الخلاص

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ۩ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ۩ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ۩ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۩ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ۩ وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ۩ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
نحن الشهود، نحن في هذه الحقبة أو في هذه الدورة أو المرحلة شهود، لكن على ماذا نحن شهود؟ شهودٌ على توقيع انتهاء حقبةٍ من الإسلام الذي يُمكِن أن نختلِف في تسميته، من الإسلام الأصولي، من الإسلام السياسي، من إسلام الصحوة، من الإسلام المُتشدِّد، لا ندري، أسماء كثيرة والمُسمى واحد، قد لا يلحظ وقد لا يُوافِق بعض الناس أو كثيرٌ منهم على أننا شهودٌ على توقيع نهاية هذه الحقبة، لكن في تقديري أن هذه الحقبة تُحتضَر وتنتهي الآن، انفجار الكراهيات المُتبادَلة وإن شئتم التكاره، انفجار العنف العبثي غير الهادف وغير الأخلاقي، إذن هو العنف الإجرامي الذي ينفجر في ديار المُسلمين هنا وهناك وهنالك، أيضاً عبثية وعدمية الفهم الاستنساخي المُتحجِر ضيق الأفق والصبياني الساذج لدينٍ عظيم يشهد التاريخ أنه وبفضله خرجت للنورِ أمةٌ كانت رائدة الأمم، ليس من باب الاحتفالية التمجيدية وإنما من باب احترام حقائق التاريخ، أمة في عصرها وهو العصر الوسيط المُستنير الإسلامي والمُظلِم الأوروبي قدَّمت نموذجاً أخلاقياً وروحياً وعلمياً أيضاً حضارياً لم يُضارِعه بل لم يُدانه نموذجُ آخر مُعاصِر في الشرق الأقصى أو في الغرب الأوروبي، هذا كان هو الحال في العصور الوسطى، هذه حقيقة يجب أن تُحترَم.
هذا الدين الذي حقَّق بعض وعوده مُسِخَ واختُزِلَ على أيدي فئة بل فئاتٍ من أبنائه وأتباعه الذين يُشياعونه ويتعصبون له إلى حد الهوس لكن بلا إدراك وبلا ارتقاء إلى مستواه الحقيقي، فقط هى الدعاوى، دعاوى النطق بإسم هذا الدين، دعاوى الإفراغ عن منطق هذا الدين وهو ليس منطق هذا الدين، إنه منطقهم هم، تلكم الكراهيات التي تنفجر هنا وهناك وتلكم الأفعال الإرهابية العُنفية العدمية والكارثية في الوقت عينه التي تشهدها ساحات كثيرة حول العالم للعالم الإسلامي منها نصيب الأسد إن جاز التعبير، تلكم وتلكم مما يُؤكِّد أن أكثر هؤلاء هم وقود هذه العدمية المجنونة وليسوا نجومها، نجومها معدودون محصيون معروفون، إنهم القادة، قادة هذا الفكر الإختزالي الممسوخ معروفون، أما الوقود – وقود هذه الآلة وهم كثر – الشباب بالذات والشابات عُدة المُستقبَل كما يُقال، ليسوا ضحايا فهم مُختزَل أو فهم استنساخي مُتحجِر جامد للدين، ليسوا ضحايا فهمهم هم – أعني الموصوف بهذه الصفات – بل إنهم ضحايا فهم الأخرين طبعاً، لأن كثيراً من النقدة يقولون أنهم ضحايا فهمهم الكذا كذا، ليس فهمهم فانتبهوا، هذا ليس فهمهم، وهذه النُسخة – بفضل الله – تُحتضَر الآن واحتُضرَت سريعاً، هذه النُسخة من فهم الإسلام لم تُكمِل حتى مائة سنة – بفضل الله تبارك وتعالى – وهى تُحتضَر الآن، والانقلاب يحصل مع الاحتضار، لكن ماذا أعني بالانقلاب؟ الآن سأوضح إن شاء الله تعالى، احتضار لهذه النُسخة وأيضاً انقلاب في أوضاع الأمة، وطبعاً أنا أعني بالذات أوضاع الأمة الروحية وأوضاع الأمة الدينية، مَن لا يُلاحِظ أيضاً دورة هذا الانقلاب أحسب أنه عليه أن يفرك عينيه جيداً، لأنه عما قليل ستكتمل هذه الدورة وسوف تشهد الأمة نفسها ولأول مرة في تاريخها في وضعٍ عجيب، إنه وضع الانقلاب التام، رأسها في الأرض وساقاها في الريح وفي الهواء، سوف تشهد هذه الأمة هذا وهى تشهد الآن، لكن للأسف ليس لدينا دراسات معرفية وعلمية استقصائية تتوفَّر على الوفاء بشروط البحث العلمي الجيد لكي نعلم بالأرقام وبالنسب الدقيقة أن هذه الأمة الآن تخرج من دين الله أفواجاً، تخرج من دين الله أفواجاً لأول مرة في تاريخها، بعض الناس يُغضِبهم جداً أن نقول هذا الكلام، طبعاً هؤلاء ينتمون إلى العقلية ذاتها، إلى عقلية تلكم النُسخة التي تُحتضَر الآن، الذين لا يُحِبون أن يُقال ما يصف الواقع والحقائق، يُحِبون أن يسمعوا وأن يقولوا أيضاً وأن يُقال لهم ما يرغبون هم في رؤيته وبالتالي في سماعه، لكنه يُشوِّه الواقع، يُزوِّر الواقع، ويكذب على الواقع، ليس هكذا الواقع، شيئ مُخيف ومُرعِب، طبعاً من سنين ربما تزيد على العِقد الواحد – على عشر سنين – رأينا طائفة من الدُعاة الإسلاميين – هم يسمونهم الدُعاة، وتعرفون موقفي من مصطلح الدعوة الآن، لا يُوجَد شيئ إسمه الدعوة بين المسلمين على كل حال، لكن هكذا يتسمون أو يُسمَون الدعاة المُسلمين -والعلماء والمُفكِّرين قد انتحوا ناحيةً مُثيرة جداً للانتباه، إنها ناحية ليست تديين الحياة وإنما ناحية دنيوة الدين، جعل الدين شيئاً دُنيوياً، مسخ الدين وفق منظومة مفاهيمية جديدة تُفرِغه من روحه، طبعاً بلا شك هذا الاتجاه – سبحان الله – حتى في النطاق الجغرافي جاء امتداداً لنُسخة أيضاً ليست تُفلِت وليست تبرأ من الأوصاف التي نعتنا بها النُسخة التي تُحتضَر ولذلك هذه النُسخة أيضاً تُحتضَر أيضاً، هى النُسخة ذاتها أيضاً مع أنها في الموقف السياسي تتخالف تماماً مع نُسخة الإسلام الأصولي، نسخة الإسلام الأصولي مُفعَمة بالتعشق والتشوف إلى السُلطة، إلى أن نصل إلى الحكم والسُلطة لكي نُحسِّن الأوضاع ونقلب العالم، هكذا أفهمونا أو هكذا هم يعتقدون،
النسخة الثانية على الضد تماماً، والمُشترَك بينهما السياسة، هذه تُوظِّفها السياسة، وهذه تريد أن تُوظِّف الدين من أجل السياسة، والمُشترَك هو السياسة، النُسخة السلفية الاختزالية أيضاً الجافة الفظة والقاسية جاءت لكي تُؤبِّد أوضاعاً سياسية معروفة للجميع ولكي تُؤكِّد محظورية مُطلَقة لكل حتى نقد للسُلطات السياسية بإسم الدين، وضاع الدين بين توظيفين للأسف الشديد، في هذا النطاق الجغرافي – سبحان الله – تم بدرجةٍ كبيرة لافتة وُمثيرة استقبال – كما قلت لكم – نظام جديد يُفرِغ الإسلام من روحيته ويجعله شيئاً أقرب إلى المذاهب والنُظم المادية التي تكفل للإنسان أن ينجح في حياته، وهذا أمرٌ عجيب، انتبهوا إلى أفكار الاستثمار المادية مثل الاستثمار في البدن، الاستثمار في الشهرة، الاستثمار في الأموال بالمعنى الأكثر بساطة، الاستثمار في المعرفة والعلوم، ودائماً هذا من أجل ماذا؟ مزيد من الشهرة، مزيد من السُلطة، ومزيد من المال، أين الآخرة؟ أين الروح؟ أين الله؟ أين الأخلاق الحقة؟ الأخلاق المقبولة هى هذه، أخلاق مادية تماماً وفقاً للألماني ماكس فايبر Max Weber مؤسِس علم الاجتماع الألماني تقريباً، تماماً كما وظفت حركات الاعتراض الديني والإصلاح الديني البروتيستاتنتي هنا – مثلاً – في النطاق الألماني والسويسري مفهوم الزهد الديني من أجل المادة ومن أجل الرأسمال، انتبهوا إلى أن حتى الزهد وُظِّف وهو مفهوم ديني، لكنه وُظِّفَ من أجل ادخار أكثر واستثمار أسرع، هؤلاء وظفوا الدين في جُملته ومسخوا حقيقته لصالح ما سمعتم، ويستمرون إلى اليوم في السخرية من الجانب الروحاني للدين، ونقول لكم وتالياً – أي بالتالي – من الجانب الأخلاقي الديني، لأن هذه الأخلاق – أخلاق الرأسمالية، أخلاق المادة، وأخلاق الدولار Dollar – لا يُمكِن أن تنبسط لكي تكون أخلاق الإنسانية، أخلاق المُجتمَع، أخلاق الشعب، وأخلاق الناس، وإن حصل هذا فهى كارثة، هذه كارثة من الكوارث، وهى تحصل نسبياً في المُجتمَعات الأكثر رأسماليةً، والنتائج معروفة، ازدياد لفقر الفقراء وازدياد لغنى الأغنياء، ازدياد لتحكم وتسلط هؤلاء ومقهورية وعذابات هؤلاء، هل هذا وعدنا؟ ولذلك أيضاً هذا كان أشبه بالصرعة، وستنتهي مع انتهاء وتنتفي مع انتفاء هذه النُسخ كلها في وقتٍ قريبٍ جداً ربما لا يزيد على عِقد أو عِقد ونصف العِقد، ربما لا يبلغ العِقدين، وسترون الانقلاب حصل أمامكم تماماً باختفاء هذه النُسخة وحدوث الانقلاب لترى الأمة نفسها لأول مرة في هذه الوضعية، وقد بدأ هذا كما قلت لكم، هو الآن يُوشِك أن يُتِم حركته لكن للأسف ليس هناك من يُلاحِظ، نحن ضعفاء جداً في المُلاحَظة، لأننا – قلت لكم من قبل – نحتقر عقلية النظر، لا نهتم كثيراً بهذا، مع أننا فشلة وبجدارة في العمل، أليس كذلك؟ لا يُمكِن لأحد أن يقول الأمة العربية والمسلمون – ما شاء الله – جيدون مُتقدِمّون في العمل، لكن نحتقر النظر أيضاً، والتنظير لدينا ضعيف جداً، والقدرة على بناء نظرية تُحلِّل وتُفسِّر أو حتى تصف من أضعف ما يكون لدينا، نحن نحتقر هذا، نحن أمة ما قل ودل ولا تتفلسف علىّ، هذه الأمة هكذا، هذه أيقونتها الفكرية، تقول ما قل ودل ولا تتفلسف، فأصبحنا جماعة من الصبيان، جماعة من السُذج ومن المُغفَّلين، وعقلية هذا الإسلام الذي يُنسَخ الآن وينتفي – سبحان الله – واضح جداً أنها لم يكن في واردها أن تُربي جيلاً من ذوي الفكر النقّاد أبداً، إنما من ذوي الفكر المُنقاد، أردات وعملت على هذا بإصرار، أن تُربي قطعاناً، وفي هذا كان مقتلها، وفي هذا كان فشلها، لأن القطعان وكل فرد من القطيع هو أعجز وأفشل من أن يُلاحِظ بصدق وبصحة وبسداد، لذلك كُنا عُمياً، والعُميان يخسرون في معركة لا يربح فيها إلا الأيقاظ البُصراء، طبعاً نحن نخسر، ومُرشَّحون لخسارات، لكن هذه الخسارة الآن بالجُملة، خسارة نسخ هذا النموذج و نسخ هذه النُسخة.
سيُقال لنا الآن إذا صدقتم وحصل – لا قدَّر الله – هذا الانقلاب فما هى العواقب؟ ما هى النتيجة؟ هل سنسير في مسار قريب من المسار الذي سارت فيه أوروبا ومن ثم سوف تُوجَد مذاهب مادية وفلسفات إلحادية وفلسفات لا أخلاقية وفلسفات عدمية؟التنوير الأوروبي هنا تقريباً في أقصى تقدير هو لم يُتِم ثلاثة قرون، مُرتكَزات التنوير أهمها اثنان، محورية الإنسان ومركزيته، ليست محورية الإله والماوراء، الإنسان هو المركز وهو المحور، وهو مبدأ ومصدر كل القيم والأخلاقيات، ليس الغيب أو النص، ليس الكتاب المُقدَس، هذا التنوير وهذا عقل التنوير، والشيئ الثاني كفاية ولياقة العقل للاستيعاب والتحرير والتقدّم، العقل الإنساني ذو قدرة هائلة – هكذا يرى التنويريون مثل سان سيمون Saint Simon، كوندورسيه Condorcet، كانط Kant، فولتير Voltaire، ديدرو Diderot، أوجست كونت August Kont، وكل التنويريين – على أن يعرف وعلى أن يُحرِر الإنسان من قيود الطبيعة – وهذا وعد ديكارت Descartes، وعد الفلسفة الحديثة وبيكون – Bacon وأيضاً من قيود المُجتمَعات، من قيود النظم الاستكراهية الاستبدادية، ومن قيود الطبيعة، لأن العقل التنويري قطع مع الطبيعة، بعكس العقل الفلسفي التقليدي الذي كان يرى الطبيعة كنظام للوجود هى نظام للأخلاق، نظام للمُجتمَع، هناك العقل الرواقي والعقل الأبيقوري وإلى حد ما الأرسطي والأفلاطوني أيضاً، العقل الحديث رأى أن الطبيعة لا تصلح، لماذا؟ لأن الطبيعة انقلبت أيضاً، في منظور العقل الحديث من خلال المُقارَبة العلمية الكوبرنيكية النظام الكوني كله انقلب، مما شكَّك أو أورث الشك والتشكيك في صلوحية هذا النظام الطبيعي ليكون مُستنَداً للأخلاق والارتكاز، فلم يعد مُستنَداً، المُستنَد إذن ماذا؟ الثقافة ليست الطبيعة، والثقافة من عمل ماذا؟ من عمل الإنسان، أي من عمل العقل، فالعقل الإنساني قادر على أن يعرف، بالتالي قادر على أن يُحرِّر وأن يُسعِد وأن يدعم مسيرة التقدّم باستمرار، وهذا لم يستمر إلا لقرون معدودة – كما سمعتم – ثم بعد ذلك ولاه أو عقَّبه أو تلاه ما يُعرَف بما بعد الحداثة، فكر وفلسفة ما بعد الحداثة التي كفرت بمباديء التنوير وفي رأسها هذان المبدأن – كفرت بمحورية الإنسان ومركزيته، وكفرت بقدرة العقل وكفايته – فدخلنا في عبثية جديدة، علماً بأننا إذا لم نُلاحِظ أو لم نكن قد لاحظنا من قبل أن ما بعد الحداثة بهذا التوجه العدمي المُخيف قد طبعت إلى حد ما المُجتمَعات المُعاصِرة فإننا أيضاً نكون قد أخطأنا في مُلاحَظة سير خط الفكر هنا في العالم الأوروبي والغربي وتوابعه، هم عاشوا هذا حقيقةَ، ما هى النازية؟ ما هى الفاشية؟ هى نُسخة ما بعد حداثية، انتبهوا إلى أن الفاشية والنازية هى نُسخة ما بعد حداثية، تدين حتى النُخاع لفيلسوف بعد الحداثة الأكبر وإن لم يكن الأول كما ظن بعضهم – فماركس Marx بعد حداثي – نيتشه Nietzsche، أعني فردريك نيتشه Friedrich Nietzsche، هذا الفيلسوف أنا أسميه العدمي طبعاً الوقح، فلسفته وقحة جداً، هى لا إنسانية، عاش ومات هذا الرجل وهو يسخر من أخلاق الرحمة والتعاطف ومما يُسمى بالأخلاق الإنسانية، هو يسخر من إنسانية ما بعد النهضة ومن كل مباديء التنوير المُتعلِّقة بهذه المسائل، ويرى أن أخلاق الإنسانية الكونية مُجرَّد بقايا للمثال، وانعكاس بل امتداد للأخلاق المسيحية التي يكفر بها أشد الكفر وأبشعه، هذا الرجل أراد أن نعود بمعنى ما إلى الطبيعة، قانون الطبيعة البقاء للأقوى وللأليق وللأصلح، الذي يستطيع أن يبقى فليبق، الذي لا يستطيع أن ينبغي أن يُداس، هذا نيتشه Nietzsche، لذلك لما التقى هتلر Hitler بموسوليني Mussolini – هتلر Hitler النازية بموسوليني Mussolini الفاشية – أهداه مُباشَرةً – وهذا ليس من قبيل الصدفة – نُسخةً من الأعمال الكاملة المُجلَدة تجليد أنيق لنيتشه Nietzsche ، هذه هدية هتلر Hitler لموسوليني Mussolini، نيتشه Nietzsche هو القاسم المُشترَك بين هذه النُظم الكُليانيّة العدمية المُتوحِّشة، ما بعد الحداثة، إذا كان بعض الناس يظن أننا في مأمن من انفجارات وربما حروب عالمية ما بعد حداثية أشد توحشاً فأيضاً هذا لا يعرف سير التاريخ ، هذا مُحتمَل ومُحتمَل جداً، هذا وارد جداً، هذا ليس قولي وإنما قول عشرات من كبار الفلاسفة والمُفكِّرين الغربيين، هذا وارد تماماً، وفي القرن الواحد والعشرين هذا وارد أيضاً، ولذلك أُريد أن أُجيب عن هذا التساؤل المُقلِق، بلا شك هذا يُقلِق يُقلِق كل إنسان، لا أقول كل مُسلِم أو كل مُتدين وإنما كل إنسان، ما هى التوابع؟ ما هى التوالي؟ ما هى النتائج؟ لأننا عما قليل سوف نرى ازدياداً بوتائر غير مسبوقة للتنصل والتفلت من الدين والأخلاق في عالمنا، علماً بأنني أتحدَّث عن عالمنا الإسلامي، وهذا يحدث الآن، حدَّثني أحدهم وكان في زيارة لي قبل أيام وفي المحضر إخوة بعضهم الآن يجلس هنا وأقسم لي بالله قائلاً – وهو رجل مُهتَم بالدين، هو شاب مُتدين ومُلتزِم منذ نعومة أظفاره – عدد الملاحدة يا شيخ الذين يستخفون بإلحادهم شيئ مُريع ومُخيف، قال أنا أعرف مُؤذِّن مسجد وبلحية كبيرة مُلحِد، قال يقول لي أنا أؤذِن – طبعاً لكي يكسب عيشه – ولكنني مُلحِد، ما عدت أعترف لا بإله ولا بنبوة، أستغفر الله العظيم، شيئ مُخيف جداً، لذلك مَن يجرأ علي أن يقوم بهذه الخطوة الجريئة ويفتح موقعاً في النت – Net – بقصد إحصائي استقصائي سوف يجد النتائج مُخيفة جداً أكثر مما تتخيَّلون، وطبعاً لسنا هنا اليوم في وارد أن نُحلِّل لماذا – لماذا حدث هذا؟ لماذا يحدث؟ لماذا وقع؟ لماذا يقع؟ فهذا موضوع آخر، وهذا الموضوع يستحق لأنه مُهِم جداً، لكن نحن نتحدَّث قليلاً ونهرب إلى المُستقبَل حتى لا ننكسر، حتى لا نبتئس، وحتى لا نتهشم وجدانياً، سنقفز إلى المُستقبَل، ماذا سيكون؟ أنا أقول لكم مُرجَّح – على الأقل في تقديري مُرجَح بدرجة أكثر من تسعين في المائة – أن سوف يحدث هذا ويزداد بوتائر غير مسبوقة ربما لعشر سنين أو خمس عشرة سنة أو عشرين سنة قادمة وخاصة بعد إتمام الانقلاب، وبعد ذلك سيبدأ المشوار معكوساً، التفتيش عن الخلاص مرةً أخرى، وأنا أقول لكم الخلاص دائماً هو وعد الدين، لا يُوجَد خلاص يُقدِّمه العلم، انسوا، سأشرح هذا، لا يُوجَد خلاص تُقدِّمه الفلسفات، انسوا، هذا كلام فارغ، وأنا سأُحدِّثكم الآن عن أرقى صيغ الخلاص، صيغ الـ Soteriological كما يُقال للفلسفات، مُجرَّد كلام فارغ، ضعيفة جداً جداً بشكل صبياني، الخلاص هو وعدٌ ديني، لكن بالله ما هو الخلاص؟
إذن لن ينمحي الدين من العالم فضلاً عن أن ينمحي من مهده الأول في بلاد الشرق، لن ينمحي، سيعود – وأنا مُتفائل بهذا – أقوى وأنصع وأفضل مليون مرة مما هو الآن ومما كان حتى في تاريخ سابق إلى قرون خلت، سيعود الدين في جوهره، بعد أن يفهم الناس حدود الدين وحدود رسالة الدين، الحياة بلا دين مُستحيلة ومُتعِبة جداً ومُرهِقة، لكن أكثر استحالةً من هذا وأكثر إتعاباً وإرهاقاً أن ينبسط ظل الدين على كل شيئ في الحياة، أن يتغوَّل الدين على الحياة كلها، شيئ غير طبيعي، وطبعاً يحدث هذا بالنُسخ التي تعرفونها، وبطريقة الفهم التي تدرون وتعانون منها، هذا أصعب شيئ، وهذا أحد أسباب الإلحاد طبعاً، قلنا غير مرة يُتاح للشاب وللشابة في هذا العصر كل شيئ تقريباً وأشبه أن يكون بالمجان، كل شيئ مُتاح وكل شئ مُمكِن ومفتوح، وتأتيك نُسخة دينية تجعل كل شيئٍ حراماً، كل شيئٍ تابوه Taboo، يُقال الموسيقى حرام والغناء حرام والمسرح حرام والتلفزيون Television حرام والسينما Cinema حرام وكتب الفلسفة حرام وكتب المنطق حرام والتطور حرام، وحب الناس حرام أيضاً – والله العظيم – وإقامة جسور مع الأخرين حرام، كل شيئ حرام، وعقلية الدعاء الإفنائي يتمتع بها المسلمون بجدارة، أي نحن، عندنا الإفناء الكلي، يُقال اللهم عليك باليهود والنصارى، لماذا يُقال اليهود والنصارى؟ من أين أخذتم هذا؟ لا يُوجَد شيئ في كتاب الله إسمه عليك باليهود والنصارى، يُوجَد عليك بأعدائنا، لا تقل عليك باليهود، اليهود عندهم دين من الأديان مُحترَم، لا تقل عليك بالنصارى، النصارى عندهم دين من الأديان المُحترَمة، الإسلام يحترم هذه الأديان، قال الله فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ۩، تعرفون ما هذه البيوت؟ طبعاً أنا ذكرت هذا في خُطب كثيرة وحتى في خُطبة قبل أسبوع لكن بعد الخُطبة ذكرت هذا لمُحدِّثيي وقلت لهم أنا أمشي مع المعروف للناس حتى لا أصدم وجدانهم، لكن أنتم هنا أحبابي وإخواني وجمهوري فأنا دائماً لا أصدمكم وإنما أُصارِحكم، لكن مع الجماهير الأخرى لا أستطيع لأنني سأصدمها، الكل يقول هذه البيوت المساجد، لكن الآية لا تقول هذا، بالعكس الآية فيها أكثر من إشارة على أن هذه البيوت هى صوامع الرُهبان، هى ديورات الرُهبان النصارى، القرآن يُمجِّدها ويذكرها بإجلال وتجلة، يقول فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ ۩، انظروا إلى القرآن وإعجاز القرآن، قال أَذِنَ اللّهُ ۩، لم يقل أمر الله، لماذا قال أَذِنَ اللّهُ ۩؟ لأنها بيوت للرهبنة، صوامع مرفوعة على رؤوس الجبال، قال الله وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ۩، إذن الله ما أمر بها لكن ما دام أحببتموها فقد أذِنا بها وسمحنا فارعوها حق رعايتها ولكم أجرٌ عظيم، لكم أجر كبيرٌ إن رعيتموها، إذن قال أَذِنَ ۩، قال الله فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ – لأنها على رؤوس الجبال، أكثر الديور وأكثر الصوامع على رؤوس المُرتفَعات، هذه ليست المساجد، هذه بيوت هؤلاء النصارى – وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ رِجَالٌ – هؤلاء الرجال ليسوا مُسلِمين، هؤلاء ليسوا منا، هذا مُستحيل، مُستحيل أن يكونوا رجال مُحمَّديين، لماذا؟ – لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ ۩، هؤلاء رُهبان ليس لديهم تجارة أو بيع، الآية واضحة، وهذا الذي رجَّحه غير واحد من أئمة التفسير في القيدم والحديث، من آخرهم العلّامة الإمام الشيخ ابن عاشور رحمة الله عليه، قال هذه الآية تتحدَّث عن بيوت النصارى وليس عن المساجد، وهذا أمر واضح، لكن هذا لا يُقال لنا، لعلكم لأول مرة تسمعون هذا، أليس كذلك؟ وهو مذكور في كتب التفسير قديمة وحديثة، لكن الإسلام الأصولي يقول عليك باليهود والنصارى، رمِّل نساءهم، يتِّم أولادهم، جمِّد الدماء في عروقهم، ما هذا؟ ما هذا الكره؟ ما شحنة الحقد هذه على البشرية وعلى العالم؟ هذا لا يصح، ادع على عدوك الذي استباحك والذي تغوَّل عليك، ادع على عدوك فقط، طبعاً العدو لا يُحترَم ويُدعَى عليه ويُستنصَر بالله عليه حتى وإن كان مُسلماً، وكم آذى من المُسلِم المُسلِم فضلاً عن غير المُسلِم؟ لكن لا تُوجَد فلسفة للدعاء على اليهود والنصارى، هذا قطع مع العالم، كره للعالم، وتحريم – كما قلت لكم – لكل شيئ، ما النيتجة المُتوقَعة؟ معروفة النتيجة المُتوقَعة، سيقول لك هؤلاء الشباب والشواب اغرب عني، وخاصة إذا فشل تدينك هذا – لا أقول إسلامك – ونُسختك الخاصة في أن تُنجِز بعض وعودها المُحبَبة للشباب، فشلت في كل شيئ ، سيقول لك إليك عني، اغرب عني، أي أنه سيُلحِد، أنت ألجأته إلى أن يُلحِد يا رجل بهذه النُسخة، شيئ مُخيف جداً، لكن كما قلت لكم هذا الشباب سيعود وحده واثقاً برحمة الله تبارك وتعالى، مُستمطِراً عطاياه، مُستمِداً من فضله، ومُستغيثاً برحمته لكي يُعيد اكتشاف الإسلام، يُعيد اكتشاف الدين من خلال نصه المحفوظ المُقدَس أولاً، ولابد أن نكون صرحاء ونقول القرآن، لأن السُنة لابد أن تُحاكَم إلى القرآن، هذه السُنة التي طغت على أشياء كثيرة – ليس على كل السُنة طبعاً فأنا أتحدَّث عن بعض السنة، أي عن أشياء في السُنة – شوَّهت هذا الدين، وانتبهوا إلى أنها مقصودة، هى موضوعة بقصد أن تشوِّه الدين، وقد نجح مَن وضعها ، مَن وضع هذه الأشياء نجح للأسف الشديد، ولفتنا عن كتاب الله، لفتنا عن القرآن الكريم، لم نعد نستمد من كتاب الله، نستمد من أشياء أخرى تُخالِف كتاب الله على طول الخط، ولا تتحرَّك فينا شعرة، لا يطرف لنا جفن، سعود هذا الشباب يبحث عن الخلاص، لكن كما قلت لكم ما هو الخلاص؟ الخلاص الذي لا يُلبيه ولا يفي به إلا الدين، وفي نظرنا الدين الإلهي التوحيدي، وسنرى حظ الإسلام في هذا الرهان.
ما هو الخلاص؟ الخلاص من الموت ومن تبعات الموت، هذا هو، نحن كائنات نهائية، مُشكِلة الإنسان أنه كائن نهائي، أنا لا أقلق من ألحاد شاب يقول لي أنا ألحدت في العشرين أو في الخمس وعشرين من عمري، أنا أعلم داخلياً أنه يعبث دون أن يدري، هو يلهو ويتحرَّك وجدانياً وليس فلسفياً، إذن هو يعبث، هو يُلحِد تحت وهم باطل، هو وهم البقاء، رصيده ملآن طبعاً هو لأنه شاب في العشرين، أمامه أقل شيئ ستون أو سبعون سنة – هو يظن هذا – إن قُدِّر له الحياة، فليس عنده مُشكلة، الآن يعبث ويُلحِد ويكفر ويُجدِّف وما إلى ذلك، لكن ما إن يتقدَّم به السن ويُجاوِز الأربعين والخمسين وتبدأ الأمراض ويزحف الشيب وتتساقط الأشياء وتتراجع القوى يبدأ موضوع الخلاص يدق على رأسه رغماً عنه كما دق على رؤوس الملاحدة الكبار عبر العصور، ولا أُحِب أن شاباً صغيراً أو شاباً في بداية حياتي يعترض علىّ، سأقول له اذهب ادرس أولاً، لا تعترض لأن هذه الحقيقة، إذا كنت لا تعرفها فهذه مُشكِلتك، لكن هذه هى الحقيقة، وأنت سيكون هذا مصيرك شئت أم أبيت، فرانسوا فوريه Francois Furet هو أحد كبار المُؤرِّخين الفرنسيين المُعاصِرين، لا أدري إن كان الرجل حياً أو مات، هو فرنسي مُعاصِر، وهو مُؤرِّخ كبير مُلحِد، في لقاء مُتلفَز في آخره لابد أن يُجيب عن عشرة أسئلة بشكل سريع، كان السؤال الأخير – وهو مُلحِد – ماذا تود من الرب – من الله تبارك وتعالى – أن يقول لك لو التقيته؟ لو اتضح أن هناك رباً وأن هناك دينونة وقيامة كما يقول النصارى للأموات، سيلتقيك الرب وسيُكلِّمك، ماذا تود أن يقول لك كأول جُملة؟ فرانسوا فوريه Francois Furet دون أن يتريث أجاب مُباشَرةً قائلاً لأود أن يقول لي ادخل بسرعة، أقرباؤك ينتظرونك، أهلك ينتظرونك، زوجتك التي ماتت، ابنك الذي مات وهو صغير مدعوساً، أمك أو أباك وأصدقاؤك وأحبابك وأساتذتك ينتظرونك، هذه هى مسألة الخلاص، نحن كائنات محدودة، كائنات فانية، وهذا من رحمة الله، بالعكس أنا وجدت من أكبر رحمات الله – والله العظيم – أن الله – تبارك وتعالى – جعلنا كائنات فعلاً محدودة حتى في أعمالها، العمر نسبي، لا نعيش كأعمار النجوم، النجوم تعيش خمسة مليارات سنة، لكننا لسنا كذلك، ولا نحتاج هذا، الحمد لله لله مليون مرة أننا لا نعيش مليون حتى، هل تعرفون لماذا؟ نحن نعيش ستين أو سبعين سنة ونُلحِد من البداية، أي عندنا استعداد لكي نُلحِد، ونُجدِّف على الرب ونظن أننا شيئاً، وبعد ذلك نتراجع مُباشَرةً، فكيف لو عشنا مليون سنة؟ كيف ستكون الحياة؟ هذا إن ثبت أن الجذر الحقيقي للأخلاق الإنسانية فعلاً وللأخلاق الكونية هو الدين، هو الإيمان بمعنى ما بالرب لا إله إلا هو، الخوف من لقائه، الخوف من دينونته، فإذا عشنا مليون سنة ماذا كُنا سنفعل؟ ستُصبِح الحياة جحيماً لا يُطاق، أليس كذلك؟ لكن الحمد لله، هذه حكمة الله، هذا مُناسِب جداً، سبعون أو ثمانون أو مائة سنة جداً جداً مُناسِب لنا ككائنات مُشوَهة أحياناً للأسف ثقافياً، الثقافة تُشوهِّها، التي تطبع الأفراد بطابع مُجتمَع عام وبطريقة قطيعية مرة أخرى. إذن هذه مُشكلة الخلاص على كل حال، أي الموت، نحن ننتهي، للأسف أحد الفلاسفة القُدامى حاول أن يلتف وأن يُداوِر مُشكِلة الموت، لكن المسألة أسهل من هذا، وهى أصعب مما يتخيَّل هذا الفيلسوف المسكين، يا ليت كانت كما يظن، قال ماذا نحن الآن؟نحن الآن أحياء، إذن الموت الآن غير موجود فلا نُفكِّر فيه، وبعد أن نموت – حين يأتي الموت ويدهمنا الموت – نفنى و ننتهي، إذن لا شعور ولا وعي، فالموت أيضاً غير موجود، لماذا نُفكِّر فيه؟ لن نُفكِّر فيه، فالموت ليس مُشكِلة، لكن هذه فلسفة مُغفَلة، وطبعاً أي أحد يُمكِن أن يقول بحس ديني إذا ثبت أن بعد الموت تُوجَد حياة فإن من هنا تبدأ المشاكل، من هنا يبدأ سلسال المشاكل ومُسلسَل المشاكل، لكن هذا الفيلسوف المادي الطبيعي يتحدَّث بمنطق آخر رغم أن حتى بالمنطق وبالمُقارَبة الطبيعية وبالمُقارَبة المادية الموت مُشكِلة وأي مُشكِلة، هل تعرفون لماذا؟ لأن ما يؤرِّقنا ويُتعِبنا ويُضنينا ليس موتنا فقط بل موت أودائنا وأعزائنا وأحبابنا، أليس كذلك؟ نحن نخاف من الموت ، نقلق بصدد الموت لأنه يغتال أيضاً أبناءنا وبناتنا وآباءنا وأمهاتنا وأصدقاءنا وأوداءنا وأحبابنا، أحياناً بعض الناس الذي يعيش مُستوىً عالياً من الغيرية – البعد عن الأنوية والأنانية – لا يقلق لموته ولفنائه بمقدار ما يقلق لموت أحبابه، كأمه – مثلاً – أو أبيه أو أولاده، وهو مُستعِد أن يموت مائة مرة ولا يرى أحداً من أولاده يموت أمام عينيه، يُوجَد الكثير من الناس على هذا النحو، هذه طبيعة في كثير من البشر، إذن هذه المسألة لا يُمكِن مُداورتها، لماذا؟ لأن الموت حين يدهم حبيبك أنت تكون موجوداً لأنه لم يدهمك، فإذن فالموت مُشكِلة، ثم أن الموت مُشكِلة لسببٍ آخر، ولابد أن نتخلَّص، لابد أن نبحث عن الخلاص – باللغة اليونانية Soteria، ومن هنا علم الخلاص Soteriology – طبعاً، لماذا لابد أن نبحث عن الخلاص؟ لأن الموت مضفور مع حياتنا، نحن نعيش لُحمة وسدى، الحياة لُحمة والسدى – مثلاً – الموت أو العكس، الموت مضفور بالحياة، مجدول بحياتنا، أليس كذلك؟ نحن في كل لحظة لكي نحيا لابد أن نموت، لأن اللحظة التي تحياها وتمتلئ بها لا تكون إلا على أعقاب وعلى أكتاف لحظة ولَّت وهربت ولن تعود، تنتمي إلى ما لا ولن يعود، أين طفولتنا؟ طفولتي ماتت، هى غير موجودة، تتمنى أن تعود إلى مراتع الصبا ومرابع ذلكم العهد – سقاها الله – وأن تعيش وأن ترتع وتعدو وتضحك وتصيح وتصرخ وتلعب كما كنت، لكنك لن تفعل، هذا الأمر انتهى، طفولتك ماتت، شبابك مات، قوتك ماتت وانتهت، لن تعود، أنت الآن كهل، أنت الآن شيخ، أنت هارمٌ كبير مُتهدِّم، لن يعود لك هذا، هذا موت، نحن خبرنا الموت وعانيناه باستمرار، أليس كذلك؟ فهذه ضفيرة الحياة وهى مجدولة من حبلين، النور والظلام، الوجود والعدم، الحركة أيضاً والسكون، كل حركة هى وجودٌ وعد، وشرح هذا يطول، على كل حال هذا هو، إذن لابد من خلاص من الموت.
في الفكر القديم وفي عصور ما قبل ولادة الفلسفة الإنسان تحيَّل على هذه المسألة من خلال وسيلتين أو عبر وسيلتين وطريقتين طرقهما وتوسل بهما، الوسيلة الأولى الإنجاب، هكذا نظَّر الإنسان، قال الإنجاب شيئ مُمتاز، أنا عبر أولادي وأحفادي – عبر الذُرية – أخلد فلا أموت، أولادي يُشبِهونني، أليس كذلك؟ وجميل جداً أن علم الوراثة والجينات – Genes – جاء وأعطانا إضافات جديدة أغنينا بها الموضوع، شطر حقيقي من ابني هو شطري، والشطر الآخر من أمه، فأجزاء مُهِمة جداً للغاية مني ستعبر في الزمن عبر ذُريتي فلا أموت، أي أنهم رأوا في هذا عزاءً، قالوا الإنجاب عزاء، ومِن هنا ألم الذين لم يرزقهم الله – رزق الله كل مُشتهيٍ كما يُقال – بالأولاد، سواء كانوا أبناء أو بنات فلمُهِم أن الحديث عن الأولاد بشكل عام، لكن ألا ترون معي أن هذا العزاء مدخول وفيه نوع أيضاً من التزييف على وعينا؟ الذي يمتد في الحقيقة النوع وليس الفرد، النوع الإنساني هو الذي يمتد، الفرد الواعي بحدوده وبشخصيته يفنى، أنا أفنى، أنتَ تفنى، هو يفنى، هى تفنى، كلنا سنفنى، ويبقى النوع، أي النوع الإنساني، هذا ليس عزاءً حقيقياً، أليس كذلك؟ شبيه بهذا المُقارَبة الرواقية والمُقارَبة البوذية، هذه مسألة العبور، عبور الشخصي إلى حالة اللاشخصي، وسنتطرَّق إليها بُعيد قليل لكن نأتي الآن إلى الطريقة الثانية، وهذا نفس الشيئ، فهذا انتقال من حالة شخصية واعية بذاتها ومُحدَّدة إلى حالة لا شخصية غير واعية، هى حالة كونية عامة، ولذا هذا ليس عزاءً لي، هذا ليس عزاءً لك، ليس عزاءً لأحد، ومع ذلك يُوجَد أُناس يأخذون الأمور باستخفاف ويظنون أن الدين أيدولوجيا مثل الماركسية وما إلى ذلك، لكن هذا غير صحيح، الدين شأنه أعظم مما تتخيَّلون، لذلك الدين رافق الإنسان منذ البداية وسيُرافِقه حتى النهاية، ولا عزاء للملاحدة، هذا تحدي الملاحدة، هم لا يقدرون على أن يتجاوزوا هذا، فلا عزاء للملاحدة، الإنسان يطلب الخلاص، كل أحد فينا في أعماقه ليس فقط يطلب بل ينطوي على شعور شبه قطعي بأنه دائم ولن ينتهي، وأنا أقول لك هذا شعور فطري مغروس فيك بقدرة الله تبارك وتعالى، لا أحد فينا يشعر أن في لحظة مُعينة سينطفئ كل شيئ وسينتهي إلى عدمٍ مُطلَق ومُطبِق، لا يحدث هذا أبداً، وإنما يشعر أن هناك امتداداً له بطريقة أو بأخرى، من المُمكِن أن يُحاوِل أن يُخادِع نفسه ويقول هذا امتداد لي عبر الذُرية وعبر إسمي، حين يُخلَّد إسمي كفيلسوف كبير أو كموسيقار عظيم أو كفنان أو كرقّاص أو كمغنٍ، بغض النظر عن أي شيئ سيُخلَّد إسمي ومن ثم هذا خلود، لكن هذا غير صحيح، هذا خلود لشخصية لم تعد موجودة، بمعنى خلود لما لا يعي، هذه ذكرى يستهلكها الناس ولا تنتفع بها أنت كشخص مُحدَّد، لا يُوجَد عزاء هنا، ليس هذا العزاء، نحن نُريد الخلاص، أين الخلاص الحقيقي؟ هذا الدين، من هنا ثقل الدين في المسيرة الإنسانية، من هنا أهمية الدين يا إخواني، ولذا – كما قلت لكم – شعور كهل بهذه الموضوعات أعمق بكثير من شعور شاب، انتبهوا إلى هذه الحقيقة، وشعور شيخ على شفا أو على شفير قبره بهذه الموضوعات أعظم من شعور الكهل ابن الأربعين والخمسين، هو هذا، هذه طبيعة الإنسان، وهذه مأساتنا على كل حال، وهنا قد يقول لي أحدكم – أنا أعرف أحدهم – وفعلاً القرآن حدَّثنا عن هؤلاء – عمره ستين سنة وهو مُصاب بالأمراض كلها – مُستضيف في بدنه كل أمراض الدنيا – وسبحان الله يسلك ويتصرَّف ويتكلَّم ويُقهقِه ويضحك ويسكر ويُعرِّبد كمُلحِد حقيقي والله، أنا أقول لك هذا تقريباً إذا لم يكن مُتوفِّراً على فلسفة خاصة أصعب من هذا ونحن لا نعرفها – نحن حاولنا نقرأ فلسفات الخلاص الإلحادية في أرقى صورها كالإنسية الجديدة أو ما يُسمى بالإنسية اللاماورائية وسأشرحها لكم اليوم وقد رأيناها عبثية وصبيانية، هذا كلام فارغ – وكان فيلسوفاً لم يعرفه الفلاسفة ولم يعرفه عالم الفلسفة فهذا شيئ ثانٍ، وإلا اسمحوا لي أن أقول بتعبير قرآني إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ۩، هذا المسكين فقد حتى خصائص ومُختَصات الإنسانية، هذا المسكين مُشكِلته في إنسانيته، كفَّ أن يكون إنساناً حقيقياً، وهنا قد تقول لي كيف؟ اشرحها حتى فلسفياً، أنا سأشرح معنى هذه الآية – إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ۩ – فلسفياً، هل الحيوانات تتساءل بصدد الموت؟ لا تتساءل أبداً، ليس لها أي علاقة بالموت، والنبي أشار إلى هذا، قال النبي لَوْ تَعْلَمُ الْبَهَائِمُ مِنَ الْمَوْتِ مَا يَعْلَمُ ابْنُ آدَمَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا سَمِينًا، صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً، فهى لا تعرف، هل الحيوانات تدفن موتاها؟ ولا أُريد أن يأتي أحد ويقول لي الغراب، مَن قال لك أن الغراب يدفن موتاه؟ قال الله فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ ۩، ومَن قال لك أن غراباً دفن غراباً آخر؟ هذا هبل المُفسِّرين، أنا أُسميه هكذا، هذا استهبال، هذا كلام فارغ، هل الأغربة تدفن نفسها؟ هل الأغربة عندها قبور ومقابر؟ لا يُوجَد هذا الكلام، قال الله فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ ۩، ربما هذا الغراب دفن شيئاً من رزق، حبة أو دودة أو أي شيئ دفنه، فخطرت وانقدحت الفكرة في ذهن القاتل قابيل، قال إذن فلأوراي أخي، أحفر له وأدفنه، لا تقل لي أن غراباً دفن غراباً، عموماً من المعروف أن الحيوانات لا تدفن موتاها، هذا أحد أكبر الفوارق بين الإنسان والحيوان، لماذا إذن الإنسان يدفن موتاه؟ عنده إيمان بالخلود، يعرف أن هناك رجعة في يوم من الأيام، سنتركه يهنأ هنا ونحفظ له مكانته وإسمه وكل شئ، هناك رجعة ومن هنا دفن الموتى، الإنسان القديم قبل الهومو سَاپْيَانْس Homo sapien – المُنتصِب العاقل – كان يدفن موتاه، ما رأيكم؟ الإنسان يدفن موتاه من عشرات ألوف السنين.
الحيوانات لا تتساءل بصدد الموت، الحيوانات لا تُصدِر أحكاماً أخلاقية لها فلسفة ونظريات ومُستنَدات، هى لا تعرف هذا، ببساطة الحيوانات والطبيعة بتعبير جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau شيئٌ واحد، قال الحيوانات والطبيعة واحد لا اثنان، وهذا صحيح، لكن نحن البشر – نحن الإنسان أو بني الآنسان – والطبيعة اثنان، طبعاً اثنان، واضح أننا اثنان، بدليل أننا نتحدَّث عنها ونقول الطبيعة، إذن هى شيئٌ أخر، إذن هناك مسافة، لو كنا والطبيعة شيئاً واحداً لما قامت أخلاق، لما رأى الحكم الأخلاقي النور، لو كانت الطبيعة قانوننا لما فهمنا معنى الأخلاق، والطبيعة هى قانون البهائم والدواب، هذا صحيح طبعاً، الطبيعة هى قانونها تماماً، لكنها ليست قانوناً لنا، نحن نتعالى على الطبيعة بإسم الدين وبإسم الروح وبإسم المُتسامي المُتعالي المُفارِق وبإسم الأخلاق والقيم، نتعالى ونُنشيء الثقافة، هذا الفرق بين الإنسان والحيوان، فإنسان يعيش – والعياذ بالله – وكأنه بلا قيم وكأنه بلا هم وبلا قلق وجودي ومُشكلة الموت عنده لا تُشِّكل أي شيئ هو مشكوك، هو مُندمِج في الطبيعة، فعلاً مُندمِج في الطبيعة، وفعلاً تراه يعيش أقرب إلى الطبيعة، أكرمكم الله هو بلغة كتاب الله أقرب إلى الحيوان، قال تعالى بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ۩، ولذلك لا معنى عنده للحياة حتى والخجل والمُقدَّس، لا يعرف معنى المُقدَّس، لا يعرف معنى الواجب، طبعاً لأنه حيوان، هو والطبيعة شيئٌ واحد، وهذه مسألة أخرى.
إذن الطريقة الثانية هى طريقة ليست طبيعية، وهى الأعمال الماجدة، أن نقوم بأعمال بطولية وبأعمال استثنائية وبأعمال مُميِّزة، أن يكون لها بصمة، أن يكون لنا طابع، أن نُشكِل إضافة، ماذا يحصل؟ يُخلِّدنا التاريخ، التاريخ صناعة إنسانية، الحيوانات لا تعرف التاريخ، في نظر بعض كبار فلاسفة التاريخ التاريخ ابتداءً كان من أجل هذه المسألة، أي من أجل مسألة الخلاص، من أجل أن يُطمئن الإنسان، لكنه كما ترون لا يُطمئن كل إنسان، يُطمئن فقط مَن؟ الذين يعرفون كيف يحيون وكيف يعيشون، أنا لا أعيش كرقم ضمن أرقام، وإنما أعيش فرداً لي اعتباري الخاص، بفضل ما أٌقدِّم للأمة أو للشعب أو للبشرية أو للمُجتمَع أو للناس فيُخلِّدني التاريخ، ومن ثم أمتد وأخلُد، فهذا سبيل من سُبل التخلص، هذاسبيل من سبل الخلاص، لكن في الحقيقة كما تعلمون من غير لف ودوران الذي يبقى مُجرَد ذكرى – كما قلت لكم – يستهلكها الآخرون ولا تنتفع بها شخصية صاحب ذات واعية تطرَّق إليها الفناء فأذابها وضيَّعها، هذا ليس الخلاص، ولذلك يعترف كثير من الفلاسفة الملاحدة أن الدين – هم يتحدَّثون بالذات في السياق الغربي عن الدين المسيحي، دين الغرب الأوروبي – تفوق على الفلسفة مع ضعف لياقته كما يقولون، يقولون ما علاقة الدين بالفلسفة؟ الفلسفة نُظم مُحكمَة دقيقية جداً جداً، هذه نظريات قوية، لكن الدين شيئ مُختلِف، فهم كما تعرفونه يستحقرونه ويستخفون به، ومع ذلك يقولون رغم هذا الدين هنا وهناك وفي كل مكان تغلَّب على الفلسفة، لماذا؟ قل لي الحظوظ العُظمى لمَن: لموسى وعيسى ومحمد أم لسقراط وأفلاطون وإبكتيتوس Epictetus وماركوس أوريليوس Marcus Aurelius وبرتراند راسل Bertrand Russell ووايتهيد Whitehead؟ طبعاً معروف أنها لموسى وعيسى ومحمد، هؤلاء قادة البشرية الأكبر والأعظم، أليس كذلك؟ محمد وحده يستحوذ الآن على خُمس البشرية طبعاً، نحن لا نستقِل أنفسنا ولا نستخف بأنفسنا، نحن أمة عظيمة في نهاية المطاف شئنا أم أبينا ولو على مُستوى العدد، عدداً نحن أمة عظيمة، ولذلك أنا أقول لكم يقظتنا الروحية والفكرية ستُشكِّل – طبعاً علمونا أن نقول تُشكِل خطراً، مثل خطر المارد الإسلامي، وهذا غير صحيح – إضافة عظيمة هائلة إلى البشرية، وذلك يوم نستيقظ بإذن الله تعالى، لنُثبِت من جديد أننا خير أمة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ۩، قال الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ ۩، والآية طبعاً مُطلَقة، لم تقل يُحييكم في الآخرة فقط، قطعاً هى حياة في الدُنيا قبل أن تكون حياة في الآخرة، هذا الدين وهذا الشرع وهذا النص الإلهي المُقدَّس المحفوظ هو حياةٌ على مُستوى المعاش والمعاد، الأولى والأخرى، الأولى والعُقبى، الدين نفسه يكون هكذا، قال الله لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ ۩، فحين نستيقظ سنُشِّكل إضافة هائلة كُبرى ومقدورة بإذن الله تبارك وتعالى، إذن أيضاً مرة أخرى هنا لا عزاء، لماذا تغلَّبت المسيحية على الفلسفة؟ لماذا تغلَّب الدين على الفلسفة؟ هل تعرف ماذا يقول هؤلاء الفلاسفة الملاحدة؟ قالوا بسبب مسألة الخلاص، الأديان التوحيدية – اليهودية وأكثر منها بمراحل النصرانية ثم الإسلام زمنياً – وعدتنا بماذا؟بخلاصٍ شخصي، فعلاً سنقوم من القبور وسنُبعَث من قبورنا وبإذن الله سنلتقي بأحبابنا من جديد، سنلتقي بأودائنا وبأعزائنا، لكن طبعاً هناك جنة وهناك نار، إن أردت أن تتمتع بلقياهم مُتعةً غير ممنونة وغير مقطوعة – مُتعة أبدية مُخلَّدة – فعليك أن تعمل صالحاً، وأول عمل الصالح ورأس العمل الصالح وأساسه الإيمان الصحيح، هذه هى البُشرى، هذه بشارة عيسى عليه السلام، وهذا الشرط المُحمَّدي، هو نفس الشيئ أيضاً، هذا شرط القرآن، بشارة عيسى تنص على ماذا؟ على أننا لا نتخلَّص بأعمالنا الخيّرة، وأنا لابد أن أضيف كلمة فقط، لا نتخلَّص فقط بأعمالنا الخيّرة، وإنما نتخلَّص بماذا؟ بالإيمان، أي الإيمان الصحيح طبعاً، لأن ما أهمية عمل صالح بلا إيمان صحيح؟ سوف نرى، هذه مسألة القيم الآن، وهى الجزء الآخر من الخلاص، هذه مسألة القيم ومسألة الأخلاق، الأديان التوحيدية وعدت الإنسان بالخلاص الشخصي، قالت له ستحيا من جديد، قال الله أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ۩، الله قال لماذا أنت تستكبر هذه المسألة؟ هل تستكبر أننا سوف نُعيد خلقك من جديد؟ نحن خلقناك هذا الخلق الأول على غير إنموذج، ابتدعناك وأبدعناك من لا شيئ، وطبعاً بلا شك أن يُعاد هذا الخلق – في منطق العقل – أهون بمراحل، أليس كذلك؟ ولذلك المُهِم الفكرة، وهذا معنى الخلق، لو كان عندي الوقت الكافي لوضَّحت لكم مزيد توضيح، لكن سأقول كما يُقال على الحساب وبسرعة أن الخلق قرآنياً في مُعظم موارده لا يعني الإيجاد من العدم، ليس هذا الخلق، لا في اللغة ولا في مُعظم الموارد القرآنية، الخلق أساساً في أساس الوضع اللغوي هل تعرفون ما هو؟ التصميم، الخلق هو الفكرة، التصميم ووضع الخُطة Blueprint، هذا هو الخلق، الشاعر يقول:
وَلأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وَبَعْــضُ القَوْمِ يخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي.
ما معنى هذا الكلام؟ يقول له وَلأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ، أي أنك تخلق ثم تفري، أنت تُقدِّر وتضع التصميم – Design – ثم بعد ذلك تقدر على أن تُطبِّقه، وبعض الناس يضع التصميم دون أن يقدر على التطبيق، فالخلق هو التصميم، انتبهوا إلى هذا، ولذلك قال الله خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ۩، هذا هو، التكوين غير الخلق، الخلق هو التصميم Design، هذا مُهِم جداً، وهذا ينبي عليه مباحث مُفيدة جداً في فلسفة العلم وحتى في العلم وفي الروح العلمية للمُسلِمين لو فقهوا هذه الحقيقة، وأكثرهم عنها غافلون، لا يعرفون أنه هذا هو الخلق، الخلق إذن هو التصميم، وطبعاً هنا يأتي التحدي أيضاً للملاحدة، أليس كذلك؟ لذلك حين يُقال لمُلحِد اخلق فإنه يقول لك سأُحاوِل أن أخلق نملة، لكن المسألة ليست في أنك تخلق نملة وتضع خلية وما إلى ذلك، وطبعاً هذا لم يحدث، وحتى لو حدث هو لم يفعل شيئاً، ليس هذا هو الخلق، هل تعرفون ما هو الخلق؟ فكرة النملة بحد ذاتها، وفكرة النملة تدخل فيها فكرة تصميم الكائن الحي عموماً، فيها فكرة الجينوم Genome‬‏، وانظر ماذا يُوجَد في الجينوم Genome وإلى آخره، هذه هى الفكرة، لذلك إذا تصوَّرنا حواراً كما فعل بعض الغربيين بين الإله – بين الله تبارك وتعالى – وبين مُلحِد كبير عنيد شرِس فإن الله سيقول اخلق كما خلقت، ومن ثم سيأتي بالطين والماء وما إلى ذلك، لكن الله سيقول له ليس هذا الخلق، الخلق هو التصميم، ائت بفكرة جديدة وأخرج منها عالماً جديداً أو خلقاً جديداً، ولذا كل أفكارنا ليس فيها أي جديد، اليوم أعظم الاختراعات هى تقليد للطبيعة، هى تقليد للموجود، أليس كذلك؟ بناء وبسط ومد للموجود، الله سيقول له أنا أُريد منك أن تأتي بفكرة غير مُستمَدة من أي فكرة موجودة مما فعلت أنا، ومن ثم سيعجز، ولذا سيقول أنت لا تستطيع أن تخلق إذن، أنا الذي أخلق، علماً بأن هذه من أكبر الضربات الموجِعة للإلحاد، أساس القانون وأساس الفكرة المُسيِرة للشيئ ولأي بنية من أين جاء؟ وكيف جاء؟ هو هذا، هذه فكرة الخلق.
إذن الأديان التوحيدية يا أحبابي – إخواني وأخواتي – وعدت الإنسان بالخلاص الشخصي، خلاص الشخصية المُحدَّدة الواعية، الواعية بذاتها وبالتالي بغيرها، تبقى نُقطة أخرى تنبني على مسألة الخلاص نُرجِئها إلى الخُطبة الثانية.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، إخواني وأخواتي:
ولكون الموضوع الثاني – موضوع النُقطة الثانية – مُعقَّداً وطويلاً سأُحاوِل أن أُلملِمه في شكل جُمل سريعة، إنه موضوع الأساس الذي تتأسَّس عليه والمُسنَد الذي تستند عليه وإليه الأخلاق، واضح جداً أننا إذا تحدَّثنا عن الخلاص بالمعنى الأول فنحن أيضاً نتطرَّق الآن إلى الخلاص بالمعنى الثاني، خلاص الإنسان الفرد أيضاً المُحدَّد المُنتهي نسبياً ليس في ظرف الزمن فقط بل في ظرف الاجتماع أيضاً، خلاص هذا الإنسان الفقير الضعيف الجاهل المسكين الطيب المُسالِم من ظلم الآخرين ومن استغلال الأخرين ومن استعباد الآخرين ومن قهر الأخرين ومن تجاوز الآخرين حتى على حياته أحياناً، كيف يتم هذا الخلاص؟ أفضى بنا الكلام إذن إلى مسألة الأخلاق، هذه – كما قلنا – مسألة مُفارِقة للطبيعة، هذه غير الطبيعة، هى مُختلِفة تماماً، الأخلاق ما يجعلني إنساناً، الأخلاق ما يجعلنا بني آدمين، هذه هى الأخلاق والحكم الأخلاقي، كيف يتم هذا الخلاص؟ انتبهوا إلى هذا، طبعاً سيُقال لكم – وقد قيل وأُلِّفت ألوف الصفحات ومئات الكتب بل ألوف الكتب في هذا الموضوع – يُمكِن بناء الأخلاق على أساس مادي بحت، على أساس مُحايث – يقولون Eminence – وليس مُتعالياً، لا نُريد المُتعالي، ما علاقتنا بماوراء الطبيعة والله والآخرة؟ نحن كبشر يُمكِن أن نؤسِّس أخلاقاً تامة مُمتازة، وبدليل أن هناك ملاحدة على أخلاق عالية جداً من الصدق والتهذيب ومحبة الأخرين والتبرع للضعفاء وإلى آخره، يقول لك هذا موجود، لكن هذا تبسيط مُخِل، هذا تبسيط صبياني حقيقةً للمسألة، المسألة أعقد من هذا بكثير، حتى لا نخوض فيها لأن الوقت غير كافٍ نقول أن الفيلسوف الألماني الحي والمُعاصِر الآن هابرماس Habermas لخَّص الأمر بجملة واحدة، قال المسيحية – يُريد الدين في الغرب هنا، أي في السياق الغربي – هى المُؤسِّس الأكبر للروح وللحرية وللضمير وللديمقراطية ولحقوق الإنسان، كل ماعدا هذا مُجرَد ثرثرة – Bla Bla Bla – ما بعد الحداثة، قال لهم هذه ثرثرة وكلام فارغ حتى لا يضحكون عليكم، هذا كلام فارغ، والرجل يُثبِت هذا في مئات الصفحات الفلسفية العميقة، تقريباً من المُستحيل أن تؤسِّس لما ذكر هابرماس Habermas وغير ما ذكر أيضاً فعلاً بعيداً عن مفهوم الإيمان بالله تبارك وتعالى، مفهوم الإيمان بالآخرة، مفهوم الإيمان بالغيب، طبعاً هذا الكلام بالنسبة لنا كمُؤمِنين مقبول واضح وجميل، لكنه بالنسبة للملاحدة والمُشكِّكين والما بعد حداثيين كلام سخيف جداً جداً جداً وصبياني وغير علمي وغير عميق، يرفضونه تماماً، هكذا هم يظنون ويُقدِّمون لنا البديل، لنا نقول كيف أسَّس القدماء الأخلاق وعلى ماذا وبماذا برَّروها وفي العصر الحديث كيف تأسَّست مرة أخرى في المبدأ الإنساني أو في المذهب الإنساني Humanism، لكن سوف نرى الآن آخر نُسخة إلحادية من هذه الإنسية الجديدة أو الإنسية المُعاصِرة أو الإنسية اللاماورائية، هى لا تستند إلى الإيمان مُطلقاً، قالت نحن كإنسان مكتفون بأنفسنا ويُمكِن أن نؤسِّس أخلاقاً مُمتازة للضمير وللروح ولمشروع ناجح لحقوق الإنسان على مستوى كوني من غير أن نحتاج إلى الله، كيف؟ انظر إلى الحُجة وقل لي – بالله عليك – واحكم بنفسك عليها، هذه حُجة فيلسوف كبير يحمل هذه الراية الآن إسمه لوك فيري Luc Ferry، ماذا يقول فيري Ferry؟ يقول اثنان زائد اثنان يساويان كم؟ أربعة، هل يُمكِن أن تكون هذه المسألة مسألة ذوق؟ هل تعتمد على ذوقي فتكون أربعة، ووفق ذوق هذا تكون خمسة، ووفق ذوق ثالث أو رابع تكون سبعة أو ثمانية؟ لا يُمكِن أبداً، هل هذه مسألة خيار؟ ليست كذلك أبداً، لا يُوجَد أي خيار، نحن لا نخترع الرياضيات، نحن نكتشفها ونصفها فقط، هكذا يقول لوك فيري Luc Ferry، قال وبالمعنى ذاته نحن لا نخترع جمال الجميل كالرائحة الجميلة والزهرة الجميلة والنغمة الجميلة، نحن نقع في مأخوذية ونُؤخَذ بها رغماً عنا، كما نُضطَر أن نُذعِن بأن اثنين زائد اثنين يساويان أربعة، وهذا شيئ جميل، مُباشَرةً نقول جميل، ولذلك يقول هناك هذا الـFalling، نحن نقع في الحب، شيئ جميل وما إلى ذلك يأخذك مباشرةً فتقع فيه، لا تملك خياراً، هذه ليست مسألة تتعلَّق بالخيار، يُريد لوك فيري Luc Ferry أن يُفهِمنا أنه مسألة المسائل الجمالية والمسائل الأخلاقية كمُناهَضة العنصرية ومُسانَدة ومُؤازرة المُضطهَدين والمقموعين مسائل من جنس اثنين زائد اثنين يساويان أربعة، وأنا – والله – لم أر حُجة أضعف من هذه على الإطلاق، أليس كذلك؟ وكل الدراسات الأنثروبولوجية بل حتى دراسات المُقارَنة في مجتمع واحد أو في حقبة واحدة تُؤكِّد هلهلة أو مُهلهَلية هذه الحُجة، هذه الحُجة حُجة مُهلهَلة تماماً وعلى الإطلاق، لأن فعلاً الأذواق في مسائل الجماليات لها مروحة واسعة، أي طيف أو مطياف واسع، فهى لها مروحة واسعة ومن ثم تتراوح بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، وحتى ما دون الصفر بالسالب، هذا موجود طبعاً، ثم أن هناك ما هو أصعب من هذا، حتى لو قلنا أن هذه المروحة ليست بتلك السعة والعراضة فإن هناك مسألة أصعب من هذا بكثير، لم يُحدِّثنا هؤلاء الإنسيون اللادينيون واللاماورائيون عن أصل هذه الأشياء المُودَعة في الإنسان والمُحايثة له، هذا هو السؤال الآن، قالوا هذه مُحايثة – Eminence – لنا، أنا أشتمل على هذا، أشتمل على تحسس إيجابي للجمال، أشتمل على تعاطف إيجابي مع الحقوق ومع الحريات ومع العدل ومع الرحمة، أشتمل على هذا، لكن طبعاً نيتشه Nietzsche وهو أحد كبار الما بعد حداثيين لم يكن مُشتمِلاً على هذه المعاني، أليس كذلك؟ نيتشه Nietzsche كان يُحبِّذ سحق الضعفاء دون أن يطرف له جفن، يقول صديقه لانسكي Lansky كنت عنده فأتاه نبأ الإعصار الذي ضرب فيجي Fiji ، فقام يرقص من الفرح، قال هذا إعصار مُمتاز فليذهبوا إلى ستين داهية، لماذا؟ما هى مُشكلتك مع أهل فيجي Fiji؟ ليس عنده مُشكِلة، لكنه يعرف أن هذا الإعصار حين يأتي سوف يقضي على كل مَن لا يستطيع الصمود، فليقض عليه إذن، أي مبنى ضعيف يذهب في ستين داهية، هذا مبنى ضعيف لكن الناس الذين فيه فقراء، قال نعم هم فقراء، لكن لماذا هم فقراء؟ لأنهم ضعاف، إذن هم يستحقون، فليذهبوا في ستين داهية، لو كانوا أقوياء لاشتغلوا أكثر ولأتوا بمال أكثر ولسكنوا في بيوت قوية، وهذا أمرٌ عجيب، كان يطيب لنيتشه Nietzsche الإقامة في مدينة نيس Nice – يُسمونها بالألمانية Nizza – الفرنسية، ضربها زلزال لعله وصل إلى أربعة ريختر ولا خمسة ريختر، فمات عدد بسيط وتهدَّمت بعض البيوت فقال للأسف كان ضعيفاً، كان ينبغي أن يكون أقوى، فسمع بالبركان الذي ضرب جاوة Jawa وقتل مائتي ألف وقال مُمتاز، هذا هو نيتشه Nietzsche، هذا الإنسان وقح جداً وكريه، هل تتمنى أن تلتقي هذا الشخص، اسأل نفسك ببساطة لو كان حياً هل تتمنى أن يكون صديقاً لك؟ هل تتمني أن تأخذ بنته أو تُعطيه ابنتك؟ مُستحيل، هذا كارثة، هذه الفلسفة الوقحة فعلاً، هذه هى الوقاحة واللإنسانية، وقالوا هذه فلسفة، هتلر Hitler تلميذ نيتشه Nietzsche ما شاء الله، هذا هو، من ثمارهم تعرفونهم كما قال المسيح عليه السلام، وثماره هتلر Hitler وموسوليني Mussolini، هذا شيئ مُريع ومُخيف، علماً بأن هذا الوعد ما زال موجوداً، الوعد النيتشوي والجانب الممسوخ من فلسفة ما بعد الحداثة لا يزال موجوداً ويعمل، انتبهوا إلى هذا، ولذلك أنا أقول لكم يُوجَد رهان ونحن كمُتدينين وبالذات بشكل أخص كمُسلِمين علينا أن نُحاوِل كسب الرهان لصالح البشرية ولصالحنا ولصالح ديننا، لكن كيف؟ هذه مسألة أخرى تحتاج إلى خُطب أخرى، على كل حال قال هذا رائع، كان ينبغي أن تُضرَب نيس Nice بمثل هذا الروع، يتأسف على نيس Nice، قال لماذا نيس Nice لا تزال قائمة إلى الآن؟ هذه خسارة، كان ينبغي أن يُصيبها مثل ما أصاب جاوة Jawa، شيئ كالبركان – مثلاً – يحرقها حرقاً، لماذا؟ ما هذا الحقد على الآخرين الذي يتقنَّع بقناع الفلسفة ويتقنَّع بقناع الأفكار؟
على كل حال نرجع إلى موضوعنا، نيتشه Nietzsche وهو فيلسوف قريب جداً – مات في سنة ألف وتسعمائة فهو قريب جداً جداً لنا – غير مُقتنِع بهذه الحُجة، أي بحُجة لوك فيري Luc Ferry، بمعنى أننا نخضع للتعاطف مع الحقوق وخاصة مع حقوق الإنسان ونتعاطف مع الضعفاء والمساكين كما نخضع لاثنين زائد اثنين يساويان أربعة، هذا غير صحيح بالمرة يا إخواني، يُوجَد الكثير من الناس لا يُؤمِنون بهذا، كثير من الناس أصلاً سلوكهم يُؤكِّد أنهم لا يُؤمِنون بهذا، أنا أقول لكم كثيرٌ من الناس وخاصة في ظل تصوّرات علمانية ومادية مُكتفية بذاتها تتنكر لله وللغيب، أنا أقول لكم لا يضبطهم ولا يمنعهم إلا القانون، قوة القانون وردع القانون، القوة الردعية للقانون، لا يُوجَد وازع حقيقي لدى كثير من الناس ولا أقول كل الناس، لكن كثير من الناس ينطبق عليهم هذا، وأنا أقول لك حتى بعض الناس الذين يُشكِّلون استثناء حين تبحث وتحفر أركيولوجياً تجد في النهاية أن في الجذر يكمن الدين مثلما لاحظ هابرماس Habermas وغيره، هناك دين، علماً بأن نيتشه Nietzsche هنا كان مُوفَّقاً حين لاحظ أن كل الأخلاق المُتعاطِفة وأخلاق المحبة – يُسميها الأخلاق الكونية الإنسانية – سواء كانت يمنية أم يسارية ومحافظة أم مُتقدِمة ودينية أم لا دينية في بنيتها هى أخلاق دينية، وهذا صحيح، هنا نيتشه Nietzsche كان على صواب، لماذا هى أخلاق دينية؟ قال لأنها كلها تُؤمِن بالمُفارِق، يُوجَد مثال مُفارِق للإنسان ومُفارِق للحياة ومُفارِق للطبيعة، هو فوق الطبيعة ووراء الطبيعة وبعد الطبيعة، وهو الذي نستمد منه القوة الأخلاقية، قال وهذا بالضبط هو جوهر الدين، وصح هذا الدين، قال هذا جوهر الدين، فكل هذه الأخلاق دينية ونحن لا نُريدها، نُريد أخلاقاً من نوع جديد، أخلاق سوبر مان Superman، أخلاق القوة والقسوة والبقاء للأقوة والأصلح، أخلاق داروينية، وهذا شيئ مُريع مُرعِب ومُخيف، أليس كذلك؟ هذا شيئ مُريع، وليس ذنب الأعمى أنه وُلِدَ أعمى، وليس ذنب الضعيف الكسيح أنه وٌلِدَ ضعيفاً وكسيحاً، أليس كذلك؟ وهناك أقدار ليست أقداراً ماورائية ولا أقداراً بيولوجية، هو لا يُؤمِن بالماوراء ويتحدَّث عن القدر البيولوجي، لكن صدِّقوني هناك أقدار اجتماعية حتى، أليس كذلك؟ لا يُمكِن أن تقول لي نحن الآن نُتيح الحريات للكل، كل أحد يتصرَّف ويعمل كما يحلو له، أنا أقول لك في غيبة نظام أخلاقي قوي يحكم على الجميع ويُفارِق فعلاً مصالح هذا وذاك ويتحيز لهذا أو ذاك هل تعرف ماذا ستُتيح للناس؟ ستُتيح لهم حرية تماماً من باب ومن قبيل حرية الذئب والحمل، أنت تقول لي الذئب حر والنعجة حرة، اتركهم أحراراً يا سيدي، ابن آوي حر والدجاجة حرة، والنتيجة معروفة، ما هى؟ دائماً الخاسر هى الدجاجة والنعجة، أليس كذلك؟ علماً بأن هذا ما يحدث الآن بإسم ما بعد الحداثة وبإسم النيتشوية، وهذه يُسمونها نيتشوية، هذه نيتشوية مُعدَّلة وهى كذب على نيتشه Nietzsche، فهذه كارثة طبعاً، ومن هنا يأتي الدين.
نرجع مرة أخرى ونقول في نهاية المطاف القانون في لحظة مُعيَّنة الإنسان يتجاوزه، في لحظة أصعب الإنسان يكفر به، في لحظة غضب شديد أو لحظة ثأر ورغبة في الثأر الإنسان يكفر بالقانون ويخرقه، حتى هذا المُلحِد الإنسي المُعاصِر يكفر بالقانون في هذه اللحظة، بماذا يُهدِّده القانون؟ بالإعدام، وهو يقول أهلاً وسهلاً بالإعدام، لا حاجة لي بالحياة بعد أن عانيت وتمرمرت بقتل ابني الوحيد وزوجتي رفيقة عمري، لا أريد هذه الحياة، سأنتقم وليقتلني القانون، أليس كذلك؟ بسهولة تحدث هذه القفزة، هل يُمكِن أن تحدث هذه القفزة مع مُؤمِن حق بالله تبارك وتعالى؟ أصعب بكثير، صدِّقوني إحداث هذه القفزة أصعب بكثير، ولذلك مهما حاولنا ومهما نكشنا رؤوسنا لكي نجد شيئاً يقترب أو يُداني فضلاً أن يُضارِع ويُسامي ويُساوي كل قوة مبدأ الإيمان بالله واليوم الآخر في ضبط سلوك الإنسان وفي تقويم ضميره وإيقاظه واستفزازه نكون نُحاوِل العبث والمُستحيل، لا يُوجَد مثل هذا، هذا أقوى شيئ على الإطلاق، لذلك بكلمة أختم وأقول تبقى الأخلاق ما بقيَ الدين، من حُسن حظنا أن الإنسان كائن أخلاقي، وهنا قد يقول لي أحدكم كيف؟ هل على طريقة فيري Ferry؟ لا، كائن أخلاقي بالتبع لأنه كائن مُتدين، هو كائن مُتدين بفطرته، قال تعالى فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۩، هنا مرة أخرى الله يقول لا عزاء للملاحدة، سيبقى الإنسان مُتديناً إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، قال لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۩، الإنسان في فطرته يبحث دائماً عن الله، وبالتالي فهو كائن أخلاقي.
اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً، اللهم اجعلنا نخشاك حتى كأنا نراك وأسعِدنا بتقواك ولا تُشقِنا بمعصيتك، اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها وأجِرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين، اغفر لنا ولوالدينا ولمَن حضر وللمُسلِمن والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (8/4/2014)

Comments

comments

شاهد أيضاً

mokarabat

الصوم، مُحاوَلة جديدة للفهم

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

اترك رد