الرئيسية / التفريغات النصية / عدنان ضد غابريبل – ج5

عدنان ضد غابريبل – ج5

مصطفى كمال أتاتورك
مصطفى كمال أتاتورك

بعد ذلك تحدَّث عن الخلافة الإسلامية واحتفت كثيراً وتحدَّثت بانتشاء عن انتهائها، حالة من النشوة العظيمة ظهرت عليها، في سنة ألف وتسعمائة وأربع وعشرين أنهى أتاتورك Atatürk – قالت – الخلافة الإسلامية، كانت فرحة جداً، طبعاً يُوجَد حقد تاريخي، أنهاها! وقالت أتاتورك Atatürk أنهى الخلافة الإسلامية وأعطى المرأة حقوقها في الانتخاب وفي اختيار الزوج وفي التعليم وفي العمل، تشيد بمَن؟ بأتاتورك Atatürk، وقالت طبعاً المُسلِمون يكرهون أتاتورك Atatürk ويقولون عنه يهودي لأن أمه يهودية، وهذا صحيح، هو أمه يهودية من تسالونكي، لكن لا علاقة لنا بهذا، نحن ليس عندنا نظرة عنصرية للبشر، يا سيدي إذا تكلَّمنا بهذا المنطق فمارية القبطية – أم إبراهيم ابن سيدنا رسول الله – كانت قبطية مصرية مسيحية، أليس كذلك؟ واختُلِف في إسلامها، مِن العلماء مَن يقول ماتت قبطية مسيحية، لم تدخل الإسلام، منهم مَن قال أسلمت مارية طبعاً، لا يُوجَد اتفاق على أنها أسلمت، وهذا مُهِم لكي تفهموا.

بعد ذلك صفية بنت حُيي بن أخطب حين أخذها النبي كانت يهودية، أخذها يهودية! أبوها كان رئيس بني النضير، أليس كذلك؟ نعم أخذوه مع بني قريظة – كان عندهم وكان يُحرِّض – لكنه ليس قرظياً، هو نضري، أي من بني النضير، فهذه كانت يهودية والنبي تزوَّجها، ليس عندنا أي مُشكِلة!

عثمان بن عفان زوجته – المرأة العظيمة التي حين تقرأها عنها تضرب لها تعظيم سلام – مسيحية من بلاد الشام وهي نائلة بنت الفرافصة التي قُطِعَت أصابعها وهي تُدافِع عنه، قطعوا لها أصابعها وهي مسيحية.

سعيد بن العاص زوجته مسيحية، حُذيفة بن اليمان تزوَّج يهودية، طلحة بن عُبيد الله – أحد العشرة – تزوَّد كتابية، كثيرون من الصحابة تزوَّجوا كتابيات، ليس عندنا المُشكِلة هذه، ونحن قلنا لكم حتى المُتوكِّل هذا زوجته كانت حبشية نصرانية، أم أحمد المُنتصِر! الخلفاء العثمانيون خاصة في القرون الثلاثة والأربعة الأولى مُعظَمم نسائهم على الإطلاق نصرانيات، ليس عندنا مُشكِلة أبداً في المسائل هذه، هل هذا واضح؟ المُسلِم مُتوسِّع جداً جداً، عقله مُتفتِّح، عنده قبول للآخر واحترام للآخر غير موجود في أي دين آخر بفضل الله، لكن الكذب أين؟ هل فعلاً أتاتورك Atatürk أنقذ المرأة المُسلِمة التركية بالذات من ظُلم الخلافة وظُلم مُؤسَّسة المشيخة – المشيخة الإسلامية العثمانية – التي ظُلِمت من خلالها المرأة؟ نعم المرأة ظلت مظلومة ليس في تركيا وإنما في عموم العالم الإسلامي لقرون، ليس بفضل الله نص كتاب الله ولا نص السُنة المُشرَّفة وإنما بمجرة أو بمعرة التعنت الفقهائي العلمائي الذي ما أنزل الله به من سُلطان، وإلا ما حدث هذا، ولن نتكلَّم عن حق المرأة في التعليم والعمل، لكن على الأقل دعونا نتحدَّث عن حق واحد عجيب قليلاً وهو حق المرأة في الانتخاب، هل ضمنه الإسلام؟ هل المرأة تنتخب؟ هل تنتخب الخليفة أو غيره وتقول أنا عندي رأي أو ليس عندي رأي؟ هل هذا مضمون أم أنه غير مضمون؟ مضمون ومن أول يوم، لو عُدتم إلى تاريخ الطبري أو حتى ابن كثير المُتأخِّر ورأيتم كيف بُويع لسيدنا عثمان لتعجَّبتم والله العظيم، ألم يكن عبد الرحمن بن عوف أحد الستة الذين بقوا؟ هو قال أنا لن أُرشِّح نفسي، أنا سأُرجِّح فيما بعد كفة على كفة ثم أرى، كان يذهب ويدور على الناس مُتسائلاً: عثمان أم عليّ؟ عثمان أم عليّ؟ عثمان أم عليّ؟ يقول المُؤرِّخون كالذين ذكرت وغيرهم وكان يدور – أي يلف – على المُخدَّرات في خدورهن، كان يسأل البنات والنساء، هذا هو طبعاً، لا يُمكِن غير هذا، بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۩، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۩ في التوبة، عجيب! قال مثلها مثلك، بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۩، تأخذ رأي الرجل وتأخذ رأي البنت، لابد من أخذ رأي المرأة، أليس كذلك؟

وحكاية حق المرأة في اختيار زوجها معروفة، ارجعوا إلى الحلقة الأولى من برنامج صحوة في جُزئه الثاني والتي حملت عنوان ولاية الرجل على المرأة لكي تروا التفصيل، طبعاً هذا أمر مُقرَّر عندنا في الدين، من حقها بكراً كانت أم ثيباً أن تختار مَن تُريد، ولن نتكلَّم عن هذا، لكن السؤال: أوروبا وأمريكا والعالم المُتحضِّر المُتقدِّم هذا هل من خمسمائة سنة أعطى المرأة حقوقها؟ الإسلام أعطاها حقوقها من أول يوم، من أيام الخلفاء الراشدين، أخذت حقوقها في الانتخاب وفي التعليم وفي العمل، هذا كله معروف ونحن تكلَّمنا فيه، لكن في أوروبا – العالم العظيم هذا – وأمريكا متى أعطوا المرأة حقوقها؟ أمريكا أعطت المرأة الحق في الانتخاب في سنة ألف وتسعمائة وعشرين، بريطانيا UK تضعضعت مرتين، مرة في سنة ألف وتسعمائة وثماني عشر ومرة في سنة ألف وتسعمائة وثماني وعشرين، فرنسا فعلت هذا في سنة ألف وتسعمائة وأربع وأربعين، روسيا في عام الثورة – في سنة ألف وتسعمائة وسبع عشرة – أعطتها هذا، هذه روسيا! بالنسبة إلى سويسرا فعلت هذا في سنة ألف وتسعمائة وواحد وسبعين، هذا هو طبعاً! ادخلوا على أي موسوعة وابحثوا عن هذا، إعطاء حق الانتخاب للمرأة كان متى؟ متى أُعطيت النساء حقوق الانتخاب في أوروبا وأمريكا والعالم الغربي كله؟ هم مُتأخِّرون جداً جداً، الحمد لله! حدَّثتكم عن هذا أكثر من مرة، النُسخة الأولى أو الطبعة الأولى من الموسوعة البريطانية – Encyclopedia Britannica – حين تكلَّمت عن الفرس – أي الخيل Horse – فعلت هذا صحائف عديدة – أعتقد أكثر من أربع صحائف طويلة، والخط خط موسوعة – وحين تكلَّمت عن المرأة قالت كلمتين، ذكرت كلمتين فقط! Woman: أنثى الرجل.

هل فعلت هذا الموسوعة البريطانية وهي أعظم موسوعة في العالم؟ نعم، في أول نُسخة لها تكلَّمت عن المرأة على أنها أُنثى الرجل، فقط! الإسلام فيه آيات وأحاديث كثيرة عن النساء، وأراد أن يُجامِل النساء، وطبعاً المُسلِمون من أول يوم فهموا هذا، حين يقول الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ۩ يدخل في قوله أيضاً يا أيتها المُؤمِنات، عادي! مفهوم هذا كله، لا يقول أحد لا، لكن في مرة أراد الله أن يُجامِل النساء فقال لهن إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ۩، الآية في الأحزاب، أرأيتم؟ وإلا من أول يوم هذا مُقرَّر بفضل الله تبارك وتعالى، فلا ينبغي التبجح بكمال أتاتورك Kemal Atatürk ولا يُمكِن أن يُقال إنه أعطى المرأة وأنقذها من ظُلم الإسلام، أنتم متى أعطيتم هذا؟ متى أعطيتم؟ وبعد ذلك نعود ونتساءل: والإسلام متى أعطى؟ من أول يوم، الحمد لله!

نختم حالياً بقضية الحُديبية وداعش، ختمتها بداعش والحُديبية وخداع الرسول، هذا آخر شيئ نُريد أن نختم به، وبهذا نكون أتينا على كل كلامها، وقد جاوبنا عن موضوع أن المُسلِمين قتلوا مائتين واثنين وسبعين في الأول، هي ذكرت هذا في النهاية! قالت داعش بعثت الخلافة الإسلامية، أتاتورك Atatürk أنهاها وداعش بعثتها، والله؟ مَن صدَّقكِ؟ هل يُصدِّق أحد فيكم أن داعش أقامت خلافة إسلامية؟ أي خلافة إسلامية هذه؟ أهكذا تكون الخلافة الإسلامية؟ هل هذه خلافة أصلاً؟ هل هذه دولة أصلاً؟ هل هذا شغل دولة؟ قالت بعثت الخلافة، وهذا كلام فارغ!

قالت لكي نفهم الإسلام والمُسلِمين جيداً ولكي نفهم لماذا داعش تمدَّدت هذا التمدد ونجحت هذا النجاح لابد من أن نفهم شيئين، هناك مبدأن لابد من فهمها في سياسة الإسلام الحربية، أي أنها تُريد أن تتكلَّم عن سياسة الحرب في الإسلام وهذا شيئ جميل، وطبعاً هناك دراسات في مئات الصحائف لشرقيين وغربيين عن الحرب في الإسلام، دراسات مُتقَنة وقوية! قالت لا، أنا سأُلخِّص لكم القضية كلها في مبدأين: التقية والحُديبية، نحن سنسجعها هكذا من عندنا! ما التقية؟ قالت التقية تعني أن المُسلِم تعلَّم من دينه ومن قرآنه جواز أن يُخادِع وأن يكذب وأن يُعطي العهود كاذباً وأن يضع يديه على المُصحَف الخاص به قائلاً والله – يحلف ويُوثِّق الأقسام والأيمان ويُغلِّظها – وهو ينتوي الكذب والخداع، وينقض كل هذا، لماذا؟ قالت لأنه يعلم أن القرآن أجاز له هذا ومغفور هذا الذنب عندهم، هل هذا الكلام صحيح؟ هل هذا الكلام موجود في القرآن الكريم وفي السُنة التي أتت وردت عن الرسول وأصحابه؟ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۩، في سورة النحل! واقرأوا آيات النحل كلها، لأن السياق طويل ويحتاج إلى شرح، أين الكلام هذا؟ من أعظم الإثم الذي يُوبِق صاحبه أن تحلف باسم الله كاذباً لتتغوَّل حقاً أو تتعدى على حقٍ، وهذه بالذات اليمين التي اسمها اليمين الغموس، هذا هو فقط! الأيمان – ونحن صغار درسنا هذا – كيف هي قسمتها؟ ثلاثية: يمين مُنعقِدة، يمين لغو، ويمين غموس! اليمين اللغو مثل والله لن أذهب أو والله لن أعود، الواحد منكم لا يقصد أن يحلف ولا يقصد أي شيئ، كلمة هكذا تخرج منك دائماً، هذه لا يُؤاخِذكم الله بها، أليس كذلك؟ لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۩، لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ ۩، عندنا تعبيران! أليس كذلك؟ الأول بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۩، والثاني بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ ۩، هذه يمين اللغو وانتهينا منها، اليمين المُنعقِدة يمين، أنا أحلف على حق لي وأعلم أنه حق أو على اعتقاد حق أو على رأي حق، أحدكم رأى فلاناً فيحلف بإنه رآه، يقول والله لقد رأيته، يمين مُنعقِدة هذه، إن أخطأت فيها – لكن حلفت على ظنك وعلى ما تراه – فلست آثماً، أما اليمين الغموس تحلف وتعلم أنك كاذب، للأسف! تشهد على أحد بيمينك أو تأخذ ماله أو تتسبَّب في مُصيبة له، هذه اسمها الغموس ولا كفارة لها، اليمين المُنعقِدة إذا حلفتها ثم رأيت أن غيرها أبر منها فالنبي قال تحنث فيها وتُكفِّر، لكن الغموس لا كفارة لها، هل فهمتم؟ تعلَّموا دينكم، لماذا؟ قال هذه تُوجِب لك النار، تُوجِب لك الانغماس في نار جهنم، الانغماس! يا ربي هذا شيئ مُرعِب، هذا هو طبعاً، حتى لا نلعب بديننا، لا يُمكِن أن يقول المُسلِم والله والله وهو كاذب، غموس هذه! لكنها قالت المُسلِمون يخدعون، هل نحن نخدع؟ نحن أصعب شيئ عندنا الأيمان، أصعب شيئ!

ليس هذا فحسب، تعرفون حُذيفة بن اليمان، كان ماشياً مع أبيه اليمان فمسكهما الكفّار، قالوا لهما إلى أين ذاهبان؟ هل أنتما ذاهبان إلى محمد؟ فقالا نعم، نحن ذاهبان إلى محمد فعلاً، فقالوا لهما نعم، أنتما تُريدان أن تُقاتِلا معه، فقالا لا، لم نُرِد هذا أبداً، نحن سنذهب إليه لأننا دخلنا في دينه لكننا لا نُريد أن نُقاتِل معه، فقالوا لهما أتعطوننا عهداً يُفيد بأن لو الحرب قامت لن تُقاتِلا معه؟ قالا نعم، سنُعطي عهداً بأننا لن نُقاتِل إلى جانب محمد، ثم ذهبا وقالا يا رسول الله حدث معنا كذا وكذا وكذا، خرج النبي إلى أُحد فقالا يا رسول الله ماذا نفعل؟ قال لا، لا تخرجا معنا، فقالوا يا رسول الله هؤلاء كفّار، فقال لا، نفي لهم بعهدهم ونستعين بالله عليهم، يا الله، يا الله! قشعر بدني والله العظيم، كفّار مُشرِكون عُبّاد للحجر، أخرجوا النبي وأصحابه المُوحِّدين – من أهل لا إله إلا الله – بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، وبعد ذلك لأننا أعطيناهم كلمة لا نُقاتِلهم! قال لا، احتفظ بها، نحن هكذا أمة أخلاق، هذا محمد! والسيدة بريجيت Brigitte قالت لا، المُسلِم يضع يده على المُصحَف ويكذب، من أين أتيتِ بالكلام هذا؟ من أين؟ من أين هذا؟ وقال في النهاية يُوجَد حساب في الآخرة وهناك جنة وهناك نار، طبعاً لابد من الجنة والنار ولابد من الحساب، وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ۩.

بالمُناسَبة إذا ظلمت هذا الشاب أو هذا الرجل أو هذه المرأة فيا ويل ويلك من الله عز وجل، أليس كذلك؟ يُمكِن أن تظلمه فيذهب إلى السجن لشهر أو شهرين أو يُبهدَل أو يغرم ألف يورو، يا ويل ويلك! يا ويل ويلك وبالمصري يا ظلام ليلك، لكن كيف إذا ظلمت ديناً كاملاً ثم يضح أن الدين هو الدين الحق والخاتم والمحفوظ في كتابه الكريم؟ آخر رسالة ألقت بها السماء إلى الأرض ولا يُوجَد غيرها ولن يأتي غيرها، لم يأت غيرها! من ألف وأربعمائة لم يأت غيرها، وأنت كذبت على هذا الدين وزوَّرت وكرَّهت الناس فيه، ما إثمك عند الله؟ ما حجم الظُلم الذي أتيت به؟ كيف سيُعامِلك الله؟ اذهب وابحث عن نفسك، الحمد لله أننا كمُسلِمين نتكلَّم باللُغة هذه، الدين علَّمنا هذا، أليس كذلك؟ ولذلك لا نظلم لا يهودياً ولا نصرانياً ولا مُلحِداً، لا نظلم أي أحد، نقول الحق والعدل، علينا وعلى الآخرين، ولنا وللآخرين أيضاً، أليس كذلك؟ هكذا علَّمنا ديننا، ولذلك نحن مُمتلئون قناعة بهذا الدين، هذا دين أخلاقي، جميل! فهي قالت هذه الأكذوبة الأولى عندها، أرأيتم؟

أنتم تعرفون الحُديبية، هي ستذكر لنا الحُديبية، قالت المبدأ الثاني الحُديبية، انظروا كيف لخَّصتها تلخيصاً أكثر من عبقري – ما شاء الله – في الإفك طبعاً والزور، الحُديبية! قالت محمد كان دائماً ما يشن غارات وحملات على كفّار مكة، تسبَّب في حروب وغارات ومشاكل! وكان يأخذ الأمور ويُوزِّعها على أصحابه، قاطع طريق Bandit، صوَّرته على أنه قاطع طريق، طبعاً لم تأت بسيرة أن محمداً أُخرِج من دياره وأصحابه ظُلماً واستُوليَ على أملاكهم، لم تقل هذا أبداً، لم تقله! بعد ذلك قالت ما الذي حصل؟ الذي حصل أنه ذهب ذات مرة إلى مكة – ولم تقل لماذا – وبعد ذلك شعر بأنه لن يقدر على الانتصار، لعله يُهزَم! فعمل معهم هُدنة اسمها الحُديبية في مدينة – قالت City – الحُديبية، أين هذه؟ نحن لا نعرفها، هل الحُديبية كانت مدينة في تلك الأيام؟ الحُديبية مكان، مكان لم يكن مدينة ولا أي شيئ، على بُعد تسعة أميال من مكة، قبل مكة بأربعة عشر كيلو ونصف الكيلو، تسعة أميال! هذا المكان اسمه الحُديبية، فقالت هناك في الحُديبية عمل معهم هُدنة لعشر سنوات، ولخَّصت الحُديبية بمبدأ واحد، قالت اتفق معهم على ألا يشن عليهم غاراته – لأنه قاطع طريق، فلابد من أن يتوقف عن قطع الطريق هذا – لعشر سنوات، لماذا قالت؟ قالت يُريد أن يخدعهم، الخداع Deception! الخداع قالت، لكي يُخدِعهم ويُحكِم خداعه ذهب في الفترة هذه وقوّى جيشه، جيشه كان ضعيفاً، والله؟ لكن كيف انتصر في بدر؟ لا نعرف! كيف في أُحد انتصر؟ لولا أن هناك مَن خالفه لوقع نصر رهيب في أُحد، كيف قدر على أن يتصدى في الخندق ولم يقدروا عليه؟ كيف وكيف؟ هل لم يكن عنده جيش؟ هل كان ضعيفاً؟ هي تُريد أن تُفهِمكم هذا، تظن أنكم جهلة وحاشاكم، لكنها تظن هذا في مَن يستمعون إليها، وبعضهم كذلك وليس كلهم بالمُناسَبة، هي تظن أن الواحد منهم لا يعرف شيئاً، ومن ثم تلعب على جهله، قالت لكي يُقوّي جيشه، ولما شعر بأن عنده قوة كافية ذهب وفتح مكة، في أربع وعشرين ساعة – قالت – فتحها، بسهولة قالت، كان تتحسَّر على أساس أنه فتح سهل وسريع، وطبعاً لم تأت بسيرة اذهبوا فأنتم الطُلقاء، لم تأت بها أبداً! قالت فتحها في أربع وعشرين ساعة، هل تعرفون لماذا؟ تقول لمَن يستمع إليها، لماذا؟ قالت لأنهم لم يتحسٍّبوا لهذا، لم يتحسَّبوا لهذا الغزو، لم يكن هذا على بالهم، لأنه مساكين وفي عهد، تتباكى على أهل مكة! ألم يكن عندهم عهد لعشر سنوات؟ هو خدعهم، ألم أقل لكم أنهم مُخادِعون؟ تقول لمَن يستمَع إليها هذا، هم مُخادِعون ولذا هو خدعهم، قالت في أقل من سنتين ذهب وغدر ففتح مكة لأنهم لم يكونوا يتحسَّبون هذا الهجوم الغادر، الله الله الله!

حين كنا في الابتدائية قرأت مُختصَر سيرة ابن هشام للمرحوم عبد السلام هارون، وإلى اليوم أحفظ بالضبط ما الذي حصل، وكنا نقرأ هذا ونُدرِّسه لأولاد مثلنا في المسجد والحمد لله، الذي حصل باختصار أن في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة النبي خرج بجماعة من أصحابه، قيل سبعمائة وأكثر ما قيل تقريباً ألف وأربعمائة، هذا هو، من سبعمائة إلى ألف وأربعمائة على اختلاف الروايات – بسيوفهم الخفيفة وسلاحهم الخفيف، لا تُوجَد درق ولا تُوجَد حراب ولا يُوجَد أي شيئ أبداً أبداً، فقط يُوجَد السيف في الغمد، وهذا لا تقدر على أن تدخل به في معركة، لماذا إذن؟ لأنهم خرجوا مُسالِمين، خرجوا يقصدون البيت الحرام – شرَّفه الله وزاده مهابةً وبراً وأمناً – مُعتمِرين، خرجوا مُعتمِرين وليس حاجين، لا يُوجَد وقت للحج الآن، ذهبوا يطلبون العُمرة، اشتاقوا إلى البيت لأنهم مُنِعوا منه، هذا بيتهم المُقدَّس وهم ممنوعون من سنوات، ممنوع! فصاروا أكثر – ما شاء الله – الآن وأصبحوا أقوياء ومن ثم قالوا سنذهب ونحن لا نُريد أن نُقاتِل وها هي السيوف في أغمادها، فالنبي خشيَ من أن يحدث شيئ، فعسكر في الحُديبية كمركز هناك وبعث سيدنا عثمان بن عفان إليهم، قال له ستنزل إليهم وسيسألونك ما الذي أتى بكم؟ فقل لهم ما حصل، قل لهم جئنا مُعتمِرين مُسالِمين، لم نأت لقتال، اسمحوا لنا أن نطوف ببيت الله وما إلى ذلك وسوف نعود بعدها إلى بيوتنا، فقالوا له يا عثمان اقعد عندنا، حبسوا عثمان فخاف النبي، أين عثمان؟ خاف النبي وصحبه مَن أن يكون غُدِر به، خافوا من أن يكونوا قتلوه، لكن – كما قلنا مرة – العرب كانوا أشرف من أن يغدروا، لم يقتلوه! حبسوه فقط عندهم من أجل أن يلعبوا بأعصاب النبي، فالنبي قال مَن يُبايع؟ فبايعه جماعة تحت شجرة – سمرة في الحُديبية – بيعة الرضوان، على ماذا؟ سننزل وإذا عثمان قُتِل فسنُحارِب، رُغم عدم وجود أي شيئ لدينا إلا هذه السيوف البسيطة لكننا سنُحارِب، والبيعة على عدم الفرار، لا ينبغي أن يفر أي أحد، فقالوا نُبايع، والله أنزل لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ۩، الآية من سورة الفتح، جميل! والحمد لله عثمان رجع بعد ذلك، جيد! وبعثت سُهيل بن عمرو قريش، قالت له قل لهم في هذه السنة لا دخول لمكة، فغضب بعض الصحابة فقال لهم النبي اهدأوا، وسِّعوا بالكم قليلاً، وسِّعوا بالكم والله سيفتح علينا، قالوا له أنت قلت لنا أنك رأيتها في المنام؟ فقال رأيتها، لكن أقلت في عامي هذا؟ لم أقل، لكن هذا سيحدث سيحدث قال لهم، اهدأوا! الصحابة كانوا أقوياء وما إلى ذلك فأرادوا أن يرفضوا هذا وقد صاروا كثرة ما شاء الله، ما القصة؟ قالوا نعقد العهد هذا، النبي مُباشَرةً وافق، تُوافِق لماذا وهم ظلمة؟ الصحابة تقريباً مُعظَمهم على الإطلاق رفضوا هذه البيعة، لم تُعجِبهم، ليس عمر وحده كما قيل لنا وإنما مُعظَم الصحابة على الإطلاق، بدليل أن النبي حين حل مكانه وذهب لكي ينحر الهدي لم ينحر معه أحد، قال لهم قوموا، قالوا لا نُريد، تمرد! هذه حركة تمرد، قالوا لا نُريد، نحن لا نُوافِق، الذي فعلته لا يُعجِبنا، ماذا فعل النبي؟ انحاز إلى السلم، القرآن علَّمه هذا، وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۩، النبي يُريد أي سلام، أي بادرة سلام يُريدها، والنبي كان يقول والذي بعثني بالحق لا تدعوني قريش إلى خُطة تُصان بها الدماء وتُؤبَن فيها الحُرم إلا لبيتهم، قال لهم أنا رجل سلام، قال لهم أنا داعية سلام، لست داعية حرب، لا أُريد الحرب، والقرآن علَّمه هذا!

ائتني بآية واحدة – أتحداك – تُحبِّب المُسلِمين في الحرب، لا يُوجَد الكلام هذا أبداً أبداً، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۩، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ۩، ماذا سماها؟ ذَاتِ الشَّوْكَةِ ۩، اسمه كريه، أليس كذلك؟ لا تُحِب هذا الاسم، الله قال أعرف هذا، أعرف أن هذه الكلمة مكروهة، وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۩، يمتن عليهم بأننا – الحمد لله – لم نتسبَّب في قيام حرب، يمتن! يمتن بماذا؟ يمتن بالحرب أم بالسلام؟ بالسلام، بكف الحرب!

بعد ذلك في الأحزاب في سياق بني قريظة قال وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۩، أليس كذلك؟ ماذا نقول لك؟ القرآن من أوله إلى آخره يُبغِّض في الحرب، يُرغِّب عنها، يُزهِّد فيها، ويُكرِّهها، هو مُتعاطِف جداً ومُستبشِر بالسلام، مُتعاطِف مع السلام ومُستبشِر به، هذا القرآن! والنبي هكذا أيضاً، النبي قرآني، كان قرآناً يمشي على الأرض، تقول عائشة كان خُلقه القرآن، قرآني! قال لهم لا، نُريد السلام، أهلاً وسهلاً بالسلام، لكنه سلام مُجحِف، فعلاً هو مُجحِف، من ضمن البنود أن في هذه السنة لا عمرة، سوف ترجعون، فقالوا الله المُستعان وسوف نرجع، بعد أن أتينا ووصلنا – أربعة عشر كيلو – سوف نرجع، قالوا سوف ترجعون ولا شيئ لكم، يُمكِن أن تأتوا في السنة القادمة في مثل هذا الموعد وسيوفكم في أغمادها، لا تأتوا بأي نوع من السلاح الثقيل، نحن سوف نذهب إلى مكة ونجلس في أعلى الجبال، وأنتم سوف تطوفون ثم تخرجون مُباشَرةً، لن تبقوا ليوم زائد، ثلاثة أيام والسلام عليكم، فقالوا فليكن، وهذا كان أولاً.

ثانياً مَن أحب أن يدخل في عهد محمد دخل، مَن أحب أن يدخل في عهد قريش – يصير معنا في حزبنا – دخل، فالنبي قال لهم فليكن، دخلت خُزاعة في عهد النبي، ودخل بنو بكر بن وائل في عهد قريش، صاروا معهم! كانوا كفّاراً مثلهم يعبدون الأصنام، بعد ذلك أي واحد من جماعة محمد – صحابي – يكفر بدين محمد ولا يُحِبه ويتمرَّد عليه ويلتحق بنا ممنوع أن يُطالِب به محمد، يظل عندنا، صار مكسباً لنا، أي واحد فينا يكفر بأوثاننا ويذهب مع محمد يُرجِّعه محمد لنا، أرأيتم الإجحاف؟ قال فليكن، ما هذا؟ فليكن! لكن الصحابة لم يُحِبوا هذا، لِمَ نُعط الدنية في ديننا؟ مذلة! النبي قال لهم فليكن هذا، لأن النبي يُريد السلام.

سوف نرى كيف غدر النبي، قالت غدّار! قرأنا في مُختصَر السيرة ونحن صغار في الابتدائية أنه بعد أن أنهي الكتاب جاء مُباشَرةً ابن سُهيل بن عمرو، وهذا كان أسلم، قال يا رسول الله لا تُرجِعوني إليهم، يفتنونني في ديني وما إلى ذلك، فقال له لا نقدر، لابد أن ترجع، فقال لا يا رسول الله، سيحصل كذا وكذا، بعد ذلك قال ما دام الأمر كذلك فسوف ترون ماذا سأفعل، هرب والتحق بواحد من الصحابة اسمه أبو بصير الذي كان يقطع الطريق على مُجرِمي قريش هؤلاء، كان يُبهدِلهم! التحق به، وتعرفون بقية القصة، لكن النبي قال له لا، لا يُمكِن ان تبقى عندنا، ممنوع! ارجع إلى مكانك، قال له سوف يفتونني، قال له لا يُمكِن أن نتراجع عن العهد، هكذا هو العهد، نحن كتبنا هذا، هل غدر النبي أم حفظ العهد؟ حفظه ولم يخفر بذمة، صلوات ربي وتسليماته على النبي، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ۩.

بريجيت غابرييل
بريجيت غابرييل

ماذا قالت السيدة غابرييل Gabriel؟ قالت بعد أقل من سنتين ذهب وغدر حين شعر بالقوة، هل هذا ما حصل؟ هذا لم يحصل أبداً أبداً، الذي حصل بكل بساطة يا إخواني وأخواتي أن قريش هي التي غدرت، لماذا؟ بنو بكر بن وائل عندهم ثأر مُبيَّت من الجاهلية – قبل الإسلام – مع خُزاعة، قالوا جيد، الآن هذه فرصة ونحن مع قريش، ذهبوا واعتدوا على الخُزاعيين، أمدتهم قريش بالسيوف وبعض المُقاتِلة معهم كانوا في جنح الليل – لم يكونوا ظاهرين – لكي يُقاتِلوا فقتلوا مقتلة كبيرة في الخُزاعيين المساكين، جاء عمرو بن سالم إلى المدينة يبكي ويُولوِل، ظل يستغيث بالنبي ويستنجده شعراً، فالنبي قال له نُصرت يا عمرو بن سالم، جاءتك النُصرة لأنهم غدروا، إذن بالله عليكم مَن الذي غدر: محمد أم الكفّار؟ الكفّار، لكنها قالت محمد غدر، فلماذا؟ لماذا هذا؟ لماذا؟ والله العظيم لن يُدافِع أحد لو كذبتِ علىّ أو على سمير أو محمد أو سعيد، عيب كثير يا غابرييل Gabriel، أتكذبين على محمد بن عبد الله وهو مُؤسِّس أمة ودين؟ عيب! إذا كذبتِ علىّ أو على سمير أو على سعيد فلن يُدافِع عنا أي أحد، نحن صعاليك، ليس لنا تاريخ، كيف تكذبين على رجل العالم كله يهتم به؟ غاندي Gandhi نفسه اعتبره مثلاً من أعظم أمثلة التاريخ، الدنيا كلها تعرف محمد بن عبد الله، نابليون Napoléon قال عنه هذا رجل التاريخ، محمد رجل التاريخ! سيرته موجودة، تُوجَد مئات الكُتب بالإنجليزية عن سيرته، مئات! ليس عشرات وإنما مئات، أليس كذلك؟ والآن عندنا بالألمانية – والحمد لله – كُتب كثيرة كلها، هذا موجود باللُغات كلها، ألف واحد سوف يرد عليكِ وسوف يُجهِّلكِ ويُكذِّبك، أتكذبين على محمد؟ كذبت وقالت غدر!

النبي قال له نُصرت يا عمرو بن سالم، النبي الآن ينطوي على نية، هذا أمر لابد منه، وإلا لا يكون رجل دولة ولا يكون حتى رجل مبدأ لأنهم غدروا، وطبعاً سلوا وسلي وسلين أيتها الأخوات أيضاً الغرب الأوروبي ما الذي يحصل لو تم الاعتداء على سفير من سفرائهم؟ حرب كاملة على الدولة الأُخرى، فهنا حدث قتل، تم قتل حلفاء النبي وذبحهم كالنعاج، المساكين بُهِدلوا! فالنبي قال لا، انتهى الأمر، هؤلاء حلفائي، أقتلتم حلفائي؟ سوف ترون ماذا سأفعل، ما الذي حصل؟ قالت فتح مكة في أربع وعشرين ساعة لأنهم لم يكونوا مُتحسِّبين لهذا، هل كانوا غير مُتحسِّبين؟ سوف نرى ما الذي حصل، الذي حصل أن النبي – عليه السلام – حين سمع وتأكَّد من الأخبار – انظروا إلى هذا، إلى آخر لحظة النبي كان أيضاً حريصاً على السلام – بعث إلى قريش وقال لهم إن تبرأوا مما فعلتم – أي تُعلِنوا البراءة، كأن تقولوا نحن لا ندخل لنا بهذا، نتبرأ منه ونتبرأ من بني بكر بن وائل، لابد من أن تتبرأوا منهم، انقضوا عهدهم كما نقضوا عهدكم، لأن هذا عهد – وتدوا خُزاعة – تدفعوا الدية لخُزاعة – وإلا أُوذِنْكُم بحربٍ، أعطاهم فرصة! رمى لهم طوق نجاة، قال لهم خُذوا هذا، قولوا نحن نتبرأ من حلفائنا هؤلاء لأنهم غدّارون – قوم غُدر – وسندفع الدية معهم، لكنهم قالوا لا، لا نديهم بشيئ قوم مشائيم، إلى آخر الكلام، لا نُريد أن نذكره حتى لا نُدخِلكم في الفصاحات هذه، قالوا لن نفعل هذا، ليس لهم إلا الحرب، آذناهم بحرب، نحن أعلناها حرباً عليك يا محمد، فقال جيد، فلتكن الحرب، لا تُوجَد مُشكِلة!

أبو سُفيان عاقل، لما جلس كبار قريش قالوا كيف تقوم الحرب؟ نحن لن نقدر عليهم، هؤلاء الناء أقوياء ثم إنهم على حق وما إلى ذلك، اذهب يا أبا سُفيان وأسكت لنا محمداً، جدِّد العهد معه ووثِّقه، زِد في المُدة أيضاً، إذا قدرت على أن تجعله لخمس عشرة سنة فهذا أحسن، يُريدون السلام، ملوا من الحروب التي كانت كلها فاشلة، جاء أبو سُفيان إلى المدينة وهو طامع في أخلاق النبي، قال يا محمد فأعرض عنه النبي وكأنه غير موجود، يا محمد – قال له – سألتك بالله والرحم وما إلى ذلك، فلم يُوجِّه إليه النبي أي كلمة، لم يقل كلمة! فعرف أن النبي لا يُريد هذا، فجاء إلى أبي بكر، قال له يا أبا بكر أنت صاحبه وما إلى ذلك، اشفع لي عنده، كلِّمه! قال له أنا أُكلِّمه فيكم؟ لا والله، لقد نوى رسول الله على أمرٍ عظيمٍ، لا أقدر على أن أُكلِّمه، فذهب إلى عمر وقال كذا وكذا، فقال له أنا؟ أنا أشفع فيكم عند رسول الله؟ والله لو لم أجد إلا التراب لقاتلتكم به قال له، أنا لا أُريد هذا يا ملاعين قال له، وهم طبعاً كانوا ملاعين فعلاً، كانوا أوغاداً، لم يكن عندهم شرف في حرب الإسلام والرُسل وأقربائهم، حاربوا أقربائهم ولحمهم ودمهم، بهدلوهم! لم يكونوا شرفاء، الخصومة كانت غير شريفة! الآن بقيَ مَن؟ بقيَ عليّ بن أبي طالب، فجاء إلى عليّ وقال له يا عليّ أنت أمسهم بي رحماً، أي أنك أقربهم لي، نحن في النهاية أولاد عمومة، أليس كذلك؟ بنو عبد شمس وبنو هاشم وما إلى ذلك، نحن أولاد عمومة قال له، أنت بالذات – قال له – كلِّم محمداً من أجلي، فنحن لا نُريد الحرب ولا نُريد المشاكل، فقال له يا أبا سُفيان – والله – ما أستطيع أن أُكلِّمه وقد نوى على أمرٍ عظيمٍ، لا أقدر قال له، فالتفت – نظر حوله – فوجد فاطمة والحسن يذهب ويجئ، كان طفلاً يمشي بين يديها، فقال لها يا فاطمة أنتِ ابنته، أهيبي بهذا الطفل – هذا حفيده – أن يذهب ويُجير، فقالت له ما مبلغ مبلغاً يُجير، قالت له هذا ولد صغير، أيذهب إلى النبي هذا؟ لا يقدر على أن يفعل شيئاً، هذا طفل صغير! فالرجل احتار، ماذا يفعل؟ هذه مُصيبة! فقال له يا علي، يا أبا الحسن ماذا أفعل إذن؟ انصح لي قال له، فقال له أنصح لك؟ قال له ما أملك لك ولا تملك يا أبا سُفيان إلا أن تخرج وتقف بين الناس وتقول وأنت سيد بني كنانة – قال له أنت سيد بني كنانة – قد أجرت بين الناس، لن تُوجَد حرب إن شاء الله، سلام! ثم تركب بعيرك وتنطلق قال له، عليّ ذكي، لا يقدر على فعل شيئ غير هذا لأن النبي رافض، وطبعاً هذا من حقه وهو رجل دولة ورجل دين، هذا مبدأ! كيف لا تنتصر لحلفائك وقد ذُبحِوا ذبح النعاج؟ لماذا؟ فخرج المسكين إلى المسجد وقال أيها الناس قد أجرت بين الناس، مَن يسمعك؟ الكلام عند النبي، أنت لا تملك شيئاً، ثم ركب بعيره وذهب إلى مكة، فقالوا له ما الذي حصل؟ قال حصل معي واحد واثنان وثلاثة، بعد ذلك عليّ قال لي كذا وكذا، قالوا له حين قلت أنك أجرت بين الناس هل أذن لك محمد بهذا وواطأك عليه؟ فقال والله ما كلَّمني، قال ما زاد عليّ على أن لعب بك، قال وأنا أرى هذا، أعرف أنه لعب بي.

Thomas Aquinas
توماس أكويناس Thomas Aquinas

بعد ذلك تعرفون ما الذي حصل، جاء النبي إلى مكة بعشرة آلاف جُندي، عشرة آلاف لبسوا اللأمة، لم تبد إلا عيونهم، وفي الليل كل واحد أشعل ناراً، شيئ مُرعِب! جيش من البشر، فقالوا انتهينا، سنفنى، سيذبحوننا! ولو لم يعلم أي مُؤرِّخ ما حصل – وربما أنا وأنت كذلك قبل أن نعرف هذا وينتهي علمه إلينا – لقال من المُؤكَّد أنه سيرتكب مجزرة بحق، هذه التي أسماها توماس أكويناس Thomas Aquinas الحرب العادلة، عادلة! جزاء ما اقترفت أيديهم، وأنتم تعرفون النتيجة، قال النبي اذهبوا فأنتم الطُلقاء.

الآن هل محمد غدر؟ هل محمد خفر بالذمة؟ هل مبادئ الحرب في الإسلام – ما شاء الله – تقوم على التقية والحُديبية؟ هل الحُديبية صارت عنوان شرف في تاريخ الإسلام أم عنوان عار؟ عنوان شرف – فوق فوق فوق – بفضل الله تبارك وتعالى.

أكتفي بهذا القدر وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والحمد لله رب العالمين.

(انتهى الجُزء الخامس والأخير بحمد الله)

فيينا (23/6/2017)

Comments

comments

شاهد أيضاً

adnan-vs-gabriel

عدنان ضد غابرييل – ج1

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

تعليق واحد

  1. ما أعذب سيرة المصطفى على لسان محبيه [ ما رأيتُ أحداً يحب أحداً كحب إخوان محمد محمدا ] يخوضون يصولون و يجولون و يسلكون كل مسلك لتقويم المعوج و تبيان الضلالات و المغاليط حتى فيما يقول اليهود و النصارى لأن الكتاب العزيز نزل لكل الناس و هو حجة على كل الناس لا على المسلمين فحسب و ما اعتراض الدكتور على غابرييل إلا أحد هذه المسالك الشريفة ليكشف زيغهم و جنوحهم عن الحق و الكذب الذي هم فيه و عليه و كأن اسمها في حروف هذه الآية غابرييل { كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } و كلمة [ كبرت ] لا تعني شناعة كلامهم فقط بل تعني كِبر الأصل كالمعنى الذي ورد في الآية { و الذي تولى كِبْرهُ منهم } أي جاء بأصله و كان أول ناطق به أو كالمعنى الذي في الآية { الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها و لا يحيى } الكبرى أي نار الأصل و الجذر و الدليل هو حرف الجر [ ثم ] فأولاً نار الأصل في الدنيا و هي نار البعد عن الله و جحوده و التي تنتهي بالموت ثم نار القيامة التي لا موت فيها و لا حياة بل هو دوماً بينهما في عذاب دائم و العياذ بالله ، فقوله تعالى { كبُرت كلمةً } يعني قالوا جذر الكذب و أصله فكل ما يقولون بعده كذب في كذب { إن يقولون إلا كذبا } فهم لا عهد لهم و لا ذمة و يفعلون ما تستلزم مصالحهم دوماً و لو على حساب شعوب بأسرها لكن الله لهم بالمرصاد يعاملهم بنفس منطقهم من حب المال و الجشع فقال سبحانه { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلَبون و الذين كفروا إلى جهنم يُحشَرون } … و هذا مصير كل الجشعين المستأثرين بحقوق الشعوب و ناهبيها …..
    و بحمد الله قيّض سبحانه و تعالى و أوجد تلك الفئة الخاصة من عباده لكشفهم في زمنٍ تلاطمت فيه الأمواج و اختلط فيه الحابل بالنابل أعان الله المصلحين على هذا الحال المزري و الوضع المشين و ما أحكم صنعك و تدبيرك يا رب إذ صنعتَ لكل زمان أهله فلن يصلح مصلحوا الزمن الماضي لإصلاح ما في هذا الزمن

اترك رد