الرئيسية / التفريغات النصية / لا رجم في الإسلام (الجزء 2)

لا رجم في الإسلام (الجزء 2)

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
وَالَّلاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ۩ وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ۩ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۩ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.

إخواني وأخواتي:
هذه الخُطبة لم يكن في الحسبان أو في التخطيط أن تكون ثانية الخُطبة المُنصرِمة، ولكن حجم الاستجابات والتساؤلات أيضاً والاعتراضات لذني وحملني على أن أعقد هذه الخُطبة لتكون جزءاً مُتمِّماً للخُطبة السابقة والتي دارت على محور رجم الزنا المُحصَنين من الرجال والنساء، أُحِب أن أدخل في الموضوع مُباشَرةً حتى لا تتشتت الأفكار ولا يتشتت أيضاً السامعون، لو سُئلت أي الأدلة أظهر وأقوى في نفي الرجم؟ لقلت آيات سورة النور وسأشرح هذا، آيات سورة النور بظاهرها دونما لجوء إلى التأويل، والأصل ألا نلجأ إلى التأويل، فإن أمكن أن نُجري الآيات على ظواهرها وعلى عمومها وعلى إطلاقها فإن هذا هو الأصل، إن اضطُرِرنا اضطراراً لجأنا إلى التأويل بالتقييد وبالتخصيص وبغيره، فنحن مع الأصل، وهذه الآيات واضحة جداً في أن عموم الزناة من الرجال والنساء ومن الأبكار ومن المُحصَنين حدهم الجلد مائة جلدة، قال الله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ ۩، هذه عامة في مَن ذكرنا، الآن هل هناك إمكان لأن تأتي السُنة وتُخصِّص هذا العموم؟ نعم، الإمكان قائم والإمكان موجود، ولكن نحن أوقفناكم في الخُطبة السابقة على اختلافات علماء أصول الفقه من أهل المذاهب المتبوعة في بعض تفاصيل التخصيص، ولا أُعيد ما ذكرت حتى لا يتسرب الوقت من بين أيدينا أو من بين أفواهنا، فبعض ما يعده الجمهور تخصيصاً يراه السادة الحنفية نسخاً، وقد وضَّحنا لكم ما هو هذا الشيئ بالتفصيل المُناسِب لمقام خُطبة جمعة، وقاعدة السادة الأحناف – وهى قاعدة كثير من الأصوليين – أن القرآن العظيم لا تنسخه السُنة الآحادية، ومعظم السُنة على الإطلاق آحاد خلا السُنن العملية مثل كيف كان يُصلي النبي وكيف حج وكيف توضأ، فهذه هذه سُنن عملية ثابتة بالاستفاضة وبالشهرة وبالتواتر حتى، هذه سُنن عملية، ونحن حتى لا نفتقر في هذه السُنن العملية إلى الأسانيد، مع أن الأسانيد موجودة، الناس يُصلون ويتوضأون دون أن يقفوا على شيئ من الأسانيد وشيئ من الروايات في كل الأعصار، لماذا؟ لأن تواتر السُنن العملية تواتر طبقي لا تواتر إسنادي، وهذه مسألة مُتخصِّصة على كل حال، فهذا تواتر طبقي، وفي هذا جواب عن بعض الشُبهات التي تُثار في هذا المقام، وعلى كل حال معظم السُنة على الطلاق – كما صرَّح العلماء – سُنن آحادية، منقولة نقلاً آحادياً وليس نقلاً مُتواتِراً، إذن هذه مسألة خلافية لا نُريد أن نُعيد القول فيها وقد فرغنا منها في الخُطبة السابقة, هل هناك إمكان لأن تنسخ السُنة القرآن؟ هذا ما ذكرناه قُبيل قليل، الحنفية يقولون لا، السُنة الآحادية لا تنسخ القرآن، لا ينسخ القرآن إلا السُنة المُتواتِرة والمشهورة، تسامحوا مع المشهورة، والمُتواتِرة المعروفة، فالحديث المُتواتِر أو السُنة المُتواتِرة هى أن ينقل جماعةٌ تحيل العادة في مُعتاد الأحوال – هذا مُستحيل ، هذا معنى تُحيل، أي تحكم عليه بالاستحالة – تواطؤ مثلهم على الكذب، لاختلاف ربما منازعهم أو لاختلاف قبائلهم أيضاً أو مشاربهم ولاختلاف أشياء كثيرة، مُستحيل أن يجتمع كل هؤلاء لكي يأتفكوا هذا الأفك المُبين، وعلى مَن؟ على صاحب الشرع صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم، لكن شرط التواتر أن يكون موجوداً في كل الطبقات، كل الطبقات لابد أن تكون منقولة نقلاً مُتواتِراً، بجماعة التواتر، وأن يكون مُنتهى ما نُقِلَ الحس وليس العقل، لابد أن يرووا شيئاً مما سمعوه ومما رأوه، وليس شيئاً يحكم به العقل – مثلاً – ونقول هذا من باب المُتواتِر، فهذا ليس من باب المُتواتِر، وأن يكون مُنتهى نقلهم الحس، هذا هو التعريف الاصطلاحي،إذن ما هى السُنة المشهورة؟ بقيَ أن نُعرِّف السُنة المشهورة، وهذه قسمة الحنفية، جمهور العلماء تحدثوا عن سُنة آحادية ومُتواتِرة، أي القسمة ثنائية، أما قسمة السادة الحنفية ثلاثية، وهم مُولَعون بالتقسيم لدقتهم، الأحناف عندهم دقة غير طبيعية في علم الأصول، على كل حال هم مُولَعون بالتقسم، قسَّموا السُنة إلى آحادية ومشهورة وأرفع الطبقات على الإطلاق المُتواتِرة، والمُتواتِر ليس من مباحث الإسناد، يُستغنى في التواتر عن البحث في الأسانيد أصلاً فانتبهوا، لذلك هو ليس من علم أصول الحديث، أي أن المُتواتِر ليس من علم اصول الحديث، وإنما يُذكَر هكذا استطراداً للتبيين، وإلا هو لا تتعلق به القواعد المعروفة في نقد السند والمتن، هكذا قالوا والله أعلم بحقيقة الأمر، السُنة المشهورة ما نقله عن رسول الله – في الطبقة الأولى من الصحابة – عددٌ لم يبلغ عدد التواتر، مع أن عدد التواتر غير مُعيَّن، فعدد التواتر غير مُحدَّد على كل حال، لكن نقلها واحد أو اثنان أو ربما ثلاثة، فهكذا هم قالوا، عدد من الصحابة لم يبلغ عدد التواتر، لم يبلغ جماعة التواتر، ثم بعد ذلك تواتر نقلها عن هؤلاء الأصحاب، أي في طبقة التابعين وتابعي التابعين ومَن بعد الأعداد مُتواتِرة، هذه جماعات التواتر، لكن في أول درجة – الصحابة – لم يكن العدد مُستوفياً شرط التواتر، هذه إسمها المشهورة وهى تُوجِب عند السادة الحنفية علم طمأنينة، المُتواتِر يُوجِب علم يقين، ما الفرق بينهما؟ علم الطمأنينة أنزل بدرجة أو دُريجة عن علم اليقين، أنزل من علم اليقين بدُريجة بسيطة، لذلك مُنكِر المُتواتِر اللفظي كافر، مُمكِن المشهور ضال، فيُضلَّل لكن لا يُكفَّر لأنها ليست مُتواتِرة، في الحكم تأخذ أحكام المُتواتِرة، فيُخصَّص بها عموم القرآن ويُقيَّد بها مُطلَقه ويُنسَخ بها أيضاً القرآن عند السادة الحنفية، لأنهم لا ينسخون القرآن بالآحادية، بقيَ المشهورة فهل تنسخ؟ قالوا نعم، المشهورة تنسخ القرآن، لكن في الحقيقة هل وقع شيئٌ من هذا؟ ادّعى العلماء ذلك، أمامنا أبو عبد الله الشافعي – رضوان الله عليه – قال لم يقع شيئٌ من نسخ السُنة للقرآن، قال كل ما يُدعى أنه سُنة نسخت قرآناً هو كلام غير صحيح وله مصرف وله تأويل، مَن وافقه على هذا؟ الإمام أحمد بن حنبل، مَن أيده واستروح إليه وتقلَّده؟ شيخ الإسلام ابن تيمية، قال هذا غير واقع وإن جاز نظرياً أن تنسخ السُنة القرآن لكن واقعياً هذا غير موجود، أوجدونا مثالاً، قفوا بنا على مثال، كل الأمثلة التي جيء بها هناك عنها جواب، وطبعاً نحن الذي نتقلَّده وندين الله – تبارك وتعالى به – أن القرآن – كما قلنا في خُطبة قبل أسبوعين – ليس فيه منسوخ، كله مُحكَم، لكن هل يُمكِن للقرآن أن يُنسَخ بالسُنة؟ نحن لم نبحث هذه المسألة، وقلنا نحن سنحصر أنفسنا في القرآن، أي قرآن ينسخ قرآناً، ولا نُؤمِن بأن السُنة تنسخ القرآن، هذا مذهب الشافعي، وحتى ممَن آمن بهذا – كما قلنا – قُبيل قليل بعضهم قال لا واقع له، لا يُوجَد عندنا أمثلة لسُنة نسخت قرآناً، وهذا لائق بجلال كتاب الله – تبارك وتعالى – الذي أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ۩، هذا كتاب مُحكَم لا يُمكِن أن يُبطَل فيه شيئ وخاصة بالسُنة التي لا يُمكِن – حتى السُنة المُتواتِرة وما قيل فيه مُتواتِر – أن ترقى إلى درجة قطعية القرآن الكريم، السُنة لا يُمكِن أن ترقى إلى موثوقية القرآن الكريم، يا أخي هذا مُستحيل، هذا القرآن مروي أيضاً ومُتواتِر تواتراً طبقياً، ليس تواتر فقط الأسانيد وما يتعلَّق بالقراء وتلاميذ القراء وإنما يُوجَد تواتر طبقات، حفظه نساءٌ ورجال وصبيان ومحدِّثون وغير مُحدِّثين، وهذا شيئ عجيب، هذا كتاب الأمة وهذا الذي نتعبد الله به في المحاريب وفي الصلوات، لا يُمكِن أن تُقارَب به السُنة حتى المُتواتِرة، أين السُنة المُتواتِرة من كتاب الله تبارك وتعالى؟ إن تواترت على الرأس ونعمة عين لكن أين هى من كتاب الله؟ قلنا القرآن لا ينسخ القرآن فضلاً عن أن تنسخه السُنة، هل ينسخ القرآن السُنة؟ نعم، وهذا من مزاياه طبعاً، بعض الناس جاء لكي يتعقب فقط لكن لابد أن نُدقِّق فيما نسمع وفيما نقرأ – أطال الله أعماركم – لأن المسألة لا تتعلَّق فقط بأن تنقدوا وتُقدِّموا أشياء، حاولوا أن تفهموا لأنه هذا الدين، حاولوا أن تتعبدوا الله بالفهم المُستقيم، فهل القرآن ينسخ سُنة؟ نعم، هذا مُمكِن وهو طبيعي جداً، المسلمون صلوا ستة عشر شهراً إلى بيت المقدس بأي آية؟ لا تُوجَد آية واحدة في كتاب الله تقول صلوا إلى بيت المقدس، لكن كيف صلى المسلمون ستة عشر شهراً إلى بيت المقدس؟ بأمر رسول الله، أي أن هذا ثبت بالسُنة، التوجه إلى بيت المقدس ثابت بالسُنة ومنسوخ بكتاب الله، قال الله فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۩، إذن هل القرآن نسخ السُنة؟ نعم طبعاً، هو يستطيع هذا لأنه قرآن وهو حاكم على السُنة، لكن السُنة لا تحكم على كتاب الله – تبارك وتعالى – فتنسخه، وخاصة في باب النسخ، نعم تُبيِّنه وتُفسِّر وتُبيِّن وتُخصِّص على الخلاف الذي ذكرنا لكنها لا تنسخ، وهذا الي ندين الله – تبارك وتعالى – به، وهو مذهب طائفة من العلماء لا يُستهان بقدرهم علماً وتقاً وتحقيقاً، فنأتي الآن لكي نتساءل هل هناك إمكانية لتخصيص هذا الحكم في كتاب الله؟ قال الله الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ ۩، هل يُمكِن أن نخص منه المُحصَن ونقول المُحصَن يُرجَم حتى الموت؟ إذن بقيَ في ماذا سارياً؟ بقيَ هذا النص سارياً في في العزب أو في البكر، أي في الذي لم يتزوج من ذكرٍ أو أنثى، خصصنا منه ماذا؟ خصصنا منه المُحصَنين أو خُصَّ منه المُحصَنون، فهل هذا يُمكِن؟ أدّعي – والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم – أن القرآن سد هذا الباب، وهذه أقوى حُجة، فالقرآن نفسه سد باب التخصيص، كيف؟ أين هذا؟ قلنا لكم في آيات اللعان، آيات اللعان جاءت واضحة جداً، آيات اللعان هى في صدر سورة النور، في أول الآيات مُباشَرةً، بعد حد الزناة جاء حد القذفة أو القاذفين والعياذ بالله من الإفك والبهتان، ثم جاء بعد ذلك أحكام اللعان، قال الله وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ۩ وإلى آخره، هذه أحكام اللعان، وطبعاً واضح جداً – هذا لا يمتري فيه اثنان ولم يقع في امتراء – أن اللعان يكون بين مُحصَنين، بين رجل أحصن زوجه فهو مُحصِن وبين امرأة أُحصِنَت بالزواج فهى مُحصَن، بين مُحصِن ومُحصَنة، بين زوج وزوجة، فاللعان بين الأزواج، قال الله وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ۩، فواضحة جداً الآية في هذا، وهذا أمرٌ جميل، الله – تبارك وتعالى – يقول الحكم هو كذا وكذا، ثم قال وَيَدْرَأُ عَنْهَا ۩، الآن الرجل يشهد أربع شهادات بالله – تبارك وتعالى – والخامسة تعرفون ما هى، أي الغضب فإذن هن خمسٌ، أي خمس شهادات، يشهد أنها – والعياذ بالله – فعلت وفعلت وأنه صادق وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، إن سكتت وأقرت واعترفت يلزمها الحد بالإجماع، يلزمها الحد الذي هو إلى الآن في قيد النزاع، فالحد في محل النزاع، حد هذه المرأة المُحصَن أو المُحصَنة ما هو؟ هل الحد الرجم حتى الموت أم الجلد مثل أول السورة؟ جاءت الآية واضحة تقول وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ ۩ ولم تقل ويدرأ عنها الموت أو ويدرأ عنها الرجم، انتبهوا لأن هذه ورطة المخرج منها تقريباً غير موجود، هو شبه مُستحيل، هذه ورَّطت العلماء – وهم جماهير الأمة للأسف – الذين يقولون بالرجم، يقولون بالرجم دائماً صباح مساء رجم وقالوا أنه ثابت بالسُنة، لكن يا أخي تُوجَد ورطة كبيرة هنا، الله يقول لك إذا أرادت أن تدرأ عن نفسها وتدفع عن نفسه العذاب ولم يقل الرجم ولم يقل الموت، بماذا أجاب العلماء ؟ فسَّروا هذا اللفظ بما هو أخص، فسروه بما هو أخص منه وقالوا العذاب يعني الرجم، كيف هذا؟ هذا مُستحيل طبعاً، العذاب ليس الرجم، هذا غلط – لن أقول كذب وإنما سأقول غلط – على اللغة، قال الله – تبارك وتعالى – في يس لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۩، فجاء العذاب قُبال الرجم، وهذه يا أخي واضحة، هذه لغة عرب ونحن لسنا أعاجم، نحن لسنا عجماً، الرجم ليس هو العذاب، والعذاب ليس هو الرجم، انتبهوا فقد كان هناك ثمة مجال ضيق جداً لأن يُفسَّر العذاب بالرجم، هل تعرفون متى؟ لو كان ما أتى في السُنة رجمٌ دون الموت، أي رجم إهانة وتعذيب، كأن تُرجَم عشرين أو ثلاثين حجراً ثم تُترَك، وممنوع أن تُقتَل بالرجم، لقلنا أننا نُفسِّر العذاب هنا بالرجم الذي أتت به السُنة ولا بأس، وهنا يتعاضد ويتصادق الكتاب والسُنة دون أي مُشكِلة، لا يُوجَد ناسخ ولا منسوخ ولا تخصيص ولا أي شيئ، لكن للأسف هم أطبقوا على أنه رجم حتى الموت، فهذا الرجم الذي ينتهي بالموت وغايته الموت بكلمة واحدة ليس هو العذاب، بل يُقابِل العذاب، سليمان يقول في الهدهد لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ۩، إذن الذبح وهو الموت غير العذاب، قال الله لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ۚ ۩، إذن الموت غير العذاب، العذاب للواعي، يتأثر به – والعياذ بالله – وهو واعٍ حي، لا يُقال للمقتول أنه عُذِّب أبداً، وإنما عُذِّب بالرجم دون الموت، لكن الرجم إلى الموت لا يُسمى عذاباً، يُسمى موتاً، يُسمى قتلاً وإعداماً رجماً، هل وضح لكم المقام؟ وضح بشكل واضح بإذن الله تبارك وتعالى، فسبحان الله، سبحان مَن أنزل هذه السورة، وأُعيد للمرة الثانية أن هذه السورة لها دلالات، سماها الله سورة النور، سورة مُضيئة كاشفة واضحة، سورة مفروضة ومُبيِّنة، قال الله سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ۩، فيها حدود مفروضة، هل تعرفون ما هو الفرض؟ الفرض هو القطع، يُقال فرض اللحم بمعنى قطعه، أي أن الله – تبارك وتعالى – عيَّن فيها مقاطع الحقوق، لكن هنا مقاطع الحدود، أي مقاطع حدود الله، فعمَّم وقال الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ۩، العقوبة كم؟ مائة جلدة، قال فرضناها وعيِّناها ووحدَّدناها، والمفروض ألا يُنقَص من هذا الحد وألا يُزاد عليه لأنه مقطوع فانتهى الأمر، يُمكِن أن يُدرأ بالشُبهة لأن القاعدة ادرأوا الحدود بالشُبهات، وهذا باب كريم ومهيع وسيع، وشكر الله لعلمائنا وفقهائنا حقيقةً، لا أقول الذين بالغوا بل الذين فهموا روح هذا الحديث الجليل الذي يقول ادرأوا الحدود بالشُبهات ما استطعتم، فإن الإمام أن يُخطيء في العفو خيرٌ من أن يُخطيء في العقوبة، وذكروا أشياء عجيبة جداً، بحيث أننا لو طبَّقناها جُملةً وتفاصيل سوف يكون تقريباً من الصعب وهو قريب من المُحال أن نُطبِّق حد الزنا على أحد، سوف يكون حتى البحث في الرجم والجلد ليس له كبير غناء، لأن الشُبهات كثيرة جداً جداً وقد ذكرها العلماء ولن أتوسع فيها، هذا مبحث آخر ويُمكِن أن تعودوا إلى مُطوَّلات كتب الفقه لكي تروا الشُبهات التي تدرأ الحد عن الزاني المُتورِّط في الزنا، هناك شُبهات كثيرة جداً، بمعنى مثلاً لو أن إنساناً كان مُتزوِّجاً من سيدة نصرانية وزنا لا يُرجَم، قالوا النصرانية لا تُحصِن المُؤمِن، هو لا يُعتبَر مُحصِن، وهذا شيئ غريب، وكذلك الحال لو مُتزوِّج يهودية، فهذه شُبهة إذن، وهذا أمر عجيب، شكر الله صنيعهم لأنهم لم يكونوا حريصين جداً على الأقل في هذا الباب على أن يُطبِّقوا هذا الحد وعلى أن يُنفِّذوا هذا الحد، والنبي كان كذلك، النبي كان يُلقِّن المُقِر ما يفيده، لذلك انتبهوا إلى أن الحالات التي تم فيها رجم الزناة في عهد الرسول السعيد – صلى الله عليه وآله واصحابه وسلم تسليماً كثيرا – هى حالات معدودة جداً، مشهور منها حالة ماعز بن مالك الأسلمي – من أسلم – وحالة الغامدية والدقيق أنها هى الجُهنية، للأسف بعض العلماء ومنهم أبو بكر بن العربي في القبس في شرح موطأ مالك بن أنس – رضوان الله عنهما – جعل الجُهنية حالة والغامدية حالة، وهذا غير صحيح، الصحيح أنهما حالةٌ واحدة، لماذا؟ لأن هذا من هذا، جُهينة من غامد، جُهينة بطنٌ من بطون غامد، وهذا ما رجَّحه الإمام الشوكاني، قال في نيل الأوطار والصحيح أن الجُهنية هى الغامدية، لأن جُهينة من غامد، فهذه حالة واحدة، وهى التي قال لها اذهبي حتى تضعيه ثم حتى تُرضعيه ثم حتى تفطميه وإلى آخره، هذه هى الغامدية وهى الجُهنية،وهذه هى الحالة الثانية، والحالة الثالثة العسيف وسيأتيكم القول فيه مُفصَّلاً لأنه مُهِم، سيأتيكم القول في حديث العسيف مُفصَّلاً بإذن الله – تبارك وتعالى – وعونه وتيسره، فنعود إذن ونتساءل هل هذه الحالات ثبتت بالبيِّنة وبالشهود؟ هل يُوجَد شهود رأوا هذا؟ لا يُوجَد شهود أبداً، كل هذه الحالات – ثلاثةُ هذه الحالات – إنما ثبتت بالإقرار، ماعز جاء وأقر وقال أربع مرات أمام النبي أنا فعلت، والنبي يقول له لا، لعلك قبَّلت، لعلك لمست، لعلك كذا ولعلك كذا، ومرة سأل وقال أبه سُكر؟ هل هو سكران؟ قالوا لا، قال أبعقله شيئ؟ هل هو مجنون؟ كيف جاء يدل على نفسه ويُوجَد رجم؟ ستُقتَل رجماً، لكن النبي لا يُحِب هذا، لا يُحِبنا أن نرجمه، واليوم عندهم بعض العلماء والمشائخ والناس عندهم حرص شديد على هذه الأشياء، سبحان الله يتشوفون إلى ثبوت أي شيئ لكي يأتوا بالحجر، كيف هذا يا رجل؟ صلى الله على عيسى وسلم حين قال مَن كان منكم بلا خطيئة فليتقدم فليرمها بحجر، هل أنت فرح يا رجل؟
أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح فإذا المستور منا بين جنبيه فضوح.
