في السطور، لحديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِىِّ في صحيح مسلم وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، علماً بأن يقظان ممنوعة من الصرف طبعاً فلا تقل يَقْظَانَاً وإنما قل يَقْظَانَ، لماذا؟ لماذا لا يغسله الماء؟ هذه إشارة إلى ماذا؟ إشارة إلى أن محفوظيته الأولى العمدة في الصدور لا في السطور.

الشيخ العلَّامة المُقريء المُجوِّد الكبير محمود خليل الحصري – رحمة الله عليه وجزاه الله عن كتابه خير الجزاء – قيل له جوِّد القرآن صوتياً فقال لا، كأنه رأى أن هذا شيئ مُستحدَّت، فقال لا أُسجِّله صوتياً، أبى لكن بعد ذلك اكتشفت الأمة إن إسرائيل طبعت بضع آلاف من المُصحَف الشريف وفيها تحريفات في مواضع،يظنون هذا يسوغ على الأمة، كيف يسوغ؟ هذا مُستحيل طبعاً، أصغر حافظ لكتاب الله يقول لك هذا خطأ، خطأ في الهمزة هنا وخطأ في النُقطة هنا وخطأ في هذا وهذا، يقول هذا مُباشَرةً لأنه يحفظه، يحفظه كما يحفظ إسمه بل وأكثر من إسمه، هو يتعبَّد به الله تبارك وتعالى، وإن أخطأ هو صحَّحه ألف حافظ، أليس كذلك؟ فقيل للشيخ الحصري يا شيخ حصل كذا وكذا، فبعدها – بارك الله فيه – خار الله له وسجَّل القرآن مُجوَّداً بصوته، وكانت أول نُسخة صوتية قام بها الشيخ محمود خليل الحصري جزاه الله خير الجزاء، فهو له فضل السبق، أول مَن فعل هذا هو على خلفية تحريف إسرائيل للمُصحَف الشريف، ثم جُمِّعَت تلكم النُسخ وأُحرِقَت في كل بلدة كانت فيها، وأعتقد أنها في أيامها وصلت إلى الكويت وغير الكويت، وعلى كل حال نعود إلى إلى ما كنا فيه، أخيراً الارتباط الرابع والإخير بين الألفاظ والمعاني، أرأيتم كيف رتَّب الأصوليون هذا الترتيب المعقول الذيك الفلسفي على أربع مراتب؟ نأتي لنستخرج الأحكام والمعاني من الألفاظ والتراكيب بأنواع من الدلالات، هذه الدلالات تدل على ماذا؟ نستدل بها على ماذا؟ على المعنى الذي ذهب إليه صاحبُ النص، ماذا أراد الله وماذا أراد الرسول – عليه السلام – بهذا النص وبهذا القول؟ ولكن أيضاً هنا تتعدَّد المراتب، لماذا؟ لأن هناك دلالة العبارة – هذه أقوى طرق الاستدلال، أي التي بالعبارة – وهناك دلالة الإشارة وهناك دلالة الدلالة وهناك دلالة الاقتضاء، فاحفظوها الأربع إذن، أربعة أنواع أو أربع دلالات، دلالة بالعبارة وبالإشارة وبالدلالة وبالاقتضاء، قال الله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ۩، ما معنى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ۩؟ تُوجَد دلالة اقتضاء هنا، هل حُرِّمَت علىّ أمي بمعنى أن انظر لها وأراها وأقبِّل يدها وأبرها وما إلى ذلك؟ لا طبعاً، قال الله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ۩ بمعنى حُرِّمَ عليكم نكاح أمهاتكم، يُوجَد شيئ محذوف هنا لابد أن يُقدَّر حتماً، فقول الله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ۩ تمثيل بسيط لدلالة الاقتضاء ، وعموماً الأعيان لا تُحرَّم بذاتها فالأعيان لا يلحقها تحريم، أليس كذلك؟ يلحق أفعال تتعلَّق بالأعيان وترد على الأعيان، فهذه دائرة الاقتضاء، إذن هذه أربع رتب وأربع طرائق بيَّن بها السادة علماء أصول الفقه – جزاهم الله خير الجزاء – ألوان وصنوف ارتباط الألفاظ بالمعاني، فبالوضع الأول عند تقسيمات وكذلك الحال مع الوضع الثاني والوضع الثالث والوضع الرابع، هذه قصة طويلة، وكل هذاينظمه أو ينتظمه ما يُعرَف بالقواعد اللغوية، أي مبحث الدلالات، عندما نقول القواعد اللغوية فهو مبحث الدلالات، وهناك القواعد الشرعية، نأتي الآن إلى ضرب الأمثلة وهى كثيرةٌ جداً، مثلاً – وهذا المثال ذكرناه قبل بضع سنين أيضاً – اختلف زيد بن ثابت – رضوان الله تعالى عنهم أجمعين – مع عبد الله بن عباس رضيَ الله تعالى عنهما، وطبعاً ابن عباس هو تلميذ زيد بن ثابت، زيد كان أسن وكان أستاذاً له، علَّمه بالذات علم المواريث أو علم الفرائض، قال النبي أفرضكم زيد، أعلم الصحابة بعلم الميراث زيد بن ثابت، وهذا – سبحان الله – فتح إلهي، وهو رجل القرآن، هو رجل كتاب الله تبارك وتعالى، قال الله إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ ۩، اختلف زيد وابن عباس، قال الله فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ ۩، فهل من خلال ظاهر الآية يكون الثلث من كل التركة أم من باقي التركة؟ من كل التركة، قال الله فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ ۩، هكذا يُعطيها نصيبها لأنه يقول فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ ۩، لكن زيد بن ثابت قال لا، إذا نُعطي الأم الثلث في بعض المسائل يفوق نصيبها نصيب الأب، لذلك اختلفا – رضوان الله تعالى عنهما وعليهما – في مسألة زوج أو زوجة وأبوين، وسوف نرى هذا، لدينا الآن زوج وأبوان، أي أب وأم من باب التغليب، حتى لا يُقال كيف أبوان؟ نقول أب وأم من باب التغليب، مثل الشمسان والقمران والعُمران، أي أبو بكر وعمر، فهذا إسمه التغليب، الزوج الآن كم له؟ لا يُوجَد فرع وارث للمرأة، المرأة هى التي ماتت لأنها تركت زوجاً، فالمُتوفى امرأة، الزوجة تركت زوجاً وأبوين لها، والزوج له النصف بنص سورة النساء، هذا نص وليس ظاهر أو مُأُوَّل وإنما هو نص، قال الله وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ۚ ۩، هذا نص لأن الله قال النصف، أي خمسون في المائة، هذا واضح جداً، وهذا إسمه النص، هذا نصٌ وهو نصٌ، دل بدلالة النص، إذن فله النصف، يبقى الآن النصف، إذا أعطينا الأم ثلث الباقي فيبقى للأب السدس، إذن تكون أخذت ضعفه، فماذا فعل زيد بن ثابت؟ قال لا، الزوج يأخذ النصف على القاعدة، والأم تأخذ ثلث الباقي، قال الله الثُّلُثُ ۚ ۩ لكن أنا فسَّرتها على هذا النحو، وهذا أمرٌ عجيب، الله لم يقل هذا الكلام لكن هو فهمها على هذا النحو، وهذا هو الفقه والعلم والإمامة، قال ثلث الباقي، الباقي كم؟ نصف، نصف الثلث كم سيكون؟ السدس، كم بقيَ؟ سدسان، لأن النصف ثلاثة أسداس، نصف الأب ثلاثة أسداس، وهنا بقى سدسان، فتكون المسألة مُلتئمة، لماذا؟ للأم السدس وللأب السدسان، قال الله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ ۩، إذن ما هو المعنى الذي ذهب إليه ورعاه زيد بن ثابت؟ هو معنى قاعدي، قال هناك شبه قاعدة في كتاب الله، وهى قوله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ ۩، ولم يقل الله حتى للبنت نصف حظ الابن وإنما قال لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ ۩، فقال هكذا تأخذ، ونفس الشيئ مع زوجة وأبوان، الزوجة مع انعدام الفرع الوارث كم تأخذ؟ الربع، ويبقى لدينا ثلاثة أرباع، ثلاثة أرباع – الباقي – ضرب ثلث يُعطي في النهاية الربع، لأن ثلاثة على اثني عشر يُعطي الربع، ويبقى كم الآن؟ ربعان، أي الضعف أيضاً، فيأخذ الأب هنا ضعفي الأم ، قال الله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ ۩، ما هذا الفقه؟ قال هناك قاعدة نحن نُراعيها، الله قال الثلث لكن لابد أن نُراعي القواعد، نجعل هذا يتسق مع هذا وهذا يلتئم بهذا، قال هذا الفقه الجيد، لكن ابن عباس لن تعجبه هذه الطريقة، فبعث له رسالة أو مرسالاً – رسولاً – يقول له أين في كتاب الله ثلث الباقي؟ أنت تقول ثلث الباقي، لكن الله لم يقل ثلث الباقي وإنما قال فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ۩ وأنت تقول فلأمه ثلث الباقي، هل أنت تزيد من عندك؟ فقال له أقول برأيي وتقول برأيك، أي لا يُوجَد تشغيب هنا، هذا اجتهاديوأنت له اجتهادك وأنت حر، لكن هذا هو اجتهادي وهذا ما أفهمه من روح الشريعة، إذن اختلفا أو لم يختلفا؟ اختلفا وأي اختلاف، هذا في حقوق الناس، أليس كذلك؟ المسألة حساسة جداً.

نأتي إلى قضية من قضايا العدد، وهى عدة الحامل – المرأة الحامل – المُتوفَى عنها زوجها، قال تعالى في سورة البقرة وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ – كم؟ – أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ ۩، قال الله أربعة أشهر وعشرة أيام، فهذه عدة المُتوفَى عنها زوجها حاملاً كانت أم حائلة -والحائل هى غير الحامل – لأن الآية عامة، هى غير مخصوصة بهذه أو تلك، الله قال أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ ۩ حاملاً كانت أو حائلة، هذه في المُتوفَى عنها، ولكن عندنا في سورة الطلاق – وهى مُتأخِّرة نزولاً عن سورة البقرة – قال تعالى وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ ۩، وهنا قد يقول لي أحدكم هل يُوجَد فرق؟ يُوجَد فرق كبير، هنا قال أربعة أشهر وعشرة أيام، افرض لما تُوفَيَ عنها زوجها كانت في الشهر الثاني، هذه متى بحسب آية الطلاق سوف تنقضي عدتها؟ بعد سبعة أشهر، أليس كذلك؟ وليس بعد أربعة أشهر وعشرة أيام وإنما بعد سبعة اشهر، افرض لما تُوفَيَ عنها زوجها كانت في الشهر الأخير، وبعد وفاته بخمس ليالٍ وضعت، بحسب آية الطلاق هى انتهت عدتها وتجوز للزواج، تستطيع أن تنكح بالشروط المرعية طبعاً، فالمسألة فيها خلاف إذن أم ليس فيها خلاف؟ فيها خلاف، مَن يقول لنا لا اجتهاد مع النص نقول له تفضَّل يا حبيبي، هذا نص وهذا نص، فماذا ستفعل؟ ولا تتفلسف كثيراً، هل تعرف لماذا؟ لأن الصحابة اختلفوا، هذه المسألة اختلفوا فيها، فعليّ – عليه السلام وكرَّم الله وجهه – وابن عباس ذهبا إلى أن الحامل المُتوفَى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين، ما معنى أبعد الأجلين؟ مَن الأطول عليها؟ الأطول عليها وضع الحمل، لأن هى في الشهر الثاني، إذن تعتد بوضع الحمل، مَن الأطول عليها؟ أطول عليها أربعة أشهر وعشرة أيام لأنها في الشهر الثامن وبعد شهر هتضع، إذن تنتظر أربعة أشهر وعشرة أيام، هذا إسمه أبعد الأجلين، فتعتد بأبعد الأجلين، لماذا؟ نُريد القاعدة هنا، على أي أساس؟ لماذا؟ يُوجَد عندنا آية ويُوجَد عندنا آية أُخرى، قالوا جمعاً بين النصوص، يُوجَد عندنا شبه تعارض، هذه آية عامة وهذه آية خاصة، فقالوا نحن جمعنا بين النصين وحكَّمنا الخاص في العام، فهذا أتى جمعاً والجمع أولى من التفريق وتعطيل أحد النصين، وخالفهم في هذا صحابة آخرون، أي طائفة من الصحابة وفي رأسهم عبد الله بن مسعود، قالتعتد بوضع حملها، متى وضعت – من قريب أو من بعيد – انتهت العدة، هى عدتها وضع الحمل وليس بأبعد الأجلين، إذا وضعت بعد ليلتين انتهت العدة، وإذا وضعت بعد تسعة أشهر إلا ليلتين – نفترض مثلاً – تنتهي العدة، وهذا صعب طبعاً في أيامهم لأنهم لا يعرفوا مدة الحمل لكن لو افترضنا هذا تنتهي العدة، وأرسل أيضاً إلى ابن عباس وعليّ يقول لهما كالعاتب عليهما جعلتما عليها التغليظ – أي بحثتما عن الصعوبة فأصبحت فرضاً على المسكينة، قلتا تعتد بأبعد الأجلين، دائماً بالأبعد تعتد، ولم تجعلا لها الرخصة، مَن شاء باهلته – قال يُمكِن أن نقف بين يدي الله ونتباهل، وهذا شيئ خطير، وأنتم تعرفون ما معنى البهلة، فالبهلة هى اللعنة، عليه بهلة الله تعني عليه لعنة الله، تقول الآية الكريمة ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ۩ وذلك في سورة آل عمران – أن سورة النساء القُصرى نزلت بعد سورة النساء الطُولى، ما قصده إذن؟ قال سورة الطلاق هى الآخر نزولاً، أي المُتأخِّرة نزولاً، هى الآخرة نزولاً بعد سورة البقرة، فالبقرة مُتقدِّمة عليها، وهذا يعني أن ابن مسعود كأنه قال نعمل بالمُتأخِّر وكأنه ذهب إلى معنى من معاني النسخ في هذه الحالة مع أن لا يُوجَد نسخ هنا، هل تعرفون لماذا؟ لأنه آية البقرة عامة، وطبعاً هم كانوا يُسمون التخصيص نسخاً فانتبهوا، الصحابة كانوا يسمون التخصيص – تخصيص العام وتقييد المُطلَق كما نبَّه عليه الشاطبي ومن قبله ابن القيم الجوزية وكثيرون – نسخاً، ليس بالنسخ الاصطلاحي بمعنى رفع حكم وإلى آخره، وعلى كل حال قال مَن شاء باهلته أن كذا وكذا وكذا، لكن هل أنتم ترون أن هذا الخلاف له مساغ أم ليس له مساغ؟ له مساغ وأي مساغ، المساغ واضح يا أخي، وهذا أمرٌ وطبيعي، وهذه القواعد غير مُتفَق عليها، قواعد الجمع بين النصوص وما إلى ذلك ليست مُنزَلة، هى قواعد صناعية تُؤخَذ بالاستنباط وتأمل الفكرة وغلغلة الفكرة في الشيئ، ولذلك هى مُحتمَلة، فإذن هو مُحتمَل.

لدينا المثال المشهور جداً في زمان رسول الله – وهذا ثابت في الصحيحين – الذي تقريباً كلكم وكلكن تعرفونه وتعرفنه، حين قال عليه الصلاة وأفضل السلام مَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخر – بعد أن فرغوا من الخندق، أي الأحزاب – فلا يُصلين العصر إلا في بني قريظة، هنا سوف تقول لي هذا هذا النص – Text – أو هذا المتن مورد خلاف والله، وهذا أمرٌ طبيعي، لماذا؟ لأنه قد يُراد به الحقيقة، النبي يُريد حقيقة ما قال، أي ممنوع أن تُصلي العصر إلا في بني قريظة، صليتها في الوقت أو بعد الوقت لا مُشكِلة لأن لابد أن تُصليها في بني قريظة، لكن من المُمكِن أن يقول لك آخر النبي عربي يا أخي، النبي أفصح العرب، وأفصح مَن نطق بالضاد، أليس كذلك؟ وكلامه فوق كلام المخلوقين، ولكن دون كلام رب العالمين، وطبيعي أن يُعبِّر بالمجازات كما كانت العرب تُعبِّر بالكنايات وبالمجازات وتتوسَّع، فالنبي يتوسَّع ومن ثم قصده أن تُسرِعوا، كما يقول لي أحدهم تأتني كالريح، أنا لا قدر أن آتي كالريح، أنا طين وماء، ريح ماذا؟ قالوا هذا مجاز، أي كناية عن السرعة، واختلف ذات مرة العلماء في مسألة رجل يُريد أن يبيع عصفوراً غريِّداً، فقيل له هل يُغرِّد؟ قال البعيدة امرأتي طالق إن وقف عن التغريد، أي على مدار الأربع والعشرين ساعة يُغرِّد لأن لسانه طويل، فبعض الفقهاء استعجلوا وقالوا امرأته طالق، لأن من المُؤكَّد أن هذا العصفور ينام، هل هو جن؟ هو ينام وحين ينام يتوقَّف عن التغريد، وهناك أُناس قالوا لا يا جماعة، هذا الرجل عربي، وعلى طريقة العرب أخرج جُملته وملفوظته، قصده أنه يُغرِّد كثيراً حتى أنه لا يكاد يسكت عن التغريد، هذا الذي قصده، وليس قصده أنه لا يتوقَّف، والإمام الشافعي طبعاً عُرِضَت عليه هذه المسألة في مجلس أستاذه الإمام العلم وإمام الأئمة في وقته مالك بن أنس رضوان الله عليه، وهو إمام أهل المدينة، فقال له يا محمد ما تقول فيها؟ قال له امرأته غير طالق، انظر إلى الشافعي وإلى ذكائه، ومُباشَرةً الدليل عنده وحاضر، يمتح من معين ما شاء الله، قال له لم؟ قال لما جاء مُعاوية وأبو الجهم يخطبان إحدى الصحابيات – لعلها فاطمة بنت قيس – قال النبي – عليه السلام – أما مُعاوية فصعلوكٌ لا مال له – أي لا أنصحك به – وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وطبعاً هنا الاختلاف في مسألة ما معنى لا يضع عصاه عن عاتقه؟ قيل معناها أنه رجل تسفار، أي رجل دائماً على جناح سفر، هو مُسافِر دائماً، وقيل أنه يضرب، بمعنى ضرَّاب للنساء، هذا معنى لا يضع عصاه عن عاتقه، قال له مالك وما فيها؟ قال له وقد علم رسول الله وعلم الناس أن أبا الجهل يأكل وينام ويُصلي، وإذا أكل ونام وصلى يضع عصاه عن عاتقه، فقال له أحسنت، فتح الله عليك، هذا مُمتاز، أنت تصلح أن تكون إماماً، أرأيت هذا؟ هل النبي هنا – حاشاه وكلا – جاوز الحق؟ أستغفر الله العظيم، النبي عربي و يتكلَّم لغة العرب، عندما قال لا يضع عصاه لم يُجاوِز الحق، لكن النبي هنا تكلَّم بالمجاز أم بالحقيقة؟ هذا باب من أبواب التسع، هذا هو المجاز، هذا تجوز وكناية عن أنه لا يكاد يحل حتى يرتحل أو أنه ضرَّاب للنساء، لكن هذا لا يعني أن يضع دائماً عصاه على عاتقه، أرأيتم هذا؟ هذا هو ولذلك اختلفوا – رضوان الله عليهم – في هذه المسألة وفي غيرها.
اختلفوا في مسألة المُطلَّقة ثلاثاً، وهذه يُسمونها المبتوتة، أي مَن بُتَ طلاقها ومن ثم لا رجعة حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ ۩، هل لها النفقة والسُكنى في العدة طبعاً وليس إلى الأبد؟ في فترة العدة هل لها السُكنى والنفقة أم لا سُكنى لها ولا نفقة؟ ذهب عمر بن الخطاب – رضوان الله تعالى عليه وأرضاه – إلى أن لها السُكنى والنفقة، جرياً مع وأخذاً بظاهر قوله تبارك وتعالى لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ ۩، فالله قال هذا، وعمر هنا جرى على العموم، فأخذ بعموم الآية، والآية تتحدَّث عن المُطلَّقات، سواءٌ منهن الرجعيات والمبتوتات، قال الآية هى التي تقول هذا، لكن ابن عباس خالفه وقال له لا يا أمير المُؤمِنين، أنا أختلف معك هنا، لماذا تختلف؟ قال ليس لها لا سُكنى ولا نفقة، ماذا تصنع بالآية؟ قال الآية في الرجعية، فإذن عمر جرى مع العموم وابن عباس خصَّ الآية وقال هذه فقط مخصوصة بالرجعيات وليس بالميتوتات، وهذا مهيعٌ أيضاً من مهايع الاجتهاد وسيع، ومن ثم ينفع هذا، هذا موجود وهو كثير ومن ثم اختلفوا فيه، ثم أن ابن عباس أيَّد موقفه بماذا؟ أيَّد موقفه بحديث فاطمة بنت قيس المُخرَّج في الصحاح حين قالت طلقني زوجي فأبت طلاقي – أو بت طلاقي، بمعنى طلاقاً لا رجعة فيه – فسألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلم يجعل لي لا سُكنى ولا نفقة، هذا الحديث لما بلغ عمر قال لا ندعُ كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري حفظت أو نسيت، أي لعلها تكون نسيت أو تخربطت وما إلى ذلك ومن ثم نرفض هذا لأن الآية واضحة، علماً بان هذه المسألة من مسائل التخصيص، هل يُخَص عموم القرآن الكريم بآحاد السُنة؟ هذه قصة طويلة والمشهور طبعاً أنه يُخَص، لكن عمر هنا خالف وجرى مع عموم الآية.

