بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه.

إخواني وأخواتي:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، في الدراسات التي تدور حول سيرة النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – وخاصة في الغرب الأوروبي والأمريكي وأيضاً الآن ربما في العقود الأخيرة، في بعض الدراسات التي تتسربل بالعلمية وتدّعي المنهجية في عالم العرب والمُسلِمين يُفتَح في العادة ملف حرج وحسّاس، إنه ملف المقتلة أو المذبحة أو الإبادة على اختلاف التسميات والنعوت التي وقعت ليهود بني قريظة على يد النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

وفي العادة يُقال قتل النبي – عليه السلام – زُهاء تسعمائة من رجال بني قريظة في يوم واحد أو في بضعة أيام، ثلاثة أيام تقريباً، مجزرة من أفظع وأبشع المجازر في التاريخ، هكذا يقولون!

ما هي حقيقة هذه المقتلة أو هذه المجزرة أو هذه الإبادة؟! نبدأ – أيها الإخوة والأخوات – لكي نُعطيكم صورة سريعة عن الخلفية، عن خلفية حرب الرسول مع بني قريظة.

تعلمون أنه في السنة الرابعة من الهجرة أجلى النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – يهود بني النضير من ديارهم حول المدينة المُنوَّرة، وذلك أنه قصدهم بعد أن أعربوا عن مُوافَقتهم لكي يُساعِدوه ويُعينوه في دفع دية لرجل أو لرجلين في الحقيقة من بني عامر، قتلهما أحد الصحابة خطأً، وهو يظن أنهما في غير حلف وعهد مع الرسول على كل حال، وبنو عامر كانوا حلفاء لبني النضير، وذهب النبي هناك، فائتمر به بنو النضير لكي يقتلوه، وأتاه الوحي وأخبره بالمُؤامَرة الخبيثة الخائنة، فانطلق النبي، وبعد ذلك أجلاهم من مضاربهم ومن أماكنهم على أن لهم كل ما حملته ركائبهم من أموالهم، من ذهبهم وفضتهم ومتاعهم، فمنهم مَن قصد بلاد الشام، ومنهم مَن يمَّم وجهه شطر خيبر.

هذه كانت البداية، ما علاقة هذا بما حصل مع بني قريظة؟ علاقة هذا أن أحد زعماء بني النضير – رأس كبير من رؤوسهم، وهو حُيي بن أخطب، والد أم المُؤمِنين أو التي ستصير بعد ذلك أماً للمُؤمِنين، صفية بنت حُيي، رضيَ الله تعالى عنها وأرضاها – فعل الآتي، حُيي بن أخطب هذا حرَّكه الحقد والرغبة في الانتقام والثأر إلى أن أتى قريشاً في مكة المُكرَّمة، وجعل يُقنِعهم بضرورة أن يُحزِّبوا الأحزاب وأن يتألَّبوا مع قبائل عربية أُخرى مُشرِكة إلباً واحداً على محمد وأتباعه في المدينة المُنوَّرة، ووعدهم بأشياء، واستمدهم أشياء، فوافقوا!

فلما خرج من عندهم – من عند أبي سُفيان وجماعته – أتى غطفان، فأقنعها أيضاً بأن يتحزَّبوا مع الأحزاب، على أن لهم ثمار خيبر، أو تمر خيبر بالأحرى، التمر! تمر النخيل، وعدهم بأن لهم تمر خيبر لسنة كاملة، فوافقت غطفان!

وهكذا تحزَّبت الأحزاب، بنو سُليم، وبنو مُرة، وفزارة، وغطفان، وقريش، وأشجع، عشرة آلاف! فلما أقنع هؤلاء أتى حُيي بن أخطب كعب بن أسد، وكعب بن أسد هو زعيم بني قريظة وصاحب عهدهم وميثاقهم مع رسول الله، أي الرسول – عليه السلام – كان قد واثقهم وعاهدهم، والذي تولى هذا العقد والتعاهد من طرف بني قريظة هو كعب بن أسد القرظي، ففي البداية لم يُوافِق كعب بن أسد، قال بيننا وبين الرجل عهد وميثاق، ونحن مُتلزِمون به، يقول الرواة وكتّاب السيرة ظل يفتله في الذروة والغارب، يتحيَّل عليه ويُقنِعه، وأقسم له أنهم سينتصرون على محمد، وفي أسوأ الظروف أنهم إن لم ينتصروا على محمد ولم يظفروا به فأنا – قال له حُيي بن أخطب – سأكون معك في حصنك، ما يجري عليك يجري علىّ، للأسف – هذه على طريقتهم ينبض لهم العرق القديم – أخفر الذمة ونقض العهد كعب بن أسد.

بلغت الأخبار من وراء وراء الرسول – عليه الصلاة وأفضل السلام -، فأحب أن يتثبَّت، وهذه على عادته، التي تدل على وفور عقله وتمام وكمال حكمته، أحب أن يتثبَّت، فأرسل أربعة من أصحابه: سعد بن مُعاذ وهو سيد الأوس، وسعد بن عُبادة سيد الخزرج، وخوّات بن جُبير، وعبد الله بن رواحة، أرسلهم فأتوا كعب بن أسد في حصنه وكلَّموه، فوجدوه ووجدوا اليهود القرظيين على أخبث ما سمعوا عنهم – والعياذ بالله -، حتى أنهم سبوا النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام -، فتأكَّد الخبر، تأكَّد الخبر!

الخُطة كانت – إخواني وأخواتي – أن الأحزاب – كانوا عشرة آلاف، لأول مرة يحتشد مثل هذا الجيش اللجب، عشرة آلاف أحزاب العرب، هذه معركة الخندق أو الأحزاب – لابد أن يأتوا من جهة الشمال، على أن يأتي يهود بني قريظة من جهة الجنوب، وتعرفون أن جهة الجنوب الخندق لم يكن مُحيطاً بها، الخندق لم يكن مُحيطاً بها وكانت مكشوفة، ولذلك يهود بني قريظة اتفقوا مع قريش على الآتي، ذهب إليهم النضري حُيي بن أخطب واستمدهم ألفي مُقاتِل، قال نحتاج إلى ألفي مُقاتِل! لماذا؟ لأنه يبدو أن مُقاتِلي بني قريظة كانوا عدداً منزوراً، كانوا عدداً يسيراً جداً، لم يكونوا كثيرين، فاستمدوا ألفي مُقاتِل، استمدوا قريشاً ألفي مُقاتِل، على أن يأتوا المدينة من جهة الجنوب.

الآن مَن فيها – أي المدينة -؟ ليس فيها إلا النساء والصبيان والشيوخ والعجزة، ولذلك يقول المُؤرِّخون الآتي، وأنا هنا لن أحتج بمُؤِّرخ مُسلِم آو عربي، سأحتج بمُؤرِّخ أجنبي اسكتلندي، وهو مونتجمري وات Montgomery Watt، في كتابه محمد في المدينة قال لو أن خُطة يهود بني قريظة نجحت وتيسَّر لهم أن يدهموا المدينة من جهة الجنوب لقضوا على محمد وأمته قضاءً مُبرَماً، هذه الشهادة من وات Watt مُهِمة جداً، لكي نقف على حجم الجريمة التي أجرمها واقترفها يهود بني قريظة.

تعلمون – إخواني وأخواتي – أن الله – تبارك وتعالى – كفى المُؤمِنين القتال بأسباب كثيرة، هناك الخندق الذي احتفره المُسلِمون، بعض الناس يظن أنه خندق يسير، هذا الخندق كان طوله أكثر من خمسة كيلو مترات Kilometers، بذل فيه الرسول والصحابة جهوداً جبّارة جداً يا إخواني، أكثر من خمسة كيلومترات Kilometers! فهذا الخندق فعل فعله بفضل الله – تبارك وتعالى -.

هناك نُعيم بن مسعود الذي أسلم وقام بالحيلة المعروفة لكل مَن درس السيرة، ودق إسفين الشك والارتياب بين يهود بني قريظة وبين أبي سُفيان وقريش، فهؤلاء لم يأمنوا لهؤلاء ولا هؤلاء أمنوا لهؤلاء، الحيلة المعروفة!

بعد ذلك هناك ما حصل طيلة مُدة الحصار وهي شهر تقريباً، الأحزاب حاصروا المدينة يا إخواني شهراً تقريباً، ولكن لم يُجد الحصار نفعاً، ثم أرسل الله – تبارك وتعالى – الرعب عليهم والريح الصرصر الباردة، فاطفأت نيرانهم وكفأت قدورهم وانقلبوا خائبين خاسئين، لم يعودوا بخير، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۩.

عاد النبي الآن وأصحابه من الخندق بعد شهر كامل من الرباط يا إخواني والجوع والخوف، ونجم النفاق، وبدأ المُنافِقون يتحدَّثون، قالوا محمد كان يعدنا مُلك كسرى وقيصر، ونحن الآن في ظرف لا يستطيع أحدنا أن يخرج لقضاء حاجته، نجم النفاق – والعياذ بالله -، مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ۩، واقرأوا سورة الأحزاب، تتحدَّث عن تفاصيل كثيرة مُهِمة.

عاد النبي إلى المدينة المُنوَّرة، فما هو إلا أن وصل وتهيَّأ للاغتسال والاستقرار أتاه جبريل قائلاً الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فقال – عليه السلام – مَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخر أو مَن كان سامعاً مُطيعاً فلا يُصلين العصر إلا في بني قريظة، وبنو قريظة مشياً تبتعد عن المدينة زُهاء ست أو سبع ساعات، هذا مشياً على الأرجل، فبالركوبة طبعاً أقل من ذلك بكثير، وانطلقوا إلى بني قريظة.

في البداية – أيها الإخوة والأخوات – لما رأى القرظيون من حصونهم المُرتفِعة – بلُغة القرآن الكريم مِنْ صَيَاصِيهِمْ ۩، جمع صيصية – جيش رسول الله قادماً راموهم، جعلوا يرشقونهم بالنبل والسهام، لم يجنحوا إلى السلم، ولم يستسلموا، ولم يعترفوا بعظم جُرمهم، ولم يطلبوا حتى الاعتذار، إنما راموهم، لكن لم يُجد نفعاً.

في اليوم الثالث بعد هذه المُراميات طلبوا من رسول الله أن يحكم فيهم وأن يفعل فيهم مثلما فعل في بني النضير، أن يخرجوا، يُغادِروا البلد والمكان، على أن لهم ما حملت الركائب، فأبى النبي، بعد ذلك لما عجزوا ويئسوا طلبوا منه – عليه السلام – أن يخرجوا بأنفسهم، من غير أموالهم، فمنعهم أيضاً هذه، وأبى عليهم إلا أن ينزلوا على حُكمه فيهم، له فيهم حُكم! فلم يُوافِقوا، واستمر الحصار في المشهور خمسة وعشرين يوماً أو خمساً وعشرين ليلةً.

لما جهدهم الحصار وأيقنوا أن لا نجاة وأنى لهم النجاة؟! وافقوا أن ينزلوا على حُكم سعد بن مُعاذ سيد الأوس، هل ترضون به؟ وهم حلفاؤهم! فرضوا بحُكم سعد بن مُعاذ، وكان قد أُصيب بسهم، كان عليلاً محموماً من جراء أصابته بالسهم، فأوتي به، فقال هل ترضون بحُكمي على مَن ها هنا وعلى مَن ها هنا؟ أي أنا أحكم بحيث يرضى بنو قريظة، وبحيث أيضاً يُعلِن عن الرضا مُسبَقاً المُسلِمون أيضاً، حتى الرسول! قال سأحكم بما يُمليه علىّ ضميري، فأشترط على الاثنين – على الرسول وأصحابه، وأيضاً على القرظيين – هذا، فوافقوا، وافق الفريقان!

فقال يا رسول الله حُكمي فيهم أن تُقتَل المُقاتِلة، المُقاتِلون يُقتَلون، خونة! هؤلاء خونة، لو تم لهم ما أرادوا لربما فني الإسلام كما قال مونتجمري وات Montgomery Watt، لانتهى كل شيئ، لكن الرسول بحكمته – عليه السلام -، بذكائه، وبحُسن تدبيره العسكري ماذا فعل؟ لما سمع بهذا أرسل خمسمائة مُقاتِل إلى المدينة، من الذين كانوا لدى الخندق، أرسلهم إلى المدينة وجعلوا يُكبِّرون في أنحاء المدينة، فعلم القرظيون بأن في المدينة مئات وربما أكثر من مئات من المُقاتِلين، فلم تنجح خُطتهم، وإلا كانوا عازمين، كانوا عازمين على أن يفعلوا ذلك وأن يستأصلوا شأفة المُسلِمين، لعنة الله على الظالمين الخائنين الغادرين.

على كل حال قال أن تُقتَل المُقاتِلة، وأن تُسبى النساء والذُرية، وتُؤخَذ الأموال، هذا حُكمي! النبي قال الله أكبر، لقد حكمت فيهم بحُكم الله – تبارك وتعالى – من فوق سبعة أرقعة، هذا الحُكم! ثم استُنزِلوا، وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ۩، استنزلهم الرسول – أيها الإخوة والأخوات -.

الآن يقول كتّاب السيرة والمُؤرِّخون لسيرة رسول الله استنزلهم واقتادهم جميعاً، اقتاد المُقاتِلة واقتاد النساء والذُرية أو والذراري إلى المدينة المُنوَّرة – على مُنوِّرها ألف تحية وألف سلام -، وهناك أنزلهم في دارين: دار بنت الحارث النجّارية، هذه امرأة يُقال لها بنت الحارث، من بني النجّار، ويبدو أنها – أي بنت الحارث هذه – كان عندها دار وسيعة، مُتسِعة المرافق والأنحاء قليلاً، فأنزلهم فيها، وأنزل البقية في دار أُسامة بن زيد، ربما طبعاً النساء والصبية الصغار في دار، والرجال والشيوخ الكبار والمُقاتِلة في دار أُخرى، ثم بعد ذلك أمر – عليه الصلاة وأفضل السلام – باحتفار خنادق عند سوق المدينة، أمر باحتفار خنادق وأُخرِجوا إليها أرسالاً، أي خمسة خمسة ربما أو عشرة عشرة، تُضرَب رؤوسهم، رؤوس مَن؟ المُقاتِلة.

يقول الإمام محمد بن إسحاق صاحب السيرة التي اختصرها الإمام ابن هشام، يقول وكانوا بين الستمائة والسبعمائة، والمُكثِّر لهم يقول كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة، هكذا يقول! كانوا بين الستمائة والسبعمائة، وبعض الناس يُبالِغ، والمُكثِّر لهم يقول كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة، لكن هذا رقم مُخيف، وحتى رقم ستمائة رقم مُخيف، ستمائة رجل يُضرَبون في نهار واحد أو في غداة واحدة أو في أُمسية واحدة! كيف تُضرَب رؤوسهم؟ أي هذا شيئ لم يحدث مثله على الإطلاق في تاريخ رسول الله، في تاريخ كل غزوات رسول الله وسراياه لم يحدث شيئ مُقارِب منه، لكن على كل حال هذا الذي حدث يا إخواني وأخواتي.

