إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

 أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد: 

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل مجده – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

الم ۩ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ۩ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ۩ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ۩ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ۩ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ۩ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ۩ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ۩ وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ۩ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ۩ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ۩ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين.

إخواني وأخواتي:

لو أجلنا النظر في هذا المطلع المهيب، البالغ الأثر، من سورة السجدة، لوجدنا أن ناظماً ينتظم هذه الآيات الجليلات، من هذا المطلع المهيب. إنه سر القدر. ما ينظم هذه الآيات على اختلافها في ظاهرها، مسألة هي أعوص وأصعب وأكبر مسألة وقع فيها الخلاف بين هذه الأمة المرحومة، واتسع الكلام فيها جداً إلى الغاية. إنها مسألة سر القدر.

ما المقصود بسر القدر الذي نُهينا عن التعمق فيه، وعن إدارة كثير الأسئلة حوله؟ حتى قال الإمام عليّ – كرَّم الله وجهه – القدر سر الله – تبارك وتعالى -، فلا نكشفه. لا نُكلَّف بكشفه، بكشف الستر عن هذا الغور، بكشف الستر عن هذا السر (سر القدر).

لفهم المُراد بهذه المسألة فهماً سهلاً سائغاً، إنها المسألة التي يتعاطاها مُعظَمنا على الإطلاق – إن لم يكن الجميع بطبيعة الحال -، وتتفرَّع منها أسئلة، حول موضوع الحظ والقِسم، ويتساءل بعض الناس هل في دين الله من مكان للحظ والحظوظ؟ فإننا نرى بعض الناس محظوظين مجدودين – ذوي جد، أي ذوي حظ -، فيما نرى البعض الآخر محرومين محدودين، فهل الحظ من القدر، وهل هو بقدر، أم أن الأمر حزر وضرب تعاسيف واتفاقات وتصادفات؟ 

هذه المسألة تتعلَّق بسر القدر، لِمَ خُلق هذا جميلاً، وتلك جميلة كحوراء، فيما صيغ هذا المسكين الآخر قبيحاً دميماً، وتلك هولة كالغولة، لا يحتمل المرء أن ينظر إليها، من هول منظرها وقُبحها؟ لِمَ؟ 

لِمَ أتى هذا إلى الوجود بذكاء عالٍ مُتميِّز، مكَّنه من حصد أعلى الدرجات، وربما – ربما وليس دائماً – اقتعاد أرفع الوظائف والمُهمات، فيما لم يُصب الآخر إلا حظاً مُتدنياً جداً من الذكاء، جعله كالسُخرة وكالهُزءة بين الناس؟ لِمَ؟ إنه سر القدر.

أكبر من هذا – وهذا يعود بنا إلى خُطبة العهد بها قريب جداً، أعني تفليس مُحامي إبليس -؛ لِمَ شاءت القدرة أن يكون إبليس، أن يُوجَد إبليس وأن يتسلَّط على الخليقة، يُوسِّوس لها ويُضلها ويُغويها ويَستزلها؟ لِمَ؟

لِمَ أُلهِمت النفوس فجورها، كما أُلهِمت في الوقت عينه تقواها؟ لِمَ؟ لِمَ أوجد وأفنى؟ لِمَ أمات وأحيا؟ لِمَ أضحك وأبقى؟ لِمَ أغنى وأقنى؟ لِمَ منح ومنع؟ لِمَ منح؟ ولِمَ منع؟ لِمَ رفع؟ ولِمَ خفض؟ لِمَ أعز؟ ولِمَ أذل؟

لِمَ كان كل مكان؟ لِمَ؟ إنه سر القدر. أمور تقشعر لها الأبدان، بل تقشعر لها القلوب. إنه سر القدر! أما مَن آمن وسلَّم وكان في أمر دينه على حذر، فيكتفي بقوله – تبارك وتعالى – لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ۩، لا يحتكم المربوب على الرب بلِمَ؟ من أين لك أن تحتكم على صاحب الكل – لا إله إلا هو – بلِمَ؟ 

من طريف ما يروي الأئمة والعلماء، أن إمام أهل السُنة والجماعة في عصره، الإمام أبا إسحاق الإسفراييني – رحمه الله تعالى -، كان في مجلس الصاحب بن عباد، الوزير العباسي المشهور. وبين هما كذلك، إذ دخل علّامة وإمام أهل الاعتزال في عصره، القاضي عبد الجبّار الهمداني – رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.

وما أن دخل عبد الجبّار، حتى رمق الإسفراييني، وهو خصمه في العقيدة. هذا من أهل السُنة، وهذا من أهل الاعتزال، أي مُعتزلي. هذا إمام وهذا إمام، هذا إمام جماعته وهذا إمام فريقه وطائفته. وانظروا الآن إلى الذكاء والبلاغة والفصاحة وكيف تكون المُناظَرة بطريقة رياضية دقيقة، لا تعصب ولا تعابط فيها ولا مُكابَرة، إنما هو الذكاء والفصاحة والبيان، نسأل الله أن يفتح علينا فتوح العارفين به، وأن يُنقِذنا من غماء الجهالات، فأكثر ما ندفع من أكلاف بواهظ بسبب الجهالات، وبسبب غرور الجهلة، ويقين الجهلة، جهلاً مُركَّباً، قبل أن يكون جهلاً بسيطاً.

أول ما رمقه، قال عبد الجبّار سُبحان مَن تنزَّه عن الفحشاء. قال سُبحان مَن تنزَّه عن الفحشاء! فرد عليه الإسفراييني بقوله سُبحان مَن لا يقع في مُلكه إلا ما يشاء. فرد عبد الجبّار أيشاء ربنا أن يُعصى؟ فجاوبه أبو إسحاق أيُعصى ربنا قهراً؟ فثلَّث – وهي الآخرة – عبد الجبّار بالقول أرأيت إن منعني الهُدى وقضى علىّ بالردى، أحسن إلىّ في ذلك أم أساء؟ فقال أبو إسحاق – قدَّس الله سره الكريم – وهو إمام أهل السُنة والجماعة، قال إن منعك ما هو لك، فقد أساء. وإن منعك ما هو له، فــ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۩، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۩. فبُهت القاضي عبد الجبّار.

رضيَ الله عنهما، وأوسع مُدخَلهما، وطيَّب ذكرهما. أي المُعتزلي والسُني. كلهم ما راموا إلا الخير، وما راموا إلا أن يتعبَّدوا الله. وهذا ما انتهت إليه عقولهم واجتهاداتهم.

حين قال عبد الجبّار سُبحان مَن تنزَّه عن الفحشاء، كان يُعرِّض بأهل السُنة ويُعرِّض بأبي إسحاق إمام أهل السُنة، الذين يرون – وهذا اعتقاد أهل السُنة، وهذا اعتقادنا، ندين الله به، إن شاء الله – الآتي، هذا اعتقاد أهل السُنة والجماعة، وهم أعظم الطوائف الإسلامية عدداً، هذا معروف، أكبر طائفة إسلامية على الإطلاق أهل السُنة والجماعة، أي ربما الآن من مليار وثمانمائة مليون هناك على الأقل مليار ومائتا أو ثلاثمائة مليون، هم أهل السُنة والجماعة، مالكية وحنفية وشوافع وحنبلية، أعظم الطوائف! اعتقاد أهل السُنة والجماعة أنه لا يتحرَّك مُتحرِّك ولا يسكن ساكن ولا يقع شيء في الوجود إلا بإرادة الله، إلا بإذن الله، إلا بمشيئة الله. لأن حاشا لله أن يقع في كونه ما لا يشاء، إذن لكان رباً ماذا؟ مغلوباً. فهذ هو طبعاً، ما هذا الرب الذي تقع عنده أشياء لا يُريدها – يُريد ضدها، فيقع ضد ما يُريد -؟ إذن رب مقهور هذا، لكن الرب لا يكون كذلك. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۩، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ۩، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ۩، له المشيئة – لا إله إلا هو -، نعم!

وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّه ۩، عن السحرة، بِإِذْنِ اللَّه ۩، بمشيئته، لو لم يشأ، لم تقع المضرة. مُستحيل! الله لا يُغلَب، ومُغالِب الغلّاب مغلوب – لا إله إلا هو -!

في إضاءة هذه النُقطة وتنويرها، يُحكى الآتي عن قدري – أي من أهل القدر، الذين خالفوهم المُعتزِلة بعد ذلك، القدريون والمُعتزِلة في أشياء كثيرة، ويفترقون في شيء يسير، ولكنه خطير – مِمَن لا يقول بعموم المشيئة الإلهية للمكروهات والجرائم والمُحرَّمات. يقول لك هذه خارجة عن القدر. لا إله إلا الله! عجيب، أشياء تقع في الكون وهي غير مُقدَّرة؟ قال لك غير مُقدَّرة. فإذن لماذا؟ سوف نرى. لماذا؟ لماذا قالوا هذا وخالفوا ظواهر النصوص القرآنية؟ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ۩، الله يقول كل شيء مُقدَّر. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ۩، فكيف هذا إذن؟ القرآن واضح في أن كل شيء بقدر. قال لك لا، هناك أشياء غير مُقدَّرة، أشياء غير مُقدَّرة مثل الكفر، الفواحش، والمعاصي. كل ما لا يُحِبه الله ولا يرضاه غير مُقدَّر. أستغفر الله، أستغفر الله، انتقصوا من هيمنة الله، انتقصوا من سيادة الله في ربوبيته، في مُلكه وملكوته. وسوف نرى لماذا، ليسوا كفّاراً، لكن ضلوا الصواب وابتعدوا عنه، لأنهم أرادوا الخير، لكن ليس كل مَن أراد الخير أصابه. كما قال الإمام عليّ – عليه السلام -.

قدري جمعه سفر في سفينة، في عُرض البحر، بمجوسي. فقال القدري للمجوسي أسلم. أسلم، خيرٌ لك. أو أسلم، خيراً لك. أي يكن خيراً لك. قال له أسلم. فقال حتى يُريده الله. مجوسي خبيث، يعلم أن هذا ماذا؟ على مذهب أهل القدر. فيُريد أن يُعاضِله، يُريد أن يُعاضِله! قال القدري للمجوسي أسلم يا رجل. قال حتى يُريد الله. قال الله أراد – تبارك وتعالى -، ولكن الشيطان لم يُرد. قال آه – أي المجوسي -، أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان، وأنا مع أقواهما. إذن اتركني أعبد الشيطان.

قال أراد الله – أنت تقول أراد الله -، والشيطان لم يُرد، وأنا إلى الآن لم أُسلم. معناها أي الإرادتين نفدت؟ إرادة الشيطان! قال له فأنا مع أقواهما، حقيق بأن يكون إلهاً ورباً الشيطان، وليس الرب الخاص بك. أفحمه! المجوسي الكافر أفحم القدري المُسلِم، لأن قاعدة الاعتقاد عنده غير سليمة وغير دقيقة، هذا غير صحيح، ليس صحيحاً هذا!

ويُحكى أيضاً عن أعرابي – أعرابي لا علاقة له بالمذاهب والطوائف وخلافات المُتكلِّمين والاعتقاديين – أنه دخل مسجداً، فإذا حلقة لإمام أهل القدر في وقته عمرو بن عُبيد – رضيَ الله عنه وأرضاه -، وهو قدري كبير، ولكنه رجل زاهد وصادق وما إلى ذلك، أخطأ، طبيعي! يجب أن نتعلَّم التسامح مع المُسلِمين، لا أن نقول انتهى، هذا ليس من أهل السُنة، ومن ثم سنلعن ونذم ونسب و… عيب! لا يجوز، ضيق الصدر هذا أوردنا الموارد، أهلكنا، أهلك هذه الأمة ومزَّقها. قليلاً قليلاً من التواضع، قليلاً من الرحمة، كثيراً من التسامح، لكي يُمكِن التعايش والاحترام وحتى قيام التناظر الحقيقي.

أنا لا أرى الآن تقريباً في عالم المُسلِمين مُناظَرات حقيقية، لا تُوجَد مُناظَرات، يُوجَد تهجم وافتراء وكذب وبذاءة، أين التناظر؟ مثل مُناظَرة عبد الجبّار وأبي إسحاق الإسفراييني. أرأيتم كيف تكون المُناظَرة؟ انتهت كلها في أقل من دقيقة. كل واحد يفهم عن الآخر، ويفهم لوازم قوله التي يُلزِمه بها الآخر، فيضح ويُسفر وجه الحقيقة مُباشَرةً، بسرعة! لأنهم علماء أفذاذ، أبو إسحاق الإسفراييني هذا، أي هذا ليس أي كلام، وهذا عبد الجبّار، صاحب المُغني في أكثر من عشرين مُجلداً، هو يشرح عقيدته الاعتزالية في أكثر من عشرين مُجلداً! إمام كبير وبحر علم، أي عبد الجبّار – رحمة الله عليه -. 

عبد الجبّار عنده كتاب يدفع فيه عن القرآن المطاعن، وآخر يُثبِت فيه النبوة بدلائلها. كتابه عن القرآن – يقول الإمام الذهبي، وهو إمام أهل السُنة أيضاً في وقته – لم يُؤلِّف أحدٌ مثله. أعظم ما أُلِّف في الدفاع عن القرآن – قال – كتاب عبد الجبّار. المُعتزلي وليس السُني، الحمد لله، كلهم أبناء الإسلام، كلهم يُحامون ويذبون عن بيضة وحوزة الإسلام، فجزاهم الله جزاء شاكر، جزاهم الله جزاء شاكر ونفع بهم الأول والآخر.

نعود يا إخواني، إذن قضية عمرو بن عُبيد. دخل هذا الأعرابي، وقال يا أيها الناس ادعوا الله لي أن يرد علىّ ناقتي. أتي هذا المسكين من عُمق الصحراء، يتبضع ويمتار، وسُرقت ناقته. فرفع إمام الجالسين عمرو بن عُبيد، وهو الرجل الصالح الزاهد العلّامة القدري الكبير، يديه، وقال اللهم إن عبدك هذا قد سُرقت ناقته، ولم تُرد – أي أنت – أن تُسرَق، اللهم فردها عليه. لم يُكمِل حتى  قال الأعرابي من فوره، وهو أعرابي من البادية، قال الآن ضاعت ناقتي، وآيست من وجدانها، لا حاجة لي بدعائك. قال لك انتهى، اسكت، اسكت، اسكت، ضاعت الناقة، ضاعت. الأعرابي! انظر إلى الذكاء الفطري، هذا الذكاء الفطري.

عمرو بن عُبيد لم يتجه له، قال وكيف؟ قال له أنت بحسب قولك لم يُرد الله أن تُسرق وسُرقت، فما الذي يضمن لي أنه يُريد أن تعود فتعود؟ وأنا لا أقدر! أي هو لم يُرد ووقعت السرقة، فإذن معناها عادي أنه يُريد أن تعود ولن تعود، فواضح أنك تعبد إلهاً يُغلَب على أمره.

