الرئيسية / التفريغات النصية / رمضان وقمع النفس عن اتباع الهوى

رمضان وقمع النفس عن اتباع الهوى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين المُجاهِدين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله – سُبحانه وتعالى -:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأفاضل، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۩ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۩ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۩ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الكريمات:

روى الإمام ابن خُزيمة في صحيحه والإمام البيهقي من طريقه والإمام أبو الشيخ بن حبان في كتاب الثواب عن سلمان الفارسي – رضيَ الله عنه وأرضاه -، قال خطبنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – آخر يوم من شعبان، قال أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مُبارَك، شهر فيه ليلة خيرٌ من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً، مَن تقرَّب فيه بخصلة من الخير كان كمَن أدى فريضةً فيما سواه، ومَن أدى فريضةً فيه كان كمَن أدى سبعين فريضةً فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المُواساة، وشهر يُزاد في رزق المُؤمِن فيه، مَن فطَّر فيه صائماً كان مغفرةً لذنوبه وعتق رقبته من النار.

قالوا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يُفطِّر الصائم، قال يُعطي الله هذا الثواب مَن فطَّر صائماً على تمرة أو على شربة ماء أو على مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، مَن خفَّف فيه عن مملوكه كان مغفرةً له وعتقاً لرقبته من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين تُرضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأما الخلصتان اللتان تُرضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخلصتان اللتان لا غناء بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار، ومَن سقى صائماً سقاه الله من حوضه شربةً، لا يظمأ حتى يدخل الجنة.

قال ابن خُزيمة صح الخبر، وفي بعض نُسخه إن صح الخبر، والله – تبارك وتعالى – أعلم، هذا الحديث حديث جليل، يجد المُؤمِن راحةً في ذكره وفي التذكير به، ولا بأس أن نذكره ونُذكِّر به كل عام، فقد قال السادة العلماء كالحافظ ابن رجب وغيره هذا الحديث أصل في التهنئة برمضان، هذا الحديث أصل في التهنئة بشهر رمضان! وهو خير ما يُهنئ به المُسلِمون بعضهم بعضاً بمقدم وحلول هذا الشهر الكريم الفضيل الجليل، الذي نحمد الله – تبارك وتعالى – على أن بلَّغناه، ونسأله ونرغب إليه – سُبحانه وتعالى – أن يفتح علينا فيه فتوح الواصلين، وأن يُحقِّقنا فيه بحقائق العارفين، وأن يجعلنا فيه جميعاً وإخواننا وأخواتنا المُسلِمين والمُسلِمات وآباءنا وأمهاتنا من المرحومين ومن الذين غفر لهم ومن الذين أعتق رقابهم من نار جهنم، اللهم آمين.

وقد قال مولانا رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – فيما أخرجه ابن خُزيمة أيضاً في صحيحه والإمام البيهقي في شُعب الإيمان عن أبي هُريرة – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين -، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – أيها الناس قد أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله، يعني الله – سُبحانه وتعالى – الذي يُحلَف به، قال بمحلوف رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -، ما مر بالمُؤمِنين شهر خير لهم منه، وما مر بالمُنافِقين شهر شر لهم – يعني عليهم، تجوزاً – منه، وذلك أن المُؤمِن بمحلوف رسول الله إن الله – سُبحانه وتعالى – ليكتب أجره ونوافله قبل أن يُدخِله، ويكتب إصره وشقاءه – والعياذ بالله تبارك وتعالى – قبل أن يُدخِله، وذلك أن المُؤمِن يُعِد فيه القوت من النفقة للعبادة، ويُعِد فيه المُنافِق – والعياذ بالله تبارك وتعالى – اتباع غفلات المُؤمِنين، واتباع عوراتهم، فغنم يغنمه المُؤمِن، نسأل الله أن نكون من الغانمين، وأن يُوفِّر حظنا، وأن يُعظِّم قسمنا، وأن يجعلنا من الضاربين بغير سهم في غنيمة رمضان، ونسأله ونرغب إليه – سُبحانه وتعالى – أن يجعلنا من الذين يُحافِظون على الأوقات، ومن الذين يُغانِمون الطاعات، اللهم آمين، هكذا أيها الإخوة الأفاضل والأخوات الكريمات.

وذاكر الله في هذا الشهر العظيم مغفور له، وسائل الله – سُبحانه وتعالى – في هذا الشهر الكريم لا يخيب، قال عمر – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاع – قال – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – ذاكر الله في رمضان مغفور له، وسائل الله فيه لا يخيب، أخرجه الإمام الطبراني في مُعجَمه الأوسط، ولذلك حري بالمُؤمِن أن يُحدِث أوبةً وأن يستحدث توبةً في هذا الشهر الكريم، وقبيح جداً أن يأتي هذا الشهر وأن يُولي ويتصرَّم ولم يُغفَر للواحد منا – والعياذ بالله -، الشقي مَن شقيَ في هذا الشهر، والسعيد مَن سعد فيه.

يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام – فأروا الله عباد الله من أنفسكم خيراً، فإن المحروم مَن حُرِم في هذا الشهر، المحروم – والعياذ بالله – مَن حُرِم في هذا الشهر، لأن كل الدواعي للوصول والقبول والتوبة والإنابة والخشية والرجاء مُتضافِرة مُتواجِدة مُهيأة في هذا الشهر الكريم، ولذلك لا يُحرَم فيه – والعياذ بالله – إلا محروم، وفيه ليلة القدر، لا يُحرَم خيرها إلا محروم – والعياذ بالله -، كما قال – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

روى البخاري ومُسلِم وغيرهما عن أبي هُريرة – رضوان الله على الجميع – أنه – عليه الصلاة وأفضل السلام – قال مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً – أي طلباً للأجر من الله وحده، هو يحتسب أجره ويكتفيه من عند الله فقط، لا يُريد شيئاً آخر من الناس – غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، والظاهر ما تقدَّم من ذنبه أي كله إلا الكبائر، لما في الأحاديث الأُخرى الصحيحة، رمضان إلى رمضان مُكفِّر لما بينهما ما اجتُنِبت الكبائر، في صحيح مُسلِم وفي غيره، فالكبائر لا تُغفَر ولا يُعفّى على آثارها إلا بالتوبة النصوح وإلا بالتوبة الصادقة، فرمضان لا يُكفِّرها، ولكن الحج يُكفِّرها – إن شاء الله تبارك وتعالى -، وإن كان الحج لا يُكفِّر التبعات، أي حقوق العباد، على كلٍ وقال – عليه الصلاة وأفضل السلام – في تتمة الحديث ومَن صام، إذن مَن قام رمضان غُفِر له ما تقدَّم، ثم قال ومَن صام، إذن حتى الذي يصوم وصيامه مقبول لكن لم يتيسَّر له لسبب أو آخر أن يقوم رمضان يُعطيه الله – تبارك وتعالى – هذا الأجر، وهو مغفرة ما تقدَّم من ذنبه، اللهم إنا نسألك ذلك بفضلك ومنّك وكرمك يا كريم، يا منّان، يا رحمن، يا رحيم، ومَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، إذن الصيام وحده مُكفِّر، القيام وحده مُكفِّر – إن شاء الله تبارك وتعالى -، وهكذا!

وفي الصحيحين أيضاً من رواية أبي هُريرة – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – إذا أقبل رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النيران، وصُفِّدت الشياطين، فمُعظَم الشر الذي ينبعث من الإنسان هو من نفسه – والعياذ بالله -، من النفس الأمّارة بالسوء، لأن الشياطين مُصفَّدة مُسلسَلة، وقيل مردتها، وقيل غير ذلك، لكن – هذا المُهِم – هي لا تصل إلى المُؤمِن في رمضان ما تصل إليه في غير رمضان، لا تصل! ليس لها سُلطان على المُؤمِن في رمضان كسُلطانها عليه في غير رمضان، هذا الحد الأدنى من معنى الأحاديث والآثار مُتفَق عليه، مُتفَق عليه – إن شاء الله تبارك وتعالى – وإن اختُلِف في معنى تصفيدها وسلسلتها على أقاويل كثيرة لا نُطوِّل بذكرها، لكن مُعظَم الشر كما سمعتم يكون من نفس الإنسان، النفس الأمّارة بالسوء، النفس التي تسعى في مساخط الله – تبارك وتعالى -، ليس في محابه، وليس في مراضيه.

من عادة الوعّاظ والمُتكلِّمين – أيها الإخوة والأخوات – أن يُذكِّروا بحكم الصيام، وبأسرار هذا الشهر الفضيل، وإنها لحكم كثيرة، وفوائد وعوائد شريفة وجزيلة، ولكن أحببت أن أكتفي وأن اجتزئ في هذا المقام – إن شاء الله تبارك وتعالى – بحكمة واحدة، لعل الله – تبارك وتعالى – ينفعني وإياكم بها وبالتذكير بها وبتضاعيف معانيها، إنها حكمة وسر خطام النفس عن الهوى، خطام النفس عن المُشتهيات، عن ملاذها! هذه الحكمة لعلها تكون أبقى وأعظم وأجل حكمة من حكم الصيام، ما يُذكَر للصيام من حكم – وإنها لكثيرة كما سمعتم وجليلة – حكم تتحقَّق في بعض دون بعض، يذكرون – مثلاً – حكمة أن يتذكَّر الإنسان ألم الجائعين وعوز المعوزين، فما الحكمة إذن في حق المُعوز نفسه والفقير الذي يعيش حياته ظمآن عطشاً جوعان؟ هذه لا تنطبق عليه، هذه تنطبق على الأغنياء فقط، على الواجدين، وليس على المعوزين والمُعدمين، لكن الحكمة التي تنطبق على الجميع دون استثناء تربية النفس، خطام النفس.

المال قد يُوجَد مع بعض ولا يُوحَد مع بعض، العلم قد يُوجَد مع بعض ولا يُوجَد عند بعض، وكذلك القوة، السُلطان، الهيل، الهيلمان، وكل الأشياء، تُوجَد في ناس ولا تُوجَد في آخرين، لكن كل نفس تحمل هواها معها، كل واحد منا له هواه، له مُشتهياته، له وساوسه، له رغائبه، له محابه، وله ملاذه، الصيام حكمته الأكبر وسره الأول أن يُعلِّمنا كيف نخطم هذه النفوس عن أهوائها، وفي الحديث الذي صحَّحه النووي وخالفه كثيرون غيره لا يُؤمِن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به، والمعنى لا يُؤمِن أحدكم إيماناً كاملاً، هو لا ينفي أصل الإيمان، إنما ينفي كمال الإيمان، لا يكون إيمان أحدكم أو الواحد منكم كاملاً حتى يُطابِق هواه هوى النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وأما هواه هو – عليه الصلاة وأفضل السلام – فهوى في الله، إنه يهوى ما يهواه الله – تبارك وتعالى -، ويُحِب ما يُحِبه الله، ومَن أحب ما أحبه الله أحب الله ما أحبه.

وفي الصحيحين قالت أمنا عائشة – رضوان الله تعالى عليها – ما أرى ربك يا رسول الله إلا يُسارِع في هواك، قالت ما أرى ربك يا رسول الله إلا يُسارِع في هواك، لماذا؟ لأنه كان – نفسي وروحي والعالمون له الفداء، عليه الصلاة وأفضل السلام – لا يهوى إلا ما يُحِبه الله، كان لا يُريد إلا ما يُريده الله، كان فانياً في مُراد الله – تبارك وتعالى -، فجزاه الله وكافأه وقابله بأنه – تبارك وتعالى – يُسارِع في هواه، يُحقِّق له مرغوبه، يُحقِّق له مطلوبه بسرعة، أحياناً قبل أن يفعل، قبل أن يطلب، وقبل أن يرغب – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -.

وقد قال صُهيب الرومي – رضوان الله تعالى عليه – ما أكرم ربنا! لو أطعناه ما عصانا، لو أطعنا الله ما عصانا، هو يُطيعك أيضاً، أتُريد أن تكون دعوتك مُستجابة؟ أتُريد ان تقتلع الجبال بدعائك؟ أتُريد أن تُذِل الرجال من الطواغيت والجبّارين بدعائك؟ كُن مع الله ولا تُبال، كُن معه وحده، راقبه في الخلاء والملاء، اجعله أعظم مَن تخافه، أجل مَن تخشاه، خف منه – تبارك وتعالى – على قدر قدرته عليك، أليس كذلك؟

أرى وترون معي مشهداً عجباً لو كان لنا فكرة، لأن مَن كان له فكرة كان له في كل شيئ عبرة، وقل مِن عباد الله مَن تكون له فكرة للأسف، لأن الناس قلوبها جوّالة في الأباطيل، وجوّالة ترتع في مراتع الشهوات، فمثل هؤلاء بعيدون بعيدون بعيدون من الفِكَر، بعيدون من الحكمة، بعيدون من النفحات الإلهية، أرى وترون معي – أيها الإخوة والأخوات الأفاضل والفُضليات – الكبير من الناس، الذي قد يشمخ على بعض عباد الله، نراه صغيراً مُتطامِناً ذليلاً مُستخزياً، يُغيِّر هيئته، يُغيِّر طريقته في الكلام، يُغيِّر حتى من حركاته وتعاطيه للأمور، وذلك إذا جلس في محضر مَن هو أعظم منه، أليس كذلك؟ جرِّبوا، وسوف ترون العجب، سوف ترون بعض المُتكبِّرين أو بعض المأخوذين بأنفسهم – لا عن أنفسهم -، سوف ترون هؤلاء يُعامِلون البُسطاء والعامة من الناس بطريقة وبشاكلة، حتى إذا جلسوا مع مَن هو أعظم منهم منزلةً أو جاهاً أو أكثر مالاً يختلفون بالكُلية، يُصبِحون شيئاً آخر، فتعجبون! يقول أحدكم هل هذا هو الشخص الذي أعرفه؟ ما الذي دهاه؟ لأنه لا يعرف الذل إلا لله وحده، لا يعرف ذلك، هو يعرف الذل لكل مَن علاه، لكن لو كان يعرف أن الله فوق الجميع طراً وفوق الجميع قاطبةً لعامل الناس بمقياس إلهي، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۩، لربما أجل بعض الضعفة وبعض المساكين وبعض المُهانين، وربما لم يعبأ ولم يُبال بالمُستكبِّرين والأغنياء والواصلين بالةً، لم يُبالهم بالةً، لماذا؟ لأنه لا يعرف الخوف إلا من الله، لا يعرف الرجاء إلا في الله، لا يعرف الذل إلا إلى الله، ولا يعرف الفقر إلا إليه – سُبحانه وتعالى -، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، ومن الخوف إلا منك، هكذا كان رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

هذه – أيها الإخوة والأخوات – هي حقائق الإيمان، هذه حقائق الدين، ونحن بعيدون أو جد بعيدين عنها، بعيدون كثيراً عن هذه الحقائق، ولذلك قل ما نذوق طعم الإيمان في قلوبنا الذي حدَّثنا عنه رسول الله، أين طعم الإيمان الذي يُحيل حياتنا إلى جنة وإلى نعيم؟ كان الواصلون والعارفون من أهل الله يقولون إنه لتمر بنا وعلينا أوقات نقول فيها لو أن أهل الجنة في مثل ما نحن فيه إنهم إذن لفي عيش طيب، الله أكبر! هم يظنون أن أهل الجنة أصلاً لا يتمتَّعون بمثل هذا النعيم الذي نعَّمهم الله فيه وبه، نعيم ماذا؟ ليس نعيم اللباس والأكل والشراب والهيئة والسُمعة والصيت الحسن بين الناس، كل هذا لا يُساوي شيئاً، كل هذا طيش، كل هذا غفلة، كل هذا طفولية، طفولية في التفكير، طفولية في الإدراك والمسلك، أبداً! إنه نعيم الكون مع الله، نعيم العيش مع الله – تبارك وتعالى -، نعيم الأُنس بالله، نعيم التقوي بالله، نعيم الشعور أن بينك وبين ربك علاقة حسنة وصلة حقيقية، تستوحش من الناس وتأنس به، تفر من الناس وتأوي إليه – سُبحانه وتعالى -، تُحِب الليل من أجل هذا المعنى، أنت تُحِب الليل لا من أجل النساء ولا من أجل أن تنام ليلاً بطوله أبداً، تُحِب الليل لتأوي إلى ركن الله – تبارك وتعالى -، تلتذ بمُناجاته، تتملقه بكلامك، نعيم – والله – لا بعده ولا قبله ولا فوقه نعيم، كل نعيم هو دونه، كل نعيم هو دون هذا النعيم، إنهم إذن لفي عيش طيب، عمَّر الله أوقاتي وأوقاتكم بذكره، وطيَّب عيشنا بمحبته وخشيته، اللهم آمين، هكذا!

إذن خطام النفس وتربية النفس تقتضي أول ما تقتضي أن نُزِم هذه النفس، نجعل لها زماماً هكذا، نقودها ولا تقودنا، يا ويله ذلكم الذي تقوده نفسه، لا تقوده إلا إلى مراتع الهلكة، لا تُنازِع به إلا إلى شر غاية – والعياذ بالله -، هناك بعض المساكين الذين تأثَّروا بالغربيين، وأُعيذ نفسي وإياكم أن نتأثَّر بهؤلاء القوم، بفلسفاتهم، بأنظارهم، وبطريقتهم في الحياة، وكأين من مُسلِم جاهل جهول جهل مسكين غافل بدأ يتقيَّل طريقتهم، بدأ يُقلِّدهم، ويقول أعيش وفق بعض مبادئهم! والله لقد سمعتها من بعض الشباب المُسلِمين الطيبين للأسف، غُروا عن أنفسهم وعن دينهم، قال أحدهم لِمَ لا نعيش وفق هذا المبدأ، أي المبدأ الحداثي؟ أي مبدأ يا رجل؟ قال أن نُجرِّب كل شيئ؟ لا إله إلا الله، أتُريد أن تُجرِّب كل شيئ؟! لعلك تضيع من أول تجربة، هذه النفس أكبر خبيث – والعياذ بالله -، هي أعظم وأسوأ ما عُبِد من دون الله، النفس وهواها!

روى الإمام ابن الجوزي في ذم الهوى بإسناده، قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – ما عُبِد في الأرض إله أعظم عند الله – أي أعظم في الشرك، أعظم في الجُرم، والعياذ بالله، من ماذا؟ – من الهوى، هوى النفس! ومن هنا كان جهاد النفس هو أعظم الجهاد في منطق محمد – عليه الصلاة وأفضل السلام -، في منطق أصحابه، في منطق تابعيه، في منطق العارفين من أمته، في منطق الواصلين، وفي منطق أهل الله، ليس في منطق أصحاب الشهوات، وليس في منطق الذي يُقضّون ليلهم ونهارهم عند أفخاذ النساء وعند مناتن النساء، حياتهم تُختصَر في دورة – والعياذ بالله – مكرورة سخيفة مُنتِنة بين مائدة الطعام وبالوعة الطعام – والعياذ بالله -، أشبه بالبهائم، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۩، إن هذا الإسلام الحنيف لم يُحرِّم علينا ملاذ الطعام والشراب، إنما جعل هذه الأشياء بحدود ووفق موازين إلهية، لأنه هو الذي خلقك، وهو الذي يعلم ما يُصلِحك، أن تكون مُسلِماً، تدّعى أنك من أتباع محمد – صلوات ربي وتسليماته عليه -، وتعيش وفق مبادئ هؤلاء، وتتأثَّر بها، فأنت غافل، أنت جاهل، أنت ضائع، أنت تائه، وأنت لا تدري شيئاً، ضيَّعت نفسك يا مسكين أبداً، هؤلاء في تعاسة ما بعدها تعاسة، مقطوعون عن الله – تبارك وتعالى – أبداً، إنما نعيش وفق منطق وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ۩.

قال ابن المُبارَك وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا ۩، قال هو أعظم الجهاد، جهاد النفس! ابن المُبارَك قال هذا الجهاد هو جهاد النفس، وهو القائل – رضيَ الله عنه وأرضاه، أي عبد الله بن المُبارَك، سيد المُحدِّثين في عصره، وكان من العارفين بالله تبارك وتعالى – كان الصالحون قبلنا تواتيهم نفوسهم على الخير مُواتاةً، لأنهم أدبوها، لأنهم ربوها، فكانت تُساعِدهم، إذا طلب أحدهم من نفسه قيام الليل تقوم، إذا طلب أحدهم من نفسه الصدقة تتصدَّق، إذا طلب أحدهم من نفسه البُعد عن المعاصي تبتعد مُباشَرةً، تواتيهم، لأنهم أدبوها، روضوها، وجاهدوها سنين طويلة، لم يُلقوا حبلها على غاربها، ثم أرادوا أن يكونوا من الصالحين، هذه دعوى عريضة، دعوى الكذّابين، دعوى البطّالين.

قال ابن المُبارَك – رضوان الله تعالى عليه – ونفوسنا لا تواتينا إلا على كره، فنيبغي علينا أن نستكرهها، بالقوة! لا تُريد النفس، إذن سأستكرهها بالقوة، سأحملها على طاعة الله بالقوة، لأنه ينبغي أن نخاف – كما قلت لكم ولنفسي أولاً – من الله على قدر قدرته علينا، لماذا نخاف من الشرطة، من المُخابَرات، من المحكمة، ومِمَن هم أقوى منا؟ مَن هؤلاء؟ لا يملكون لا ضراً ولا نفعاً، فلنخف إذن أولاً وأخيراً من الله.

غداً يتدلى أحدنا أو يُدلى في حفرته، بالله عليكم لا يُفارِقكم هذا المشهد، الذي قال فيه رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – وقد جلس يوماً على شفير قبر حتى بل ثراه بدموعه الشريفة الطهور، قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا، وهو القائل ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه، القبر! حفرة ضيقة مُظلِمة باردة، وقد تُنتِن بجيفتك، وذلك بعد حين قليل من الأيام، كيف تُدافِع عن نفسك؟ كيف تُحاج أيها الأخ؟ كيف تُحاج؟ بماذا؟ إذا لم يُوجَد لك عمل صالح حقيقي مقبول ضعت، انتهى كل شيئ، اعمل لهذه الساعة، اعمل لهذا المصير، إنه آتيك آتيك لا محالة، المُشكِلة من الغرور، كما قال – عليه الصلاة وأفضل السلام – يشيب ابن آدم، وتشيب معه خصلتان، الحرص وطول الأمل، أمل طويل! ابن الأربعين عنده أمل أن يبلغ الخمسين، ابن الخمسين عنده أمل أن يبلغ الستين، ابن التسعين عنده أمل أن يبلغ المائة، لا إله إلا الله، إلى متى الأمل؟ سنموت، حتى وإن بلغنا المائة، أليس كذلك؟ والموت ليس له لا حرّاس ولا حجّاب، لا يستأذن، هكذا.

كم صام معنا من أبناء هذا المسجد ومساجد أُخرى والآن لا نراهم! لقد ارتحلوا وخلَّفونا وراءهم، تركوا كل شيئ، والله الذي لا إله إلا هو لا يندم الواحد منهم إلا على ركعة لم يركعها في فراغ وقت، وإلا على صوم يوم واحد وليس صوم شهر كامل ضيَّعه بالمعصية، بالغيبة، بالنميمة، بالنظر إلى ما حرَّم الله، بقول الزور، بشهادة الباطل، وبالكلام الفارغ، يندم! هذا هو ندمه فقط، ليس على الدنيا ولا على أي شيئ من هذه الدنيا.

كَمْ كُنْتَ تَعْرِفُ مِمَّنْ صَامَ فِي سَلَفٍ                     مِنْ بَيْنِ أَهْلٍ وَجِيرَانٍ وَإِخْوَانِ.

أَفْنَاهُم المَوْتُ وَاسْتَبْقَاكَ بَعْدَهُمْ                     حَيًّا فَمَا أَقْرَبَ الْقَاصِي مِنَ الدَّانِي.

وَمُعْجَبٌ بِثِيَابِ الْعِيدِ يَقْطَعُهَا                             فَأَصْبَحَتْ فِي غَدٍ أَثْوَابَ أَكْفَانِ.

حَتَّى مَتَى يَعْمُر الْإِنسَانُ مَسكنَهُ                            مَصيرُ مَسكنِهِ قبرٌ لْإِنسَانِ.

متى؟ إلى متى؟ هكذا ينبغي أن نُفكِّر، لكن أكثر ما يأخذنا هي الشهوات وهوى النفس، بعض الناس حين يسمع هذه الكلمة – أي هوى النفس – يحسب أن هوى النفس النساء أو الطعام أو الشراب، لكن ليس هذا فقط، هذا من هوى النفس، ومن أخطر أهوائها، لكن حتى حُب أن تظهر في الناس وأن يُشار إليك بالأصابع يا مسكين من أخطر أهواء النفس، تُحِب أن يُشير إليك الناس، هذا – ما شاء الله – الذي هو كذا وكذا، وماذا أفادك بعد ذلك؟ لا يُفيدك، لا يُفيدك شيئاً أبداً، كل الذي يُفيدك ما كنزت وما مهدت وما دخرت لنفسك عند الله – تبارك وتعالى -، لا يُفيدك غير هذا.

بعض الناس يُحِب الصيت الحسن، ولذلك هو يدأب ليل نهار إن في تحصيل ألقاب وإن في تحصيل أموال، بعض الناس يكذب ويتشبَّع بما لم يُعط، هو فقير صعلوك، ويدّعي أن عنده في البنوك كذا وكذا، مسكين! يكذب، لماذا؟ لكي يحترمه الناس، هو الغني المُتموِّل المُثري، مسكين! وبعضهم يدّعي أن عنده من العلم ما ليس عنده، بعض الناس يبلغ به الغرور والجنون – والجنون فنون – أن يدّعي أنه يعرف في كل شيئ وهو أعرف العارفين، لماذا؟ لكي يُبجِّله الناس، أنه أعلم العالمين، وأجل المشايخ أجمعين، لن يُفيدك في شيئ، لن يُفيدك حتى وإن اعترف لك كل الناس أنك أعلم العالمين، والله الذي لا إله إله إلا هو إنها لحُجج الله تستكثر منها على نفسك إن لم تعمل بها، ما الذي يُفيدك؟ الجهل الخير من مثل هذا العلم، إذا لم تعمل بهذا العلم فالجهل خير منه، هكذا!

لكن الصحيح هو أن تُخالِف هذه النفس في مرضاة الله، أن تُسخِط نفسك في مرضاة الله، هل تستطيع ذلك؟ افعل ذلك، تستطيع أن تفعله في أشياء يسيرة، ثم يترقى بك الحال الشريف – إن شاء الله تبارك وتعالى -، فتفعله في أشياء عظيمة، في أشياء كبيرة، أنت الآن تشتهي أن تقول كلمة في إنسان تشنأه بها، أمسك، أمسك! بعض الناس يقول لا، أنا أحكي الحق، أحكي الواقع، ذكرته بما فيه، نعم بالإجماع وقد اغتبته، ذكرته بما فيه وبالإجماع أنت قد اغتبته، وهذا من كبائر الذنوب، لا من صغائرها، ثم بعد ذلك تذهب لكي تقوم أربع ركعات في الليل، هل تحسبها تنفعك عند الله؟ ما لم تعترف وتر أنك أتيت ذنباً عظيماً وتضرع إلى الله في أن يغفره لن يفتح الله عليك حتى لو قمت الليل كله، أما الاعتراف فإنه يهدم الاقتراف، لابد أن تعترف، حتى لا تعود إلى هذا الذنب، لكن تضحك على نفسك، تكذب وتغتاب وتنم وتحسد وتغش – والعياذ بالله – وتتشبَّع بما لم تُعط وتهوى المُحرَّمات ورذل الأعمال – والعياذ بالله – ثم تضحك على نفسك بصلوات وببعض القروش تتصدَّق بها وبدموع هكذا تزرفها لكي تُزيِّن نفسك لنفسك أنك من الخاشعين، لا ينفعك يا مسكين، أنت تُخادِع نفسك، الله لا يُخدَع.

أيها الإخوة:

لهذا الوجه أو في هذا البدن باصرة، هي هذه، وهي حسّاسة جداً، لو سقط فيها رمش من رموش الأهداب تتأذى جداً، أليس كذلك؟ تتأذى جداً، لا تستطيع أن تستبقيه لحظة أو لُحيظة، وتلجأ إلى كل حيلة لكي تستخرجه، يتشوَّش حالها، وللباطن – للنفس وللروح – عين أُخرى، تُسمى البصيرة، وهي أشد حسّاسية وأكثر رهافةً من باصرة البطن، أدنى شيئ يقع فيها يُشوِّشها، وبالتالي بعد ذلك تعود غير مُستطيع أن تلتقط رسائل الله إليك، الله يبعث إلينا رسائل في كل لحظة، رسائل مُستمِرة، والله لو التقطنا بعضها لأصبحنا من كبار العارفين، رسالة واحدة من المُمكِن أن تقلبك رأساً على عقب، تُصبِح إنساناً آخر – بإذن الله -.

لكن مَن الذي يستطيع ان يلتقط هذه الرسالة؟ قلب شفيف رهيف صافٍ أبيض رائق، قلب مُخلِص حقيقي، هذا القلب لا يُمكِن أن يكون كذلك مع ذنوب صغيرة بسيطة لم يتب منها، فكيف بالكبيرة؟ بعض الناس يقول قطعت ظهرنا وظهر نفسك، بالغت! لا والله، هذا المعنى – والله – ألهمنيه حديث لرسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام -، ولكأني لأول مرة أقرأه، حديث مُخيف، وهو الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، عن أم المُؤمِنين عائشة – رضيَ الله تعلى عنها وأرضاها -، أنها قالت لرسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام – ذات يوم حسبك من صفية – تعني صفية بنت حُيي بن أخطب، أم المُؤمِنين، أبوها يهودي، وهي أسلمت – كذا وكذا، قال بعض رواة الحديث تعني أنها قصيرة، وقد كانت صفية – عليها الرضوان والرحمة – فعلاً قصيرة، وعائشة قالت هذه الكلمة، هي إنسانة جيدة ومُمتازة، ولكن هي قصيرة، فقط هذه الكلمة، ليس أكثر منها، النبي غضب، وقال يا عائشة لقد قلتِ كلمة لو مُزِجت بماء البحر لمزجته، هذا الذي يقطع الظهر، ليس كلامي، كلام الرسول، ما معنى ذلك؟

معنى ذلك أن كلمة غيبة واحدة صغيرة، وتقول بها الحق، لا تبهت بها الناس، ستُشوِّش عليك قلبك وحالك ودينك بالكُلية، ستُصلي أنت يا مسكين نعم، وستقوم الليل، وستبكي أو تتباكى أمام نفسك، لكن هذا القلب مُعتِم، البصيرة مطموسة الآن بهذا الذنب، لأن هذه الكلمة كفيلة وحدها أن تجعل ماء البحر مُنتِناً لو مُزِجت به، ماء البحر! فكيف بالقلب المسكين الضعيف اللطيف هذا؟ لا، إذا أردنا أن نكون من أهل الله وإذا أردنا أن نتشبَّه بالصحابة والتابعين والواصلين والعارفين والأولياء الصالحين فالأمر جد وليس بالهزل، أمر مُتابَعة حقيقية، أمر مُجاهَدة حقيقية، وإنها لمُتعِبة – والله -، ما شيئ أتعب للمُؤمِن من أن يُجاهِد نفسه! أتعب شيئ، لأنك ستُجاهِدها في كل لحظة، في النظرة، في العطاء، في الأخذ، في الحركة، في السكون، في البسمة، في الكلمة، وفي الهمة، في كل شيئ! ستُصبِح رقيباً على نفسك، وهذا مُتعِب، مُتعِب جداً، لكنه خير الجهاد، وهو السبيل الوحيدة لأن تُهدى سبيل الله القاصدة، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ۩.

انظروا إلى الذي كان لا يثور ولا يغضب إلا لحُرمات الله حين تُنتهَك – صلوات ربي وتسليماته وتبريكاته وتشريفاته عليه إلى يوم الدين وإلى أبد الآبدين -، الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام -، فيما رواه أبو داود عن عائشة، تقول أُصيب بعير أو أُعيا بعير لصفية، فقال النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – لزينب يا زينب أعطيها بعيراً، فقالت أنا أُعطي هذه اليهودية؟ فغضب النبي وهجرها ذا الحجة والمُحرَّم وبعض صفر، لكي يُؤدبها، على كلمة واحدة! قالت أنا أُعطي هذه اليهودية؟ هجرها شهرين وبعض الثالث، هذا هو رسول الله، أتُريد طريقه؟ اتبعه، وكُن مثله، لا تُجامِل في المعصية، لا تُجامِل لا أقرب الناس ولا أبعد الناس، واجعل ذلك كله لمَن؟ لله، ليس للنفس، ليس لأن تظهر على الناس أبداً، وإنما لله، حُباً في الله، خشيةً، تعظيماً لحدوده، وقوفاً عند أمره – لا إله إلا هو -.

روى ابن الجوزي – رحمة الله عليه – بإسناده عن الإمام المُحدِّث والشيخ الجليل عبد الرحمن بن مهدي – رحمة الله تعالى عليه -، قال رأيت أبا سعيد سُفيان الثوري – قدَّس الله سره الكريم، الإمام الخامس في الإسلام، الإمام الجليل سُفيان الثوري، قال رأيته، وكان مُعاصِراً لأبي حنيفة ومالك، ليس للشافعي وأحمد – في المنام بعد أن توفاه الله، فقلت يا أبا سعيد ما فُعِل بك؟ قال ما هو إلا أن أُنزِلت في قبري، فأُوقِفت بين يدي ربي – تبارك وتعالى -، انظروا إلى هذا الموقف المهيب، موقف الوقوف بين يدي الله، الذي لا تخفى عليه خافية، المُخادَعة للناس، حتى للنفس، لله لا تُوجَد مُخادَعة، الله لا يُخادَع، الله لا يُستغفَل، الله لا يُؤخَذ بالأيمان والحلفان، كأن تقول والله يا رب أردت كذا وكذا، لا يُؤخَذ بهذا، هذا اتركه في الدنيا، موقف مُخيف مهيب، لا يُوجَد أخوف ولا أهيب ولا أجل ولا أعظم من هذا الموقف حين نقف بين يدي الله – تبارك وتعالى -، كان ابن مسعود – رضوان الله تعالى عليه – يقول السرائرَ السرائرَ، أي احذروا السرائرَ، أو عليكم بالسرائرِ، رقابتها وتصفيتها، هكذا منصوبة، السرائرَ السرائرَ، اللاتي يخفين على الناس، وهن عند الله بوادٍ، الخير لا يبلى، والشر لا يُنسى، والديّان لا يموت، الله أكبر، ما هذا المنطق؟ هذا كلام بشر، كأنه ليس بكلام بشر، هذا ابن مسعود الرباني، أحد ربانيي أصحاب رسول الله، يقول السرائرَ السرائرَ، اللاتي يخفين على الناس، وهن عند الله بوادٍ، الخير لا يبلى، والشر لا يُنسى، والديّان لا يموت، وفي الحديث عن أبي ذر يقول – عليه السلام – بعد ذلك اعمل ما شئت، كما تدين تُدان، كما قلنا والمُخادَعة تُترَك في الدنيا.

قال فأُوقِفت بين يدي الله – تبارك وتعالى -، فحاسبني حساباً يسيراً، حتى هذه الكلمة جدير بالمُؤمِن أن تتقطَّع أوصاله حين يقرأها، هذا حساب يسير، هو يسير والحمد لله، ولكن هو حساب أيضاً، يُوجَد حساب، وهذا سُفيان الثوري، قال فحاسبني حساباً يسيراً، ثم أمر بي إلى الجنة، قال فبين أنا أتجوَّل في الجنة وأخطر وما من حس وما من حركة – هذه رؤيا، رؤيا صالحة، رواها ابن مهدي شيخ الإسلام والمُحدِّث الجليل في أخيه سُفيان الثوري، لا وحس ولا حركة وهو يخطر في الجنة – إذا بصوت يهتف بي سُفيان بن سعيد؟ مُتسائلاً، فقلت سُفيان بن سعيد، قال هل تذكر أنك أسخطت نفسك مرةً في الله؟ قلت إي والله، قال فأخذني النثار من كل أنحاء الجنة، عروس! هذا عروس الجنة، نثروا عليه المسك والكافور والعنبر وروائح الجنة وتُحفها من كل جانب، لماذا؟ أسخط نفسه مرةً في سبيل الله، لوجه الله – تبارك وتعالى -، هكذا!

ومن هنا الهوى هو الخطر الأكبر على دين المُسلِم وعلى دين المُسلِمة، الهوى! هوى النفس، قال – تبارك وتعالى – أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ ۩، قال الحسن البِصري – قدَّس الله سره – هو المُنافِق، الذي يتخذ إلهه هواه هو المُنافِق، لا يهوى شيئاً إلا ركبه، إذن منطق أخينا المسكين – أسأل الله لي وله ولنا جميعاً السلام والعافية، وأن يُخرِجنا وأن يُوقِظنا من سنة الغفلة، لأنه ما نوم أثقل من نوم الغفلة، ولا رق أملك من رق الشهوة – فارغ، إذن منطقه منطق فارغ، منطق مَن هذا؟ أهذا منطق الحداثيين؟ هذا منطق المُنافِقين، هذا هو المُنافِق، وهذا منطقه، لا يهوى شيئاً إلا ركبه، والله غفور رحيم، في الليل وفي النهار يعمل أي شيئ ثم يقول الله غفور رحيم، مسكين أنت! إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ۩، ليس من الذين عبدوا أهواءهم، ليس من الذين ذلوا لأنفسهم.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُقوّينا على نفوسنا، وأن يجعلنا من الذين يرقبونه ويُعظِّمون أمره في كل شأنهم، ونسأله – تبارك وتعالى – أن يكون لنا في كل أمرنا بالرشاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وعلينا وعليكم والمُسلِمين والمُسلِمات معهم أجمعين بفضله ومنّه ورحمته، اللهم آمين.

أيها الإخوة والأخوات:

الحسن البِصري – رضوان الله تعالى عليه، سيد التابعين – هو الذي يقول أيضاً المُؤمِن قوّام على نفسه، يُحاسِبها في كل أمرها، وإنما خف الحساب غداً على قوم أخذوا هذا الأمر بالجد وبالحساب، أي حاسبوا أنفسهم في الدنيا، لم يركبوا أهواءهم هكذا، وإنما ثقل الحساب غداً على قوم أخذوا هذا الأمر من غير مُحاسَبة، ركبوا أهواءهم وفعلوا ما اشتهوا وما لذ لهم، وإنما ثقل الحساب غداً على قوم أخذوا هذا الأمر من غير مُحاسَبة، إن المُؤمِن ليفجأه الأمر والشهوة تُعجِبه – أي النفس تشتهيها، يُحِب هذا الشيئ، تتعرَّض له – فيقول إليكِ عني، ما أنتِ وأنا؟ هيهات هيهات، قد حيل بيني وبينك، لا صلة اليوم إليكِ، لماذا؟ لأن الله حرَّمها، انتهى! هذا غير موجود، مُستحيل، هو طلَّق هذه الأشياء، يشتهيها لكن يستحيل أن يقع فيها – إن شاء الله تبارك وتعالى -.

ويُوشِك بكرم الله – إن شاء الله – وتوفيقه وإسعاده وترقيته له بعد حين – إن شاء الله – قريب أو بعيد ألا يشتهيها، أن يُبغِضها، أن يشمئز منها، وأن يتقزَّز منها، بقدرة الله! وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۩، إذا جاهدت نفسك، ليس مرة أو مرتين، سنين! أشهراً أو سنين، تُجاهد نفسك – بإذن الله تبارك وتعالى -، تُصبِح كالمعصوم، تُصبِح كالمحفوظ، تُصبِح كالنبي وما أنت بنبي، لأنه لا نبي بعد محمد – عليه الصلاة وأفضل السلام -، تُصبِح من الكمّال، وقد كمل ويكمل من الرجال كثيرون – إن شاء الله تعالى -، الكملة من الرجال كثيرون، لماذا لا نطمع ولا نغار أن نكون من الكاملين؟ ولكن تحتاج إلى مُجاهَدة.

يقول الحسن البِصري أيضاً – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – إن المُؤمِنين قوم أوثقهم القرآن، أي قيَّدهم، لا يفعلون إلا ما أراد الله، وإلا ما رَغِب الله ورغَّب فيه، إن المُؤمِنين قوم أوثقهم القرآن، علموا أنهم مأسورون، فإنهم يسعون في فكاك رقابهم، نحن أسراء، أسراء الدنيا، أسراء النفس الأمّارة، أسراء الشيطان، أسراء الابتلاء والامتحان، ولابد أن نسعى في فكاك رقابنا، الحياة كلها ابتلاء، كلها امتحان، كل شيئ فيه ابتلاء، كل شي فيه امتحان، هكذا! فيسعون في فكاك رقابهم، علم المُؤمِن أنه مأخوذ عليه في سمعه، في بصره، في لسانه، وفي سائر جوارحه.

ويقول الحسن أيضاً – رضوان الله تعالى عليه – أيها الناس حادثوا هذه القلوب، وكيف تكون مُحادَثة القلوب؟ بالمواعظ، بالحكم الإلهية، بالكلم الرباني، بالكلام الذي له حقيقة، له لُب، له معنى، وله مغزى، ليس بالكلام التافه، ليس بالكلام الفارغ، وليس بتسويلات النفس ووساوس الشياطين من الإنس والجن، حادثوا هذه القلوب، فإنها سريعة الدثور، هل تعرفون كيف تكون سريعة الدثور؟ الآن نجلس هنا مُتأثِّرون جداً، وكل إنسان عنده عزم، عنده عزم وعنده همة – إن شاء الله -، سأتوب عن كذا، وأفعل كذا وكذا، ثم يخرج إلى الشارع، يرى بعض الأشياء في ساعة أو ساعتين، يتكلَّم مع بعض الناس، يستجرونه، يستزلونه، فينسى كل شيئ، ويغرب أو يستغرب، كيف كان قبل ساعة؟ وكيف صار الآن؟ لأن هكذا هي القلوب، سريعة الدثور، لذلك قلت لكم ما أصعب من مُجاهَدة النفس! أصعب شيئ، تحتاج إلى مُتابَعة دائمة.

وقع في قلبي أن هذه النفس – أيها الإخوة والأخوات – تكون كالآتي والله ما لم تُخطَم وتُزَم حقيقةً وتُقاد بجد كامل، هل تعرفون ما مثلها؟ مثل سيارة ذات موديل Model حديث، أحدث موديل Model، قوية جداً، وهذه السيارة تنهب الأرض في طريق باتجاهين، طريق سريعة، لكن بغير كوابح، النفس من غير مُراقَبة ومن غير قيادة حقيقية كسيارة قوية تنهب الأرض لكن من غير كوابح، أي من غير Stop، ما المصير؟ وما النهاية؟ حادث مُروِّع، موت! وهكذا الإنسان فينا، إذا عاش في هذه الدنيا بغير رقابة حقيقية يومية أو ساعتية أو لحظية على نفسه فإن مصيره أن يهلك، يقع في مطب فلا يخرج منه – والعياذ بالله -، يرتكب ذنباً فيُدمِّر حياته الدنيوية والأُخروية – والعياذ بالله -، فلابد من الرقابة الدائمة، لابد من المُتابَعة والمُحاسَبة الدائمة، لحظية! هكذا هي النفس.

فنسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُعيننا على أنفسنا، وأن يجعلنا هوانا فيما يهواه ويُحِبه – سُبحانه وتعالى -.

اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، اللهم أصلِحنا وأصلِح بنا، اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، اهدِنا واهدِ بنا يا رب العالمين.

اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وتولى أمرنا، بلِّغنا مما يرضيك آمالنا، واختم بالباقيات الصالحات وبالسعادات آجالنا، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك يا رب العالمين.

ربنا أوزِعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحاً ترضاه، وأصلِح لنا في ذُرياتنا، إنا تُبنا إليك، وإنا من المُسلِمين.

اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، ومن الخوف إلا منك، ونعوذ بك أن نقول زوراً أو أن نغشى فجوراً، اللهم إنا نعوذ بك من شماتة الأعداء، ومن عُضال الداء، ومن خيبة الرجاء، نعوذ بك من فجاءة نقمتك، وتحول عافيتك، وزوال نعمتك، وجميع سخطك، يا رب العالمين.

اللهم اجعل خشيتك أخوف الأشياء عندنا، واجعل محبتك أحب الأشياء إلى قلوبنا، واقطع عنا حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقِر عيوننا من عبادتك، إلهنا ومولانا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك ونبتهل إليك ونرغب ونضرع أن تنصر الإسلام وأن تُعِز المُسلِمين، اللهم أعل بفضلك كلمتي الحق والدين، اللهم انصر إخواننا، عبادك المُؤمِنين المُجاهِدين في كل مكان، في فلسطين وفي العراق وفي كل مكان، يا رب العالمين.

اللهم انصرهم على مَن عاداهم، اللهم أيِّدهم وأيِّد بهم، اللهم أنزِل عليهم روحاً من عندك، اللهم أمِدهم بملأ من جُندك، اللهم أدِر دائرة السوء على عدوهم وعدوك، فإنهم لا يُعجِزونك.

اللهم مَن رتَّب للمُسلِمين الشدائد ونصب لهم الفخاخ والمصائب، اللهم فاهتك ستره، وافتح قبره، واجعله للعالمين عبرة، اللهم اجعلنا شماتةً للشامتين، وعظةً للمُتعِظين، وعبرةً للمُعتبِرين، يا رب العالمين.

اللهم لك الحمد حمداً كصيراً طيباً مُبارَكاً فيه على أن بلَّغتنا رمضان، نسألك ونرغب إليك يا مولانا، يا إلهنا، يا خالقنا ورازقنا، أن تُعيننا على صيام هذا الشهر الكريم، وعلى قيامه، وعلى ذكرك والتوبة إليك توبة نصوحة، تغفر بها ما قد سلف من ذنوبنا، يا رب العالمين.

اللهم اجعلنا فيه من المرحومين، ومن المغفور لهم، اللهم اعتق فيه رقابنا من نار جهنم، واجعلنا فيه من المقبولين، نحن وجميع إخواننا وأخواتنا من المُسلِمين والمُسلِمات، بفضلك ورحمتك، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من عطاياه يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (24/10/2003)

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

takfir-adonoub

تكفير الذنوب في رمضان

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩، إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ …

اترك رد