الرئيسية / التفريغات النصية / عدنان ضد غابرييل – ج3

عدنان ضد غابرييل – ج3

إخواني وأخواتي:

إدمون رباط
إدمون رباط

أُثنّي بشهادة ثانية في قضية الجزية على شهادة المُؤرِّخ البريطاني الكبير توينبي Toynbee ونكتفي، لأن الشهادات – كما قلت – كثيرة جداً ومعروفة في مظانها لمَن طلبها، شهادة القانوني اللُبناني – من أصل سوري حلبي – إدموند رباط، قانوني كبير جداً جداً، أعتقد شارك في كتابة الدستور حتى اللُبناني، من كبار القانونيين العرب وهو نصراني، إدموند رباط تكلَّم عن سياسة الفاتحين التي قال إن جاز لي التعبير بلُغة العصر واصفاً إياها فسأصفها بأنها سياسة ليبرالية مُنفتِحة وأن الطريقة التي سار عليها الفاتحون المُسلِمون مع البلاد والشعوب التي فتحوها كانت بمعنى الكلمة فتحاً في عالم الدين وعالم الفكر، إدموند رباط مسيحي قانوني، رجل قانوني! يقول طريقة الفاتح المُسلِم في مُعامَلة الشعوب المغلوبة كانت فتحاً – لم تكن ابتكاراً وإنما كانت فتحاً – في عالم الدين وعالم الفكر، قال تأسَّس – أي هذا الفتح الليبرالي إن جاز التعبير – على آيتين من كتاب الله، آيتان قال! الآية الأولى قول الله – تبارك وتعالى – لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۩، وهي الآية المفتاحية المُؤسِّسة لحرية الضمير، تُسمى الآن في مواثيق حقوق الإنسان بحرية الضمير، لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۩، من حق الإنسان أن يدين بالدين الذي تطمئن إليه نفسه وقلبه، ولا يُمكِن إكراهه على أن يدّين بما لا يطمئن به، قال القرآن أسَّس لهذا، حرية الضمير! لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۩، قال والآية الثانية آية الجزية، يعني الآية التاسعة والعشرين من سورة التوبة، حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ۩، قال هذه الآية، لماذا؟ لماذا اعتبرها الرُكن الثاني؟لهذه السياسة المُتسامِحة الليبرالية “الفتح العظيم في الفكر والدين”؟ قال لأن لقاء هذه الجزية وهي مبلغ غير باهظ وغير ثقيل – لا يُثقِل كاهل مَن يدفعه – يتمتَّع هذا الإنسان بكل حقوق الحماية، ليس فقط الحماية الدينية، كل الحقوق! قال هذا شيئ غير مسبوق، إدموند رباط قال هذا غير مسبوق، وهو غريبٌ جداً من دولة أساسها ديني وهدفها ديني ووسائلها دينية، لماذا هو غريب؟ طبعاً لأن إذا كانت الدولة قائمة على الدين وتأسَّست على الدين وكانت تتغيا نُصرة الدين وتعزيز الدين وكانت تتوسَّل وسائل دينية كالجهاد في سبيل الله وبعد هذا كله وبعد أولئكم تأتي هذه الدولة وتقول من حق كل امرئٍ أن يستمر على الدين الذي يرتضيه من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو حتى الأديان الوثنية في رأي جماعات من العلماء – وهذا الذي صارت عليه الدول الإسلامية بالمُناسَبة، أعطت الوثنيين كما قلت في الهند وغيرها حق الذمة، أن يُعقَد لهم عقد الذمة – فهذا شيئ غريب – قال – وغير مسبوق في تاريخ الأمم، فتح إسلامي! ويأتيك الآن مَن يتكلَّم عن الذمة والجزية باستخفاف، يُريد أن يُقنِعنا أنهما مُفرَدتان حقيرتان، مُفرَدتان تبخيسيتان تنتقصان من كرامة وحقوق الإنسان، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ۩، لكن تكفينا شهادات الأوائل هؤلاء الأيقاظ المُنصِفين من عمالقة الفكر في العالم، وأنا ذكرت اثنين والشهادات – كما قلت لكم – بالعشرات إن لم تكن بالمئات بفضل الله عز وجل.

بريجيت غابرييل
بريجيت غابرييل

ذكرت السيدة أيضاً غابرييل Gabriel أيضاً أن المُسلِمين كانوا يختمون رقاب أهل الذمة، انظروا إلى هذا الإجراء غير الكريم، المهين الاستذلالي! يختمون رقابهم، يُعلِّقون – قالت – في رقابهم قلائد مُعيَّنة لكي يُعرَف أن الواحد منهم أدى ما عليه من جزية، بفضل الله – تبارك وتعالى – المُؤرِّخ الكبير – هذا الرجل أنا استفدت منه كثيراً حتى في أطروحتي وأعتقد أنه مِن أروع مَن كتب عن أحوال أهل الذمة في الحاضرة الإسلامية – آرثر ستانلي تريتون Arthur Stanley Tritton في كتابه الخُلفاء ورعايهم من الذميين The Caliphs And Their Non Muslim Subjects – الخُلفاء ورعايهم من الذميين كتاب عظيم، أنصح كل إنسان أن يقرأ هذا الكتاب – برأ الإسلام والحاضرة الإسلامية والسُلطة الإسلامية من معرة ابتكار القلائد هذه وختم رقاب الذميين، قال غير صحيح، وطبعاً جاء المُؤرِّخون مع تريتون Tritton مثل مِتز Mez وكُثر غيره وقالوا هذا كان معروفاً من زمان الآشوريين ومارسته بيزنطة، وفي تاريخ الكنيسة النصرانية إديسا Edessa أو الرُها حاكمها في القرن السادس الميلادي كان بأمر الإمبراطور البيزنطي يُعطي الرعايا رطلاً من الخُبز ويختم رقابهم، لكي يعرف أنهم أخذوا، حتى لا يأتي الرجل مرة أُخرى ويأخذ رطلاً آخر، أي أنه إجراء عملي، لم يكن عندهم طباعة

عليّ الخربوطلي
عليّ الخربوطلي

ولا تقييد إلكتروني مثل الآن، يا إخواني إلى اليوم كما لاحظ المُؤرِّخ المصري الكبير الدكتور عليّ الخربوطلي رحمة الله تعالى عليه – مُؤرِّخ الحضارة الإسلامية رحمه الله وطيَّب ذكره – يُوجَد مثل هذا، الخربوطلي قال إلى يومنا هذا تُوجَد دولة كثيرة في آسيا وإفريقيا لدى الانتخابات – الانتخابات Elections – يختمون معاصم أو أيدي الناخبين بختم مُعيَّن لا يزول إلا بعد يومين، حتى لا يتكرَّر إدلاؤه بالصوت مرتين، بعد يومين يزول هذا اللون تلقائياً، هكذا كان أيام البيزنطيين والآشوريين وأيام الإمبراطورية الرومانية وأيام المُسلِمين، كيف سنعرف؟ الجميل أن القاضي يعقوب بن إبراهيم الكُليني المعروف بأبي يوسف وهو صاحب أبي حنيفة – الصاحب الأعظم له طبعاً مع محمد بن الحسن – في كتابه الخراج الذي وضعه للرشيد هارون ذكر قضية ختم الرقاب وأنها فُعِلت في أيام بعض الصحابة، قال مُعرِباً عن العلة – نفس الشيئ – حتى يُحصوا ويُعرَف مَن الذي أدى مِمَن لم يُؤد، فإذا استوفيت الجزية من الجميع – عندنا مثلاً ألف واحد نأخذ منهم جزية وصار عندنا ألف واحد دفعوها – كُسِرت هذه الأطواق، يكسرونها وينتهي الأمر، إذن لم تكن – أكرمكم الله – كأطواق الكلاب أو لاستذلالهم، ولم يمشوا بها في الناس حتى يُعرَف أن الواحد منهم كان يهودياً أو نصرانياً أبداً، كانت اجراءً عملياً، وهذا طبعاً لم تذكر شيئاً منه السيدة بريجيت غابرييل Brigitte Gabriel إطلاقاً، أحبت أن تُنهي إلينا أنه إجراء استعبادي يُعامِل الناس كالحيوانات، عيب!

نجاستهم، بالغت للأسف في الإفك والزور حين ذكرت أن المُسلِمين يُعامِلون اليهود – ذكرت اليهود وأعتقد أنها لم تذكر النصارى، قالت اليهود – على أنهم نجس، تقول نجس! تُفسِّرها بلُغتها الإنجليزية وتقول نجس تعني قذر، قمامة، كلب! نجاسة في دمائهم السائلة، أي نجس – تقول – عينياً، هذا معنى نجس في دمه السائل، أي أن دمه نجس، وهذا يعني أن لحمه نجس طبعاً، لكن هل هذا صحيح؟ ما المُستنَد؟ ما الدليل؟ وكما قلت لكم تشغب وتُحدِث اشتباهاً لدى كثيرين مِن أبناء المُسلِمين مِمَن يجهلون دينهم وتاريخهم، طبعاً قد يُقال نعم، القرآن قال إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۩، في التوبة القرآن قال هذا، جميل! لنُناقِش لكي نتعلَّم كيف نفهم الدين.

هل القرآن قال إنما المُشرِكون وأهل الكتاب أم أنه قال المُشرِكون فقط؟ وطريقة القرآن تُفرِّق على طول الخط بين المُشرِكين وأهل الكتاب، والعطف يقتضي التغاير، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ۩، أليس كذلك؟ المُشرِكون صنف وأهل الكتاب صنف آخر، وأحكام هؤلاء غير أحكام هؤلاء، إذن أنتِ ما دخلك في حكاية المُشرِكين؟ هل أنتِ مُتعاِطفة مع عُبّاد الأوثن؟ فلنفترض هذا، تعاطفي لكن لماذا أدخلتِ اليهود؟

سنرجع إلى نجاسة المُشرِكين، السؤال الآن: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ۩، هل هم نجس بأعيانهم – أي نجاسة حسية فعلاً وعينية، مثل جُرم نجس، هل هم فعلاً مثلما قالت هي؟ هل هم أكرمكم الله مثل البول والغائط؟ – أم أن نجاستهم هذه معنوية؟ حتماً هذه نجاسة معنوية، وهذا رأي الجماهير، خالفه قلة! هذا رأي الجماهير وهو الصحيح، لماذا؟ لماذا هو الصحيح يا إخواني؟

أولاً لأن الله – تبارك وتعالى – والرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – أباحا لنا مطاعم المُشرِكين ما لم تكن ذبائح، إذا أعد مُشرِك خُبزاً فيُمكِن أن تأكل منه، إذا أعد مُشرِك عصيراً فيُمكِن أن تشر بمنه، أي أكل يُمكِن أن تأكل منه بشكل عادي ماعدا الذبائح، لماذا؟ لأنهم يذبحون على اسم طواغيتهم، على اسم اللات وهُبل ومناة، أف! الذبيحة – والعياذ بالله – شركية، هل هذا واضح؟ وأما أهل الكتاب – اليهود والنصارى – فكل مطاعمهم حلال إلا ما استثناه النص من خصوص الدماء المسفوحة أو الخنزير، هم يأكلون هذه الأشياء، هذا حرام! هل هذا واضح؟ أما ما عدا ذلك إذا ذبح يهودي أو نصراني فرخةً أو ذبح بقرةً أو ذبح بعيراً أو ذبح شاةً أو ذبح ماعزاً وما إلى ذلك فيُمكِن أن نأكل، عجيب! المُشرِك لا نأكل ذبيحته لكن اليهودي نأكل ذبيحته، كيف أباح الله لنا مطاعمهم – وفي حق أهل الكتاب مطاعمهم وذبائحهم – وهم نجسون نجاسة عينية ومن ثم أبدانهم نجسة؟ هل هذا يصح؟ غير صحيح، كذب!

ثانياً كيف يكون اليهودي نجساً أو النصراني نجساً وقد أباح الله لنا نكاح نسائهم؟ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ۩، امرأة مُحصَنة، ليست زانية، ليست بغي، امرأة يهودية أو نصرانية شريفة عادية، تستطيع أن تتزوَّجها، وإذا تزوَّجتها ألا تضمها؟ ألا تُقبِّلها؟ ألا تُباشِرها “أي البشرة على البشرة”؟ ألا تأتيها؟ ألا ينعقد ماؤك في رحمها وتُخلِّف لك ولداً ابناً أو بنتاً؟ الفقهاء اتفقوا أن ما تولَّد من نجاسة فهو نجس، هل يُوجَد فقيه واحد قال ولد المُسلِم من كتابية نجس؟ هل قال أحد هذا؟ هل قال أحد إذا مُسلِم تزوَّج كتابية وأنجبت له ابناً أو بنتاً – أي أنجبت ولداً – فإن هذا الولد يكون نجساً؟ طرداً للقاعدة! لأن المُتولِّد من نجاسة نجس، أليس كذلك؟

إذن موضوع نجاسة اليهود والنصارى – نجاسة أهل الكتاب – كلام فارغ، فارغ مُبتدأً ومُنتهىً!

يا إخواني:

هناك أيضاً مُفاجأة، في القرآن الكريم ليس المُشرِكين فقط – ليس المُشرِكين وحدهم – هم الأنجاس أو الرجس، المُنافِقون أيضاً! أليس كذلك؟ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ۩، إذن قال إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۩، والرِجس هو النِجس، أي الشيئ النَجس، الرِجس هو النِجس، هكذا تُضبَط! والرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – فسَّرها كما قال أبو جعفر – شيخ المُفسِّرين – بهذا حين كان إذا دخل الخلاء يدخل طبعاً برجله الشمال ويستعيذ بالله – أعوذ بالله – من الرِجس النِجس، الخبيث المُخبِث، الشيطان الرجيم، لأن هذه كلها من صفات الشيطان، هو رِجس وهو خبث البعيد – لعنة الله عليه – طبعاً، فإذن الرِجس هو النِجس، وهذه طريقة بعض اللُغويين الكبار في الكوفة والبصرة، يُعادِلون بين الرِجس والنِجس، فالله قال عن المُنافِقين، إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۩، في آخر التوبة – آخر صحيفة – قال وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ۩، جميل! الآن المُنافِقون هؤلاء – لأن بعض الصحابة كانوا مُنافِقين، أليس كذلك؟ بنص القرآن الكريم والسُنن – ألم يكونوا يتزوَّجون المُسلِمات؟ كانوا، ألم يكونوا يُصلون في الصفوف والأولى ربما أحياناً مع كبار الصحابة خلف رسول الله؟ كانوا، ألم يكونوا يُؤاكِلون ويُشارِبون ويُجالِسون الرسول وأصحابه؟ كانوا، كيف وهم رِجس؟ إذن ما معنى الرِجس والنِجس في حق المُنافِقين وفي حق المُشرِكين؟ الرِجس المعنوي، قد تقول لي أُريد كلمة زائدة لكي أفهم أكثر، هو خبث عقائدهم وطواياهم، سرائرهم من الداخل وسخة، هل هذا واضح؟ سريرة الواحد منهم وسخة!
يُعـطيكَ من طَرَفِ اللِّسانِ حلاوةً                      ويَروغُ منكَ كما يروغُ الثّعلـبُ.

كذّاب! يُظهِر لك المحبة وهو كاظم على كرهٍ عظيمٍ لك، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۩، أي في لحن القول، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۩، تعرف أن هذه الكلمة لا يقولها مُحِب، هذه يقولها رجل كاره مغيظ مُحنَق، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۩، خبيث! هذا الخبيث، هذا الرِجس، هذا النِجس، اعتقاده وسخ، طويته وسخة، نيته غير نظيفة، وبالمُناسَبة اليوم الأم تقول لابنها والزوجة تقول لزوجها والزوج يقول لابنه والصديق يقول لصديقه والشيخ يقول لتَلميذه صف نيتك وطهِّر قلبك، ماذا يقصد إذن؟ نيتك حين تكون وسخة لا تُفلِح، قلبك حين يكون مُلوِّثاً لا تُفلِح، ولا نرى أن هذه معرة كبيرة ولا يقول الواحد منا كيف تقول لي هذا؟ أنا لست زبالة ولست كذا وكذا، لا! يفهم الواحد منا الكلمة، يفهمها لأنه عربي، يفهم اللُغة العربية ويعرف أن معنى الكلمة هو أن باطنك غير نظيف بنسبة مائة في المائة، تُوجَد وساخة! هذه الوساخة حسية أو معنوية؟ معنوية، هذا هو فقط، وساخة النية، وساخة الاعتقاد، كأن يعبد رجل يعبد صنماً، هل تُوجَد عقيدة أوسخ من هذه؟ ولماذا السيدة غابرييل Gabriel زعلت هكذا إذا فهمت الكلام هذا وسمعته؟ لا تزعلي، لا يُوجَد ما هو أوسخ من عقيدة الوثنية، رجل لا يعبد رب العالمين وخالق الدنيا والآخرة، يعبد حجراً أو وثناً أو صخرةً أو شجرةً أو مخلوقاً مثله، الله قال هذه وساخة، هذا اعتقاد خبيث، هذا المقصود! هل فهمتم ما معنى المُشرِكون نَجس والمُنافِقون رِجس؟ هذا هو معناها، ليس معناها أنه بنفسه نجاسة وإلا لن يُمكِن أن يُزوَّج المُنافِق مُسلِمة أو يُسلِّم علينا أو يُعانِقنا أو يأكل معنا أو يشرب معنا أو نأكل من أكله وإلى آخره، لكنه ليس نجساً نجاسة حسية، لا! هذه نجاسة الاعتقاد والباطن، انتهينا!

في الصحيحين عن عمران بن حُصين – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين – أن الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – ونفراً من أصحابه شربوا من مزادة مُشرِكة، مُشرِكة عندها مزادة – قِربة – فيها ماء، استسقوها فأعطتهم إياها، فالنبي شرب والصحابة شربوا، لو كانت المُشرِكة هذه نجسة نجاسة حسية هل يُمكِن أن نشرب من مزادتها؟ لا يُمكِن، أليس كذلك؟ لا يُمكِن أبداً، لا يُمكِن أن تلمسها حتى أو تلمسك لأنها نجسة، لا يُمكِن أن تلمس القاذورات والعذرة لأن هذه نجاسة، هذا هو! وثبت عن حُذيفة بن اليمان أيضاً أنه استسقى مجوسياً فسقاه المجوسي، لا تُوجَد مُشكِلة، هل هذا واضح؟ جميل، انتهينا من هذا.

الشيئ الغريب أنها لما تكلَّمت عن نجاستهم راحت فرَّعت وأتت بعجب من العجب، وهذا مُهِم، سوف نستفيد منه كلنا كمُسلِمين، انتبهوا! تمس إليه الحاجة، قالت المُسلِم إذا كان يمشي في طريق ورأى يهودياً – ولم تقل حتى رأى نصرانياً مرة أُخرى أيضاً، المفروض أن هذا نفس الشيئ، يهودي أو نصراني! لكنها تحدَّثت عن اليهودي، تُركِّز على اليهود، على أساس أنها تستقوي بهم علينا – فالمُسلِم لابد أن يضطر هذا اليهودي أن يسير وحده على الجانب الآخر، والمُسلِم يسير في جانب آخر، كل واحد يسير وحده، لا يسيران في نفس الرصيف، لماذا؟ قالت لأنه نجس، قالت اليهودي عندهم نجس، وهذا النجس ممنوع أن يقترب مني أو أقترب منه أو يلمسني، فيمشي وحده بعيداً وأنا أمشي وحدي هنا، كل واحد يمشي وحده على رصيف مُختلِف، أرأيتم كيف؟ وطبعاً هم كانوا مدهوشين من حقارة الإسلام، طبعاً مثل هذا يكون حقيراً، ما هذه الحقارة؟ لماذا تنظر إلى الناس هذه النظرة؟ بنو آدم مُكرَّمون، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ۩ الله قال، لم يقل كرَّمنا المُسلِمين، ولذلك الرسول عليه الصلاة وأفضل السلام – والحديث أخرجه البخاري ومُسلِم وأهل السُنن إلا النسائي، قالوا هذا الحديث من أصح ما يكون – ماذا فعل؟ سهل بن حُنيف – الصحابي الأنصاري الجليل – وقيس بن سعد – سعد بن عُبادة – كانا جالسين في القادسية – من أعمال فارس، تعرفونها وتعرفون أنها فُتِحَت – فمُرَّ عليهما بجِنازة – يُقال جِنازة وجَنازة، أي بالفتح والكسر، لا بأس – فقاما لها، انظروا إلى عظمة المُسلِمين، ليس كما يحدث اليوم، وهذا الحديث في الصحيح كما قلنا، فقاما لها! فقيل لهما إنها لأهل الأرض، جَنازة رجل من أصحاب الأرض، أي المجوس، عُبّاد النار، من الذميين! كانوا في الذمة لكنهم من عُبّاد النار، فقالا – الاثنان سمعا هذا الحديث من رسول الله أو شاهدا الواقعة – مُرَّ على رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بجِنازة فوقف لها، الرسول وقف للجِنازة، انظروا إلى هيبة موت، هذا احترام للجُثمان، فقيل يا رسول الله إنها ليهودي، فقال أليست نفساً؟ يا سلام! انظروا إلى هذا، هذا هو! ائتي بالحديث هذا، علِّمي الغرب الأوروبي والأمريكي كيف محمد وقف لجِنازة يهودي، وحين قال له بعض الصحابة إنها ليست جُنازة لرجل مُسلِم – جِنازة لرجل يهودي – قال هي نفس، يُعلِّم الأمم كلها وأمته خصوصاً أن النفس مُحترَمة حية وميتة، إذا احترمها وهي ميتة ألا يحترمها وهي حية؟ يحترمها أكثر وهي حية طبعاً، طبعاً يحترمها أكثر لأنها حية.

السيدة بريجيت Brigitte لم تقل لهم ما قلنا نحن هنا مائة مرة ولا نمل من ترداده، لكننا لن نقوله الآن بالتفصيل وإلا ستملون بالتأكيد وأنا سأمل، لكن يُمكِن أن ترجعوا وتبحثوا عنه، في سورة النساء تسع آيات غطت أزيد من صحيفة، أزيد من صفحة كامة – صفحة وبعض الصفحة – ولكم أن تتخيَّلوا هذا، آيات شديدة الملامة، قوية العتب، عالية النبرة، آيات حديد، والنصيب الأعظم مِن العتب والملامة مَن الذي ظفر به؟ رسول الله، لماذا؟ ماذا فعل الرسول؟ لأنه صدَّق جماعةً من الأنصار – ليس النصارى وإنما الأنصار، أي الصحابة الأنصار إزاء المُهاجِرين – من بني أُبيرق أحدهم سرق درعاً لأحد الناس ثم اتهموا بها يهودياً، ألقوها في داره! جماعة من الصحابة وهم مُوحِّدون مُسلِمون من الأنصار، أُناس مُحترَمون! كلهم شهدوا ضد يهودي، فالنبي صدَّق، مَن الذي كشف القضية وعتب على النبي وشدَّد العتب والملامة عليه؟ رب العالمين، تأنيب! كان فيها تأنيب الآيات، هذا مُهِم لكي نفهم أن هذا القرآن ليس من عند محمد، محمد لا يفضح نفسه، أليس كذلك؟ حاشا لمحمد – أستغفر الله وحاشا لمحمد إلى انقطاع النفس بل إلى انقطاع الدنيا والأبد إن كان له انقطاع وما هو بمُنقطِع، حاشا لمحمد – أن يترك الكذب على الناس ثم يكذب على الله، النبي لم يكذب مرة على البشر، فهل يكذب على رب العالمين؟ ثم إنه – وحاشاه وفرض المُحال ليس بمُحال – لو كذب على الله وقال أنا نبي وألَّف القرآن من عنده – والله، وعزة جلال الله، يفهم هذا المُسلِم وغير المُسلِم الذي يعرف الله – لاستحال أن يُصحِّح نفسه وأن يفضح نفسه من أجل يهودي من العامة، من أهل الذمة، يهودي كافر، ليس مُسلِماً، لا! أيهما أحسن لي: أكسب الأنصار وبني أُبيرق أم أرغب في أن أكسب يهودياً – لم يكسبه النبي – ولن أكسبه؟ أكسب الأنصار، جماعتي! أليس كذلك؟ هم معي.

اليوم أنت مُسلِم مُوحِّد سُني وحين تختلف مع مُسلِم مُوحِّد سُني حزبياً – هو في الحزب الفلاني وأنت لست مُتحزِّباً – يكرهك ويُحمِّر لك عينك وأحياناً يفتري عليك ويبغيك العنت ولا يُنصِف فيك، أليس كذلك؟ وحسنتك عنده سيئة، وسيئتك بألف سيئة، هكذا هم البشر، أليس كذلك؟ هكذا هم البشر، هكذا هم الناس! محمد لم يكن كذلك، محمد نعم من البشر لكنه نبي رسول، إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ۩، لا تُخاصِم عنه الله قال له، لماذا خاصمت عن الخونة؟ مَن الخونة؟ الصحابة من بني أُبيرق، الأنصار! هؤلاء خونة الله قال، خونة! وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۩، قال له وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۩، انظروا إلى هذه الآية، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۩ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ۩، هذه الآيات تُخوِّف، أنا يقشعر بدني كلما أقرأها، الحمد لله! الله أنزل هذه الآيات لكي يُعطينا أكثر من برهان على أن هذا كلام رب العالمين وأن محمداً ختام الأنبياء والمُرسَلين وأن دينه دين رحمة وعدل وإنصاف مع يهودي ذمي مُستضعَف مسكين وحيد، الله لم يتركه وحده، أليس كذلك؟ وأنصفه من النبي نفسه حين كاد أن يُضلَّل، لن نقول باللُغة العامية ضُلِّل أو خُدِع ولكن كاد أن يُضلَّل، والله قال له لولا أننا ثبَّتناك لضلَّلك هؤلاء وأذهبوا بك إلى داهية، أي هؤلاء الصحابة الأنصار الذين كذبوا، أهذا كله في حق يهودي؟ لماذا؟ وتقول دين محمد تحوَّل من ديني روحاني في أول ثنتي عشرة سنة إلى سياسة تتوشَّح بالدين، أهذه سياسة؟ بالله عليكم أهذه سياسة؟ هذه لا علاقة لها بالسياسة، هذا دين، دين المُسلِمون اليوم – أُقسِم الله – أحوج الخلق أن يتعلَّموه، لأنهم بعيدون جداً منه، أين تجد اليوم إنصاف مُسلِم من مُسلِم وإنصاف مُسلِم لمُسلِم؟ لا تجد الكلام هذا، كل واحد مُتحزِّب ومُتخندِق، أليس كذلك؟ هناك مَن يذبح كل العدالة من أجل نفسه وطائفته ومذهبه وحزبه وأهل بلده وإلى آخره ضد مظلومين من أهل دينه، اسكت يا رجل واقرأ الآيات، ارجع – رجاءً – واقرأها وحدك في الليل، نحن لا نزال في رمضان، هذه ليلة التاسع والعشرين، اقرأ سورة النساء واقرأ هذه الآيات لكي تبكي، تبكي على ما لم تعلمه من دينك وتبكي على حالة المُسلِمين اليوم، إلى آخر الآيات!

هذا لم تقله السيدة بريجيت Brigitte لهم، لم تقل أن محمداً أنصف اليهودي، لم تقل هذا، لكن وظيفتكم أنتم أن تقولوه، قولوا هذا، بكل اللُغات قولوه، إلى كل اللُغات ترجموه، لا تبرأ ذمتكم إلا بهذا، بشِّروا بدينكم، ارفعوا رأسكم بهذا الدين العظيم، والله العظيم يرفع أقل رأس، أضعف رأس يرفعها فوق، مَن عنده دين مثل هذا؟ مَن عنده كتاب بهذا المُستوى يا إخواني؟ مَن؟ أخبروني!

بعد ذلك تكلَّمت أيضاً عن شيئ آخر، اكتشفت اكتشافاً وقالت الخليفة العباسي الثاني المُتوكِّل، قالت المُتوكِّل الثاني! أول واحد كان مَن؟ أبو العباس! أبو العباس السفاح بعد ذلك أتى أخوه أبو جعفر المنصور بعد ذلك أتى المهدي بعد ذلك أتى الهادي بعد ذلك أتى الرشيد بعد ذلك أتى الأمين بعد ذلك أتى المأمون بعد ذلك أتى المُعتصِم، أين هو؟ عندنا عصران عباسيان، أول واحد في العصر العباسي الأول السفّاح وآخر واحد الواثق، في العصر العباسي الثاني أول واحد هو المُتوكِّل وآخر واحد هو المُستعصِم الذي ضربه التتار في كيس الخيش وقتلوه، رحمة الله على هذا المسكين، إذن المُتوكِّل! إذا ذُكِر المُتوكِّل طبعاً فإنه يُذكِّر بفصل أسود من فصول مُعامَلة أهل الذمة في الإسلام، هذا صحيح وأنا ذكرت هذا في أطروحتي للدكتوراة، ذكرت هذا الفصل للمُتوكِّل، رُغم أن المُتوكِّل إحدى نسائه – إحدى زوجاته – كانت حبشية نصرانية، وهي أم ابنه أحمد المُنتصِر الذي ذبحه، ذبحه وأخذ الخلافة منه للأسف الشديد، ثلاث عشرة خليفة عباسي ذُبِحوا، ثلاث عشرة! ما شاء الله عليهم، هذه السُلطة، السُلطة لعنة، وهؤلاء ليسوا حُجة على الإسلام، الإسلام حُجة عليهم، أليس كذلك؟ وعلى مَن هو أكبر منهم، فالمُتوكِّل كان محنة على الشيعة وكان محنة على المُعتزِلة وكان محنة على أهل الكتاب الذميين، فقط كان جيداً مع الحنابلة، كان يتسامح مع أهل السُنة، ويُحِبه أهل السُنة إلى اليوم ويقولون المُتوكِّل كذا وكذا، مُجرِم ظالم هذا! هل لأنه أنصفكم وظلم الخلق كلهم صار عندكم مُمتازاً؟ لم يكن مُمتازاً، كان ظالماً والله لا يُحِب الظلم، أليس كذلك؟ رأينا كيف أنصف القرآن يهودياً من محمد وأصحاب محمد، أنصفونا يا أخي! أنصفوا المُعتزِلة وإخوانكم الشيعة، وأنصفوا الذميين، لهم ذمة الله ورسوله، فالمُتوكِّل فعلاً فرض على أهل الكتاب أشياء سخيفة جداً جداً، كانوا يلبسونها ويُعلِّقونها على بيوتهم وعلى كنائسهم وما إلى ذلك، أي أنه كان رجلاً مجنوناً بالشيئ هذا، والعلماء أنكروا عليه واعتبروه فصلاً أسود فعلاً في تاريخه، جميل! لكن هذا ليس اكتشافاً، الاكتشاف هو الآتي، قالت لهم أتعرفون النجمة أو العلامة الصفراء The yellow badge؟ وطبعاً إذا ذكرنا النجمة الصفراء أو الإشارة الصفراء – The yellow badge – فالعقل مُباشَرةً يذهب إلى النازية والنازيين، شيئ مُخيف، أي أنها تُريد أن تُحمِّل حتى معرة النازيين للمُسلِمين، ما هذه العبقرية يا أخي؟ ما قصة النجمة الصفراء هذه؟ هذا سنقوله باختصار حتى لا نُطوِّل، باختصار من سنة ألف وتسعمائة وثماني وثلاثين إلى سنة ألف وتسعمائة وخمس وأربعين النازيون طبعاً – تعرفون هتلر Hitler في ألمانيا، وتعرفون كيف كان التعامل مع اليهود والأقليات والغجر والـ Useless وإلى آخره، كل هؤلاء المساكين – عاملوا اليهود مُعامَلة تميزية بالعلامات، أليس عندهم نجمة داود؟ مُثلَّثان، أحدهما قائم والآخر مقلوب، فلابد من الإشارة الصفراء، إذا كان أصفر فهو يهودي، هذا يهودي! يحمل النجمة الصفراء هذه فيُعرَف أنه يهودي، بعد ذلك هناك اليهودي المثلي، أي جنسي المثلي، هل هذا واضح؟ فهناك اليهودي المثلي، وهناك اليهودي زوفيلي، أي البهيمي، ما معنى أنه بهيمي؟ يعشق البهائم، تعرفون هذا! هذا اسمه الزوفيليا Zoophilia، أي عشق البهائم والعياذ بالله، فهتلر Hitler لم يتساهل مع البهيميين هؤلاء الذين يعشقون الحيوانات والكلاب والقردة وإلى آخره ولم يتساهل مع المثليين أيضاً، اللواطيون السدوميون لم يتساهل معهم، فماذا كان يفعل لهم؟ هناك ما يُسمونه المُثلَّث الوري، المُثلَّث الوردي في نجمة داود يُعرَف من خلاله أن هذا يهودي مثلي أو زوفيلي وما إلى ذلك أو أنه غير يهودي بغض النظر عن هذا، وقد يُوجَد مُثلَّث أسود، حامله لا يكون يهودياً، يكون آرياً، هذا ألماني ذو دم أزرق، هو من ذوي الدم الأزرق، عنده صلات وتعاملات وتيسيرات وشُبهات مع اليهود، يا ويلك! فيضعون له مُثلَّثاً أسود، هل فهمتم القصة؟ مُثلَّث أصفر، مُثلَّث زهري، ومُثلَّث أسود، هذه القصة! وطبعاً اليوم اليهود المساكين – تعرفون أنهم ذُبِحوا في الهولوكوست Holocaust – حين يسمعون كلمة المُثلَّث الأصفر تقشعر أبدانهم، وعندهم الحق طبعاً، فهم ذُبِحوا في أفران الغاز وعانوا من القتل وما إلى ذلك، هذا شيئ مُزعِج، فما شاء الله السيدة بريجيت Brigitte هذه قالت انتبهوا، المُثلَّث الأصفر لم يكن ألمانياً، ولم تتحدَّث عن النازيين، هل تعرفون لماذا؟ هي ليست سهلة أيضاً، تُخاطِب اليهود ومَن مثلهم، لو تحدَّثت عن النازيين لثار عليها اليهود أيضاً، لقالوا لها أنتِ ماذا تُريدين؟ هل أنتِ بطريقة ما عندك رغبة لتبييض ساحة النازيين؟ فهي لم تتحدَّث عن النازيين، قالت الألمان، افهموا! حاولوا أن تفهموا الخطاب الذي تقرأونه وتسمعونه، كونوا مُحلِّلين، لا تكونوا من السُذج، قالت النجمة الصفراء ليست ابتكاراً ألمانياً، والمفروض أن تتحدَّثي عن النازية، لماذا تقولي ليس ابتكاراً ألمانياً؟ لماذا تتحدَّثين عن ألمانيا؟ ما دخل ألمانيا بهذا؟ قولي نازي، حقبة العار هذه في تاريخ ألمانيا، قالت هذا ابتكار إسلامي، أول مَن ألزم اليهود بلُبس النجمة الصفراء المُتوكِّل، الخليفة العباسي الثاني!

أنا قرأت تاريخي وبالتفصيل بفضل الله، لو استظهرت بالإنس والجن على أن تأتيني بسطر واحد من كتاب تاريخ عربي أو إسلامي يقول المُتوكِّل ألزمهم بنجمة صفراء فسأُعطيها ما تُريد، أنا سأعترف بأنني جاهل وبأنها تفهم ديني وتاريخي أكثر مني، لماذا الكذب هذا؟ من أين هذا؟ قالت النجمة الصفراء، النجمة! أما أن يُقال وُجِدَت علامات صفراء في العمائم – كانوا يضعون مثلاً شريطاً أصفر يُميِّز اليهودي من المسيحي – فنعم هذا حصل، وُضِعَ شريط أصفر في العمامة، وظل في أيام الفاطميين وأيام حتى المماليك الشريط الأصفر، نعم هذا وُجِدَ، لكن لم تُوجَد النجمة، شعار نازي هذا، أرأيتم؟ تلعب على جهل الناس، تستغل الجهل! فكونوا حذرين، كونوا حذرين ومُستيقظين.

بعد ذلك ذهبت وأتت بورطة ثانية تورَّطت فيها، فقالت الزُنَّار، الزوناريون ζωνάριον باليونانية، الزُنَّار! الكنيسة السُريانية شرقية أو غربية تُسميه زُنَّاراً من كلمة يونانية وهي الزوناريون ζωνάριον التي تعني الوشاح، وشاح يُوضَع على الخصر أو على الصدر أو على أي مكان آخر، لكن يُستخدَم كثيراً في الكنائس شرقية أو غربية من أجل تثبيت الثوب، رداء الكاهن أو الأسقف أو القسيس، هذا هو! هذا اسمه الزُنَّار، وهذه كلمة يونانية أصلاً، هو مُستخدَم عندهم، لكنها قالت هذا ابتكار إسلامي، المُسلِمون ألزموا النصارى بلبس الزُنَّار، غير صحيح! ليس ابتكاراً إسلامياً، بل هو لباس ديني عند النصارى يتعارفونه بينهم ولا زالوا، كلهم يلبسون الزُنَّارات إلى اليوم، أم أنهم ظلوا أهل ذمة إلى اليوم ونحن لا ندري؟ علماً بأن هذا في الشرق والغرب، في الشرق والغرب! فما هذا الجهل؟ وما هذا الكذب؟ عيب، مرة أُخرى عيب!

نرجع إلى موضوع المشي في جهة واليهودي في جهة، الآن قد يحتج لها بعض مَن هو أعلم منها بمراحل فيُقال لا، انتظر يا عدنان، انتظر! أليس عندكم في صحيح مُسلِم مِن رواية الصحابي أبي هُريرة أن نبيكم قال لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام؟ لا يجوز أن تُحيي اليهودي أو النصراني أنت حين تراه، ممنوع! هو يُحييك، إذا حياك فقل له وعليكم، لأنه يُمكِن أن يقول لك السام عليك كما قالوا للنبي، أي الموت عليك، نُريد أن تموت، نعدمك! هذا معناها، فأنت قل وعليكم، قال هذا ديننا، نحن لا نُحيي لا اليهود ولا النصارى، ممنوع أن نبدأهم، لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه، أليس كذلك؟ هذا الحديث أين يا إخواني؟ في صحيح مُسلِم، مُشكِلة! لماذا هذه مُشكِلة؟ عندنا عدد لا بأس به من الصحابة – احفظوا هذه الأسماء – مثل عبد الله بن عباس، عبد الله بن مسعود، أبي أُمامة الباهلي، أبي الدرداء، فَضالة – ليس فُضالة وإنما فَضالة – بن عُبيد وغيرهم – وهذا رأي الإمام الأوزاعي وإبراهيم النخعي وجماعات من العلماء – قالوا لا، المُسلِم يُحيي اليهودي والنصراني، يقول له السلام عليك، سلام عليك! أنا أعطيك السلام مني، لا تخف، أنا لا أؤذيك ولا أتكلَّم عنك بكلام سيئ أبداً، السلام! أنا ابن السلام، ابن الإسلام وأنا أحمل راية السلام للعالم وأُوزِّع السلام على الناس، أقول باستمرار السلام عليكم، السلام عليكم، السلام عليكم! أنتم سالمون آمنون، يا سلام! هذا الإسلام الحلو الجميل الذي غطاه اليوم الجهلة والقتلة والذبّاحون، إذن هذا قول هؤلاء الصحابة، فكيف يقولون هذا؟ ألم يسمعوا بالحديث؟ ألم يعرفوا الحديث؟ هل هم يُخالِفون النبي؟ ما القصة؟

ليس هذا فحسب، الإمام المُفسِّر الجليل والرجل الزاهد العلّامة أبو عبد الله القرطبي – المُفسِّر المعروف – في تفسيره الجامع لأحكام القرآن الكريم ماذا قال؟ قال وظاهر نصوص كتاب الله تبارك وتعالى – أي ظاهر الآيات، ظاهر الآيات القرآنية – تُفيد بأنك تُسلِّم على كل واحد، بغض النظر كان يهودياً أو نصرانياً أو أيا كان، مُسلِماً كان أو غير مُسلِم تُسلِّم عليه، قال لولا حديث مُسلِم، قال حديث مُسلِم جاء ومنعنا، قال لا، نُخرِج اليهود والنصارى، هل هذا جيد؟ هل فهمتم؟ هذه شُبهة، أليس كذلك؟ شُبهة تسبَّبت في مشاكل للمُسلِمين الذين يعيشون في الغرب، تسبَّبت في مشاكل في أستراليا، كندا، أمريكا، أوروبا، وهنا وهنا! والمسألة كانت فضيحة علمية، لكن هذا جيد فحاولوا أن تسمعوا الجواب وأن تفهموه.

حين ترجعون إلى روايات هذا الحديث يا إخواني سيفجأكم أن نص الحديث فيه اضطراب، أي أن المتن فيه اضطراب، هذا يُسمونه اضطراب المتن! كيف حدث اضطراب المتن؟ مرة يقول لا تبدأوا المُشرِكين بالسلام، إذن يقول المُشرِكين! مرة يقول لا تبدأوا اليهود بالسلام، مرة لا تبدأوا أهل الكتاب السلام، مرة لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام، هل هذا اضطراب أم ليس اضطراباً؟ يُوجَد حديث النبي قاله، وأكيد قاله بلفظ واحد، لم يقله بخمسة ألفاظ، أين اللفظ الذي قاله النبي؟ وتفرق كثيراً حين يقول لا تبدأو المُشرِكين عن لا تبدأوا اليهود والنصارى وقد تكون لهم ذمة، قد يكونون في الذمة، أليس كذلك؟ لماذا لا نبدأهم إذن؟ ما هذه العدوانية والتبجح على الناس؟ أليس كذلك؟ يُوجَد اضطراب إذن، فلنبحث عن الاضطراب هذا لكي نعرف سبب هذا الاضطراب، وليس هذا فحسب، فهناك مُفاجأة ثانية، مُفاجأة عجيبة ستُحيل هذا الحديث – والله العظيم – في اعتقاد كل واحد منكم ومنكن آية من آيات التسامح الإسلامي، شارة من شارات العظمة الإسلامية، أنت سيبكي قلبك من الداخل وستأسف لأننا افترينا على الرسول بالزيادة والنُقصان دون أن ندري ربما!

رَامَ نَفْعَاً فضرَّ مِنْ غَيْرِ قصْدِ                                   وَمِنَ البرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقَا.

ما هو؟ نرجع إلى الإمام أحمد بن حنبل، أحمد هو شيخ البخاري والبخاري شيخ مُسلِم، أليس كذلك؟ أي أنه شيخ شيخه، هو الأول! أحمد بن حنبل – الإمام الجليل أبو عبد الله – في المُسنَد روى هذا الحديث عن أبي بُصرة الغفاري، والبخاري نفسه لم يروه في الصحيح طبعاً، مُسلِم الذي رواه، البخاري نفسه وهو شيخ مُسلِم رواه في الأدب المُفرَد، ليس في الصحيح وإنما في الأدب المُفرَد، كلاهما عن أبي بُصرة الغفاري، واسمعوا ماذا قال النبي الآن، صدمة سنفرح بها! قال إنا غادون غداً إلى يهود – وفي رواية إنا مُبكِّرون غداً إلى يهود، لماذا؟ هذا في الحرب، كانت هناك حرب قائمة، فالنبي أتى بالجيش وذهب بهم لكي يخوضوا المعركة مع اليهود – فلا تبدأوهم بالسلام، يا سلام! فهمنا الآن لماذا، لأن من غير المعقول أن تقول لهم وأنت ذاهب لكي تُحارِبهم السلام عليكم، إذا حصل وقلت لهم السلام عليكم فأنت مُنِعت منهم، ممنوع! أنت مُنِعت منهم، انتهى الأمر، تمسك يديك ولا تفعل لهم أي شيئ لأنك سلَّمتهم، أليس كذلك؟ أعطيتهم وعداً بالسلام حين قلت له السلام عليكم، ستقول لي أهذا الإسلام؟ هذا هو الإسلام، هكذا علَّم النبي، ليس كما يُعلِّم اليوم القتلة من أبناء المُسلِمين، هناك مَن يدخل المسجد وهو يقول السلام عليكم ورحمة الله ثم ينظر حوله وبعد أن يُصَف الصف الأول ويُقال الله أكبر يُفجِّر نفسه، خمسون أو ستون يموتون معه، المسجد كله يضيع بسبب دخول هذا الزنديق، لا رحم الله روحه، مَن مثله نقول عنهم جدَّد الله على أرواحهم العذاب، لا رحم الله هذه الأرواح النجسة، هذه أرواح نجسة، هذا شخص نجس! كيف تدخل بزي إسلامي وتقف في الصف الأول أو الصفوف الأولى وتطرح السلام ثم تُفجِّر نفسك وتقتل المُسلِمين؟ لعنة الله على الظالمين، لا رحم الله هذه الأرواح.

يا إخواني هذا من عظمة الإسلام، النبي قال نحن سنذهب غداً لكي نُحارِب فاحذروا من أن تُسلِّموا عليهم، لأن إذا سلَّمنا فالأمر سينتهي، أرأيتم إلى أي درجة بلغت أخلاقية الرسول؟

ما علاقة الأخلاقية العظيمة بهذا الحديث المبتور؟ بُتِرَ من أوله، قُطِعَ وجاء لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام، ما هذا؟ ما الكذب هذا؟ وهذا يعني أن لفظة نصارى ليس لها أي موقع، وحتى لفظة المُشرِكين ليس لها أي موقع، لفظة أهل الكتاب مُحتمَلة إذا حُمِلت على خصوص اليهود، أهل الكتاب يُراد بهم اليهود فقط وليس النصارى طبعاً، لأن الحرب كانت مع اليهود وليس مع النصارى، هل فهمنا كيف؟

مَن الذي قام بهذا البتر؟ كل القرائن تقول الذي ارتكب هذه الغلطة الكبيرة – قد يكون هذا عن حُسن ظن ونحن نُقدِّر هذا إن شاء الله – هو سُهيل بن أبي صالح السمان، أبو صالح السمان أبوه هو الراوي عن أبي هُريرة، رضيَ الله عنهم جميعاً، فهو يروي عن أبيه عن أبي هُريرة، ذهب وقص الحديث، لا أحد غيره فعل هذا، أبو بُصرة رواه كاملاً، إنا غادون غداً إلى يهود فلا تبدأوهم بالسلام، نحن سنذهب لكي نُقاتِل فلا تُسلِّموا عليهم، هل هذا واضح؟ وإذا رأيتم أحدهم اضطروه إلى أضيق الطريق، لأن هذه حرب طبعاً.

هذا الحديث الحربي – مُتعلِّق بواقعة حربية – جعله المُسلِمون للأسف بغفلتهم من ثوابت الدين، هذه غفلة وقعنا فيها ووقع فيها الإمام مُسلِم حين روى حديثاً مثل هذا، يا ليته ما رواه، البخاري لم يروه والحمد لله، يا ليته ما رواه، هذا الحديث ضلَّل المُسلِمين، يأتي مُفسِّر عظيم مثل القرطبي ويقول الصحابة فلان وفلان وفلان وفلان وفلان كانوا يُسلِّمون على كل الناس – على اليهودي وعلى النصراني وعلى المجوسي، يُسلِّمون على الكل، هذا سلام وهذا دين سلام – وظاهر القرآن الكريم يُفيد بهذا، نحن نُسلِّم على كل الناس، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ۩، لكن لولا حديث مُسلِم، حتى القرطبي المسكين خُدِعَ به ولم يعرف كيف يُدبِّر أمره تجاهه، أليس كذلك؟ فقال لا نُسلِّم، اليهودي والنصراني لا نُسلِّم عليهما، النبي قال لا نُسلِّم عليهما، للأسف الشديد! وصار هذا الحديث كأنه ثابت من ثوابت الدين.

هل فهمتم ما قصدت قوله؟ هذا الذي ترمي إليه السيدة غابرييل Gabriel إن كانت ترمي، إذا كان عندها علم بهذا الحديث!

(يُتبَع الجُزء الرابع من هذه الردود).

فيينا (23/6/2017)

Comments

comments

شاهد أيضاً

3ilaj_takafat_almahana

علاج ثقافة المهانة

عقيب حول خطبتي “متلازمة المهانة” فيه دعوة إلى تأسيس ثقافة جديدة تقطع مع السائد يغلب …

اترك رد