ولذلك حين قال عبد الجبّار أيشاء ربنا أن يُعصى؟ رد أبو إسحاق أيُعصى ربنا قهراً؟ إذن حتى المعاصي تقع بمشيئة الله، أكيد! وكما قلت في خُطبة تفليس مُحامي إبليس هل قتل الأنبياء وقع غصباً عن الله؟ قال – عز من قائل – مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ۩ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ۩. هذا القرآن، لمَن يفقه القرآن. مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ۩، بمعنى ماذا؟ أي الله يقول لو اجتمع الكفّار من عند آخرهم ومن أقطارها حُشروا وحُشدوا، ليُضلوا عبداً الله لا يُريده إضلاله، لن يُضلوه. لكن عبداً يُريد الضلالة لنفسه والله أذن بها – لأنه يُريد، أي هو يُريد الضلالة، ليس صادق النية، ولذا الله سمح بهذا -، يُضل. ولكن الكلام في عبد يُريد الهداية، عبد صادق النية، واجتمع شياطين الإنس والجن على إضلاله، هل يُضلونه غصباً عن الله؟ أبداً. الله يقول مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ ۩، الضمير في عَلَيْهِ ۩، عائد إلى الله – عز وجل -، ما أنتم على الله بفاتنين أحداً. لا تستطيعون هذا، أنتم أعجز من أن تفتنوا بشراً واحداً أو امرأ واحداً، إلا بإذن الله. هذا القرآن، القرآن! عُمق العقيدة كله في القرآن، ولكنه يحتاج إلى تدبر وإلى فهم، يحتاج إلى تدبر وإلى فهم!

أعتقد هذه المُقدِّمة أنارت لنا شطر الموضوع، لكن هذا الشطر يتعلَّق بماذا يا إخواني؟ هذا الشطر يتعلَّق بأفعالنا التي لنا فيها مُدخلية – أن نهتدي، أن نضل، أن نُطيع، أن نعصي، أن نُؤمِن، أن نكفر – وعلاقة أفعال الله بها. هناك نوع آخر في سر القدر، وهكذا يكتمل الموضوع ونفهم ما هو سر القدر، لا نفهم السر، وإنما نتصوَّر المسألة، هذه ليس معناها كذلك، فلا يُفهَم سر القدر، لا أحد يعرف سر القدر، ولا الأنبياء ولا الملائكة، لا يعرفه لا جبريل ولا ميكال ولا محمد ولا موسى ولا عيسى.

قال الإمام الطحاوي في عقيدته والأصل في القدر أنه سر الله. لم يطلع عليه ملك مُقرَّب ولا نبي مُرسَل. ونحن سوف نقول لماذا ببساطة، وسوف نفهم ونُسلِّم بأن فعلاً طبيعة القدر أن يكون كذلك، طبيعته أن يكون كذلك! سوف نفهم بكلمة بسيطة جداً جداً يا إخواني. 

نعم، لم يطلع عليه ملك مُقرَّب ولا نبي مُرسَل. والتعمق والغوص فيه مدرجة الخذلان وسلم الحرمان. لأن الله – تبارك وتعالى – نهانا عن مُرامه، أي أن نرومه ونتطلبه، لكي نقع عليه. لن نقع، سنضل، سنزداد تيهاً وحيرة. لكن لماذا كان الأمر على هذه الشاكلة؟ ببساطة – ببساطة شديدة – لأن أين التراب من رب الأرباب؟ أين المربوب من الرب؟ أين الإنسان من خالق الإنسان؟

هناك ابنك الصغير، هذا ابن ثلاث سنوات، وأنت الآن أستاذ في الجامعة، تُدرِّس الرياضيات العالية. هناك نوع أو فرع من الرياضيات نشأ قبل أو من أقل من حوالي رُبع قرن، فقط هذا طُور – أي هذا النوع – لدراسة نظريات كوزمولوجية، وخاصة الــ Superstring theories، أي نظريات الأوتار الفائقة. في وقته كان في العالم كله لا يستطيع التعاطي مع هذا النوع من الرياضيات إلا علماء على أصابع اليدين، أقل من عشرة، في العالم كله! شيء مُعقَّد جداً جداً جداً، بحيث قيل رياضيات النسبية الخاصة بأينشتاين Einstein تُعتبَر لُعب أطفال صغار بالنسبة هذه الرياضيات.

إذن أنت الآن أستاذ أحد هؤلاء الأساتيذ دون العشرة، تُدرِّس هذا الفرع لطلّاب ما بعد الدكتوراة. هل ابنك هذا يفهم شيئاً في هذا الباب؟ وهل يُمكِن تفهيمه شيء في هذا الباب أصلاً؟ مُستحيل. هل يُمكِن تفهيم ابنك أي شيء في هذا الباب؟ مُستحيل. مع أنه بشر! وكما قلت مرة في خُطبة قديمة الفجوة المعرفية العلمية بينك وبينه تسدها سنوات معدودات. هو ابن ثلاث سنوات، وربما بعد ثلاث عشرة سنة فقط – حين يُصبِح ابن ست عشرة سنة – يفهم ما تفهم، وربما يتفوَّق عليك.

هناك شاب عراقي عبقري، وكم ذا بالعراق من عباقرة حقيقةً! وهذا في بلاد الإسلام عموماً، ولكن هناك بلد تميزت تاريخياً، مثل مصر والعراق والشام والأندلس، فيها شيء! لأنها مواطن حضارة، هذه كانت حواضر كبيرة. فمثلاً فلسطين لم تتميَّز هذا التميز، لم يخرج من القدس عباقرة مثل عباقرة الشام ومصر، لأنها ليس حاضرة كبيرة، لم تكن عاصمة خلافة في يوم من الأيام، وهذه أمور اجتماعية.

المُهِم أن هذا الشاب العبقري أعتقد أنه في السويد أو هولندا، حل مُعادَلة رياضية لم تُحل من أربعمائة سنة. نعم، نعم! والعالم كله يتحدَّث عنه، ابن ست عشرة سنة، في الصف الأول الثانوي، شاب عراقي لطيف، شيء مُذهِل، عبقرية مُذهِلة، يحصل! إذن مُمكِن في ثلاث عشرة سنة أن تُسَد الفجوة العلمية المعرفية بينك يا بروفيسور Professor، وبين ابنك، ابن ثلاث سنوات.

لكن في كم سنة ترون ستُسَد الفجوة العلمية بين الرب وبين المربوب، بين خالق الأكوان وبين الإنسان الذي هو على الأرض إنسان، لا ملك ولا رب؟ والأرض، معناها ماذا إذن؟ معناها أنها حبة التراب التائهة في الكون. في الكون هذا، وليس في السماوات السبع، في الكون الذي نُحاوِل نحن أن ندرسه. وهذا ليس بشيء، مُستحيل! 

النملة الآن لو مكثت تُعلِّمها مليار سنة، لكي تحذق نسبية أينشتاين Einstein أو تفسير كوبنهاجن Copenhagen لفيزياء الكون، هل يُمكِن أن تنجح مع النملة؟ مُستحيل. كذلك لن تنجح مهما ظننت نفسك عبقرياً وذكياً وأستاذاً كبيراً لوذعياً، ما خُلق مثلك، أن تفهم الحكمة النهائية الأقصوية – أي الــ Ultimate – لقدر الله. تفهم أشياء دون ذلك كثيرة، لماذا خلقنا الله؟ لكي نعبده. ليس هذا الجواب النهائي! هذا جواب يتناسب مع مقامنا الآن، أنتم وُجدتم وكُلفتم وآمنتم به وبرسوله، ماذا يطلب منكم؟ أن تتحققوا بالعبودية. لكن لماذا؟ تقول هذا صحيح، قبلنا وآمنا بهذا. لكن لماذا؟ لماذا يُريدنا أن نتحقق بالعبودية وهو الغني عنا؟ ستُجاب بجوابات أُخرى. سيتسلسل الجواب، ستقول لماذا خلقنا أصلاً وهو الغني عنا، وكان قبل أن نكون؟ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ۩، الأول بلا أولية والآخر بلا آخرية، لأن أوليته وآخريته ليسا محكومين بماذا؟ بالزمان. هو غير مُتزمِّن، لا إله إلا هو! هو خالق الأزمان، شيء مُخيف، لا إله إلا الله. سُبحانك لا إله إلا أنت إنا كنا من الظالمين.

هل هذا واضح؟ وهكذا يتسلسل السؤال، ثم تنقطع. لا يُوجَد جواب، ولا تعرف لماذا، لا تعرف! ولذلك حتى مذهب الأشاعرة، أهل السُنة والجماعة، أن أفعال الله أصلاً – طبعاً القدرية، أمات وأحيا وخلق وأفنى وكذا، إلى آخره – لا تُعلَّل. وفعلاً حين تذهب مع الأمر إلى آخر الشوط، تجد أنها لا تُعلَّل. عند آخر علة تأتيني بها، سأسألك ولِمَ؟ لِمَ أراد الأمر على هذا النحو، وهو الغني عنه، مُبتدأً ومُنتهىً؟ سيُسقط في يدك، تُفلِس، أليس كذلك؟ إذن سلِّم، سلِّم! لا إله إلا هو.

ولذلك وجدنا هذا، فانظر. الرُكن السادس للإيمان ما هو؟ الإيمان بالقدر، خيره وشره. تُؤمِن أن الله قدَّر، وهذه ليس معناها أنه جبر، لا! وليس معناها أنه أمر، فالله لا يأمر إلا بماذا؟ إلا بالخير. لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۩، الله لا يأمر بالفحشاء ولا بالقتل ولا بالكفر، لا! لكنه قدَّر، أذن وشاء، أن يقع في الكون كل ما يقع فيه، فلا يقع شيء إلا بإذنه وعن إذنه – لا إله إلا هو -. هل هذا واضح يا إخواني؟

سلِّم بهذا، سواء أعجبك أو لم يُعجِبك، وسواء فهمته أو لم تفهمه. وطبعاً يُمكِن أن تفترض افتراضات كثيرة، تصدق في موارد كثيرة، في مصاديق عديدة. ولكنها في مصاديق أُخرى لا تصدق. تصدق ويُمكِن أن يُورَد عليها إشكال أيضاً، يمنع تعميمها. وسأضرب مثالاً.

هنتك شاب في الثانوية العامة، ونحن الآن – ما شاء الله – ظهرت نتائج الثانوية عندنا، منّ الله بالنجاح على كل أبنائنا وبناتنا. هناك شاب في الثانوية العامة، التي يُؤمِّل على النجاح فيها الشيء الكثير، أي هذا مُستقبَله تقريبا! وهو ذكي. ذكاؤه فوق المُتوسِّط، بل قريب من الفائق، واجتهد، وسهر، ولغب، وتعب. ثم جاء وامتُحن، فرسب، أو أتى بمجموع مُتدنٍ، لم يُؤهله أن يدرس الطب الذي أحب أن يدرسه وأهله. فأهله أحبوا أيضاً ماذا؟ أن يدرس الطب.

قد يسخط، قد يحزن، قد يبتئس. وخاصة حين يرى أن زميله الكسول المُتلاعِب اللاهي، مُتدني الذكاء تقريباً – ليس فائق الذكاء -، والذي لم يدرس، ولم يتعب، أتى بمجموع أعلى منه. فيبدأ يتساءل!

قد يقول لي أحدكم طبعاً يُمكِن أن تكون هناك حكم كثيرة يفرضها العقل. هناك حكم كثيرة يفرضها العقل! فيفرض العقل أن هذا الشاب حصل على المجموع الذي يُريده، ودخل الطب، وتخصص في إحدى تخصصات الجراحة، وبعد عشر أو خمس عشرة سنة أخطأ خطأً فادحاً، بسبب إمعانه في السهر، فزُج به في السجن خمس سنوات. طلبت زوجته الطلاق. أولاده أصبحوا شبه أيتام، تعاطوا المُخدرات. دُمر بالكامل! سيقول كذا وكذا في تلك الساعة التي دخلت فيها الطب. أليس كذلك؟

ويُمكِن أن يحدث العكس، أنه لم يتمكَّن من دخول الطب، وهذا الذي وقع، فدخل – مثلاً – المعلوماتية. أصبح مُهندِساً في هذا الباب، ووظفته شركة في الخليج أو حتى في أي دولة غربية مُتقدِّمة، بمُرتب قريب من ثلاثين ألف دولار، شهرياً! تزوَّج أحسن البنات وأحسن النساء كما يُقال.

عنده حياة رغيدة رخية مُمتازة، دائماً سيبقى أمامه هذا الهول والروع: أوه، ويل، ويلي، بل ويلاتي، لو كنت نجحت بمجموع عالٍ، ودخلت الطب! لكنت كالمُعثَّر البائس، الدكتور فلان، الذي يعيش – أي هذا المسكين – على تخوم الفقر، بألفين وستمائة يورو، كمُرتب شهري. وعنده مشاكل، ولا يقدر على أن يعمل شيئاً، ولا يقدر على أن ينبي بيتاً كالناس. وأنا عندي قصور – وربما عنده يخت -. فكيف أتى كل هذا؟ بسبب ماذا؟ المجموع المُتدني لطالب ذكي. فلك الحمد يا رب. نعم، هذا هو.

وكذلك إنسان عاش بذكاء واطئ، عاش بذكاء واطئ! فهو يتحسَّر ليله ونهاره على ماذا؟ على ذكائه الواطئ. لِمَ لَمْ أُمنح ولَمْ أصب حظاً من الذكاء كفلان العبقري اللوذعي – زميلي أو ابن عمي، وربما أخي وشقيقي -؟ وأيضاً تمكَّن بهذا الذكاء من إحراز أعظم الوظائف والأعمال في المُجتمَع. ذو حيثية اجتماعية، دخل عالٍ راف، حياة باذخة. وأنا مسكين!

العقل يقول ما أدراك، أنك وأنت الشخص ذو الطبيعة الثائرة المُتمرِّدة، لو أوتيت ذكاءً أعلى مما أوتيت، لقادك هذا الذكاء – الأعلى مما أوتيت، هو ليس ذكاء عباقرة، لا! يُمكِن حتى أن يكون ذكاءً قريباً من الفائق، وليس بفائق – إلى الإلحاد؟ تعاطيت مع نظريات وفلسفات، ترى أنك تستطيع بها الفهم، فقادتك إلى الإلحاد، كما تقود الآن كثيراً من الناس ذكاءاتهم وأبحاثهم ودراساتهم إلى ماذا؟ إلى الإلحاد. تقول لا يُوجَد إله، لا تُوجَد أديان، لا تُوجَد رُسل. وتموت كافراً مُلحِداً! وبهذا الذكاء الواطئ عشت ومت مُؤمِناً مُسلِّماً، وستدخل الجنة.

هذا الكلام كله صحيح وسليم، ولكن تُورد عليه إيرادات، لا جواب عنها، فنعود إلى مُعضلة سر القدر، ونُسلِّم. مثل ماذا؟ سيقول لك الذكي افترضته وأنه بذكائه ألحد وكفر ومات كافراً ودخل النار، فلِمَ لَمْ يرحمني ربك، فيُعطيني مُنذ البداية ذكاءً واطئاً، لكي أُخلَّد في النعيم؟ تسكت. أليس كذلك؟ لا تستطيع الرد، لا يُوجَد جواب، لأن الأمر لله.

ومن هنا يا أحبابي، يا إخواني أهمية ما نقول، هذا سر القدر! أي واحد يقول لك لا، القدر – أي سر القدر – مسألته مسألة سهلة ومحلولة، وأنا أعيها. هو إنسان جاهل، هذا لا يعرف شيئاً، وهذا ليس مُحقِّقاً على فكرة، وليس عنده أي عُمق روحي ولا أي عُمق حتى كلامي عقدي ثيولوجي. المسألة مُعقَّدة! النبي قال لك هذا سر القدر. الصحابة، الأئمة، والعرفاء الكبار، قالوا لك هذا سر كبير، لا يُمكِن الغوص عليه، لا يُمكِن كشف الستر عنه. لا إله إلا الله! لأن البشر بطبعه عاجز عن ذلك. حين يصير لدينا علم مثل علم الإله، يُمكِن حينئذ أن نفهم. وعلى فكرة حتى العلم ليس كافياً، حتى لو لديك علم مثل علم الإله، هو غير كافٍ. يجب أيضاً أن تحتاز رحمة ولُطفاً مثل لُطف الإله ورحمته، وحكمة كحكمة الإله. يُمكِن أن يكون هناك ذكاء فائق للكون وهو شرير، ذكاء قاسٍ، أليس كذلك؟ هناك بشر هكذا، هناك بشر تجد الواحد منهم ذكياً وعبقرياً، ولكنه قاسٍ، قاسٍ حتى على أبنائه، يُضيِّعهم! وعلى أزواجه، عنده قسوة. وواحد آخر في ذكائه أو أقل، رحيم رهيف لطيف جداً وحنون، فالمسألة ليست مسألة علم فقط، فانتبه! علم مع رحمة ولُطف وحكمة، قصة! إنها قصة الربوبية، لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، أي والله، ومرة أُخرى سُبحانك إنا كنا من الظالمين، نستغفر الله لكل جهلنا ولكل غرورنا وتنطعنا وانتفاخنا. حالات تُصيب بالذات الأذكياء من البشر والمُتسائلين، ويبدأون يحكمون على ربهم بلِمَ ولِمَ ولِمَ ولماذا؟

انظر إلى الأئمة الكبار طبعاً، الذين جمعوا العرفان مع العلم مع العقل المُتزِن مع حكمة الحكماء. سُبحان الله! في الوقت الذي لا يزالون يُؤكِّدون إيمانهم بالله وبأقداره وأقضيته – لا إله إلا هو -، لم يزالوا أيضاً يشيرون إلى ماذا؟ إلى قضية سر القدر وما ينبغي إزاءها، وإلى المُفارَقات التي يُنتجها قدر الله وقضاؤه في خلقه. مُفارَقات عجيبة!

إمامنا الشافعي – ربما، وربما أكون مُبالَغاً، ولكن أنا وجدته أكثر مَن فعل هذا، إمام هذا، هذا إمام! أحد الأئمة الكبار، ليس له نظير – دائماً كان يُشير إلى هذه المُفارَقات، وهذه كانت مُفارَقات عجيبة، ولكن هو يُسلِّم، لا يسخط. تماماً كتلك أو كتلكم وتلكن المُفارَقات التي يُشير إليها العامي من الناس اليوم. يقول لك “يعطي الفول للي مالوش أسنان”. مُفارَقة قدرية! يا أخي أنا عندي أسنان، وأُريد الطعام، لأنني جائع. لكن لا يُوجَد، لا يُوجَد فول! ولكن هو شبعان، ولا يحتاج الفول، وليس عنده أسنان أيضاً، أي لن يستفيد منه، وعنده أكياس فول. هذا القول صح غلط.

صح طبعاً، لأن هذا يحصل، موجود! هو بلا أسنان وعنده فول. أي هل هو كذب على الله؟ لم يكذب. وغلط، إذا كان يُريد به ماذا؟ التشغيب على حكمة الله. أي لماذا تعمل هذا يا رب؟ غلط، وقعنا في الكفر. انتبه! صح، أن هذا يقع، أليس كذلك؟ وماذا يقول إمامنا الشافعي؟

فإذا سمعت بأن مجدوداً حوى                           عوداً، فأثمر في يديه فصدقِ.

قال واحد مجدود – وما معنى أنه مجدود؟ محظوظ، أي Lucky man، محظوظ – أتى بعود (عود ميت)، ومسكه هكذا، وسُبحان الله، حطه في الأرض وزرعه، فخرجت دوحة عظيمة، فاستفاد منها. قال صدِّق، يقع هذا، يقع.

أنا مرة سمعت الآتي من رجل يتحدَّث عن عم زوجته. أعرف الاثنين طبعاً، والتقيت بالاثنين، والأول طبعاً صديقي، أي صديق عمر. والثاني هذا رجل لم يتعلَّم تعليماً عالياً، أي بالكاد عنده شهادة التوجيهي أو الثانوية العامة. وهو مليونير، مليونير كبير كبير كبير. قال لي يا فلان هذا الرجل عجيب – عم زوجته -. قلت له كيف؟ قال لي لو وضع يده هكذا على التراب أو على الحائط، يتحوَّل ذهباً. قال لي غير معقول، كل موضوع يلمسه، ينجح معه ويأتي من خلاله بالملايين. محظوظ! فالشافعي يعرف هذه الحالة، يعرف! وهذا الإنسان ذكاؤه عادي، أنهى فقط الثانوية، وليس عنده حتى دراسات أو دكتوراة في الاقتصاد والاستثمار، ليس عنده كل هذا، ولكن هناك ملايين الملايين. 

وأنا رأيت هكذا – أي عموماً، هذه حالة، بعض الناس أرادها أن تكون قاعدة – أن السعيد بالغنى هم الأغبياء البُلداء، الأذكياء محرومون. وابن الراوندي المُلحِد ماذا قال؟ قال:

كم عالم عالم أعيت مذاهبه                            وجاهل جاهل تلقاه مرزوقاً!

قال كم عالم عالم أعيت مذاهبه! هو عالم، عالم وهو مسكين، لا يعرف كيف يعيش، لا يجد الخبر. قال، عيّ برزقه.

كم عالم عالم أعيت مذاهبه                            وجاهل جاهل تلقاه مرزوقاً!
هذا الذي ترك الألباب حائرةً                         وصيَّر العالم النحرير زنديقاً.

قال نحن كفرنا لهذا السبب. غبي! هذا كان يحتاج إلى أن يدرس مذهب أهل السُنة والجماعة، وكان يحتاج إلى أن يقرأ القرآن جيداً، لكي يتعامل مع الرب – لا إله إلا هو -. هذا الرب ليس صديقاً يا حبيبي، ليس بشراً مثلك تفهم عنه بمُعادَلاتك خطية. يا رجل حتى العالم الفيزيائي الآن ما عاد يُفهَم خطياً! أليس كذلك؟ عندنا الــ Chaos، هذا هو! واسأل أي واحد فيزيائي يفهم ما معنى هذا. جوهر من جواهر الفيزياء الــ Chaos، نظرية الفوضى! العالم المادي لا يُفهَم خطياً، وبعد ذلك عُد إلى فيزياء الكم، عُد إلى ميكانيا الكم، أي الــ Quantum mechanics. لا يُوجَد شيء خطي، حتى المنطق العادي والــ Common sense لا يشتغل هناك، فهل تُريد أن تتعامل مع ربك بمنطق خطي، وتقول واحد زائد واحد، يُساويان اثنين. وإذا لم أفهم، فسوف أكبر بك وأتزندق؟ 

قال:

هذا الذي ترك الألباب حائرةً                         وصيَّر العالم النحرير زنديقاً.

والله هذا ليس عالماً نحريراً، وليس بشيء. أهبل! أهبل هو ولا يفهم القضية. قال وصيَّر العالم النحرير زنديقاً!

تعرفون بشّار بن بُرد، وهو رُميَ بالزندقة طبعاً، مع أنه لم يُقتَل حقيقةً هكذا، قُتل باسم الزندقة، ولكنه قُتل سياسةً، ومعروفة قضيته. ولكن عنده تزندقات في شعره، ومن تزندقاته أيضاً ما أشبه كلام ابن الراوندي. فماذا يقول بشّار بن بُرد الأعمى – كانوا يُسمونه بشّار الأعمى، يقولون بشّار الأعمى. لأن الله أعمى بصيرته أيضاً في أشياء كثيرة -؟ كان يقول:

لما رأيت الحظ حظ الجاهلِ                           ولم أر المحروم غير العاقلِ.
شربتُ عشراً من كروم (بابل)                        فبت من عقلى على مراحلِ.

شعر! والله شاعر، يقشعر البدن، ما هذا الشاعر؟ شاعر زنديق، ولكن هذا شعر، شعر فعلاً، شعر! 

يقول لما رأيت الحظ حظ الجاهلِ. الجاهل دائماً عنده قصور ونسوان وجواري وما إلى ذلك، أي وضعه مُمتاز يا أخي. والعالم الذكي الفيلسوف “ماكل هوا”، مسكين!

أبو الطيب قال:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله                   وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.

الكل يشكو من هذا، والشافعي الآن سوف ترى شعره، الشافعي شعره أروع من هذا، من حيث المعنى، وليس من حيث النظم القصيدي، لا! بشّار هو الأروع هنا.

لما رأيت الحظ حظ الجاهلِ                           ولم أر المحروم غير العاقلِ.
شربتُ عشراً من كروم (بابل)                        فبت من عقلى على مراحلِ.

شربتُ عشراً من كروم (بابل)، أي الخمر، فبت من عقلى على مراحلِ. الأحسن ألا أُفكِّر، لأنني إذا فكَّرت، فسوف أكفر. أي هكذا هو يقول! الأحسن ألا أُفكِّر، لأنني إذا فكَّرت، فسوف أُجن أو أكفر. وأنا أُريد ألا أكفر، وإلا سوف تُقطَع عُنقي. لأنهم كانوا يقتلون المُرتدين.

ونرجع إلى إمامنا الشافعي، يقول:

فإذا سمعت بأن مجدوداً حوى                           عوداً، فأثمر في يديه فصدقِ.
وإذا سمعت بأن محروماً أتى                            ماءً؛ ليشربه، فغاص، فحققِ.
ولو كان بالحيل الغنى، لوجدتني                    بأقصى نجوم أقطار السماء تعلقِ.
لكن مَن رُزق الحجى، حُرم الغنى                          ضدان مُتفرقان، أي تفرقِ.

انظر إلى هذا، انظر إلى الشافعي – رضوان الله عليه -. قد تقول لي أهذا الشافعي؟ هذا الشافعي. الشافعي شاعر عظيم، مع أنه تقريباً قال لك أنا لا أُريد أن أقول الشعر، أنا أقول الفقه والعلم والدين. ولكن لو أردت أن أقول الشعر، لفعلت. قال:

ولولا الشعر بالعلماء يزري                                 لكنت اليوم أشعر من لبيد.

تعرفون – قال – لبيد بن العامري؟ هذا صاحب المُعلَّقة، يُمكنني أن أكون اليوم أشعر منه. لبيد ما الذي منعه من قول الشعر؟ وفعلاً على مُستواي الشخصي – مع أنني لست مُمعِناً في الآداب والأشعار، أي لا أُعطيها كثيراً من وقتي – أقول إن أكثر مُعلَّقة أعجتني؛ مُعلَّقة لبيد بن ربيعة العامري.

عفت الديار محلها فمُقامها                                بمنى تأبد غولها فرجامُها.
فمدافع الريان عرّي رسمها                          خلقاً كما ضمن الوحي سلامها.

شيء عجيب، شيء عجيب! ما هذا الشاعر؟ ما هذه المُصيبة؟ منعه إسلامه، لما سمع القرآن، قال لك لا، لا للشعر الآن. شعر ماذا؟ وكلام فارغ ماذا؟ القرآن صعقه، بالبلاغة والبيان والفحولة والجزالة والجمال والجامعية والهيمنة. شيء عجيب! ما عاد يقول الشعر. والشافعي يقول هذا!

ولولا الشعر بالعلماء يزري                                 لكنت اليوم أشعر من لبيد.

ويختم المقطوعة العجيبة هذه، يقول ضدان مُتفرقان، أي تفرقِ.

الغنى لا يجتمع مع الحجى. ذكي؟ معناها أنك فقير. غني؟ معناها أنك غبي. وهذه ليس معناها أن كل غبي غني، ولكن إذا كنت غنياً، فأكيد أنت لست ذكياً كثيراً. ولكن طبعاً هذه مُبالَغة، هناك أغنياء أذكياء جداً، ولكنهم قلة. ومُعظَم الأذكياء ليسوا أغنياء، مساكين! قال لك هذا مُلاحَظ يا أخي، فما الذي يحدث؟

ومن الدليل على القضاء وحُكمه                 بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمقِ.

قال لك هذا هو أيضاً. فإذن هذه المسألة مطروقة دائماً، يطرقها الأئمة، يطرقها العُرفاء الكبار، العارفون بالله! موجودة. تنتمي إلى ماذا؟ تنتمي إلى سر القدر.

بقيت فضلة يسيرة، نوردها في شكل حكايات وقصص واقعية، تُجلي لنا أيضاً ماذا؟ شيئاً عن هذه المُعضِلة، التي ستبقى كما كانت أبداً، مُعضِلة! 

ولذلك نحن نعتصم بالله وبإيماننا، بالرُكن السادس من الإيمان، نُؤمِن بالقدر خيره وشره، من الله. ولا إله إلا الله، وحده لا شريك له.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المُبارَكين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، إخواني وأخواتي:

ورد في حديث أخرجه الطبراني – كما أذكر، ولم أُراجِعه -، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – يقول الله – تبارك وتعالى، حديث قدسي إلهي جليل – إن من عبادي مَن لا يُصلِحه إلا الفقر، ولو أغنيته، لأفسده ذلك. وإن من عبادي مَن لا يُصلِحه إلا الغنى، ولو أفقرته، لأفسده ذلك. وذكر مثل هذا في الصحة والسقم وأشياء أُخر. 

إني أُدبِّر عبادي – ختم فقال هذا – بعلمي، وأنا الحكيم الخبير. اتركوا أمر تدبير العباد وقَسم الأرزاق والحظوظ لي، هذا شأني. أليس كذلك؟ قال إن منعك ما هو لك، فقد أساء. وإن منعك ما هو له، فــ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۩. أنت المربوب، أنت الصنعة، أنت! أنت الفخارة، أليس كذلك؟ وهو الطيّان، هو الخالق، لا إله إلا هو! مَن يحتكم على مَن؟ هو، وهو حُر، لا إله إلا هو! لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ۩، وهو هو! 

أمنك من أمرين، فانتبه، الرب أمننا من أمرين: 

أمنك من العبث. قال لا يُوجَد عبث، هناك حكمة، حكمة قاضية مُهيمنة على كل الأمر. أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ۩، أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ۩، قال لا يُوجَد الكلام هذا. أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ۩. تُوجَد حكمة، تُوجَد حكمة! حكمة لا تُفرِّق بين المُتماثِلين ولا تجمع بين المُتخالِفين، ولكن مَن يُدرِكها؟ صاحبها، لا إله إلا هو! لأنها بقدرها، ولكنها ليست بقدرنا، صعب. وأمنك من الظلم. فانتبه إذن، من الظلم! 

ففي الأخير سوف تقول نعم، أرضى بشكلي، بمنظري، بذكائي، بغبائي، بوضعي الاجتماعي، بسجوني الأربعة – بلُغة عليّ شريعتي – أياً كانت! سجن الاجتماع، سجن التاريخ والجغرافيا، سجن الأيديولوجيا Ideology والميراث والتقاليد، كل السجون! بكل سجونك، بكل مشروطياتك – بتعبيري -، بكل مشروطياتك! لا تخف، في الآخرة لن تُظلَم، لن تُظلَم! لا تقل لا، لم يُعطني ذكاء هذا وسيُحاسِبني مثله. مَن قال لك إنه سيُحاسِبك مثلما سيُحاسِبه؟ لا. لا تقل وضعني في ظروف جرتني إلى المعصية والإجرام، وحتى إلى القتل والفاحشة. أيضاً لا تخف، محطوطة في الميزان، وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ۩.

ولذلك حساب العالم يوم القيامة ليس كحساب الجاهل. واحد كان لا يعرف وواحد كان يعرف جيداً، أليس كذلك؟ هذا هو! تماماً كما قال الأول وظلم ذوي القُربى أشد مضاضة. فإذن لماذا؟ لأن الحديث عن ذوي القُربى، هذا قريبي، يعرفني ويعرف أيادي البيضاء عليه ويعرف كل ما يتعلّق بي، ويظلمني! حين يظلمني ذاك البعيد ويتجهمني، أقول نعم، هذا مُمكِن، لأنه لا يعرفني، يظنني مُفسِداً مُخرِّباً ظالماً مدسوساً زنديقاً. أليس كذلك؟ فهو يبتغي بظُلمه إياي مصلحة الدين والوطن، يُمكِن أن يكون عنده عُذر. ولكن أنت قريبي، أخي، فكيف تظلمني؟ صعبة كثيراً.

والشيء نفسه هنا، مَن علم ليس كمَن لم يعلم. ولذلك يُبدأ يوم القيامة بحساب العلماء، تخيَّل! أول ما تُؤجج جهنم بالعلماء. اللهم لا تجعلنا منهم، اللهم لا يسعد به غيرنا ونشقى به نحن. مُصيبة! أُقسِم بالله، العلماء! علماء الدين بالذات، ويُقال لهم ليس مَن علم كمَن لم يعلم. كنتم تعرفون! حين يعمل الأُمي المعصية، حين يشهد الأُمي بالباطل، حين يفعل الأُمي كذا، وحين يفعل الأُمي كذا، يُقال هذا أُمي، سوف نؤاخذه على قدر معرفته الأُمية، ولكن أنت عالم، تأمر الناس بالمعروف ولا تأتيته، وتنهاهم عن المُنكَر وتأتيته. في حديث أُسامة بن زيد، معروف هذا الحديث المُخيف في الصحيح. 

هو هذا، عدل! إذن أمنك من ماذا؟ أن يكون عابثاً – لا إله إلا هو – لاعباً. قال لك وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ۩  مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۩. هذا ليس لعباً، لا يُوجَد لعب، لا يُوجَد عبث، لا يُوجَد سدى. وأمنك من الظلم، قال لك لن أظلمك. انتهى! أنت تستريح كمُؤمِن، وتقول الحمد لله، لا يهمني أن أعرف سر القدر وما إلى ذلك، أنا لن أظلم، إذن أجتهد، أجتهد وأبغي لنفسي الخير. قالوا يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل؟ لما قال لهم إن كل شيء فُرغ منه، كل شيء عند الله واضح ومعروف أين هو. ولكن هذا لا يعني أننا مجبورون على أن نفعل ما سنفعل أبداً أبداً. هذا طبيعي، ونحن قلنا هذه عدة مرات. فيا رسول الله – قالوا – أفلا ندع العمل ونتكل؟ إذا كان الأمر كذلك – إذا كل شيء فُرغ منه -، فانتهى إذن ونقعد؟ قال لا، بل اعملوا، كلٌ مُيسَّر لما خُلق له. فمَن كان من أهل السعادة – اللهم اجعلنا منهم بفضلك ومنّك -، فسيُيسَّر لعمل أهل السعادة. ومَن كان من أهل الشقاوة، فسيُيسَّر لعمل أهل الشقاوة. 

يقول إمامنا مرة أُخرى أيضاً أبو عبد الله الشافعي – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، وما أحسن ما قال! وقد أحسن ما شاء، يقول – رحمة الله عليه -:

ما شئت كان وإن لم أشأ                           وما شئت إن لم تشأ لم يكن.
خلقت العباد لما قد علمت                      ففي العلم يجري الفتى والمُسِنْ.

أي المُسِنّ.

ففي العلم، في علم الله، يجري الفتى والمُسِنْ. طبعاً والعالم والجاهل والكافر والمُؤمِن، الكل يجري في علم الله، لا أحد ولا شيء يخرج عن علم الله. نعم! ففي العلم يجري الفتى والمُسِنْ.

وبعد ذلك يقول ماذا؟

فمنهم شقي ومنهم سعيد                              ومنهم قبيح ومنهم حسن.

هناك مَن هو شقي، وهناك مَن هو سعيد، وهناك مَن هو قبيح، وهناك مَن هو حسن!

على ذا مننت، وهذا خذلت                             وذلك أعنت، وذا لم تعن.

إذن هذا هو علم الله، هذا قدر الله النافذ في الخليقة من عند آخرها يا إخواني وأخواتي.

يحدث أحياناً الآتي، وقد حدث في هذا العام، وحدث في العام الفارط، وتألَّمنا كثيراً، تألَّمنا لفتاة في قطاع غزة – في بلادنا هناك، رفع الله عنهم البأساء والضراء والشحناء والبغضاء، نعم – كانت الأولى على دُفعتها في الجامعة، وليس في الثانوية، وجالسة في محفل كبير، يُحتفَل بتخرجها، وكانت الأولى على دُفعتها. حرَّكوها، فإذا هي ميتة. شيء عجيب، مُؤلِم! أعان الله أهلها، وأخلف عليهم في مُصابهم بها خيراً.

أي هذا بعد أن تخرجت – ما شاء الله -، وهي فتاة – ما شاء الله – مُتفوقة، والأولى! وكانت على جمال وعلى خُلق وبحجابها، تموت في لحظة فرحتها الكُبرى، عند هذه المرحلة من حياتها. 

الشيء نفسه مع طبيب يُنذر مريضه؛ يا فلان أوص. وإذا عندك حقوق – هذا الطبيب مُسلِم -، فأعِدها إلى أهلها، لم يبق لك في قيد الحياة ومُهلتها إلا زُهاء شهرين. تمضي عشرون عاماً، وهذا المريض المُنذَر بالموت القريب لا يزال حياً. وقد مات الطبيب في مُهلة الشهرين. ومئات القصص كهذه! يموت الطبيب في المُهلة، ويعيش المريض. شيء لا يكاد يُصدَّق.

شيخ مُتهدِّم كبير، طاعن في السبعين أو في الثمانين، تحالفت عليه أمراض الدنيا؛ مُصاب بمرض السكر ومرض الضغط، وربما حتى عنده مشاكل في الكُلى، والبروستاتا، والقلب، والشرايين، وغير ذلك. كل الأمراض، جميل! يعيش، لا يزال يعيش، وقد أناف على التسعين. والطبيب الذي شخَّص بعض أمراضه كان في العقد الثالث من عمره، ورياضياً، ويطمح إلى حياة مديدة طويلة، مات من حين!

وكم من صحيح مات من غير علة!      وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر!

سوف تقول لي ما القضية؟ وسوف أقول لك سر القدر، اسكت، سر القدر، الله يُريد هذا، فلا تتكلَّم. إذا علمت أن هذا من سر القدر، رضيت ولم تسخط وسلمت وأيقنت وتابعت حياتك بالإيمان، لا بالتجديف والخُسران بعد ذلك. فإياك! هذا سر القدر، ولذلك الإيمان مُهِم.

وعلى فكرة لو القدر مسألة سهلة، يُمكِن أن تُدرَس – كما قلت لكم – خطياً وبمُعادَلات وفلسفات، فلماذا نُؤمِن بها؟ الإيمان كله امتحان، كل قضايا الإيمان امتحان. هل هذا واضح يا إخواني؟

ولذلك كما وعدتكم حين تعودون إلى كتاب الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي – رحمة الله عليه -، ستقعون على مئات القصص حقيقةً، أو خلونا نقول عشرات؛ حتى لا نُبالِغ، عشرات القصص والحكايا، عمَن نجا وهو في لُج الهلاك. وحكيت لكم بعضها في خُطب قديمة، في لُج الهلاك نجا!

ولو عُدتم تستشيرون وتستقرون الحياة العملية – أي الحياة العادية -، لوقعتم على عشرات، بل مئات القصص، عمَن هلك وهو على بر النجاة؛ بين أولاده، في مكتبه، بين جُنده، هلك! من غير علة، شيء غريب، سر القدر! مرة أُخرى سر القدر.

يحكي المرحوم – ونختم بهذه القصص السريعة – الشيخ عليّ الطنطاوي، الأديب الجميل، والفقيه الجليل، والقاضي الرائع – رحمة الله عليه وروَّح الله روحه في عليين – الآتي. يحكي، يقول رأيت مرةً بعيني الترام في الشام (في دمشق)، وقد انكسر مقوده، فتصبب من مُنحدر، مُسرِعاً إلى غايته، وفي الطريق مُنعطَف؛ ينعطف عند الجسر. يقول وامرأة بين الخطين بعد المُنعطَف، سُمرت رجلاها من الفزع. رأت الترام وهو يأتي كالقضاء المُستعجِل، كعقاب انقض على فريسته. تسمرت المسكينة! هذا أدرينالين Adrenaline، وهذه قضية معروفة في الفسيولوجيا Physiology، انتهى! انشلت الآن، Fight-or-flight. 

تجمَّدت في مكانها هذه المسكينة، ولم يُهرَع أحد لتحريكها، لأن الوقت أضيق من أن يتدخَّل، فيموت معها. لا يُمكِن هذا، والحكاية كلها حصلت في ثوانٍ. بعض الناس أسبلوا عيونهم، حتى لا يروا النهاية الصرائعية الأليمة لهذه المرأة المسكينة. إلا أن القطار – يقول الشيخ عليّ الطنطاوي – عند المُنعطف خرج عن سكته، ودخل مُباشَرةً في حائط على قوم يتسامرون – أهل بيت -، فقضى عليهم. سر القدر، لا إله إلا الله!

مَن قالت كل الاحتمالات الظاهرية بأن الضحية هي هذه، لم تكن الضحية ونجت. والذين يجلسون في بيتهم وادعين، يتداولون ربما الحديث وهم يتناولون العشاء مع كؤوس الشاي، جاءهم قضاؤهم في لحظة، فألحقهم بمَن؟ بالأوائل، بأسلافهم مِمَن ماتوا. حكمة عجيبة يا إخواني، حكمة عجيبة وغريبة! ومثل هذا كثير، يحدث كثيراً يا إخواني. 

يقول أعرف رجلاً من أبطال الثورة السورية – أرأيتم؟ هذا في الثلاثينيات، يعرفه الشيخ الطنطاوي، لأنه مُعمَّر، هو عُمِّر فوق التسعين، رحمة الله عليه – رمى نفسه على الموت خمسين مرة – أي في خمسين مرة قام بعمليات فدائية -، والموت يروغ من تحته، ويهرب منه. لا فائدة! اطلبوا الموت تُوهَب لكم الحياة – أبو بكر يقول -. 

وانظروا إلى نهايته. وبين كان ذات يوم قائلاً في بيته، واضعاً رأسه على مخدته، بين أهله، إذ اختصم سكرانان، فأخرج أحدهما مُسدّسه، فأطلق الرصاص، فوقعت في رأس الفدائي الكبير، فمات في حينه. نام وما قام! ما الذي يحصل؟ سر القدر. نهاية عجيبة!

اللهم إنا نسألك أن تُعلِّمنا ما ينفعنا، وأن تنفعنا بما علَّمتنا، وأن تزيدنا علماً وفقهاً ورشداً. اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم رضّنا بقضائك، اللهم رضّنا بقدرك وقضائك، واجعلنا مِمَن آمنوا به على علمك وحكمتك التي لا تُدرَك ولا تُرام، يا رب العالمين. اللهم رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ۩.

أعطنا ولا تحرمنا، زِدنا ولا تنقصنا، أكرِمنا ولا تُهنا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وخذّل عنا ولا تخذلنا، برحمتك يا أرحم الراحمين. لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم، في هذه الساعة المُبارَكة، ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرّجته، ولا كرباً إلا نفّسته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه وأذهبت همه وغمه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

نسألك فعل الخيرات وترك المُنكَرات وحُب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضنا إليك غير مفتونين ولا مُبدِّلين ولا حائرين ولا تائهين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اجعل تجمعنا هذا تجمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تدع فينا شقياً ولا بائساً ولا مطروداً من رحمتك ولا محروماً، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اغفر لنا ولوالدينا، وللمُسلِمين والمُسلِمات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.

___________

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، وأقِم الصلاة.

 

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا 2/8/2019

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: