اللغز

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه سبحانه ومُخالَفة أمره لقوله سبحانه من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:

أيها الإخوة المُسلِمون الأحباب، أيتها الأخوات المُسلِمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ۩ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۩ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
يُقال في الأمثال من أشكل المُشكِلات توضيح الواضحات، لكن ربما يكون هناك ما هو أشكل، ربما يكون هناك ما هو أشكل من هذا الأشكل، وهو أن يكون ما يُظن واضحاً ليس بواضحٍ أصلاً، أن يكون من أغمض الغامضات وليس من أوضح الواضحات، فيُظن في أغمض الغامضات أنه من أوضح الواضحات، هذا أعظم المُشكِلات، إذا انطبق هذا على شيئ بعد المولى تبارك وتعالى – غيب الغيوب لا إله إلا هو، الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩، لا يُقاس عليه شيئ ولا هو يُقاس بشيئ – فبلا شك الأصعب على الإطلاق بعد المولى مُباشَرةً وربما يكون أغمض الغامضات على الإطلاق وبالتالي أشكل المشكلات لا لوضوحه بل لغموضه هو الزمان، الزمن الذي يظن الناس أنه من الأشياء الواضحة جداً، فها هو يُقاس بحركة عقارب الساعة اليدوية أو الحائطية وبالليل والنهار وبحركات الأفلاك والأجرام السماوية العلوية، وهناك الماضي والحاضر والمُستقبَل، هذا هو الزمان، ما الُمشكِل فيه؟ كلا، إنه أغمض مما تظنون،وطبعاً بداءةً أنا لا أعدكم ولا يُمكِن أن يبلغ بي الجهل والتبجح والاغترار أن أدّعي أن لدي حلاً لهذا المُشكِل الذي أرّق كبار الفلاسفة وجهابذة وعباقر العلماء على مر العصور والأزمان مُنذ البداية وإلى يوم الناس هذا، لكن هذا لا يُخلينا من إنبغاء ووجوب أن نتأمل في هذا الغامض، في أب الغموض، إنها تأملات واستبصارات نستعين فيها بجهود الأذكياء العباقرة من البشر، من الفلاسفة والعلماء ولا شأن لنا بالشعراء، الشعراء هنا ليس لهم قدم، ليس لهم قدم في هذا الموضوع، لا يفقهون فيه حديثاً إلا حديث العواطف والمشاعر، أي حديث العوام، لكن الفلاسفة والعلماء – وأعني بالعلماء بالذات علماء الطبيعة وعلماء الفيزياء – هؤلاء يُمكِن أن يُغيثونا وأن ينقعوا الغُلة كما يُقال ببعض استبصاراتهم وتأملاتهم الذكية اللوذعية التي ستبدو لكم حين تسمعونها تستوجب أن تشهقوا، ستسمعونها وتشهقون لأنها أغرب مما تتخيَّلون، تذهب أبعد بكثير مما تتصوَّرون، على أنهم بشر مثلنا لكنهم استخدموا عقولهم واحتفظوا بفضولهم، فضول الأطفال بالنفوس المُتسائلة التي لا ترى شيئاً واضحاً، الأغبياء فقط والبلداء والتقليديون والمُقوّلَبون يرون كل شيئ واضحاً، يرون كل شيئ مفهوماً تماماً لأنهم أغبياء، أما الأذكياء كالأطفال – والأطفال كلهم عباقرة من حيث أتوا – فلا يكادون يرون شيئاً مفهوماً، كل شيئ غير مفهوم وكل شيئ مُثير، يستثير الفضول ويُحرِّك السؤال ويبعث على السؤال، العباقرة دائماً يحتفظون بهذه الطفولية وبهذا الفضول الطفولي. رزقني الله وإياكم شيئاً منه حتى نستعيد إنسانيتنا المفقودة وإنسانيتنا الهاربة الغائبة.
أيها الإخوة:
حتى لا نُطوِّل على عادتنا بالمُقدِّمات سأسأل سؤالاً، لقد قلت قُبيل قليل على لسان الجميع هناك حاضر وهناك ماضٍ وهناك مُستقبَل، الأمر أصعب بكثير من أن يُقطَع به على هذا النحو، أن هناك حاضراً وماضياً ومُستقبَلاً، أين هو الماضي؟ أين هو؟ دلونا عليه، أين يقبع الماضي؟ أين يجلس؟ أين يتقرفص؟ أين هو؟ أين هو المُستقبَل؟ ستقولون لم يُخلَق، غير موجود، الحاضر فقط هو الحاضر، ما مضى فات، والمؤمَّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، ساعة؟ الساعة لا يُمكِن أن تكون حاضراً، الحاضر أضئل وأصغر وأقل بكثير وأقصر من أن يكون ساعة، ساعة ماذا؟ لماذا ساعة؟ الحاضر أقل من هذا، لكن كم هو الحاضر؟ هذا السؤال من أصعب الأسئلة على الإطلاق، ليس الأصعب لكن من أصعبها، هذا سؤال صعب، ما هو الحاضر؟ ما هو؟ أنا حين أقول لكم يا عباد الله، قبل أن أُتمِّم اللفظ بالألف تكون الياء التي في حرف النداء (يا) ذهبت إلى الماضي، حين أُتمِّم اللفظ بالألف تكون الياء التي في حرف النداء (يا) ذهبت وانتهت، لم تعد حاضرة، وما إن أنطق بالألف حتى تكون ولت أيضاً الألف في حرف النداء (يا) وهربت إلى الماضي، الحاضر دائماً هارب لا يتماسك، وهنا قد تقول لي هذه فلسفة فارغة، هذا المنبر مُتماسِك وأنت تخطب عليه من سنوات، أنت مُتماسِك وأنا مُتماسِك وهذه السجادة مُتماسِكة، هذه الأشياء كلها موجودة وهي عمرها كذا وكذا سنة، هذا البناء عمره كذا وكذا، كيف تقول لي هارب؟ سيأتيك الجواب، فالمسألة أعقد من هذا بكثير، لست موجوداً بالبساطة التي تظن، وليس هذا المنبر مُتماسِكاً وليس هو المنبر نفسه في كل المراحل كما تظن، المسألة أعقد من هذا بكثير، لكن نرجع إلى حاضرنا، كم هو هذا الحاضر؟ هل تعرفون لماذا؟ لأن هناك كائنات موجودات ومخلوقات أبدعها الله وأبدعتها القدرة الإلهية عمرها من لحظة ميلادها إلى لحظة دثورها وزوالها وتلاشيها قصير جداً جداً، قد تقول لي كم؟ هل هي سنة؟ نحن نعيش لسبعين أو ثمانين أو تسعين سنة – أعطاكم الله طول الأعمار في طاعته وفي عافية – أو مائة سنة، كم تعيش؟ هل تعيش سنة؟ لا، أقل من هذا، هل تعيش دقيقة؟ هل تعيش ثانية؟ هل تعيش مللي ثانية Millisecond بمعنى واحد من ألف من الثانية؟ هل تعيش مايكرو ثانية Microsecond بمعنى واحد من مليون؟ هل تعيش نانو ثانية Nanosecond بمعنى واحد من مليار أو ألف مليون؟ هل تعيش بيكو ثانية Picosecond بمعنى واحد من مليون مليون أو تريليون؟ هل تعيش فيمتو ثانية Femtosecond؟ حدَّثتكم مرة عن الفيمتو ثانية Femtosecond، وهنا ستقول لي هذا له علاقة بالعلّامة المصري الكبير أحمد زويل، فهو ارتبط كثيراً بالفيمتو ثانية Femtosecond، التفاعلات الكيميائية تجري في فيمتو ثانية Femtosecond، يعني في جزء من ألف تريليون جزء من الثانية، إذا كانت الثانية هي (يا)، فحين أقول (يا) تكون هذه ثانية، قسِّمها إلى ألف مليون مليون، لأن ستة زائد ستة تُساويان اثنتي عشرة، وإذا أضفنا ثلاثة سوف يكون الناتج هو خمسة عشر، فمليون مليون اسمه تريليون، إذن قسِّمها إلى ألف تريليون جزء، في جزء واحد تم التفاعل الكيميائي، لا إله إلا الله، أهكذا؟ هل في أجسامنا تتم التفاعلات بهذه الطريقة؟ نعم بهذه الطريقة، وهذه ليست فلسفة، هذا علم وهو علم تجريبي، كيمياء طبيعية وفيزياء، زويل أخذ نوبل Nobel على هذا، أخذ جائزة نوبل Nobel ويستحقها، يستحقها بنسبة مائة في المائة حقيقةً، الرجل خارق وهو عبقرية كبيرة جداً، ولك أن تتخيَّل هذا، لأن الرجل يتحدَّث وقد صنع ميكروسكوباً Microscope، هذا الميكروسكوب Microscope يُصوِّر هذه التفاعلات، الآن هو ابتدع الميكروسكوب الرباعي، يُصوِّر تصويراً رباعياً، شيئ لا يكاد يُصدَّق، نحن نعرف الفضاء الثلاثي، وعلى كل حال لن أُصدِّع رؤوسكم، الرجل كل أبحاثه وكل دراساته والجوائز التي حصدها لأنه يتحرَّك في مستوى فيمتو ثانية Femtosecond، الفيمتو ثانية Femtosecond جزء من ألف تريليون جزء من الثانية، إذن هناك أشياء خلقها الله تحدث في هذا الزمن، أي في جزء من ألف تريليون جزء من الثانية، شيئ لا يكاد يُصدَّق، ولك أن تتخيَّل هذا، وهناك أشياء تحدث في زمن أقل، الكوارك الثقيل Quark تسمعون عنه، هذا جُسيم Particle فيزيائي اسمه الكوارك الثقيل Quark يعيش بيكو ثانية Picosecond، والبيكو ثانية Picosecond يعني واحد على عشرة مرفوعة إلى الأس اثني عشر، أو عشرة مرفوعة إلى الأس ناقص اثني عشر، يعني جزء من مليون مليون جزء من الثانية، فالبيكو Pico له علاقة بالتريليون، عشرة أس ناقص اثني عشر، فقسِّم الثانية أو كلمة (يا) إلى مليون مليون جزء، وهنا ستقول لي مُستحيل، كيف أُقسِّمها؟طبعاً مُستحيل، عليك مُستحيل وعلىّ مُستحيل، كيف؟ بالعقل والرياضيات فقط، غير هذا يكون مُستحيلاً، مُستحيل أن تُقسِّمها بالمسطرة أو باليد وما إلى ذلك، مُستحيل أن تُقسِّمها إلى مليون مليون جزء، في جزء واحد من هذه المليون المليون يكون هذا الجُسيم استقبلته الحياة ورحَّبت به وعاش وتزوَّج وأنجب الأولاد والأحفاد وعمل صالحاً أو عمل طالحاً وودَّع، وبالعكس يُصنِّفه علماء الطبيعة على أنه جُسيم مُستقِر، أي أنه يعيش حياة جيدة، جزء من التريليون جزء من الثانية وتقول هذه حياة جيدة؟ نعم، هذه حياة جيدة، الآن السؤال إذا كان هذا الجسيم – أي الكوارك الثقيل Quark – يعيش بيكو ثانية Picosecond فما هو حاضره؟ إذا كان حاضره وماضيه ومستقبله كله في بيكو ثانية Picosecond – عمره كله في بيكو ثانية Picosecond – فما هو حاضره إذن؟ وأكيد لو أُتيَ ذكاءً هذا – والله قادر على كل شيئ – وأُوتيَ قدرة أن يُعبِّر عن نفسه وأن يُخاطِبنا وأن يُخاطِب الأهل والأحباب والأصحاب والمعارف سيُحدِّثهم عما مر به من خبرات وعن تأملاته وعن استبصاراته أيضاً وعن آماله المعقودة والتي لم يُسعِفه القدر بتحقيقها وإنجازها وعن وعن وعن، سيقول لك طبعاً كان عندي لحظات صعبة مررت بها، مررت بلحظات كانت صعبة جداً جداً، وكان عندي حاضر وماضٍ ومُستقبَل، وهذا عجيب، إذن ما حاضر هذا الكوارك الثقيل Quark الثقيل؟ شيئ غير طبيعي، لكن – كما قلنا – هناك الفيمتو ثانية Femtosecond، وهناك أيضاً الأتو ثانية Attosecond، وهي تُساوي عشرة أس ناقص ثمانية عشر، أي جزء من كم؟ من مليون تريليون، هكذا سوف تكون، من ألف تريليون، من مليون تريليون، من مليار تريليون، ثم تريليون تريليون، واليوكتو ثانية Yoctosecond آخر شيئ، اليوكتو ثانية Yoctosecond تُساوي عشرة أس ناقص أربعة وعشرين، أي تريليون تريليون، سوف تقول لي هل هذا موجود؟ سوف نرى هل هذا موجود أم غير موجود، شيئ لا يكاد يُصدَّق، الحمد لله أن هذا علم، هذا ليس ديناً وليس كتباً مُقدَّسة وليس كلام مشائخ وليس كلام صوفية، هذا علم، وهو علم الطبيعة، أوثق العلوم وأقوى العلوم وأصلب العلوم، هذه يُسمونها العلوم الصُلبة Solid، هذه علوم صلبة قوية مُنمذَجة مُريضَنة، أي بالرياضيات، فهي مُنمذَجة بنماذج رياضية، وتُختبر دائماً اختبارات تجريبية إمبريقية، هذه ليست تأملات فلسفية أو تهويمات تصوفية أوصوفية روحانية، هذا علم، وهنا قد يقول لي أحدكم صدَّعتنا يا رجل، عفا الله عنك وعنا، هذا غير معقول، هل نحن بشر الآن ونحن لدينا ذكاء وفكر وعلم وهؤلاء الذين يفكرون بهذا المستوى هم بشر أيضاً؟ نعم، هم بشر طبعاً، نحن بشر وهم بشر لكن فرقٌ كبير بين بشرين، الآن لكم أن تتخيَّلوا – وهذه مُهِمة – ما الفرق بين هؤلاء الذين يُفكِّرون بهذا المستوى – مثل ألبرت أينشتاين Albert Einstein وجون ويلر John Wheeler وريتشارد فاينمان Richard Feynman، ولا نُريد أن نقول ستيفن هوكينغ Stephen Hawking لكننا سنقول وستيفن هوكينغ Stephen Hawking – وبين طفل ابن سنتين أو ثلاث سنوات؟ ما الفرق؟ هنا قد يقول لي أحدكم الفرق فلكي، لعله من جنس هذه الأرقام، فرق كبير جداً جداً جداً، لا تستطيع أن تتخيَّل – هذا يستحيل – أن ابن سنتين يُفكِّر أصلاً في هذه القضايا ويُفكِّر في هذه المقاييس والمعايير وبهذه المُستويات، هذا لا يُمكِن، وهو غير مُؤرّق بمُشكِل الزمان والمكان والفضاء والأبعاد الأربعة والأبعاد الخمسة والأبعاد السبعة والأبعاد الاثنتي عشرة والستة والعشرين، هذا لا يُمكِن، لكن انتبه إلى أن هذا الطفل الذي هو ابن الثانية من عمره يُمكِن أن يُجسِّر ويردم ويُسوِّي ويجتاز المسافة بينه وبين أينشتاين Einstein في عشرين سنة وأحياناً أقل، هناك عباقرة على هذا النحو، قد نجد ولداً عمره ثماني عشرة سنة ويكون عبقرياً ولا يقل عن أينشتاين Einstein، من أين له هذا؟ متى حصَّل هذا؟ حصَّل هذا في ست عشرة سنة، حين كان ابن الثانية لم يكن شيئاً ولم يفقه شيئاً، لكنه في ست عشرة سنة لحق بأينشتاين Einstein، أينشتاين Einstein حين قدَّم النسبية وصدَّع العالمين كان ابن السادسة والعشرين من عمره، كان شاباً صغيراً لكنه كان عبقرياً، كان عبقرياً فريداً ونسيج وحده، يُوجَد عباقرة على هذا النحو بل وفي سن أقل من هذه، نيوتن Newton كان كذلك، على كل حال نقول في عشرين سنة يُمكِن لإنسان بالدرس مع الموهبة طبعاً أن يُجسِّر هذه الفجوة، وهنا قد تقول لي لماذا تقول هذا الكلام وهو ليس له علاقة بالزمان؟ انتبه إلى الآتي، رغم الفارق الهائل جداً جداً بين تفكير ابن سنتين وبين تفكير أينشتاين Einstein وفاينمان Feynman وأمثال هؤلاء إلا أن هذا الفارق يُجتاز، يُمكِن اجتيازه وردمه وتسويته بعشرين سنة، فمتى وفي كم لكم أن تتخيَّلوا أو تتصوَّروا أو تفترضوا يُمكِن ردم الفجوة التي بين الإنسان وبين رب الإنسان؟ انتبهوا إلى هذا، هذا سؤال مُهِم جداً جداً وفكِّروا فيه طويلاً وعميقاً حتى يعرف الإنسان قدره وحتى لا يبدأ يتكلَّم بالعجرفة التي لا تليق إلا بالجهلاء فيعترض على الله وعلى حكمة الله وعلى كون الله وعلى خطة الله في الخلق ويظن أنه – ما شاء الله – فيلسوف كبير، هو لا يقدر على أن يفهم كلام هؤلاء العباقرة، هو غير واصل لمُستواهم، هو غير دارس لأطروحاتهم ولا يقدر على أن يستوعبها أصلاً، ليس عنده الآن الآلية، هذا مُتأخِّر جداً Too late، ليس عنده كل هذا ويأتي يعترض على رب العالمين لا إله إلا هو، قبل هذا اترك قضية رب العالمين والاعتراض عليه والإلحاد الفارغ التمثيلي الاستعراضي واذهب تعلَّم الفلسفة والعلم بعمق – بعمق حقيقي – وبعد ذلك غامر بإيمانك فأنت حر، لكن كل شيئ في وقته، نعوذ بالله من الغطرسة ومن الغرور ومن الاستعجال ومن التظاهر والتمثيل والاستعراضية الفارغة التي لا تليق بالعباقرة، لا يُوجَد عبقري استعراضي، كلهم صادقون مُتواضِعون جداً جداً وعلى هينتهم يمشون وعلى طبيعتهم يظهرون، لا يُوجَد عندهم تظاهر أو استعراض، أي إنسان تذويقي اعلموا أنه إنسان فارغ، أي أحد يُذوِّق في أي شيئ هو كاذب، كما قال نيتشة Nietzsche كل المُذوِّقين كذبة، كأن يُذوِّق الكلام أو التنميق أو الأسلوب أو الادّعاء أو السؤال أو الجواب، هذا كلام فارغ، العباقرة ليسوا هكذا.
نرجع إلى موضوعنا يا إخواني، إذن لدينا – كما قلت لكم – الأتو ثانية Attosecond، وهي عشرة مرفوعة إلى الأس ناقص ثمانية عشر، تُساوي كم هذه الأتو ثانية Attosecond؟ تُساوي – كما قلت لكم – جزء من مليون تريليون جزء، نحن دخلنا في المليون الآن، لأن المليون فيه ستة أصفار، وحين نجمع ستة مع اثني عشر يكون الناتج هو ثمانية عشر، فالأتو ثانية Attosecond جزء من مليون تريليون، هل تُوجَد قياسات للعلماء تعتمد على الأتو ثانية Attosecond؟ تُوجَد، الإلكترون Electron لكي يُكمِل دورة حول نواة ذرة الهيدروجين Hydrogen بحجمها المعروف للعلماء المُختَصين يحتاج إلى أربعة وعشرين أتو ثانية Attosecond، احفظوه أنه يحتاج إلى أربعة وعشرين أتو ثانية Attosecond، هذا هو فقط، فهل هو يُكمِل هو في أقل من ثانية أو في أقل من مللي ثانية أو من مايكرو ثانية Microsecond أو من نانو ثانية Nanosecond أو من بيكو ثانية Picosecond أو من فيمتو ثانية Femtosecond؟ أقل من هذا، فهو فقط يحتاج إلى أربعة وعشرين أتو ثانية Attosecond، قد تقول لي في الثانية الواحدة حين أقول (يا) أو (الله) كم دورة سوف يُكمِل؟ يُكمِل أربعين ألف تريليون دورة، ويُمكِن أن تحسب هذا، وهنا قد تقول لي هل يُوجَد مخلوق على هذا النحو؟ في كل ثانية الإلكترون Electron يفعل هذا، في كل ثانية يُكمِل أربعين ألف تريليون دورة، وهو سعيد بنفسه ويشعر أنه ملك في هذا الفراغ الذري فيلعب ويذهب ويأتي، هذه هي حياته، وهو نشيط نشاطاً جنونياً لا يكاد يُتخيَّل، فإذن هو يُكمِل أربعين ألف تريليون دورة في كل ثانية، وهذا مطلوب منه، قال الله كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ۩، الله خلقه وقال له لف هذا اللف، هل هو يخضع لهذا الأمر التكويني الإلهي بهذه القدرة؟ هل عنده القدرة؟ نعم عنده، الله خلقه وأراده هكذا، لكن الأرض من يوم خلقها الله بحسب العلماء عمرها كم؟ خمسة بلايين سنة، أي خمسة مليارت، عشرة أس تسعة، فهي لم تُكمِل عشرة أس تسعة دورة، أي أنها لم تُكمِل مليار دورة، فهي لم تُكمِل مليار دورة في خمس مليار سنة، وصاحبنا الإلكترون Electron الحقير الصغير الذي لا نراه يُكمِل في كل ثانية أربعين ألف تريليون دورة، والدورة الواحدة تأخذ منه كم؟ تأخذ أربع وعشرين أتو ثانية Attosecond، ننتهي من الأتو ثانية Attosecond التي هي عشرة أس ناقص ثمانية عشر ونأتي إلى الزبتو ثانية Zeptosecond، وقد حدَّثتكم مرة عن هذا لكن هذا مُهِم لكي نعرف الحاضر، وهنا قد يقول لي أحدكم لقد فهمت السؤال، سوف تقول لي الآن حاضرنا نحن بماذا يُقاس؟ هذا هو السؤال، وهو سؤال صعب جداً، سؤال يهم علماء الفسيولوجي Physiology – وظائف الأعضاء – ويهم الفلاسفة ويهم الفيزيائين ويهم الإنسان العادي، فعلاً حاضري كم هو؟ كم يمتد؟ هل مكتوب علينا أن نكون وهماً – Illusion – أو استيهاماً بين وهمين، وهم اسمه الماضي ووهم اسمه المُستقبَل؟ لا هذا مخلوق ولا هذا موجود – أي الماضي والمُستقبَل – ونتحدَّث عن مُضارِع، هذا المُضارِع غير قادرين على أن نُمسِكه، أليس كذلك؟ أين هذا المُضارِع؟ ائتني بلحظة مُضارِع واحدة، ائتني بلحظة حاضر واحدة، لا تقدر على هذا، أنت حين تنطق حرفين وتبدأ في أن تتلفظ بالحرف الثاني يكون الحرف الأول ذهب، وحين تنتهي من الحرف الثاني يكون ذهب أيضاً، فأين هذا المُضارِع والحاضر الهارب باستمرار؟ ما هو؟ هل حقيقة الوجود مُجرَّد وعي؟ لا، المسألة أصعب من هذا، دخلنا الآن في المثالية الفلسفية، ونرجع يا إخواني مرة ثانية إلى موضوعنا، فنحن عندنا الزبتو ثانية Zeptosecond، الزبتو ثانية Zeptosecond تُساوي عشرة أس ناقص واحد وعشرين، إذن أضفنا على الثمانية عشر ثلاثة، أليس كذلك؟ أي مليار، أي جزء من مليار تريليون، نحن قلنا الآخر كان جزء من مليون تريليون والآن سنقفز، الزبتو ثانية Zeptosecond جزء من مليار تريليون، الآن واضح بالمنطق أننا سوف نأتي إلى جزء من تريليون تريليون، بعد المليار يأتي تريليون، أي أربعة وعشرون، بالضبط هي عشرة مرفوعة إلى الأس ناقص أربعة وعشرين، فأنت ينبغي أن تُقسِّم الثانية أو تُقسِّم الزمان الذي تُلفظ فيه كلمة (الله) وهو ثانية إلى تريليون تريليون قسم، أي إلى مليون مليون مليون مليون، لأن حاصل ضرب ستة في أربعة هو أربعة وعشرون، الآن قسَّمناها إلى تريليون تريليون، ماذا بعد؟ قال لك جزء واحد منها يُمثِّل فترة زمانية، ما هذه الفترة؟ وهي من أجل ماذا؟ هل تُوجَد مخلوقات أو أشياء أو تفاعلات أو حركات؟ قال لك نعم، ما هي؟ الزمن الذي يستغرقه الضوء – Licht أوLight – لكي يقطع البروتون Proton – البروتون Proton الخاص بالذرة وليس الذرة نفسها – أو النيوترون Neutron، نيوكليون Nucleon، أي هما الاثنان، نفس الشيئ ونفس القطر، طبعاً الضوء سريع جداً، ثلاثمائة ألف كيلو متر في كل ثانية، أي ثلاثمائة مليون متر، اضرب في عشرة فتُصبِح سنتيمتراً، اضرب في عشرة فتُصبِح مللي، إذن ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية، فهو سريع جداً جداً، يقطع الأرض كلها – كما حدَّثتكم عشرات المرات ربما قبل ذلك – ثمان مرات ونصف في الثانية، حين تقول (الله) يكون الضوء لف الأرض كلها ثماني مرات ونصف، الضوء سريع جداً، هو الأسرع إلى وقت قريب، وبحسب أينشتاين Einstein هو الأسرع مُطلَقاً، لكن الآن اكتشفوا أن النيوترينو Neutrino أسرع من الضوء بالتجربة، هذه تجربة ثابتة.
غران ساسو Gran Sasso في إيطاليا يبعد عن سيرن CERN في جنيف سبعمائة وثلاثين كيلو، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، هذه خطوط تحت الأرض عرفها علماء الفيزياء وبعد ذلك قذفوا بهذه الجُسيمات الخفيفة وهى الأخف في الكون، أعني النيوترينو Neutrino، وهي الأكثر تواجداً، تأتينا من الشمس ومن الفضاء الخارجي، في كل ثانية يخترق جسمك في كل سنتيمتر مربع سبعون مليار نيوترينو Neutrino، ولا نشعر بهم ولا نراهم ولا نحس بوجودهم ولا نشمهم، في كل ثانية وعلى كل سنتيمتر مربع يُوجَد سبعون مليار نيوترينو Neutrino، يخترق جسمك في كل سنتيمتر مربع سبعون ألف مليون نيوترينو Neutrino في كل ثانية، هذا الجُسيم الصغير الخفيف هو الأخف والأكثر تواجداً، هذا الجُسيم وفير جداً جداً في الكون، يتحرَّك أسرع من سرعة الضوء، في هذه التجربة قطع سبعمائة وثلاثين كيلو متر أسرع من سرعة الضوء، الفرق كان بمقدار كم تقريباً؟ كان بمقدار عشرين متراً، سبق الضوء بعشرين متراً، وهذه سرعة تُعتبَر محسوبة جداً في هذه المسافة التي هي سبعمائة وثلاثون كيلو، والضوء في الثانية سرعته ثلاثمائة ألف كيلو متر، وهو سبقه بعشرين متراً، إذن هو أسرع من الضوء، فهذا ثبت وهو تحدٍ كبير لنظرية النسبية العامة لأينشتاين Einstein، أينشتاين Einstein قال هذا مُستحيل فلا يُمكِن توجد سرعة أسرع من سرعة الضوء، لكن وُجِدت سرعة أسرع من سرعة الضوء، وقد حدَّثتكم مرة كيف أطلق القرآن إشارات عن أن هناك ما هو أسرع من سرعة الضوء، على كل حال هذه قضية ثانية فنتركها الآن، لكنها مُهِمة لكي نعرف أن النيوترينو Neutrino أسرع من الضوء نفسه، شيئ مُحيِّر، وهذا سيجعلنا نُعيد النظر في أشياء كثيرة وفي نظريات وفي نماذج وأيضاً في فهمنا للكون من حولنا، فنبدأ من أول وجديد تقريباً، وهذه مسألة شاقة وعسيرة، فنترك هذا يا إخواني.

ما الذي يحصل الآن؟ نُريد أن بدنا الضوء بهذه السرعة حين يقطع البروتون Proton، وهنا قد يقول لي أحدكم ما مقدار هذا البروتون Proton؟ هل هو من رتبة السنتيمتر أو الميللي؟ البروتون Proton – على الـ Scale الخاص به – من رتبة عشرة أس ناقص خمسة عشر من المتر، أي فيمتو متر Femtometre، فهو واحد فيمتو متر Femtometre، وقلنا ما هو الفيمتو Femto؟ الفيمتو Femto هو ألف تريليون، قسِّم المتر إلى ألف تريليون جسم، جسم واحد منها هذا هو البروتون Proton أو النيوترون Neutron، في كم يقطعهم الضوء؟ يقطعهم في يوكتو ثانية Yoctosecond، أنا الآن أتحدَّث عن اليوكتو ثانية Yoctosecond، اليوكتو ثانية Yoctosecond تُساوي عشرة أس ناقص أربعة وعشرين من الثانية، قسِّم الثانية – كما قلنا – إلى تريليون تريليون قسم، قسم منها اسمه اليوكتو Yocto، الضوء يقطع البروتون Proton أو النيوترون Neutron في يوكتو ثانية Yoctosecond، وهنا ستقول لي لقد جُنِّنا، وحُقَّ لنا هذا، حُقَّ لسكان البسيطة أن يُجنَّوا، قد تقول لي هل يُوجَد شيئ نظرياً – على الأقل نظرياً لأن في العمل ليس له مصداق، ليس له مصداق في الواقع – أسرع من هذا؟ هل يُوجَد زمن أقصر من هذا؟ نعم يُوجَد، إذا سألت أي عالم فيزيائي مُتخصِّص وقلت له أنا أُريد أقصر زمن العقل الفيزيائي الرياضياتي توَّصل إليه فإنه سوف يقول لك الكرونون Chronon، وقد حدَّثتكم عن هذا بالضبط، هذا كله ذكرته قبل ذلك، لكن هذا مُهِم جداً لموضوع اليوم، قد يقول لي أحدكم ما هو الكرونون Chronon؟ الكرونون Chronon يعني الضوء نفسه بسرعته – ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية – حين يقطع طول بلانك (Planck Length (ℓP، أنتم تعرفون حرارة بلانك Planck Temperature، زمن بلانك Planck time وطول بلانك (ℓP) Planck Length – هذه كلها جدران – وبعد ذلك عندنا ثابت بلانك Plank Constant، هذه كلها حوائط – Walls أو Wände – لا يُمكِن أن تُتعدَى، هذه نظرية رياضية فقط، طول بلانك (Planck Length (ℓP ما هو؟ ما مقداره؟ هل هو بمقدار البروتون Proton؟ أصغر من البروتون Proton، لكن بكم؟ عشرة مرفوعة للأس عشرين، وهذا يعني مائة مليون تريليون، لماذا؟ لأن طول بلانك (Planck Length (ℓP تقريباً من رتبة عشرة أس ناقص خمسة وثلاثين من المتر، بفارق عشرين صفر، أي مائة مليون تريليون، هذا طول بلانك (Planck Length (ℓP، أنت لا يُمكِّن أن تتخيَّل الذرة أصلاً وتعرف كم هي صغيرة فضلاً عن أن تتخيَّل البروتون Proton فضلاً عن أن تتخيَّل شيئ أصغر من البروتون Proton مائة مليون تريليون مرة، هذا شيئ يُجنِّن، فعلاً شيئ يُجنِّن، يعزب العقل بتصوره، قال لك هذا يقطعه الضوء، في كم يقطعه؟ المسافة الزمانية يُمكِن أن تحسبها وحدك، وأنت تعرف كيف نحسبها، نضع المسافة على السرعة لنعرف الزمن، أليس كذلك؟ الزمن يُساوي المسافة على السرعة، المسافة ما هي؟ عشرة مرفوعة على أس ناقص خمسة وثلاثين متراً، السرعة كم؟ ثلاثمائة ألف زائد ألف، لأن الكيلو سوف يُصبِح بالمتر، إذن سنقول ثلاثمائة ضرب عشرة أس كم؟ ثمانية، أي ثلاثمائة مليون متر، اقسم هذا على هذا وسوف يكون الجواب – الجواب مُحدَّد – عندك تقريباً من رتبة خمسة ضرب عشرة مرفوعة على الأس ناقص أربعة وأربعين، هذا اسمه كرونون Chronon، والكرونون Chronon هو أصغر زمن إلى الآن العقل البشري تخيَّله، هذا تخيل ليس له مصداق في الواقع، أي أنه مُستحيل، شيئ لا يكاد يُصدَّق، لا يُوجَد شيئ بطول بلانك (Planck Length (ℓP، لماذا لا يُوجَد شيئ بطول بلانك (Planck Length (ℓP؟ لاعتبارات فيزيائية مُعقَّدة، فلك أن تتخيَّل هذا لكن هذا على الورق وقد حسبوه، أنا عندي سؤال الآن ماذا لو ثبت – وقد ثبت – أنه يُوجَد شيئ أسرع من الضوء؟ هذا يعني أنه سيكون عندنا زمان أقصر من الكرونون Chronon، وهنا ستقول لي إذا كان يُوجَد شيئ أسرع من النيوترينو Neutrino بمراحل فماذا عن الشيئ الذي أعيده إلى قدرة الله؟ ماذا عن الله نفسه – لا إله إلا هو – وقدرته والسرعة التي يصدر فيها أمره لا إله إلا هو؟ أنا أقول لك لا سرعة ضوء ولا غير ضوء ولا نيوترينو Neutrino، هذا شيئ لا يُتخيَّل، ستقول لي فهمت، هذا يعني أن الله – لا إله إلا هو – يفعل وقادر يفعل في لا زمن أصلاً وفي لا حاضر، وبالتالي لا يُوجَد عند الله حاضر وماضٍ ومُستقبَل، كيف يُوجَد عنده حاضر وماضٍ ومُستقبَل؟ حاضر ماذا؟ وماضٍ ماذا؟ ومُستقبَل ماذا؟ أرأيت هذه السرعة؟ ولذلك دائماً يقول الله وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ۩، الله لا يسبقه شيئ لا إله إلا هو، قد تقول لي لكنه قال إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ۩، هذا لكي يُفهِمك ولكي يُفهِم بدو الصحراء، هل تُريد منه أن يُحدِّثك بهذه اللغة؟ مَن سوف يفهم هذه اللغة؟ لكنه قال لك مهما افترضت نحن أسرع، نحن أبعد ونحن أقوى مهما افترضت، لأن هذه مخلوقاتنا، شيئ لا يكاد يُصدَّق، ولذلك هذا السؤال صعب جداً جداً، ليس كما تتوقعون يُوجَد حاضر وماضٍ ومُستقبَل، أي حاضر؟ عن أي حاضر تتحدَّث؟ أنا عندي اقتراح، قبل حوالي خمسين سنة العلماء اقترحوا أن يكون الحاضر مقيساً ومدلولاً عليه ومُعرَّفاً بأنه من رتبة واحد على ألف من الثانية، قالوا هذا الحاضر، أي انه جزء من الألف، هذا هو الحاضر، أما غير هذا ليس حاضراً، سوف يُصبِح ماضياً، فقالو الحاضر هو واحد على ألف من الثانية، لكن أنا سأقترح شيئاً أحسن من هذا، هل تعرف ما هو حاضرك؟ ستقول لي لا يُوجَد حاضر أصلاً وإنما تُوجَد حواضر، وبالتالي لا يُوجَد ماضٍ وإنما تُوجد مواضٍ، ولا يُوجَد مُستقبَل وإنما تُوجَد مُستقبَلات، وهذا صحيح ومضبوط، لماذا؟ ستقول لي هل حاضري هو حاضر الإلكترون Electron؟ هذا مستحيل، هل حاضري هو حاضر الكوارك Quark الثقيل الذي يعيش بيكو ثانية Picosecond؟ طبعاً يختلف، هو مُختلِف تماماً، هل حاضري هو حاضر النجوم التي عاشت خمسة بليون سنة؟ الأرض عاشت خمسة بليون، هل حاضري هو حاضر المجرات التي عاشت عشرة بليون سنة – عشر مليارات سنة – مثلاً؟ هل حاضرها مثل حاضري؟ حاضرها مطاطي مُمِل وطويل جداً جداً، هذه لحظة الحاضر بالنسبة لك، إذن تُوجَد حواضر، أنا يهمني حاضري أنا كبشر، لأن أنا المُتسائل، أنا الباحث، أنا المعني، أنا صاحب الهم والمشغلة، أعني المشغلة الفلسفية والعلمية، ما هو حاضري؟ أنا سأقول لك اقترحاً – أنا أقترح هذا – من عندي، حاضرك أقترح أن يُحدَّد بمدى سرعة وعيك وإدراكك على ملاحقة الحدث Event، وهنا ستقول لي هذا يعني أن المسألة عصبية، هل أنت تُحيلها إلى علم الإعصاب؟ طبعاً، هي هكذا رغماً عني وعنك، ستقول لي عصبياً – دخلنا في الطب الآن والفسيولوجي Physiology – الرسالة تصل في كم؟ أقصر رسالة عصبية تصل في كم؟ في واحد من مليون من الثانية، أي مايكرو ثانية Microsecond فقط، ليس نانو ثانية Nanosecond، ليس واحد من مليار، نحن نقف عند هذا، هذا أسرع شيئ عندنا، الرسائل العصبية في الإنسان تصل في واحد مايكرو ثانية Microsecond، جزء من مليون من الثانية، هذا هو حاضرك، أكثر شيئ أقدر أن أزن به الحاضر في الميزان وأتكرَّم عليك به هو أن أقول لك أن حاضرك واحد مايكرو ثانية Microsecond، وهنا ستقول لي إذن بالنسبة للماضي هو غير موجود وكذلك المُستقبَل بالنسبة لي غير موجود، لكن المسألة أعقد من هذا فانتبه، ستقول لي هذا حاضري لكن بالنسبة لرب العالمين – لا إله إلا هو – هل هو محكوم بحاضري؟ أنا أقول لك النجوم غير محكومة بحاضرك ولا الكائنات الدقيقة والجُسيمات محكومة بحاضرك، هناك حواضر، فكيف تقول رب العزة نفسه محكوم بحاضرك؟ علماً بأن سؤالنا عن القضاء والقدر ومسألة مُخيَّر ومُسيَّر أصبح بالنسبة في في هذا العصر سؤالاً بليداً، هو يُطرَح ببلادة ويُجاب عنه بأبلد، يُقال هو كتب علينا وما دام كتب علينا وعرف ماذا سنفعل وهذا يعني أننا لسنا مُخيَّرين وإنما مُجبورون ومُسيَّرون، قل لي لماذا؟ حل لي هذه المُشكِلة، والله أنت لا تفهم شيئاً – أقسم بالله – ولم تدرس لا فلسفة ولا علم ولا أي شيئ، أنت تعيش في قرن كان يُوجَد قبل أربعمائة أو خمسمائة سنة، ما هذا الهبل؟ أين تعيش أنت؟ نحن اليوم كبشرية نتعاطى مع هذه المسائل في مُستويات مُختلِفة تماماً، دع عني كتبك الحمراء والزرقاء والصفراء وما إلى ذلك، هذا كله انتهى، نحن الآن في مُستويات أخرى، البشرية توصلت لمُستويات مُختلِفة تماماً، إسحاق نيوتن Isaac Newton لم يفهم هذا الكلام ولم تكن عنده أي علاقة به، كان يتخيَّل الزمان بالطريقة الخطية، أي Linear Time، بمعنى أن الزمان مثل سهم – Pfeil – مُؤخَّرته هي الماضي، أي نقطة فيه لمرجع مُعيَّن هي الحاضر، المُقدَّمة هي المُستقبَل، فهم فهم أنه خط زماني رغم أن هذا يُوجِب مُفارَقات Paradoxes – – ومُناقَضات – جمع مُفارَقة ومُناقَضة – منطقية من أعجب ما يكون، لا تقل لي الزمان يجري، أنا قلت لك هذا كلام شعراء، اترك الشعراء بالله عليك الآن، ذبحونا الشعراء العرب وغير العرب، يقولون الزمان يجري، ما معنى الزمان يجري؟ هذا كلام فارغ، لا يُوجَد زمان يجري، هل تعرف لماذا؟ أنت حين تقول لي الزمان يجري فهذا يعني أنك تفترض وجود مجرى لا زمني يسير فيه الزمان، وهذا لا يُمكِن، هذا كذب، وهنا سقول لي هذا مضبوط والله، إذن حتى تعبير أن الزمان يجري هو تعبير فارغ، لذلك كبار العقول تساءلت وقال أحدهم ليت شعري هل نحن واقفون والزمان يمر بنا – الأحداث – أم أن الزمان واقف ونحن نمر؟ هل نحن نمر بالأحداث؟ أي الوعي، فالحقيقة حقيقة الوعي الإنساني، يا ليت عندي وقت لكي أُوضِّح لكم هذه الأفكار بطريقة مُسهَبة قليلاً، كنتم سترون أن هذه نزعة مثالية في التفلسف والعلم، لكن هذه قضية أخرى.

نرجع إلى موضوعنا، إذن لا تقل لي الزمان يجري وخط الزمان وما إلى ذلك، لا يُوجَد شيئ اسمه خط الزمان في الواقع ولا معنى لأن تقول الزمان يجري، المسألة ليست على هذا النحو بالمرة، لكن نيوتن Newton كان يظن هذا، ظن أن الزمان هو حقيقة موضوعية مُطلَقة، هل تعرف ما معنى مُطلَقة؟ غير مُنسَبة، لا تعتمد على أي نظام مرجعي لقياسها، فالزمان الزمان، ولذلك الزمان هنا هو نفسه هناك وهو نفسه في آخر الكون، في أي مكان يُوجَد الزمان نفسه، جاء طبعاً أينشتاين Einstein بعد جماعة مهَّدوا له وقال هذا كلام فارغ، وفعلاً هذا كلام فارغ تماماً، هل تعرفون لماذا؟ أولاً لو كان الزمان حقيقة مُطلَقة إذن يمُكِن أن تتحدَّث عن تزامن وعن آنية، كأن تقول في هذه اللحظة من تاريخ الكون يحدث كذا وكذا، لكن هذا الكلام غير موجود، لا يُوجَد شيئ اسمه لحظة من تاريخ الكون، هذا كلام فارغ، لا تُوجَد لحظة من تاريخ الكون، هل تعرف؟ تُوجَد لحظات، وهي لحظات كثيرة جداً جداً جداً، كلٌ منها تعود إلى نظام إسنادي مرجعي مُختلِف عن الثاني، بدليل أنك الآن حين تُرامِق السماء – أي ترمق – بعينيك أنت لا ترى تقريباً أي شيئ في الحاضر، أنت ترى ماضي السماء باستمرار، فلا تقل لي أنا وهي في لحظة واحدة، هذا لا يُمكِن أبداً، لحظتها غير لحظتك تماماً، وسنُوضِّح هذا، نحن نرى كل شيئ عبر الضوء، إذا لم يُوجَد ضوء بالكامل ستحدث عتمة – ليل – ولن نرى شيئاً، أليس كذلك؟ لأن ضوء بالمُطلَق غير موجود ومن ثم لن نرى، فبالضوء نحن نرى، إذن الزمن الذي يستغرقه الضوء من الجسم الذي أراه حتى يصل إلى عيني هو زمن مُعتَبر ومُهِم، أليس كذلك؟ هو مُعتَبر ومُهِم طبعاً، أنت الآن – وذكرت هذا قبل هذا – تبعد عني متراً، لكنك قد تقول أنا أرى مَن يبعد متراً كالذي يبعد عشرة أمتار، وهذا صحيح عملياً، لكن نظرياً الذي يبتعد عنك ويجلس أمامك أو يقف أمامك أو قُبالتك على مبعدة متر من المفروض أنت تراه بعد كم؟ هذه عملية سهلة وقد قلت لكم كيف تتم، ثلاثمائة ألف كيلو متر في ثانية، حوِّلها إلى أمتار، ستكون ثلاثمائة مليون متر في الثانية، أي بعد واحد على ثلاثمائة مليون من الثانية سوف أرى مَن يبعد عني متراً، والذي يبعد عني مترين بعد جزئين من ثلاثمائة مليون جزء من الثانية سوف أراه، والذي يبعد عشر أمتار بعد عشرة على ثلاثمائة مليون من الثانية سوف أراه، لكنك ستقول لي أنا أراهم في نفس الوقت، هل تعرف لماذا؟ جهازك العصبي والقدرات التي أعطاك الله إياها غير مُهيّأة وغير لائقة أن ترصد هذه الفروقات السريعة، مخك لا يشتغل بشكل سريع جداً مثل الإلكترون Electron الذي يلف أربعين ألف تريليون لفة في الثانية، لو الله جعل مخك وجعل الخلايا العصبية عندك والمشابك والليفة العصبية – Synapse – والألياف العصبية والتفاعلات في المشابك – سيروتونين Serotonin ودوبامين Dopamine وأستيل كولين Acetylcholine وما إلى ذلك – تشتغل بكل هذه السرعات – سرعة الفيمتو Femto وسرعة الزيبتو Zepto وسرعة الأتو Atto وما إلى ذلك – هل تعرف ما الذي سيحدث؟ الذي سيحدث أنك سوف ترى الناس في أوقات مُختلِفة، فأنا سوف أرى هذا قبل هذا بكم؟ كما قلنا إذا المسافة بينهما متر سوف أرى هذا قبل هذا بواحد على ثلاثمائة مليون من الثانية، سوف أرصد هذا وأعرفه، وسأقول هذا مُتأخِّر يا أخي، هذا بعيد لأنه يبتعد عني بكذا وكذا، لكننا لم نُخلَق على هذا النحو، والله قادر على أن يخلقنا كذلك لكي نلتقط هذه الأشياء، والآن سنُبسِّط المسألة مزيد تبسيط، أنت الآن ترى القمر، وتقول هذا هو القمر، لكنه ليس القمر، ولا يُمكِن لك أن ترى القمر، حتى لو انتحرت لن تراه والله، لماذا؟ أنت ترى صورته دائماً، أي أنك ترى ماضيه، لماذا؟ لأنه يبتعد عنك أربعمائة ألف كيلو متر، أي ثانية وثلث الثانية، فأنت ترى القمر دائماً بعد ثانية وثلث الثانية، أي أنك ترى صورته التي كانت قبل الثانية وثلث الثانية، وطبعاً في الثانية وثلث الثانية يتحرَّك، أليس كذلك؟ فإذن انت ترى الصورة، قد تقول لي أنا أُريد أن أرى القمر نفسه، لكنك لن تقدر والله، كما قلت لك سواء انتحرت أو يئست لن تراه، هذا ما أراده الله، فالإنسان مُحاط به وضعيف، وهنا ستقول لي هناك ما هو أصعب، فالشمس تبعد عني مائة وخمسين مليون كيلو متر، ومن ثم لن تراها إلا بعد ثماني دقائق ونصف الدقيقة، ولك أن تتخيَّل هذا، لا تقل لي هذه الشمس، هذه – والله – ليست الشمس، هذه صورتها قبل ثماني دقائق ونصف الدقيقة، ما رأيك؟ حين تراها على الأفق – Horizon أو Horizont – أمامك وتُشاهِد لحظة الغروب ثم تجدها تسقط – بتسقط في لحظة – فإنها لا تكون الشمس، هذه ليست الشمس وإنما صورتها قبل ثماني دقائق ونصف الدقيقة، هي لم تسقط، هذه صورتها التي سقطت، ستقول لي وماذا عن الشعرى اليمانية؟ قال الله وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ۩، لماذا أخبر الله أنه رب الشعر؟ هو رب الشعرى ورب الجوزاء ورب سهيل ورب حتى الدب الأكبر والدب الأصغر فلماذا أخبر عن الشعرى بالذات؟ لأن الكثير من الأمم قدَّستها، وهذا موضوع ثانٍ، وهو يتعلَّق بالأنثروپولوچيا Anthropology، فهم قدَّسوا الشعرى ونسبوا لها أشياء وقالوا أن لها علاقة بالزراعة وما إلى ذلك، فالله قال لا، الشعرى نجمة من نجومي وأنا ربها مثلما أنا رب الشمس والقمر وكل السماء فلا تعبدوها ولا تغتروا بها، أي بسيريوس Sirius، وسيريوس Sirius كم تبعد عنا؟ تبعد عنا بمقدار ثماني سنوات وستة أشهر ضوئية، فالقمر ثانية وثلث الثانية، حين تقول يا (الله) تكون وصلت الصورة الخاصة بالقمر وهي صورة من الماضي، والشمس ثماني دقائق ونصف الدقيقة تقريباً أوثماني دقائق، السيريوس Sirius أو الشعرى اليمنية – كما قلت – تبعد عنا بمقدار ثماني سنوات وستة أشهر ضوئية، وهذه الشعرى اليمنية كانوا يعبدونها، وهي ليست ثابتة، وسيدنا إبراهيم قال لهم لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ۩،الذي يأفل ويزول ويبقى منه فقط وهم – – Illusion أو صورة لماذا أعبده؟ أنا أُريد الحاضر، قال الله مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ۩، يا الله، هذا الذي أعبده، هذا الذي عنده حضور – Presence – حقيقي دائماً، وهو مُهيمن على المكان والزمان وغير مُتمكِّن وغير مُتزمِّن، وسوف نوضِّح هذا، وهذا هو موضوع خُطبة اليوم أصلاً لكن للأسف تضيع الأوقات، فلا علينا من هذا الآن ونرجع إلى ما كنا فيه، فالشعرى اليمانية أنت لم ترها ولن تراها إلا بعد ثماني ونصف سنة دائماً، أي بعد ثماني سنوات وستة أشهر، هذا ما يحدث باستمرار، لا يُمكِن أن تراها نفس اللحظة، هذا مُستحيل ولن تقدر عليه أبداً، لأنها تبعد عنك بكم؟ بثماني سنوات ونصف سنة ضوئية، فالمسافة ضوئية الآن، ويُمكِن لك أنت تحسبها، احسبها بالكيلومتر وقد قلنا مقدار سرعة الضوء وما إلى ذلك، هذه مسألة مُخيفة، وطبعاً هو من أقرب النجوم إلينا، أعني الشعرى اليمانية أو سيريوس Sirius، فهو من أقرب النجوم بعد الشمس، يأتينا في أقل من تسع سنوات، فالشمس هى الأقرب لكن هو من أقرب النجوم بعد الشمس، بعد ذلك تأتينا أقرب مجرة، وهي Galaxy أو Galaxie، والمعروفة بأندروميدا Andromeda، وأندروميدا Andromeda هي المرأة المُسلّسَلة أو المرأة المُقيَّدة، وهي تبعد عنا بمقدار اثنين مليون سنة، إذن نحن الآن حين نُرامِق السماء لا نرى كواكبها ونجومها ومجراتها، إنما نرى ماذا؟ صورها، نحن نرى الماضي، نرى الماضي والصور، لكن الحاضر الخاص بها هارب منا أصلاً، الحاضر هارب دائماً ولا يُمكِن أن نراه، تماماً مثلما يحدث حتى في الأرض، هل نحن نقدر على رؤية الماضي؟ نعم نقدر على أن نرى الماضي، بل ونقدر على أن نسمع الماضي أيضاً، ما رأيك؟ أنت تقدر على أن تسمع الماضي بدون أن تُسجِّله طبعاً، ليس المقصود أن تُسجِّل شيئاً وتسمعه وإنما المقصود أنك تسمع الماضي نفسه في الهواء نفسه، لكن كيف؟ هذه عملية سهلة، هل تعرف الآن كم هي سرعة الصوت؟ سرعته تصل إلى ثلاثمائة وأربعين متر في الثانية، أي أن الصوت يُعتبَر مسكيناً كالسُلحفاة، لكن الضوء وصل إلى ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية، أي ثلاثمائة مليون متر في الثانية، هذا هو الضوء، ثلاثمائة مليون متر في الثانية، لكن الصوت تصل سرعته إلى ثلاثمائة وأربعين متر في الثانية، ولك أن تتخيَّل هذا، لو كان ثلاثمائة لكان الفرق بمقدار كم؟ مليون تقريباً، أي مليون ضعف أسرع، ولذلك انتبه إلى الآتي، قد يحدث الآن انفجار يبعد عنك عدة أمتار، كأن تنفجر قنبلة – لا قدَّر الله – مثلاً، واليوم مصر فيها انفجارات، فنسأل الله الحفظ لوطننا العربي كله، فضلاً عن وجود حالات الانتحار، اليوم انتحر أحدهم، ونقول سريعاً ثم نمضي أن الانتحار هو مزيج من اليأس والقبح والجريمة، ولكي تُعالِجوا هذه الظاهرة الملعونة عالِجوا اليأس والقبح ونفسية الجريمة وعقل الجريم، وإلا لن يُحَل الموضوع، هو هذا، نحن نحتاج إلى ثقافة جديدة من أجل أن نُغيِّر هذا الوضع الذي نحن فيه، وهو وضع بائس جداً وتاعس، على كل حال نرجع إلى موضوعنا، حدث انفجار يبعد عنك عدة أمتار، وقلت لي أنا رأيت الالتماعة وسمعت الصوت في نفس الوقت لأنهما كانا قريبين جداً منك، لكن افترض الآن وقوع انفجار يبعد عنك ثلاثمائة وأربعين متر، سوف ترى اللمعة قبل أن تسمع صوت بكم؟ بثانية، بعد كلمة (الله) سوف سمع صوت الانفجار – بووم Boom – وهذا مثل الرعد والبرق، أليس كذلك؟ سوف تقول لي ضاعف المسافة، لن نقول ثلاثمائة وأربعين متر وسنضرب في مائة، لكي نحصل على مائة ثانية، أي بمقدار أربعة وثلاثين ألف متر، أليس كذلك؟ سوف نسمع هذا بعد كم؟ بعد مائة ثانية، أي بعد ساعة ونصف تقريباً، لكنك سوف ترى الضوء في نفس اللحظة تقريباً، ليس في نفس اللحظة تماماً وإنما تقريباً في نفس اللحظة، فهذه ليست اللحظة نفسها وإنما أتت بعدها بحسب المسافة التي ستقيسها، لكن الصوت سوف يأتيك بعد مائة ثانية، رغم أنه يبعد عنك بمقدار أربعة وثلاثين كيلو، وأربعة وثلاثون كيلو لا يُعَد شيئاً كبيراً، فهو ليس على القمر مثلاً، هذه أربعة وثلاثون كيلو فقط، لكن أنت سوف تسمعه – كما قلنا – بعد مائة ثانية، أي بعد دقيقة ونصف الدقيقة، لابد أن تنتظر فعلاً دقيقة ونصف الدقيقة – مائة ثانية تقريباً – لكي تسمع، رغم أنك رأيت اللمعة في نفس اللحظة تقريباً مثلما تقول وإن لم يكن في نفس اللحظة، قد يقول لي أحدكم هذه عملية سهلة، أنا الآن سوف أمتطي طيارة كونكورد Concorde تسير أسرع من سرعة الصوت مثلاً – هذا غير موجود لكنه افتراض – بعشر مرات، إذا قلت عشر مرات سنقول لا مُشكِلة، بعد أن تسمع الصوت الآن انطلق بالطائرة – حتى لو انطلقت ثانية واحدة – فأنت ستسمع بعد قدر يُمكِن أن نحسبه بطريقة سهلة جداً جداً الصوت الذي سمعته مرة أخرى، فأنت تسمع الماضي، من المُمكِن أن ترى الماضي وأن تسمع الماضي.

يُوجَد ما هو أغرب من هذا بكثير، ماذا يقول ألبرت أينشتاين Albert Einstein؟ قال لا يُوجَد فعلاً زمان مُطلَق في الكون، كل الأزمنة التي في الكون وتائر مُختلِفة، الزمان يسير بوتائر مُختلِفة، لماذا؟ الزمان مُرتبِط بالحركة وهو مُرتبِط بالمكان طبعاً، فانتبهوا إلى أنه مُرتبِط بالمكان أيضاً، ليس عندنا زمان مُنفصِل عن المكان، هذا كلام فارغ وقد انتهى، مع أينشتاين Einstein انتهى مرة وإلى الأبد تقريباً، الوجود كما ندرسه ونشهده هو مُتصَل من الزمان والمكان، اسمحوا لي أن أوُضِّح لكم إياها، ويبدو أننا سنقوم بإلقاء خُطبة ثانية – لمَن يُريد طبعاً – بعد صلاة العصر، فنحن نُريد أن نُوضِّح لكم إياها، لكن كيف؟ أنا أقول لك كيف، أنت الآن ببساطة تجلس في هذا المسجد، لو الآن يُوجَد شخص خارج الكوكب الأرضي كأن يكون على القمر يا سيدي – هم ذهبوا إلى القمر – ويُريد أن يُحدِّد مكانك فسوف يحتاج إحداثيات غير التي تحتاجها، وينبغي أن تكون أوسع، لماذا؟ هذه الإحداثيات ستأخذ في اعتبارها الأرض نفسها وهى تدور حول حول الشمس في المدار – Orbit – الخاص بها، لأنها تتحرَّك، هى ليست ثابتة وإنما تتحرَّك، فهو يُريد أن يعرف أين يجلس الدكتور فلان أو السيد المُهندِس فلان نعم في المسجد الفلاني في الشارع الفلاني وفي كذا وكذا في الأرض لكن ضمن الكون وضمن هذا المدار Orbit، ومن ثم يحتاج إحداثيات من نوع جديد، واضح أنك في كل ثانية تكون في مكان جديد في الكون وإن كنت تجلس في نفس الكرسي، لكن أنت في الكون اختلف وضعك، تذهب إلى عالم آخر في كل لحظة، هل هذه الفكرة واضحة؟ يُوجَد ما هو أعقد من هذا قليلاً، سوف نُبسِّطها بإحضار مُكعَّباً، وأنتم تعلمون أن المُكعَّب له ثمانية أركان، أي ثمانية رؤوس، أليس كذلك؟ طبعاً عنده ثمانية رؤوس، وعنده كم ضلع؟ عنده اثني عشر ضلعاً، أليس كذلك؟ عنده اثني عشر ضلعاً وستة وجوه، هذا هو المُكعَّب Cubic، أنت أتيت بأسلاك معدنية مُستقيمة يصل عددها إلى اثنتي عشرة سلكة وبنيت مُكعَّباً، وكتبت التاريخ الذي بنيته فيه كأن يكون في الرابع والعشرين من شهر يناير في عام ألفين وأربعة عشر، جئت بعد ذلك في الحادي والثلاثين – أي بعد سبعة أيام – من شهر يناير في عام ألفين وأربعة عشر وفككته، أنا أقول لك ما الذي كان عندك؟ الذي كان عندك هو مُكعَّب وُجِدَ في الفضاء والزمان، أليس كذلك؟ شغل هذه المسافة الزمانية مع شغله للفضاء بالأبعاد الثلاثة، لو أردنا أن نرسمها بطريقة خط العالم – World Line – أو بيانات مينكوفيسكي Minkowiski – لمَن درسها – ماذا سنفعل؟ سنقول هنا كان عندنا مُكعَّب، وهذا المُكعَّب استمر زمنياً لمدة سبعة أيام فعلاً ثم انتيهنا منه وفكَّكناه ودُفِن في القبر وذهب، هذا هو، هذا مضبوط أم لا؟ الآن هذا المُكعَّب رباعي الأبعاد، دخلنا في بُعد الزمن، هذا المُكعَّب الرباعي كم وجه سوف يكون عنده؟ أنتم رأيتم كم رأس سوف يكون عنده؟ هنا ثمانية وهناك ثمانية، فأصبح عنده ستة عشر رأساً، أي ستة عشر ركناً، المُكعَّب الرباعي كم رأس له؟ ستة عشر رأساً، كم ضلع عنده؟ ستقول لي هذه عملية سهلة فهنا يُوجَد اثني عشر ضلعاً وهناك اثني عشر ضلعاً، أي عنده أربعة وعشرون، لكن هذا غير صحيح، لابد أن نربط كل ضلع هناك بالضلع الذي أصبح هنا لأنه مُمتَد، أليس كذلك؟ كأنه مطاطي، نحن مططناه، هذا المط يُساوي ماذا؟ يُساوي الزمان Time، كأنه مُكعَّب ومُطَّ، لكنه ظل مُكعَّباً رغم مطه، فصار عندنا أضلاع جديدة ثمانية، فهل تعرف كم سيُصبِح عدد أضلاع المُثلَّث رباعي الأبعاد؟ سوف يكون عندك اثنان وثلاثون ضلعاً، لأن حين نجمع أربعة وعشرين مع ثمانية سوف يكون الناتج هو اثنان وثلاثون، ولذلك ماذا قال علماء الطبيعة؟ قالوا سنفترض أن عندك أي مُكعَّب وقمت بعمل اسقاطاً هندسياً له، ما معنى اسقاط هندسي؟ رسم الظل، أي رسم الـ Schatten أو Shadow، ماذا سوف يظهر لك على الورقة مع المُكعَّب – مُكعَّب من زجاج مثلاً وأضلاعه من حديد – العادي؟ سوف يظهر لك مربعان مُتداخِلان مربوطيا الرؤوس، وسوف ترى هذا بعينيك، ماذا عن المُكعَّب الذي يعيش في أربعة أبعاد فضائية؟ انتبه إلى أنه ليس بُعد زمان الخاص بنا، فهو يعيش فوق في عالم آخر وعنده أربعة أبعاد، لو قومنا بعمل اسقاطاً هندسياً له على عالمنا الذي هو ثلاثي الأبعاد ماذا سوف يظهر؟ سوف يظهر المُكعَّب الذي وصفته لك قبل قليل، أعني المكُعَّب المطاطي، وهذا المُكعَّب عنده ستة عشر رأساً واثنان وثلاثون ضلعاً، وأنت سوف تُجن، سوف تقول ما هذا المُكعَّب الغريب الذي أراه لأول مرة في حياتي؟ هذا المُكعَّب الرباعي، سوف تقول لي هذا الآن له علاقة بسؤالي عن المنبر ووجودي ووجودك والسجاد والمسجد، فعلاً بما أن الزمان منسوج ومضفور مع الأبعاد المكانية الفضائية – Space – تماماً كنسيج واحد مثل نسيج الجاكيت – هذه سدى وهذه لحمة، تلك لحمة وتلك سدى، في الطول وفي العرض – فمعنى ذلك أن أي شيئ نراه لابد أن نُدرِك أننا نراه ككائن في عالم رباعي الأبعاد، ليس فقط ثلاثياً له علاقة بالطول والعرض والعمق لأن يُوجَد الزمن أيضاً، فكأنك أنت في كل لحظة لا ترى الشيئ كله أو حقيقته وإنما ترى شريحة منه، لأن وجوده الكامل ما هو؟ هو هذا التمطط من لحظة الميلاد أو الصنع إلى لحظة الزوي والتلاشي، هو هذا كله على بعضه، وهذا لا يرى أي أحد، يا ربي، فأينشتاين Einstein كان يُفكِّر على هذا النحو، لا أحد يُمكِن له أن يرى هذا، هل تعرفون لماذا؟ لأن الحاضر هارب، الحاضر دائماً هارب، ففي كل مرحلة سوف نرى قسماً – Section – أو شريحة – Slide – أو مقطعاً أو قطعة فقط، ولذا هذه قطعة من منبر، وهذا المنبر رباعي الأبعاد، هل تُوجَد عقول تُفكِّر على هذا النحو؟ نعم، العقول الضخمة ترى هذا، لكن بالعقل وليس بالعينين، لأن العين لا يُمكِن أن ترى هذا الكلام، فهذا يُرى بالعقل، وهنا ستقول لي هذا يعني أنك تُريد أن تصل بنا إلى كلمة، إذا وُجِدَ كائن أو موجود لا تُهيمن عليه أبعاد المكان – أي أنه غير مُتمكِّن – والمكان وأبعاد المكان مضفور بها ومعها بُعد الزمان – فهو مُتصَل زمكاني، أي مُتصَل زمان مكان Space-time Continuum – فهذا يعني أن غير المُتمكِّن هو أيضاً غير مُتزمِّن، أليس كذلك؟ هذا هو طبعاً، سهل على أي أحد فينا وعلى أي إنسان بسيط الثقافة وبسيط الاعتقاد أن يتخيَّل أو أن يتصوَّر أن الله – تبارك وتعالى – لا يهيمن عليه المكان، أليس كذلك؟ لكن انتبهوا إلى أن هذا يحدث ضمن تصوّر وثني، مُعظَمنا يفعل هذا التوثين، عندنا توثين للعقيدة التوحيدية، نظن أن الكون مثل القصعة أو مثل أي شيئ بين يدي الله، وأن الله كائن وعنده أطراف كاليدين – أستغفر الله العظيم – وعنده أبعاد ويمسكها بين يديه – أستغفر الله – وينظر فيها، هذه وثنية، وهنا قد تقول لي لقد أدخلتنا في مسائل مُختلِفة وأنا أعلم هذا، لكن ما هي طبيعة علاقة الله بخلقه وبكونه إذا لم يكن الأمر على هذا النحو؟ أنا أقول لك أن عندي جواب عنها، وهذا الجواب ليس جوابي وإنما جواب القرآن، وهو جواب نهائي، وقد يقول لي أحدكم أن العلماء قديماً اقترحوا الحلول بمعنى أن الله يحل في مخلوقاته وكذا وكذا، لكنه هذا كلام فارغ ووثنية أيضاً، تحدَّثوا عن الاتحاد والحلولية – Pantheism – وقالوا الله عبارة عن الروح السائرة في الكون، لكن هذا كلام فارغ وإلحاد، العقيدة التوحيدية تقول لا حلول ولا اتحاد، فحاشا لله أن يكون الأمر كذلك، كل هذا إلحاد في الله تبارك وتعالى، وهو من قصور العقل، فالعقل قاصر عن أن يتخيَّل، أنا أقول لك قرآنياً علاقة الله بخلقه لا هى حلول ولا هى اتحاد ولا هى تخارج، لأنها لو كانت علاقة تخارج لوقعنا في التجسيم، كأن نقول هذه حدود الكون وهذه حدود الله، ومن ثم سوف نُصبِح مُجسِّمين وثنيين، وهنا ستقول لي إذن ما هي العلاقة؟ علاقة خالق بخلقه، علاقة خالق بمخلوقاته، ستقول لي هذا كلام لغة مثلما نقول كلمة الزمن وهي لا تخبرنا عن الزمن أي شيئ، وهذا صحيح، هذا مُجرَّد تعبير لغوي، هل تعرف لماذا أنت لا تفهم ماهية هذه العلاقة – علاقة الله بمخلوقاته – أصلاً؟ لأن كل الفهم الذي نفهمه إنما نفهمه عبر وسيلة المُقارَنة والقياس، لو كان عندنا – أستغفر الله العظيم وفرض المُحال ليس بمُحال وهذا من أمحل المحال – ثلاثة أو أربعة أو ثلاثون أو ثلاثمائة آله أو كان عندنا مثل الهنديين الهنادكة ثلاثمائة مليون إله – أستغفر الله العظيم – فلابد أن يحكي كل منها – وهذا محال – حقيقة الإله الواحد المُتفرِّد الذي ليس له مثيل، وهذا تناقض طبعاً، ومن ثم وقعنا في التناقض، ولذا هذا كله يُعَد كلاماً فارغاً، لكن لو افترضنا أن عندك مثل هذه الآلهة وأردت أن تقيس عليه وتقول أنا أقدر على أن أفهم طبيعة علاقة الله الذي هو غيب الغيوب بالمُقارَنة والقياس فهذا لن يحدث، قال الله هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ۩، لا يُوجَد إلا خالق واحد، ولذلك أنت ستفهم أن علاقته بمخلوقاته هي علاقة خالق بالمخلوقات يحكمها المبدأ القرآني الذي يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩ والذي يقول أيضاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ۩، فليس له كفواً أحداً – لا إله إلا هو – في كل شيئ مثل أسمائه وصفاته وذاته، ثم تسكت الآن، لن تفقه ولن تفهم، لا أنا ولا أنت ولا أكبر عالم يقدر على أن يُجاوِب عن هذا السؤال، لا أحد يُمكِنه الجواب عن هذا السؤال، لأن الله ليس له نظير وليس له مثيل لكي نقيس عليه ونقارن به.
سنضطر أن نتوقف هنا – إن شاء الله – أيها الإخوة، وإن شاء الله بعد صلاة العصر سوف نُكمِل الخطبة لمَن شاء أن يُواصِل معنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، إخواني وأخواتي:
لو كان العالم ولو كان الوجود بمثابة شريط فيديو Video مُسجَّل – وضربت لكم مرة هذا المثال – فإننا لكي نمر بهذا العالم ولكي نُدرِكه ولكي نتعاطى معه ولكي يقع في دائرة وعينا سوف نحتاج إلى وقت لكي نُشاهِد أحداث هذا الشريط، هذا الشريط ينتهي في ساعة – أي في ستين دقيقة أو في ثلاثة آلاف وستمائة ثانية – بحسب ما نظَّم المُخترِع والمُصنِّع – صاحب النظرية – هذا الجهاز أو هذه التقنية، وبما يُوائم أيضاً قدرات الإنسان الحسية والإدراكية بحيث يُشاهد الأحداث في تتابع مقبول زمنياً، أليس كذلك؟ ليس في تتابع أسرع ولا أبطأ،هذا الذي يحدث فعلاً ، لذلك الحركة المُسجَّلة في التلفزيون Television وفي السينما Cinema تقريباً تكون مثل الحركة الموجودة الواقع تماماً، تأخذ نفس الفترة الزمنية في المشي – مثلاً – وما إلى ذلك، لنفترض الآن أن الله أنزل مخلوقاً آخر أو أعاد إعداد أحد البشر – أحد بني آدم – لكي يُدرِك تتابع هذا الشريط بسرعة مُضاعَفة تساوي ثلاثة آلاف وستمائة ضعف، أي من إدراكنا نحن، ونحن قلنا قد تكون ملايين الملايين أيضاً، لكننا سنقول ثلاثة آلاف وستمائة ضعف، ما الذي سيحدث؟ هذا المخلوق سيحضر هذا الشريط، وسنفترض أن عنده جهاز يستطيع أن يقرأ بهذه السرعة، سيُشاهِد الفيلم كاملاً ويعي كل أحداثه في كم؟ في ثانية، لأن الساعة ستون دقيقة، وحين نضرب ستين في ستين سوف يكون الناتج هو ثلاثة آلاف وستمائة، وأنا عندي السرعة المُضاعَفة كم؟ ثلاثة آلاف وستمائة، أنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف وستمائة ثانية، أي إلى ستين دقيقة – ساعة – لكي ترى الفيديو Video وتفهمه، أليس كذلك؟ أنا أحتاج كم؟ ثانية واحدة، ولذلك ما سيُعد في حقك أنت مُستقبَلاً – أنت لم تره والأحداثً لم تحصل إلى الآن – في حقي أصبح ماضياً، رأيته من قديم، ما الفارق بين المسألتين؟ السرعة، أي فارق السرعة، ومع وعي أسرع وقدرة على مُلاحَقة الحوادث أسرع تستطيع أن تمخر عُباب المُستقبَل، إذن هي دخلت في المُستقبَل لكن أنت لا تزال في الماضي، بالنسبة لي أنت من الماضي، إذن السرعة لها اعتبارها، الحركة لها اعتبارها، وهناك اعتبارات أخرى لأشياء كثيرة.
اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، افتح علينا بالحق وأنت خيرُ الفاتحين، علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً، اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها وأجِرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المُنكَرات وحُب المساكين وأن تغفر لنا وترحمنا وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين ولا خزايا ولا مُبدِّلين ولا نادمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اغفر لنا ولوالدينا وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

نظراً لضيق الوقت وعدم اكتمال الفكرة هذه تكملة للخُطبة ألقاها فضيلة الأستاذ الدكتور بعد الصلاة:
إذن إخواني وأخواتي:
السرعة – كما قلت لكم – لها دخالة أو لها مُدخلية في موضوع الزمن، وقد وضَّحناها بطريقة بسيطة من غير أن نلجأ إلى نظرية أينشتاين Einstein، قلنا كلما كانت قدراتك الإدراكية تعمل بوتيرة أسرع كلما استطعت أن تمخر في المُستقبَل بالقياس إلى غيرك، فيصير مُستقبَل غيرك ماضياً بالنسبة لك، لماذا؟ لأن إدراكك يتحرَّك بوتيرة أسرع، وتذكَّروا أمثولة – Analogy – أمثولة شريط الفيديو Video، هل هذا واضح؟ هذه واحدة، لكن قد يُعترَض على هذه الأمثولة بالقول أنت تتحدَّث عن أشياء ناجزة وعن أحداث مُصوَّرة على شريط فيديو Video، هذه الأحداث موجودة، لكن نحن نتحدَّث ونفترض الحديث عن أشياء غير ناجزة، فمُستقبَلي أنا لم يُخلَق بعد، ماذا سيجري علىّ وسيجري لي ومني؟ هذا مُستقبَلي وهو لم يحدث، لكن المسألة أعقد من هذا بكثير، هذه طريقة وعينا لا أقول الزائف لكن القاصر في إدراك الأمور، وهذا الوعي يظن نفسه مركز الكون ويُريد أن ينطلق في فهم الكون من هذه المركزية، وهذا خاطيء – علمياً خاطيء – طبعاً، لماذا؟ كما قلت لكم ليس هناك زمان مُطلَق في الكون، لذلك ليس هناك تزامن وليس هناك تآنن، هناك وتائر مُختلِفة تماماً لسريان الزمن، وسنضرب لكم المثال العتيد – وقد ذكرناه أيضاً غير مرة – الذي يُوضِّح أن ما هو بالنسبة إليك مُستقبَل يُمكِن أن يكون بالنسبة لغيرك ماضياً، نرجع إلى موضوع النجوم التي تبتعد عنا بمقدار كذا وكذا، لنفترض أن في الشعرى اليمانية وقع حدث مُعيَّن، وقلنا أنها تبعد مسافة ثماني سنوات وستة أشهر ضوئية طبعاً، هذه مسافات والمسافات نقيسها بالزمن، لماذا نقول ثانية ضوئية أو دقيقة ضوئية أو ساعةً ضوئيةً أو يوماً ضوئياً أو سنةً ضوئيةً أو مليون سنة ضوئية أو بليون سنة ضوئية؟ لأنها مسافات هائلة جداً جداً، أسهل علينا أن نتحدَّث عنها بالزمن بدل الكيلو متر والميل Mile، هذه الأشياء لا تصلح لأنك سوف تحتاج إلى أرقام هائلة جداً، وحتى باللغة العامية وليس بالفيزياء يقول الواحد منا فلان يبعد عني مسافة عشر دقائق بالحافلة Bus، إذن أنت تقيس المسافة بماذا؟ بالزمن، باللغة العامية تقول والله هو يسكن بعيداً عني مسافة عشر دقائق بالحافلة Bus، معنى هذا أن عندك شيئ معياري وهو سرعة الحافلة Bus، الحافلة Bus تسير تقريباً داخل بلد مسافة أربعين أو خمسين كيلو متراً في الساعة، فيُمكِن أن تحسبها لكي تعرف كم يبعد عنك تقريباً، أليس كذلك؟ فأنت لم تقسها بالمتر حين قلت يبعد مسافة عشر دقائق بالحافلة Bus، وهذه أيضاً عشر دقائق بالضوء، ويُمكِن أن تحسبها، ولذا يتم الحديث عن ساعة ضوئية وسنة ضوئية وما إلى ذلك، فالشعرى اليمانية تبتعد عنا مسافة ثماني سنوات وستة أشهر ضوئية، ولم ندخل في الملايين إلى الآن، نحن نتحدَّث عن السنة، لأن هذه أقل من تسع سنوات، فنفترض أنه وقع فيها حدث مُعيَّن كانفجار مثلاً، بلغة النسبية أي نقطة في المُتصَل الزمانمكاني يُسمونها الحدث Event، وقد فهمتم الآن ما هو المُتصَل الزمانمكاني، مثلما شبَّهنا بوجود المكعب المطاطي، فهذا مُتصَل زمانمكاني، وأي نقطة فيه يُسمونها الحدث Event، هذه لغة فيزيائية، فهذا هو الحدث الفيزيائي الآن، فوقع في الشعرى اليمانية انفجار، متى سنرى هذا نحن؟ بعد ثماني سنوات وستة أشهر، لأنها ثماني سنوات وستة أشهر ضوئية، وهنا لا نقول ثماني سنوات وستة أشهر ضوئية، وإنما ثماني سنوات وستة أشهر فقط، فالمسافة ضوئية لكن الزمن ليس ضوئياً، لا تقل سوف أراه بعد ثماني سنوات ضوئية، هذا الكلام ليس له معنى، فالثماني سنوات ضوئية هي مسافة، ركِّز جيداً في هذا، الثماني سنوات ضوئية هي مسافة، لكن الزمن ما هو؟ ثماني سنوات، لكن الثماني سنوات ضوئية هي مسافة، هذا مكان إذن، لكن لا علينا، لذلك من المُمكِن ألا تقول ثماني سنوات وتقول – مثلاً – كذا تريليون كيلو متر، فإذن يُمكِن أن تقول الشعرى تبعد عنا كذا تريليون كيلو متر حتى لا يحدث أي لبس عندك، إذن متى سوف نرى هذا الحدث؟ بعد ثماني سنوات ونصف، فأنا بعد ثماني سنوات ونصف رأيت هذا الحدث، هو بالنسبة لمَن يعيش على الشعرى – إذا وُجِدَ كائن يعيش هناك – من الماضي، ماذا لو عاش شخص على مبعدة من الشعرى أربع تُقدَّر بأربع سنوات وستة أشهر؟ هذا يعني أنه رآه قبلي بأربع سنوات، هو رأى هذا من قبل أربع سنوات، فمُستقبَلي أنا بالنسبة له يُعتبَر ماضياً، وحاضري أنا قد يكون مُستقبَلاً لغيري، كأن يعيش أحدهم على بعد ثماني عشر سنة وستة أشهر، أي أنه بعد عشر سنوات سوف يرى الحدث، مع أن في الأمر نفسه – كما يقول الفلاسفة الحدث واحد، أليس كذلك؟ الحدث واحد، فلا تُحدِّثني عن حاضر، حاضر ماذا؟ لا يُوجَد حاضر كوني ، مافيش حاضر، دائماً نحتاج إلى مرجعية، بالنسبة لبعض الناس هذا يُعتبَر حاضرهم، لكن بالنسبة لآخرين هو ليس حاضراً، فلا يُوجَد حاضر كوني ولا تُوجَد لحظة كونية، فبالنسبة لهذا المرجع هو حاضر، لكنه بالنسبة لي هو مُستقبَل، فلابد أن أنتظر تسع سنوات، وكذلك يختلف الأمر مع غيري، وهنا سيقول لي أحدكم هذا مفهوم الآن لكن هل من المُمكِن أن يكون حاضر هذا المرجع يُعتبَر ماضياً بالنسبة لشخص آخر؟ انتبه إلى أنه حاضره وليس حاضراً لثاني أو ثالث، فهل يُمكِن أن يكون ماضياً؟ هذا مُمكِن، كيف؟ هذه هي النسبية، الآن دخلنا في النسبية فانتبهوا، بما إن هذا الكون – كما قال أينشتاين Einstein الذكي جداً فعلاً – الكون مُتصَل زمانمكاني سوف نُشبِّهه بأسطوانة، أي أننا سوف نُشبِّه الكون بأسطوانة، وأينشتاين Einstein نفسه هو الذي قال أحسن تمثيل للكون هو الكون الإسطواني، ليس الكوري – أي الكروي – وإنما الإسطواني، سوف نفترض عموداً رأسياً، هذا العمود – إحداث العمود – هو خط الزمان، وسوف نفترض عموداً أُفقياً، هذا العمود هو خط المكان، علماً بأننا نُبسِّطها لكي نفهم، ما الذي يحدث إذن؟ نحن فهمنا قبل قليل أنه لا تُوجَد لحظة آنية يشترك فيها كل الكون، هذا غير موجود، فلكل آنه، والحاضر بالنسبة له الآن هو بالنسبة لغيره يكون ماضياً أو يكون مُستقبَلاً، أي أنه يختلف، وهذه قصة طويلة، لكننا سنفترض للتسهيل أننا أخذنا شريحة – Slide – من هذه الأسطوانة كما يقول أينشتاين Einstein، ولاحظوا أن الزمان هو العمود الرأسي والمكان هو العمود الأفقي، وأنا في نُقطة ما – مثلاً – على العمود الأفقي وأخطب خُطبة الجمعة التي هي في الحقيقة لست خُطبة وإنما مُحاضَرة، وعلى بعد عشر سنوات ضوئية – هذا مكان – عندنا كوكب وتيعيش عليه مخلوقات مُحدَّدة، وعلى بعد مائة سنة يُوجَد كوكب آخر وهكذا افترض كما تُريد، ثم افترض أن في هذا الخط الأفقي كل الأحداث مُتزامِنة، وطبعاً مُستحيل نسبياً أن تكون مُتزامِنة لوجود مسافة لكننا نفترض هذا التخيل من أجل التسهيل، متى يمكن أن نفترضها كلها مُتزامِنة؟ إذا كانت فعلاً كلها في أفق واحد وكل شيئ كان ثابتاً ولا يتحرَّك بالمرة، لا تُوجَد أي حركة، طبعاً فيزيائياً وفلسفياً لو توقَّفت الحركة بالكامل سوف يُعدَم الوجود، هل تعرفون الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر Martin Heidegger؟ عنده كتاب اسمه الوجود والزمان Sein und Zeit، وهو كتاب مُعقَّد، وقد فهم أن فعلاً الزمان هو توأم الوجود، لا وجود من غير زمان، هل تعرفون ما الذي يحفظ كل الكائنات وكل المخلوقات من عرش الرحمن إلى الفرش؟ اللحظة، التي نحن نُسميها الزمن، أي الحاضر، فهي حواضر كثيرة، لو اختفى هذا الحاضر سوف يختفي الوجود، وأنا قلت لكم أننا في كل لحظة أن نرى شريحة من كل شيئ، هذه شريحة واحدة فقط تعيش في ثلاثة أبعاد فضائية وبُعد زماني، أنت تشوفها الآن في هذه اللحظة فقط، لا تقدر على أن ترى ما قبلها ولا ما بعدها، هو هذا، خُذ هذا البُعد الزماني واحذفه، سوف يتلاشى كل شيئ، لأن لا يُوجَد مكان وحده ولا يُوجَد زمان وحده وإنما يُوجَد مُتصَل من الاثنين،يُوجَد مُتصَل فإذا حذفت الزمان سوف يتلاشى الوجود كله، فالزمان هو توأم الوجود، وأنا أعرف أن هذه أفكار تُصدِّع الرأس لكنها مُهِمة خاصة لمَن أراد أن يرجع ويتوسَّع قليلاً، وهي جميلة جداً جداً، لأنها تُفتِّق العقل بشكل غير طبيعي، نرجع إلى ما كنا فيه، فلنفترض هذا للتسهيل فقط، فالآن أنا على العمود الأفقي وعلى بعد مائة سنة ضوئية يُوجَد كوكب وعليه مخلوق – مثلاً – يجلس، ومن المفترض أنا زماننا هو نفس الزمان، هذا هو المفترض إلى الآن، ما الذي حصل؟ أينشتاين Einstein لكي يُفهِمنا قال هذا المخلوق ذهب وامتطى وسيلة مُعيَّنة للسفر وذهب يتحرَّك، فهو بدأ يتحرَّك الآن، هنا أينشتاين Einstein قال لك قف – – Stop عندك، أول ما يتحرَّك الجسم يختلف الزمن، بمعنى أن كل جسم مُتحرِّك يحمل معه زمنه، ليس زمنك أنت وإنما زمنه هو، الآن سنُوضِّح شيئاً وبعد ذلك نرجع إلى المثال، هذا مثال مُهِم وجميل جداً ويُمكِن أن ترسموه، لو كان عندنا هنا سبورة لرسمت لكم إياه، فهو سهل جداً وبسيط.

ذكرنا اليوم المرأة المُسلّسَلة، أعني الأندروميدا Andromeda، أقرب مجرة إلى مجرتنا درب اللبن أو درب التبانة، تبعد عنا – كما قلنا – مسافة اثنين مليون سنة ضوئية، إذن أردت أن تحسبها بالكيلو متر فلتحسبها، اضرب اثنين مليون سنة في عدد أيام السنة في عدد الساعات في الدقائق في الثواني في ثلاثمائة ألف كيلو، وانظر إلى الناتج بعد ذلك، إذا كان عندك آلة حاسبة Calculator سوف تحسب لك هذه المسألة، هذه مسافات رهيبة ولذلك الأسهل لنا أن نتحدَّث بالسنة الضوئية، أي بالضوء وليس بالكيلو متر، كيف يُمكِننا أن نقول هذا بالكيلو متر؟ فهذه اثنان مليون سنة ضوئية، وأنت – كما قلنا اليوم في الخُطبة الأولى – حين ترى الأندروميدا Andromeda أنت في الحقيقة لا تراها، وإنما أنت تراها قبل اثنين مليون سنة، لا يُمكِن أن تُلاحِقها، قد تقول لي ماذا لو عندي القدرة على أن أكون أسرع من الضوء بمرات كثيرة جداً جداً؟ إذا كنت أسرع من الضوء باثنين مليون مرة في إدراكك ووعيك ولا تعتمد في الرؤية على الضوء سوف تراها في لحظتها، لكن هذا غير موجود، فأنت تحتاج الضوء لكي ترى وأنت سرعتك محدودة والضوء سرعته معروفة، وهنا قد تقول هل رب العزة إذن قادر على هذا وعنده هذه القدرة؟ طبعاً يا أخي، هذا خلقه، قال الله أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ۩، هذا بالنسبة له يُعتبَر عادياً، هو كل شيئ حاضر عنده ومُهيمَن عليه من قِبَلِه في لا زمن، في حالة أنا أُسميها لحظة حضور تبدو وكأنها أزلية، لكن هي ليست لحظة، هي لا شيئ، وسوف تفهمون هذا فيما بعد لكن بعد أن نتقدَّم قليلاً لكي نفهم جيداً بعيداً عن الطريقة الوثنية التي لدينا، كما قلت السؤال الذي يتعلَّق بأن الله يعرف ماذا نفعل ومن ثم نحن لسنا مُخيَّرين هو سؤال وثني، السؤال نفسه وثني، لا يُمكِن لإنسان يُوحِد الله ويعرف مَن هو الله يسأل سؤالاً مثل هذا، ما رأيك؟ هذا السؤال الذي جننونا بسببه وكان له علاقة بالقضاء والقدر وقضية مُخيَّر أم مسير هو سؤال وثني، لا يطرحه رجل مُّوحِد ذكي أبداً، وسوف نرى لماذا في آخر هذه الخُطبة بإذن الله تعالى، إذن الأندروميدا Andromeda تبعد عنا مسافة اثنين مليون سنة ضوئية، يقول أينشتاين Einstein افترضنا أن رجلاً جاء وامتطى سفينة تسير بسرعة قريبة جداً من سرعة الضوء، وهناك طبعاً مُعادَلة لكن لن أذكرها، وقد حدَّد هذه السرعة بنسبة تسعة وتسعين فاصل تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة من سرعة الضوء، لماذا لا تجعلها مائة في المائة؟ مُستحيل، بحسب أينشتاين Einstein لا يُمكِن لأي جُسيم أن يسير بسرعة الضوء، هذا بحسب أينشتاين Einstein، لماذا؟ لأنه أيضاً حين تزداد سرعته تزداد الكتلة Mass، إذا وصل إلى سرعة الضوء سوف تُصبِح كتلته لا نهائية، ولا تُوجَد كتلة في الكون لا نهائية، ولو وُجِدَت كتلة لا نهائية فإنها لن تتحرَّك، أليس كذلك؟ لأنها سوف تحتاج قوة لا نهائية أيضاً، واللا نهائي أصلاً فرضية، فهي سوف تحتاج قوة لا نهائية لكي تُحرِّكها، ومن ثم قال هذا مُستحيل، فالأمل دائماً أمامنا في أن نتحرَّك بسرعة أنقص من سرعة الضوء بكسر بسيط جداً جداً، كما قلنا بنسبة تسعة وتسعين فاصل تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة تسعة من سرعة الضوء، فهذا الرجل المُفترَض ركب هذه السفينة التي هي شبه ضوئية وذهب إلى الأندروميدا Andromeda وقضى أشغاله وما إلى ذلك ثم رجع إلى الأرض، سوف تكون مرت عليه بحسب أينشتاين Einstein ست وخمسون سنة، وهنا ستقول لي كيف؟ لو سار هو بسرعة الضوء سيحتاج إلى اثنين مليون سنة، وسرعته أقل من الضوء، ولما آب وعاد وقفل ورجع احتاج إلى اثنين مليون سنة، إذن لابد أن يكون عمره أربعة مليون سنة زائد عمره وهو خمس وعشرون سنة مثلاً، أي أربعة مليون وخمس وعشرون سنة، فكيف تقول لي زاد بمقدار ست وخمسين سنة؟ بالحساب، هل تعرف لماذا؟ كلما تحركت والحركة بركة – لا إله إلا الله – يتباطأ الزمان، وهنا قد يقول لي أحدكم هل هذا ينطبق على حركة سريعة جداً؟ طبعاً هذه لا يُمكِن أن تحسبها لكن العلماء حسبوها تجريبياً ونجحت وخبطوا رؤوسهم وشهقوا وذلك في سنة ألف وتسعمائة وواحد وسبعين، شيئ لا يكاد يُصدَّق، لكن هذا ما حدث في سنة ألف وتسعمائة وواحد وسبعين، أتوا بساعة سيزيوم Cesium، وهي ساعة مُشِعة من دقائق ذرة السيزيوم Cesium، المُهِم أنها تقدر على أن تحسب لك زمن واحد على نانو Nano، أي أنها تحسب بالنانو ثانية Nanosecond، واحد من مليار من الثانية، ولك أن تتخيَّل هذا، أي واحد من ألف مليون من الثانية، فهم أتوا بها ووضعوها في طائرة نفاثة – وهي تُعتبَر سريعة – ووضعوا واحدة أخرى مثلها تماماً بنفس التوقيت – هذه سيزيوم Cesium وليست ساعة بعقارب وإنما هي سيزيوم Cesium تعمل على مُستوى النانو Nano – على الأرض، يا ليت وُجِدَ الصاروخ في أيامهم لكانت النتائج أحسن لكن هذا صعب فالصاروخ يذهب، المُهِم حين رجعت تأخَّرت الساعة التي كان على الطائرة بنفس النسبة التي تعطيها مُعادَلة أينشتاين Einstein، وهذا اسمه Deceleration of Time، فالزمان بدأ يتباطأ وهذا عجيب، تباطأ وثبت هذا علمياً وتجريبياً، شيئ لا يُصدَّق، ولذا العلماء شهقوا، ما هذا الرجل؟ هو فعلاً رجل عبقري، هل هذا كله بالرياضيات؟ بالرياضيات، عنده عقل وأخد يُفكِّر وبعد ذلك أثبت هذا الشيئ عبر وسائله، هذا كله من خلال التفكير بالدماغ الإنساني، وهو جميل جداً، ما هي المُعادَلة؟ سهلة جداً، هذه طبعاً دلتا Δ، لكن هي تقول زمان الجسم المُتحرِّك يُساوي زمان الجسم نفسه وهو ثابت وهو مضروب في الجذر التربيعي لواحد ناقص مُربَّع سرعة الجسم V – اختصار Velocity، V تربيع – على مُربَّع سرعة الضوء C، وواضح من هذه المُعادَلة أن كلما تسارع السرعة – Speed – العادية فوق وتعاظمت واقتربت من سرعة الضوء سوف يحدث تباطؤ للزمن باستمرار، وأنت يُمكِن أن تحسبها بطريقة عادية لأنها عملية سهلة، فهو قال لك هذا الذي ذهب إلى الأندروميدا Andromeda التي تبعد بمقدار اثنين مليون سنة وقلنا تُوَجد أربعة مليون سنة ذهاباً وإياباً أربعة مليون سوف يذهب ويأتي وعمره أصبح ست وخمسين سنة فقط، أي بمقدار كم تأخَّر الزمان؟ تأخَّر أربعة مليون سنة ناقص ستة وخمسين سنة، ولك أن تتخيَّل هذا، أي أنه دخل في الخلود تقريباً، أصبح كائناً خالداً، تأخَّر أربعمة مليون إلا ست وخمسين سنة، وسوف يعود – كما قلنا – إلى الأرض ويدخل الآن في مُستقبَل الأرض، سيجد أن الأرض التي تركها ذهبت من قديم، كل شيئ يتعلَّق بالناس والحضارة والبشر والنظم السياسية سوف يتغيَّر، سيعود هذا المسكين في حالة أصعب من أصحاب الكهف، لن يفهم شيئاً، الدنيا مُختلِفة بالكامل، ولك أن تتخيَّل هذا، سوف يرى أن الأرض مر عليها أربعمة مليون سنة، وهذا إذا كانت الأرض موجودة أصلاً ولم تذهب بسبب أن نيزكاً – مثلاً – ضربها أو ضاعت أو ضربها مجانين الساسة بقنبلة هيدروجينية ودمَّروها، فإذا كانت موجودة – وإن شاء الله هي موجودة – سوف يجد نفسه على الأرض وقد مر عليها أربعة مليون سنة، وهنا ستقول لي هذا يعني أنه دخل في المُستقبَل، هذا بالنسبة له كان مُستقبَل الأرض، وهذا صحيح، وهو ليس كأي مُستقبَل هذا، فقد مرت على الأرض أربعة مليون سنة، إذن هذا يعني أن الجسم حين يتحرَّك يحمل معه زمنه ومن ثم يحدث الاختلاف.

نرجع الآن إلى الشريحة الآنية كما يُسمونها، وقد رأيتم كيف كانت، عندنا – كما قلنا – عمود الزمان الرأسي وعمود المكان الأفقي فضلاً عن خط الحاضر الأفقي الذي افترضناه، الآن هذا الجسم أو هذا الشخص الذي يبعد عني عشرة مليون أو عشر سنوات أو مائة سنة ركب سفينة أو أي شيئ وبدأ يتحرَّك، انتبه الآن إلى الآتي، إذا تحرَّك مُبتعِداً عنا فإنه سوف يسير تدريجياً إلى الأسفل يساراً، أي أنه سيدخل في الماضي، فهو رجع إلى الماضي الخاص بي، وكلما تحرَّك أكثر دخل في الماضي أكثر – هذه فيزياء وليس تصوفاً – لكننا في لحظة سوف نقول له قف Stop، ممنوع أن تتحرَّك هنا، ماذا تفعل؟ ثم أوقفناه، سوف ينظر إلى شريحته الآن وسوف يجدها شريحتنا نحن في الأرض لكن قبل خمسمائة سنة، لعله سيجد نفسه عائشاً في أيام شكسبير Shakespeare أو أيام دافنشي Da Vinci أو أيام المسلمين في الأندلس ويرى بني عبّاد والشعر وابن زيدون وكل هذه القصة، وهنا قد يقول أنا كنت أعيش في القرن الحادي والعشرين قبل أن أتحرَّك بفترى وما إلى ذلك، لكن لا يا حبيبي، أنت تحرَّكت فماذا نفعل لك؟ فالشريحة الآن ستكون في الماضي، لكن ماذا لو ركب هذه المركبة وبدأ يتحرَّك تجاهنا؟ لن يأتي إلينا بشكل مُستقيم وإنما سيسير بشكل تدريجي إلى أعلى جهة اليمين، فهو سوف يسير إلى الأعلى وأنت ستكون في الأسفل، سوف نقول قف، لقد ضبطناك مُتلبِّساً، نحن بوليس Police الفضاء أو بوليس Police الزمان – تعلمون فيلم تايمكوب Timecop – ومن ثم سوف يقف، سوف نقول له أين شريحتك الزمانية؟ ما هي شريحتك الآن؟ سوف ينظر إلى شريحته وسوف يجد أنها شريحة الأرض تماماً بعد مائتين أو ثلاثمائة أو ألف أو ألفين سنة، أرأيتم؟ هذا هو، هذا كلام الفيزيائين العظام – ليس كلام رجال الدين وإنما كلام الفيزيائيين الآن – وخاصة أينشتاين Einstein، ماذا قالوا؟ قالوا افهموا يا بشر – يا ناس أو يا بني آدم – الآتي، ما يظن الواحد منكم في الكون أو يخاله أو يتوهمه أو يستوهمه ماضياً وحاضراً ومُستقبَلاً هو موجود كله، إذا افترضنا وجود لحظة كونية – وهذا غير موجود وهذه لغة قاصرة – فهذا كله موجود في لحظة واحدة، هذا المُتصَل الزمانمكاني يحتوي على كل الحواضر والمواضي والمُستقبَلات كما تُسميها، كل هذا موجود فيه، فبحسب هذه الحركة واتجاهاتها نقدر على أن ندخل مرة في الماضي ومرة في المُستقبَل وهكذا، قالوا لك هذا هو، هذا هو الكون الذي خلقه الله، هذا الذي نفهمه كرياضيين وفيزيائيين، لكن ليس بالطريقة الوثنية التي عند بعض رجال الدين، تدّعون أنكم مُوحِّدون وفي الحقيقة أنتم وثنيون، تظنوا أن الكون هو عالم من الفضاء المُتجِانس – كما ظن نيوتن Newton – المُطلَق والمكان فيه مُنفصِل أصلاً عن الزمان والزمان مُطلَق ويسري فيه مثل نهر، أي خط – كما قلنا – في اتجاه واحد لا ينعكس، وهذا اسمه Linear Time، قديماً كانت بعض الحضارات تقول الزمان يلف ويدور دائماً، أي أنه Cyclic Time، وتُوجَد الفلسفة الفيثاغورية والفلسفة الابيقورية، علماً بأن آخر مَن قال بالعود الأبدي هو نيتشه Nietzsche، قال كل شيئ يتغيَّر سوف يعود كما كان تماماً، ولذلك سواء تفائلت أو يئست سوف يرجع كل شيئ ، هذا اسمه Cyclic Time.

الآن سنُعطيكم معلومة فلسفية عميقة وجميلة فانتبهوا، مُناقَضة كانط Kant – وهي مُناقَضة Paradox منطقية أو عقلية كما يُسمونها – ما هي؟ كانط Kant جاء ببساطة في الأول – كان مسكيناً عادياً مثل أي إنسان عادي – وقال هم يقولون أن الله هو الذي خلق الكون وأنه خلقه من لا شيئ، لكن هذه مسألة صعبة، كيف هذا؟ من الصعب أن يُتقبَّل هذا، ثم قال إذا خلق الله الكون ووُجِدَ الكون بعد أن لم يُوجَد فهذا يعني وجود فترة لا نهائية قبل هذا، لماذا؟ الله أصلاً لا نهائي في الزمان، أليس كذلك؟ هذا يعني وجود فترة لا نهائية قبل أن يخلق الله الكون، والعقل لا يقبل هذا، أي لا يقبل وجود فترة وهي لا نهائية، ولذا لا نقدر على أن نقول أن الله أتى في لحظة وخلقه، لكن أصلاً لم تكن هناك لحظة، ويُوجَد افتراض عن لحظات لا نهائية سبقت، فلماذا إذن؟ لماذا جاء في لحظة مُعيَّنة وخلقه؟ ضرب كانط Kant رأسه وقال هذا غير صحيح، هذا صعب جداً، الكون موجود أزلاً، فهو قال هذا مثل كل الملاحدة، مثل ماركس Marx طبعاً، كانط Kant قال الكون أزلي مثل كل الماديين، فالكون عندهم ليس له بداية، يقولون هو موجود بلا بداية مثلما تُؤمِن أنت بإله ليس له بداية، قالوا هو موجود أزلاً وليس له بداية أيضاً، ثم قال كانط Kant هذا الكلام فيه مُشكِلة، إذا فعلاً الكون ليس بداية فلماذا هو موجود إلى الآن؟ لماذا يُوجَد إلى الآن إذا لم تكن له بداية، نحن نرى هذا الكون، وهذا الكون ليس إلهاً، هذا الكون هو كون حراري، أليس كذلك؟ وهو محكوم بمبدأ الإنتروبيا Entropy ، بعد كانط Kant بمائة سنة تقريباً – كانط Kant مات في عام ثمانمائة وأربعة – سوف يأتي كلاوزيوس Clausius ويظهر لنا القانون الخاص بمبدأ الإنتروبيا Entropy Principle، لدينا القانون الثاني للحرارة الديناميكية أو الديناميكة الحرارية، فالكون حراري فعلاً ولابد أن تنتقل الحرارة من الأعلى إلى الأدنى، أليس كذلك؟ لكن لابد أن نصل في لحظة ما في المُستقبَل تتساوى فيها كل الحرارة في الكون كله فيتموّت حرارياً، أليس كذلك؟ سوف ينتهى كل شيئ، سوف تجمد الذرات والجزيئات والتفاعلات وينتهي كل شيئ فيموت الكون، فلو لم تكن هناك بداية للكون لمات من قديم حرارياً، أليس كذلك؟ لكنه لم يمت ولا يزال حياً، فهو لا يزال ينبض ولا يزال الدم يسري في عروقه، كانط Kant قال ما هذه المسألة التي تُجنِّن الإنسان؟ قال لا يُمكِن أن أقول له بداية ولا يُمكِن أن أقول ليس له بداية، ما هذه المُصيبة؟ كاد أن يذهب عقل هذا المسكين، بعد ذلك أتى باقتراح لكن لن نذكره لأنه مُعقَد جداً جداً ويتعلَّق بقصة كبيرة، المُهِم أن اليوم نجد ستيفن هوكينغ Stephen Hawking وأمثاله يقولون هذه المُناقَضة عندنا سهلة، لماذا؟ لأنه هذه المُناقَضة أو هذه المُفارقة – Paradox بالإنجليزية أو Paradoxie بالألمانية – إلا ضمن النمط أو التصور النيوتني الذي يتخيَّل الزمان كالسهم الذي يسير إلى الأمام، لكن يُمكِن أن نتخيَّله Cycle، لماذا؟ لأن حتى في نظام الخطي والتصور – الموديل Model – الخطي للزمن لابد دائماً أن تسبق العلل المعلولات، وقالوا كل حادث مسبوق بمُدةٍ ومادة، هذا أمر لازم ، لكن في الـ Cyclic Time كل شيئ يُمكِن أن يغطاس كما يقول أهل العراق، بمعنى أن يدخل في بعضه البعض دون أي مُشكِلة، ومن المُمكِن أن تكون العلة مُتأخِّرة عن معلولها، يأتي المعلول وبعد ذلك تظهر العلة، كأن يشعر أحدهم أنه ضُرِب على وجهه بشدة ثم يرى بعد ذلك يداً تُمَد عليه وليس العكس، كأنك عكست الفيلم أو عسكت الجورب فلبسه بالمعكوس، كل شيئ سيحدث بالعكس، فهذا زمان معكوس، وقد رأينا كيف يُمكِن فعلاً أن ينعكس الزمان، كما قولنا مرة في الماضي ومرة في المُستقبَل وما إلى ذلك، هناك فكرة غريبة جداً بل هى نظرية وقد حدَّثتكم عنها مرة، وهي النظرية التي أخذ بسببها ريتشارد فاينمان Richard Feynman نوبل Nobel، هذا العبقري النادر المثال من كبار عباقرة البشر على الإطلاق، هذا الرجل – أي ريتشارد فاينمان Richard Feynman – كان شيئاً رهيباً، وقد أخذ بسبب هذه النظرية نوبل Nobel في عام ألف تسعمائة وخمس وستين، ما هي؟ هذه النظرية اشتغل عليها لمدة ثماني سنوات، وجوهر الفكرة هو انعكاس الزمن، ومَن الذي أوحى له بالقضية كلها؟ أستاذه العبقري الرهيب والعجوز المُخيف جون ويلر John Weller، في اتصال هاتفي بينهما تحدَّثا عن الإلكترونات Electrons والإلكترونات الضديدة أو النقيضة Anti-electrons, أي البوزيترونات Positrons، أرأيت كيف؟ وهذا كل شيئ بالسالب، أي شحنة سالبة على عكس الإلكترون Electron لدينا ، فالـ Spin – يسمونه السوريون بالبرم -العكس، كل شيئ بالعكس، كأن الأيزومر Isomer صورته في المرآة، فكانا يتكلَّمان في اتصال هاتفي، فماذا قال له ويلر Weller؟ قال له يا ريتشارد Richard أنا عرفت لماذا تُوجَد الشحنة، نفس الشحنة هنا وهناك ونفس المواصفات لكن كل شيئ معكوس، وأنا عرفت لماذا، فقال له لماذا؟ قال لأنه هو نفسه، البوزيترون Positron هو الإلكترون Electron، قال له كيف يكون هو نفسه؟ التصور الذي كان موجوداً هو أن هذا جُسيم وهذا جُسيم، قال له لا، هو نفسه، أي نفس الجُسيم، لكنه قال له لكان يا أستاذي لو كان هو نفسه لماذا لا تُوجَد عندنا بوزيترونات Positrons بنفس عدد الإلكترونات Electrons، الموجود هو عدد أقل، فقال له هذا لا يهمني، لأن هناك جُسيمات مخبّأة Hidden، قد تكون مُخبّأة فوق أو في النواة أو في أي مكان فهذا لا يهمني وليس لي علاقة به لكن هذه الجُسيمات موجودة وبنفس العدد، أنا لم أُثبِت هذا لكن لابد أن يكون الأمر على هذا النحو، انتهى الاتصال وبدأ يفكر فاينمان Feynman فوجدها فكرة عبقرية ، وفعلاً اكتشف ببساطة في النهاية ما اكتشفه، علماً بأنه عبقري في رسم الأشكال المُبسَّطة، يُبسِّط لك الأفكار بأشكال هندسية بسيطة، عنده مُخطَطات – Diagrams – وأشياء بسيطة بشكل غير معقول، فهو معروف برسوماته، فقال سوف نرسم نفس الرسمة، والفضاء هو الخط الأفقي، والزمان هو الخط الرأسي، وهذا الخط الرأسي مُتعامِد على الأفقي، ثم سنرسم خط الحاضر، يُوجَد إلكترون Electron تحرَّك وصعد إلى أعلى ودخل في المُستقبَل ثم رجع وجاء إلى خط الحاضر، ضع نُقطة سوداء عنده، ثم نزل إلى أسفل فصار بوزيتروناً Positron وانعكس فيه كل شيئ، وانعكس زمانه أيضاً، أرأيت؟ الآن هو بوزيترون Positron، أي أنه هو نفسه، ثم رجع البوزيترون Positron وجاء إلى خط الحاضر، ضع عنده نقطة لكن بيضاء هذه المرة، ثم قفز مرة أُخرى إلى أعلى وقام بعمل قفزات بهلوانية، وعاد إلى خط الحاضر، ضع نُقطة سوداء، ثم نزل فصار بوزيتروناً Positron، لعب وتزوَّج وطلَّق وتسبب في مشاكل ثم رجع إلى خط الحاضر، ضع نُقطة بيضاء وهكذا، قال هذا الإلكترون Electron هو نفسه البوزيترون Positron، ما الفرق بينهما؟ قال هذا يلعب على الزمن، فهذا زمن معكوس، كيف يكون زمناً معكوساً؟ ما هذه الفكرة الجنونية؟ ثماني سنوات وريتشارد فاينمان Richard Feynman يشتغل عليها، وأخذ عليها نوبل Nobel، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، والفكرة فيها أشياء أصعب من هذا بكثير لكن نحن أتينا بما نُريده.
نرجع إلى فكرتنا الآن، إذن كيف يُمكِن أن يُدخِل أحدهم في ماضينا وأن يُدخل آخر في مُستقبَلنا، وهذا بحسب حركته في المُتصَل الزمانمكان وقياساً إلينا، نرجع ونقول ببساطة الآن أننا نتخيَّل – كما قلت لكم في الخُطبة الأولى – بسهولة أن الله مُهيمن على المكان، لكن – كما قلت – على خلفية تجسيمية أنثروبومورفية تُؤنسِن الله، أي تجعله صورة من الإنسان، وهذا إلحاد طبعاً، هذا إلحاد وهذه وثنية، لكن نحن نقتنع مبدئياً بأن الله – تبارك وتعالى – مُتحرِّر من قيود المكان، هذه مسألة سهلة بالنسبة لنا، هل تعرفون لماذا؟ مَن يقول لي لماذا؟ لماذا نتخيَّل أن من السهل جداً أن يتحرَّر الله من المكان في حين أنه صعب جداً على كائن ثنائي أن يتخيَّل التحرر من المكان؟ نحن كائنات ثلاثية وهذا أسهل علينا فهل تعرفون لماذا؟ لأن فضاء حريتنا الحقيقي هو المكان وليس الزمان، بدليل أنني في المكان أستطيع أن أقفز إلى أعلى قليلاً في الفضاء وأن أعود إلى الخلف لمسافة مترين – مثلاً – وأن أسير إلى الأمام، تُوجَد سهولة وتُوجَد حرية، أليس كذلك؟ لكن في الزمان لا أستطيع هذا، يا ليت أستطيع العودة إلى الوراء، ألا ليت الشباب يعود يوماً، هو لا يرجع وأنا لا يُمكِن أن أذهب له، لو كان لديك حرية لكي تتحرَّك في بُعد الزمان كحريتك في الحركة في بُعد المكان لرأيناك اليوم يا حبيبي عجوزاً وغداً شاباً وبعد غد طفلاً صغيراً – بيبي Baby – وهكذا، ولعل بعضهم يُحِب أن يرجع إلى الرحم، لكن هذا غير مُتاح لنا بالمرة، أليس كذلك؟ هذا غير مُتاح، لذلك يصعب علينا تخيّل أن الله مُتحرِّر من قيود الزمان ويسهل علينا تخيّل أن الله مُتحرِّر من قيود المكان، أرأيتم الفكرة؟ لماذا إذن؟ لأن التحرر المكاني في حقنا نحن سهل وميسور، من المُمكِن أن نفعل هذا، نحن نتحرَّر إلى حدٍ ما وإن كان ليس بالكامل طبعاً وإنما قليلاً من قيود المكان، نعود لكي نُصوِّر نفس هذه القصة في تصوير أبسط ضربنا أيضاً ذات مرة في خُطبة، وهو تصوير وجميل وسهل،لأنه الفكرة التي نُريد إيصالها عن الله هي أنه المُهيمن على المُتصَل الزمانمكاني، انتبهوا إلى أنه لا يُوجَد في الكون مكان لوحده بعيداً عن الزمان، هو مكان زمان أو زمان مكان، فإذا أنت الآن سلَّمت أن الله – عزّ وجل – مُتحرِّ من المكان لابد أن تُسلِّم بأنه مُتحرِّر من زمانمكان، وبالتالي ستفتهم لماذا لا يُوجَد عند الله ببساطة حاضر وماضٍ ومُستقبَل، هذا كله عند الله موجود في لحظة، وهيى ليست لحظة طبعاً وإنما هي لا شيئ، يُوجَد حضور دائم فقط وينتهي الأمر، فهو ليس عنده ماضٍ وحاضر ومُستقبَل لكي نقول كيف عرف وكيف كتب وما إلى ذلك، هذا الكلام كله غير موجود أصلاً بالمرةن هذا موجود بالنسبة لك أنت، بالنسبة لوعيك البطيء السلحفائي والمُتلكيء، لكن عند الله الأمر مُختلِف، هذا غير موجود، وقد ضربنا مثالاً بسيطاً عن هذا، قلنا سنفترض أن شخصاً ما سُجِنَ في زنزانة Zelle، وفتحوا له ثقباً بسيطاً بالكاد يكون في حجم العين لكي يرى منه، الآن نظرهذا الشخص من الثقب فرأى رجلاً يُغني ويرقص ويتسبَّب في مشاكل وما إلى ذلك، هذا الإنسان بالنسبة له الآن هو حاضر، هذا موجود بالنسبة له ولا يرى غيره، ذهب الإنسان فأصبح عنده من الماضي، انتهى الأمر لأنه غير موجود، ثم جاء رجل ثانٍ فأصبح حاضراً بالنسبة له، ثم بدأ يتوقّع مجيء رجل ثالث ورابع، لكن هما بالنسبة له من المُستقبَل، أليس كذلك؟ علماً بأن هذا نوع من التصوير والتمثيل فقط فانتبهوا، مع فروقات كثيرة في المثال كما يحدث دائماً، والآن يُوجَد شخص لكن ليس في الزنزانة وإنما فوق سطح الزنزانة وينظر من أعلى، ماذا سوف يرى؟ سوف يرى أن كل ما اعتقده الأول حاضراً وماضياً ومستقبلاً هو حاضر بالنسبة له، أليس كذلك؟ سوف يرى جميع الرجال في الحاضر، ما الذي مكَّنه من هذا؟ تحرّره من بعض قيود المكان التي قيَّدت هذا المسجون المُزنزَن، سنقول ولله المثل الأعلى هذا نفس الشيئ، بسبب التحرر من قيود الزمان مكان أو الزمكان، أي Spacetime، يُوجَد مَن هو مُتحرِّر منها، انتبه الآن لأنني سأُعطيك فكرة فلسفية غريبة، وطبعاً يُوجَد عليها نقد فلسفي وعلمي أيضاً، ولن نُوضِّحها بعمق لكن المُهِم ببساطة ما هي؟ نحن نقول عن الله أنه أبدي أزلي، فهو موجود من الأزل بلا بداية وبلا نهاية أيضاً، فهو أزلي أبدي سرمدي لا إله إلا هو، قد تقول لي كيف؟ أنت تقول هذا ببساطة، لكن فكِّر فيها وسوف تجدها فكرة عجيبة، شيئ لا يكاد يُتخيَّل، بالنسبة لنا لا معنى لنا إلا أن نكون مُتزمِنين، نحن نُوجَد الآن، وقد وُجِدنا رغم كل كلامي في التشكيك في موضوع الماضي الآن والحاضر، هل تعرف ما الذي يمسك لك الحاضر نفسه؟ الذاكرة، إذا لم تكن عندنا ذاكرة مثل السمك – السمك تقريباً ذاكرته ثانية ولك أن تتخيَّل هذا – لن نفهم حتى معنى (يا الله)، سوف تُدرِك (يا) ثم تنساه، ثم تأتي إلى كلمة (الله) ولن تفهمها وستنساها وهكذا، كل شيئ سيذهب ويفنى، سوف تعيش بلا حاضر تقريباً مثل السمك، فالسمك بلا حاضر، السمك تقريباً ليس له أي حاضر، فالذاكرة هي التي تجعل تتوهم أن عندك حاضر، كأن تقول نحن نحضر خُطبة الآن، أي نحن في حالة حضور الخُطبة، خطبة ماذا يا حبيبي؟ كل شيئ نقوله ذهب في العدم، بُلِعَ في هوة العدم، هل تعرف ما الذي يمسكه؟ صورة منه في الذاكرة عندك، قد تقول لي وكيف تعمل الذاكرة نفسها؟ سندخل في مُفارَقات ثانية، لكننا لن سنتركلها الآن، لأن هذه المسائل – كما قلت – مُعقَّدة جداً جداً، ولذا الزمن صدَّع العلماء والفلاسفة ولا يزال.

فإذن أنت تؤمِن بأن الله – تبارك وتعالى – موجود أزلاً وأبداً، بمعنى أن الله لن يُوجَد غداً وما إلى ذلك، هو موجود بشكل أبدي، كيف هذا؟ أي أبد؟ هذا الأبد لم يأت لكن هكذا أنت تظن، أليس كذلك؟ أنا أقول لك كون وجوده – لا إله إلا هو – متعالياً على الزمن – وجود لا مُتزمِّن أو غير زمني – فهذا يعني أنه فعلاً أزلي أبدي، وليس ضرورياً لوجوده – لكي يُوجَد لا إله إلا هو – أن ينتظر للحظات، هذا الكلام غير موجود عند الله، هذا غير موجود أصلاً، فهل هذا الوجود إذن من نوع مُختلِف تماماً؟ طبعاً هو من نوع مُختلِف تماماً عن كل ما خلق لا إله إلا هو، هذا يختلف عنا وعن وجودنا، فإياك أن تقع في الوثنية وتبدأ تقيس وجود الله وعلم الله وقدرات الله على وجودك أنت وعلى علمك أنت وتظن انك تأتي بمُعضِلات كبيرة، علماً بأنها تُسمى مُعاضَلات أيضاً، فهي تعضل بالعلماء، لا تقل كيف قبل أن يخلقني علم ما سأفعل وكتب علىّ وكذا وكذا، يا رجل هذا بالنسبة لك أنت، لا تقل قبل وغير قبل، عند الله لا يُوجَد لا قبل ولا بعد، قد تقول لي هذا كذب، فالقرآن فيه هذا الكلام، أي فيه قبل وفيه بعد، قال الله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْن ۩ وإلى آخره، سوف أحل لك هذه المُشكِلة بحل أعتقد – إن شاء الله – أنه سيكون مُوفَّقاً، ما هو؟ أنت فهمت قُبيل قليل أن وعيك يتعاطى مع الزمن بطريقة مُشوَّهة أصلاً، أليس كذلك؟ وهذه الطريقة غارقة ومغموسة في النسبية والمحدودية التي عندك، وفهمت أن الزمان ليس كما تظن، وما يُنسَب إليك ليس عنده أي صفة إطلاقية لكي يُعمَم على الكون، أليس كذلك؟ لا حاضرك هو حاضر الكون ولا ماضيك هو ماضي الكون ولا مُستقبَلك مُستقبَل الكون ولا الكون رهن بإدراكك وبسرعة إدراكك وتناولك للأمور، الأمر ليس كذلك أبداً، هذه مُشكِلتك أنت، أليس كذلك؟ ستقول لي لقد آمنت بهذا الكلام، أنا مُؤمِن به على جميع المُستويات، وهذا جميل جداً، إذن هذه مُشكِلة وعيك، الآن لغتك سوف تعكس – أستغفر الله – وعي الله أم وعيك أنت؟ سوف تعكس وعيك طبعاً، فضروري جداً أن تصطنع لغة وتخترع لغة وتبتكر لغة وتستخدم لغة تُعبِّر عن طبيعة وعيك وعن كيفية وعيك وعن أخطاء وتشويهات وتحريفات وعيك وعن زيوف وعيك، فلغتك هذه التي تقول بها أمس واليوم وغداً غير دقيقة، هذه لغتك أنت يا حبيبي، قد تقول لي لكن الله خاطبني بها، هذا طبيعي وإلا كيف يُخاطِبك؟ مُستحيل أن يُخاطِبك بلغة تصلح للعالم الإلهي، الله لا يحتاج لغة أصلاً، لأن ليس عنده إله أخر يُشارِكه في شيئ لكي يتفاعل، هذا غير موجود أصلاً، فهو لا يحتاج إلى اللغة لا إله إلا هو، فكيف يُمكِن أن يُخاطِبك؟ طبعاً سيُنزِّل لك قرآناً وكتباً سماوية تصطنع لغتك أنت، لكن انتبه إلى أنه على كل شيئ قدير، لم يُعجِزه وهو يستخدم لغتك أن يُعطيك في أكثر من مرة أشياء تستثير فيك التساؤل والتعجب، مثل ماذا؟ قال الله أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ ۩، وهنا قد تقول لي هذه مُبالغَة، مثل جاء الامتحان يا كسول وهم لم يأت، لأن الامتحان غداً أو بعد غد، لذا قال الله أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ ۩، فهو لم يأت لكنه قال هذا من أجل أن يُخيفنا، هذه مقدور عليها ومن ثم سنتركها لكن هناك آيات أخرى على هذا النحو، مثل قول الله وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۩، ومثل قوله أيضاً وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ ۩، أليس كذلك؟ قال الله وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ۩ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ۩،وهنا قد يقول لي أحدكم هذه كلها تمثيلات وتقريبات سوف تُصيبنا بالدوار، لكن الأمر ليس كذلك يا حبيبي، ويُوجَد ما هو أصعب من هذا، نعلم ما وقع ليلة المعراج، وقد رأى النبي الصالحين في الجنة، إن شاء الله يكون رآنا في الجنة، فالنبي رأى هذا، رأى الجنة ورأى أهلها، رأى فلاناً وعلاناً بل وسمع أيضاً صوت نعلي بلال، أليس كذلك؟ ورأى أبا جهل في جهنم وما إلى ذلك، فهو رأى هذا كله، ستقول لي هذا يعني أن كلام أينشتاين Einstein صحيح وأن كلام علماء الفيزياء الكبار أيضاً صحيح، وأن ما هو بالنسبة لنا ماضٍ ومحاضر ومُستقبَل هو أصلاً موجود، وهذا صحيح فكله موجود ومُتاح، لكن وعيك غير قادر على إدراكه، تماماً كالتشبيه الذي ذكرته وسنرجه إليه، أنا أعتبره تشبيهاً مُوفَّقاً إن شاء الله، ما هو؟ نفترض أن الكون كله هو شريط فيديو Video، يُوجَد فيلم مُسجَّل على شريط الفيديو Video، مُشكِلة وعيك أنهلا يقدر على أن يتعاطى مع هذا الشريط إلا وفق وتيرة مُحدَّدة، لابد من ست عشرة لقطة فقط في كل ثانية، أليس كذلك؟ ونحن نراهم جميعاً كلقطة واحدة حية، هذا ما يحدث في كل ثانية، لكن لو وُجِدَ شخص أخر – كما قلت لكم – عنده في كل ثانية ستة غعشر في ثلاثة آلاف وستمائة – بمعنى أن إدراكه قادر على أن يتضاعف ثلاثة آلاف وستمائة مرة كما قلنا – سوف يكون تعاقب الصور في كل ثانية بمقدار ستة عشر في ثلاثة آلاف وستمائة، ولكم أن تتخيَّلوا كم مائة ألف صورة سوف يراها في الثانية، وطبعاً سوف يرى الفيلم كله ويعرف كل شيئ في ثانية واحدة، لأنه سريع جداً، هذا يعني أن بحسب سرعتك سوف تُدرِك أشياء في الكون بالنسبة لغيرك هي لا تزال من المُستقبَل، وقد رأينا في المُخطَّط كيف تحرَّك صاحب المركبة إلى جهتنا فدخل في مُستقبَلنا، الفيزياء تقول هذا، فهو دخل في المُستقبَل، شريحته الآنية هي شريحتنا نحن الآنية بعد أربعمائة أو بعد خمسمائة أو بعد مليون سنة حتى بحسب المسافة التي قطعها في السير، ويُمكِن أن يدخل في الماضي إذا اتجه بعيداً عنا، فإذن يُمكِن له أن يدخل في الماضي ويذهب ويأتي، مثل طيور إبراهيم.

لابد أن نختم لأن فعلاً الموضوع يُعتبَر مُعقَداً وطويلاً، وهو يحتاج إلى مُحاضَرات وليس إلى خُطب، فالآن لابد أن أختم باللفتة الآتية، لماذا بدأت خُطبة الجُمعة بهذه الآيات الكريمات من سورة البقرة؟ هذه الآيات تتحدَّث عن ثلاث مشاهد، عندنا ثلاث مشاهد عجيبة جداً على المسرح الإلهي، المشهد الأول عن نمروذ – لعنة الله عليه – في أور بالعراق وهو يقف مُتنمرِداً – يُنسَب إليه قولهم هذا الرجل مُتنمرِد، أي مُتنمرِذ،نسبةً إلى نمروذ، علماً بأنها تُكتَب بالذال – لكي يُحاجِج إبراهيم، دخل في نقاش حار مُحتدِم مع إبراهيم – عليه السلام – الذي هداه الله مُذ كان صغيراً وأعطاه عقلاً وحكمة، قال الله وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ ۩، من أول يوم كان مُوحِداً وعرف وفهم كيف تسير الدنيا، فهو رجل إلهي، اللهم اجعلنا بشراً إلهيين، قال نمروذ لإبراهيم أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۩، لكن إبراهيم لم يشأ أن يدخل معه في هذه المُغالَطات، قال له ببساطة فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ – تشرق من المشرق وتقع في المغرب – فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ ۩، أي بلغتنا اليوم وبلغة الفيزياء إبراهيم يتحدى ويقول له اعكس مسار الزمان، أعكس سيرها واجعلها تسير من المغرب إلى المشرق، أي اعكس مسار الزمان، وطبعاً لو عكسه لن يعكس الشمس وحدها وإنما سيعكس كل نظام المجموعة الشمسية، مثل الأرض وعطارد والزهرة وإلى آخره، الكل سوف يُعكَس، ومن ثم سنمر عكسياً على كل ما فعلناه في هذا اليوم، وسأتحدَّث أنا بالعكس، وستكون بداية الصلاة هي التسليم وهكذا، كل شيئ سوف يكون بالعكس، مثلما تقلب فيلماً، كأن تجعل الفيلم يسير بالعكس، والحمد لله أن عندنا هذا الفيديو Video لكي نفهم، فهذا كله سوف يُعكَس، ولذا سوف نُجَن ولن نفهم شيئاً، لأن المخ سيعمل بالعكس ولن نفهم أي شيئ، فإبراهيم قال له هذا هو التحدي الخاص به، فلتفعل إذا كنت تستطيع، طبعاً ما وجه التحدي هنا؟ الإله هو إله وهو خالق ومُبدِع ومُدبِّر للكون، إذن عنده سُلطة على الكون وهو غير محكوم بقوانين الكون، انتبهوا إلى هذا، فهذا لب وجوهر حُجة إبراهيم، لا تُحدِّثني عن حلولية – Pantheism – وعن كل هذا الكلام الفارغ، كأن تقول الله هو كونه والكون هو الله، هذا غير صحيح، هذا كلام فارغ إلحادي، هذه فلسفات هندية فارغة، الكون مخلوق لله ومُبدَع لله، والله غير محكوم – لا إله إلا هو – بقوانين الكون ويقدر على أن يعكسها تماماً وقد عكسها، هذا بالنسبة له يُعَد أمراً عادياً، وسوف نرى أين عكسها، فهو يقدر على هذا لكن نحن لا نقدر، لا يُمكِن لأي بشر أن يفعل هذا، ولذا قال الله عن نمروذ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۩، فهو بلغتنا قال له اعكس الزمان، اجعل أمساً وكأنه اليوم، هيا افعل هذا، أرجِعنا إلى أمس، هذا معنى قوله فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ ۩، هذه واضحة جداً، قال له اجعلها تسير من المغرب إلى المشرق، لكنه لم يقدر، وانظروا إلى القصة التي أتت بعدها، قال الله أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۩، انظر إلى الدقة والإعجاز القرآني، لم يقل أنا يُحيي الله هذه، لو قال هذا لن تكون هناك فائدة، وهذا أمر عجيب، لماذا؟ لأنه قدَّم الله، هو يُلاحِظ قدرة الله وفاعلية الله المُطلَقة، وبالتالي هذا سيكون عادياً ولمسألة لن تتعاوصه ولن تتعاجزه، سوف يقول لك ما المُشكِلة؟ هي ماتت – يُقال هي بيت المقدس – وذهبت ويقدر الله على إحيائها من جديد كما يُحيي النبات بعد زوائه، هذا يُعتبَر عادياً فما المُشكِلة؟ لكن هو لم يقل هذا، لذلك هل نحن نرى الله في الكون أم نرى الكون بحسب إيماننا بالله ونظريتنا عن الله؟ الثانية طبعاً، نحن نُريد أن نرى الكون في مرآة توحيد الله، لو رأينا الله في مرآة الكون سوف نصل إلى الإلحاد وسوف نرى الكثير من الأشياء غير المفهومة وسوف نقول أنها غير مفهومة، هل تعرفون لماذا؟ لأن مرآة الكون صدئة، طبقة القصدير أصابها الصدأ، مرآة الكون مُكسَّرة ومُهشَّمة، ومن ثم سوف نرى الكثير من الأشياء بأشكال كاريكاتيرية وسوف نلحد كما يُلحِد الملاحدة، ومن هنا تكون الضرورة هي ضرورة الدين والوحي، يأتيني نبي ويحضر لي كتاباً من عند الله نفسه لكي يُعرِّفني ويقول لي هذه هي الخُطة، وهذه الخُطة مُهِمة لكي تفهم كيف تتعامل مع الله، أنا سأُعرِّفك بنفسي لأنك لن تقدر على هذا وحدك وسوف تُسيء الفهم، فخُذ هذا الكتاب وابن تصورك – أي Weltanschauung أو World Picture – على هذه الخُطة الوحيانية، لكي تفهم كيف تتعاطى معي، فنحن سوف نرى الكون وسوف نُحاكِمه إلى مرآة الله، ومن ثم سوف نرى كل الأشياء في مكانها وسوف نجد كل الأشياء صحيحة سواء فهمنا الحكمة أو لم نفهم، فانتبهوا إلى هذا واشفعوا هذه الفكرة – فكرة المرآتين – بالفكرة التي ذُكِرَت في الخُطبة الأولى، فنحن قلنا أن الفجوة بين طفل عنده اثنتي عشرة سنة وبين أينشتاين Einstein تُجسَّر في عشرين سنة تقريباً، لكن متى تُجسَّر الفجوة بينك وبين رب العالمين؟ لذلك لا مناص من استعانتك بكتاب الله وبوحي الله وبماذا قال لك سواء فهمت أو لم تفهم، فهذه قضية إيمان، هذه قضية إيمان طبعاً ولايُمكِن أن نستني دائماً من العلم أن يُثبِت لنا كل شيئ لكي نُؤمِن به، وإلا لن يُصبِح إيماناً، فهذا اسمه إيمان بالعلم، لكن نحن نتحدَّث عن الإيمان بالغيب، نتحدَّث عن الإيمان بالله، هل تعرفون ما هو الفرق بين هذا وهذا؟ الفرق هو أننا نقول أهلاً وسهلاً بالعلم وأنه على العين والرأس ونحترمه ونستعين به ولابد ولازم أن نتفنن فيه ونُوقّره – ليس عندنا أي مُشكِلة – ولكن في أي شيئ يعجز العلم إلى الآن عن إثباته وعن فهمه سوف نلوذ بالإيمان دون أي مُشكِلة، وهذا معنى الإيمان، قد تقول لي أي مُؤمِن عنده هذه العقلية، لكن هذه العقلية نفسها فيها شيئ معقول، هل تعرف ما هو؟ ما معنى الإيمان؟ لم يُؤمِن أحد أصلاً – هذا ينطبق على أبي بكر وعمر وأنا وأنت وعلى الكل – برسول الله وبما آتي به رسول لأنه رأى وحس ولمس كل ما أتى به الله، هذا الكلام لم يحدث، أليس كذلك؟ هل أبو بكر رأى الجنة والنار أيضاً وعرج الله به إلى السموات السبع؟ هل رأى عليّ أو غير عليّ هذا؟ مستحيل، هذا الكلام غير موجود، هذه خصيصة لمحمد، قصة الإسراء والمعراج ومجيء جبريل له والخمسمائة جناح وما إلى ذلك قصة تتعلَّق بالرسول ولا تتعلَّق بنا نحن، لذلك هو كان مُختلِف تماماً، صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً، لكن ما المعقول في هذه القصة كلها؟ أنا أقول لك المعقول هو أننا رأينا في هذا الرجل – أي في محمد – دلائل أثبتت أنه رسول من عند الله، الناس رأوا هذه الدلائل ولمسوها لمس اليد، ونحن أيضاً نلمسها الآن، لكن ليس كل شيئ أتى به رأينا دلائله ولمسناه، هذا غير صحيح، وهذا هو معنى الإيمان، لكن نحن تأكَّد لنا أن هذا الإنسان هو رسول من عند الله، هل تعرف – ولله المثل الأعلى – مثل هذا؟ كما يتأكَّد لك أن فلاناً هو أبدع وأذكى وأحذق طبيب الآن في البلد كلها أو حتى في العالم، وهو طبيب قلب وأوعية دموية مثلاً، أي يعمل في طب القلب والأوعية الدموية – Cardiology – وهو الأحسن على مُستوى العالم، فأنت اقتنعت بهذا الشئ وقد ثبت لك هذا، ومن ثم سوف تُسلِّم نفسك له سواء فهمت أو لم تفهم، أليس كذلك؟ سوف يقول لك سأضع لك شرياناً وأنزع كذا وأفعل كذا، وأنت لن تُناقِشه في شيئ، لأن عندك قضية إيمان، لا يُمكِن أن تقول أنا فهمت ماذا فعل لي، أنت لم تفهم شيئاً، لكن أنت آمنت بشيئ، ومعقول أن تُؤمِن به، آمنت بأنه أحذق طبيب وعرفت أن شهاداته موجودة والعالم كله يتحدَّث عنه، إذن انتهى الأمر وسلَّمت له نفسك، فالقضية كلها فقط في أن تُؤمِن بهذا النبي، هل هو نبي حقاً؟ هل قام لديك من الدلائل – وهذه مسألة سهلة، إثباتها سهل جداً، هذا ليس صعباً ولذا هي مسألة سهلة جداً بفضل الله وميسورة – ما يُؤكِّد على أنه نبي ورسول؟ هذا ثبت والله، إن ثبت ألق إليه بعد ذلك مقادتك، كل ما آتاك عن طريقه خُذه،لكن طبعاً لابد أن يثبت هذا عنه، لا تأت بأحاديث موضوعة وأحاديث آحاد وكلام فارغ وتُحدِّثني عن شيعة وسُنة، فأنا أعني كل ما ثبته عنه بطريق القطع، مثل القرآن الكريم – القرآن هو أهم شيئ – والأحاديث المُتواتِرة، فإذا ثبت – أي ثبت بالقطع -أنه قال كذا أو فعل كذا لابد أن ينتهي كل شيئ وأن نُسلِّم مقادتنا إليه، جاء العلم أثبتها وقال هذا إعجاز علمي سوف نقول هذا جيد وأهلاً وسهلاً، لقد زدنا معلومة، إذا لم يُثبِتها العلم ليس لنا علاقة، نحن نُؤمِن به حتى لو لم يُثبِتها، هذه قضية إيمان، هذا هو معنى الإيمان، فإياك أن تخلط وأن تطلب إيماناً يكون مرهوناً بالعلم والحقائق التجريبية وبإثبات كل شيئ حسياً، وإلا هذا يعني أنك مُلحِد يا أخي، أنت إنسان مادي، أليس كذلك؟ أين إيمانك؟ ليس هذا طريق الإيمان ولا هذا سبيله، ليس هذا سبيل الإيمان، أنت لا تزيد شيئاً عن أي إنسان مادي حسي عادي، هل هذا مضبوط أم لا؟ انتهى الأمر إذن، لكن هذه القضية كان من المُهِم أن نذكرها.
نرجع إلى ما كنا فيه، القرآن تحدَّث عن عُزير، هل عُزيز رأي الكون في مرآة الله أم رأى الله في مرآة الكون؟ رأى الله في مرآة الكون، ولذا حدثت له مُشكِلة، قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۩، قال هذا صعب جيداً، كيف هذا يا أخي؟ الله قال له مُت – كُنْ فَيَكُونُ ۩ – فمات في نفس المكان، وكان معه الحمار والأكل والشراب، بعد مائة سنة أمره الله بأن يحيا، ذهبت ناس وجاءت ناس وقصة طويلة، المُهِم هذا الرجل أصبح حياً، قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۩، وقد يكون الله أرسل له ملكاً طبعاً ولم يُخاطَبه بشكل مُباشِر Directly، فلعله بعث له ملكاً في شكل إنسان عادي، قال له – مثلاً – أين أنت يا رجل؟ ما بك؟ لماذا عينك تبدو مُرهَقة؟ قال كنت – والله – نائم، فقال لكن أنت نمت كثيراً، قال لعلي نمت النهار كله، طبعاً (اليوم) في القرآن الكريم يُطلَق على مجموع الليل والنهار ويُطلَق في أكثر الموارد على النهار وحده مثلاً، فهذا طبعاً يُسمى يوماً، قال الله سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ۩، أي أنهرة – جمع نهار – أو نهارات، بمعنى ثمانية نهارات، فهذا يُمكِن على كل حال، قال له لعلي نمت النهار كله، كأن يقول له بلغتنا نمت ما يقرب من ثماني أو تسع ساعات، فقال له لا، أنا ملك – ولعله أثبت له أنه ملك – وأنت مُت مائة سنة، قال ماذا؟ قال له مُت مائة سنة، وأنت الآن استيقظت، لقد الله أحياك، علماً بأنه لم ينم وإنما مات، أماته الله ثم أحياه، فأصبح حياً مثلما يستيقظ النائم حين أراد الله، قال له هل تعرف ما هذا؟ قال له لا أعرف، ما هذا؟قال هذا حمارك، لقد ربطت حمارك من مائة سنة في هذا المكان، وظل بدون أي طعام أو شراب لمدة أسبوع ثم مات وتحلل ولم يبق منه إلا هذا العظم، لكن أنت كما أنت، لقد حفظك الله، وهذا طعامك وهو كما ما هو، وشرابك أيضاً كما هو، لم يتبخَّر ولم يتعفَّن، وإنما ظل كما هو، فقال له ما الذي حدث؟ قال الذي حدث ببساطة أن الله جعل الزمان يسير على كل شئ حولك – على المدينة كلها وعلى حمارك – لكن عليك وعلى طعامك وشرابك قال للزمان قف Stop، ولذا وقف الزمان، فمثلما يُسيِّر الله الزمان علينا ويأتي بالشمس كل يوم فتُشرِق وتغرب وتُشرِق وتغرب ونكبر ونشيخ ونموت يقدر أيضاً على أن يُوقِف الزمان، أليس كذلك؟ الآن ما يفعله الله في الكون كله هو إنه يُسيِّر، والآن يقدر على أن يُوقِفه وقد أوقفه.

نأتي إلى القصة الأخيرة ونختم بها، قال الله وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى ۩، قال له كيف؟ هذا نفس الشيئ أيضاً، أين مكمن الصعوبة في هذا السؤال؟ ما الذي استصعب على إبراهيم؟ الزمان، إبراهيم غير قادر على أن يتخيَّل كيف يُمكِن عكس سير الزمان، كيف يُمكِن أن نُرجِع شيئاً تحلَّل ومات وانتهى؟ أين سوف يكون الجواب الآن باللغة الفيزيائية؟ بعكس الزمان، إذا عند الله القدرة على عكس سير الزمان فهذا يعني أنه يقدر على إحياء الموتى ببساطة، قال الله لا تُوجَد أي مُشكِلة، احضر عدداً من العصافير – أربعة أو خمسة أو ستة مثلاً – ثم اقطع الرؤوس، واعجن كل العصافير عجناً، اعجن الريش مع العظم مع اللحم مع بعض، وخذ جزءاً وضعه على جبل ثم خُذ جزءاً ثانياً وضعه على جبل آخر ثم خُذ جزءاً ثالثاً وضعه على هضبة صغيرة وهكذا، وبعد ذلك قل لها بأمر الله أيتها العظام وأيها الريش وأيتها كذا وكذا التئمي بقدرة الله وائتي بقدرة الله، قال الله ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ۩، ما الذي حصل الآن هنا؟ الله – تبارك وتعالى – عكس سير الزمان، أليس كذلك؟ فما الذي حصل الآن؟ حين أعطى الله الزمان – أعني زمان هذه الطيور – أمراً بالانعكاس عادت كل ريشة وعادت كل قطعة وعاد كل جزيء وعادت كل ذرة إلى الموضع المُحدَّد، والتأم كل هذا بما ينبغي أن يلتئم به تماماً، أتت الريشة إلى جانب الريشة الأُخرى في الجناح اليمين وكذلك في الجناح اليسار وهكذا، الكل أتى إلى موضعه تماماً والتأم وعاد ورجع كما هو، إذا كنت تمسك كوباً الآن من الزجاج بيدك ثم وقع فإنه سوف يتكسَّر ويتشظَّى إلى خمسين ألف قطعة، لو الآن أمكن عكس الزمان ما الذي سوف يحدث؟ كل قطة سوف تلتئم بالقطعة تماماً التي انفصلت وبانت منها ويرجع كل جزء إلى مكانه حتى يعود الكوب في يدك كما كان، مثل لقطة في فيديو Video ترجعها عكسياً، تمشي إلى الأمام فيتكسَّر الكوب، ترجعها عكسياً يعود الكوب كما كان، وهذا فيلم سوبر مان Superman طبعاً، هذه حيلة طبعاً سينمائية، هذه حيلة فيلم، إذن الله – تبارك وتعالى – أيضاً لديه القدرة على عكس سير الزمان، هذا كله في كتاب الله، والزمان في كتاب الله حقيقة نسبية، واضح أن الزمان حقيقة نسبية والقرآن مُصرِّح بهذا بشكل واضح، قال الله وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ۩، ليس يوم الله – الله ليس عنده أيام – وإنما يوم الملائكة، انتبهوا إلى أنه يوم الملائكة، وقد شرحنا هذا ذات مرة، لماذا؟ لأن كيف يُدبِّر الله الكون؟ بالملائكة – فَالْمُدَبِّرَات أَمْرًا ۩ – طبعاً، هكذا اقتضت حكمته، يُدبِّره بالملائكة، هذه هي المُدبِّرات، فقال أن يومها كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ۩، بشكل عام معياري – Standard – هذا يوم الملائكة، ما معنى أن يوم الملائكة يُساوي ألف سنة؟ السنة بالنسبة لنا ما هي؟ السنة القمرية ومثل الشهر الهجري عندنا سنة هجرية، كم المسافة التي يقطعها القمر في ألف سنة؟ احسبها وسوف تكون المسافة هي X مثلاً، بعد أن نأتي بالمسافة التي يقطعها – كما قلنا – القمر في ألف سنة سوف نُقسِمها على سرعة الضوء، سيكون الناتج هو أربع وعشرون ساعة، فالضوء يقطعها في أربع وعشرين ساعة، لماذا؟ لأن الملائكة كائنات نورانية، وفي الحديث الصحيح خلق الله الملائكة من نور، الملائكة نفسها كائنات نورانية فحين تجري كم سوف يُساوي يومها؟ سوف يُساوي ألف سنة قمرية عندك، وفعلاً الألف سنة قمرية مكانياً – أي كم كيلو متر – سبحان الله يقطعها الضوء في يوم، هذا يعني أن القرآن يقول لك فعلاً الملائكة من نور، لكن من أين يُمكِن لمحمد أن يعرف هذا الكلام؟ مَن أول مَن حاول أن يقيس سرعة الضوء علمياً؟ جاليليو Galileo، أليس كذلك؟ ولم يقدر على أن يأتي بها بدقة بنسبة مائة في المائة، لكن هو أول مَن حاول وأجرى تجارب كانت بدائية وما إلى ذلك، فلا محمد يعرف سرعة الضوء ولا غير محمد ولا المُفسِّرون ولا أي أحد، فلا الله قال لك الملائكة تقطع في يوم ما يقطعه هذا التابع الخاص بك في ألف سنة، وهذا ما يحدث بالضبط، حين تُقسِم هذا على هذا تجد أن سرعة الضوء في كل ثانية ثلاثمائة ألف كيلو متر، هذا يعني فعلاً صدق الله وصدق رسوله يا أخي، قد تقول لي لقد دخلت الآن في لعبة الإعجاز، لكن أنا لا أُحِب موضوع الإعجاز العلمي وما إلى ذلك، فهذا ليس إعجاز وإنما هو خبر واضح تماماً، ولذلك الزمن قرآنيا حقيقة نسبية، قال الله وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ۩، كيف يكون يوماً وهو يُساوي ألف سنة؟ قال لك هذا كلام أينشتاين Einstein، ألم تفهمه؟ الزمن ليس حقيقة مُطلَقة كما فهم نيوتن Newton وغير نيوتن Newton، الزمن حقيقة نسبية ويسير بوتائر مُختلِفة تماماً، وكل جسم مُتحرِّك يحمل معه زمانه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى.

(انتهت تكملة الخُطبة بحمد الله)

فيينا 24 01 2014

Comments

comments

شاهد أيضاً

adnanibrahim24mars

سباحة في عقل إبليس

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

6 تعليقات

  1. لا إله إلا الله …………صدعة ادمغتنا يا دكتور

  2. لا إله إلا الله ….غفرانك ربنا ………..والله صدعة عقولنا يا دكتور

  3. خطبة يتوه فيها المخ …. يا لها من من أحلى المتاهات ! … مداخلة و مشاركة : إن طلب ابراهيم عليه السلام من النمرود أن يأتي بالشمس من المغرب دلالات عدة منها : أن الكون خلقه الله بنظام كذلك المخلوقين فمهما أراد الإنسان أن يُخلّ بهذا النظام لن يستطيع و عندما ذكر الله الفساد نتيجة كسب أيدي الناس ألحقه بالأرض برها و بحرها ـ دون السماوات { ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس } و لو أن الحق يَتبع و لا يُتبَع لفسدت السماوات و الأرض معاً { و لو اتبع الحقُ أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن } فأي نعم ظهر الفساد في البر و البحر لكن الحمد لله الذي جعل هذه السماء سقفاً محفوظاً لا يناله فساد البشر مهما بلغ و لذلك قيل : ( إذا نظرتَ وراءك فرأيته مظلماً و نظرتَ أمامك فرأيتَهُ مظلماً فانظر إلى السماء تجد الراحة و الهدوء ) …. حسْبها شرفاً أنها تلقت القرآن الكريم جملةً واحدة بينما نزل إلينا منجماً .. و قد قال تعالى فيه في تفسير قول ابراهيم للنمرود و كأنما القدر يصرخ فيمن يحسب بجهله أنه سيتحصل على مزيد و مزيد نتيجة طغيانه و قتله الناس و نهبهم : مهما فعلت يا هذا إن الثمرات لا تخرج إلا من أكمامها و { معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } نعم لا يأخذ الله و يُدخِل في رحمتهِ إلا من وجد عنده ما يحبه سبحانه من الرحمة بالخلق و التواضع له سبحانه و الذي يزرع الشوك لا يمكن أن يجني إلا الحنظل و الشوك و المرار أما الثمرات الطيبة فلا تخرج إلا من أكمامها و هذه الحقيقة لخطورتها قرنها تعالى مع علم الساعة بذاتها فقال سبحانه { إليه يُرَدُّ علم الساعة و ما تخرج من ثمراتٍ من أكمامها } …. نكتة : أراد الفيل أن يدخل على النملة فيا حذركم كيف ؟؟؟؟ وضع نفسه في ظرف و دخل من تحت الباب … يا حذركم ما سر هذا الظرف ؟؟ إنه ظرف زمان … ههههههه …..

  4. مساء نور الله نور السماوات و الأرض … مساء حلاوة الكلام عن العظمة الإلهية … سبحان ملك الزمان كله و المكان كله { رب العالمين ملك يوم الدين } فرب العالمين كناية عن رب كل الأمكنة ، و { مالك يوم الدين } كناية عن رب كل الأزمنة لأن يوم الدين هو سيد الأزمنة كلها فالذي يملك ذلك اليوم أحرى أن يملك ما دونه من الأزمنة لذلك قال سبحانه لتقريب القضية الكبيرة لأفهامنا { إن ربكم الله الذي خلق السماوات و الأرض في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش يُغشي الليلَ النهار يطلبه حثيثاً و الشمسَ و القمر و النجوم مسخراتٍ بأمره ألا له الخلق و الأمر تبارك الله رب العالمين } أي أن الشمس و القمر و هما وسيلتا الحساب لدى البشر مسخرات بأمره كذلك سائر النجوم فحساب الزمن في مكان معين ربما يختلف عنه في مكان آخر يفعل سبحانه ما يشاء في خلقه و الزمن حقاً كما قلت ليس ثابت في كل الأمكنة … بالنسبة لعلاقة الله سبحانه بخلقه ألا توضحها الآية { الله نور السماوات و الأرض } أي حاجة الخَلق له كحاجة القمر للشمس في استمداد نوره منها فأحدنا يتساءل لماذا وصف نفسه بما وصف به القمر لا بما وصف به الشمس حيث وصف القمر بأنه نورا ـ يستمد نوره من الشمس ـ أما الشمس فوصفها ب ضياء ـ ذاتية النور ـ و بالنسبة لقوله تعالى { إن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون } أليست تبين هذه الآية حال العبد التقي مع ربه حيث وصف سبحانه الأتقياء بأنهم عنده ـ أي في مقام العندية ـ { إن المتقين في جناتٍ و نهَر * في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر } و هذا ليس فقط في الآخرة بل أيضاً في الدنيا حيث أن أيضاً لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة فكل يوم يعيشه هؤلاء و هم عند ربهم يساوي ألف سنة من السنوات العادية التي يعيشها الناس العاديون و لذلك سماهم الله السابقون { و السابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم فهذا هو السبق الحقيقي في معيار القرآن و الحضارة الحقيقية هي الشعور بالحضور الإلهي كما قال الشيخ عدنان فكل شيئ يأفل لا يصلح للعبادة و لا يُعتمد عليه في صناعة حضارة أما الحضارة الحقيقية فتأتي من الاعتماد على الحي الذي لا يغيب و لا يأفل و هو معنا أينما كنا ، و ربما كان هذا المقصد من إماتة الله لعزير الذي تساءل إذ رأى قرية و هي خاوية على عروشها : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } حيث أن الله بين له بذلك أن قصده من الخليقة كلها و المعمورة كلها هو الإنسان فإن افتقد الإنسان الباحث عن الحقيقة بفكرٍ نيّر حر هان عليه أن تصير الأرض كلها خراباً خاوية على عروشها و لذلك أمر النبي أصحابه إذا مروا بأرض قومٍ أهلكهم الله بعذاب أن يسرعوا و لا يبيتوا فيها و لا يتباطؤوا و لا يدعوا لأنفسهم فرصة لتساؤلات كما تساءل عزير لئلا يحلّ بهم ما حلّ به .. فكم يُنجي نفسه من موبقات من يفهم على ربه و لا يُكثر المجادلات ….. و كذلك بالنسبة لطير ابراهيم عليه السلام فأظن أن طلبه من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى لا يقصد به يوم البعث و القيامة بل إحياء النفوس من غفلتها و القلوب من رقودها في قبور الأوثان و عبادتها فثقل على ابراهيم عليه السلام هذا الأمر فأراه ربه هذه الرؤيا عن الطيور الأربعة و هن رمز الأنبياء أولي العزم الذين تحيا بهم الأمم من رقادها و هناك إشارات تدل على أن هذه رؤيا و هي : 1 ـ استحالة مقدرة إنسان مهما بلغت قوته أن يصعد على عدة جبال ـ غير معلوم كم عددها ـ ليضع على كل منها جزء من الطيور .. 2 ـ قوله تعالى { ثم ادعهن يأتينك سعيا } فالسعي صفة ما يدب على الأرض لا ما يهبّ في السماء كقوله تعالى عن الحية { فإذا هي حية تسعى } .. 3 ـ تخيلوا المدة التي سيحتاجها ابراهيم لينتقل من جبل إلى جبل و ربما الجو حار كيف لا تفسد لحوم هذه الطيور ؟؟ … أخيراً للدكتو عدنان جزيل الشكر أن سنح لنا فرصة المدارسة و المناقشة في كتاب الله فهذه متعة ما بعدها متعة ….

  5. السلام عليكم ورحمة الله بالنسبة لهدا العصر لا اجد ملادا امنا الا عندما اطرق باب عدنان ابراهيم للتفكر والتدبر يعجبني جدا ويريحني لا لشيء الا لانني اجد نفسي بعيدا عن المدهبية المنغلقة او الجهوية المتعصبة المتعبة التي احس انني خلقت لشيء اجل واعضم منها احب من الفتيان حسن بن فرحان المالكي ودون شك ولا تزعزع احب عدنان صاحب الحجة قوي البرهان ولااحب المتشدقين المقدسين للاشخاص المتحجرين في زوايا فكرية ضيقة اعتقد ان هده الصحوة الفكرية الغامرة ادا وجدت من يملك فكرا راقيا متفتحا بالمعنى الايجابي سيكون لها الاثر البليغ على مسار امتنا نحو التقدم والرقي ان شاء الله

  6. الخطبة جيدة بل رائعة، أريد أن أقول لدكتور عدنان أن تجربةمن هي أسرع دقيقة في العالم أعيدت وتبين أنه كان هنالك خطئ ولا يزال الفتون الأسرع على الإطلاق في هذا الكون.

اترك رد