الله ساتر عليك وساتر على مصائبك وبلاويك، ومع ذلك تأتي وتستعجل أن ترجم الناس وتتحدث قائلاً هذه الزانية وهذا الزاني، يا رجل اسكت، نسأل الله الستر والعافية في الدنيا والآخرة، ونسأل الله أن يملأ قلوبنا رحمة، أنا – والله – حزين، وقد يكون هذا ظاهر حتى في لهجتي اليوم، حزين ومُحبَط – عندي نوع من الإحباط – وسأقول كلمة فقط حتى لا أستطرد كعادتي السيئة وأمضي بإذن الله تعالى، الإسلام تقريباً تم اختطافه، ديننا مُختطَّف على أيدي بعض المشائخ والاتجاهات والمًتنطِّعين، ديننا هذا الآن بدأ يُخرِّج جيلاً لا يفهم عن الدين، أنا أقول لكم أنا مرعوب وقلت هذا أكثر من مرة، وما عُدت واثقاً بمَن أرى من المسلمين أنهم طيبون ورحيمون وجيدون، أسأل الله أن يكونوا أحسن مما أظن وأحسن مما أتشاءم، لكن بدأ يبدو لي أنهم طيبون ووادعون وكذا لأنهم مكبوتون ولأنهم في قوة القانون وفي قوة الدول، لكن حين ترتفع سطوة الدول كما في العراق وكما في سوريا اليوم وكما في أي مكان ترى وحوشاً يا رجل، أُناس تقطع الرؤوس وأطفال يُعلَّمون كيف يقطعون الرؤوس مع التكبير دائماً، يا أخي لا تُكبِّروا، لا تُكبِّروا فقد كرهتم الناس في دين الله تبارك وتعالى، أكباد تُؤكَل وقلوب تُؤكَل وتُمضَغ ويُقال الله أكبر، ما شاء الله على هذا، بالأمس الحادثة التي أمرضتني والتي هى أيضاً في بريطانيا، للأسف للأسف قطعوا هذا الجندي، وأنا لم أُتابِع – لم أستطع أن أُتابِع – لكن سمعت، أحدهم قال لي هذا، فقلت حسبنا الله ونعم الوكيل يا أخي، حسبنا الله ونعم الوكيل، وحسبنا الله في مشائخنا وعلمائنا الذين بثوا ولا يزالون يبثون روح الكراهية، يُكرِّهون المسلمين بعضهم في بعض ويُكرِّهون المسلمين في العالمين، كأن ديننا رسالتهه نشر الكراهية، فيُقال هؤلاء ملاعين وهؤلاء صليبيون وهؤلاء أعداء الله وهؤلاء الكفار وهؤلاء لا أدري ونحن ما شاء الله ونحن ونحن ونحن، فأصبحنا لا نرى أحداً، نحتقر عباد الله، نحتقر البشرية من عند آخرها، أصبحنا أكفر الناس بالنعم، كأن أكفر إنسان بنعمة الإنسان هو المسلم اليوم، تعيش في ظلهم سواء في بريطانيا أو في ألمانيا أو في جهنم أو في أي مكان وتأخذ الأمان وتأخذ النقود وتأكل من أموالهم ثم بعد ذلك تقول كفار، وفي أي فرصة تليح لك تقول أنا سأقتلهم وسأجزرهم، أي دين هذا يا أخي؟ أي فقه هذا؟ لذلك لابد أن أعقد خُطبةً صارخةً نارية أُسميها فقه الجريمة أو فقه الإجرام، هذا فقه إجرام، لو أنكم وقفتم على بعض كيفيات استدلال هؤلاء الذن يُعتبَرون قادة لهؤلاء الشباب التائه الضال الحائر الذي فقد إنسانيته لاستغربتم، هذا الشباب فقد إنسانيته، بإسم ماذا؟ بإسم الدين، أي دين هذا يا أخي؟ أي دين؟ هل هذا دين جنكيز خان؟ هل هذا دين الياسق؟ إذن هذا مُمتاز، فهذا جنكيز خان وهذا كتاب جنكيز خان، أهلاً وسهلاً به، لكن دين القرآن هو دين إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ۩، هذا دين محمد بن عبد الله وهو أرحم عباد الله بالله يا أخي، هل نسينا محمداً وماذا فعل محمد؟ لا نتعلم إلا الضحوك القتَال، خُطباء معاتيه – لن أصفهم بأقل من هذا لأنهم والله معتوهون – يقولون هذا، والله – وأنا على منبر رسول الله – إنهم لمعتوهون، يخرج الواحد منهم على المنبر يا أخي ويبدأ التكريه، هذا فقه تكريه وعلم تكريه، ترى مسلمين وتطرح عليهم السلام غلا يردون عليك السلام ولا يُجيبون، يُقال لك مَن أنت؟ يحتقرونك، لأنك ربما تلبس بدلة ولحيتك ليست إلى السرة أو كذا، وهذا شيئ غريب يا رجل، ما هذه الأمة؟ ما هذا الجنون الذي نحن فيه؟ وانتظروا فقط – كما قلت لكم – أن ترتفع أو تنفرج أو تخف قليلاً قبضة السُلطة في أي مكان عن هؤلاء المسلمين حتى تروا ماذا يفعل بعضهم ببعض، القتل والذبح وأكل الأكباد والقلوب والإجرام والله أكبر والله أكبر، الله أكبر عليكم، الله أكبر عليكم وعلى هذا الفقه وعلى هذه الطريقة، اللهم إنا نبرأ إليك من هؤلاء ونسألك الهداية لهم وأن تسلك بهم سبيل المُحسِنين فقد أساءوا إلى أنفسهم وإلى الدين، هم أساءوا إلى الدين وإلينا وإلى محمد رسول رب العالمين، والله أساءوا إلينا كثيراً وأساءوا إلى دين محمد كثيراً، نحن – الحمد لله – نعيش هنا في أوروبا وادعين ومُطمئين وموفورين بفضل الله والله العظيم، لا يُعتَدى علينا لا من سُلطة ولا من شعب، ومع ذلك يُقال الشعب الكافر والسُلطة الكافرة والملاعين، ما هذا؟ اعذروني على هذه الاستطرادة، وإن شاء الله على موعد مع خُطبة فقه الجريمة أو فقه الإجرام أو فقه البشاعة أو فقه الكره والتكريه، وسوف ترون الفقه – ما شاء الله – على أصوله وكيف يستنبطون الأحكام، سوف ترون العلم ما شاء الله، وشباب بالألوف وبالملايين يتبعونهم، وقالوا هذا جهاد في سبيل الله وهذا دين وهذا إسلام، كيف هذا يا رجل؟

نعود إلى موضوعنا، إذن العذاب شيئ والرجم شيئ بنص كتاب الله تبارك وتعالى، وأُعيد الشُبهة التي ذكرتها، كلام كثير ذكرته ولم يُفهَم للأسف الشديد، وطبعاً أتلكم بسرعة والمعلومات كثيرة فاعذروني، الناس معذورون وهنا قد يقول لي أحدكم القتل عذاب، لكن كيف هذا يا أخي وأين؟ في كتاب الله، قال تعالى مُخاطِباً بني إسرائيل يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ – عن فرعون وآله – يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ ۩، أي أنه فسَّر العذاب بالتذبيح، وأنا أقول له ما شاء الله على الفقه الجيد الذي عندك، وهذه هى المُصيبة، كتب أحدهم يرد علىَ لأنني جاهل ولا أفهم شيئاً حتى في النحو فقال يتحدَّث عدنان إبراهيم عن الفحشاء والفحشاء جمع فاحشة، وأنا أقول له سبحان الله وما شاء الله وفتح الله عليك يا أخي، يا رجل استح على نفسك، اذهب اقرأ مُقرَّراً صغيراً من عشرين صفحة في النحو لكي تعرف كيف تُفرِّق بين المُفرَد والجمع، حسبنا الله ونعم الوكيل، ومع ذلك يتكلَّمون، يُحِبون أن يستبقوا أشياء ويدافعوا عنها بجهل ليس مُركَّباً وإنما بشيئفاق الجهل بدرجات ومراحل، قال الفحشاء جمع لأن الفحشاء جمع فاحشة، فما شاء الله، ما شاء الله، ما شاء الله، ما شاء الله، تبارك الله، ومع ذلك يتكلَّمون، وهذا عيب يا إخواني، لذلك أنا من سنوات وأنا أشجب الخطاب التبسيطي، أشجب أن هذا المنبر – منبر رسول الله – يتحوَّل لمواعظ وبكائيات، فيُقال ويا إخوانا ويا أحبابنا وتبكي، أكره هذا وأُبغِض هذا، قيل لي لماذا؟ نحن أنا على الأقل أتكلم في الدين، فقلت له هذا يُخرِّج لك جيلاً فارغاً مُسطَّحاً، لكن هذا الجيل لديه الجسارة والجرأة – لن أقول قلة الأدب – أن يسب الأئمة والعلماء بدءاً من أبي حنيفة ومالك وانتهاءً بعلماء اليوم، هو أفهم منهم كلهم لأنه مُتعلِّم، من خمس سنين وهو يتعلَّم، لكن أنت تعلَّمت عند مَن يا أخي؟ أنت تتعلَّم كلاماً فارغاً، قصص وحكايات وقص له رأسه وقص له رجله وذهب وجاء وكل هذا الهبل، ولذلك قلت هؤلاء الشباب ليسوا معصومين، لا تُوجَد أي ضمانة أن يستحيل هؤلاء الشباب بالذات حين يقعون في يد رجل من هؤلاء المعاتيه أصحاب فقه الأرهاب والتكريه والجريمة إلى قنابل مُتفجِّرة، يُقال ما هذا الكلام الفارغ؟ أنا سأُريك الفقه على أصوله، يُقال له قال الطبراني وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وقال فلان وقال علان وهذا لابد منه فاذبح هذا واقتل هذا وهذا يستحق القتل وهذا لا عصمة له وهذا دمه مُباح واذبح وموِّت وهذا هو الإسلام والله سوف يُحِبك، ومن ثم يتحوَّل إلى قاتل، وهذا شيئ عجيب، لكنه يحدث بفقه ستسمعون منه العجب، قال أحدهم سوف نُفجِّر مسجداً، فقيل لماذا تُفجِّر مسجداًيا أخي وأنت مسلم؟ قال هكذا سنحمل المسلمين المُعتدِلين رغماً عنهم – عماً بأن هذا في سيناريو فيلم Movie، وبالضبط هذه هى طريقة الكلام – على أن يُشايعونا، والمقصود المسلمون المُتطرِّفون الإرهابيون، فقال له أحدهم لكن أبي يُصلي في هذا المسجد، فقال له أبوك؟ هل يشتري برتقالاً مُستورَداً من إسرائيل؟ قال له ربما فعلها في مرة أو مرتين، قال له إذن دمه حلال، فتفضل هذا إذن، حسبنا الله ونعم الوكيل.
إذن قال الله يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۩، فقال أحدهم أن العذاب هو الموت وأن الله هو مَن قال هذا، ونحن نقول له اذهب تعلَّم قبل أن تعترض دون أن تفهم، الله حين قال يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۩ هل قال يذبحونكم أم قال يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ ۩؟ إذن العذاب لمَن؟ هل العذاب للذي يُذبَح أم للذي يُذبَح عزيزه ووديده؟ للذي يُذبَح عزيزه ووديده، حين ترى أوداءك وأحباك وأبناءك يُذبَحون هذا هو العذاب، هذا عذاب لك، أما هو فيُذبَح، لم يقل الله يُعذَّب ويُترَك حياً، قال هو يُذبَح، فالذبح له والعذاب لك، قال الله
يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ ۩، هل فهمتم كيف؟ فالآية واضحة جداً، قال أحدهم الذبح عذاب، ما هذا الفهم العجيب يا رجل؟ ما هذه الطرق؟ لأنه ليس عنده الوقت – كما قلت لكم – لكي يقرأ مُقرَّراً في اللغة العربية أو يقرأ قُوميساً صغيراً، ليس عنده وقت لكي يقرأ المُعجَم الوسيط للزيات وإخوانه، لكن عنده وقت لكي يتكلَّم ويتنقَّد على العلماء الكبار – كما قلنا – الأربعة فمَن دون، يتنقَّد على غير الأربعة أيضاً والأربعين والأربعمائة، رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، .يبدو أننا أمة غير مرحومة اليوم، لأنها أمة لا تعرف أقدار نفسها، وهذا واضح جداً، هذه أمة غريبة وفي حالة غريبة جداً جداً، ومن ثم تجد حالة استقطاب جنونية، ملايين يُتابِعون أراب آيدول Arab Idol، لا يُوجَد برنامج ديني على الإطلاق طبعاً – على الإطلاق – يُتابَع عُشر بُعيشير ما يُتابَع أراب آيدول Arab Idol، هذا مُستحيل طبعاً، الملايين يُتابِعون أراب آيدول Arab Idol، وفي الجانب الثاني عندك فقه الكراهية والجريمة، وهذا شيئ غريب، أمة مُمزَّقة وفي حالة استقطاب، هل تعرفون لماذا؟ لأن هذه حالة تطرف، تطرف في مُعاداة الدين وتطرف في الدين، لكننا نُريد الوسط يا أخي، نحن أمة الوسط، من حقي أن أستمتع بالفن وأن اُغني وأن أتعلم الموسيقى، وهنا قد يُقال عني انظروا إلى هذا الزنديق، زنديق ولا مُشكِلة، هذا من حقي لأن هذا فن جميل وهو من طيبات الدين، علماً بأن هذا موضوع ثانٍ لن ندخله فيه، وبهذه الطريقة لن أقول من الواجب علىّ بل من حقي – أنا أقول لكم أن التدين ليس واجباً علىّ فحسب وإنما هو من حقي – أن أُصلي لله، هذه لي، قال الله نَافِلَةً لَكَ ۩، الصلاة لنا يا جماعة، هى علينا صورةً ولنا حقيقةً، الله لا يزيد ملكه أي شيئ سواء صليت أو لم تُصل، هو لا يزيد ولا ينقص، هذا لك أنت فلا تحرم نفسك حظك، من حقي أن أتمتع بالعبادة يا جماعة وأن أُناجي الله وأن أسفح الدموع المدرارة بين يديه الكريمتين – لا إله إلا هو – وأن أدعوه وأضرع إليه وأبتهل، هذا من حقي، ومن حقي أتمتع بطيبات الدنيا، قال الله قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۩، ينبغي أن نكون مُتوسِّطين على هذا النحو، من حقي أن أُحسِّن شكلي وما إلى ذلك، نحن الآن في بيئة مُختلِفة، حتى الحديث عن اللحية وما اللحية عملوا عنه قُصة وتحدَّثوا عن اللحية وعن البدعة وما إلى ذلك، لكن ليس هذا هو الدين، لقد ضيعتم الدين أنتم وتمسكتم بهذه القشور، ضاع كل شيئ وأصبحنا في هذه الحالة من الخبل والهبل والعته والتطرف المُخيف، وأنا من هنا أدعو الأزهر مرة ثانية – هذه عملتها مرتين في سنة تقريباً – وأقول له على الأزهر أن يقوم – لأن ثقتنا عظيمة في الأزهر والله العظيم – وأن يضطلع من جديد بدوره في تنوير الأمة العربية والإسلامية، والأزهر مُعتدِّل ومتوسِّط في مناهجه وفي كل شيئ ما شاء الله، وإلى اليوم علماء الأزهر فيهم خير كثير – والله العظيم – وفيهم تواضع وطيبة، والله قبل أيام رأيت بعيني مشهداً – أقسم بالله – أبكاني بكاءً شديداً، هو بكاء غزير لكن هو بكاء أيضاً حبيب إلى نفسي، رأيت من كبار علماء مصر الشيخ المُفتي السابق العلّامة الفقيه الأصولي عليّ جمعة – علّامة كبير ومُفكِّر حفظه الله ونفع به – والمفتي السابق نصر فريد واصل – الرجل الشيّب الكريم الطيب المُتواضِع حفظه الله – وغيرهم وغيرهم وهم يأتون إلى الشيخ مُعوَّض – الشيخ المُعمَّر الذي جاوز التسعين – والكل يُقبِّل يده، يا سلام، يا سلام على الأدب، يا سلام على الجمال، هذا هو الإسلام، مفتي مصر الفقيه الجليل عليّ جمعة يُقبِّل يد شيخه وأستاذه بكل أدب، وهو يدعو لهم، والشيخ الشافعي عالم العقيدة والمُتكلِّم الكبير صاحب العقل المُنير وهو مَن هو علماً ومنصباً يأتي ويُقبِّل أيضاً، ما شاء الله، قلت هذا هو الأزهر، أحيا الله الأمة بهذا الأزهر، أُوجِّه دعوة مفتوحة للأزهر – والله العظيم – وشيخه الطيب الذي إسمه والله على مُسمى الدكتور أحمد الطيب، والله نشهد له – والله عز وجل حسيبه ولا يزكَّى على الله أحد – أنه طيب كاسمه، هو رجل طيب ومُتواضِع، وقد كنت مرة عتبت على الشيخ الطيب وعلى الشيخ عليّ جمعة لموقفهما من الثورة، وكنا في حالة هياج وعرام ثوراني ولا أقول ثوري، عتبت عليهما عتباً شديداً ثم جدا الرجلان – والله – في عيني، ويشهد الله على هذا، لماذا؟ لأن الشيخ الطيب بكل أدب وبكل صدق ونزاهة يشهدان له قال بمعنى الكلام أنا خوفت، لم أُؤيِّد الثورة في البداية وأنا خوفت، وهناك الكثيرون خافوا، هذا الرجل صادق نزيه، ويُوجَد الحربائيون والمُتلوِّنون الذين لعنوا الثورة والثوار ثم بعد ذلك باركوا الثورة والثوار ولعنوا أصحاب الحكم السابق وبعضهم طالب ليس أقل من الإعدام، وهذا شيئ غريب يا أخي، أين النزاهة؟ أين الصدق؟ عليّ جمعة غضبت عليه أكثر من الشيخ الطيب، عارض الثورة مُعارَضة شرسة حتى أنه أفتى بسقوط صلاة الجمعة عن الناس، حتى لا يخرج الناس إلى صلاة الجمعة ومن ثم تحدث التظاهرات، فغضبت كما غضب الملايين منه، وبعد ذلك جد – حفظه الله – في عيني جداً، لماذا؟ لأن عليّ جمعة مبلغ علمي إلى اليوم لا يزال مُعارِضاً للثورة، والحكم حكم الثورة والزمن زمن الثوار، إذن عليّ جمعة ليس حربائياً وعليّ جمعة ليس مصلحياً، عليّ جمعة لم يقل هذا من أجل مصلحة يحرزها أو يستبقيها، وإلا لتلوَّن وتحرَّبأ – إن جاز هذا الاشتقاق – لكنه لم يفعل – حفظه الله – حقيقةً، وأنا أستغفر الله مما وقعت في حق الرجلين، فأنا لا أعلم هذه المُغيَّبات وإنما أعلم الظاهر، فغضبت بحسب الظاهر، الأزهر الأزهر الأزهر الأزهر، نسأل الله أن يُحيي الأزهر وأن يُحيي بالأزهر هذه الأمة والله العظيم، أزهر الإعتدال والحب والجمال يا أخي، نُريد ديننا يعود إلينا، نُريد إسلامنا – إسلام الرحمة والإنسانية – أن يعود إلينا، نُحِب أن ينظر العالمون إلى الإسلام على أنه دين الرحمة ودين الإنسان، لا دين القتل والذبح والإجرام، وإلصاق هذا بالقرآن والدين، انتهينا من هذه الاستطرادة وقد طالت، وإنا لله وحسبنا الله.
نعود إلى موضوعنا، إذن آية اللعان تقريباً أغلقت الباب أمام التخصيص، لا يُوجَد تخصيص، لأنها تتحدَّث عن المُحصَنين فانتهى الأمر، وهنا قد يقول لي أحدكم هذه ورطة يا أخي ورَّطتنا فيها فأحاديث الرجم كثيرة وصحيحة، ونحن نعرفها – بفضل الله – ونعرف أصولها وهى كثيرةٌ جداً، ومَن أراد أن يقف على أصولها وهى عشرة – كل أحاديث الرجم تعود إلى عشرة أحاديث – فليقرأ القبس في شرح موطأ مالك بن أنس لأبي بكر بن العربي، قال أحاديث الرجم كثيرة وتجمعها أصول عشرة، ثم ذكرها واحد واثنان وثلاثة وعشرة، وأنا شرحت لكم منها ثلاثة وأستطيع أن أسردها كلها لكن لا يُوجَد وقت، هى عشرة أحاديث معروفة، وبعضها فيه ضعف، ومعظمها على الإطلاق – تسعون في المائة تقريباً – صحيحة، أي في الصحاح، وليس عندنا مُشكِلة معها ونحن نعرفها لكن انتبهوا إلى هذه النُقطة المُهِمة في الدرس أو في الخُطبة – الخُطبة درس -اليوم، أحاديث الرجم هل صدرت عن المعصوم – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله وأصحابه – قبل سورة النور أم بعد سورة النور؟ ذكرنا هذا – أيها الإخوة – في سؤال الشيباني التابعي الجليل للصحابي المُكرَّم الجليل عبد الله بن أي أوفى رضيَ الله عنهما، والحديث مُخرَّج في الصحاح : في البخاري ومسلم، الشيباني يسأل الصحابي – تابعي يسأل صحابياً – ويقول له هل رجم رسول الله؟ لأن المسألة كانت – كما قلت لكم – في محل نزاع ومُناظَرات، هل يُوجَد رجم في الإسلام يا جماعة؟ هذه شريعة الرحمة، قال له هل النبي رجم فقال ابن أبي أوفى نعم رجم رسول الله، الرسول رجَّم وأنا صحابي رأيت هذا الشيئ وأعرفه، قال له هل رجم قبل سورة النور أو بعدُ؟ وفي رواية أو بعدها، قال له قبل النور أم بعد النور؟ قال له لا أدري، مَن الذي قال لا أدري؟ الصحابي، أرأيتم التواضع؟ هذا صحابي جليل، ولعله شاهد واقعة أو أكثر من وقائع على الرجم بنفسه، لكنه قال أنا لا أعرف لأن لعله نسيَ أو لعله سمع من الصحابة عن وقائع الرجم هذا أيضاً احتمال ربما أرجح، لأنه لو شاهد ربما لا ينسى، فلعله روى عن صحابة آخرين، وطبعاً الصحابة عدول فلا نُكذِّب صحابياً، هذا هو الأصل والقاعد، فهم طبعاً عدول، ولذلك مُرسَل الصحابي مقبول من غير مثنوية، أبو هريرة مراسله بالمئات لأن هذا من مراسل الصحابة، يروي عن صحابة لكن مُباشَرةً إلى الرسول دون أن يقول حدَّثني فلان لأنه صحابي، ظهر أو اختفى هو عدلٌ بفضل الله، الصحابي لا يكذب على رسول الله، الصحابي من المُمكِن أن يزني مثل ماعز هذا ومثل الغامدية لكنه لا يكذب على صاحب الرسالة، قال النبي إن كذباً علىّ ليس ككذباً على أحد، فمَن كذب علىّ مُعتمِّداً فليتبوأ مقعده من النار، تزني تتوب والله يتوب عليك لكن لا تكذب على صاحب الرسالة، ولذلك حكى الجويني أن الكذب المُتعمَّد على رسول الله : كفر، لا تُحدِّثني عن الزنا والقتل، هذا كفر والصحابة – رضوان الله عليهم – لا يكفرون، أليس كذلك؟ هذا هو، فقال له لا أدري هل الرسول رجم قبل أو بعد، وهنا قد يقول لي أحدكم ما أهمية هذا؟ هذا مُهِم جداً، كما قلت لكم هذه النُقطة مُهِمة جداً، هى النُقطة الثانية الأهم بعد النُقطة الأولى المُتصدِّرة، أي نقطة اللعان، تحدَّث الحافظ ابن حجر – أعيدها للمرة الثانية وقد ذكرتها في الخُطبة السابقة – عن فائدة السؤال، ما فائدة السؤال؟ هل هو رجم قبل أم بعد النور؟ انتبهوا إلى هذا، إن كان ثبت أن رسول الله رجم مَن رجم قبل نزول سورة النور فمعنى ذلك أن سورة النور نسخت الرجم، فيكون الرسول رجم بشريعة التوراة، لأن نحن ليس عندنا هذا، التوراة فيها رجم – كما قلنا – ولا فرق بين مُحصَن وبكر في التوراة فكله يُرجَم، وإن كان رجم بعد سورة النور تكون هذه السُنة هذه خصَّصت عموم آية النور، يحدث تخصيص هنا، عند الأحناف يُعتبَر نسخاً، والنسخ عندهم لابد أن يكون بالمُتواتِرة، هم ادّعوا أن هذه مُتواتِرة، قالوا الرجم مُتواتِر، ولا مُشكِلة في هذا لكن هو نسخ، عندهم في اصطلاحهم نسخ، إذن النُقطة المُهِمة هى أنه سيُقال ما الذي ترَّج لديك يا رجل؟ هل اللرسول رجم قبل أم بعد؟ أنا أقول لكم بإذن الله واطمئنوا نفساً الرسول رجم قبل، كيف؟ هذه ليست دعاوى أو تبجح، كيف هذا؟ الصحابي لم يعرف فهل أنت تعرف؟ نعم، لأن الصحابي عرف أحاديث مُحدَّدة، لكن نحن وصلتنا كل هذه الأحاديث تقريباً، كلها عندنا بحمد الله، اليوم أقل طُويلب علم أو أي رجل هاوٍ أو عابر سبيل يُمكِنه أن يفتح جوجل Google ويدخل على المكتبة الألفية ويأتي بكل الطرق، أليس كذلك؟ يُمكِن أن نُعلِّمه قليلاً ويأخذ يتعلَّم دورة لمدة شهر في علم المُصطلَح والتخريج ومن ثم سوف يعرف هذه الصناعة وإن كانت طبعاً معرفة مبدئية، والصحابة ما كان عندهم كل هذا العلم، الصحابي لا يعرف لك كل الطرق وإنما يتحدَّث على قدر ما رأى أو شاف أو حفظ ورُوّيَ وروى، رضوان الله عليهم أجمعين، فهذا لا يعني أن تقولوا أن الصحابي لم يعرف فكيف سنعرف نحن؟ هذا غير صحيح، وهى مسألة نزاع أصلاً، هذه المسألة نزاعية، هل كان هذا قبل أم بعد؟ انتبهوا إلى هذا، طبعاً جماهير العلماء ذهبوا إلى أنه رجم بعد، جماهير العلماء طبعاً – الذين قالوا بالرجم قالوا هذا دون أي مُشكِلة، لو رجم قبل فإذن الرجم نُسِخ وانتهى، يُوجَد الجلد عندنا في الشريعة لكن لا يُوجَد الرجم، لكن هم يقولون بالرجم وادّعوا فيه الإجماع، لذلك قالوا رجم بعد، لكن ما الدليل؟ نحن نُريد الدليل، أوقفونا على الدليل، كيف عرفتم أنه رجم بعد؟ كيف عرفتم أنه رجم بعد نزول سورة النور؟ تحدَّث العلماء عن حديث العسيف، وهذه الحُجة ساقها الحافظان الجليلان ابن حجر والإمام العيني شارحا البُخاري، هذا في فتح الباري وهذا في عمدة القاري، وهذا شافعي وهذا حنفي، وشرحهما أوسع الشروح وأحسنها، لكن للعيني اعتناءٌ بالفقهيات ولابن حجر مزيد اعتناء بالحديثيات وبالأسانيد وبالطرق وما إلى ذلك، وهذا طبعاً معروف لأنه مُبرِّز أكثر، وإلا كلاهما شيخ فقيه مُحدِّث حافظ جليل، فرضوان الله تعالى عليهما، وابن حجر أمير المُؤمِنين في الحديث، بلغ هذه الرُتبة التي لم يبلغها إلا آحاد الناس، لعلهم لا يتمون عشرين في تاريخ الأمة، هذا أمير المُؤمِنين وهذا شيئ عجيب، فبماذا احتج؟ وعنده حُجة واحدة وهى حديث العسيف، قال حديث العسيف يُثبِت لنا أن الرسول رجم بعد سورة النور، وهذه شُبهة قوية، كيف هذا؟ كيف يا علّامة الإسلام؟ رضوان الله عليه وجزاه الله خير الجزاء، كيف يكون حديث العسيف حُجة؟ سأتلو عليكم حديث العسيف الذي أخرجه الإمام مالك في موطئه والإمام أحمد والجماعة، أي البخاري ومسلم وأصحاب السُنن الأربعة، كما أخرجه غيرهم كثير كالدارمي وغيره، المُهِم يكفي مالك وأحمد والستة، الشيخان وأصحاب السُنن، فكلهم خرَّجوا حديث العسيف، ما هو حديث العسيف؟ حديث العسيف الذي يرويه جماعة من تلاميذ الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وهذا عالم ومُحدِّث جليل جداً وإن طعن فيه بعضهم للأسف، لكن الرجل – إن شاء الله – فوق الشُبهة، هو من أئمة الإسلام العظام وهو تابعي جليل، روى أحاديث معدودة عن ابن عمر وربما عن غيره القليل، وعلى كل حال يرويه من تلاميذه : الإمام ابن أبي ذئب – عبد الرحمن بن أبي ذئب – والإمام مالك وسفيان بن عيينة والليث وشعيب، خمسة يروونه عن مَن؟ عن الإمام الزهري، لكن انتبهوا الآن إلى أنه لا يرويه إلا الزهري، أي انفرد به مَن؟ الزهري، وهذا أمرٌ عجيب، هل يُوجَد أحد آخر يرويه غيره؟ لا يُوجَد، فقط الزهري، وعن مَن يرويه؟ عن شيخه وهو أحد الفقهاء السبعة – مَن السبعة؟ فقهاء المدينة السبعة – عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، فالزهري يرويه عن عُبيد الله، لا يرويه عن الصحابين الجليلين أبي هريرة وزَيْد بن خَالِد الجُهَنِيّ إلا عبيد الله، وهذا شيئ غريب، يُوجَد تفرد واضح جداً جداً جداً وغرابة، هذا إسمه حديث غريب أو فرد، لماذا هذا؟ لماذا واقعة مثل هذه – وهى واقعة رجم – لا يرويها إلا هذا التابعي الجليل فقط وهو عُبيد الله الذي هو أحد الفقهاء السبعة؟ لماذا لا يروي أحد من تلاميذ عُبيد الله وهو أحد الفقهاء السبعة إلا واحد فقط؟ انتبه إلى هذا، لذلك التفرد يضر في مثل هذه الأحوال، تفرد الصحابي لا يضر كثيراً، التفرد عن الصحابي ضرره أكبر، التفرد عن التابعي ضرره أكبر، لماذا؟ لأن الصحابة كانوا يزهدون في التحديث والرواية، كانوا مُقِّلين جداً، بعضهم لا يُحِب أن يرويه لأنه يخاف أن يعثر في كلمة أو أن يزيد أو أن ينقص فلا يُريد ويُؤثِر السلامة، لكن عبيد الله من فقهاء المدينة السبعة وكأنه فتح جامعة – ما شاء الله عليه – لأن الألوف تتلمذوا على يده، فلماذا لا يرويه عنه إلا واحد فقط من تلاميذه؟ أليس هذا موضع شُبهة؟ في نظري هذه شُبهة وأي شُبهة، يروي عن عُبيد الله واحد فقط وهو الزهري، لماذا إذن؟ وعن الصحابيين الجليلين واحد فقط وهو عُبيد الله، ليس له إلا هذا الطريق، اذهب فتِّش واطلع وانزل وغُص ولن تجد أي فائدة، هو هذا فقط، فالحديث إذن غريب، هذا يُسمونه الغريب أو الفرد، علماً بأننا تحدَّثنا عن مرة، يُحدِّث عبيد الله عن أبي هريرة وعن زَيْد بن خَالِد الجُهَنِيّ – رضيَ الله عنهم وأرضاهم أجمعين – قائلاً كنا عند رسول الله، صرَّح فيه بماذا؟ بمُشاهَدة الواقعة، يقول كنا عند رسول الله، مَن الذي يقول هذا؟ زَيْد بن خَالِد الجُهَنِيّ، وهذا الرجل كل ما كُتِب عنه في علم الرجال وفي تواريخ الصحابة أنه شهد الحديبية، لكن متى أسلم؟ ومتى كان في المدينة؟ لا نعرف، لكنه شهد الحديبية، الحديبية تقريباً في السادسة قبل خيبر، وأبو هريرة متى قدم على رسول الله؟ بعد خيبر، خيبر وضعت أوزارها فجاء هو والغنائم تُقسَم، أي في السابعة فانتبهوا،
هذا التاريخ مُهِم جداً لنا، لابد من معرفة التاريخ، وهذه حُجة العيني وابن حجر وجماهير العلماء، قال كنا عند رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً – فأتاه رجل – هذه الرواية فأتاه رجل، وهناك رواية تقول فجاءه رجلان يختصمان، أي نفس الشيئ – فقال يا رسول الله أنشدك الله – ويُقال أنشدك بالله أيضاً، وأنشدك الله تعني أسألك بالله – إلا ما قضيت بيننا – أي بيني وبين خصمي هذا – بكتاب الله، يقول الصحابيان الجليلان أبو هريرة وزَيْد بن خَالِد الجُهَنِيّ فقام صاحبه – أي خصمه – وكان أفقه منه – تأدَّب أكثر وفهم أكثر – فقال يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، أي عندي كلمة وأُريد أن أتكلَّم، فقال له – صلى الله عليه وسلم – قل، قال يا رسول الله إن ابني هذا – وأشار إلى ولدٍ له، أي إلى ابنه – كان عسيفاً على هذا، ما معنى عسف عليه؟ عمل له، يشتغل عنده في الحديقة أو في أي شيئ، هذا إسمه العسيف، وهو ليس كالخادم العادي، هذا يشتغل ويُوجَد عسفاء في الحرب، والنبي نهى عن قتل العسفاء، هذا دين محمد وهو دين الرحمة، مَن العسيف؟ الذي يكون في ساحة المعركة لكي يُطبِّب أو يُداوي أو يحمل الأكل أو يطبخ أو ينصب الخيام أو يفعل أي شيئ، حتى الذي يُصلِّح الأسيلحة ويُزيتها لكنه لا يُقاتِل، ممنوع أن تقتله، النبي قال ممنوع قتله لكن هناك مَن قال لك لا يا حبيبي، هذا يدفع ضرائب فاقتله، سوف نرى هل هذا فقه محمد أم فقه الضرائب يا حبيبي، أي دين هذا؟ قال أحدهم أي شخص مع هؤلاء ويُساعدهم بأي طريقة سواء كان مدنياً أو عسكرياً وسواء ذهب أو جاء قاتلوه واقتلوه، ما هذا يا رجل؟ حرام عليكم، هل هذا دين محمد؟ محمد – صلى الله على محمد – نهى عن قتل العسفاء في ساحة المعركة، هذا ممنوع لأنه لا يُقاتِلك ولايُطلِق عليك الرصاص – مثلاً – فلماذا تقتله؟ لا تقتله واتركه، هذا هو الدين، وهو دين الرحمة، لا يُوجَد عندنا حرب شاملة، ليس عندنا مفهوم الحرب الشاملة في الدين، لكن اليوم تُوجَد حرب شاملة في العالم كله ويُوجَد ذبح، وانظروا إلى سوريا، وعلى كل حال نعود إلى موضوعنا، قال إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته – ابنه زنى بامرأة الرجل الثاني وهو خصمه – فافتديت منه – أي حياة ابنه حتى لا يُقتَل – بمائة شاه وخادم، وفي رواية ووليدة، وهذا نفس الشيئ، فالخادم ذكر والوليدة أنثى، قلت له خذ مائة شاة وخادم أو وليدة – أمة – واترك لي ابني، قال فرضيَ، هذا الرجل ليّن قليلاً، ما هذا؟ هل وافقت؟ قال يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ ۩، كيف هذا؟ ما معنى وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ ۩؟ هذه المرأة مُتورِّطة، كأنها تورَّطت في شيئ خفيف، أستغفر الله، المُهِم قال ثم سألت رجالاً من أهل العلم – قال سألت جماعة من الأصحاب أيضاً، من أصحابك وهم مثلي لكن عندهم علم، أنا ليس عندي أي علم لأنني إنسان بسيط غلبان – فأخبروني أن على أبني جلد مائة، قالوا له ليس الأمر كما تظن، ما معنى وليدة وغير وليدة ومائة شاة؟ لا يُوجَد هذا الكلام، لابد من جلد ابنك، قالوا الحد جلد مائة – مائة جلدة – وتغريب عام – أي النفي، فلابد أن يُنفى – وأن على امرأة هذا الرجم، أي وهى تُرجَم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، فالنبي أقسم هنا، هذه دماء وحدود وعذابات وتباريح، قال والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، المائة شاة والوليدة ردٌ – أي يرجعون لك لأن هذا الكلام غير موجود -وعلى ابنك جلدُ مائة وتغريب عام – أي لابد أن يُغرَّب عن المدينة ويذهب إلى أي بلد آخر كأن يذهب إلى الطائف أو غيرها لمدة سنة كاملة لا يرجع خلالها، وهذا من أجل آثار الجريمة والكلام وألسنة الناس، أي أن هذه لها حكمة، وهى سياسة من رسول الله في الأرجح، هذه سياسة شرعية، لأن في الظاهر لا حدان في الإسلام، إما هذا وإما هذا، وهذه المسألة لن نُفصِّل فيها لأن الكلام طويل فيها – وعلى امرأة هذا الرجم – هذا معروف – واغد يا أُنيس – خاطب أحد الصحابة وهو إسمه أُنيس – على امرأة هذا – غدا عليها بمعنى ذهب إليها – فإن اعترفت – أقرت بأنها فعلاً زنت مع هذا الرجل – فارجمها، فغدا عليه فاعترفت فرُجِمَت، أين موضع الشاهد هنا؟ هذا إسمه حديث العسيف، والآن عرفتم لماذا إسمه حديث العسيف، لأنه كان يشتغل عنده أجيراً أو شيئاً من هذا، موضع الشاهد في حديث العسيف أن سورة النور متى نزلت؟ قد يقول لي أحدكم لا أعرف، لكن بأي مُناسَبة؟ مُناسَبة الإفك، وهو إفك الأفاكين أم المُؤمِنين الصديقة بنت الصديق المُبرَّأة من فوق سبع سماوات – رضوان الله عليها – عائشة بنت أبي بكر حين قالوا فيها ما قالوا وحسبنا الله ونعم الوكيل، وعلى كل حال نزلت، لكن متى كان الإفك؟ اختلف أصحاب السير والتواريخ، قالوا في السنة الرابعة، وقيل : في الخامسة، وقيل في السادسة، أبعد ما قيل في الإفك – في بني المصطلق أو المريسيع، لأنها صارت بعد المريسيع – أنه كان في السنة السادسة، أبو هريرة متى قدِم المدينة على رسول الله؟ قلنا في السابعة بعد أن وضعت الحرب أوزارها في خيبر والغنائم تُقسَم، علماً بأن هذا في الصحيح، في البخاري وغيره، إذن هذا يعني أن أبا هريرة جاء بعد سورة النور، أليس كذلك؟ إذن قصة العسيف بعد سورة النور، إذن الرجم بعد سورة النور، هل هذا قوي أم غير قوي؟ قالوا قوي لكن أنا أقول ليس قوياً، لماذا؟ والحديث في موطأ مالك ومُسنَد أحمد ورواه الستة، هل تعرفون لماذا؟ سوف نرى لماذا.
أولاً شُبهة الغرابة التي فيه، حديث لا يرويه عن الصحابيين أبي هريرة وزيد بن خالد – رضوان الله عنهما – إلا عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود فقط، لماذا؟ هذه غرابة عجيبة فانتبهوا إذن، بعض المُتقدِّمين من الأئمة الكبار – أئمة الحديث والرواية – كانوا لا يقبلون بالمُطلَق من غير قيد وشرط، أي حديث غريب على هذا النحو يُرَد عندهم، يقولون هذا غير مقبول، لماذا؟ لماذا يتفرَّد به؟ هذان صحابيان وخاصة أبو هريرة له ألوف التلاميذ أخذوا عنه والناس سمعوا منه، فلماذا لم يسمع هذا منه ولم يروه إلا أنت فقط؟ هنا تُوجَد مُشكِلة، المُشكِلة من المُمكِن ألا تكون من عُبيد الله حتى ولا من الزهري، من المُمكِن أن تكون موجودة فيما بعد ونحن لا نعرف، قد تكون أدنى من ذلك في السند ونحن لا ندري، لكن هذه هى الغرابة، أبو بكر البرديجي – مُتولِّد نحو مائتين واحد وثلاثين ومُتوفى في سنة ثلاثمائة وواحد هجري، وهو إمام جليل، من كبار أئمة علم الرواية والدراية، هذا أبو بكر البرديجي رضوان الله عليه – قال الحديث الذي يُتفرَّد به عن الصحابي مُنكَر لا نقبله – أي يتفرَّد به تابعي عن صحابي – والذي يُتفرَّد به عن التابعي مُنكَر لا نقبله، أي تابعي يروي عن صحابي أو تابع تابعي يروي عن تابعي وحده فقط، فلماذا؟ لماذا أنت وحدك؟ هذا غير مقبول، مثل مَن؟ الزهري تابعي ويروي عن شيخ من شيوخ التابعين وهو عُبيد الله، فهذا تابع عن تابعي، لكنه يروي وحده، لماذا؟ هذا غير معروف، صح عن الزهري روى مَن ذكرت لكم – ذكرت لكم خمسة – لأن هذه الطرق تقريباً التي وقفنا عليها، وقد تكون هناك ثمة طرق أخرى، ولكن هذه الطرق في الكتب المذكورة على الأقل والله تعالى أعلم، فهذا عند البرديجي غير مقبول، وهذا مذهب يحيى بن سعيد القطان ويُروى عن الإمام أحمد، قالوا الغريب على هذا النحو لا نقبله، الإمام أبو داود السجستاني – أبو داود صاحب السُنن – في رسالته إلى أهل مكة – وهى رسالة في علم المُصطلَح وفي علم الحديث وعلم أصول الحديث – قال والحديث الغريب لا يُقبَل وإن كان راويه هو مالك بن أنس، قال الإمام مالك إذا تفرَّد بحديث لا نقبله، فتفضَّل هذا إذن، مالك بن أنس إمام كبير وحافظ مُتقِن وحُجة وهو أستاذ الأساتيذ في عصره لكنه قال لا نقبله وذكر آخر، الإمام مالك نفسه – حضرني هذا الشيئ الآن – كان يأتيه طلاب علم من شتى الأنحاء والأسقاع في حديث، وطبعاً هم يأتونه في كل شيئ لكن هذا الحديث بالذات يكثر عليه الطلب، من مصر ومن العراق ومن الشام ومن خراسان وهكذا لمعرفة هذا الحديث، فقال لماذا يأتيني الناس في هذا الحديث؟ قال أنا أرى أن هذا الحديث عليه طلب كثير، فقيل يا إمام لأنه لا يرويه إلا أنت، عرف أنه تفرَّد به فقال لو كنت أعلم ما حدَّثت به، لماذا إذن؟ لماذا أرويه أنا فقط؟ هذا يعني وجود شُبهة، الحديث فيه غلط إذن، طلاب العلم والأئمة مثلي بالمئات، فلماذا لا يرويه إلا أنا؟ هذا يعني وجود مُشكِلة هنا، انظروا إلى الإنصاف وانظروا إلى حرص مالك على سُنة رسول الله، لم يقل أنا، وأنا مَن أنا، ما المُشكِلة؟ أنا غير مُتهَم، لا يا أخي، التفرَّد والغرابة فيها نوع من النكارة، ولذلك سماه بعض العلماء المُنكَر، قالوا هذا مُنكَر، وهذا اصطلاح قديم فهم يُسمون الغريب والفرد بالمُنكَر، نترك هذا الآن لأن اصطلاح أغلب المُتأخِّرين على غير هذا، لكن اعرفوا أن المسألة اجتهادية، المسألة ليست قطعية، والمسألة تتعلَّق بأرواح، فيُقال هل يُوجَد رجم أو لا يُوجَد؟ وعندنا هذه الحُجة التي تتعلَّق بحديث العسيف فانتبهوا.
ثانياً هذا الحديث خرَّجه مَن ذكرت لكم، البخاري نفسه – رضوان الله عليه – خرَّجه في غير موضعٍ – أكثر من مرة خرَّجه – من صحيحه، مرة خرَّجه فقط عن أبي هريرة وحده دون زيد بن خالد، وهذا لا يضر، ويقول فيه كنا بصيغة الجمع لكن هذا لا يضر، ومرة خرَّجه عن أبي هريرة – كما ذكرته لكم – وزيد بن خالد وقال لك كنا عند رسول الله، ومرة ثالثة خرَّجه عن زيد وعن أبي هريرة دون أن يُصرِّح فيه بمُشاهَدة الواقعة، قال أن رجلين أتيا رسول الله، وهذا يعني أن أبا هريرة قد يكون سمعه وحدَّث به بعد ذلك، وهذا مثل ما قال ابن حجر، قال أبو هريرة وابن عباس، ابن عباس روى أحاديث في الرجم، روى حديث في جلد البكر فقط ليس فيه رجم، وروى حديثاً في ماعز – قصة ماعز بن مالك الأسلمي – لكن ابن عباس متى أتى المدينة؟ في السنة التاسعة مع أمه، لكن نحن نعرف أن ابن عباس لم يرو مُباشَرةً عن رسول الله إلا بضعة عشر حديثاً، وألوف الأحاديث التي رواها من مراسل الصحابة، أي أنه يأخذ عن الصحابة وفي أحيان كثيرة لا يُصرِّح بهم ويقول الرسول قال والرسول فعل، لكن طبعاً لا يتزيد بكلمة، لا يقول شهدت هذا أو رأيت هذا إلا فيما شهده ورآه، هذا مُرسل الصحابي وهو لا يضر، وابن عباس لم يُصرِّح في قضية ماعز أنه شاهد الواقعة، لو شاهدها لكانت حُجة قوية جداً، لكنه لم يفعل هذا، حكى عن ماعز كما حكى غيره، وابن عباس جاء في السنة التاسعة، الذين صرَّحوا بأنهم رأوا قصة ماعز كجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة هم من أهل المدينة، أي من الأصل أصلاً، فهذه ليس فيها حُجة، ونعود إلى حديث العسيف وقد فهمنا هذه الجزئية، لكن هناك جزئية ثانية، إذن البخاري رواها مرة هكذا ومرة هكذا، من طريق مَن روى أنهما شاهدا الواقعة وقالا كنا عند رسول الله؟ من طريقين، رواه من طريق شعيب ومن طريق سفيان بن عيينة، بقية الأئمة – الإمام مالك وأحمد وأصحاب السُنن الأربعة – هل رووا عن الصحابيين الجليليين شهودهما الحادثة أم لا؟ الإمام مالك لم يروه في الموطأ أبداً، أبو داود لم يرو هذا، أبو داود ذكر أنهما لم يشهدا الحادثة، فقط قال أن الرجلين أتيا يختصمان، لكن عندك الآن الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي، هؤلاء رووا عن عُبيد الله يروي عن الصحابيين زيد بن خالد وأبي هريرة وصحابيٍ ثالث، صار عندنا وهم هنا وهو إسمه شبل، قالوا كنا عند رسول الله، ماذا قال الترمذي والعلماء من بعده؟ قال ينبغي أن يكون وهماً من سفيان بن عيينة، من أين أتى بشبل هذا؟ قال هذا غلط هنا، لا يُوجَد شبل ومن ثم هذا زائد، وشبل لا صحبة له، وهذا عجيب جداً فركِّزوا معي، هؤلاء الذين ذكرت أنهم وقعوا في هذا الوهم أو رووا هذا الوهم – الترمذي يعرف أنه وهم لكنه نبَّه عليه فأبرأ الذمة وخرج من العهدة – عندهم فقط في هذه الروايات التي فيها الوهم – شبل – فيها كنا عند رسول الله، مع أنهم جميعاً – خمستهم – رووا الحديث من طرق أخرى ليس فيها شبل وليس في واحدة منها كنا عند رسول الله، فيها كلها أن رجلين أتيا وأن رجلان قالا، انتبهوا إلى هذا، فإذن هنا قامت شُبهة كبيرة جداً، ومن الخمسة الذين رروه عن الزهري – ابن أبي ذئب ومالك وسفيان بن عيينة والليث وشعيب – فقط اثنان رويا هذا عند البخاري وعند غيره عن الزهري، سفيان بن عيينة الذي أحال عليه الترمذي في الوهم في قضية شبل – قال هذا الوهم منه، أي من سفيان ابن عيينة – وشعيب، فبالمُقارَنة بدون تصديع الرؤوس نرى أن الأرجح أن هذا أيضاً من الأوهام، يُوجَد خطأ حصل هنا، خاصة أنه مُتظاهِر بالوهم الآخر عند الجماعة الخمسة الذين ذكرت، كل الرويات التي فيها الوهم في قضية شبل فيها كنا عند رسول الله، فهنا حصل وهم من الراوي عن الزهري، من سفيان ومن شعيب، وهكذا يترجَّح لدينا أن أبا هريرة لم يشهد هذه الواقعة، وزيد – كما قلنا – نعرف أنه شهد الحديبية في السادسة، قد يترجَّح أنه كان في المدينة قبل ذلك بكثير لكننا لا ندري، فالمسألة أصبحت مظنونة تماماً، ليس لدينا الآن دليل قاطع أنهما شهدا الواقعة، وبهذا يسقط الدليل تقريباً الوحيد، ابن عباس – كما قلنا – لم يُصرِّح ولو لمرة، ما علاقتنا بابن عباس؟ هو لم يُصرِّح لأنه لم ير هذا، فليس عندنا أي دليل قطعي أو حتى قريب من القطع أن الرجم كان بعد نزول سورة النور، ومن ثم بقينا على الأصل، كما قلنا لماذا؟ لأن آيات اللعان تُغلِق الباب على التخصيص، إذ هى صريحة في المُحصَنين، وقالت وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ ۩، والألف واللام في العذاب للعهد الذكري المذكور في صدر السورة حيث قال الله وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا ۩، وهو العذاب المُفسَّر بمائة جلدة، فعاد الأمر هكذا والله – تبارك وتعالى – أعلم وأحكم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المُستغفِرين!

الخُطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
ثمة قرائن وإيقاظات وإلماعات أخرى كثيرة قد نجتزأ ببعضها، والموضوع – كما قلت لكم – يحتمل كتاباً، ولابد من تصنيف كتاب مُفصَّل فيه هذه القضية، لابد من إعادة النظر في موضوع حد الرجم في شريعة الإسلام، نرجو هذا حتى يخرج الإسلام فعلاً في هذا العهد القائم القابض مرفوع الرأس في هذه القضية وفي قضايا غيرها، ونُطمئن إخواننا وأنفسنا وأمتنا قائلين أن – والله العظيم – ما يُؤخَذ على الإسلام هى قضايا منزورة تعد ربما على أصابع اليدين الثنتين، هى قضايا مُحدَّدة جداً، بعضها في حقوق المرأة وبعضها في مسائل حريات الاعتقاد وبعضها في الرجم، وهى مسائل معدودة جداً، فإذا استثنيا هذه المسائل التي يشغب بها أعداء الإسلام وشانئو الإسلام من أبناء الإسلام ومن أبناء الأمم والملل الأخرى ماذا يبقى؟ لا يبقى في الإسلام إلا كل جميل وكل حسن، تقبله الفطرة ويقبله العقل وتقبله المدنية والحضارة، فعلى الأمة أن تضطلع وأن تتحمل مسئولياتها بجدارة، وبالذات المُؤسَّسات العلمية كالأزهر بالذات والمُؤسَّسات الأخرى والمجامع العلمية والفقهية، وتُعيد النظر بجسارة وجرأة وشجاعة وتحقيق ونفس علمي مُطوَّل، فلا بأس أن تجتمع هذه المجامع من أجل هذا، وقبل أن تجتمع عليها أن تُخطِر وتُؤذِن أعضاءها والمُنتسِبين إليها قبل سنة بأن يُعدِّوا بحوثاً مُفصَّلة جداً ومُسهَبة في هذه القضايا، لكي يخرج ديننا الحنيف – كما قلنا – مرفو الرأس في هاته القضايا وأمثالها، لكي نُساهِم على الأقل أيضاً في وقف طوفان الإلحاد واللاأدرية الذي بدأ يجتاح شبابنا وشوابنا لمسائل بالذات مثل هاته المسائل، يقولون لك هل هذا الدين؟ ينبغي أننُعيد النظر في هذه الأشياء وينبغي أن نجعل إمامنا القرآن ونجعله أمامنا، لست من القرآنيين والانتساب إلى لقرآن هو انتساب لأكبر شرف لكننا لا نُنكِر السُنة – حاشا لله – ولا نغمطها حقها، لكن لا نُريد للسُنة أن تأتي على كتاب الله بالنقض والبطلان، هذا هذا شيئ عظيم لا نستطيع أن نُقابِل به وجه الله، لا يُمكِن أن نُبطِل كتاب الله المُفصَّل المُحكَم بأحاديث وروايات آحاد وفيها شبهات، وأحياناً المُتعلَق فيها – كما رأيتم في حديث العسيف – ضعيف جداً جداً جداً، كيف تقول لي هذا ينسخ أو يُخصِّص؟ لا يا سيدي، هو لا ينسخ ولا يُخصِّص، القرآن هو المُحكَم المُتواتِر، والحديث فيه مشاكل أوقفناكم عليها أو على بعضها أو على جملة منها، والله – تبارك وتعالى – أعلم، لكن هناك بعض الإيقاظات – كما قلت لكم – في سورة النور، الله يقول الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ ۩، هذا نفس الشيئ، نعود إلى قضية العموم، واحتمال التخصيص قائم على كل حال لكي نكون مُنصِفين، قال الله الزَّانِي ۩، الزاني ليس شرطاً أن يكون زانياً معروفاً بالزنا، الذي ينكح ويتزوج قد يكون فعل هذا بالخفاء ونجاه الله بجميل ستره، لكنه لا ينكح زانيةً إلا أن تكون معروفةً بالزنا والعياذ بالله، لأنه يُقدِم على نكاح زانية، كيف عرفها زانية؟ إلا أن تكون اعترفت مرةً أو ثبت عليها الزنا بالشهود والبينة، والله يقول زَانِيَةً ۩، والسؤال كيف ينكحها؟ كانت مُحصَنة مصيرها الرجم، فكيف تُنكَح إذن؟ هذا يعني أنها حية تُرزَق، وهنا قد يقول لي المقصود الزانية البكر، وهذا الاحتمال موجود، لكن الآية في عمومها – لو تركتها وجعلتها مع عمومها – تعم الصنفين، هل الأرجح أن نتركها مع عمومها؟ نعم هذا الأرجح لصدر السورة ولآيات اللعان، لا يُوجَد قتل، الزاني لا يُقتَل، لذلك هذه الزانية التي ثبت زناها يُمكِن أن تُنكَح من جديد، يقول الله إن لم تتب وتظهر توبتها لا ينكحها إلا زان مثلها، وإن لم يثبت زنا يكون هو زانٍ مثلها والعياذ بالله، قال الله وَالزَّانِيَةُ۩، غير معروف أنها زانية لكن الله يعلم هذا، لأنها قد تكون استخفت بفاحشتها فلا نعلم، هى تعلم نفسها والله يعلمها، لكن حين تُريد أن توافق على أن تنكح رجلاً زانياً لابد أن يكون ثبت زناه إما بالإقرار وإما بالشهود، فلا يستقيم فهم الآية إلا هكذا، لا يُوجَد غير هذا، لابد أن يكون ثبت عليه هذا، لكن كيف ثبت عليه؟ إن كان مُحصَناً يُرجَم حتى الموت، وهنا قد يقول لي أحدكم أن من المُمكِن أن يكون بكراً ومن ثم تتزوجه، وأنا أقول له هذا صحيح لأن احتمال التخصيص قائم عندنا، لكن الأرجح أن نُبقي الآية على عمومها، لماذا؟ لما ذكرنا لكم، لصدر السورة ولآيات اللعان التي أغلقت بوابة أو باب التخصيص فتبقى على عمومها.

القرآن الكريم فصَّل في أزيد من صحيفة كاملة – أزيد من صفحة كاملة في كتاب الله، صفحة وثلث الصفحة – في مسألة هينة وليس في مسائل دماء وهى مسألة أموال وذلك في آية الدَين أو آية المُداينة – وهى أكثر من آية في الحقيقة، ولكن الآية أخذت صفحة كاملة أو صحيفة كاملة ثم التي عقَّبتها في موضوع دَين، فهل يُمكِن للقرآن الكريم في سورة مُفصَّلة وفيها آيات بينات وسورة مفروضة وهى سورة نور وحددت لنا حد الزناة ثم حددت لنا ما دونه وهو حد القذف أن يسكت عن حد الرجم لو كان مشروعاً وموجوداً وهو أثقل من الحدين جميعاً وأخطر بكثير من موضوع الدَين؟ كيف القرآن يسكت عنه؟ لو كان موجوداً لذكره لأنه أمر إلهي، لكنه غير مذكور، لأن في الحقيقة المفروض هو فقط الجلد، أيضاً خطر لي شيئ غريب جداً لم اقرأه لأحد فإن كنت أصبت فيه فهذا من فضل الله، لم أقع عليه لأحد وإن شاء الله يكون من فتح الله ويكون حقاً، وإلا خطأ مني ومن الشيطان، الله بريء منه ورسوله، حد القذفة هل فيه تمييز بين قاذف المُحصَن وقاذف البكر؟ كلا، الذي يقذف مُحصَنة أو مُحصَناً كم يُجلَد؟ثمانين، إذا قذف أحدهم بكراً له نفس الحد، لكن هنا يقول لي أحدكم كيف يُقال أنه مُحصَن؟ يُقال أنه مُحصَن لأنه مُحصَن بالعفة، انتبهوا إلى هذا لأن قد يقول أحدكم أن المُحصَن هو المتزوج ومن ثم حدث لديه لبس، ونحن قول لا يا حبيبي، الإحصان في كتاب الله له معانٍ ذكروا منها العفة وذكروا منها غير هذا، قال الله مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ۩، ما معنى قوله مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ۩؟ عفيفات، وقالوا الإحصان بمعنى الإسلام – لكن هذا ضعيف قليلاً – والإحصان بمعنى الحرية والإحصان بمعنى التزويج، لماذا هاته الأربعة سُميَ الإحصان بها أو سُميت إحصاناً أو يتيسر بها الإحصان؟ لأن أربعتها تمنع الإنسان من مُواقَعة الفاحشة، الإنسان العفيف لا يرتكب الفاحشة، الإنسان المسلم الذي يخاف الله لا يرتكب فاحشة، المرأة الحرة لا تفعل هذا، الرجل الحر لا يفعل هذا، قالت هند بن عتبة لرسول الله وهل تزني الحرة؟ ما هذه القصة؟ هذه حرة فكيف تفعل هذا؟هل أنت تتحدَّث عن الحرائر؟ قال الله في الممتحنة وَلَا يَزْنِينَ ۩، هذه بيعة النساء، قالت وهل تزني الحرة؟ واستحسنت الأمة هذا الكلام منها، لأنها قالت وهل تزني الحرة؟ بعيد جداً أن الحرة تزني، هى حرة بنت ناس وبنت أصول، أليس كذلك؟ والمُزوَّجة بعيد أن تزني، والمُزوَّج بعيد أن يزني، لماذا تفعل؟ أنتَ عندك زوج يا رجل، خيبك الله إن لم تتب، لماذا تزني؟ فهذا هو الإحصان، وهذه الأشياء تُعين على مُباعَدة الفاحشة ومُباعَدة مُقارَفة الفاحشة، على كل حال الذي يقذف بكراً رجلاً كان أو امرأة كم حده كقاذف؟ ثمانون أيضاً، وهذا أمرٌ غريب، هنا السؤال الذي خطر لي، لو كان فعلاً ثابت في كتاب الله والذي أراده الله – تبارك وتعالى – في شرعه أن يُرجَم الزناة لكان ينبغي تغليظ الحد قليلاً على مَن؟ على قاذف المَرجومين – على قاذف مَن يجب رجمه – المُحصَنين، وأقل من ذلك على مَن قذف الأبكار، لماذا إذن؟ هذا واضح ومعروف بالعقل بصراحة وبالعرف، لأن المعرة تلحق المُحصَن أعظم مما تلحق البكر، أولاً لشأن ذاتي، يُقال خيبه الله – كما قلت الآن – لأنه
متزوج ويزني، الله لا يعطيه العافية، خيبها الله البعيدة لأنها مُتزوِّجة وعندها بعل يُحصِنها وتزني، أليس كذلك؟ إذن مَن أعذر في هذا الباب: البكر أم المُحصَن؟ البكر أعذر من المُحصَن، وبعد ذلك خطر لي شيئٌ ثانٍ، وهو أن المُحصَنة والمُحصَن – بالذات المرأة وحتى المُحصَن من الرجال ينطبق عليه هذا – المعرة لا تلحق فقط وإنما تلحقه وتلحق زوجه أو زوجته وأولاده وأهله وعشيرته، وبالذات الأولاد طبعاً،يُقال هؤلاء أولاد مَن فعلت هذا، هذه معرة لأنهم من أقرب الناس إليها، حين يُقال أمهم زنت تكون فضيحة كبيرة جداً جداً جداً، أليس كذلك؟ وهذه تلحق زوجها أو تلحق زوجته لأنه متزوج وتلحق أولاده – أبناءه وبناته – فيُقال لماذا زنى أبوهم البعيد؟ بخلاف البكر الذي يعيش برأسه، هذه تلحق العشيرة الكُبرى فقط، لأن ليس عنده لا زوجة ولا أبناء وبنات، هنا تلحق الأهل والعشيرة الكُبرى فقط، إذن بالعقل وبالعرف كان ينبغي تغليظ ماذا؟ تغليظ الحد على قاذف المُحصَنين، لكن هذا لم يحصل والحد واحد، فكأنها إشارة من وراء وراء وإشارة من بعيد إلى أن حد الزناة مُحصَنين وغير مُحصَنين هو الجلد كم؟ مائة جلدة، وحد القذفة لمُحصَنين وغير مُحصَنين ثمانون جلدة، والله – تبارك وتعالى – أعلم، بقيت أشياء كثيرة ولكن نجتزيء بهذا.
اللهم إنا نسألك أن تُفقِّهنا في الدين وأن تُعلِّمنا التأويل، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً وفقهاً ورشداً، اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم أصلِح حالنا وأحوال المُسلِمين، اللهم بدِّل هذا الحال بخير حال برحمتك يا أرحم الراحمين، أصلِح ذات بين المُسلِمين، اللهم وحِّد صفوفهم، اللهم لم شعثهم، اللهم اجمع شملهم على ما تُحِبه وترضاه برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

انتهت الخُطبة بحمد الله

فيينا 24/5/2013

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

anmate2

أنماط الإيمان

  إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ …

اترك رد