الرئيسية / التفريغات النصية / عِظم ليلة القدر

عِظم ليلة القدر

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين المُنتجَبين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله سُبحانه وتعالى:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأفاضل، يقول الله – سُبحانه وتعالى من قائل – بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

حم ۩ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ۩ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ۩ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ۩ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ۩

كما يقول – سُبحانه وتعالى -:

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۩ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۩ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۩ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ۩ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ۩

ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر أنزل الله فيها – سُبحانه وتعالى – كلامه العزيز، وفرق فيها كل أمر من أمر الحياة والممات، ومن أمر العز والذل، ومن أمر العطاء والحرمان، فهي ليلة الفرق.

والصحيح من أقوال المُفسِّرين في الليلة المُبارَكة – ليلة الفرق أو الفرقان، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ۩ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ۩ – أنها ليلة القدر، وقد قال بعضٌ إنها ليلة النصف من شعبان، لكن الأول عليه الأكثرون من العلماء، وهو الأصح والأقوى – إن شاء الله تعالى -.

وفي كيفية إنزال الكتاب العزيز في ليلة القدر خلافات بين العلماء، وأشهر هذه الأقوال وأولاها بالصحة قول مَن قال إن الله – تبارك وتعالى – أنزل كتابه العزيز جُملةً واحدةً ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، أي إلى السماء الدنيا، قالوا من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وهذا مروي بأسانيد صحيحة عن حبر الأمة عبد الله بن عباس – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، كما أخرج الإمام الحاكم والبيهقي عنه بإسناد صحيح أنه قال – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – أنزل الله – سُبحانه وتعالى – الكتاب ليلة القدر جُملةً واحدةً إلى سماء الدنيا، ثم كان بعد ذلك يُنزِّله على مواقع النجوم بعضه إثر بعض على محمد – عليه الصلاة وأفضل السلام -، فالكتاب نزل جُملةً واحدةً من اللوح المحفوظ في السماء السابعة، إلى بيت العزة في السماء الدنيا، جُملةً واحدةً! ثم أنزله الله مُنجَّماً، أي مُفرَّقاً على مواقع النجوم، بحسب الحاجات وبحسب المُقتضيات تمكثاً وتؤدةً، كما قال – سُبحانه وتعالى – عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ۩، قال وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ۩، وهذا الفعل المُضعَّف – أي نزَّل – يدل على أن الإنزال كان مرة تلو مرة، فرق في لُغة العرب بين قولهم أنزل ونزَّل، أنزل أي جُملة واحدة، ونزَّل أي مرة تلو الأُخرى، فإن أنزلت حمولة الدابة مرة واحدة قلت أنزلتها، وإن نزَّلتها على دُفعات قلت نزَّلتها، وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ۩، قال لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ۩، تمكث في تنزله أو في تنزيله وتمكث في تلاوته وقراءته على الناس كما قال – سُبحانه وتعالى من قائل -.

وقد أخرج البيهقي أيضاً وابن مردويه بإسنادهما عن أحد أتباع الصحابة، وهو أحد تَلاميذ عبد الله بن عباس، وهو عطية بن الأسود، قال – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – أوقع الشك في قلبي قول الله تعالى – أي وقع عندي شك، شك في الفهم وليس شك في الاعتقاد – شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ۩، وقوله إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۩، مع أنه – أي القرآن – نزل في ذي القعدة وذي الحجة، في شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المُحرَّم وفي صفر وفي شهر ربيع وفي باقي الشهور، ولم ينزل فقط في ليلة القدر أو في شهر رمضان وحده، قال فشككت، هذا تضارب كما يظهر له بادئ الرأي، فسألت عبد الله بن عباس – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، فقال لي أنزله – سُبحانه وتعالى – ليلة القدر جُملة واحدة إلى سماء الدنيا، إذن فعلاً نزل في ليلة القدر، ونزل في شهر رمضان، وكله! ولكن إلى سماء الدنيا، إلى بيت العزة، وهو أشرف مكان في السماء الدنيا، ليلة القدر، من شهر رمضان المُكرَّم، ثم كان بعد ذلك بمواقع النحوم، فأنزله – سُبحانه وتعالى – رسلاً على نبيه – عليه الصلاة وأفضل السلام -، أي رفقاً، بتؤدة، شيئاً فشيئاً، خمس آيات وعشر آيات وأقل وأكثر، لكن كما في حديث الإمام البيهقي عن الإمام علي – عليه السلام – أغلب ما نزل من الكتاب العزيز إنما نزل خمس آيات خمس آيات، خمس آيات خمس آيات، في مُدة عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين، على حسب الاختلاف السادة العلماء، في مُدة إقامته بمكة بعد البعثة – عليه الصلاة وأفضل السلام -، منهم مَن قال مكث عشر سنين، منهم مَن قال مكث ثلاث عشرة سنة، ومنهم مَن قال مكث بمكة خمس عشرة سنة، اختلفوا في هذه المسألة، فقالوا أنزله الله في عشرين أو في ثلاث وعشرين أو في خمس وعشرين سنة – عليه أفضل الصلاة وأتم السلام -.

وليلة القدر – أيها الإخوة الأحباب – مُختَصة بهذه الأمة، فهي من خصائص هذه الأمة، أكرم الله بها – سُبحانه وتعالى – أمة حبيبه الأعظم وصفيه الأكرم – عليه الصلاة وأفضل السلام -، يقول في هذا المعنى الإمام النووي – رضيَ الله عنه وأرضاه، مُحي الدين النووي – وليلة القدر مُختَصة بهذه الأمة على الصحيح، وقد قطع به أصحابنا كلهم والجمهمور، هو رأي جمهور العلماء ورأي جميع الشافعية، قال كل علماء الشافعية وكل أئمة الشافعية على أنها مُختَصة بهذه الأمة، من خصائص أمة محمد، قال الحافظ ابن حجر وجزم به ابن حبيب من المالكية، وجزم به العلّامة ابن حبيب الأندلسي، وهو من فطاحل السادة المالكية، وقد ذُكِر أنه ألَّف ألف مُجلَّدة في العلم الشرعي، جزم به ابن حبيب من السادة المالكية.

ولعلهم يحتجون له وقد فعلوا بما أخرج الإمام مالك – رضيَ الله عنه وأرضاه – في الموطأ بلاغاً، هذا من بلاغات الإمام مالك، أخرج بلاغاً – رضيَ الله عنه وأرضاه – أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – أُريَ، أي أراه الله، أُريَ أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، قد لا يكون أُريَ جميع أعمار البشر، لكن ما شاء الله أن يُريه من أعمارهم، أُريَ أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، طبعاً كانت أعمارهم مُتطاوِلة ومُمتَدة، فخشيَ – عليه الصلاة وأفضل السلام – على أمته ألا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ مَن كان قبلهم مع طول العمر، لأن أعمارهم كانت مُمتَدة وطويلة وفسيحة، فيستطيعون أن يعملوا الأعمال الصالحة، ويتقرَّبوا بصنوف القُربات وألوان المبرات، ما لا تستطيع مثله هذه الأمة المرحومة، فأنزل الله عليه ليلة القدر هي خيرٌ من ألف شهر، هي ليلة واحدة، مَن وفَّقه الله إليها وإلى قيامها والتعبد فيها كُتِب له كأنه قام وتعبَّد ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر، وهذا من فضل الله العظيم، لا إله إلا الله!

فعلاً لا يُحرَم خيرها إلا مَن حُرِم، فقد أخرج الإمام أحمد في مُسنَده والإمام النسائي في المُجتبى من حديث أبي هُريرة وقد ذكر فيه أن النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – ذكر شهر رمضان وقال وفيه ليلة خيرٌ من ألف شهر، مَن حُرِم خيرها فقد حُرِم، هو المحروم حقاً، وعلى نفسه فليبك مَن ضاع عمره وليس له منها نصيب ولا سهم، مَن حُرِم خيرها فقد حُرِم، نسأل الله – عز وجل – أن يجعلنا من المُفلِحين الظافرين، لا من المحرومين المُبعَدين، اللهم آمين يا رب العالمين، فهي على الصحيح مُختَصة بهذه الأمة، وبما أخرج أيضاً البيهقي وابن المُنذِر وابن أبي حاتم عن التابعي الجليل مُجاهِد، وهو المُفسِر الشهير – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين -، قال ذكر رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – ذات مرة لصحابته رجلاً من بني إسرائيل حمل السلاح في سبيل الله – كان فارساً، في سبيل الله بمعنى الجهاد، أي مُجاهِداً مُرابِطاً – ألف شهر، أي حمله ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر وهو مُجاهِد في سبيل الله، من ثُغر إلى ثُغر أو من ثُغرة إلى ثُغرة، من موقعة إلى موقعة، من معركة إلى معركة، ومن رباط إلى رباط، فعجب الصحابة، فعجب الصحابة من هذا الرجل، طبعاً وخشوا على أنفسهم، والخشية قائمة، ألا يستطيع كثير منهم مثلما استطاع هذا الرجل المُؤمِن الإسرائيلي المُجاهِد، قال فأنزل الله هذه السورة، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۩ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۩ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۩، خير من هذه الأشهر، حتى قال بعض العلماء بل فضل ليلة القدر فوق ذلك، أكثر من ألف شهر، وإنما ذكر أَلْفِ شَهْرٍ ۩ للتكثير، لأن الألف عدد فعلاً يُضرَب للتكثير مثلاً، يُضرَب للتكثير مثلاً! وإنما فضلها أنها فوق ألف شهر أيضاً، لكن ذُكِر للتكثير.

وأكثر السادة العلماء على أن هذه الليلة أفضل من ليلة الجُمعة، واختلفوا هل هي أفضل من ليلة المعراج أو أن ليلة المعراج أفضل منها؟ والذي أرتاح إليه أن ليلة المعراج أفضل منها في حق رسول الله، وليلة القدر أفضل من ليلة المعراج في حقنا نحن، وإن أردنا قطع النسبيات والإضافات والعلائق فأرتاح أن ليلة المعراج أشرف وأجل، لأنها ليلة عظيمة، دونها كل الليالي، فكانت ليلة بليال.

وليلة وصل بات مُنجِز وعده                     سميري فيها بعد طول مطال.

شفيت بها قلباً أطيل غليله                             زماناً فكانت ليلة بليال.

فهي مع قطع العلائق والإضافات قطعاً أفضل من ليلة القدر، لكن إن أضفنا ليلة المعراج إلى رسول الله فهي أشرف وأفضل، وإن أضفنا ليلة القدر إلينا نحن فهي في حقنا أشرف وأفضل وأقدر وأعظم قدراً – إن شاء الله تعالى -، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

ما معنى كون هذه الليلة خيراً من ألف شهر؟ ما معنى كونها خيراً من ألف شهر؟ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۩، أي باعتبار العبادة فيها، فالعبادة فيها خيرٌ وأجزل الثواب عليها من عبادة تقع في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر، لأن الألف شهر لو كان فيها لما صح المعنى، أي هي سنوات مُتواليات، إذن في كل سنة يقع شهر رمضان، وفي كل شهر رمضان ليلة قدر، وإنما المعنى العبادة فيها خيرٌ من عبادة في ألف شهر، ليس في هذه الأشهر الألف ليلة قدر، وهذا تماماً كقوله – عليه الصلاة وأفضل السلام – في أجر المُرابِط فيما أخرجه الإمام أحمد في مُسنَده رباط ليلة في سبيل الله خيرٌ من ألف ليلة فيما سواه من المنازل، ليس من الألف ليلة مُطلَقاً، طبعاً من ألف ليلة لكن فيما سوى أرض الرباط من المنازل، رباط ليلة في سبيل الله خيرٌ من ألف ليلة فيما سواه من المنازل.

وما معنى كلمة القدر؟ ولماذا أُضيفت إلى القدر؟ هذا مُركَّب إضافي، هذا مُركَّب إضافي كما يقول النُحاة، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۩ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۩ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۩، مرات عديدة ورد هذا المُركَّب، ما معنى القدر؟ قال بعض العلماء ليلة القدر أي ليلة التقدير، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ۩، وذلكم أن الله – تبارك وتعالى – يُقدِّر فيها إلى مثلها من قابل – أي في سنة كاملة، من ليلة القدر إلى ليلة القدر، أي من ليلة القدر إلى ليلة القدر أو من رمضان إلى رمضان يُقدِّر فيها الآتي – مَن يموت ومَن يحيا ومَن يُعطى ومَن يُحرَم ومَن يُولَد ومَن يشيب ومَن يهرم ومَن يضعف ومَن يمرض ومَن يصح ومَن… ومَن… ومَن… إلى آخره! كل وجوه التقديرات، قال – تعالى – فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ۩ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ۩ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۩، والصحيح كما قلت في تأويل آية الدخان أنها هي ليلة القدر، لا ليلة النصف من شعبان، فقيل ليلة القدر أي ليلة التقدير، وهذا وجيه جداً.

وقيل ليلة القدر أي ليلة الشرف والعظمة والمنزلة، من قولهم فلان ذو قدر، قال – تعالى – وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۩، أي ما كبَّروه وما عظَّموه – سُبحانه وتعالى – حق تعظيمه، وما أجلوه حق التجلة، ليلة القدر ليلة الشرف والعظمة والمنزلة، فهي ليلة وجيهة شريفة مُنيفة عظيمة، وهذا أيضاً لا يبعد.

وقيل ليلة القدر أي ليلة الضيق، لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة، فالملائكة تتنزَّل فيها مع الروح، قيل هو جبريل، وهذا مشهور جداً في تفسير الروح في القرآن الكريم، وقيل ملك عظيم لا ينزل إلا في هذه الليلة، مرة واحدة في السنة، والله أعلم! فتضيق الأرض فيها بالملائكة، لكثرة ما يتنزَّل فيها من أملاك الرحمن – عليهم السلام -، وقيل معنى التضييق فيها تضييق علمها، لأن الله أخفى علمه عن أكثر الخلائق، فما يعلمها إلا قليل من أولياء الله والعارفين، والنبي قطعاً كان يعلمها وكان يعرفها، وسيأتيكم بُرهان ذلك، لكنه حكمةً منه وتدبيراً لأمته – عليه الصلاة وأفضل السلام – ما أحب وما أراد أن يُخبِرهم بها، وسيأتي حكمة ذلك بُعيد قليل – إن شاء الله تعالى -.

إذن ليلة القدر بمعنى ليلة الضيق، وهذا وارد أيضاً في كتاب الله، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ ۩ في الطلاق، في سورة الطلاق وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ ۩، أي ومَن ضُيِّق عليه، أي إنسان مُقتَّر عليه ومُضيَّق عليه في رزقه، وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ۩، أي ما معنى أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ۩؟ أي لن نُضيِّق عليه، لن نُعاقِبه، لن نُضيِّق عليه بعقوبة، وليس معنى لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ۩ لن نتمكَّن منه، أيظن نبي أنه يُعجِز الله؟ هذا كفر، لو ظنه مُسلِم عادي هذا كفر، فكيف يظنه نبي؟

وقد ذكرت مرة لأحبابي في أحد الدروس القريبة أن مُعاوية بن أبي سُفيان بعث مرة إلى حبر الأمة ابن عباس، قال له أنجدني، أغثني يا عبد الله بن عباس، قال ما ذاك يا أمير المُؤمِنين؟ قال لقد كنت أسبح في بحار كتاب الله، فعلتني موجة كادت تُغرِقني، قال ما هي يا أمير المُؤمِنين؟ قال قوله – تبارك وتعالى – فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ۩، كيف يظن نبي أن الله لا يقدر عليه؟ فقال يا أمير المُؤمِنين ليس من القُدرة، وإنما من القَدْر، أي التضييق، قال – تعالى – وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ ۩، قال جزاك الله عنا وعن المُسلِمين خير الجزاء، هذا الفهم، اللهم فقِّهه في الدين وعلِّمه التأويل، كان من الذين يتأوَّلون كتاب الله على وجهه – إن شاء الله تعالى -.

فهذا ما قيل في معنى ليلة القدر، والله – تبارك وتعالى – أعلم، وأما ما ورد في فضلها فمعروف لديكم، ولكن نُتحِفكم بزيادة ربما لا يذكرها بعض الوعّاظ أو بعض المُتكلِّمين، في الحديث المشهور في الصحيحين من رواية أبي هُريرة قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، أي مُخلِصاً لا يبتغي ولا يحتسب أجره إلا من الله وعنده – سُبحانه وتعالى – هذا معنى احتساباً، لا يطلب الأجر إلا من الله، ولا يكتفي إلا بذلك، وهذا يكفيه، قال إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، أي الذنب السالف، غُفِر له ذنبه السالف، وهذه منحة إلهية تتقاصر أعمارنا كلها – والله – على طولها أن نُؤدي بعض شُكرها، في ليلة واحدة قد تُغفَر لك جميع ذنوبك – إن شاء الله تعالى -، لكن لو قيسنا على أحاديث أُخرى كثيرة صحيحة ما اجتُنبت الكبائر، بالقياس الصحيح على أحاديث كثيرة في قريب من هذا المعنى وفي شاكلته ما اجتُنبت الكبائر، الكبائر لا تُغفَر إلا بالتوبة الصادقة، لا تُغفَر لا بالحج ولا بالصيام ولا بالصلاة ولا بليلة القدر ولا… ولا… ولا…. أبداً! الكبائر لا تُغفَر إلا بالتوبة الصادقة، وباب التوبة مفتوح إلى أن تُشرِق الشمس من مغربها، فما الذي يحول بيننا وبين التوبة؟!

لكن روى الإمام أحمد في مُسنَده والإمام الطبراني في مُعجَمه الكبير من حديث صاحب رسول الله عُبادة بن الصامت – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – أن الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – قال في ليلة القدر مَن قامها ابتغاءها، ثم وقعت له، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، قال مَن قامها ابتغاءها، أي أيضاً بمعنى أنه لا يقومها لأجل أن يُقال أو لأجل أن يُعرَف بأنه قام وأنه مُتعبِّد ومُعتكِف أبداً، وإنما قامها طلباً لها، فقط بهذا الغرض وبهذه النية، يُريد أن يُوافِق ليلة القدر، قال مَن قامها ابتغاءها، ثم وقعت له، وهذا المعنى سأقف عنده طويلاً في درس المساء – إن شاء الله تعالى -، ما معنى وقعت له؟ فهل من المُمكِن أن تُقام وأن تقع لبعض وألا تقع لبعض؟ نعم، مُمكِن في مشهور قول العلماء، لكن الأجر موضوع آخر، كل مَن قامها له أجر – إن شاء الله – وله حظ عظيم من أجرها، وسيأتي كلام قريب من هذا، لكن أن تقع أو لا تقع فهذه مسألة أُخرى، فهي تقع لبعض الناس ولا تقع لبعض، لا تقع إلا لمَن وفَّقه الله.

قال مَن قامها ابتغاءها، ثم وقعت له، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، والزيادة التي أُريد أن أتحِفكم بها وما تأخَّر، لا إله إلا الله! هذه منحة عظيمة، منحها الله نبيه الكريم، لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ۩، ويُمكِن أن تُعطى لبعض أولياء هذه الأمة الركع السجد المُوفين بالعهود، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، ومعنى وما تأخَّر أي وما يُستقبَل من الذنب، كل ما هو في ضمير الغيب والمُستقبَل مما ستفعله من ذنب مغفور قبل أن يقع، لا إله إلا الله! مغفور لك قبل أن يقع وقبل أن تستغفر، بسبب ليلة واحدة، فهذا شيئ عظيم جداً ورد في فضل ليلة القدر.

لمَن يحصل فضلها؟ فضل ليلة القدر يحصل لمَن قامها، مَن قامها كلها أو أغلب ليلها بلا شك يحصل له هذا الفضل – إن شاء الله -، ولكن الأجر بحسب النية وبحسب الاجتهاد وبحسب ما يعلم الله من قلب عبده، فالمدار يا أحبابي ليس على الاجتهاد، وإنما على القبول، ولا ننقص من أجر الاجتهاد والمُجتهِدين، ولكن العبرة بالقبول، فرب قائم ليس له من قيامه إلا السهر، رب قائم محروم، ورب نائم مرحوم، هذا قام وقلبه فاجر، وهذا نام وقلبه ذاكر.

مَن لي بمثل سيرك المُدلَّل                         تمشي رويداً وتجي في الأول.

طبعاً فالمدار على القبول وليس على شيئ آخر، ونعود إلى ما كنا فيه يا أحبابي، فيحصل فضلها لمَن قامها بلا شك، ويحصل فضلها أيضاً لمَن صلى ليلتها العشاء في جماعة، فقد روى مالك أيضاً بلاغاً عن الشيخ الفقيه التابعي الجليل سعيد بن المُسيب، قال بلغني أن سعيد بن المُسيب كان يقول مَن شهد العشاء ليلة القدر جماعةً فقد أخذ بحظه منها، أي أصاب حظاً من فضل ليلة القدر، والإمام الشافعي في مذهبه القديم العراقي قال – رضيَ الله عنه وأرضاه – مَن شهد صلاة العشاء وصلاة الصبح – صلاتين – جماعةً ليلة القدر فقد أخذ منها بحظ وافر، فقد أخذ منها بحظ وافر ولو نام ما بينهما، وقال فريق من العلماء يتحصَّل على فضلها ويحصل فضلها لمَن صلى صلاة التراويح جماعةً، أي الذين يقومون هذه الليلة، وطبعاً قيام ليالي رمضان يحصل بماذا؟ بصلاة القيام، وهي صلاة التراويح، ومَن صلى التراويح جماعةً – إن شاء الله – أخذ بحظه منها، ومَن صلى المغرب والعشاء حتى ينقضي رمضان جماعةً فله حظ عظيم منها، لما أخرج البيهقي في الشُعب وغيرها من حديث أنس بن مالك، أنه – عليه الصلاة وأفضل السلام – قال مَن صلى المغرب والعشاء جماعةً حتى ينقضي رمضان فقد أخذ بحظه من ليلة القدر، فهؤلاء هم الذين يتحصَّلون على فضلها.

ما هي الحكمة الشرعية من إخفاء ليلة القدر وتضييق علمها – فما يعلمها إلا قليل، ولا تُمار فيهم منهم أحداً، لا يعلمها إلا مَن خصه الله بعلمها -؟ الحكمة هي ما ورد في حديث عبد الله بن أنيس بإسناد حسن، قال قلت يا رسول الله أي ليلة تُبتغى فيها ليلة القدر؟ دلنا عليها، عيِّنها لنا، حدِّدها، يا رسول الله أي ليلة تُبتغى فيها ليلة القدر؟ قال لولا أن أخشى أن يدع الناس الصلاة إلا تلك الليلة لأخبرتك، أنا أعرفها – قال، أعرف هذه الليلة، لكن أنا أخشى أن يدع الناس الصلوات، ما المعنى بالصلاة هنا؟ المُتطوَّع بها، وليس الفرائض طبعاً، وإنما المُتطوَّع بها، أي صلاة القيام، صلاة القيام أو التهجد، يتركونها، انتهى! يتركون التراويح ويتركون العبادة في الليلة ويتركون التهجد، يقولون انتهى، وُفِّقنا إلى ليلة القدر، هي ستكون ليلة السابع والعشرين، سنُصلي هذه الليلة فقط، لا! الرسول حريص على أن تغتنم أمته الخير من جوانبه وأن تحرص عليه وأن تزداد حرصاً على تكثيره وتنميته وأخذه من وجوهه.

ثم بعد ذلك حتى لو عيَّنها الرسول هل الصحيح أنها تنتقل أو لا تنتقل؟ ربما تنتقل، تكون هذا العام أو هذه السنة ليلة الثالث والعشرين، ثم تكون الليلة السابعة والعشرين أو التاسعة والعشرين أو الحادية والعشرين، تنتقل أو لا تنتقل؟ الله أعلم، أقوال وخلافات كثيرة، وفيها أقوال كثيرة.

ماذا ينبغي على المُؤمِن أن يتزوَّد به من العبادات وأن يتقرَّب به من وجوه القُربات ليلة القدر؟ ومَن وُفِّق إليها – إن شاء الله – ما هي أحرى الأدعية ان يلهج بها وأن يلظ بها وأن يُلِح قارعاً بها باب الرحمن وباب الرحموت؟ هذا سؤال، ثم ما هي أقوال السادة العلماء في تعيينها؟ ما هي أرجى وأرجح الأقوال في تعيين ليلة القدر؟ ثم بعد ذلك هل لها من أمارات ودلالات وعلامات؟ وهل تنكشف حقاً لبعض أولياء الصالحين فيرون أشياء لا يراها بقية الناس؟ أسئلة ثلاثة، أُجيب عنها – بعون الله وتوفيقه – في درس المساء – إن شاء الله تعالى -.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم أجمعين فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

اللهم اغفر لنا وارحمنا، اللهم تجاوز عن سيئاتنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، لا تُؤاخِذنا بما فعل السُفهاء منا، اللهم اهدِنا إلى أحسن الأخلاق وجمِّلنا بها، لا يهدي إلى أحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله بين يديك، إنا بك وإليك، ولا حول ولا قوة إلا بك.

اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، اللهم أعِنا على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، اللهم تقبِّل عنا أحسن ما علمنا وتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يُوعَدون، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ۩.

اللهم ارحمنا في شهر رمضان، اغفر لنا ذنبنا كله، خطأه وعمده، دقه وجِله، سره وعلانيته، قديمه وحديثه، اللهم أعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وأحبابنا والمُسلِمين والمُسلِمات من نار جهنم في شهر رمضان يا رب العالمين.

اللهم اكتنبا فيه من المقبولين، واكتبنا فيه من المُنجِحين، واجعلنا فيه من الظافرين الفائزين، ولا تجعلنا في زُمرة الخائبين، يا رب العالمين.

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۩، ربنا اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، اجزهم بالإحسان إحساناً، وباللإساءة غُفراناً، واغفر اللهم للمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله يذكركم، واشكروه يزِدكم، وسلوه يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (1997)

Comments

comments

شاهد أيضاً

siam

نماذج من صيام الصالحين

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

اترك رد