لم أُكمِل قصة بني قريظة، قال النبي فلا يُصلين العصر إلا في بني قريظة، فماذا قال بعض الصحابة؟ قالوا لا يُراد الكلام على وجهه، وإنما المُراد أن نُسرِع، فلما دخل الوقت – وقت صلاة العصر – في الطريق نزلوا وتوضأوا وصلوا، وبعضهم قال لا، النبي قال كذا وكذا، فأخذوا بالظاهر وحملوه على الحقيقة، لكن الأولون حملوه على مجازه، يقول عبد الله بن عمر – رضيَ الله تعالى عنهما – فلما بلغوا – ويُقال بلغوا بعد صلاة العشاء – لم يُعنِّف أحداً منهم، سكت عن هؤلاء وسكت عن هؤلاء، ما معنى سكوت النبي هنا؟ يُشرِّع لنا ماذا؟ الاجتهاد، يقول الاجتهاد سائغ ويجوز لكم أن تجتهدوا وخاصة حين يكون النص مورداً للاجتهاد لأنه ليس نصاً، النص ليس نصاً، النص كدليل ليس نصاً بالمعنى الأصولي، أي ليس قطعياً، هذا مُحتمَل فيسوغ لنا الاجتهاد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.

في الحقيقة أدركنا الوقت فعلاً، والموضوع طويل الذيول وكثير الشعوب، وربما يهم أيضاً أن نتوسَّع فيه، ولكن ربما – إن شاء الله – في فرص أخرى سانحة بحول الله – تبارك وتعالى – وبتيسيره، لكن أُريد أن أختم فقط بجُملة.

من أوسع أبواب اجتهاد الصحابة اجتهادهم في تحقيق المناطات، ما معنى تحقيق المناط، باختصار أيضاً حتى لا ندخل في معمعمة الأصول نقول أن تحقيق المناط يُطلَق بإزاء معنين، والمعنى العام – هكذا ليرسخ في أذهانكم – أنه تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع العملية، أي تنزيل الأحكام في الحياة وفي الوقائع، ولكن له معنيان، هكذا أصولياً بدقة، المعنى الأول أن نأتي إلى قاعدة عامة أو معنىً كلي من معاني الشرع وقواعده ونُنزِّله في آحاد صوره، فإذا قال الله – تبارك وتعالى – وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ ۩ فإن هذا معنى عام، حين نُطبِّقه نأتي نستشهد رجلين يكونان أهلاً للشهادة، فإن انطبق عليهما أنهما فعلاً أهلٌ للشهادة نكون قد قمنا بتحقيق المناط، هذا هو تحقيق مناط، الله يقول فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ۩، رجل مُحرِم قتل حماراً وحشياً مثلاً، الآية حكم عام، ونأتي الآن إلى واقعة مخصوصة،هو قتل حماراً وحشياً Zebra – – فماذا يفعل؟ هو استفتاك، قال الله فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ۩، ما النعم التي عندنا؟ الجمال والبقر والغنم والمعز، الله قال مِنَ النَّعَمِ ۩ ولم يقل من الحيوانات، والنعم أربعة ونحن لدينا سورة الأنعام، إذن بماذا نحكم؟ قال نحكم على مَن قتل حماراً وحشياً أو صاد حماراً وحشياً ببقرة، لأن البقرة تُماثِل الحمار الوحشي، أي في حجمها وجسمها وقدرها، هذا هو إذن، فهذا تحقيق مناط، والمعنى الثاني لتحقيق المناط هو تمرير علة أصل ثابتة – الأصل أي ما نطق به النص، وثابتة بمعنى اتفق عليها العلماء – إلى فرعٍ، نُطبِّق هذه العلة في فرعها، لأنه يبدو أنه يشترك مع الأصل، هذا تحقيق المناط، لكن باب تحقيق المناط من أوسع الأبواب التي نُخرِّج عليها اختلافات الصحابة واجتهادات الصحابة، فنقول للذين يعترضون كيف أوقف عمر حد السرقة؟ عمر لم يقف حد السرقة، ولكن عمر أراد أن يُحقِّق المناط، بمعنى أن السارق الذي إذا سرق بالوصف المعروف أو بالشروط المعروفة تُقطَع يده، هل السرّاق في عام المجاعة هم سرّاق بهذا المعنى أم أنهم لا يكونوا مورداً لتطبيق هذا الحكم؟ هذا من باب تحقيق المناط، قال ليس هذا السارق الذي أمر الله أن تُقطَع يده، هو سارق في عام مجاعة، والناس تهلك وتموت، الحيوانات تموت والأرض سوداء، فجاء هذا وسرق، مد يده لكي يعيش، ليدرأ عن نفسه خطر الموت، أي لئلا يهلك، فقال كيف أقطعه؟ هذا غير معقول، ليس هذا السارق الذي أمر الله بإقامة الحد عليه، إذن هذا من باب تحقيق المناط، قال الله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۩ وتحدَّث عن الإماء وقال فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ۩، حاطب بن أبي بلتعة – رضوان الله عليه – كان له أمة نوبية أسلمت وصلت وصامت، وفي ذات اليوم لم يرُعه – لم يرُع حاطباً – إلا حبلها، رآها وقد ظهر حملها، فأتى إلى عمر بن الخطاب وقال يا أمير المُؤمِنين كذا وكذا وكذا، قال له أنت الرجل الذي لا يأتي بخير، عمر يحب الستر وليس مثل اليوم يُحِبون أن يفضحوا فقط ويُحِبون أن يأتوا بالفضائح في التلفزيون Television وما إلى ذلك، المسلم التقي والإنسان الصالح اجتماعياً – وليس الشخصية السيكوباتية Psychopathic – لا يُحِب هذه الأنباء ولا يُحشب أن تشيع في الذين آمنوا، ويُحب أن يعطي انطباعاً مُختلِفاً يُفيد بأن الدنيا لا تزال بخير إن شاء الله، لكن هناك مَن يفرح وكأن الناس كلها تفعل هذا والعياذ بالله، فعمر قال له أنت الرجل الذي لا يأتي بخير، ما هذا الخبر الذي أتيت به؟ فجاءت هذه المسكينة، قال لها أحبلتي؟ قالت له نعم، من مرعوش بدرهمين، قالت مُباشَرةً هذا مضبوط، فهو قال لها هل أنتي حامل؟ أحبلتي؟ علماً بأنها كانت ثيباً – كانت مُزوَّجة من قبل فكانت ثيباً – فقالت له نعم، من مرعوش بدرهمين، فعمر قال أشيروا علىّ أيها الناس، ما هذه الورطة التي أنت فيها؟ هى تعترف بطريقة عادية، أي تستهل به، يقول الراوي فإذا بها تستهل به – أي بالجرم – استهلال مَن لا يعلم، فقال عثمان بن عفان – رضيَ الله عنه وأرضاه – يا أمير المُؤمِنين ألم ترها تستهل به استهلال مَن لا يعلمه؟ وإنما الحد على مَن علم، هذه جاهلة ولا تفهم شيئاً، هذه النوبية المسكينة لا تفهم شيئاً، فعمر قال نعم، إي والله، إنما الحد على مَن علمه، فلم يرجمها لأن هذه المسكينة لا تعرف، فهذا من باب تحقيق المناط، ومُعظم اجتهادات عمر تدور على هذا فانتبهوا، قد يقول لي أحدكم كلامك كله يا عدنان لم يدخل مخي، لماذا؟ سوف يقول لي لأن عمر بن الخطاب الذي تُحِبه وتُوقِّره اجتهد في موارد نصوص نصية، أي فيها نص قطعي، وهذا صحيح ومضبوط، فهى فيها قطع، لكن انتبهوا إلى أن عمر لم يجتهد في موارد النصوص بالمعنى الأصولي في ذوات النصوص ليردها أو يُعطِّلها وإنما في تحقيق المناط، هل تنطبق؟ هل هذه هى الحالة التي أرادها النص أم أنها حالة مُختلِفة؟ هذه حالة مُختلِفة، هل فهمتم؟ هذا هو بكل بساطة، وأختم بمثال واحد إن شاء الله يروق لكم، هو راق لي وإن شاء الله يروق لكم، ما هو؟ أيام رسول الله الذي يقتل خطأً أو يقتل في شبه العمد – قتلاً شبه عمدٍ – عليه دية – لا يُوجَد قصاص وإنما تُوجَد ديه – والدية طبعاً لا تُعصَب بجبين القاتل وحده، تكون مُصيبة لو عُصِبَت بجبينه وحده لأنه في أكثر الأحايين لا يستطيع، وإنما تُعصَب بجبينه وجبين العاقلة، ما معنى العاقلة؟ العصبة، أي أقرباؤه الذكور لجهة أبيه لا يتوسطهم أنثى، الأقرباء ذكور الذين لا يتوسطهم إناث إسمهم العصبة والعرب يُسمونهم العاقلة، فكانوا يدفعون الدية، أيام عمر بن الخطاب كأنه وسَّع معنى العاقلة، فماذا فعل؟ قال الدية على أهل الديوان وأصحاب الحرفةِ الواحدة، وبه أخذ مُباشَرةً السادة الحنفية، وما أحسن ما أخذوه، ما معنى أصحاب الديوان؟ الجيش، حينما كان يُقال الديوان أيام عمر بالذات كان يُقصَد ديوان الجيش، علماً بأن أول مَن دوَّن الدواوين هو عمر، ومن ثم أراد ديوان الجيش، كيف هذا؟ أنت في الجيش وقتلت قتلاً خطأً أو شبه عمد، مَن الذي يدفع الدية معك؟ الجيش، ليس أهلك كأولاد عمك وإخوتك وما إلى ذلك، ليس لهم علاقة لأن الجيش هو مَن سيدفع، عاقتلك هم جيشك، ما هذا الاجتهاد؟ أرأيتم إلى أي مدى كان عمر مرناً وإلى أي مدى كان فيلسوف شريعة وإلى أي مدى كان رجلاً جباراً؟ أنا أقول إن شاء الله – إن أصبت فمن الله وتوفيقه، وإن أخطأت من نفسي، والله بريء منه ورسوله – أننا نسير في طريق عمر ونقول هل يُوجَد اليوم في الدول الإسلامية أو حتى الجماعات الإسلامية مَن يُقسِّمون كل ما غنموا بالتقسيم القرآني ويُعطون أربعة أخماس للجيش؟ طالبان لا تقول بهذا – حسب مبلغي – ولا تفعل هذا، اليوم لو قامت معركة من المعارك وخاضها جيش مسلم هل في طالبان أو غير طالبان الآن يُقسِّمون كل ما غنموا بالتقسيم القرآني ويعطون أربعة أخماس للجيش؟ لا يفعل هذا أحداً، أليس كذلك؟ وهنا قد يقول لي أحدكم لقد أتيت لنا بمثال قد يُحدِث لنا لبساً لأن السعودية لا تفعل هذا ولا العراق ولا مصر ولا طالبان ولا أي أحد؟ قال الله وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۩، أربعة أخماس الدبابات والطيارات وكل الأشياء للجيش ما شاء الله، لا يُوجَد جيش واحد يفعل هذا، وهنا قد يقول لكم مَن لا يفهم هؤلاء زنادقة وهذه حكومات كافرة ومن ثم يجب أن نُطبِّق أمر الله ولو كنت أنا رئيس دولة ما فعلت هذا، لكنه سوف يُخرِّب الدولة بالكامل والله العظيم، هل تعرفون لماذا؟ ما هو الفارق؟ أنا سوف أقول لكم لماذا، لأن الجيش اليوم ليس هو الجيش أيام رسول الله، فهذا تحقيق مناط، الجيش أيام رسول الله مُجرَّد مُتطوِّعين يتطوَّعون بكل شيئ أو بعضهم يحمل بعضاً وبعد ذلك لهم هذا الحكم، لكن اليوم الجيش مُؤسَّسة قارة راسخة فيها رواتب وفيها تدوين وفيها وظائف، أليس كذلك؟ فالواحد في الجيش يأخذ مُرتَّبه شهرياً سواء في حالة الحرب والسلم، فعندما تقوم معركة لا تقل لي أعطني أربعة أخماس، لا يا حبيبي فهذا انتهى، أرأيتم القضية؟ وهنا قد يقول لي أحدكم كيف هذا؟ هذا هو الاجتهاد فعلينا أن نُعمِل العقل الشرعي.

اللهم إنا نسألك أن تهدينا وتهدي بنا وأن تُعلِّمنا وتُصلِحنا وتُصلِح بنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

 (19/4/2013)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: