الرئيسية / التفريغات النصية / عدنان ضد غابرييل -ج2

عدنان ضد غابرييل -ج2

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ۩ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

بريجيت غابرييل
بريجيت غابرييل

على الموعد ومع شُبهات السيدة غابرييل Brigitte Gabriel التي شرعنا في الخُطبة السابقة في تفنيدها واحدةً إثر أُختها، وبيَّنا أيها الإخوة والأخوات أن الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام – أعلن غير مرة كما في الكتاب الأعز وكما في أحاديثه وأخباره – عليه الصلاة وأفضل السلام – أنه ما جاء إلا مُصدِّقاً وأنه اللبنة الخاتمة في بنية – أي بناء وهيكل – النبوة.

ومن اللطيف ونحن لا نزال في الشهر الكريم الفضيل – نسأل الله أن نكون من الظافرين المسعودين فيه والمبرورين المقبولين – أن الله – تبارك وتعالى – في صدر آيات الصيام صرَّح بهذا المعنى الذي اشتبه عليها أو أرادت أن تجعله مُشتبِهاً على مَن لا يدري، كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ۩، يقول نحن لم نشرع الصيام ابتداعاً، هذه شرعة قديمة في أمم سابقة أوحى الله إلى أنبيائها بها، كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ۩، فليس شيئاً عظيماً أن يُقال اليهود يصوم يوم كيپبور والمُسلِمون يصومون شهر رمضان، معروف وزن هذا الآن من الحق لدى التحقيق، وأيضاً بخصوص نجاحه – عليه الصلاة وأفضل السلام – نقول الآتي، لأن بعض الناس ربما لم يضح له وجه الدفع، أي وجه الدفع في صدر هذه الشُبهة والعجز، وجهه أنه – عليه الصلاة وأفضل السلام – في ثلاث عشر سنة قد خرج بصفوة مُنتخَبة مُختارة كانوا هم العمد، هم الأساطين، هم الأُسس التي عليها شيد بناء الإسلام وعمارته، يكفي أن الأربعة العظام الأوائل – عنيت أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً – هم من هذه النُخبة المكية المُصطفاة، ويكفي أن نعلم أن أعظم – أي عُظم – ومُجمَل الفتوحات الإسلامية في العالم – أي توسع الإسلام، نحن الآن نتكلَّم بمنطق النجاح، لا تُحدِّثني عن كذا وكذا وكيت وكيت – إنما تمت في فترة هؤلاء، وبالذات الثلاثة الأوائل، ثم يُقال إنه لم ينجح في مكة! أعظم نجاح، لأنه أسَّس أعظم أساس لعمارة الإسلام.

نعود أيها الإخوة لنستكمل ما انقطع من حبل الحديث عن موقف القرآن العظيم من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى.

إذن القرآن كما وضح لدينا أيها الإخوة عبر استقراء آيات كثيرة من القرآن المكي – ولا نعتني الآن بالمدني – لم يكن حريصاً ولم يكن يعمل على استئلاف أهل الكتاب وخاصة اليهود – تتحدَّث عن اليهود هي – أبداً وإنما كان سائراً في خُطته العتيدة التي لم يزل يسير فيها حتى انقضى أمد الوحي، حتى انقطعت علاقة الأرض بالسماء، مُنذ البداية حتى النهاية! عنيت خُطة الإنصاف، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.

ذكر أهل الكتاب بأحسن ما عُرِفَ عنهم وعُرِفوا به، كما ذكرهم أيضاً بالسيئات التي احتقبوها واجترموها، القرآن! هذا هو القرآن المكي، مثله تماماً القرآن المدني على سواء، إنها خُطة الإنصاف.

إخواني وأخواتي:

صدر سورة آل عمران من الآية الأولى إلى الآية الثالثة والثمانين نزل بمُناسَبة قدوم وفد نجران – من نصارى نجران – على مولانا وسيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – في السنة التاسعة، في سنة تبوك، في سنة العُسرة، في السنة التاسعة! وسورة التوبة – براءة – من أواخر السور نزولاً وإن تكن المائدة الآخر، آخر هذه السور، في السنة التاسعة في الآية الرابعة والستين يقول الله – تبارك وتعالى – الآتي، انتبهوا! ما معنى هذا؟ ما معنى أنني أتحدَّث عن صدر آل عمران في السنة التاسعة؟ أعني – كما قلت سابقاً – أن كل ماجريات الاشتباك مع المُعسكَر اليهودي في المدينة وحولها قد انتهت، وكان آخرها خيبر في السنة السابعة، نحن نتحدَّث في السنة التاسعة، أين الموقف الانقلابي من القرآن والرسول على أهل الكتاب؟ قلب لهم ظهر المجن، لم يعد يذكر لهم فضيلة، لم يعد يرى مُشترَكاً ليُصادِق عليه ويُصدِّق عليه كما كان يدأب على القول في البدايات المكية، هكذا تُريد أن تُفهِمنا هذه السيدة، فقط! لن أقول أكثر من هذا، تُريد أن تُفهِمنا هذا! ماذا تقول الآية الرابعة والستون؟ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ۩، على مِلة إبراهيم حَنِيفًا مُسْلِمًا ۩، أعادهم إلى الجادة لو أرادوا أن يعودوا إليها ويؤبوا، أعادهم إلى الجادة، إلى مِلة إبراهيم الحنيفية، حَنِيفًا مُسْلِمًا ۩، إبراهيم مُنحرِف – أكبر مُنحرِف في التاريخ – عن كل الصراطات والسُبل عدا صراط التوحيد، هذا معنى الحنيف، الحنيف هو المُنحرِف، الذي يمشي مُعوجاً، إبراهيم اعوج وانحرف عن كل الصراطات، عن كل السُبل إلا سبيل لا إله إلا الله، استعصم به واستمسك به، القرآن ردهم إلى هذا!

أعجب من هذا ما هو في الآية الخامسة والسبعين، إذن هذا في الآيات التي نزلت في السنة التاسعة من آل عمران، حتى لا يُحتَج عليكم ويُقال آل عمران سورة طويلة، زُهاء مائتي آية إلا آية، هذه نزلت في مراحل مُختلِفة، نقول لهم لا، بإجماع المُفسِّرين صدرها إلى الآية الثالثة والثمانين نزلت بمُناسَبة وفد نجران في السنة التاسعة، ولذلك في هذا الصدر المُتأخِّر نزولاً في الآية الخامسة والسبعين ماذا يقول الله تبارك وتعالى؟ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ ۩، مَن مِن المُسلِمين الآن إن أمنته بقنطار أداه إليك؟ يُوجَد لكن يبدو أنهم صاروا قلة، ارتفعت الأمانة، لكن هم موجدون بفضل الله، لكن هذه شهادة القرآن في أهل الكتاب يهوداً ونصارى، قال وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ ۩ ذهب! يُريد قنطاراً ذهباً، يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ۩، مِن المُسلِمين كذلك، مِن البوذيين كذلك، ومن كل البشر! لماذا هذا الإنصاف؟ لأنه كلام رب العالمين، ليست كلمات محمد التي تعكس وتُترجِم عن انفعالاته، عن ردات فعله النفسانية كما أرادت السيدة بريجيت Brigitte أن تُفهِمنا، لا! هذا كتاب إلهي.

أعجب من هذا – ونختم بهذه المُلاحَظة المُخيفة المُزلزِلة للمُسلِمين قبل أن تكون مُزلزِلة للمُشاغبين والمُشتبِهين والمُشبِّهين على الناس، مُزلزِلة للمُسلِمين، وبسببها يُنعَت بعضهم بالكفر والمروق من الدين، إلا أنه كلام الله شاء مَن شاء وأبى مَن أبى، وولاؤنا المُطلَق لكلام الله، نسأل الله ألا نحيد عنه قيد أُنملة – أن القرآن يبرأ من النزعة الحصرية، وهذه البراءة أعظم تصديق على مفهوم المُصادَقة الواردة في الآيات المكية والمدنية، وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ ۩، أعظم تصديق هذه البراءة من الحصرية، في الآية الثانية والستين من سورة البقرة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ۩، يعني المُسلِمين أتباع محمد، وفقط؟ لا، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ۩، لا تقولوا لي هناك يهود أسلموا وإذا اليهودي أسلم فهو من الذين آمنوا، بالله عليكم هذا الاستهبال أمام كتاب الله كفوا عنه، كفوا عن هذا الكذب والطعن في صدور هذه الآيات، كذب! الآية تقول إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ۩، وحدهم فرقة، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ۩، كل هؤلاء، مه؟ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۩، الله أكبر!

قالوا لكم القرآن ضيّق الصدر ومحمد كذا وكذا، لم نعرف هذا ونحن ننحاز للحقيقة، ويبدو أن الحقيقة أعز وأغنى في ذاتها – من الغنى، أعظم استغناءً – من أن تبذل نفسها لمَن لا يُريدها، لمَن يستغني عنها، لمَن يستكبر عليها، لمَن يُغالِط فيها، أيضاً لمَن يُغالِط في الحقائق! الحقيقة أبداً لا تُسفِر عن وجهها، لا تُلقي حجابها، تظل مُحتجبة، ويظل هو في عمهه مُتردياً، حقيقة عجيبة وغريبة جداً يا إخواني، تكشف عنها هذه الآية ضمن آيات كثيرة، نجتزئ بالقليل منها ثم نمضي، لأن أمامنا نقاطاً كثيرة لابد أن نستوفي بعض الكلام حولها وعنها، أيضاً في آل عمران لَيْسُوا سَوَاءً ۩، يتحدَّث عن ماذا؟ عن أهل الكتاب، لَيْسُوا سَوَاءً ۩، لكن عند المُسلِمين المُعاصِرين وبالذات عند أصحاب الإسلام السياسي الذي خرَّبوا أدمغتنا هم سواء وخاصة اليهود، كلهم سواء! إخوان القردة والخنازير وكذا وكذا، غير صحيح! القرآن أبداً لم يسر على هذه الخُطة، قال لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ۩ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ۩ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ۩، شيئ تقشعر له الأبدان! الله يقول من الكتابيين – من اليهود والنصارى – أُناسٌ هذا نعتهم وتلك صفتهم.

وأخيراً – الآيات بالعشرات لكن هذه من أشهرها ومن أهمها ومن ألفتها، تلفت النظر المُتحيِّر الزائغ، تلفته إلى الجادة مرة أُخرى، انظروا إلى هذا، البقرة وآل عمران والنساء! وقالت القرآن المدني انقلب على أهل الكتاب، انقلب على اليهود، أين الانقلاب؟ أين معالم هذا الانقلاب يا أخي؟ انقلاب أم ثورة أم انتفاضة هذه؟ لا تُوجَد أي معالم أبداً إلا معالم الدس والكذب والإفك والخيال، الخيال الفارغ المُبطِل والعياذ بالله – في النساء – وكم وكم ألمحنا إلى هذه الآية بل إلى هاتين الآيتين الجليلتين – لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ۩، مَن المُخاطَب؟ الصحابة، أصحاب رسول الله، نحن الصحابة، نحن المُحمَّديون، نحن المُسلِمون، نحن أتباع النبي الخاتم، انتهى كل شيئ، وضمنا الجنة، على طريقة بعض العلماء ضمنا الجنة، غير صحيح، كذب! ليست بالمانشيتات، ليست بالإعلانات، وليست بهذه النياشين أبداً، إنما لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ۩، وأيضاً: وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۩، نحن اليهود، نحن النصارى، نحن أتباع روح الله، نحن أتباع ابن الله، نحن أتباع موسى الذي شق الله له البحر عند الخروج، كل هذا عند الله كلام فارغ! وبالمُناسَبة من أكبر الناس الآن المُتورِّطين إلى جانب اليهود والنصارى بلا شك المُسلِمون أيضاً، وفعلاً نحن احتذينا بهم، احتذينا بهؤلاء حذوك القذة بالقذة كما قال المعصوم – عليه الصلاة والسلام وآله – تماماً، السُني عنده الضمانات، سيدخل الجنة، والشيعي عنده الضمانات ولو بتحريك هريسة الحُسين في عاشوراء، فقط حرِّكها هذا وتدخل الجنة، ما شاء الله على هذا الدين، دين الشيعة والسُنة ما شاء الله عليه، ويسألونك ما هذه الحالة من اللغبطة والتيه والضلال والانحطاط الأخلاقي والروحي والديني والاحترابي في هذه الأمة بسُنتها وشيعتها؟ لأنهم: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ۩، كذابوا على الله ورسوله وطبعاً كذبوا على الأئمة وعلى العلم سُنة وشيعة ثم صدَّقوا، فصاروا إلى هذه الحالة الزرية، انظروا كيف جابه وقابل القرآن العظيم – أي رب العالمين – مثل هذه الخُطط المفضوحة في تفريغ الدين من معناه وفحواه ومغازيه ومراميه، لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ۩ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ۩، موازين! بعد أن تتحقَّق بالإيمان بالله واليوم الآخر وتعمل الصالحات – الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۩ – يُوجَد ميزان سيزن كل شيئ، تقول لي حُبي لأهل البيت أو حُبي للصحابة أو حُبي لأهل السُنة أو حُبي للشيعة، كل هذا كلام فارغ، لابد من إيمان وعمل صالح!

يا أخي نوح – بالله العظيم أحياناً كأنك لأول مرة تقرأ هذه الآيات، تملك عليك كيانك، تهزك هزاً، تُقلقِلك، وتُزلزِلك – ظل تسعمائة وخمسين سنة – أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ۩ – دائباً في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، لا يفتر، لا ينثنى، لا تتخوَّله ملالة ولا سآمة ولا يأس، لكن هذه تسعمائة وخمسون سنة وهي كفاية، كفاية! حتى كان أن أوحى الله إليه لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ ۩، قال له انتهى، اقطع الأمل منهم، اقطع الطماعية، اقطع! كف عن الطماعية في إيمانهم، اقطع الأمل واليأس، أشعر نفسك اليأس منهم، بعد ذلك حين كان الطوفان وأراد ابنه الشقي الذي كفر وجحد أن يعتصم بالجبل قال له أبوه لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ ۩، لا إله إلا هو! طبعاً: وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ۩، بعد ذلك بآية قال وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ۩، قال له ابني، لو نجيت لي ابني، أُريد ابني فقط، ابني! تسعمائة وخمسون سنة تشفع لي عندك وأنا نبي، ألف سنة أنا مُوظَّف عند رب العالمين، ألف سنة أعمل ليل نهار، وتحمَّلت صنوف الأذى وألوان السخار والمهزأة، أصبحت مهزأة بين الناس قال، ابني! قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ۩، كم في هذه الأمة من جهل! كم في النصارى من جهل! كم في اليهود من جهل! إذن كم في أتباع إبراهيم من جهل! جهالات غليظة مُطبِقة مُتراكِبة ومُتراكِمة بعضها فوق بعض، مرة أُخرى: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ۩، ولنمضي أيها الإخوة!

جوستاف فون جرونباوم
جوستاف فون جرونباوم
برنارد لويس
برنارد لويس

بعد ذلك أيها الإخوة شرعت السيدة غابرييل Gabriel تتحدَّث كيف انتهى الأمر باليهود والنصارى أن أصبحوا ذميين، طبعاً تحدَّثت بطريقة أوهمت المُستمِعين – كل مَن ليس له دراية بالتاريخ الإسلامي سيفهم هذا – أن هذا تم في حياة النبي، وبالمُناسَبة لاحظت أنها في هذا المقطع القصير الذي لم يُكمِل عشرين دقيقة شدَّدت كثيراً بشكل مُبالَغ فيه لا تتناسب مع حقائق التاريخ ولا مع حجم اليهود في العالم على الحديث عن اليهود، كم عدد اليهود؟ هل يُتمون عشرين مليوناً؟ يا سيدي فلنجعلهم ثلاثين مليوناً أيضاً، ليس فيهم عشرون مليوناً، ماذا عن النصارى؟ أكثر من اثنين مليار، لماذا الحديث عن اليهود؟ فلنسمع المُشترِق الألماني العظيم جوستاف فون جرونباوم Gustav Von Grunbaum أو المُستشرِق البريطاني الأمريكي اليهودي الذي أوسع الإسلام نقداً وحقداً وتحريضاً عليه وعلى أمته برنارد لويس Bernard Lewis، الشيخ المُعمَّر الكبير! في عشر المائة الآن، هذا الرجل قال لابد أن نعترف بالآتي، وهذا في أكثر من كتاب له، ليس فقط في يهود الإسلام، في أكثر من كتاب له اعترف أن الاضطهاد الذي تعرَّض له اليهود في الحاضرة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي أقل بكثير مما تعرَّض له النصارى، وهذه مُفارَقة في الظاهر، أي أن حالهم كان أحسن بكثير من حال النصارى، على أن حال النصارى في العموم وفي الإجمال بشهادة عشرات – لا أُحِب أن أُبالِغ وأقول مئات – المُستشرِقين وكبار المُؤرِّخين الغربيين – أوروبيين وغير أوروبيين – كانت حالة حسنة في مُجمَلها، طبعاً هناك نقاط وبُقع وصحائف سُود، لا تُوجَد أمة كاملة، لا يُوجَد فرد كامل إلا الأنبياء ومَن كمَّلهم الله ولا تُوجَد أمة كاملة، لكن عموماً حالهم كانت حسنة، ولذلك لن تجد مُؤرِّخاً غربياً مُحترَماً – يحترم نفسه ويحترم الوقائع والحقائق – يقول لك يُمكِن مُضاهاة المسيحية وخاصة الغربية بالإسلام أو عقد مُقارَنة بينهما إذا تعلَّق الأمر بالتسامح وقبول الآخر، لا يُوجَد نقاش، حتى لويس Lewis قال هذا، قال غير موجود، قال بون بعيد بين الإسلام وبين المسيحية، طبعاً هو الود وده – كما يُقال بالعامية – أن يُجامِل المسيحيين الذين يعيش بينهم وعليهم، لكنه قال هذه حقائق كثيرة، فرق كبير قال، هذا هو! ومع ذلك اليهود كانوا أحسن حالاً بمراحل من النصارى، عجيب! لو أخذنا منطق هؤلاء ونظرنا إليه بعدساتهم وبعيونهم القرآن مُتسامِح أكثر مع اليهود أم مع النصارى؟ نحن كمُسلِمين نُؤكِّد أنه مُتسامِح مع الجميع، لكنه مُتسامِح مع النصارى أكثر، وقال اليهود والمُشرِكون أشد الناس عداوة للمُؤمِنين، النصارى أقرب مودة إلينا، قال هذا في المائدة بشكل واضح، لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ۩، ما معنى هذا؟ معنى هذا أن حوادث الاضطهاد محدودة في التاريخ الإسلامي، تبقى محدودة، الخط العام هو التسامح، هذا هو خُلاصة القضية كلها، تقرأ آلاف الصفحات ثم تعود بهذه النتيجة، الخط العام تسامح – بفضل الله عز وجل – وهناك اسثثناءات، ضمن هذه الاستثناءات ما لحق اليهود بالذات – نتحدَّث عن اليهود بالذات – الذي لم يكن بسبب النص الديني، أي قال الله وقال الرسول، بلُغة العصر إذن لم يكن بسبب التعصب الديني، ليست مسألة دينية، إذن لماذا؟ المفروض أن يُوجَد اضطهاد لليهود نسبياً طبعاً – نسبياً إذا أخذنا الأعداد والأحجام والكثافة – أكثر من اضطهاد النصارى، إذن المُسلِم حاكماً أو محكوماً كان مُتعصِّباً دينياً، لماذا؟ لأن النصوص النصارى أسعد بها، نصوص القرآن النصارى أسعد بها من اليهود، فما الذي حصل؟ لماذا انقلب الأمر على هذا النحو؟

إذن هذه الحالات المُستثناة من الاضطهاد لليهود لم يُملها الدين، لم تُملها عصبية دينية، إنما أملتها اعتبارات أمنية، اعتبارات عملية! كيف إذن؟ يضح هذا بكلمة واحدة، اليهود لم تكن لهم دولة، لا حول العراق ولا حول القاهرة ولا حول دمشق ولا حول قرطبة أو إشبيلية وما إلى ذلك، لم تكن لهم دولة في العالم أصلاً، كانوا مُشرَّدين مُشتَّتين بين أمم الأرض كلها، ولذلك لا خوف من جهتهم أنهم ينحازون إلى دولتهم فيعملوا جواسيس وعيوناً لها على حساب دولة المُسلِمين، هل هذا واضح؟ كأن لم يُصِب المُسلِمين بنكبات ولم تُشَن عليهم حروب صليبية زهقت فيها أرواح ملايين المُسلِمين! ضحايا الصليبيات عموماً تسعة ملايين بحسب روبرتسون Robertson، بحسب روبرتسون Robertson تسعة ملايين! وقالوا الإسلام كذا وكذا، سوف نرى الإسلام، سوف نرى السجل الدموي للإسلام، تاريخ! هذا تاريخ والعلم حين ينطق غير ما ينطق الحقد والكُره والرغبة والهوى والأسلوب المُتخلِّف في الإلقاء والكلام والأسلوب الذي يُريد ويتغيا في نهاية المطاف أن يشن صليبية جديدة، يُحِبون هذا، مثل هذه السيدة! نوع من عليهم مرة أُخرى، كيف يُقال عليهم مرة أُخرى؟ لماذا؟ على أمة من أكثر الأمم سلامية في العالم ولا زالوا رُغم داعش والقاعدة، ما رأيكم؟ وبشهادة البوليس الأوروبي، أي اليوروبول Europol، فهناك الإنتربول Interpol الدولي وهناك اليوروبول Europol، اليوروبول Europol قال هؤلاء اتضح أنهم مساكين، أعني المُسلِمين، هو صُدِمَ! اليوروبول Europol هذا صُدِمَ من النسبة، قال تسعة وتسعون فاصل ستة من عشرة من حوادث الإرهاب في أوروبا المسؤول عنها غير مُسلِمين، الحمد لله! أقل من نصف في المائة نسبة المُسلِمين، هؤلاء المُسلَمون! لماذا الكذب؟ عيب عليكم، ارجعوا إلى الجهات المُختَصة، ارجعوا إلى الأرقام المُحترَمة والدراسات الحاضرة العتيدة، لماذا الكذب والهوى؟ لأن هذا لا يتناغم مع أهدافهم ومع غاياتهم في إثارة العالمين على الإسلام وأمة الإسلام، مرة أُخرى يودون أن لو لم يكن لا إسلام ولا أمة الإسلام، والله لو لم يكن إسلام ولا أمة إسلام – والله – ما كانت أوروبا اليوم ولا كنا نجلس مُتمتِّعين بكل هذه التقنيات، لأنهم إنما واصلوا مشوارنا الحضاري والعلمي والتقني، وباعترافهم! نحن لسنا مُجرَّد قبيل من الناس أو مجموعة أو حزب ظهر على حين غِرة وغفلة من التاريخ، لسنا عود ثقاب اشتعل للحظة ثم طفئ أبداً، نحن أمة عظيمة حضارةً ومدنيةً وعدداً ورسالةً وروحاً وأخلاقاً وإسهاماً، وبعون الله نعود أمة عظيمة، لا بداعش ولا بالقاعدة، برحمانية الشرع وإنسانية الإسلام وعظمة محمد – عليه الصلاة وأفضل السلام – رحمة العالمين، الرحمة المُهداة والنعمة المُسداة والسراج المُنير، قالوا هذه خطابيات، لكن لا، هذه خطابيات هكذا على طريقة الخطابة لكن مدعومة بمئات الحقائق العلمية والتاريخية على كل حال.

إذن القرآن الكريم لم يكف عن السير في خُطته – خُطة الإنصاف والمعدلة – حتى آخر رمق، حتى انقطع الوحي! فهذا ليس استئلافاً ولا مُجامَلة ولا مُداوَرة ولا مُغالَطة في الحقائق، عدل! هذه خُطة الحقائق.

كارن أرمسترونغ
كارن أرمسترونغ

إذن السيدة غابرييل Gabriel تتحدَّث كيف أصبح اليهود والنصارى ذميين، وطبعاً كلمة ذميين تُشدِّد عليها، وهي عربية لُبنانية طبعاً تعرف أن تنطقها بالذال المُعجَمة، تُشدِّد على كلمة ذميين Dhimmis، أي Non-Muslim Subject بالإنجليزية، الرعايا غير المُسلِمين، الذميون! لكن ترجميها، قولي لهم لو قرأنا الفقه الإسلامي – أي بنود هذا الفقه وكل ما يتعلَّق بهذا الباب وهو باب الذمة، وكذلك الحال مع الجزية أيضاً – ما معنى الذميين الذي سنجده بلُغة مفهومة؟ تماماً كما ترجمتها كارن أرمسترونغ Karen Armstrong في كتابها الحرب المُقدَّسة Holy War، عندها كتاب عظيم جداً في تاريخ الحروب الصليبية، كتاب من ستمائة صفحة في تاريخ الحروب الصليبية أنصفت فيه إلى حد بعيد، قال ذميون تعني الجماعات والأقليات المحمية، محمية! مَن الذي يحميهم؟ ولماذا؟ هؤلاء مُخالِفون! يهود، نصارى، هندوس، مجوس، عُبّاد نار، ووثنيون في الهند، كانوا في الذمة وعُقِد لهم، على طريقة مالك وأبي حنيفة عُقِد لهم، عادي! نعقد للوثنيين ولعُبّاد الحجر، ليس عندنا مُشكِلة، عجيب! لماذا؟ مَن الذي يحميهم؟ أعزم حامٍ الله تبارك وتعالى، وهذه ذمة الله، تالله وبالله لو كنت غير مُسلِم – أعوذ بالله – في العصور الوسطى أعيش حيث اختار لما اخترت إلا أن أعيش ذمياً تحت حُكم المُسلِمين لما أعرفه من حقوق أهل الذمة في الحُكم الإسلامي، قالوا هذا ليس عنده ذمة القانون، ليس عنده ضمانات دستورية فقط، لكن لا، عنده ذمة الله، الله! لو أنت خفرت ذمياً واعتديت عليه – نقصته حقه أو كلَّفته ما لا يُطيق أو تغوَّلت ماله أو سفكت دمه أو أهدرت كرامته وما إلى ذلك – دخلت في حرب مع مَن؟ مع الله، الله سيشن الحرب عليك، يا الله! ما هذه السعة التي في الإسلام؟ ما هذا التسامح العجيب؟ قال لك ذمة الله وذمة رسوله، ومن ثم ذمة السُلطان أمير المُؤمِنين وذمة المُؤمِنين، طبعاً لم يُحافِظ المُسلِمون على هذه الأمة دائماً، طبعاً قلنا هناك استثناءات، هناك صحائف سود، من أسود ما يكون! لكن هذه الصحائف السود لم تكن فقط بإزاء الذميين، وحتى بإزاء المُسلِمين أنفسهم، سُنة وسُنة، شيعة وشيعة، وشيعة وسُنة، قصة! هكذا هم البشر، هذه مُفتعَلات بشرية، والخط العام مُشرِّف، نحمله كتاباً هكذا ونذهب به إلى العالم مرفوعي الرؤوس، مُشرِّف! تاريخنا في التسامح مُشرِّف – بفضل الله – إذا ما قُورِن بالآخرين، ولا تحكم عليه بما وصل إليه المشوار البشري في القرن العشرين والحادي والعشرين، وبالمُناسَبة – بالله عليك فلنكن واضحين – حتى مشوارك في القرن العشرين غير مُشرِّف، مُخزٍ! سبعون مليون ضحية في حربين عالمتين، بالكاد أوروبا تركت هذا، ولم تكن خارجة أصلاً – لم تكن خارجة – من عهد الاستعمار، أليس كذلك؟ استعمار أوروبا وإفريقيا! كم كلَّفنا – ليس كم كلَّفهم وإنما كم كلَّفنا – أن يستعمروا بلادنا؟ في آسيا وإفريقيا كانوا خمسين مليوناً فقط، ضحايا الاستعمار الأوروبي في آسيا وإفريقيا خمسون مليوناً، ضحايا النزاعات الغربية – الحربين العالميتين – سبعون مليوناً، يا ربي! مائة وعشرون مليون ضحية، ما هذا؟ شيئ مُخيف، غابرييل Gabriel هذه قالت لا، انس هذا، المُسلِمون مائتان واثنان وسبعون مليون، أين هذا؟ عُد إلى دراسة – حدَّثتك عنها مرة – جامعة لويفيل Louisville، لويفيل Louisville في ألفين وثمانية نشرت دراسة موجودة على النت Net بالإنجليزية، يُمكِن أن تقرأها وأن تفهمها، مُمتازة! رابط الدراسة يُمكِن أن ترى المعايير وأن تعرف كل شيئ، يا سيدي العزيز اتضح أن أكثر الأديان تورطاً في الحروب وفي انتهاك الحق المُقدَّس في الحياة للإنسان وفي سفك الدماء المسيحية، رقم واحد! قبل الصينيين، وقبل الصينيين الملاحدة، رقم اثنان الملاحدة طبعاً، الاتحاد السوفيتي وكمبوديا وبول بوت Paul Put وماو تسي تونغ Mao Zedong وإلى آخر القصة الكبيرة هذه! لكن قبلهم المسيحية، يا ربي! لماذا؟ قالوا المسيحية تورَّطت تقريباً في مائة وثمانية وسبعين مليون ضحية، ورأينا نحن الآن كيف هذا، مائة وثمانية وسبعون مليون بين حروب بينية بين الدول وبين حروب أهلية وبين عنف هيكلي وبين عنف الدولة، عنف الحكومات! أربعة معايير أو أربعة صنوف للعنف – Violence – في هذه الدراسة التي نشرتها لويفيل Louisville، بنسبة كم؟ واحد وثلاثين في المائة، أي واحد وثلاثين في المائة من مُعاناة البشرية، لكن في أي مدى زمني؟ من واحد ميلادي – من العام الأول للميلاد – إلى ألفين وثمانية، واحد وثلاثون في المائة من نصيب – النصيب الأعظم – المسيحية، مَن ضربك على خدك الأيمن أدِر له الأيسر، نصوص! نصوص لم تجد مَن يُطبِّقها، لكن موجود حتى في الكتاب المُقدَّس – في العهد الجديد – أن المسيح قال مَن لا يُؤمِن بي ولا يخضع لديني ائتوا به واذبحوه أمامي، موجود هذا، بالله عليكم اقرأوا الكتاب المُقدَّس أيضاً، ولذلك حين يأتي سانت أوجستين Saint Augustine أو حين يأتي توماس أكويناس Thomas Aquinas أو حين يأتي البابا أوربان الثاني Pope Urban II ويدعو إلى أول حملة صليبية سيحتاج إلى تبرير Justification، سيحتاج إلى مُبرِّر ومُستنَد، قال نذبحهم، توماس أكويناس Thomas Aquinas قال الحرب العادلة، هناك الحرب العادلة! فبرَّروا الحروب والمذابح وما إلى ذلك بأشياء طبعاً من الكتاب المُقدَّس، وهذا التلاعب ليس من نصيب المسيحيين وحدهم، من نصيب اليهود والمُسلِمين وكل الأديان وكل النصوص، النصوص قابلة أن يُلعَب بها وما إلى ذلك، ولذلك نُريد أن يكون هناك حارساً لقيم النصوص، لكي يقول لا، هذا لعب، هذا عبث، هذه الطريقة غير علمية، يا ليت! وهم موجودون بفضل الله أيضاً في الأديان كلها وفي الثقافات كلها حتى نكون مُنصِفين.

ماذا عن المُسلِمين؟ المُسلِمون لم يتفوَّق عليهم في السلامية إلا الهندوس، لكن أنا أقول لك المُقارَنة حتى غير واردة، هل تعرف لماذا؟ الهندوسية ديانة غير تبشيرية، أليس كذلك؟ الهندوسية ديانة غير تبشيرية، لنا وفقط! الإسلام تبشيري، المسيحية تبشيرية، اليهودية غير تبشيرية، لذلك لم تُودَع في هذه الدراسة، فلماذا؟ لماذا أودعتم الهندوسية في الدارسة؟ المُهِم هناك أمور مُعيَّنة وتُوجَد بعض التدقيقات، وإلا لو أودعوا اليهودية لوجدوا أن ضحايا الحروب في الكتاب المُقدَّس في عهده القديم المُختَص باليهود – هل تعرف كم؟ ليس فقط سفر يوشع وأشعياء، لا، هناك ما هو أكثر منهما، لكن سفر يوشع رقم واحد طبعاً – وصل عددهم إلى اثنين مليون وسبعمائة وخمسين ألف، ضحايا محمد في حروبه كلها – كما قلنا عشرات المرات – في دراسة تحقيقية دقيقية زُهاء ثلاثمائة من المُشرِكين والمُسلِمين، ثلاثمائة واحد فقط، ضربة لداعش! إحدى ضربات داعش أهلكت ألف وخمسمائة، ألف وخمسمائة ذبحوهم ذبحاً، لا! محمد في كل حروبه وغزواته وسراياه ثلاثمائة، الناس الذين بالغوا وأتوا بأشياء من هنا ووضعوها هناك وما إلى ذلك قالوا لا يزيدون عن ألف ومائة، ألف ومائة فقط! وهذا محمد الدموي المبعوث بالسيف والكذا والكذا؟ ما القصة هذه؟ ما قصة محمد المبعوث بالسيف هذا وقصة المسيح المبعوث بالسلام وخدك الأيمن والأيسر؟ مائة واثنان وسبعون مليون عبر هذه الفترة فقط، لكن المُسلِمون – بفضل الله – لم يتفوَّق عليهم إلا الهندوس، لأن الهندوسية ديانة غير تبشيرية، لما تخرج ولم تفتح، ليس عندها فتوحات Conquests، لكن المُسلِمون كم ذبحوا في التاريخ كله؟ بحسب دراسة علمية من الجامعة قالوا حوالي اثنين وثلاثين مليوناً، عدد الضحايا الذين تسبَّبنا فيهم عبر ألف وأربعمائة سنة حوالي اثنين وثلاثين مليوناً حول العالم بالحق وبالباطل، هل هذا واضح؟ هو هذا! بنسبة كم؟ بنسبة خمسة ونصف في المائة، هذه نسبتنا نحن، المسيحية نسبتها تصل إلى واحد وثلاثين في المائة، أي إلى مائة وثمانية وسبعين مليون، فلنكن واضحين مع الحقائق رجاءً، والكتاب المُقدَّس ضحاياه وصل عددهم إلى اثنين مليون وسبعمائة وخمسين ألف، هذا يختص باليهود، قد تقول لي لماذا؟ لأن هكذا موجود، دعاء! عندهم دعوة تُفيد بإنك حين تدخل بلداً – وهناك بلاد كثيرة طبعاً للفلسطينيين – ينبغي أن تُحرِّم كل ما فيها، هل تعرف ما هو التحريم؟ الذبح، اذبح! اذبح من غير سلخ، اذبح وأرق الدماء، اذبح الحمير والأبقار والماشية والعجائز والشيوخ والأطفال والرُضع والنساء، الكل! ثم قالوا القرآن حربي لكن الكتاب المُقدَّس سلامي، عيب عليكم! أقولها بالفم الملآن وهذا سيُغضِبهم، عيب عليكم، استحوا! عليكم أن تستحوا من الحقائق، عيب! وإذا أردنا أن نتحدَّث فلنتحدَّث بالحقائق كما هي، وهذا يُطبَّق على الجميع، أليس كذلك؟ علينا وعلى غيرنا، ثم نرى بعد ذلك سواء نتسالم بها لكي يسلم العالم، كفى!

هذه الطريقة في انتقاص الإسلام والافتراء على الإسلام وإفك الإسلام بهذه الطريقة – والله العظيم – لا تخدم لا سلاماً ولا تعايشاً، تخدم فقط الذين من مصلحتهم أن يُوقِدوا تحت الحروب، أن يُؤجِّجوا نيران الحروب، افهموا! مَن أراد أن يفهم، نحن صُرحاء، لسنا دبلوماسيين، لسنا كذبة، لسنا مُتملِقين أبداً، ولسنا دمويين – بفضل الله – أبداً، نحن سلاميون حتى النُخاع، ديننا اسمه الإسلام، مُشتَق من الجذر ذاته المُشتَق منه مادة سلام، نفسه: سلم، وهذا مزيد بالهمزة، مزيد فقط، نفس الجذر، سلام! دين سلام واسمه إسلام ومن أسماء الله السلام ومن أسماء الجنة دار السلام وتحيتنا السلام عليكم Peace upon you، نقول السلام عليكم، نبذل السلام لكم.

على كل حال قالت الذميون، الذميون محميون، وذكرت لكم أيها الإخوة أيضاً في مُناسَبات كثيرة – وبالمُناسَبة ما من موضوع إلا ناقشناه في خُطب بحيالها بفضل الله، لكن بتفصيل أكثر طبعاً في كل نُقطة وكل جُزئية، لكن أردنا أن نُجمِّع هنا فقط لكي نرد على مَن تأثر، نشفي مَن تأثَّر بشُبهات السيدة غابرييل Gabriel – أن ابن حزم – رحمة الله عليه – في كتابه عن الإجماع ذكر أن ذمياً – بغض النظر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد نار، أياً كان – لو تم الاعتداء عليه يجب على المُسلِمين أن ينبعثوا مُباشَرةً لاستنقاذه، فإن اقتضى ذلك مالاً كثيراً دفعوا أموالهم ولو فنيت أموالهم، تُفنى أموالنا حتى لو كانت بالملايين والمليارات، قال لك كلها! وإلا أنت في حرب مع الله ورسوله، أنت بهذه الطريقة خُنت ذمة الله والرسول، هذا ذمي عندك ما دام قبلت أن تأخذ منه الجزية، هنا قد يقول لي أحدكم هل الجزية يُدفَع بسببها الذهب الكثير؟ لا، يُدفَع ديناراً في السنة أو اثني عشر ديناراً، هناك أُناس قالوا دُفِع دينار فقط، وتاريخياً كانوا يدفعون ديناراً، بنيامين التطيلي – الرحّالة الإسباني في القرن الثاني عشر تقريباً، رحلته مطبوعة ومُترَجمة بفضل الله عز وجل – قال أنا مررت من هناك واليهود أينما وجدتهم كانوا يدفعون ديناراً في السنة، في السنة! هذه الحماية، ويُمكِن أن ندفع أموالنا كلها لكي نستنقذك ونُدافِع عنك ونصون كرامتك وحياتك المُقدَّسة، وليس هذا فحسب، قال ابن حزم فإن لم تف الأموال فبالمُهج والنفوس، تذهب لكي تُجاهِد أنت وأولادك وأهلك وعائلتك والقبلية التي تنتمي إليها، حتى لو اقتضى ذلك أن يموت المُسلِمون من عند آخرهم، ما هذا؟ ائتوا بنص مثل هذا،يا سيدة بريجيت Brigitte أرجوكِ إذا سمعتِ كلامي هذا أن تأتي بنص مثل هذا، هيا! أتُحِبين السلام أنتِ؟ أبرزي هذه النصوص، أبرزي هذه الثقافة الإسلامية، ألا تُحِبين داعش كما لا نُحِبهم؟ ألا تُحِبين القتلة والإرهابيين؟ علِّميهم كما نُعلِّمهم بهذه النصوص، قولي لهم هذا تراثكم، أأنتم أفقه أم أبو محمد عليّ بن أحمد بن حزم الظاهري؟ هو أعجوبة الأزمان وليس الزمان، أعجوبة الزمان رضوان الله عليه، الحافظ العظيم والإمام المُجتهِد الكبير، إمام أهل الظاهر قال لا يُمكِن غير هذا، ويُعلِّق عليه أحد أحد أعاجيب علماء المُسلِمين، الذكي العبقري اللوذعي الشهاب القرافي المالكي، تَلميذ العز بن عبد السلام، في الفروق يقول وإن عهداً أو عقداً – هذا بمعنى الكلام – يقتضي بذل الكلام والمُهج لحياطته والحفاظ عليه لعظيم، قال عهد عظيم هذا، وهي تُشدِّد على كلمة ذميين Non-Muslim Subject، شيئ رهيب! ولذلك هل فهمتم لماذا حلفت أنا؟ لو كنت في العصور الوسطى المُظلِمة في أوروبا لعشت في العالم الإسلامي لأن عصوره كانت مُنيرة بفضل الله عز وجل، والله هذا ينطبق حتى هلى الأجزاء اليسيرة من أوروبا التي دخلت تحت حُكم المُسلِمين، اذهب الآن واقرأ تاريخ الأفكار، اقرأ تاريخ أوروبا الوسيطة، وسوف تجد أن إسبانيا غير موجودة في الــ Dark middle ages، لماذا؟ لأنها كانت تحت حُكم المُسلِمين مُنيرة، كانت مُنيرة! أوروبا كلها كانت مُظلِمة، هذا كان وضع باريس، لندن، برلين، فيينا، وكلهم! مُظلِم، كان مُظلِماً على جميع المُستويات، إسبانيا كانت مُنيرة، كان فيها حالة تنوير لأن كان فيها الإسلام، الإسلام لم يكن داعش والقاعدة والتخلف الذي نعيش فيه اليوم والهبل الذي ران علينا، كان ديناً عظيماً بكل معنى الكلمة بفضل الله تبارك وتعالى، انظروا إلى هذا، هذا معنى عقد الذمة أو عهد الذمة.

بعد ذلك هناك مُلاحَظة أُريد أن أذكرها وهي مُهِمة جداً جداً، هذا الكلام من السيدة غابرييل Gabriel – هداها الله وأصلحها وأصلح لها الحال – يُفهِم أن النبي حين وادع اليهود في المدينة – وفي كلامها كما قلت لكم تُؤكِّد على اليهود كثيراً، هي دائماً تفعل هذا، قالت النبي وادع اليهود في المدينة وهم مساكين، هم أصحاب المركز التجاري في المدينة كما وصفتهم، وقالت هم أهل البلاد، لكن هم ليسوا أهل البلاد، أهل البلاد كانوا عرباً، هناك الأوس والخزرج، ونحن نعرف من أين أتوا، على كل حال قالت أهل البلاد – دفَّعهم الجزية لكي يعيشوا، هكذا قالت هي! قالت الجزية هذه – ضريبة الحماية Protection tax – لكي تعيش فقط، وسوف تُفهِمك بعد قليل أنها من غير أي حريات، لم تُوجَد حرية تعبدية، لم تُوجَد حرية بناء معابد، لم تُوجَد حرية كذا وكذا، وهذا غير صحيح، كذب! كذب تماماً هذا وسوف نرى كيف، قالت كان لابد من دفع الجزية واليهود فعلوا هذا، وهذا غير صحيح، مَن أفهم في الإسلام ومَن يعرف الإسلام وآثار الإسلام – لا أتحدَّث عن عدنان، عدنان مَن هذا؟ – أكثر: السيدة غابرييل Gabriel أم أبو عبد الله الشافعي؟ الإمام الشافعي واضع لعلوم إسلامية، علم مُختلِف الحديث وضعه وابتكره، علم أصول الفقه يكفيه فخراً، إمام المذهب! في الأم يقول لا أعلم خلافاً بين أهل العلم أن النبي حين قدم المدينة ووادع يهود إنما وادعهم على غير جزية ولا مال، الحمد لله! هذا الشافعي في الأم، راجع الأم! أم أنك قرأت في صحيفة المدينة أنهم كانوا يدفعون مالاً؟ لم يحدث هذا ابداً، لهم عهد الله وعهد الرسول وعهد المُسلِمين مُهاجِرين وأنصاراً، ولهم الأسوة والنُصرة غير مظلومين ولا مُتناصَر عليهم، وكلمة الأسوة ما معناها؟ هل تعرف ما معنى الأسوة أيضاً؟ الاشتراك في المال أيضاً، حين يحدث أي شيئ يُشارِكوننا في الدفاع ويُشارِكوننا حتى في الغنيمة، وهذا ما حدث مع بعضهم، شارك في الدفاع فشارك في الغنيمة، لا يُوجَد مال يُدفَع، لا تُوجَد جزية، هل تعرفون لماذا؟ لأن آية الجزية وهي الآية التاسعة والعشرون من سورة براءة – التوبة – نزلت في السنة التاسعة للهجرة، لم يكن هناك جزية، لكنها تُحاوِل أن تُفهِمك أن محمداً كان ظالماً، مَن محمد هذا؟ قاطع طريق هذا، رجل ظالم، عجيب وغريب الرجل هذا، استعبد الناس، جاء إلى المدينة واليهود هم أهلها، التجّار العُظماء قال لهم إذا أردتم أن تعيشوا فلتدفعوا الجزية، غير صحيح بالمرة، لم يحدث هذا أبداً، محض كذب!

ولذلك ابن تيمية – رحمة الله تعالى عليه – في الصارم المسلول ذكر من صحيفة المدينة وأنه مَن تبعنا مِن يهود فإن لهم النُصرة والأُسوة غير مظلومين ولا مُتناصِرين عليهم وإلى آخره، إذن قال مَن تبعنا، فقالوا محمد يقول لهم اتبعونا، كيف نتبعكم؟ بالدخول في ديننا، غير صحيح! هل هذا حصل؟ لم يحصل، ظلوا على دينهم وعلى أماكنهم كما هم، يهود بني كذا ويهود بني كذا مثل يهود بني ثعلبة ويهود بني عوف ويهود بني النجّار ويهود بني كذا وكذا، إلى آخره! ابن تيمية قال هذا هو، وأيضاً نحن لا نعرف خلافاً في هذا، معنى الاتباع هنا مُسالَمة النبي، لا تُحارِبوننا فقط، أعطونا حق الحياة، نحن نُريد هذا، هؤلاء أهل مكة وكفّار مكة الذين تتعاطف معهم السيدة غابرييل Gabriel ويتعاطف معهم أيضاً مُنافِقو العرب من العلمانيين والليبراليين، أعني بعضهم طبعاً، حرام أن أقول الكل، بعض العلمانيين والليبراليين والتي لُحِست عقولهم يُعرِبون عن قدر كبير جداً من التعاطف مع أبي لهب وأبي جهل وأبي سُفيان، إلى آخر هؤلاء الناس العظماء، يتعاطفون مع المُضطهِدين المُجرِمين من قتلة النساء ومُهجّري إخوانهم وأفخاذهم وأنسابهم وأصهارهم، أتتعاطف مع هؤلاء؟ ولا تتعاطف مع المظلومين، مع المُسالِمين، محمد وحزبه! ولما عرض محمد بعد ذلك لقافلتهم في بدر قالوا عنه قاطع طريق، محمد قاطع طريق؟ محمد وأصحابه أُخِذ كل شيئ من أملاكهم، لم يُترَك لهم لا عقار ولا نخل ولا أي شيئ، كل شيئ أُخِذ منهم وهُجِّروا هكذا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۩، حين يعرض لقافلة لكي يأخذ واحد على ألف بل على عشرة آلاف من حقوقه يُقال قاطع طريق، أين العدل؟ أين الأدب؟ وأين الاحترام؟ عيب، والله عيب، والله عيب مثل هذه الطريقة، أُقسِم بالله ستُزري بك، وبالمُناسَبة سيأتيك يهودي ونصراني ومُلحِد ليقول لك يا مُسلِم يا علماني أو يا ليبرالي – وكذلك لغير المُسلِم – لك الأف والتُف، لك الأف والتُف ولك السباب والتباب، لأنك حقير، أنت تنصر المُضطهِدين على المُضطهَدين، تنصر الظالمين على المظلومين، من أجل ماذا؟ لماذا فعلت هذا؟ سيُبصَق على هذه الوريقات والتحقيقات وهي ليست بتحقيقات، هذا هوس، وحقد عجيب، فلتكن يا أخي شريفاً مثل بعض شرفاء ملاحدة العرب الذين أنصفوا محمداً والقرآن والإسلام على أنهم ملاحدة، قالوا لا، نحن أصلاً ملاحدة، لا نُؤمِن بالآلهة كلها فضلاً عن إله محمد، لكن حقيقة محمد لم يكن كذلك، محمد كان أشرف وأنبل وأعظم وأكثر سلامية من أن يفعل ما يُنسَب إليه، غير صحيح، ما هذا؟ هذا شرف الباحث!

إذن انتهينا من هذه النُقطة، الحديث في الجزية طويل جداً يا إخواني، كما قلت لكم الجزية أحياناً تكون شيئاً يسيراً جداً جداً بشهادة بنيامين التطيلي هذا، بتاخيا – يهودي أيضاً هذا – شهد وقال يهود العراق في زمنه – في زمن بتاخيا اليهودي – كانوا يدفعون ديناراً واحد في السنة، هذه صدمة ثانية، يدفعون ديناراً واحداً فقط في السنة، المُسلِم كم يدفع؟ الله أعلم، قد يدفع مئات وقد يدفع عشرات ألوف ومئات ألوف الدنانير زكاة، يدفع اثنين ونصف في المائة، واحد على أربعين، هذا هو طبعاً! لكن هذا اليهودي أو المسيحي النصراني الذمي فقط يدفع دينار واحداً أو اثني عشر ديناراً أو حتى أربعين ديناراً على الأكثر وهذا للغني جداً جداً على طريقة الأحناف، بتاخيا قال لا، اليهود كانوا في العراق يدفعون ديناراً واحداً، الصدمة الثانية: ولا يدفعونها للخليفة بتاخيا يقول، إذن يدفعونها لمَن؟ قال يدفعونها لرأس الجالوت، مَن رأس الجالوت؟ زعيم اليهود، زعيم الطائفة اليهودية، في العراق كان يُسمى رأس الجالوت، في مصر وإسبانيا كان يُسمى الناجيت، هناك يُسمى الناجيت لكن هنا يُسمى رأس الجالوت، قال لا يدفعونها للخليفة أصلاً، أي أن الخليفة تنازل عنها، لا يُريد هذا الدينار، قال لا أُريده، أعطوه لكبيركم، أعطوه لرئيس الطائفة اليهودية، وهو سيبني بهذه الأموال الكُنس – Synagogues – والمعابد أو يُصلِح بها أموركم، نحن لا نُريدها، وأنتم تعيشون في حمايتنا ولا يقدر أحد على توجيه أي كلمة لكم، يا الله! قالوا الإسلام غير مُتسامِح، الإسلام كذا وكذا، هل تعرفون لماذا؟ لذلك يا إخواني سامحونا، هذه الخُطبة تأتي شأن مئات الخُطب الأُخرى – صدِّقوني – إيقاظاً للوعي واحتراماً للعلم والبحث والتحقيق والفهم، دعونا من العواطف والخطابيات والصراخ وشق الصدور وضرب الوجوه، هذا علم! هم يا إخواني يتسلَّلون في ظُلمة الجهل ويُراهِنون على جهل كثير من أبناء وبنات المُسلِمين بحقائق الدين والتاريخ، هل فهمتم ما نُريد قوله؟ فقط هذا هو، يقولون سنتحدَّث بأي كلام لأنهم جهلة، هؤلاء المُسلِمون أُناس جهلة، هؤلاء لا يقرأون، وفعلاً نحن جهلة إلى حد بعيد، وعار علينا أن نكون جهلة خاصة بديننا وتاريخ ديننا ونص ديننا، جهلة! لا نعرف شيئاً، ثم يأتي إلينا ولد من أولادنا وقد تخرَّج طبيباً ولم يقرأ في حياته كتاباً عن تاريخ الإسلام لكي يقول للواحد منا يا أخي الإسلام الزمان تجاوزه، لماذا يا فيلسوف العصر؟ لماذا يا طبيب؟ ما قصتك؟ أو لماذا يا مُهندِس أو يا مَن تخصَّصت في الـ Informatics وما إلى ذلك؟ لم يقرأ في حياته كتاباً ثم أتى لكي ينتقد الإسلام، وبعد غد – إذا لم يكن غداً – سينتقد محمداً ورب محمد، نحن نرى هؤلاء على موقعي فيس بوك Facebook وتويتر Twitter، عيب عليكم، عيب! احترموا أنفسكم، نحن لا نُحِب أن نتكلَّم عن مَن يُناصِبنا العداء ومَن يُريد لنا كل عنت إلا بتحقيق بفضل الله عز وجل، أليس كذلك؟ نقرأ تاريخهم وكُتبهم وفلسفاتهم، ونُحِب أن نقول الشيئ كما هو بفضل الله، لأن الله علَّمنا أن نكون مُنصِفين، فمن باب أولى أن نُنصِف أنفسنا وديننا ورسولنا وقرآننا، هل هذا واضح يا إخواني؟ من باب أولى هذا لازم.

توماس أرنولد
توماس أرنولد

هذا الدينار أو الأقل أو الأكثر بقليل يا إخواني مُقابِل الحماية التي وصفها القرافي وابن حزم بأنها عهد أو عقد عظيم لا يجب على كل ذمي، لا يجب! يُمكِن أن يُعقَد عقد الذمة لأُناس كثيرين قد يكونون الأكثر على أنهم لا يدفعون شيئاً، حماية مجانية Free، لماذا؟ النساء لا جزية عليهن، عجيب! كل النساء، الأطفال لا جزية عليهم، الكُهّان والعُبّاد والرُهبان المُنقطِعون للعبادة لا جزية عليهم، الفلّاحون الذين يشتغلون في الأرض ولا علاقة لهم بالفروسية والقتال لا يدفعون، لا جزية عليهم، رجل كان فارساً وبعد ذلك صار فقيراً أو مسكيناً أو عاجزاً، ماذا عنه؟ يتوقَّف عن الدفع، لا نُدفِّعه جزية، ما هذه العظمة؟ ما القصة إذن؟ قالوا نحن نُدفِّع الجزية فقط مَن؟ الجزية كما فهمها آدم مِتز Adam Metz والمرحوم طيّب الذكر توماس أرنولد Thomas Arnold والعشرات تُدفَع كبدل دفاع وطني، هناك ما يُسمونه الدفاع الوطني وهذه بدل دفاع وطني، هل ستُوجَد جزية لو ذهب هذا الذمي وشارك مع المُسلِمين في القتال؟ لن تُوجَد جزية، وسيأخذ أيضاً من الغنائم، هل هذا حصل؟ حصل في أكثر من واقعة وفي زمان الصحابة أنفسهم، هل هناك علماء قالوا بهذا؟ نعم، شمس العلماء في القارة الهندية شبل النعماني قال أي ذمي يُشارِك مع المُسلِمين في القتال لا جزية عليه ويُشارِكهم في الغنيمة، يا الله! هذا شبل النعماني، محمد رشيد رضا في المنار ذكر هذا الرأي لشبل النعماني وأيَّده، مصطفى السباعي، ظافر القاسمي، القرضاوي، أحمد شلبي، المُستشار العظيم عليّ عليّ منصور، كثيرون جداً! وأنا أستروح لهذا الرأي، إذن بدل حماية هي فقط، بما أن الجزية بدل حماية يدفعها مَن إذن؟ يدفعها القادر على القتال، القادر على القتال والحماية يدفعها، هل هذا واضح؟ لن نُكلِّفه أن ينبعث ويُقاتِل معنا وربما كلَّفناه ما لا يُطيق بأن يُقاتِل أهل دينه، كأن يُقاتِل نصارى مثله مثلاً، قد يقول لا أُحِب الشيئ هذا، أعوذ بالله، أموت ولا أُقاتِل أهلي، فليكن هذا، ليس عندنا أي مُشكِلة!

أرنولد توينبي
أرنولد توينبي

ولذلك يا إخواني الجزية – ضريبة الحماية Protection tax – التي تسخر منها السيدة بريجيت Brigitte وتذكرها باستخفاف – أنا أقول لكم – يُمكِن أن يُقال إنها واسطة العقد ودُرة تاج التسامح الإسلامي، والله العظيم! نذهب بها فخورين جداً للعالم، وحيا الله قلم المُؤرِّخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي Arnold Toynbee في كتابه العظيم دراسة التاريخ  تحميل الكتاب  حين كتب بالحرف – وارجعوا إلى الأصل – لم يكن الخيار الذي طرحه الفاتح المُسلِم على المفتوحين بين الإسلام والموت – أي إما تسلم أو تُقتَل، مثلما خيَّر المسيحيون ملايين البشر حول العالم، إما تتمسَّح وتقبل سر العماد المُقدَّس وإلا ستُذبَح، وحدث هذا مرات على الخازوق، هل هذا واضح؟ لم يكن الأمر كذلك، هذا معنى كلام توينبي Toynbee، قال لا، لم يكونوا كذلك، لم يكونوا مثلنا، هذا المعنى الذي يُفهَم من كلامه، قال الخيار لم يكن بين الإسلام والقتل – بل كان بين الإسلام والجزية، أي إما تُسلِم أو تدفع الجزية، النبي نفسه قال – هذا رواه أبو بكر البيهقي في السُنن الكُبرى – ومَن أسلم مِن اليهود أو النصارى فله ما لنا وعليه ما علينا، ومَن كان مِن يهودي أو نصراني فلا يُفتَن عن يهوديته أو نصرانيته، قال ممنوع الفتنة، إياك أن تمتنحه، وبالمُناسَبة الفتنة ليست بأن تأتي به وتنفخه وتزقه وما إلى ذلك، لا! الفتنة تكون بأي نوع من أنواع التهديد، إذا حمَّرت له عينك فهذه تُعَد فتنة وهي ممنوعة، ممنوع أن تفعل معه هذا، ولك أن تتخيَّل هذا!

الإمام الشافعي كان يقول ماذا؟ انظر إلى هذا الشيئ وافرح به، أنا أفرح به، أُقسِم بالله أنا أتكلَّم وأنا كلي فرح، فرح بعظمة ديني الذي ملك علىّ كل جوانحي طيلة حياتي، لأنه دين عظيم – أُقسِم بالله – بمليون برهان وبرهان، الشافعي كان يقول لا أرى لمَن تزوَّج كتابية أن يعرض عليها الإسلام، أنا لا أُحِب هذا قال، ليس يأمرها وإنما يعرض عليها، كأن يقول لها ما رأيك في أن أشرح لكِ الإسلام؟ الإسلام كذا وكذا وكذا وكذا، قال لأن في هذا شُبهة إكراه لها، لأنه زوجها والزوج له قوامة، ممنوع أن يقول لها ما رأيك يا فلانة – رضيَ الله عنك وأسعد آخرتك كما أسعد دُنياك بي – في أن تدخلي في الإسلام؟ ممنوع الشافعي قال، ممنوع! أهذا هو يا أبا عبد الله؟ الحمد لله يا شافعي على أنك لا تعيش في عصر المُسلِمين الأول، فربما زندقوك اليوم، ربما قيل هذا زنديق، أرأيتم هذا الزنديق؟ يتعاطف مع كذا وكذا، لا يُحِب الإسلام، لا يُحِب أن يدخل الناس في الإسلام، ما شاء الله هذه طريقة المشايخ اليوم إلا مَن رحم ربي، مُباشَرةً ستُزندَق! لكن هذه سماحة الإسلام، النبي علَّمه هذا، قال لا يُفتَن! وقال أي شيئ يُمكِن أن يكون فتنة نحن لا نُريده، إذن كيف أعرض عليها الإسلام؟ عملياً، عملياً تفعل هذا، لو كنت مُسلِماً حقاً وصدقاً ستعشق الدين من خلالك، أليس كذلك؟ من خلال أخلاقيتك، انضباطك، القيم التي تُعرِب عنها قولاً وفعلاً، هو هذا!

إليزابيث الأولى
إليزابيث الأولى

إذن هذا موضوع الجزية، نعود إلى توينبي Toynbee، توينبي Toynbee قال هذا الخيار، ثم قال وهذه سياسة مُستنيرة، انظروا إلى كلمة المُؤرِّخ العظيم، قال وهذه سياسة مُستنيرة، سوف تسير عليها بعد قرون إليزابيث الأولى Elizabeth I التي لم تكن مِمَن يكترث بالأمر أو بالشأن الديني، قال لم تكن تهتم بهذا، لكن هي ستسير – أي إليزابيث الأولى Elizabeth I – على السياسة المُستنيرة التي نهجها المُسلِمون، الفاتح المُسلِم!

نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسَلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، علَّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً وفقهاً ورشداً.

أصلح أحوالنا جميعاً برحمتك يا أرحم الراحمين وجنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم تقبَّل منا في هذه الأوقات الكريمة من هذا الشهر الكريم الذي آذن بإنصرام صلاتنا وصيامنا وقيامنا ودعاءنا وابتهالنا وضراعتنا برحمتك يا أرحم الراحمين واجعلنا فيه من المقبولين المسعودين المبرورين.

اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا، اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، اجزهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات مغفرةً ورضواناً، واغفر اللهم للمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

Comments

comments

شاهد أيضاً

adnan-vs-gabriel

عدنان ضد غابرييل – ج1

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

اترك رد