الرئيسية / التفريغات النصية / سباحة في عقل إبليس

سباحة في عقل إبليس

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل مجده – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ۩ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ۩ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا ۩ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا ۩ لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ۩ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ۩ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ۩ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ۩ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ۩ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ۩ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا۩ لَّعَنَهُ اللَّهُ ۩، هل تفكَّرنا في معنى إخبار الله لنا بلعنه أو بلعنته إبليس لعائن الله عليه مُتتابِعة إلى أبد الآبدين؟ رحمة، بعض دلالة هذا الخبر الإلهي العزيز رحمة، رحمةً بنا، تفكَّروا وتخيَّلوا وتصوَّروا لو أن الله – تبارك وتعالى – لم يكن قد أخبرنا بأنه لعنه، ومعنى أنه لعنه أنه آيسه من رحمته، وهذا أيها الإخوة يكون تبعاً لعلم الله – تبارك وتعالى – أن اللعين المريد الرجيم يساحيل أن يتوب ويؤوب ويرجع، مُحال! لكن لو لم يكن – تبارك وتعالى – أخبرنا بأنه لعنه لاتسعت أبوابه إلى إغوائنا، لتعدَّدت حيله إلى إضلالنا، لأنه ربما أتانا مرةً يُوسوِس لنا ومن ضمن وسوسته أن هذه الوسوسة هذه المرة في الخير لأنني قد أكون أحدثت توبة، كما يحدث من شياطين الإنس أيها الإخوة أو من ضُلّال وغواة الإنس، يعملون الشر مراراً وربما عملوا الخير أحياناً لأنهم لا يزالون بشراً وباب التوبة مفتوحٌ أمامهم، إبليس شأنٌ مُختلِف، الله – تبارك وتعالى – آيسه من رحمته وآيسنا من وهم توبته ومن وهم أنه قد يُسوِّل أو يُوسوِس لنا بخير على سبيل الاستثناء البالغ الاستثنائية، مُستحيل! هو لا يأتيك إلا ليُشقيك، إلا ليُضِلك، إلا ليُهلِكك.

سُئل الحسن البِصري – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – هل ينام الشيطان؟ قال لو نام لاستراح الناس، فهل نغفل عمَن لا يغفل عنا؟ إنه لا يغفل عنا!

أعتقد إخواني وأخواتي أن باب التفقه – الفقاهة – والتدبر والتعمق والتفتيش والتنقير عن إبليس وطرائقه وأساليبه وحيله من أهم ما ينبغي أن يُعنى به المُؤمِن طبعاً، لأنه عدوٌ مُبينٌ يُريد إهلاكنا هلاك الأبد أيها الإخوة، تخيَّل أن عدواً إنسياً يترصَّدك عند كل قارعة وعند كل ناصية وفي كل زاوية من الليل والنهار، بلا شك ستكون مُتأهِّباً له تماماً على مدار الوقت، لئلا تُمكِنه فرصة من أن يسطو بك، اللعين شأنه أخطر من هذا.

في نفس الوقت من رحمة الله – تبارك وتعالى – كما تعلمون – وهذا مُقرَّر لدى جميع المُوحِّدين – أن الله – عز وجل – لم يجعل له سُلطاناً قاهراً مُجبِراً علينا، ليس له هذا السُلطان، فقط هو التزيين والزخرفة والوسوسة والتلبيس والتخليط والتشكيك والتشبيه، وهذا الفقط ليس قليلاً، هذا خطيرٌ جداً إخواني وأخواتي.
لا نُريد أن نُطوِّل بالمُقدِّمات للمُقرَّرات، هذه مُقرَّرات معروفة للكافة، لكن أُحِب أن نبدأ أيها الإخوة بالجواب عن هذ السؤال: ما هي عُدته؟ ما أخطر عُدة اللعين في الوصول إلينا في إغوائنا وتضليلنا؟ المعرفة، عُدته الرئيسة المعرفة، تماماً كالأعداء البشريين، حين تنشب حربٌ بين أمتين، بين دولتين، تستحكم العداوة بين قبيلين من الناس، ما الذي يحرص عليه كل قبيل، كل دولة، كل شعب، وكل أمة؟ معرفة الآخر، اعرف عدوك! لأنه بمعرفته إياك سيرصد ويرقب مواطن الضعف، نقاط الإنكسار، الهشاشة، الثغرات، الفجوات، وسيأتيك من خلالها، سيُسدِّد ضرباته وهجماته من هذه الثغرات والفجوات إلى هذه النقاط الهشة، نقاط الإنكسار والضعف والانكشاف كما يقولون في لُغة العسكرية، النقاط المُنكشِفة!

إبليس أيها الإخوة مُتخصِّصٌ فينا بدرجة استثنائية، هو عليمٌ علماً بالغاً، علماً عميقاً وغميقاً بدوافعنا، بنوازعنا، بحاجاتنا، بآمالنا، بآلامنا، بطموحاتنا، بأطماعنا، بخيباتنا أيها الإخوة، بوجوه خسارتنا، بعلاقاتنا، وبتحالفاتنا، عليم بأشياء كثيرة جداً، ومن هنا أيها الإخوة – اختصاراً من غير تطويل – من أحسن السُبل بعد الاستعاذة بالله والاعتماد على الله معرفة النفس، طبعاً هو الله في الشأن كله لا إله إلا هو مُبتدأً وتوسطاً ومُنتهىً على مدار الأنفاس ولا أقول الساعة، لكن من أفضل وأقصر الطرق أيها الإخوة معرفة النفس إذن، معرفة النفس! لا حاجة لي ابتداءً أن أعرف إبليس نفسه، هذا لا يعنيني كثيراً، لا يعنيني هذا الكيان اللعين المريد العاتي، ما يعنيني أنا، ذاتي، لأن عدته في إضلالي معارفه – ليست معرفة واحدة – المُركَّبة المُعقَّدة الدقيقة بي، لابد أن أعرف ذاتي ونفسي، رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، أنا عرفت ضعفي، نياتي، قصودي، أهدافي، رغائبي، شهواتي، آمالي، طموحاتي، خيباتي، إنكساراتي، هشاشاتي، ما أُريد، وما لا أُريد، إذا عرفت هذا وأمعنت في تعميق هذه المعرفة تعرف ما النتيجة؟ النتيجة اصطدام كيان وهو كيان رهيب – الكيان الإبليسي – بكيان آخر، بالمعرفة تُصبِح كياناً حقيقياً، بغير المعرفة أنت تُوشِك أن تستحيل إلى شيئ من أشياء الوجود، مثل هذا الشيئ “المنبر”، وإذا استحلت إلى شيئ أو شبه شيئ يُمكِن تنقيلك من مكان إلى مكان، اللعب بك، توظيفك، أن نعمل منك ما شئنا، أن نعمل منك صنماً يعبده الآخرون، تُصبِح نبي وثنية دون أن تدري، أن نعمل منك عصا نضرب بها المظلومين المُضطهَدين المُطالِبين بحقوقهم دون أن تدري، علماً بأن مُعظَم الناس هكذا، ما يُقال في اللُغة الوجودية الهايدجرية – نسبةً إلى هايدجر Heidegger – الأدوات، الإنسان الأداة!

الإنسان الأداة هو إنسان إبليسي، مسكين! ليس مُجرَّد أداة فقط للبشر، هو إنسان إبليسي، هو لعبة إبليس، كسيده الذي يستخدمه أداة، لأن كل مَن يستخدم البشر أيضاً ويتوسل البشر هو إنسان إبليسي، البشر لا يكون وسيلة، البشر ينبغي أن يكون غاية، من هنا لعنة الأيديولوجيا، كل الأيديولوجيات في نهاية المطاف تنتهي إلى أن تعتبر البشر وسائل، لذلك تطحنهم، في القرن العشرين وحده عشرات الملايين من البشر قُتِلوا ليس على أيدي الأمم الأُخرى وعلى أيدي طواغيت الأمم الأُخرى، وإنما على أيدي طواغيتهم هم، على أيدي أنبيائهم الكذبة، كما تعلمون على أيدي هتلر Hitler وعلى أيدي موسوليني Mussolini وعلى أيدي بول بوت Pol Pot وعلى أيدي ستالين Stalin وعلى أيدي أمثال هؤلاء، لأنهم أصحاب أيديولوجيا، والأيديولوجيا ترى أن البشر وسيلة لغاية، يُكذَب على الناس ويُقال هذه من أجل البشر، لم يبق بشر، تماماً كالذي يحدث الآن في بعض البلاد العربية، يُقتَل البشر ويُدمَّر البشر والحجر من أجل ماذا؟ من أجل الشعب، نحن نذبحكم، نُدمِّركم، ونُدمِّر كل شيئ من أجلكم، وفي الحقيقة من أجل الكرسي، ليس أكثر من هذا، كذب! هذه الأيديولوجيا، التفكير الأيديولوجي اللعين، تفكير إبليسي، فالذي يستحيل إلى أداة هو إبليسي أيها الإخوة، وجود إبليسي، والذي يستخدم الأداة بلا شك هو مُمعِن أكثر في الإبليسية، حتى وإن كان باسم الأيديولوجيا هو إمعان إبليسي، لكن حين تبدأ تعي ذاتك وتعرف نفسك يختلف الأمر، وهذه المعرفة طبعاً نحن نتوق – وهذا صعب جداً جداً – أن تكون أشبه بالمرآوية، معرفة انعكاسية، أن نعرف أنفسنا في مرآة مُستوية، لا مُحدَّبة ولا مُقعَّرة ولا مُكسَّرة، مرآة حقيقية، لذلك رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، أن أعرف نفسي كما هي، لا أجعلها أكبر ولا أصغر ولا مُشوَّهة، كما هي! وأن أرصد نقاط ضعفي، إبليس أيها الإخوة يكره هذه المعرفة جداً، ما رأيكم؟ إبليس يُبغِض جداً ويُحاوِل أن يقطع عليك كل سُبل معرفة الذات، كل مُحاوَلات الاقتراب من الذات، إبليس يُغرِّبك عن نفسك، لذلك بعض الفقهاء ينبغي أن يعوا هذا، ينبغي أن نُنشيء فلسفة خاصة اسمها الفلسفة الإبليسية – فلسفة تدرس إبليس – والله العظيم، هم عملوا فلسفات لأشياء كثيرة، فلسفات للأزياء والموضة والطعام والشرب، لأشياء كثيرة فلسفات، أين فلسفة إبليس؟ الأمة المُسلِمة المفروض أنها مندوبة مدعوة ضرورةً إلى أن تُبرِز هذه الفلسفة على خلفية الفهم والتدبر القرآني والنبوي، لكن ليس لدينا مثل هذه الفلسفة، باستثناء تدبرات واستبصارات السادة الصوفية وهي الأعمق في بابها ولكنها ليست كافية، لا تزال ليست كافية، بدليل أن إبليس له ساحة وسيعة جداً يلعب فيها بين المُتصوِّفة أيها الإخوة والمُتفقِّهة، كم لعب وكم يلعب بهم! ما رأيكم؟ يأتيك بعد أن تكون أمعنت في العبادة عشرين أو ثلاثين سنة في النهاية لينتهي بك المطاف تُحلِّل ما حرَّم الله بما في ذلك الفروج، ما رأيكم؟ طبعاً هذا يحدث ويحدث كثيراً، فكونوا على حذر، كونوا على حذر!

نحتاج إلى مثل هذه الفلسفة أيها الإخوة، إبليس سيقطع عليك ويعمل جاهداً ليقطع عليك كل سُبل معرفة الذات، يقول بعض هؤلاء الفلاسفة المُتعمِّقين في الفلسفة الإبليسية: لذلك السكون لا يواتي إبليس، الضوضاء نعم تواتيه. ما رأيكم؟ السكون لا يواتي إبليس، إبليس لا يُحِب من المرء أن يخلد إلى الهدوء، إلى السكون، ينسحب من المُجتمَع، ينسحب من الجماعة، من الناس، ساعة في اليوم، سويعة، ربع ساعة! ويجلس هكذا بصدق – في لحظة صدق مع النفس – يُحاسِب نفسه، يُكاشِف نفسه، ينظر إليها في المرآة، ما أردت بهذا؟ وما أردت بهذا؟ حين قلت هذه الكلمة ما أردت بها؟ بالمُناسَبة هذه طريق إلى الله وهي وعي بالذات، الطريق إلى الله هو الوعي بالذات أصلاً، ما لم تعمل على أن تُعمِّق وعيك بذاتك يستحيل أنك تسلك إلى الله، أنت واهم يا أخي، واهم يا حبيبي، واهم! وإبليس لا يُحِب هذه الساعة، لذلك إبليس يُحِب الضوضاء أيها الإخوة، الضوضاء بكل معانيها، بكل تمظهراتها، وبكل تجلياتها، ليس فقط في الحفلات والديسكو Disco والصخب والنُحاسيات والفضيات، هو يُحِب هذا جداً جداً جداً جداً جداً، لكن يُحِب كل ضوضاء ولو على الأقل في أن يجتمع اثنان أو ثلاثة، يتحدَّثون في أي شيئ، في أي شيئ! حديث لا طعم له، مذق! حديث ممذوق لا طعم له، باهت وتافه، تتضيع وقتل للوقت، لكنه أفضل من السكون، أفضل من الهدوء، أفضل من أن تجلس وتتفكَّر في نفسك، لذلك في كل الميراث الديني التوحيدي – اليهودي، المسيحي، والإسلامي – كانت هناك دعوة مفتوحة ومُؤكَّدة دائماً أن ينسحب المرء ولو سويعة كل يوم وليلة ويتدبَّر في شأن نفسه أولاً، في شأن مجاريات يومه، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزَن، طبعاً لو أردنا الآن أن نُفصِّل هذه الجُملة الأمر لا ينتهي، يحتاج إلى كتاب كبير، كتاب كبير! وسوف يكون هذا الكتاب تقاطع علوم، علم النفس مع التصوف والعرفان مع تدبر النصوص الإلهية والنبوية مع الخبرات الفردية للعارفين والأولياء وحتى الخاطئين والغالطين والتائهين والتائبين الراجعين، سيكون شيئاً مُثيراً جداً جداً، فقط سأضرب مثالاً واحداً.

يأسى المرء ويُصدَم أحبابي – إخواني وأخواتي – حين يُفكِّر مثلاً – وهذا مثال واحد وليس وحيداً – في مدى واقعية وصدق الكراهية بإزاء وهمية وزائفية وتقنع المحبة، هذا هو، هذا نوع من دراسة الوعي بالذات، لندرس أنفسنا ولنُطبِّق هذا، ليُطبِّق هذا كلٌ على نفسه، هذا في حياة الناس فأنا لا أتحدَّث بالمُجرَّد، أتحدَّث بالعياني، بالمُشخَّص، وبالمعيش، أما بالمُجرَّد بلا شك لا قياس، لا مُقارَنة بين المحبة وبين الكراهية، الكراهية شيئ سالب، شيئ عدمي، شيئ إفراغي، شيئ تهديمي، المحبة شيئ بنائي وشيئ وجودي،لكن أنا أتحدَّث عن العياني المُشخَّص، لا مُقارَنة إذا جرى الحديث عن العياني والمُشخَّص بين واقعية وقوة وتحقق وصدق الكراهية وبين زائفية ودُخانية وضبابية المحبة، وهمية المحبةّ! ما معنى هذا؟ سنُوضِّح هذا.

نأتي إلى الكراهية ولك أن تخيَّل الآتي، مَن يكرهك يكرهك بصدق ويتمنى لك الدمار بصدق ويفرح جداً إذا حل الشر بساحتك، يفرح جداً وينتشي، يُصبِح في حالة من الانتشاء الغريب، وهو انتشاء طبعاً لا أقول حيواني وإنما إبليسي، إنتشاء إبليسي، الذي ينتشي بمصائب الآخرين شرير إلى أبعد حدود الشرية أيها الإخوة، شرير! انتبه إلى هذا، عليك أن تُفتِّش نفسك بدءاً من مثل هذه النقاط، هل تفرح بشر يُصيب الآخرين؟ هل تفرح؟ هل تشمت ولو داخلياً؟ لا علاقة لنا بالمظاهر الكاذبة هذه، تقريباً كل شيئ في الحياة أصبح هكذا، هذا شيئ خطير، ولعله لا يكتفي بهذا بل يتحيَّل لإيصال الشر إليك، لإيقاعك في حبائل الشر بطريقة أو بأُخرى، حتى وإن تأدى الأمر إلى حبل يُلَف على رقبتك، حبل مشنقة! يفرح بهذا ويُريد هذا، وينسى المسكين كل شيئ، وقد يكون من المُصلين الركع السجود، وقد يكون من الحجاج والمُعتمِرين والمُتصدِّقين وحفظة الكتاب الكريم، قد يكون هكذا، طبيعي! طبيعي جداً، لا نكذب على الحقائق، هذه الحقائق، قد يكون هكذا، وهذا موجود أيها الإخوة، موجود أمثال هؤلاء، المسكين غافل – طول هذا المشوار هو غافل – عن حقيقة ماذا؟ أنه يتهدم، أنه يزوي، أنه يتسمَّم، روحه تتسمَّم شيئاً فشيئاً، الذي ناله الشر أكثر هو هذا الذي سعى في الشر وليس الذي حاق به الشر، أنت أنت أنت! أنت الضحية الأولى للشر وليس هو، هو الضحية رقم اثنين، ما رأيك؟ في حين أن المحبة مُختلِفة، نأتي إلى المحبة، واضح أن الكراهية صادقة، أليس كذلك؟ صادقة وغير مُتردِّدة وواقعية وقوية وصُلبة الكراهية في واقع اللناس للأسف الشديد، هكذا يلعب بنا إبليس، هكذا تلعب بنا الشياطين، أما المحبة لا تكاد تُرى إذا فُتِّشت وسُئلت إلا كتقنيع، لا تكاد تتكشَّف إلا عن تقنيع المحبة، طبعاً مُعظَم محبات البشر للبشر تقنيعٌ للأطماع والمصالح، يُحِبك لأن له طماعيةً أو لطمعاً فيك يود أن يناله، فقط! يُحِبك لأنه يستعملك جسراً مادياً أو معنوياً لطمعه ومصلحته ومنفعته، ينال بك! أنت صنارة، أنت فخ، أنت شبكة، صنارة! طبعاً الناس تتخذ الدين شبكة، ألا يتخذون البشر؟ ألا يتخذون البشر شبكات لهم؟ الدين نفسه يُتخَذ شبكة لصيد المطامع، فكيف بالبشر المساكين من أمثالنا “الغلابة”، لعب إبليس؟ هذه مملكة إبليس، هنا يُعربِد إبليس، يُعربِد! في ظل ماذا؟ في ظل جهل الناس بنياتهم ودوافعهم وغياتهم الحقيقية، في ظل الهروب المُستمِر من أنفسنا – إصرار على الهروب المُستمِر من أنفسنا – والإمعان في الكذب على أنفسنا وعلى الآخرين، لتصديق ماذا؟ أوهامنا حول أنفسنا، وهي أوهام بنيناها بأيدينا، لا شيئ يُصدِّقها، حاسب هذه الأوهام مرة وفتِّشها، سوف ترى أنها مُجرَّد أوهام، لا شيئ يُصدِّقها، لكن أنت لا تُريد، لذلك – كما قلنا – الضوضاء تواتيه، السكون لا يواتيه، أنت لا تُريد أصلاً أن تخلد إلى ساعة تُسائل فيها هذا الوهم الذي بنيته، هذ الصنم الواهم الوهمي، لا تُريد! لأنه سيتكشَّف عن لا شيئ، وسترى أنك لم تبن كيانك بعد، لا كيان لك، إلى الآن لا كيان لك، ما رأيك؟ أنت مُجرَّد علاقات – وعلاقات شرية سلبية – يبنيها المُجتمَع والآخرون ويلعب بها إبليس، لكن لا يُوجَد كيان واحد يجمع هذه العلاقات، الكيان هو الذي يجمع، أنت لا كيان لديك!

طبعاً أنا أزعم أن إبليس نفسه أصلاً هو كيان رهيب لكنه كيان ليس مُكتمِلاً ولا يُمكِن أن يكون مُكتمِلاً، وحين تُفكِّرون فيه ترون أيها الإخوة أنه أضعف منا، ليس أضعف منا نحن هكذا وإنما أضعف منا من حيث الجنس – الجنس البشري – وخاصة المُؤمِن طبعاً، أقوى بكثير من كل الأبالسة، من الأب الأكبر والذُرية فنازل أقوى، لماذا إذن؟ نحن نُطيع ونعصي، نعصي وهذا طبيعي، ولو لم تُذنِبوا لذهب الله بكم ولأتى بأقوامٍ غيركم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم، نحن نُذنِب، نحن بشر ضعاف، نعرف هذا ويجب أن نعرف هذا، كما نعرف ونُقرِّر أيضاً أننا كائنات – كما أقول بتعبيري – برزخية، كائنات ثانوية، لنا جنبة روحية تتوق إلى الأبد وتنظر إلى الغيب، ولنا جنبة مادية بدنية تجد لذتها وراحتها ومُتعها في المادي الحسي، في الأكل، في الشرب، في مُواصَلة الأهل، في السُمعة، في الشُهرة، وفي الإنجاز، كلها ألاعيب في نهاية المطاف، مايا Māyā باللغة الهندية، كلها مايا Māyā هذه، ليست هذه الحقيقة، لأن كل هذا يزول ويزول سريعاً، تحدَّثنا عن الزوالية أعتقد في مُناسَباتٍ شتى، لا علينا من هذا، لكن ينبغي أن نعترف به فانتبهوا، الاعتراف به سبيل أيضاً من سُبل الإنقاذ من إبليس، سبيل التمنيع والتحصين ضد بعض هجمات اللعين، أن تعترف بهذه الجنبة المادية لك وبضعفك وهشاشتك وبخطّائتيك، نحن كائنات خطّاءة، كل ابن آدم خطّاء، لم يقل خاطيء، قال خطّاء، نحن نُكثِر الغلط، نُكثِر الخطأ، لكن خير الخطّائين التوابون أيضاً، يجب أن نتوب كثيراً، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ۩، حتى أبو بكر يا رسول الله؟ حتى أبو بكر، حتى عمر، عليّ، وعثمان يا رب العالمين؟ حتى هؤلاء، يجب أن يتوبوا، الكل! وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ ۩، النبي أُمِر بالتوبة، أليس كذلك؟ وأُمِر بالاستغفار لذنبه ولذنوب المُؤمِنين؟ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ ۩،انتبهوا! يجب أن نكون واضحين، لأننا بشر نعيش في هذا العالم بهذه الجنبة، نعترف بهذا، وهذا سيُضيِّع عليه أشياء كثيرة، ربما أشرح هذا بعد قليل، كيف يُضيِّع؟ سوف نرى طبعاً، عكس ما يعتقد بعض الدُعاة الكذّابين، ليسوا كذّابين على الدين فقط، وكذّابين على الطبيعة، كذّابين علينا وعليهم، هذا الداعية يكذب على نفسه، لا تُحاوِل أن تُفهِمني أن الطريق الصحيحة في التعبد والتدين والتديين أن نعيش كائنات روحية بلا لذائذ، بلا مُتع، وبلا أشواق دُنيوية بدنية حسية، تكذب! مُستحيل.

إذا دخلت بيتاً ووجدت رأسه وهو الأب وربما الأب والأم يُصِران على أن يكون هذا البيت بيتاً مُديَّناً بطريقة تتنكَّر لهذه الجنبة الحسية المادية – فلا موسيقى، لا لعب، لا تلفاز، لا لهو، إن هي إلا الصلاة في أوقاتها، هذا يُؤذِّن، هذا يُقيم، هذا يؤم، وإن أردنا أن نتسلى نقرأ في كتاب ديني، في رياض الصالحين، إحياء علوم الدين، في الأذكار! هذه هي الحياة – اعلم أنك تُدلِف إلى بيت كئيب، بيت تعيس، بيت هو وعدٌ لا أقول بالانحراف وإنما بالخطأ وبالانسلاخ من الدين، كل هؤلاء الصغار – الفراخ الصغار، الأولاد والبنات – في لحظة مُعيَّنة حين يشعرون بأنه يُمكِنهم أن يفعلوها سيفعلونها، سينسلخون من الدين، هذا تديين كاذب، هذا تديين إبليسي، أنا أقول لكم لأنه كذب على الطبيعة وكذب على الشريعة معاً، وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ۩، إياكم أن تُحرِّموا ما لم يُحرِّمه الله، لو تفكَّرتم لعلمتم هذا، أنا فعلت هذا وقد أكون مُخطئاً، أنا تفكَّرت فرأيت أن الذي يُصِر على أن كذا وكذا من مُتع الدنيا مُحرَّم والدليل لا يُساعِده – الدليل بمنهجية مضبوطة، ليست منهجية تلفيق وحط وكذا، ليس هكذا، لا! هناك منهجية دقيقة لابد منها في الحلال والحرام، ومنهجية تحترم أولوية القرآن وجامعية القرآن، مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩، لا تقل لي هناك شيئ مُحرَّم سوف يذهب بك إلى جهنم ويُصَب الآنك في أُذنيك والقرآن لم يتعرَّض له بتاتاً، هل النبي قال من عنده؟ هل من عندياته ألَّف هذا الشيئ؟ من أين؟ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩، هذا هو الصحيح، أنا أرى أن هؤلاء يُمعِنون في لعبة إبليسية في جوهرها – يضطر الناس إلى الانسلاخ من الدين، هؤلاء في نهاية المطاف لا يعملون على تديين الناس بطريقة صحيحة، يعملون بل يلزون الناس لزاً إلى أن ينسلخوا من الدين، بخلاف الخُطة التي لا تتنكَّر للطبيعة والفطرة ولا تفتري على الشريعة ولا تزيد عليها ما لم يأذن به الله، هذه الخُطة تُعجِز إبليس، تُتعِبه جداً! ولذلك كل تطرف وكل تزمت عمره قصير، أليس كذلك؟ عمره قصير!

نعود إلى ما كنا فيه، أي إلى المحبة، المحبة التي هي التقنيع أيها الإخوة، تقنيع للمصلحة، تقنيع للمنفعة، أيضاً المحبة تقنيع للجبانة، للجُبن! تقنيعٌ للجبانة لا للشجاعة، للجبانة! كيف؟ أنا أُشعِر نفسي وأُوهِم نفسي بمحبته لأجد مُبرِّراً لي للسكوت عن جرائمه بل لرؤية نقائصه محامد وفضائل، في الحقيقة أنا لا أُحِبه، لو كاشفت نفسي، لو فتَّشت نفسي، لو فكَّكت مشاعري، أنا لا أُحِب هذا الطاغية، أنا ينبغي أن ألعنه، ينبغي أن أشجبه، أن أدمغه، وأن أصمه، لكنني جبان، والجُبن يا إخواني أو الجبانة هذه سلاح من أمضى أسلحة إبليس، ما رأيكم؟ قال يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ۩، لكن ما علاقة هذا بذاك وهو مُجاهِد؟ لا نُرد الشجاعة البدنية وحدها، مطلوبة في وقتها! نُريد أن تنضاف إليها وأن تنضم إليها الشجاعة الأدبية، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۩: شجاعة بدنية، وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ۩: شجاعة أدبية، شجاعة معنوية!

هل تتوقَّعون يا إخواني أن بعض فلاسفة الأخلاق يرون في الشجاعة عموماً كقيمة وكفضيلة رأس الفضائل وأم الفضائل وعنوان الفضائل والصورة الجامعة لصور الفضائل؟ في الشجاعة؟ قال لك في الشجاعة، لماذا؟ ما الذي في الشجاعة بالذات؟ قال لك سائر الفضائل باستثناء الشجاعة قد يكون لها حدٌ تنتهي عنده بل تنعكس! متى؟ مُعظَم الفضائل على الإطلاق قد تنعكس عند مُعالَجتها وعند عيشها عملياً، تنعكس إذا واجهنا بها المخاطر، إذا واجهنا بسببها المخاطر تنعكس، أنا كريم لكن إن كرمي وعطائي سيُودي بي إلى السجن لن أفعل، سأُصبِح بخيلاً، هذا أفضل لي يا أخي، ما علاقتي بهذه القصة كلها؟ دخلنا في الجُبن الآن! وأنا مُستقيم وأنا أقول الحق وأشهد بالصدق لكن إلى حين وبشرط ألا يتأدى بي هذا إلى الهلاك أو إلى الخسارة ولو حتى الخسارة المادية، إن تأدى بي إلى خساة سأعود، وأنا رحيم أيضاً ما لم يُؤد بي هذا إلى الخطر، الشجاعة كيف تنعكس هنا؟ لا تنعكس أصلاً، لأنها هي مُواجَهة الأخطار، هل فهمتم كيف؟ الشجاعة بذاتها تعني ماذا؟ مُواجَهة الأخطار، الشجاعة البدنية والشجاعة الأدبية!

كم يروق لي! كم يلذ لي! كم يشوقني! كم يُعجِبني هذه المقاطع التي نتداولها كل يوم على الواتساب WhatsApp! لا أدري هل نتعلَّم منها؟ لا أدري! واضح إلى الآن أن قلة قليلة هي التي يُمكِن أن تتعلَّم منها أو في الواقع تتعلَّم منها للأسف، سياسي أجنبي، برلماني غربي، صحافي كبير، مُمثِّل من مُمثِّلي هوليوود Hollywood – إلى آخره – يأتي ويُبحِر ضد التيار ويُناضِل ضداً على الخط العام ويُغرِّد بل يطير أيها الإخوة ويُحلِّق خارج السرب، يعزف نغمة الحقيقة! يا أخي أنت غربك، دولتك، صحافتك، إعلامك، عالمك كله مُصِر على أن يُصوِّر فئة بسيطة من البشرية اسمها المُسلِمين – مليار وثمانمائة مليون، ربع العالم – على أنهم قتلة مُتوحِّشون مُجرِمون وبلُغة برنارد لويس Bernard Lewis ميؤوس من شفائهم، فترى مِن هؤلاء الأحرار الأماجد الأبطال الشجعان مَن يقول لا، كلا، هذا كذب، هذه مُؤامَرة، هذه سياسة، هذا بترول، وهذه منافع، إذن ليست حقيقة، المُسلِمون ليسوا كذلك، نفرح جداً نحن، حُقَّ لنا أن نفرح، لكن انتبهوا، المفروض ألا نفرح بأنفسنا، نفرح بهذا، نفرح به وله، لكن مَن مِنا مثله؟ وأنا أقول هذا دائماً وهذا يُؤسيني ويُحزِنني، يكبدني ويُمرِّرني والله، مَن مِنا يستطيع أن يأتي في فضائية أو شاشة سُنية – مثلاً – لكي يقول لا، كل ما تقولونه أو أكثر ما تقولونه عن إخوانكم الشيهة – مثلاً – أو الإباضية ليس صحيحاً، أنتم تكذبون؟ أو شيعي في قناة شيعية ويقول غير صحيح، كل ما تقولونه أو أكثر ما تقولونه عن إخوانكم السُنة ليس صحيحاً، احترموا الحقائق، السُنة ليسوا كذلك، السُنة ليسوا قتلة، ليسوا مُكفِّرين، ليسوا كذا، أنفار منهم، طوائف منهم، قبائل منهم، ليس السُنة هكذا، السُنة في نهاية المطاف مليار وستمائة مليون، هل كلهم وحوش وما إلى ذلك؟ لا، صعب جداً أن يفعلها هناك – بفضل الله – مَن يفعلها – وكثَّرهم الله – لكنهم قلة منزورة، هؤلاء الذين تُرفَع لهم القُبعات، هؤلاء الذين يُحترَمون ويُحيون، لكن – كما قلت لكم – سُني ويأتي في فضاء سُني ويقول لا للأكاذيب على أخواننا الشيعة، والشيعي يأتي في فضاء شيعي ويزعق لا للأكاذيب بشأن إخواننا السُنة، ترضونها وتُحِبونها من أجنبي – سياسي، مُفكِّر، مُمثِّل، صحافي – يُنصِفكم أنتم بين أهله، بين قومه، قوم الحضارة، المدنية، التقدم، القوة، والسيادة، هم سادة العالم، ومع ذلك يزعق في وجوههم ويُحرِجهم أيها الإخوة ويُصفِّر وجوههم، هذه الشجاعة! لذلك مُمكِن وحُقَّ لها أن تكون رأس الفضائل، لماذا؟ لأن الشجاعة – كما قلت لكم أحبتي، إخواني وأخواتي – لا تنعكس عند المخاطر لأنها هي بذاتها – وهكذا تُعرَّف – مُواجَهة المخاطر، البعث والسخرية من المخاطر، الشجاع يسخر من المخاطر، الشجاع الحقيقي يقول لك بماذا تُهدِّدني؟ بماذا تتوعَّدني؟ بشيئ يتعلَّق بأجلي أو برزقي؟ لست أهابك ولن أنثني، كيف تتفاعل مع هذا؟ ماذا تفعل مع هذا؟ وأنا لا أتحدَّث عن مُتهوِّر أو انتحاري أو مُجرِم أو قاتل، أتحدَّث عن شجاع، كلمة شجاعة حين تُذكَر هكذا كأن من أمت الفضائل – فعلاً كأم من أمات الفضائل وقد تكون هي الأم – لا تلتئم بتةً بالجريمة، أليس كذلك؟ المُجرِم لا يُقال عنه شجاع، المُجرِم مُجرِم فانتبهوا، يجب أن نكون واضحين.

قبل يومين جرى لقاء لقناة الحُرة مع العبد الفقير، سألوني عن تكفير الأزهر لداعش وأن الأزهر لم يُكفِّر داعش، قلت أُؤيد الأزهر وأنا لا أُكفِّرهم، ثارت ثائرة مِمَن لا يفهمون أصلاً الكلام، لا الكلام ولا المفاهيم، لا الألفاظ ولا المفهومات، لا يعرفون شيئاً، قال لك لا يُكفِّر داعش؟ فهو داعشي، ماذا تُسمي أفعال داعش وكذا وكذا؟ أُسميها جرائم أيها الفيلسوف، أُسميها جرائم، أُسميها فظائع، أُسميها إرهاباً، أُسميها قبائح، لكن انتبه علماً بأنني قلت هذا أنا في اللقاء بفضل الله لو كانوا يعقلون، وهذا من الشجاعة بالمُناسَبة، من الشجاعة طبعاً، لأن هناك بعض الناس يُمارِس شجاعته – يقول داعش ملعونة وما إلى ذلك – مع ناسه ويُغلِق الأبواب، أنا سأنطق بالحقيقة، لأجل الحقيقة، أنا أقول لكم داعش وهذا الظرف كله ومضة في مشوار الزمان، كل شيئ سينتهي، بعد سنوات لن يبقى أحد يتذكَّر هذه الأشياء، لكن تبقى الحقيقة بجلالها، برسوخها، وبجمالها، ينبغي دائماً أن نتحالف مع الحقيقة، لنكون صادقين – كما قلت – ومُتحالِفين مع ذواتنا ومع ضمائرنا.

هل تعرف ما معنى أن تُسمي الجرائم الداعشية كفراً؟ ما معنى هذا؟ ما دلالة هذا؟ أنك تعمل على خلق دواعش أكثر، كيف إذن؟ كيف؟ تعمَّقوا قليلاً، أنا أقول لكم معنى هذا أنك تقول لمَن ليس داعشياً أصلاً وليس له أي نزوع داعشي انظر يا ابن الناس – تقول له -، انظر يا آدمي، القتل وسبي النساء والزنا والذبح والسرقة والترويع والتغريق والتحريق وكل هذه الفظائع ليست كفراً، وبما أنها ليست كفراً إذن يُمكِن أن تُرتكَب وأن تُحتقَب، هكذا يفهمون الأمر، هل فهمت؟ نحن نقول لا، الجريمة جريمة وليست بالضرورة أن تكون كفراً، الكفر جريمة من نوع خاص أيها الإخوة، ولكن هذه جرائم وقبائح، فإذا لم نُسمها كفراً هل معنى ذلك أننا نُشجِّع عليها؟ المنطق الضمني المسكوت عنه في منطق هؤلاء الذين أنكروا على الأزهر وعلى العبد الفقير هل تعرفون ما هو؟ أن الشيئ إذا لم يُسمى كفراً ولم يرقى إلى أن يكون كفراً فهو سهل، هل فهمتم؟ نستسهله، هم يظنون أنك إذا لم تُسمه كفراً هذا يعني أنك تُشجِّع عليه، وهكذا قال لي المُذيع، لا أدري عن قناعة أم أنه يعكس طبعاً قناعة الشارع أو قناعة هؤلاء الذين ثاروا في وجه الأزهر، يا رجل ليست كفراً، القتل والذبح والزنا والسرقة وما إلى ذلك ليس كفراً، هذه كبائر، هذه فواحش، يُمكِن أن نتجادل مع المُعتزِلة ومع إخواننا الإباضية أن مَن مات وهو يحتقب هذه الذنوب بغير توبة نصوح يخلد في جهنم أو لا يخلد، هذا موضوع ثانٍ، لكنها في كل الأحوال حتى عند الإباضية والمُعتزِلة ليست كفراً، ليست كفراً! هل هذا واضح؟ حتى وإن خُلِّد صاحبها في طبقات الجيم أو في أطباق الجحيم ليست كفراً، ولا يعني أنها ليست كفراً أنها أشياء تُستسهَل ويُنظَر إليها باستخفاف، كيف يا سيدي؟ هل تعرفون ما معنى هذا؟ معنى هذا في ضمنية أكثر وفي طبقة ثالثة مُخيفة مُرعية أن لدى المُسلِمين طريقة في التفكير تقول كل ما ليس بكفر هو شيئ يُمكِن أن يمر، مرِّروه! أليس هذا جوهر التفكير الداعشي؟ هذا جوهر التفكير الداعشي، أنا أقول لك إذا أصريت أنت علىّ وعلى الأزهر أن نُكفِّر الدواعش فهذا يعني – والله العظيم – أنك في جوهرك داعشي خطير جداً، أنت مُخيف ومُرعِب، طريقتك تقول هذا، طريقتك تقول إن كان كفراً سنكف عنه، إن لم يكن كفراً يُمكِن أن نجرؤ عليه، وهكذا قلتم، هذا شيئ مُخيف، لماذا يا حبيبي؟ لماذا؟ هل المُؤمِن فعلاً هو وحشٌ من حيث هو بنيته وتكفيره توحشي إفنائي عدمي كارثي، لا يمنعه فقط إلا قضية إيمان وكفر؟ وهل الكفر هنا أيها الإخوة يتحدَّد بهذا النطاق كما تُريدون؟ شيئ مُرعِب، طريقة مُخيفة في التفكير، واضح أنها حيلة من حيل إبليس.

إذن أيها الإخوة عوداً على بدء المحبة أيضاً – كما قلت – الزائفة الوهمية التقنيعية قد تكون تقنيعاً للجبانة، للجُبن! لأننا لسنا أولئكم الشجعان لكي نقول للمُخطيء أنت مُخطيء وللمُجرِم أنت مُجرِم، كيف نفعل؟ والإنسان لابد أن يتزن، كل هذه آليات دفاعية، علم النفس يُعلِّمنا هذا، ولابد أن يتزن الإنسان، الإنسان صعب عليه أن يُواجِه نفسه، أن يقول الواحد فينا لنفسه هكذا: أنت كذّاب في محبتك، أنت انتهازي، أنت تدّعي أنك تُحِب هذا الشخص، أنت لا تُحِبه، أنت تستعمله، أنت اتخذته وسيلة وجسراً، أنت تُريد أن تستغله، أنت تستثمره، لا أن تستثمر معه حتى وإنما تستثمره، لا يقول أحد لنفسه هذا، يقول أنت تُحِبه، ولو سألته يضع لك الخمسة والخمسة الأُخرى على المُصحَف أنه يُحِبه، جميل جداً! هل تعرفون لماذا؟ لأنه إلى الآن هو غير واعٍ ويعيش المسكين – كما قلت – حالة تقنيعية وإيهامية، حالة من الكذب المُعمَّق بطبقات مُتراكِبة، لكن سنُعطيه معياراً لكي يكشف حيقية حالته، نقول له انظر إلى نفسك حين يتغيَّر الظرف ويتغيَّر الشرط، فجأة ذات صباح يُصبِح هذا الشخص الذي عقدته أملاً في منفعة وقد انحل هذا العقد، لم يعد يصلح، طُرِد من الوظيفة، هذا كان على رئاسة مُؤسَّسة، كان المُدير، اليوم هو طُرِدَ، ضُبِطَ مُتلبِّساً بشيئ مُعيَّن – جريمة إدارية – وطُرِدَ، سوف تقول سُبحان الله كنت شاعر بأنني غير مُطمئن لهذا الرجل، غير مُطمئن؟ عجيب! يا رجل أنت بالأمس وضعت الخمسة والخمسة الأُخرى – خمسة وخميسة – على المُصحَف لتُثبِت أنك تعشقه لوجه الله، ليس جسراً وليس صلةً وليس مصلحةً، ما الذي حدث؟ عليك ألا تدّعي أنك اكتشفته، يا رجل التفت لكي تفهم أنك ينبغي أن تكتشف نفسك، هنا أكتشف نفسي، هذا يعني أنني أكذب، أنا أُمارِس خداع الذات، فقط أنت مُجرَّد أن ترى أن مشاعرك تغيَّرت التفت إلى ذاتك لا إلى الشخص وقل هذا يعني أنني رجل يُخادِع ذاته بطريقة الذات نفسها غير واعية بها، يا ويلتاه! شيئ خطير، خطير!

هكذا يلعب بنا إبليس يا إخواني إذا لم نكن واعين بذواتنا، هل فهمتم؟ سوف يقول لي أحدكم على هذا النسق أقدر على أن أُقيِّم صلاتي وذكري وعبادتي وخُطبتي ومظاهري الدينية ومظاهري الدعوية، كل هذا أقدر على تقييمة لكي أرى مدى الصدق فيه ومدى التقنيع، هذه خُطوات في تفكيك الذات طبعاً، خُطوات في معرفة الذات نعم، وهذه خُطوات في تحصين الذات، ضد مَن؟ ضد إبليس، ضد الهجمات الإبليسية، كلما عرفت نفسك أكثر كلما تحصَّنت أكثر ضد هذه الهجمات الإبليسية، صرت منيعاً بإذن الله تبارك وتعالى، صرت منيعاً! ذات مُقابِل ذات، كيان – كيان وليس شيئاً، كيان إنساني – مُقابلِ كيان آخر.

أنا لم أُكمِل لكم ما كنت أقوله، قلت لكم انتبهوا، الله برحمته قضى أمراً، هناك أُناس يقولون لك القرآن أخبر أن مُعظَم الناس كذا وكذا، أنا أقول لك بالعقل فكِّر، وبالمُناسَبة العقل عدو كبير لإبليس، إبليس لا يُحِب العقل فانتبهوا، لا يُحِب التفكير المُنظَّم، إبليس يُحِب التفكير المُشوَّش والمُرتكِب، وبالمُناسَبة هناك مَن يقول لك تتفلسف وما قل وما دل، هذه نزعة إبليسية، صدِّقني نزعة إبليسية، تفلسف وتفلسف وتفلسف، وعندك الوقت، وتعمِّق وتعمِّق وتعمِّق، واكشف طبقة عن طبقة وطبقة عن طبقة، أُحِب أن أعي ذاتي أولاً، يُقال لك دعك من هذا كله، لا تحتاج كل هذا، أنت عندك حدس Intuition، أنت عندك حدس قوي، أنت تفهم ما لا يفهمه هذا الفيلسوف الذي عنده عشر شهادات، إبليس، إبليس الآن! هل تعرف لماذا؟ لأنه يرتعد فرقاً ويرتجف خوفاَ من ماذا؟ من تفكير مُنضبِط دقيق مُمنهَج، يُحِب ماذا هو؟ يُحِب الإرباك، من سوء حظنا كبشر – ليس فقط كمُسلِمين وكمُؤمِنين وإنما كبشر – أنه يجد عوناً كبيراً في الإرباك اللُغوي، في التشوش اللُغوي الناجم من اقتصاد اللُغة كما قلت مرة، اللُغة لكي تُؤدي وظيفتها وتشتغل لابد أن تكون اقتصادية، لا يُمكِن غير هذا، قلت مرة – ضربت مثلاً بسيطاً – تخيَّلوا لو أن اللُغة طوَّرت تعبيرات ومُصطلَحات تُلاحِق بها كل حالات التعلق والشغف، سوف تُصبِح شأناً غير مقدور عليه، فلابد أن يصير لحُبك لله اسم خاص، وأن يصير لحُبك للرسول اسم خاص، وأن يصير لحُبك للأب اسم خاص، وأن يصير لحُبك للأم اسم خاص، وأن يصير لحُبك للزوجة، للصديق، للأولاد الذكور، للأولاد البنات، للملوخية، للعلم، للمنبر، وللسجادة الحمراء هنا اسم خاص، خمسون مليون شيئ نُشغَف به ونُحِب، أليس كذلك؟ كل شيئ لابد أن يكون له مُصطلَح خاص، لا تقل لي هذا كله حُب، حُب الملوخية وحُب الله! ما هذا؟ يُوجَد إرباك رهيب هنا، لكن هذه اللُغة لكي نقدر على أن نتواصل بها، نحن غير مُتفرِّغين، مثل هذا الإرباك أيها الإخوة في النسب التقييدية، كالنسبة الإضافية، مُضاف ومُضاف إليه! يقول لك جاكيتي My jacket، نعم جاكيتك Your jacket، وبعد ذلك يقول لك مسجدي، نعم مسجدك! ثم يقول وسيارتي وحذائي ومطبخي وزوجتي وأولادي وأبي وأمي، دخلنا في الخطر الآن! ثم يقول ووطني وشعبي، قشعر بدني والله، ويُوجَد شيئ أخطر من هذا، يقول لك وديني، ديني! خطير هذا، دخلنا في شيئ خطير الآن، على حواف أشياء مُخيفة، يقول وربي وإلهي، يا حبيبي! أرأيتم النسبة التقييدية؟ لا إله إلا الله، أتحدَّث عن إلهي بنفس الطريقة التي أتحدَّث بها عن أبي وأمي وكتابي وشعبي وما إلى ذلك، لن أقول كلمة ثانية، كل هذا نسبة تقييدية، ولذلك ما لم تكن واعياً بذاتك عارفاً بالحدود سيُخيَّل إليك بفضل الإرباك والتشوش الناجم من هذه النسب التقييدية المبنية على أساس الاقتصاد اللُغوي أن الله في نهاية المطاف شأنٌ يخصك، وكما أقول دائماً أنا بجراءة لا أدري أُنقَم عليها أو أُحسَد عليها تقريباً كلنا بارعون في أن نخلق صوراً لله، نقد صوراً لله، كلٌ منا على قد نفسه، تقد صوراً للإله الخاص بك أنت وتزعم أنه رب العالمين، غير صحيح، هذا ربك أنت، تقول هذا إله العالمين، غير صحيح، هذا إلهك أنت الذي قددته على قد هواك وحقدك وضغينتك وطمعك وضعفك ورغائبك، أليس كذلك؟ هذا الإله الذي سمح لك أن تُبغِض مَن أحبه الله وما أحبه الله وأن تلعن مَن باركه الله، أن تتكلَّم باسم الله خطورة خطورة خطورة، أنا موقفي هذا كمُتكلِّم في الدين – والله العظيم – لا أُحسَد عليه، خطر جداً يا إخواني، خطر جداً! ولذلك دائماً نحن مندوبون أيضاً إلى أن نبدأ بماذا؟ بالبسملة والحمدلة، وإذا شعرنا بالنزغ أن نستعيذ، وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۩، وضع خطير الكلام باسم الله، وبالمُناسَبة كلما أمعنت في أن تتكلَّم باسم الله هذا يأتي انعكاساً لهذا الإرباك والتشويش في الإضافة: ربي، ديني، كتابي! شيئ خطير جداً، مُقدِّمة لماذا؟ للفعل باسم الله، للفعل نيابة عن الله، والفعل نيابة عن الله ماذا يعني في النهاية؟ خلط إرادتك بإرادة الله، شيئ خطير جداً، وقعنا في المحظور، إبليس يجد هنا منبعاً لا ينضب يا إخواني – والله العظيم – ومصدراً ثراً غزيراً فوّاراً لإضلال البشر.

سأختم بمثال واحد في هذه الخُطبة إخواني وأخواتي، بعض الناس تجده يُقنِّع أيضاً عجزه عن الإغاثة – أن يُغيث الملهوفين – وعن النُصرة – أن ينصر هؤلاء المُستضعَفين المظلومين – وعن التواصل مع المظلومين وعن مُحاوَلة مُعايَشة جانب من مأساتهم وآلامهم، هو لا يقدر على شيئٍ من هذا لسبب أو لآخر، يُقنِّع هذا كله بماذا؟ بالله، لأن الله قال وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ۩، لا عافاهم الله، الله قال وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ۩، زادهم الله، أستغفر الله العظيم، ما هذا الذي يحصل؟ سوف تقول لي هذه قضية فعلاً مُحرِجة، وواضح أنها غامضة جداً، هذه التفكير في الاستنباط أليست صحيحة؟ نعم ليست صحيحة، لكن هو يستشهد بنصوص! هل تعرفون أين مكمن الخطأ هنا؟ هذا ليس مكمناً، هذا مُولِّد Generator، هذا مُولِّد لأخطاء سلسالية لن تنتهي حتى تنتهي بك زنديقاً، تنتهي بك مُتألِّهاً كاذباً، هو خلط ما لك بما لله، خلط صلاحياتك المحدودة الجاهلة النسبية بصلاحيات الله لا إله إلا هو، خلط إرادتك بإرادة الله، مُماهاة فعلك بفعل الله، كأنه فعل الله وهو ليس فعل الله، هذا فعلك أنت، هذا خطير جداً! كيف؟

طبعاً هذا الموضوع كان يحتاج إلى خُطبة وحده لكن – إن شاء الله – أُحوصِله في دقائق يسيرة، يا إخواني أيهما أصعب على الإدراك: الخطاب الشرعي أن نُدرِكه وأن نُحاوِل أن نُقارِبه أم الفعل القدري لله؟ الفعل القدري طبعاً، الفعل القدري أوسع بكثير وأعمق وأغمض بكثير، الخطاب الشرعي أصلاً الله نزَّله وصاغه – لا إله إلا هو – مبدئياً بطريقة تسمح بالتعاطي معه في حدود مقبولة، حدود دُنيا للفهم، هل فهمتم؟ لكن – انتبهوا – هذا لا يعني أن لدينا لياقات مُتكافئة ومُتعادِلة ولياقات مُغلَقة مُنتهية للتعامل المضمون المُحصَّن مع النص أبداً، غير صحيح، علينا أن نقطع مشواراً طويلاً في تلقي النص والتَلمذة بين يديه بتواضع وليس بالاقتراح، ليس بعقلية اقتراحية على النص، بالعكس بعقلية التلقي، التَلمذة على النص وليس إظهار الأستذة على النص، ما معنى هذا؟ الله الذي قال – مثلاً – وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۩ هو القائل أيضاً – أولاً – وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۩، ومنطوق الآية – الآية غير مفهومة، هذا المنطوق – أنها تعم الظالمين والمُقسِطين، أي تعم القاسطين والمُقسِطين، الظالم والمُقسِط! والنبي قرَّر هذه السُنة الإلهية الكونية، يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم، إذا كثر الخبث، إذا ترجَّح وإذا أصبح العُظم – عُظَم الناس، مُعظَم الناس، مُجمَل الناس – قاسطين ظالمين ربما عمهم الله بعقاب، بعقوبة تعم القاسط والمُقسِط، الظالم والمظلوم، الصالح والطالح، الآن السؤال: لِمَ لَمْ تستاءل مِن أين لي أن أعرف أن هذا المُصاب وقد أُصيب مِن القاسطين أم المُقسِطين؟ هذا ليس شأنك، القرآن علَّمك أن تُحاوِل ألا تحكم على الناس، حاول ألا تجزم الحساب، يجزم الحساب جزّار، قمّاش، وبيّاع جُملة أو تفصيل، يجزم الحساب! نحن لا نجزم الحساب، قال الله مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ۩، وقال أيضاً إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي ۖ ۩، أليس كذلك؟ اترك الخلق للخالق، حساب الناس على الله.

بعد ذلك نحن فهمنا من الآيات والأحاديث أيضاً أن الأعمال بخواتيمها، وفي الحقيقة هذه سُنة مفهومة حتى، سُنة عادية وكونية مفهومة تماماً، واحد عبر كل الاختبارات – Tests – في السُنة كان – ما شاء الله – مُتفوِّقاً، في الامتحان النهائي في آخر السنة رسب، هو راسب، سيُعيد السنة، الأعمال بخواتيمها، أليس كذلك؟ إنسان قطع معك خمس سنوات صديقاً مُخلِصاً وفياً، انتهى بمُتآمِر عليك يُريد أن يقودك إلى حبل المشنقة، إذن أصبح عدواً، الأعمال بخواتيمها، هذا عدوي الآن، كان – كان فعل ماض ناسخ، أليس كذلك؟ – صديقاً، الأعمال بخواتيمها، ما أدراك إذن أن هذا الذي تُريد أن تجزم الحساب معه يُختَم له بسعادة كُبرى؟ ربما ينتهي إلى حال أحسن من حالك وأسعد من حالك، نسأل الله حُسن الختام لنا ولجميع إخواننا وأخواتنا، أليس كذلك؟ ما أدراك؟ أيضاً القرآن الكريم حدَّثنا عن ماذا يا إخواني؟ حدَّثنا عن الابتلاء، أن هناك ابتلاءات لا يخلو منها الأنبياء والمُرسَلون، الأنبياء يُبتَلون، ألم يُقتَل النبيون؟ كم مرة يقول الله هذا! قال الله وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ ۩، وقال أيضاً وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ ۩، أنبياء قُتِلتَ، رُسل قُتِلت، ألم يُطرَدوا من ديارهم؟ ألم يُفجَعوا في أموالهم، في أزواجهم، وفي أولادهم وذرياتهم؟ حصل، ابتلاءات! ما أدراك أن هذا المسكين ليس مُصاباً بمُصيبة عقوبة إنما ابتلاء؟ ما أدراك؟ أنا أقول لك خلط الفعل وخلط الإرادة واللعبة الخطيرة الإبليسية هذه لعبة تنزعك من إنسانيتك وتُحوِّلك إلى كيان شري، كيان إبليسي يشمت بمصائب الآخرين أو لا يُباليها، واللامُبالاة قاسية جداً، لغاية أن أحد العباقرة قال ليس ضد المحبة الكره، ما رأيكم؟ ليس شرطاً أن الكراهية هي ضد المحبة، هل تعرفون ما الضد؟ هنا قد يقول لي أحدكم ما هذا التخبيص؟ كيف؟ ستعرف الآن، لأنني قد أكرهك لأنني أُحِبك، أتوهم أنني أكرهك من فرط حُبي لك كما يحدث بين الزوجين، أليس كذلك؟ بالمُناسَبة لو وجدت مُحِبين حصل بينهما نزاع ووجدت أحد الطرفين أو كلا الطرفين يثور دائماً على الآخر بعد النزاع ويُصِر ويعلو صوته اعلم أنه لا يزال يُحِبه، هل تعرف متى تُوقِن أنه كف عن حُبه؟ إذا هدأ تماماً وجاءه حبيب الأمس وكلَّمه فقال لا بأس، افعل ما تُريد، أنت في حِل من حُبي ومن قلبي ومن عقد محبتنا، اذهب! هذا ما عناه أحد العباقرة حين قال ليست الكراهية هي ضد المحبة، إنما اللامُبالاة، أرأيت؟ أناس فاهمة، اللامُبالاة هي ضد المحبة، ولذلك اللا مُبالاة شيئ قاسٍ جداً، رحمة الله على عليّ عزت بيجوفيتش Alija Izetbegović حين قال لو خُيِّرتُ بين الكارثة وبين اللامُبالاة لاخترت الكارثة، إنسان واعٍ بإنسانية، واعٍ بأنه لا يُمكِن أن ينقلب كياناً إبليسياً، هو كيان إنساني، وما دام إنسانياً فهو يُبالي إخوانه البشر، هو يُحِبهم ويُحِب لهم الخير، هكذا خُلِقنا، خُلِقنا من نفس واحدة، أليس كذلك؟ الله يقول هذا، ينبغي أن نبقى كنفس واحدة.

حدَّثتكم مرة عن الخلايا المرآوية في أدمغتنا، أي الـ Mirror neurons، الخلايا العصبية المرآوية، حين ترى سعيداً تسعد، حين ترى شقياً يتطرَّق إليك الشقاء، لذلك اعمل على أن تُسعِد كل مَن حولك، لماذا؟ لتسعد أنت، ارفع شقوة الآخرين لكي تسعد أنت يا مسكين، هذا علم أعصاب، أي نيورولوجي Neurology! القرآن قال نفس واحدة، أنتم نفس واحدة، مخلوقون من نفس واحدة، وستُبعَثون وتُجزَون أيضاً كنفس واحدة، مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ۩، ونحن من نفس واحدة وفينا هذا الواحد مُتكرِّر دائماً، أليس كذلك؟ هذا الجامع المُشترَك، إذن يا إخواني اللامُبالاة قاسية مُخيفة ومُرعِبة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلَّم تسليماً كثيراً.

إخواني وأخواتي:

أنت لا تدري إذن هذا المُصاب أمامك قد يكون عبداً صالحاً مُبتلَىً، إنما ابتلاه الله – تبارك وتعالى – ليختم له بالسعادة وليرفع مقامه عنده وربما رفع له ذكراً في الآخرين، ما أدراك؟ إياك أن تتدخل فيما ليس لك، الفعل القدري واسع جداً جداً جداً، والخطاب الشرعي دقيق وله مزالق وعميق وينبغي أن يُقرأ تضامنياً تآزرياً موضوعاتياً، لا تفهم آية بحيالها، لا تفهم آية بحدتها، إنما عليك أن تُحاوِل أن تكون فيلسوفاً في الفهم، أن تقرأ كل ما يتعلَّق بالموضوع، لكي تخرج بنتيجة.

في أوروبا هنا يا إخواني في العصور الوسطى كان القانون – كما تعرفون هذا قانون، كان قانوناً هنا في أوروبا، هذه القوانين ما شاء الله كيف تطوَّرت؟ الحمد لله – يقضي بأن مُساءلة المُتهَم واختبار المُتهَم يكون من خلال المحنة، ليس كاليوم المُتهَم بريء حتى تثبت إدانته، إذا اتُهِم أحد للأسف ينتهي الأمر، أي واحد اتهمه وكتب فيه تقريراً لمحكمة تفتيش، قال لك جميل جداً، نأتي بالمُتهَم ونعرضه على المحنة، اسمها المحنة، هكذا! ما المحنة؟ التغريق، نضعه في ماء ونُغرِّقه، إذا عام وطفا يكون بريئاً، إذا غرق ولم يُحسِن السباحة يكون مُجرِماً مُذنِباً، قالوا كيف؟ ما أساس هذا القانون؟ هل هذا قانون طبيعي؟ ليس قانوناً طبيعياً، هذا وضع بشري، إذن هذا الوضع البشري يستند على ماذا؟ قال لك على إرادة الرب، خلط الإرادة! خلط إرادة البشر بإرادة الله شيئ خطير، هذه المحنة في أوروبا كانت، هذه المحنة! قال لك غرِّقه، إذا لم يتعلَّم السباحة قطعاً سوف يغرق، قال لك لا، يُوجَد رب، بالمُناسَبة هنا التعويل على عدالة الرب تقنيع لماذا؟ لعجز المُؤسَّسة القضائية العدلية البشرية، واضح أن مُؤسَّستكم ضعيفة تماماً ومُتهالِكة وغير صالحة وغبية، أليس كذلك؟ لا تستطيع أن تُحقِّق العدالة، بين نظرية المجنة – إن جاز أن تُسمى المحنة نظرية – في أوروبا الماضي وبين نظرية جون رولز John Rawls في القرن العشرين شيئ في نهاية الامتاع، إن شاء الله أعدكم أن أُحدِّثكم عن جون رولز John Rawls، لأن لا يُوجَد أحد الآن يتكلَّم عن العدالة في العالم إلا يقول جون رولز John Rawls، جون رولز John Rawls العدالة، العدالة كإنصاف، انظر إلى جون رولز John Rawls واعرف كيف يتحدَّث عن تأسيس العدالة ومباديء العدالة وقناع الجهل، وما معنى قناع الجهل في الوضع الأصلي للبشر؟ شيئ في مُنتهى الدقة والعمق والإنسانية، شيئ غير طبيعي، أعظم نظرية في آخر أربعين سنة هذه على الإطلاق في العدالة، ونظرية المحنة تقنيع، جاء الإنسان وخلع هذا القناع وداسه بقدمه، قال لا، علىّ أن أعتمد على ماذا؟ على لطف الله الذي وهبني إياه، على العقل، على الذكاء، على المنطق، وعلى الضمير الصاحي اليقظ، ضمير الأخوة، الإنسانية الواحدة، المُجتمَع الواحد، أبناء الأسرة الواحدة، لكي أُؤسِّس العدالة على أُسس قوية راسخة متينة بحيث لا يُظلَم ضعيف ولا يُظلَم صاحب حيلة قليلة أو بلا حيلة، هذه نظرية جون رولز John Rawls بتبسيط مُخِل طبعاً جداً جداً جداً ونظرية المحنة في التغريق اتكالاً على ماذا كما قال؟ عدالة السماء، لو الله يعلم أنه بريء هو سيعوم وسيطفو، وإذا كان الله يعلم أنه مُذنِب حتماً سيغرق، الآن يُوجَد سؤال: لماذا لم يعكسوا؟ لماذا لم يقولوا إذا كان بريئاً سيغرق وإذا كان مُتهَماً سيطفو؟ لأنها تُعيدهم إلى المُربَّع الأول، هذا أصبح مُتهَماً الآن فكيف سنقضي فيه الآن مرة أُخرى؟ فلذلك عكسوها، عكسوها وقنَّعوها بالعدل، أن المُذنِب يغرق، أرأيتم؟ شيئ غريب الإنسان هذا، فإياك إياك من الإمعان في الكلام باسم الله، ثم إياك إياك من الفعل نيابة عن الله وخلط الإرادة بإرادة الله، أنا أقول لك اجعل استجابتك لمصائب الناس، لامتحانات الناس، ولكوارث البشر على نحوٍ – هذا مبدأ تأسيسي – يُعزِّز إنسانيتك، الرحمة فيك، الكرم، العطاء، التعاطف، والمُبالاة، لا اللامُبالاة، تكن – إن شاء الله – كما يقولون في الـ Safe side، تكن في السليم بإذن الله، هكذا تكون أسَّست على أُسس صحيحة.

تعرفون هذا المعنى العميق – هذا معنى عميق بلا شك، وهذا ليس من عندي، أنا فهمته من دراسات وما إلى ذلك، ليس من توليد فكري المحض – سبق إليه العارفون بالله لكن بطريقة أجمل من هذا، وكثَّفوه بكلمة واحدة، قالوا إذا عاملت عباد الله – سموه الآخر، أي الآخرين – فتحقَّق، وإذا عاملت نفسك فتشرَّع، لماذا إذن؟ هذا يُفسِّره ما ذكرت لكم قُبيل قليل، أن التحقق دائرته أوسع وأعمق وأغمض، أوسع بكثير من التشرّع، ولذلك إذا عاملت الآخرين بتحقّق ستلتمس لهم ماذا؟ المعايير، ستحتمل أفعالهم على أحسن المحامل، ستُحاوِل – كما أقول – أن تُدرِك مشروطيتهم، أن تُدرِك دائماً أنهم مشروطون وما إلى ذلك، لو كنت ربما في مثل وضعه لكنت أسوأ منه، ما يُدريني؟ أليس كذلك؟ وإنما الناس مُبتلىً ومُعافىً كما قال عيسى عليه السلام في مُوطأ مالك، من بلاغات مالك! وإنما الناس مُبتلىً ومُعافىً فاحمدوا الله على العافية وسلوه الرحمة لأهل البلاء، سلوا الله الرحمة بأهل البلاء، هذا التحقق كله، وجاءت الشريعة أيضاً تُساعِده، لكن عامل نفسك بتشرّع، أي مُعامَلة ماذا؟ دقيقة شحيحة معيارية وقانونية، لا تتساهل، تساهل مع الناس، ولا تتساهل مع نفسك، شُح على نفسك وإكرم على الناس، هل هذا واضح؟ لا تُحاوِل أن تفتح باب الاعتذار المرن الرجراج للناس وافتحه للآخرين، تسعد – والله – وتكن حبيباً محبوباً وإلفاً مألوفاً، يألفك ويُحِبك كل مَن حولك، وإن فعلت العكس فهو بالعكس.

في نهاية المطاف أيها الإخوة في يوم من الأيام – ذكرت هذا مرات كثيرة – حين قال أينشتاين Einstein مُبرِّراً لموقفه المُنكِر لفيزياء الكم الله لا يلعب بالنرد ماذا قال له نيلز بور Niels Bohr؟ قال له كف عن تعليم الله ما ينبغي عليه أن يفعله، لا تخلط فهمك حتى بما عند الله، ما أدراك؟ ما أدرانا إذا كان العالم ثبت – نفترض – بالواقع وبالتجريب أنه يتصرَّف بهذه الطريقة العجيبة ألا يكون طريقة الله في خلق العالم وفي إدارة العالم؟ أنت تُسميها طريقة النرد، لكن قد تكون طريقة الله في خلق هذا العالم وفي إدارة هذا العالم، أنت تأتي وتفترض أن الله لا يلعب بالنرد بفهمك وتُطبِّق هذا على الله حتماً، أنت تُريد أن تضع الله – أستغفر الله العظيم – في قفص، مَن أنت؟ قال له، فأنا هنا مُتعاطِف مع نيلز بور Niels Bohr وليس مع أينشتاين Einstein، المنطق هذا قوي جداً جداً، قال له كف أن تدل الله أو تُعلِّم الله ما ينبغي عليه أن يفعله، بمعنى ماذا؟ اشتغل بما عليك، ما هو الذي عليك كعالم؟ أنت تُحاوِل أن تدرس العالم بعلمية، بأكبر قدر من الشفافية لكي تفهم كيف يشتغل العالم، وبعد ذلك تقول في حدود ما تكشَّف لي العالم يبدو أن الله خلق العالم في هذه الحدود، يبدو! ما زلنا في العلم، لكن لا تُقدِّم مبدأً من الأصل وتبدأ تُحاسِب عليه النظريات العلمية، هنا فعلاً كان تفكير نيلز بور Niels Bohr علمياً، تفكير إينشتاين Einstein كان دينياً لاهوتياً، أليس كذلك؟ قدَّم مبدأً من الأصل وبدأ يُحاسِب عليه النظريات العلمية، غير صحيح، هذا غير صحيح! فلنكف إذن عن خلط إرادتنا بإرادة الله لكي نسد أبواباً وسيعةً مُشرَعةً على مصارعها لإبليس اللعين. لعنه الله.

اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً، اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرَّجته ولا كرباً إلا نفَّسته ولا ميتاً إلا رحمته ولا مريضاً إلا شفيته ولا غائباً إلا رددته ولا أسيراً إلا أطلقته ولا مهموماً إلا أذهبت همه وأبدلته فرحاً وسروراً يا رب العالمين ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه.

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها وأجِرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وارزقنا عمل الخيرات وأسعِدنا بفعل الخيرات واجعلنا من عبادك المُتقين وأوليائك الصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا  (24/3/2017)

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

gabriel-adnan

عدنان ضد غابرييل – ج3

إخواني وأخواتي: أُثنّي بشهادة ثانية في قضية الجزية على شهادة المُؤرِّخ البريطاني الكبير توينبي Toynbee …

تعليق واحد

  1. بسم الله الرحمن الرحيم –مدهامتان–صدق الله العظيم

اترك رد