نُريد أن نُعلِّق بتعليقات وتنقيدات أيضاً على هذه القصة، وعلى ماجارياتها، أي وعلى ماجاريات هذه القصة، طبعاً هناك أحاديث ثابتة في الصحيحين، الأرقام ليست في الصحيحين، لن تجدوا رقماً بصدد بني قريظة في البخاري أو مُسلِم، إنما هناك ألفاظ، مرة أن سعداً حكم بأن تُقتَل المُقاتِلة، مرة أنه حكم – لفظ آخر – أن يُقتَل الرجال، الرجال! ولذلك في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وأهل السُنن والإمام أيضاً ابن إسحاق وابن هشام تبعاً له في السيرة عن عطية القرظي – القرظي من بني قريظة – الآتي، عطية يقول قتل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مَن أنبت منهم، هكذا يقول! الرسول كان يقتل كل واحد أنبت، أي بلغ الحُلم، وأنبت بمعنى نبت له شعر العانة، جرت عليه المواسي – جمع موسى -، أي كان يحلق، هذا كان يُقتَل، قال وكنت فيهم، فكُشِفت، فوجدوني لم أُنبِت، أو قال فوجدني لم أُنبِت، فخُلي سبيلي، بمعنى كل مَن أنبت كان يُقتَل، غريب! هل هذا حدث حقاً؟ وهل هذه حقيقة؟ كل مَن أنبت! ربما الطفل الصغير يُنبِت في الثانية عشرة، فيُقتَل، ربما يُنبِت في الثالثة عشرة، يُقتَل! أي إذا بلغ، كل بالغ! كأنه قال كان يقتل كل بالغ، على أن الإنبات علامة من علامات البلوغ، وهذه مسألة مُختلَف فيها فقهياً، ربما نعود إليها – إن شاء الله – في إبانه أو في حينه.

إذن هناك ألفاظ في الصحيحين، مثل قتل المُقاتِلة، قتل الرجال، هذا حديث عطية القرظي، وفيه قتل مَن أنبت، أي قتل كل بالغ، لكن في الصحاح لا تجدون أثراً للأرقام وللأعداد، إنما في غير الصحاح، وكما قلت لكم هذا رواه – مثلاً – ابن إسحاق بغير سند، يقول وكانوا بين الستمائة والسبعمائة، والمُكثِّر لهم يقول كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة، لكن بغير سند!

هناك لدينا أرقام أُخرى – إخواني وأخواتي -، إذن لدينا الخلاف في ماهية مَن قُتِل، هل يُقتَل كل رجل أو يُقتَل المُقاتِل؟ وفرق بين رجل ومُقاتِل، بينهم عموم وخصوص، كل مُقاتِل رجل، لكن ليس كل رجل مُقاتِلاً، وهذا لابد أن نُحقِّق فيه القول، أيضاً في العدد، هناك مَن يقول تسعمائة، وهذا أكثر شيئ، وهناك مَن يقول دون ذلك، أي ثمانمائة أو سبعمائة أو ستمائة يا إخواني.

فمثلاً الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان وسنده صحيح، هؤلاء جميعاً رووا عن صاحب رسول الله جابر بن عبد الله – رضوان الله عليه – أن عددهم كان أربعمائة، الذين قُتِلوا أربعمائة، وهذا حديث يُقال على أساس إنه صحيح، وهو عن صحابي، قال كانوا أربعمائة، عند موسى بن عُقبة في المغازي – هذا أحد مُتقدِّمي كاتبي السيرة النبوية الشريفة، اسمه موسى بن عُقبة – كانوا ستمائة، موسى بن عُقبة في كتابه المغازي قال كانوا ستمائة، وجرى عليه الإمام أبو عمرو بن عبد البر في كتابه في السيرة الدُرر في اختصار المغازي والسير، صحَّحه! قال هذا صحيح، أنهم كانوا ستمائة.

إذن عندنا أربعمائة، عندنا ستمائة، عندنا سبعمائة، عندنا ثمانمائة، وعندنا تسعمائة، العجيب الآن – أي هناك قفزة حقيقية، قفزة كمية لافتة – أن حُميد بن زنجويه – رحمه الله تعالى – في كتابه الأموال روى الآتي، وهذا إمام ثقة، في كتابه الأموال روى بسنده المُتصِل عن الإمام الزُهري أنه قال وقُتِل منهم يومئذ أربعون رجلاً، أربعون! أي بين أربعين إلى أربعمائة إلى تسعمائة فوارق لافتة، كبيرة جداً جداً، قال وقُتِل منهم يومئذ أربعون رجلاً، يقول أربعون رجلاً!

مثل هذا الأثر لحُميد بن زنجويه في الأموال ورد أيضاً – أي ورد مثله أو ورد هو في الحقيقة – مرة أُخرى، نفس الأثر ورد لكن من رواية أبي عُبيد القاسم بن سلّام، الإمام الثقة الجليل، هذا الإمام روى في كتاب الأموال له أيضاً – الأموال لزنجويه، والأموال لأبي عُبيد – الآتي، روى في الأموال أبو عُبيد القاسم بن سلّام بإسناده أيضاً عن الإمام الزُهري فقُتِل منهم يومئذ كذا وكذا رجلاً، قال كذا وكذا، لكن في النُسخة الشامية – يقول مُحقِّق الأموال لأبي عُبيد هذا الكتاب له نُسخ، في النسخة الشامية موجود الآتي، ويبدو أن هذا راجح – فقُتِل منهم يومئذ أربعون رجلاً، لأن الأثر نفسه عن الزُهري، وعند ابن زنجويه أربعون، وهنا كذا وكذا، وفي إحدى النُسخ أربعون، كأن بعض النسّاخ ربما استصغر أو استقل، لم يُعجِبه هذا الرقم، فعبث بالنص للأسف الشديد، لكن في النُسخة الشامية أربعون رجلاً أيضاً، وهذا مُهِم.

الآن – إخواني وأخواتي – لابد أن نطرح بعض التساؤلات بصدد ماجريات هذه الواقعة الشهيرة، لنفترض – إخواني وأخواتي – وسطياً أنهم كانوا خمسمائة، أي هناك مَن يقول كانوا أربعين، هناك مَن يقول كانوا تسعمائة، ووسطياً طبعاً أقل من هذا بكثير، لكن لنقل هذا، لنقل أنهم كانوا في المُتوسِّط خمسمائة، وهذا أيضاً لا نستريح إليه البتة، بالحري هم كانوا أقل من هذا بكثير، كما سيتضح – إن شاء الله – أو يضح بُعيد قليل، لكن لو قلنا إنهم كانوا وسطياً خمسمائة كم كان سيكون أو كم عساه يكون عدد مجموع القرظيين الذين استُنزِلوا من الحصون وأوتي بهم المدينة المُنوَّرة؟! ليس أقل ربما من ثلاثة آلاف، لأن هناك خمسمائة مُقاتِل، جاهِزون للقتل، أو مُستحِقون ومُستأهِلون للقتل، وربما مُعظَمهم من عائلات مُستقِلة، وربما يكون بعضهم – اثنان مثلاً – من نفس العائلة، لنقل بحسبة بسيطة سيكون المجموع تقريباً بهؤلاء المُقاتِلين ثلاثة آلاف، بعض الناس بالغ وقال خمسة آلاف، لا! سنقول العائلة القرظية وسطياً – العرب كانوا يُحِبون أن يستكثروا من النسل ومن الذُرية، سواء كانوا مُسلِمين أو غير مُسلِمين، العرب كانوا هكذا، وهؤلاء اليهود كانوا عرباً في الشائع – من ستة أنفار، العائلة ربما تكون من ستة أنفار وسطياً، ستة أنفار! ففيها مُقاتِل أو مُقاتِلان، فهكذا يكون تقريباً المجموع زُهاء ثلاثة آلاف.

هل من المعقول أن الرسول – عليه السلام – يستنزل ثلاثة آلاف؟ وطبعاً هؤلاء لن يجدوا ركوبة، لا تُوجَد مراكب تحمل ثلاثة آلاف، سيركب بعض الناس، ويقتادون هؤلاء، وسيمشون، وهذا هو الظاهر، أنهم أتوا مشياً، أي من ست إلى سبع ساعات في المُتوسِّط، لكن هؤلاء فيهم ضعفة، فيهم صغار، وفيهم عجزة، ربما امتد هذا عشر ساعات، أي ربما استغرقت هذه المسيرة عشر ساعات، فهل من المعقول أن الرسول وهو القائد المُحنَّك عسكرياً وغير عسكري – في كل ميادين القيادة والإدارة – يستنزل هؤلاء وهم زُهاء ثلاثة آلاف ويأتي بهم مسافة أو مسيرة تسع أو عشر ساعات مع احتمال أن يتمرَّد بعضهم وأن يُحاوِل أن يفر بعضهم؟! لماذا يفعل النبي هذا؟! لماذا يستنزل كل هذا العدد؟!

لكن انتبهوا، من الصعب أن نُشكِّك في حقيقة أن النبي فعلاً أتى بهؤلاء القرظيين إلى المدينة، فإن كان هذا حصل فهذا يُرجِّح من جهة أُخرى أن العدد كان أقل من هذا بكثير، العدد لم يكن ثلاثة آلاف، وبالتأكيد المُقاتِلون الذين قُتِلوا لم يكونوا خمسمائة ولا ستمائة ولا أربعمائة، أكيد كانوا أقل من هذا بكثير، فهذا يجعلنا نتساءل – إخواني وأخواتي -.

بعد ذلك كيف أمكن استيعاب هذا العدد الهائل – ثلاثة آلاف -؟ هل تستوعب هذا العدد داران: دار أسامة بن زيد، ودار بنت الحارث النجّارية؟ هذا بعيد جداً جداً، ما هذه الدار التي تستوعب زُهاء ألف وألفين؟ من الصعب جداً، ثم كيف تم تأمين حاجات هؤلاء من أكل طبعاً وشرب وبالذات حاجة قضاء الحاجة؟ والمدينة وقتها في ذلكم الإبان لم تكن عرفت الكُنف، غير معروف فيها الكُنف، أي المراحيض كما نقول – أعزكم الله -، إنما كان الناس يخرجون إلى المناصع، كما في حديث الإفك، عائشة تذكر أنهم ما كانوا يعرفون الكُنف، وإنما كانوا يخرجون إلى المناصع، يخرجون بين النخل، في الأرض يتبرَّزون ويقضون حوائجهم، فكيف تم تأمين قضاء الحاجة لثلاثة آلاف من البشر الكبار والصغار؟ أي بعيد جداً من حنكة النبي وحُسن تدبيره أنه يعلم أن عدد هؤلاء هو هذا العدد ثم يأتي بهم إلى المدينة المُنوَّرة، لا! هذا كله يُشكِّكنا في حقيقة هذه النُقطة بالذات.

بعد ذلك لِمَ تقرَّر أن يُعدَم هؤلاء المُجرِمون الخونة – وهم في الحقيقة خونة أكثر منهم أسرى حرب، أي من الصعب أن نقول هؤلاء أسرى حرب، هؤلاء خونة، وأُخِذوا بجريمة الخيانة العُظمى، أُخِذوا بجريمة الخيانة العُظمى ونقض العهد والغدر وإخفار الذمة – لدى سوق المدينة؟ لِمَ يُقرِّر النبي أن يُعدِم هؤلاء هناك؟ وكما قلنا وسطياً نقول هم الآن أو إلى الآن من باب التنزل والاعتباط خمسمائة، لِمَ يُقرِّر أن يعدمهم في المدينة المُنوَّرة وأن يخد لهم أخاديد وأن يحتفر لهم أحافير في سوق المدينة أو لدى سوق المدينة مع علم النبي وعلم كل أحد أن هذا قد يُهدِّد المدينة بوباء؟ هذه جُثث، عدد هائل من الجُثث، تُوارى التراب، وبعضهم أكيد يحمل أمراضاً سارية أو غير سارية، بلا شك مثل هذا العدد قد يُهدِّد المدينة ويُهدِّد جو المدينة بانتشار أوبئة وجراثيم أوبئة وأمراض قد يكون بعضها فتّاكاً، أليس كان الأولى أن يقتلهم النبي – مثلاً – لدى حصونهم أو أسفل حصونهم بدل أن يفعل هذا بالمدينة؟!

ثم هناك شيئ أعجب من هذا، لِمَ لَمْ يقتادهم النبي إلى الخندق؟ هو اقتادهم من قريظة ومن حصونهم إلى المدينة، وكان الأيسر بكثير أن يقتاد هؤلاء الخمسمائة من المدينة إلى خندق المدينة، الخندق الذي – كما قلت لكم – بطول خمسة كيلات Kilos، أي خمسة كيلومترات Kilometers، كبير جداً وعميق وعريض ويستوعب كل هؤلاء بسهولة، ويبقى الخطر بعيداً! لم يُذكَر لنا على الإطلاق أن النبي فعل هذا، فما القصة؟

كونوا معنا بعد هذا الفاصل، بارك الله فيكم.

أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم إخواني وأخواتي من جديد.

أيضاً ثمة نُقطة أُخرى مُهِمة – أيها الإخوة والأخوات – تتعلَّق بما عُرِف وما تأكَّد أو تأكَّدت معرفته عن رسول الله – عليه السلام -، أنه كان بالغ الكراهية وعظيم الكراهية لسفك الدماء، يكره سفك الدماء وإسالة الدم، لا يتوسَّع في الدماء – عليه الصلاة وأفضل السلام -، كل حياته تُؤكِّد هذا، كل سيرته العسكرية تُؤكِّد هذا، ولسنا ملزوزين أو مُضطَرين أن نضرب الأمثلة، لكن هناك المثال المشهور، وبالحري سمعتموه عشرات المرات، وهو أنه – عليه الصلاة وأفضل السلام – في مُجمَل حروبه وسراياه لم يسقط من الفريقين – من المُسلِمين والكفّار – إلا أقل من أربعمائة، بالتحديد كانوا ثلاثمائة وستة وثمانين، ثلاثمائة وستة وثمانون الذين سقطوا، بعض الناس يقول لا، حوالي ألف ومائتين أو ألف وثلاثمائة، وحتى لو كانوا ألف وخمسمائة هذا قليل جداً جداً في أكثر من أربعين حرباً بين غزوة وسرية، قليل جداً! لكن المشهور والمُحقَّق ثلاثمائة وستة وثمانون، مائتان وثلاثة من المُشرِكين، ومائة وثلاثة وثمانون من المُسلِمين.

بل إن العلّامة الهندي الأصل محمد حميد الله – رحمة الله تعالى عليه، هذا علّامة كبير، وباحث كبير، ودرس السيرة وظل يُعيد النظر فيها ودراستها لأكثر من ستين سنة، وله كتاب في السيرة في أزيد من ألف صفحة – في كتابه الماتع ميادين القتال في عهد الرسول أو في عصر الرسول – عليه السلام – حقَّق وانتهى بتحقيقه إلى أن الذين سقطوا في حروب رسول الله من الفريقين مائة وخمسون فقط، ليس ثلاثمائة وستة وثمانين، مائة وخمسون فقط! وهذا عجيب، هذا رأي جديد.

على كل حال فهل يُعقَل أن النبي يأذن ويأمر بقتل خمسمائة أو تسعمائة في يوم أو يومين أو ثلاثة أيام ثم لا يثبت هذا عنه ثبوتاً مُؤكَّداً ويترك في أغوار الذاكرة صورة لا تنمحي لدى كل مَن شهد هذا الحدث الفظيع الكبير، بحيث تتواتر لدينا الروايات بضبط هذا العدد – أنه قُتِل خمسمائة أو قُتِل ستمائة أو قُتِل تسعمائة -؟ وهذا لم يحدث، كما قلت لكم لا تُوجَد هذه الأرقام في الصحاح، الصحاح خالية من هذه الأرقام، والقضية يكتنفها غموض والتباسات من شتى جوانبها، لكن على كل حال قتل هذا العدد يختلف تماماً مع روح رسول الله، ومع روحه العسكرية، ومع روحه النبوية والإنسانية.

طبعاً من المعلوم أن العرب وبما فيهم المُسلِمين لم يكونوا قد عهدوا في ذلكم العصر أو تلكم الأعصار موضوع التقييد والسجلات، لم تكن هناك سجلات، ولم يكن هناك تقييد لأرقام الجرحى وأرقام الأسرى وأعداد القتلى والشهداء، هذا غير معروف! وفي غياب – إخواني وأخواتي – هذا التسجيل والتقييد ماذا حدث؟ حدث على طريقة العرب أن انفسح الأُفق، وتاحت الفُرصة للمُبالَغات في الأعداد والإحصاءات، مُبالَغات في كل شيئ! وقد سجَّل الدارسون في الشرق والغرب على العرب هذه النُقطة بالذات، أن العرب لديهم نزوع – إخواني وأخواتي – للمُبالَغة في الأرقام، أي العشرة يُمكِن أن تقفز إلى مائة ويُمكِن أن تقفز إلى ألف، لدينا مُبالَغة عجيبة في الأرقام.

ولذلك في الروايات حتى الصحيحة تجدون أن هناك اختلافات فاحشة بين التقديرات والأرقام، بما يتعلَّق بالخندق – مثلاً – ذاتها كم كان عدد جيش المُسلِمين؟ الأحزاب كانوا عشرة الآف، والمُسلِمون كم كانوا؟ لدينا ثلاثة أرقام مشهورة: قيل ثلاثة آلاف، وهذا عدد كبير ونستبعده، قيل لا، أقل من هذا، وهو تسعمائة، وهذا الذي صحَّحه الإمام ابن حزم في جوامع السيرة، وقيل سبعمائة، وبين السبعمائة والثلاثة آلاف فرق كبير، أي واحد إلى ثلاثة، الثُلث! مُبالَغة مرتين أو ثلاث مرار، هكذا يُبالَغون.

هناك شهداء بئر معونة – مثلاً -، لدينا قصة شهداء بئر معونة، كم الذين استُشهِدوا في بئر معونة؟ عند أحمد والبخاري كانو سبعين، عند محمد بن إسحاق كانوا أربعين، عند ابن حبيب كانوا ثلاثين، وبين الثلاثين والسبعين فرق كبير وفاحش أيضاً، فلدينا هذه المُبالَغات!

الأمر نفسه حين يتحدَّثون عن شهداء نجران في القصة المعروفة، كم كانت عدة شهداء نجران؟ قيل كانوا مائتين، وقيل لا، ليس مائتين، وإنما كانوا ألفين، ضرب في عشرة الآن، من مائتين قفزنا إلى ألفين، وهذا معروف عند العرب، المُبالَغة!

وعلى فكرة يُحِبون أن يُبالِغوا في أعداد ضحايا الطرف الآخر، كأن هذا يزيدهم نصراً أو يُؤكِّد النصر، أن الذين سقطوا لم يكونوا مائة، بل كانوا ألفاً، يزيدهم نصراً على نصر أو يُؤكِّد نصرهم، فنحن في شك من هاته الأرقام.

ولذلك – إخواني وأخواتي – لم يثبت شيئ يُعتَد به أو شيئ يُقبَل بحيث موازين علم الحديث لا عن عائشة ولا عن عليّ ولا عن الزُبير في عدد قتلى بني قريظة، ولماذا نحن ذكرنا هؤلاء؟ هؤلاء لهم علاقة بالأمر، عائشة روت أشياء، عليّ والزُبير يُذكَران بالذات لأنهما بحسب الواقدي وغير الواقدي كانا هما اللذين توليا قتل مُقاتِلة بني قريظة، وأيضاً هذا قد يكون بعيداً، وإن كان صحيحاً – إخواني وأخواتي – فهو يُساعِدنا، لماذا؟ لأن أن يتولى اثنان فقط من فرسان الصحابة قتل هؤلاء هذا يدل بطريقة واضحة على أن عدد المقتولين كان عدداً يسيراً جداً، الواقدي يقول عليّ والزُبير هما اللذان توليا ذلك، وقتلوهم أو قتلاهم في يوم واحد أو في ثلاثة أيام.

بصدد هذا نتساءل هل يُمكِن لبشر – أياً كان هذا البشر، كان عليّاً أم الزُبير أم غير عليّ والزُبير – أن يقتل هذا العدد الهائل في يوم أو حتى في ثلاثة أيام دون أن يهتز نفسياً، بل دون أن ينهار نفسياً؟ هل يُمكِن لبشر أن يذبح بيده خمسمائة من البشر أو ثلاثمائة أو مائة من البشر ثم لا ينهار نفسياً وعصبياً؟ فالإنسان لا يُطيق هذا، الإنسان بطبعه لا يقدر، أي حتى هذا منظور سيكولوجي، الإنسان لا يُطيق هذا، لكن إن ثبت فعلاً أن عليّاً والزُبير هما اللذين قتلا المُقاتِلة فقد يكون عدد هؤلاء المُقاتِلة عشرين أو سبعة عشر أو ستة عشر وقد يكون أربعين أو خمسين، وليس أكثر من هذا بكثير، فهذا مُمكِن، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

على كل حال هي تساؤلات، لابد أن نتساءل، ثم لو قُتِل مثل هذا العدد الكبير ماذا كان سيكون ردة فعل يهود المدينة – الذين يعيشون في المدينة -؟ كانوا سيُرعَبون، سيفزعون، سيخافون من يوم قريب ربما يكون مصيرهم هذا المصير، وبالحري سيتجه بعضهم إلى الفرار ومُغادَرة المدينة إلى أي صقع من الأصقاع وإلى أي بُقة يرونها آمن وأشرف وأحسن من هذه البُقعة، وقد شهدوا مقتل أبناء دينهم بهذه الأعداد المُفظِعة، مئات! خمسمائة أو تسعمائة، لكن التاريخ يُحدِّثنا أن يهود المدينة لم تبدر منهم أي بادرة، وعاشوا – وعاشوا بعد ذلك – وافرين مُطمئنين.

مونتجمري وات Montgomery Watt يُحدِّثنا أن يهود المدينة – أي هذا استغربه هو – بعد وقعة بني قريظة ظلوا يعيشون في سلام وهناء، عيشة طبيعية عادية، يُمارِسون تجاراتهم ومعائشهم دونما أي تغير، بل يُحدِّثنا الواقدي – إخواني وأخواتي – في المغازي أن عشرة من يهود المدينة حين ذهب النبي في السنة السابعة إلى خيبر ذهبوا معه يُقاتِلون ضد يهود خيبر، كانوا مُقتنِعين، إذن ما هذا؟ لم يحدث هذا الشيئ.

ابن حزم في كتابه جمهرة أنساب العرب أكَّد هذا، حين تقرأون هذا الكتاب ترون في مواضع كثيرة ما يدل على بقاء جماعات من اليهود في المدينة المُنوَّرة بعد وقعة الخندق وقريظة، فمن الصعب جداً أن يكون هذا حدث – إخواني وأخواتي -.

بعد ذلك قُتِلوا ووروا التراب في خنادق خُندِقت لهم أو خندق في سوق المدينة، أين هذه الخنادق؟ أو أين ذاك الخندق؟ هذه مذبحة كبيرة، تاريخياً لا يُمكِن أن يتم هذا الشيئ دون أن يبقى هذا معلماً يُعرَف على الأزمان، يُقال هذا الخندق الذي قُتِل فيه مائتان من مُقاتِلة بني قريظة أو خمسمائة أو تسعمائة، لكن هذا غير موجود، لا أثر لهاته الخنادق أو لذاك الخندق على الإطلاق، أي هذا جغرافياً لابد أن يُعرَف في هذا المكان.

هناك شيئ أغرب من هذا يا إخواني، في الوقت الذي بدأ يُسجِّل فيه محمد بن إسحاق السيرة – ومحمد بن إسحاق مُتوفى سنة مائة وإحدى وخمسين – لم تذكر شيئاً عن هذا رئاسة يهود المنفى والمُسماة برئاسة الجالوت، رئاسة الجالوت موجودة في بابل العراق، والذي يتزعَّم هذه المُؤسَّسة الدينية يُسمى ويُدعى رأس الجالوت، ومن المعروف عن اليهود عبر التاريخ أنهم مُولَعون ومُغرَمون بتسجيل مآسيهم ونكباتهم وكوارثهم، وهم يزخرفونها ويزيدون فيها ويُعنون بها جداً، يتمعيشون عليها، جميل جداً!

لم ترد أدنى إشارة – إخواني وأخواتي – من رئاسة الجالوت إلى مذبحة بني قريظة، ولا حتى مُجرَّد إشارة! مما يدل على أنها لم تكن مذبحة، كانت إجراءً عسكرياً معروفاً ومأنوساً في تلكم الأزمان، أن النبي ربما – وهذا الذي نُرجِّحه – قتل رؤوس هؤلاء الخونة، رؤوس هؤلاء المُقاتِلين، وهذا الذي يُعطيه ظاهر كتاب الله – تبارك وتعالى -، القرآن يقول هذا، يقول هؤلاء الذين غدروا وخانوا وأخفروا الذمة لم يُقتَلوا كلهم، بل قُتِل أقلهم، كيف؟ أين يقول القرآن الكريم هذا؟ سنقوله بعد قليل بإذن الله – تبارك وتعالى -.

على كل حال مُهِم جداً أن نُؤكِّد ان رئاسة الجالوت في بابل العراق لم تُسجِّل أدنى مُلاحَظة بصدد قضية مذبحة بني قريظة، في الوقت الذي كان فيه يُسجِّل محمد بن إسحاق السيرة ويكتب ماجريات هذه الحادثة، ويقول بلا سند وكانوا بين الستمائة والسبعمائة، والمُكثِّر لهم يقول كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

أيضاً مما يلفت – إخواني وأخواتي – أن اليهودي الاسباني الأصل – أعتقد كان من لشبونة، نعم! كان من Lisbon، أي كان من لشبونة – وهو صامويل وسكي Samuel Usque فعل الشيئ نفسه، صامويل وسكي Samuel Usque هذا يهودي، تُوفيَ سنة ألف وخمسمائة وخمس وخمسين، كتب كتاباً اسمه عزاء عن بلايا بني إسرائيل، أو عزاء بصدد بلايا بني إسرائيل، وطُبِع بالإنجليزية بعد ذلك، على كل حال هذا الكتاب كما يعرف المُؤرِّخون ودارسو تاريخ اليهود يذكر مصائب بني إسرائيل وكوارثهم عبر الأزمان إلى زمنه بدقة عجيبة وبروح شاعرية، ويُنمِّق فيها ويستدر الدموع من المآقي ويُفصِّل تفصيلات ويُسهِب إسهابات، لم ترد في كتاب عزاء عن بلايا أو لبلايا بني إسرائيل لوسكي Usque أدنى إشارة إلى مذبحة بني قريظة، لم ترد أدنى إشارة إلى مذبحة بني قريظة! مما يدل أيضاً من طريق أُخرى على أن هذه المذبحة أو هذه الإبادة أو الجينوسايد Genocide لم تقع أصلاً، وإنما قُتِل جماعة من قادة هؤلاء المُجرِمين الخائنين، خائني العهد والحلف والأوطان، فهذا الذي حصل.

كما قلت لكم في كتاب الله – تبارك وتعالى – وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ۩، الآن الأصل في اللُغة العربية يا إخواني وفي النحو العربي أن يتقدَّم العامل على المعمول، أي وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ۩ هذه على الأصل، لكن فَرِيقًا تَقْتُلُونَ ۩ هذه خرجت عن الأصل، المعمول تقدَّم على عامله، المفعول به تقدَّم على الفعل والفاعل، فَرِيقًا تَقْتُلُونَ ۩ أنتم، لماذا؟ لابد أن يكون لهذا نُكتة، لابد أن يكون لهذا سر مُعيَّن، ما هو السر في هذا التقديم؟

يقول العلماء أصحاب الذائقة البلاغية الحقيقية، يقولون تقديم المعمول على العامل مُؤذِن بأهميته، أيضاً – إخواني وأخواتي – ومُؤذِن بمعروفيته، أن هذا الفريق الذي تم قتله معروف للمُشاهِد، معروف للمُراقِب، فهذا مُؤذِن بأنهم كانوا القادة ورؤوس الخيانة والغدر والنذالة والخساسة، وأن عددهم كان منزوراً يسيراً، لذلك انتبهوا، محمد بن إسحاق الذي قال ستمائة وسبعمائة لما ذهب في موضع آخر يُحصي مُقاتِلة بني قريظة ذكر منهم سبعة عشر مُقاتِلاً، هؤلاء هم الرؤوس، فلعل الذين قُتِلوا لم يكونوا أكثر من سبعة عشر، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

الله يقول فَرِيقًا تَقْتُلُونَ ۩، هم مُهِمون لأنهم القادة، لأنهم الرؤوس، وأيضاً هم معروفون، ولا يكونون معروفين بحيث لا ينساهم المرء وتُسجِّلهم التاريخ إلا إذا كانوا منزورين، كانوا قليلين، بعكس الذين أُسِروا، كانوا أكثر، وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ۩، هذا فريق أكبر وأكثر يا إخواني.

على كل حال من طرف آخر أو من جهة أُخرى هذه الآية الجليلة تُؤكِّد أنهم لم يُقتَلوا جميعاً، قد يقول لي أحدهم نعم، أُسِر النساء، وهذا غير صحيح، النساء يُسبين، قد يقول وأُسِر الصبيان، وهذا غير صحيح، الصبية أيضاً هؤلاء يدخلون في السبي، الله يقول وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم ۩، يتحدَّث عن الخونة، عن المُقاتِلة فعلاً، الذين قاتلوا، والذين ترأسوا هذا المشروع الخسيس النذل، وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ۩، ثم يقول فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ۩، أيضاً من هؤلاء، أكثرهم أُسِر ولم يُقتَل، بعضهم قُتِل، وبالحري يكونون الرؤوس – كما قلت لكم -، الذين باءوا وتولوا كبره، أي باءوا بإثمه وتولوا كبر الخيانة، هذه إشارة قرآنية عجيبة، لا يُلتفَت إليها كثيراً.

على كل حال سمعتم أنتم في بداية الحلقة أنه في بعض الروايات في الصحيح قال المُقتِلة، في حديث أبي سعيد الخدري – مثلاً – تُقتَل المُقاتِلة، فمَن هو المُقاتِل؟ ونحن طبعاً نُرجِّح هذا اللفظ على لفظ يُقتَل الرجال، لا! قال المُقاتِلة.

المُقاتِل قد يكون مَن قاتل فعلياً، وقد يكون الصالح للقتال، لكن لو أخذنا إحصاء أسماء المُقاتِلة عند ابن إسحاق وعند أبي القاسم السُهيلي في الروض الأُنف وأنهم كانوا سبعة عشر وأخذنا بإشارة القرآن الكريم فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ۩ ربما يترجَّح لدينا – إخواني وأخواتي – أن المُقاتِلة هم الذين قاتلوا فعلياً، وتولوا كبر الخيانة، والله أعلم بعددهم، قد يكونون كانوا سبعة عشر أو ربما ثلاثين أو أربعين أو حتى سبعين، لكن ليس مئات، هذا نستبعده جداً، والله – تبارك وتعالى – أعلم.

أيضاً يا إخواني هذه مقتلة، أنا أقول مقتلة، هذه مقتلة، سواء لعشرين أو لثلاثين، لكن ليست مذبحة، وليست مجزرة، وليست إبادة، انتبهوا من خداع العناوين، يقولون إبادة! وللأسف بعض المُسلِمين حتى يكتبون في كُتبهم إبادة بني قريظة، كلمة إبادة هي المُعادِل المعنوي لمُصطلَح ومفهوم جينوسايد Genocide، أي تطهير عرقي، إبادة تامة على أساس مُعيَّن، وحاشا لله يا إخواني، كيف يُقال إبادة مع أن الرسول على الأقل – هذا على الأقل، في أسوأ الظروف – لم يقتل النساء ولم يقتل الصغار؟! في أسوأ الظروف قتل الرجال، هكذا يُريدون أن نعتقد، فهذه ليست إبادة إذن، لو كانت إبادة لأباد خضراءهم، لأباد الكبير والصغير، فلا نقول إبادة، أنا أُحبِّذ مُصطلَح عقاب بني قريظة وعقاب المُقاتِلين أو مقتلة هؤلاء المُجرِمين.

هذه المقتلة – إخواني وأخواتي – تتجمَّع فيها وتتمتَّع وتحوز تقريباً مُعظَم سمات حكايا المذابح الدينية في التاريخ، وخاصة التي كانت تقع لليهود ولبني إسرائيل، أول شيئ هو أن عدد الضحايا أقل بكثير من عدد الجلّادين، من عدد أعدائهم، وهذا واضح طبعاً، وهذا واضح أيضاً في قصة الماسادا، قلعة الماسادا في فلسطين، التي حاصرها الرومان من سنة سبعين، وظلت مُحاصَرة إلى سنة ثلاث وسبعين، ثم قُتِل مَن فيها، وكانوا أقل من مائة في المشهور، إزاء جيش روماني لجب، أيضاً في عدد شهداء نصارى نجران يضح هذا، هذا يُوجَد في المذابح الدينية عموماً – كما قلنا -، سواء يهودية وغير يهودية، نصارى نجران مع يوسف ذي يزن الحميري كان عددهم أقل بكثير من عدد جيش الحميري هذا.

هذا ما حدث على كل حال، ولذلك المُستشرِق الإنجليزي الشهير ألفريد جيوم Alfred Guillaume يرى أن العقل اليهودي والخيال اليهودي أسقط مذبحة الماسادا على بني قريظة، نوع من الــ Projection، قال هذا إسقاط، هناك إعادة إنتاج، أي Reproduction، قال أعادوا إنتاج حكاية الماسادا في شكل بني قريظة، وهو يُشكِّك في هذه المعلومات وهذه الأعداد وهذه الأشياء المهولة.

طبعاً القسمة الثانية والسمة الثانية هي أن هؤلاء الضحايا خسروا حياتهم وصاروا ضحايا بسبب ماذا؟ الخيانة، خانوا! بسبب خيانة الرومان، خيانة حاكم المدينة، خيانة محمد – عليه السلام -.

الشيئ الثالث هو بروز أبطال في شكل دراماتيكي وفي شكل دراماوي، يكونون مُؤثِّرين، يعتزون بدينهم، يتلون توراتهم حتى آخر ليلة، يتقدَّمون للموت برؤوس مرفوعة وأنفس راضية، لا يتراجعون، لا يتخاذلون، كما سمعنا طبعاً عن حُيي بن أخطب وماذا قال، قال هذه مجزرة وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل ثم تقدَّم، نفس الشيئ! هذا في بني قريظة، هذه السمة تبدو، ولذلك هذا نوع من الإسقاط فعلاً.

الزُبير بن باطا – الزُبير بن باطا القرظي – يشفع فيه ثابت بن قيس، والرسول يهبه له، يقول له انتهى، هو لك، فيسأله – أي يسأل ثابت بن قيس، كان بينهما صداقة قديمة، يقول له الآتي، وله عليه معروف ويد – عن أصحابه، يقول لثابت بن قيس وهو الصحابي الجليل، يقول له ما فعل فلان؟ ما فعل حُيي؟ ما فعل كعب بن أسد؟ يقول قُتِلوا، يقول لا والله، ما في العيش بعدهم خير، ويتقدَّم لكي يُقتَل، فيشفع ثابت بن قيس عند رسول الله في أهله، يقول يا رسول الله فهب لي أهله، أي زوجته وأولاده، فيهبهم له.

فهذا المشهد البطولي يتكرَّر في المذابح الدينية، وأيضاً هو موجود هنا، طبعاً في نهاية المطاف ولا يبقى من هؤلاء الضحايا إلا قلة، تبقى لتروي وتبقى لتحكي، وقد بقيت قلة من هؤلاء لتحكي وتروي، مذكورة أخبارهم.

لابد يا إخواني أيضاً أن ننتبه إلى مسألة مُهِمة جداً، أن جُملة من أخبار هؤلاء – من أخبار بني قريظة ومقتلة بني قريظة – رواها قرظيون، مِمَن أسلموا بعد ذلك، لا بأس! هذا حسن، هم أسلموا، ولكنهم سلالياً هم يهود ومن أحفاد بني قريظة، وبعضهم كان شاهد عيان، مثل عطية القرظي، الذي يقول وكُشِفت، فوجدوني لم أُنبِت، فخُلي سبيلي، أليس حرياً بنا بحس تاريخي وبحس نقدي أن نُشكِّك في روايات هؤلاء ومروياتهم؟

العجيب أن ابن حبان في كتابه الثقات – رحمة الله تعالى عليه – يروي عن الإمام مالك بن أنس – إمام دار الهجرة – الآتي، يروي عنه أنه كان يعيب ويُنكِر على ابن إسحاق – محمد بن إسحاق، وطبعاً كان بينهما خصومة، ونعرف هذا، كان بينهما خصومة شديدة، لكن كان يعيب الإمام مالك على محمد بن إسحاق الآتي – أنه يروي المغازي – مغازي رسول الله – عن مَن؟ عن أهل الكتاب، يقول عن أبناء اليهود الذين أسلموا، الإمام مالك يُنكِر على ابن إسحاق أنه يروي المغازي عن أهل الكتاب، وفعلاً هذا ما فعله ابن إسحاق، مالك بحسه الروائي وبحسه النقدي يعلم أن هذا خطأ، من الناحية المنهجية خطأ، هؤلاء سيجعلون من الحبة قُبة، وربما يتزيَّدون ويضعون أشياء لم تكن لها أي مصداقية تاريخية، فيقول يروي المغازي – مغازي رسول الله – عن أبناء اليهود الذين أسلموا، لا ينبغي حتى وإن أسلموا أن نروي عنهم، فهذا ما ذكره ابن حبان، واعتمده الإمام الذهبي في تهذيب التهذيب، وذكره غير واحد.

من رواة القصة – كما قلت لكم – محمد بن كعب القرظي، هذا التابعي الجليل كان من الأولياء كما يُقال، ومن الزُهّاد والمُتصوِّفة، لكن هذا من الرواة، أبوه كعب القرظي، وهو من سبي بني قريظة، هذا أحد الرواة! منهم عطية القرظي، منهم المسور بن رفاعة بن أبي مالك القرظي، يروي عن عمه ثعلبة بن أبي مالك القرظي، وعمه هذا يا إخواني كان أيضاً من سبي بني قريظة، فهؤلاء إذن من أبناء اليهود، وهناك أكثر من شخصية، فما ينبغي ولا يسوغ أن نتغافل عن تحيز هؤلاء المُحتمَل بل المُرجَّح في رواياتهم لهذا الحدث التاريخي الفارق والحسّاس.

نأتي الآن يا إخواني إلى حديث عطية القرظي، حديث الإنبات! الذي أخرجه أحمد وأهل السُنن وابن إسحاق وابن هشام بالتبع، هذا الحديث رواه الإمام الترمذي، ونحن قلنا رواه أحمد وأهل السُنن، وقال حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، أي أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ما العمل إذن؟ العمل على أن الصبي إذا لم نعرف بعلامة واضحة جداً أو بأي دليل قاطع أنه احتلم واغتلم فيُمكِن أن نحكم ببلوغه عن طريق الإنبات، إذا نبت له شعر العانة، هذه علامة، هذا مذهب أحمد بن حنبل, يقول الإمام الترمذي هذا، لكن نقول هذا ليس مذهب كل الأئمة الأربعة، ليس مذهب كل الأئمة الأربعة! هذا مذهب أحمد ومذهب المالكية، لكن أبو حنيفة في الطرف الآخر، أي المالكية والحنابلة يقبلون الإنبات علامةً على البلوغ، أي علامة طبيعية كما يُقال على البلوغ، أما الإمام أبو حنيفة فلا يقبله مُطلَقاً، يقول لا، لا أقبل الإنبات علامةً على البلوغ، أما الشافعية فيجعلون الإنبات علامةً على البلوغ في أطفال وفي أولاد الكفّار ومَن لم يُعلَم إسلامه، أي مجهول الإسلام، أما في أولاد المُسلِمين فلا يُقبَل، أي الإنبات، لماذا؟ لسهولة مُراجَعة آباء هذا الولد المُسلِم، نستطيع أن نعرف منهم هل بلغ أو لم يبلغ، أما الكافر ومجهول الدين فلا نعرف، هذا رأي الشافعية!

إذن هذه المسألة ليست اتفاقية وليست إجماعية، ليست إجماعية! فإذن على بعض الآراء – على الأقل عند الإمام أبي حنيفة – الإنبات ليس علامة على البلوغ، فهل يقتل النبي وهل من هديه ومن رحمته أن يقتل مَن لم يبلغ وبالتالي مَن لم يُكلَّف على طريقة أبي حنيفة؟! ثم لو اعتبرناه مُكلَّفاً هل من رحمة رسول الله وهل من هديه – عليه الصلاة وأفضل السلام – أن يقتل مَن لم يُقاتِل فعلاً ومَن لم يُشارِك في القتال، فقط لأنه بلغ، وكان يُمكِن أن يُقاتِل، ولكنه لم يُقاتِل، وهو طفل صغير؟! النبي في المعركة حين تقوم وتدور رحاها – المعمعة الحمراء الضروس – نهى أن يُقتَل العسيف، الأجير الذي يحفظ ربما السلاح والمتاع والأدوية والماء، فكيف يأمر هنا بقتل هؤلاء الأطفال القرظيين الذين لم يُقاتِلوا أصلاً ولم يكن منهم قتال؟ هذا بعيد جداً من هديه – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

مسألة أُخرى أيضاً، التكييف الفقهي لطبيعة العلاقة بين رسول الله وبين يهود بني قريظة، هل كان ما بينهم – أي من العقد، أعني العقد – عقد ذمة أم عقد هُدنة وصُلح ومُوادَعة؟ الإمام الشافعي في الأم، الإمام ابن قيم الجوزية، الإمام الطبري، المقريزي في إمتاع الأسماع، وكثيرون تقريباً يُرسِلونه إرسال المُسلَّمات، أنه كان عقد هُدنة وصُلح، لكن لو كان عقد ذمة – تقريباً الذي كان مع اليهود داخل المدينة واضح أنه كان عقد ذمة – لاختلف الأمر، لماذا؟ لأنه في عقد الذمة إذا نقض بعضهم الذمة لا يُنتقَض عهد سائرهم، لكن في المُوادَعة، في الهُدنة، في الصُلح، وفي المُسالَمة إذا نقض بعضهم ولم يتبرأ الآخرون سائرهم من هؤلاء الناقضين ولم يُراسِلوا الإمام ببقائهم على عهدهم يُعتبَر النقض سارياً على الجميع، وهذه المسألة لابد من إعادة النظر فيها والتحقيق، لكن الوقت للأسف تضيَّق.

أخيراً لابد أن نُشير إلى مسألة مُهِمة جداً يا إخواني، ما هو حُكم يهود بني قريظة في كتابهم أو في توراتهم أو في أسفارهم المُقدَّسة؟ بسبب هذه الخيانة التي أتوها واحتقبوها ما حُكمهم؟ حُكمهم باختصار – إخواني وأخواتي – كما في سفر التثنية في الإصحاح العشرين هو الآتي، الله – تبارك وتعالى – يقول – هكذا يزعمون – حين تقرب – أي تقترب – من مدينة لكي تُحارِبها استدعها إلى الصُلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك – وفتحت لك أبوابها – فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبَد لك – هذا حُكمهم، يُصبِحون عبيداً لك، الذكور والإناث، الكبار والصغار -، وإن لم تُسالِمك – وأنتم طبعاً سمعتم أن يهود بني قريظة في الأيام الأولى راموا جيش رسول الله، لم يستسلموا، بل رموهم بالنشاب والسهام والنبل – بل عملت معك حرباً فحاصرها، فإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف – يقولون فاضرب جميع ذكورها بحد السيف -، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغتنمها لنفسك – فهؤلاء تأخذهم غنيمة -، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك.

أنا أقول لكم بكلمة النبي لم يفعل هذا، ولم يأخذ بحُكمهم، لكن باختصار كما لاحظ ألفريد جيوم Alfred Guillaume – المُستشرِق الإنجليزي الكبير – وغيره هم أسقطوا هذا على أنفسهم، هذا الــ Projection، عملوا قضية إسقاط، لو كانوا مكان النبي لفعلوا هذا، وقد فُعِل بهم مرات في التاريخ مثل هذا، فأسقطوا هذا على أن النبي فعل أيضاً بهم ومعهم هذا.

نحن نبرأ من هذا، ونُؤكِّد أن هذا من إسقاطاتهم، ونُذكِّرهم بأنه لو فعل لسجَّل الجاعون ورأس الجالوت هذا، هم حريصون على أن يُسجِّلوا كل الكوارث والمصائب التي مرت بهم، والله – تبارك وتعالى – وحده عنده العلم بحقيقة الحال.

أقول قولي هذا وأستغفر الله، وإلى أن ألقاكم في حلقة جديدة أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 11 أكتوبر 2013

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: