الرئيسية / التفريغات النصية / الدكتور عدنان إبراهيم ضيف برنامج حديث العرب على سكاي نيوز

الدكتور عدنان إبراهيم ضيف برنامج حديث العرب على سكاي نيوز

أهلاً بكم في لقاء مُتجدِّد من لقاءات حديث العرب، ضيفي هذا الأسبوع المُفكِّر الإسلامي الدكتور عدنان إبراهيم.

أهلاً وسهلاً دكتور عدنان.

– يا حياك الله دكتور سُليمان.

– اسمح لي أبدأ معك، أولاً شكراً جزيلاً لقبول دعوتنا في حديث العرب، ضيف مُهِم لنا ولمُشاهِدينا.

أسألك بدايةً هل تُعِد نفسك مُجدِّداً دينياً وداعية أم رجل دين؟

– بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه.

ابتداءً أيضاً من طرفي عزيزي الدكتور سُليمان أشكر لك هذه الدعوة الكريمة ولقناة سكاي نيوز Sky News التي أتمنى لها مُستقبَلاً زاهراً، وواضح أنها على طريقه – إن شاء الله تعالى -.

– شكراً.

– طبعاً أن أعد نفسي مُجدِّداً دينياً هذه غطرسة كبيرة، لست بتلك المكانة إطلاقاً ولا حتى قريب منها، بالنسبة لكلمة رجل دين أنا لا أُؤمِن بهذه الألقاب، إذا أردنا ولابد من استخدام هذا اللقب فكل المُسلِمين رجال دين، وإنما أنا رجل مُساهِم بفكري وعلمي اليسير القليل أو أُحاوِل أن أُساهِم في إنعاش العقل المُسلِم وتخطيط بعض أخطائه في مساره، ليس أكثر من هذا.

– نعم، وأنت تعلم أن أطروحاتك تُثير دائماً جدلاً كبيراً، سواء بين المُثقَّفين أو بين الإسلاميين – إذا جازت الصفة -.

– ربما ليس لكونها مُستفِزة بحد ذاتها بقدر ما هي حالة الجمود التي يعيشها العقل المُسلِم اليوم.

– هل تتعمَّد صدمات فكرية مُعيَّنة لإيقاظ هذا الجمود؟

– لا أتعمَّدها، لكن أنا واعٍ بها، لا أتعمَّدها، لكن أعرفها أنها ستصدم.

– نعم.

– ولذلك أنا لا أُنتِج هذه الأفكار أو أُحاوِل أن أبلورها لكي تكون صادمة، لكن هذا كما يُقال يأتي عرضاً وليس غرضاً، أي بطبيعتها هي هكذا كما قلت، وهذا عكس وترجمة لحالة الجمود وحالة التقليدية البالغة التي نعيشها مُنذ قرون للأسف الشديد.

– نعم، دكتور عدنان – إذا سمحت لي طبعاً – من حوارات سابقة معك أنا أعرف أنك مُعجَب جداً بتجربة التنوير مُنذ أيام محمد عبده ورشيد رضا، إلى آخره! ما رأيك أولاً في مُصطلَح التنوير الديني؟

– المُصطلَح طبعاً عزيزي الدكتور سُليمان مُقتبَس أو مأخوذ كما يُقال من التنوير الغربي، سواء كان الإنجليزي أو الفرنسي أو الهولندي، أي الــ Enlightenment أو الــ Erleuchtung كما يُقال، وأنا مُتعاطِف مع هذا المُصطلَح.

طبعاً بالإزاء قد يتساءل بعض الناس لماذا تُرسِلونه إرسال المُسلَّمات؟! قد تكونون أنتم الظلاميين، ونحن في الحقيقة الدُعاة المُتمسِّكين بحرفية النصوص وحرفية الأحكام الشرعية، نحن أهل التنوير، نحن على نور من ربنا!

في الحقيقة وبكل بساطة يا دكتور هذا يُمكِن اختباره بسرعة على وجه العجل، كيف يكون تنويراً ولا يكون ظلاماً؟ تفكير ومسالك وسلوكات تتأدى بنا إلى القتل، إلى التفجير، إلى الذبح، إلى التكاره، إلى التباغض، إلى التلاعن، إلى الحُكم على نوايا الناس وطوايا الناس، إلى تشتيت شمل الأمة وتمزيق وحدة الأمة، بالعكس! هذا ظلام وإظلام شديد جداً جداً، كل جُهد بالإزاء يتوخى ويتغيا الأهداف المُعاكِسة مثل توحيد الأمة وتوليف الأمة وتقريب الشُقة بين فئات الأمة على اختلافها – والأمة هنا بمعنى المُواطَنية الواسع، وليس الأمة بالمعنى حتى الديني المِلي حقيقةً – لابد وحرياً وقيمناً به أن يكون تنويراً.

– أي مُستقبَل تراه؟ لاحظنا في السنوات القليلة الماضية أشياء، وتحدثت معك في السابق عن أن داعش وكل هذه الجماعات الإرهابية المُتطرِّفة جعلت الإنسان المُسلِم خصوصاً من فئة الشباب يبحث عن فكر بديل، عن أصوات بديلة، وعن طرح ديني بديل.

هل ترى أن هناك بدايات حقيقية لتنوير حقيقي في العالمين العربي والإسلامي؟

– لا يُنكَر، هذا لا يُنكَر يا دكتور، وواضح جداً هذا لمَن يُطالِع وسائل التواصل الاجتماعي وحتى عالم الصحافة طبعاً والكتابات الكثيرة التجديدية التنويرية، طفح كما يُقال وسال سيلها بفضل الله – عز وجل -، موجود بدايات مُشجِّعة، ويبدو أنها تسير بوتائر أيضاً مُتسارِعة جداً، الفضل بعد طبعاً توفيق الله – عز وجل – أعتقد أيضاً لوسائل التواصل الاجتماعي، وهذا القدر غير المسبوق من تواشج العالم بطريقة طبعاً مُثيرة ومُعجِبة جداً، هو الذي يُقصِّر حتى مسيرة المُصلِحين، ومسيرة المُجدِّدين، ومسيرة المُنوِّرين، ما كان يُفترَض أن يأخذ أجيالاً حتى يُؤتي بعض أثماره وبعض آثاره الآن يا دكتور في أشهر يسيرة يُمكِن أن نقطف بعض ثماره.

– صحيح.

– مُباشَرةً!

– خلني أدخل معك في بعض المسائل التي ربما تُوصَف بالجدلية أحياناً في طروحات الدكتور عدنان إبراهيم.

– تفضَّل.

– في خُطبة التزامنية بين الصدفة والقدر استشهدت بعلماء الباراسيكولوجي Parapsychology، سؤالي يا دكتور عدنان هل تعتقد أنه علم يُمكِن الاستناد إليه؟

– الباراسيكولوجي Parapsychology عزيزي الدكتور سُليمان في الفترة الماضية – أي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ومَن درسه أيضاً بمنطق علمي وبمنهج علمي يعلم هذا – واضح أنه لم يكن علماً يتوفَّر على الضوابط المنهجية العلمية، لكن الباراسيكولوجي Parapsychology في الرُبع الأخير من القرن العشرين نعم أصبح إلى حد بعيد علماً ومُتلزِماً بكل الضوابط العلمية.

– أي مُثبَت علمياً!

– نعم، نعم! هناك تجارب، مَن قرأ فيها يعلم ما أقول، وهناك – مثلاً – كُتب كثيرة للعالم الشهير دين ريدن Dean Radin، مَن يقرأ – مثلاً – لدين ريدن Dean Radin يعلم أنه لا يُمكِن أن يُنتقَد عليه من جهة ماذا؟ من جهة الإجراءات العلمية، ومن جهة حتى المنطق التجريبي الإمبريقي العلمي الصارم والصُلب.

بعض الناس لا يدرون بهذا، يظنون أننا نتحدَّث عن الباراسيكولوجي Parapsychology بالمعنى القديم في طلائع القرن العشرين، لا! غير صحيح، نحن نتحدَّث عما آلت إليه مسيرة هذا العلم، نعم.

– هل الكرامات وأنت في بعض مُحاضَراتك وبعض خُطبك تُشير إلى أمثلة عن كرامات لشخصيات مُعيَّنة وربما تُنتقَد بسبب هذه الإشارات، هل الكرامات تُنافي العقل؟

– لا، أبداً! لا ُتنافي العقل، انظر دكتور، لا تُنافي العقل ولا تنافي العلم، وطبعاً المُثير أن بعض الشباب والمُتعجِّلين يأتي ويطلقها – أي هذه الكلمة – على عواهنها، أن هذا يُنافي العقل وهذا يُنافي العلم، لا تُنافي لا العلم ولا العقل، لكن أقول بسرعة إن هذا غير صحيح لاعتبارين.

بالنسبة للعقل يا دكتور المسائل تتحدَّد على هذا المُستوى وبهذا المنطق، هناك أشياء يُمكِن أن تصطدم بالعقل، أي تُناقِض العقل، طبعاً هذه مرفوضة، وهذه لم يأت شيئ من في الدين، أي حتى في الدين وفي الإسلام لم يأت شيئ منها، لم يأت شيئ في الإسلام يُناقِض العقل، لكن هناك أشياء كثيرة أُخرى، كل الغيبيات الدينية العقدية هي أشياء فوق العقل، ومعنى فوق العقل ماذا إذن؟ الفوقية ليست الأفضلية، والفوقية ليست التنزيهية، وإنما فوق العقل بمعنى أن العقل بمُجرَّده لا يستقل بإثباتها، ولذلك يُحتاج فيها إلى ماذا؟ إلى خبر السماء، إلى الوحي! فتُصبِح قضية إيمان، مَن آمن بالوحي ومَن آمن بهذا الذي أُوحي إليه مثلاً – النبي عليه الصلاة وأفضل السلام – يُؤمِن بها ويُسلِّمها.

ولا يجوز لفيلسوف عقلاني أياً كان ومن أي مدرسة عقلانية أن يأتي ويقول هذا يُناقِض العقل، لا يُناقِض العقل! طبعاً ستقول لي كيف؟ المسألة بسيطة جداً جداً، أي مَن قرأ ABC في الفلسفة العقلية يعلم كيف يُمكِن أن يقع التناقض العقلي، هناك قوانين العقل المشهورة: قانون الهُوية أو مبدأ الهُوية أو الذاتية، أي الــ Principle of Identity، مبدأ السببية، مبدأ أو قانون عدم اجتماع النقيضين، عدم ارتفاع النقيضين، والثالث المرفوع، هذه قوانين العقل الفاعلة، كل شيئ يتناقض معها هو يُعتبَر لا عقلاني، ويُعتبَر مُناقِضاً للعقل، لكن إذا كان لا يتناقض معها فلا يُعتبَر مُناقِضاً للعقل، هذا من جهة العقل.

الآن من جهة العلم دكتور، العلم اختصاصه هو دراسة عالم الطبيعة، أو ما يُعرَف باللُغة الدينية عالم الحس وعالم الشهادة، وكل أيضاً ما خرج عن عالم الشهادة ليس من اختصاص العلم، فالعلم ليس له فيه قول، لا بالنفي ولا بالإثبات، لكن يتنطَّع بعض العلمويين، ليس العلماء وإنما بعض العلمويين، وبين قوسين طبعاً للسادة المُشاهِدين والمُشاهِدات أقول (النزعة العلموية ببساطة ليست هي النزعة التي تعترف بالعلم وتُوقِّر العلم، وإنما النزعة التي تعتبر العلم وحده ووحده فقط المصدر المُطلَق لكل معرفة، فلا تعترف لا بالوحي ولا بالذوق ولا بالوجد ولا بالحدس ولا بالإلهام ولا بأي مصدر آخر، فهذا شيئ آخر، ونحن لسنا علمويين، نحن نحترم العلم، نُوقِّر العلم، ونُراهِن العلم، ولكن نُؤمِن أيضاً وعن وعي وعن عقل بمصادر أُخرى للمعرفة البشرية).

– لكن بعض الظواهر أو الكرامات – إن جاز التعبير – يتساءل البعض بصددها، يُقال يا أخي اليوم عندنا تقنية مُتقدِّمة جداً، لماذا لم يُثبِتها العلم؟ لماذا لم يكشفها العلم؟ لماذا لم يُوثِّقها العلم؟

– لأنها ليست ظاهرة طبيعية، العلم يا عزيزي الدكتور سُليمان لا يشتغل على الظواهر النادرة والشاذة والتي تقع لُماماً لبعض الأشخاص في ظروف مُعيَّنة، وإنما هو يتعامل ويتعاطى مع الظواهر المُتواتِرة، والتي يُمكِن تكرارها باستمرار.

لذلك – مثلاً – وقع ما وقع في تجربة الانصهار البارد، كما تعرف في هذه التجربة الشهيرة جداً جداً والتي كانت من أكبر أمثلة الغش العلمي أعلن العالمان الشهيران – مثلاً – أنهما نجحا في الانصهار البارد، جميل جداً! أعلنا هذا في مُؤتمَر صحافي، وكانا قريبين جداً ربما – لو ثبت هذا – من جائزة نوبل Nobel بسهولة، فكرَّر العلماء هنا وهنا وهنا وهناك وهنالك التجربة، ولم يكن هناك نيوترونات Neutrons، كذب! كلام فارغ، لا يُمكِن أن تصدق معك ولا تصدق معنا، لكن موضوع الكرامات، موضوع معاجز الأنبياء، وموضوع خوارق العادات لمَن تقع لهم شأنه مُختلِف، هذه الظواهر ليست طبيعية، الظواهر هذه فوق طبيعية، ظواهر حتى تشذ عن القانون الطبيعي الذي نعرفه على الأقل إلى الآن، وقد تكون محكومة بقانون لم نكتشفه بعد، قد تكون! ولكن سأعطيك مثالاً بسيطاً – إن سمحت أو سمح الوقت – دكتور سُليمان.

– تفضَّل، تفضَّل.

– هناك ظاهرة – مثلاً – التخاطر، أي التليباثي Telepathy، ظاهرة التخاطر العجيب فيها أنها تسير عكس القانون الطبيعي، القانون الطبيعي أو ما يُعرَف بقانون التربيع العكس يقول إن كل جسمين ماديين بينهما قوة تجاذب، تتناسب طرداً مع الكُتلة، وتتناسب عكساً مع مُربَّع المسافة بينهما.

مثلاً في حالات التخاطر المسافة ساقطة، لا اعتبار لها، فيُمكِن لاثنين أن يتخاطرا وبينهما عشرة أمتار أو عشرة آلاف كيلومتر، أي آنياً، وشيئ غريب هذا، هذا غير مفهوم ضمن العلم الطبيعي أو العلم المادي، ولذلك هنا تأتي الباراسيكولوجيا Parapsychology فقط لكي تُوثِّق هذا تجريبياً أحياناً، تخيَّل! فحين تنجح في هذا تأخذ هذه الظاهرة موثوقية.

طبعاً سأكون صريحاً معك، وأنا مُشتغِل بهذه القضايا ومُهتَم بها جداً، العلم المادي الآن ضمن الــ Paradigm السائد لا يستريح، هو في حالة تبرم وتسخط من مثل هذه القضايا، هل تعرف لماذا؟ لأنها – أي هذه القضايا – تُؤذِن بهز هذا الــ Paradigm، وليس لدينا كعلماء ماديين وطبيعيين Paradigm أوسع يشمل كلا نوعي الظواهر، غير موجود إلى الآن، فهذا يُزعِجهم.

– نعم، في سياق همنا الإسلامي دكتور عدنان إبراهيم يأتي الخوف أحياناً، حينما يتحدَّث مُفكِّر بحجم عدنان إبراهيم في هذه المواضيع قد يُعطي بطريقة مُباشِرة أو غير مُباشِرة شرعية لبعض الخُرافات المُتداولة على المنابر من وعاظ شيعة وسُنة عن أشياء حتى الناس البُسطاء بدأوا يضحكون عليها.

– هذا خوف مُبرَّر، أنا حتى مُتعاطِف معه يا دكتور، ولذلك أنا أقول لك الحديث عن الكرامات ينبغي أن يقتصر في نطاق ضيق جداً جداً، فقط هذا النطاق يُتغيا منه ويُطلَب منه ويهدف ويقصد إلى ماذا؟ إلى إثبات أن هذه الظاهرة مُمكِنة شرعياً، ومُمكِنة حتى واقعياً، وليس مُستبعَدة عقلياً على الأقل، فقط! لماذا؟

لأن ظاهرة الكرامات والخوارق والمُعجِزات موجودة في النص الإلهي، إذا نحن أسَّسنا على أن نُنكِرها تماماً فهذا تأسيس لإنكار النص الإلهي أيضاً، وجعل الناس في مهب تيارات الإلحاد واللا أدرية والإنكار والجحود، وعن غير علم.

لكن الذي نُحاذِر منه فعلاً أن يتكسَّب بعض الناس، وأن يستخدم قضية الكرامات والخوارق كأخدوعة، يُخادِع بها الناس عن أموالهم وحتى عن ولاءاتهم وعن محباتهم، كما يفعل كثيرون كما تفضَّلت فعلاً هنا وهناك، وهذا شيئ مقيت وسخيف جداً.

– نعم، قلت إن الرق نسخه التقدم البشري، سؤالي لماذا لم تنسخه الشرائع الإلهية؟

– في الحقيقة سؤال جيد هذا وأشكرك عليه، لو نظرنا دكتور سُليمان في الآيات القرآنية الكريمة وهي آيات كثيرة تناولت مُؤسَّسة الرق وما يتعلَّق بها من هنا وهناك ومن أكثر من جهة، لوجدنا أنه لا يُمكِن أن نقع على آية واحدة تأمر بالاسترقاق، وهذا شيئ عجيب، في حين أننا سنقع على آيات كثيرة تأمر بالاعتاق، هناك آيات كثيرة عن الأعتاق، فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۩.

– صحيح.

– وهذا يُنبئ عن ماذا؟ ويُؤذِن بماذا؟ يُؤذِن بأن القرآن وضع خُطة، وكان واعياً بها المُشرِّع الحكيم، تقوم على تضييق المدخل وتوسيع المخرج، معناها عبر الزمان – هذا ربما كان عبر عدة أجيال، أي أجيال معدودة – ستنتهي هذه الظاهرة من تلقائها.

الذي حصل ومع الأسف الشديد يا دكتو سُليمان أن الأمة المُسلِمة هي التي أعادت هذه الظاهرة جذعةً، للأسف الشديد! وأجهضت الخُطة الإلهية والمشروع القرآني.

– نعم، أنتقل إلى فكرة أُخرى دكتور عدنان لاعتبار الوقت طبعاً، طلبت إعادة النظر في إرث المرأة على أساس اختلاف الأوضاع في الزمن الراهن، سؤالي في هذا السياق هل معنى هذا أن كل أحكام الفقه نسبية حسب الزمان والمكان؟

– على الأقل في باب المُعامَلات.

– باب المُعامَلات!

– في المُعامَلات، العبادات ليست كذلك، ولا معنى أيضاً لتنسيب أحكام العبادات، العبادات بلُغة بسيطة يفهمها كل إنسان عادي مُتواضِع هي طُرق مُعيَّنة، يُعبِّر بها الإنسان عن توقيره وإجلاله ومحبته وشوقه لله – عز وجل -.

– غير قابلة للاجتهاد!

– الله – عز وجل – هو الذي حدَّدها.

– غير قابلة للاجتهاد!

– أليس كذلك؟ أي الآن – مثلاً – دكتور هناك ما يُعرَف بالبروتوكولات، هناك بروتوكول مُعيَّن – مثلاً – في لقاء الملوك، انتهى الأمر، انتهى! أنت تلتزم به، لا يُمكِن أن يأتيني سفير بلد آخر ويقول لا، نحن لا نعترف بهذا البروتوكول، سيعترف به رُغماً عنه ما دام يُسفِر لدى هذا الملك – مثلاً -، والعكس صحيح.

نحن نُسفِر بهذه العبادة لدى رب العزة – تبارك وتعالى -، نحترم هذه الأشياء، ولا يُوجَد داعٍ أصلاً لتنسيبها، لماذا؟! عكس المُعامَلات.

– المُعامَلات!

– وعموماً يا دكتور سُليمان – لو سمحت لي – أحكام العبادات غير مُعلَّلة، غير معقولة المعنى، لأنها عبادت، لأنها تعبدية أصلاً، يُختبَر بها طوعية الإنسان وتسليمه لله – عز وجل -، والعقائد أيضاً نفس الشيئ، العقائد أخبار، أخبار إلهية، إما أن تُصدِّق وإما أن تُكذِّب، ونحن نُصدِّق، فنحن مُؤمِنون.

يبقى ماذا؟ أحكام المُعامَلات، خُذ وهات كما يُقال.

– نعم، تمس حياة الناس.

– تمس حياة الناس، نعم! خاصة في الجانب الاقتصادي والمالي.

أحكام المُعامَلات في الشرع الكريم بفضل الله – أي في الكتاب والسُنة – الأساس فيها أنها أحكام معقولة المعنى ومُعلَّلة، فلا جرم أن تدور عزيزي مع علتها في كلتا حالتي الوجود والعدم، إذا وُجِدت العلة يُوجَد الحُكم، إذا انعدمت العلة ينعدم الحُكم.

وقد كان للصحابة الكبار وفي رأسهم سيدنا عمر الفاروق – رضوان الله عليه – عشرات الاجتهادات، التي ينبغي أن تكون صادمة جداً بمنطق عصرنا الجامد هذا، لكنها كانت مقبولة جداً، والصحابة تواطؤا عليها، ولم يُعظِموا، وحتى لم يظهر منهم أدنى نكير على سيدنا عمر، مع أنها في ظاهرها تُصادِم النصوص القرآنية يا دكتور، وفي باطنها لا تُصادِمها، لماذا؟

– وهم صحابة، وعاشوا مع الرسول.

– هم صحابة، وأحرص على الدين منا ألف مرة، صحيح؟ وأدرى باللُغة، وأدرى بمسالك الاستنباط وفهم النصوص وتفسيرها وتأويلها، ولكنهم فهموا أنها أحكام مُعلَّلة، تدور مع العلل، حين تتبدَّل العلل تتبدَّل الأحكام، ما الذي يبقى ثابتاً إذن؟ ولماذا شرعه الله؟

تبقى ثابتة المقاصد يا دكتور، هذا هو! الأُفق المقاصدي دائماً ثابت، ولابد أن يتلمَّحه المُجتهِد باستمرار، يجعل الثابت أمامه هذا الأُفق المقاصدي، أما الحُكم فيُمكِن أن يتغيَّر بسهولة، ولا عتب على المُجتهِد.

– دكتور عدنان إبراهيم استأذنك في الفاصل الأول في هذا الحوار.

– تفضَّل.

– أعود بعده وأُكمِل حوارنا مع المُفكِّر الإسلامي الدكتور عدنان إبراهيم، فابقوا معي.

– إذن نُواصِل هذا الحوار مع المُفكِّر الإسلامي الدكتور عدنان إبراهيم.

دكتور عدنان أرجو أن تتحمَّلنا قليلاً.

– تفضَّل.

– يتهمك البعض بأنك تستخف بالسُنة النبوية وبأنك (قرآني) وأن نتيجة هذا سقوط العبادات والمُعامَلات، ماذا تقول في مثل هذا الاتهام؟

– لا طبعاً، هذا الاتهام من السهل تزييفه، ولن أصفه بأكثر من هذا، لأنه زائف في حد ذاته، لو كان لي موقف من السُنة أساساً لأعربت عنه يا دكتور، أعتقد ربما يُؤخَذ علىّ أنني أكثر صراحة وأكثر جسارة في التعبير عما أُؤمِن به وأعتقد به…

– صحيح.

– من الحد المطلوب والمسموح به في بيئتنا العربية، لكن موقفي من السُنة باختصار يا دكتور معروف، – وحتى موقفي من صحيح البخاري – مثلاً – معروف، دائماً أقول أنا أحترم هذا الكتاب، وأحترم هذا الإمام، وأعتقد أن مُعظَم ما فيه صحيح، لا بأس، وجميل، ولكن فيه بعض الأحاديث يستحيل في وجهة نظري البسيطة أن تكون صحيحة، لمُناقَضتها – مثلاً – لمُقتضى العقول، وأكثر من هذا لمُناقَضتها وعلى طول الخط للقرآن الكريم، فلا يُمكِن أن أُؤمِن بها، أي أنا لن أُضحي بعقلي ولا بكتابي الكريم من أجل أحاديث آحاد في نهاية المطاف، آحاد! ليست مُتواتِرة.

– وواضح تناقضها مع القرآن الكريم.

– واضح جداً، ومع العقل، واضح جداً جداً، وتُسيء يا دكتور، هناك بعض الأحاديث التي تُسيء إلى شخص النبي الكريم مُباشَرةً، أي هم يهون عليهم الإساءة إلى النبي نفسه، ولا يهون عليهم الإساءة إلى مرويات، مرويات بعد مائتين وست وخمسين سنة من وفاة رسول الله – عليه الصلاة وأفضل السلام -.

ولذلك القضية واضحة تماماً هنا، إذا أردت أن أُفصِّل يُمكِن أن أُفصِّل أكثر في موقفي من السُنة ومن الأحاديث.

– نعم، لكن فكرة القرآني تحوَّلت إلى تُهمة، أنت والآخرون حقيقةً تُتهَمون بها، فبأي سياق تقرأها؟

– طبعاً هم يعتبرون القرآنية تُهمةً بمعنى القرآنية التي تُنكِر السُنة جُملةً وتفصيلاً وتتنكَّر لها، وأنا أيضاً غير مُتعاطِف مع القرآنية بهذا المعنى حقيقةً، لماذا؟ بكل بساطة أيضاً ومن غير الدخول حتى في فنيات دينية كل الأمم يا دكتور لديها تراثاتها، كل الأمم لديها مأثوراتها عن عظمائها وكُبرائها، حتى عن أفلاطون Plato وعن أرسطو Aristotle وعن سقراط Socrates الذي يُظَن حتى أنه شخصية وهمية، بعض الناس يظن أنه شخصية وهمية، شخصية من اختراع ومن خيال أفلاطون Plato – مثلاً -، لكن كل مُحاوَرات أفلاطون Plato عن سقراط Socrates باستثناء القوانين أو النواميس، فلماذا لا يكون لمحمد بن عبد الله وهو أحدث الأنبياء تراث؟ وبتعبير الموسوعة البريطانية في إحدى طبعاتها – ربما قبل ثلاثين سنة – وُلِد في ضوء التاريخ الكامل، وهو تعبير إرنست رينان Ernest Renan في القرن التاسع عشر، واقتبسته هذه الموسوعة، ووافق عليه حتى برنارد لويس Bernard Lewis نفسه، محمد وُلِد في ضوء التاريخ الكامل، لماذا لا يكون له تراث؟ أي لماذا يُنكَر علينا أن نُؤمِن بأن النبي له سيرة – مثلاً -، له مجاريات حياتية، له أقوال وأفعال وتقريرات؟ بلى، له بلا شك، لكن سنرفض وسنتنكَّر من هذه المرويات أو إزاء هذه المرويات لما خالف كتابنا الكريم ولما أساء لنبينا الكريم.

– إذن القرآن هو الأساس يا دكتور.

– نعم طبعاً، القرآن هو المعيار، لأنه مُتواتِر، ومحفوظ بحفظ الله، وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ۩، فينبغي أن نُعيِّر به وأن نقيس به وأن نرد إليه، هو هذا.

– تقرأ كثيراً في الفلسفة يا دكتور عدنان؟

– إي طبعاً، من صغري، نعم، أنا عاشق للفلسفة.

– حدَّثتي في السابق عن أن جل وقتك في القراءة.

– إي نعم، جل حياتي في القراءة، نعم.

– نعم، تقول إن هناك أنفاراً وأعداداً هائلة مِمَن يخرجون من الإسلام، وطبعاً هنا البعض يتهمك بأنك من ضمن أسباب هذا الهروب من الإسلام بسبب تشكيك في بعض الثواب الدينية، وطبعاً حين يتحدَّثون عن الثوابت يتكلَّمون عن مكانة السُنة، علامات القيامة، والأحكام الشرعية – حسب الاتهام طبعاً -.

– كنت أتمنى من هؤلاء الإخوة – أسعدهم الله وإيانا – أن يكونوا أكثر إنصافاً، وأن يصدروا ويفرغوا عن منطق علمي – مثلاً -، ليعملوا دراسة، اعمل دراسة علمية أو حتى دراسة ميدانية – إن شئت – وحاول أن تُحصي الآتي، ويُمكِن أن يعمل أحدهم هذا على النت Net أيضاً بسهولة، أي في (أسبوع زمان)، يُحاوِل أن يُحصي عدد الناس الذين صرَّحوا وأقروأ بأنهم – مثلاً – كان عدنان إبراهيم سبباً في ثنيهم عن إلحادهم إلى الإيمان، في ردهم من اللاأدرية أو من الشكوكية أو من الارتيابية أو حتى من الكفر الصريح إلى الإيمان، في مُقابِل الذين صرَّحوا بأن عدنان شكَّكهم في دينهم، ثم سهَّل خطابه عليهم الانفلات من هذا الدين.

لابد أن نعمل دراسة ثم نرى بعد ذلك، وإلا فالقرآن الكريم نفسه صرَّح فيه رب العزة – تبارك وتعالى – بأن إنزاله سبب في إكفار بعض الناس أو في كُفر بعض الناس، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ۩، فهل نعيب على القرآن أنه نزل؟! وهل نعيب كلمات القرآن الكريم لأن بعض الناس كفروا وازدادوا كفراً به؟!

يا دكتور بعض الناس يتمحَّل، وبعض الناس يُريد فقط المُبرِّر، على طريقة ذلك الفارسي الذي جاء وليس بين يديه إلا حبة، أي جُزء من ستين من الدرهم، ودفعها لخمّار، وقال له صُب لي بها خمراً، قال له بهذه؟ أي قطرة، سأصب لك قطرة، قال له ما عليك، صُب لي بها، وما بقيَ من سُكر فعلىّ، أي أنا سأسكر سأسكر، سأسكر حتى بحبة.

بعض الناس يُريد أن يخرج من الدين فيتعلَّل، يقول عدنان إبراهيم شكَّكني في ديني، وأنا أُصدِّق أن مِن الناس مَن فعل هذا وقال هذا، لا بأس، لكن هذا لا يُشكِّكني طرفة عين في خطابي وفي قناعاتي بما أقول على الأقل إلى الآن، ودائماً أقول مرة أخرى أحصوا الناس الذين صرَّحوا بأن عدنان إبراهيم ثناهم عن إلحادهم وكفرهم بحمد الله – تبارك وتعالى -.

– نعم، للأمانة دكتور عدنان إبراهيم وبحُكم مُتابَعتنا وخصوصاً في هذا البرنامج لكثير من الظواهر المُتعلِّقة بحوارنا اليوم وقد تحدَّثت معك كثيراً في هذا الموضوع هناك حاجة مُلِحة لصناعة خطاب ديني جديد، يُخاطِب العقل ويتماشى مع العصر، هل أنت مُتفائل يا دكتور عدنان بأن هناك فعلاً – وأُكرِّر هذا السؤال عليك وعلى غيرك – موجة من التفكير العقلاني ومن البحث العقلاني عن خطاب جديد؟

– بلا شك يا دكتور، بلا شك مُتفائل، ومُتفائل جداً، ومُطالَعة بسيطة في وسائل التواصل الاجتماعي تُصدِّق هذا التفاؤل وتُصادِق عليه وتُعزِّزه، ربما ذكرت لك قُبيل قليل شيئاً يتعلَّق بهذا، فهناك نسب عالية من التأييد والاستحسان مع كون أفكاري كما تُصنَّف دائماً صادمة وخارجة عن التيار العام وخارجة عن المألوف كما يُقال، وبعضهم يعتبرها هرطوقية أو زنديقة بالمعنى الإسلامي وبالاصطلاح الإسلامي، ومع ذلك وعموماً لو دخلت ورأيت – مثلاً – نسب التأييد والاستحسان لهذه المواد المرئية – مثلاً – للعبد الفقير لوجدت أنها دائماً على الأقل تكون بنسبة خمس وتسعين في المائة، ما معنى هذا؟ معنى هذا أن الناس تتفاءل وتأنس بهذا الخطاب الجديد، تُريد! تُريد هذا الاتجاه.

– نعم، في رأيك لماذا يتمسَّك الكثير بفكرة المهدية، عودة المسيح، وخروج الدجّال؟ هذه الفكرة لا تزال موجودة حتى إلى اليوم، ليس فقط في العالم الإسلامي، بل حتى في الغرب بين المسيحيين وفي الكنائس، لماذا في ظنك؟

– الخلاصية أو المسيانية هذه كما يُقال باللُغات الأجنبية عقيدة عابرة للتاريخ حتى، أي في كل أحقاب التاريخ موجودة هذه العقيدة يا دكتور، طبعاً هذا نوع من تأميل الجماهير الكادحة، الجماهير اللاغبة المظلومة التعبانة، إزاء ظروف كثيرة، وخاصة الاستبداد السياسي والقهر طبعاً السياسي لهم، فدائماً يُحيلون على هذا الأمل المُستقبَلي، سيأتي مِن رحم الغيب مَن يُنقِذنا مِن هذا الوضع، ويجعل العبيدة سادةً والسادة الظلمة عبيداً، هذا أمل عند كل البشرية وعند كل الشعوب، فكرة المهدوية هذه موجودة عند كل الشعوب.

– الخلاص!

– فكرة الخلاصية أو المسيانية هذه موجودة عند الكل، وطبعاً تشتد يا دكتور وتفور كما يُقال وتثور حين تكون الأمة في حالة ضعف وحالة هشاشة وحالة أيضاً انضغاط كما يُقال وتعب، هذا موجود! لكن لماذا يُؤمِن بهذا علماء الدين؟ لأن هذه الأفكار أخذت طريقها إلى النصوص الدينية، لكن أي نصوص؟ هذا مُهِم جداً يا دكتور، النصوص الحديثية مرة أُخرى!

أي لماذا لا نجد أدنى إشارة إلى المهدوية – مثلاً – في القرآن الكريم؟ مُطلَقاً هذا غير موجود بفضل الله، لو كانت عقيدة هل سيخلو منها كتاب الله – عز وجل -؟ والقرآن كامل، مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩ على الأقل هنا في شؤون الدين، وأهم شؤون الدين العقائد.

نفس الشيئ المسيح الدجّال، لماذا ليس في القرآن ولا أدنى إشارة إليه؟ كيف؟ ويقولون عقيدة ويتمسَّكون بها ويُكفِّرون، إذا أنكرته يُكفِّرونك.

– نعم، يُكفِّرون، نعم، صحيح.

– يقولون مُتواتِر، وليس مُتواتِراً طبعاً، غير صحيح.

– نعم، تقول إن العلم لا يُثبِت وجود الله ولا ينفي وجود الله، لو نُوضِّح هذه الفكرة يا دكتور.

– سهلة، إيضاحها سهل، وسبق مني أكثر من مرة أن أوضحتها، لماذا؟ مرة أُخرى عوداً على منهج العلم الذي يشتغل على الطبيعة، على عالم الحس، على الأقل هناك فكرة الله – تبارك وتعالى – كإله بائن، في الأديان التوحيدية الثلاثة هو بائن من خلقه، بمعنى أن الخلق شيئ والخالق شيئ آخر، وهناك طبعاً الديانات الشرق أقصوية وخاصة الهندية التي ليست كذلك، تُعادِل تماماً بل تُوحِّد بين الخالق والمخلوق، بين الإله والمألوه، فكرة الــ Pantheism، أو وحدة الوجود، لكن في الأديان التوحيدية – اليهودية والمسيحية والإسلام – يُنظَر إلى الله على أنه إله شخصي، ذات! ذات تسمع وترى وتغضب وترضى وترقب وتُحاسِب وتبعث وتُحيي وتُميت، ونحن نُؤمِن بهذا على كل حال، نُؤمِن بالله بهذا المعنى، جميل جداً.

الله بهذا المعنى – تبارك وتعالى – مُنفصِل من خلقه، بائن عن خلقه، أوجد الخلق بعد أن لم يكونوا، صحيح؟ وسيُفنيهم بعد أن كانوا، وسيُعيد خلقهم للبعث مرة أُخرى، أي هذا واضح، واضح أن هناك بينونة إذن، واضح أن هناك بينونة بين الله – تبارك وتعالى – وخلقه، جميل.

العلم لا يبحث إلا في الطبيعة، في عالم الخلق، وليس في الله الذي يتجاوز عالم الخليقة كلها، تمام! ولذلك العلم إذا انتهى إلى أي قناعة فستتعلق هذه القناعة بعالم المحسوسات، بعالم الخلق، بعالم الطبيعة، جميل! هل تقول إن الله موجود؟ لا تقول، هل تقول إن الله غير موجود؟ لا تقول، لكن كيف يُمكِن أن يُستفاد من حقائق العلم في قضايا الإيمان والإلحاد؟ بأخذ هذه المُقرَّرات العلمية أو ما يُعرَف بالحقائق العلمية، وجعلها مُقدِّمات في قياس، صحيح؟ اجعلها مُقدِّمة في قياس، ثم انته من هذه المُقدِّمات إلى نتيجة.

المُؤلِّهة والمُؤمِنون يأخذون الحقائق العلمية، ثم ينتهون إلى خُلاصة أن الله موجود، الملاحدة يفعلون الشيئ نفسه، ويقولون لا، الله غير موجود، استناداً إلى كذا، فهذه القضية مُختلِفة، دخلنا في المنطق الآن وفي القياس ودخلنا أيضاً في فلسفة ميتافيزيقية، هذا ليس العلم، ولكن أيضاً حتى أكون واضحاً دكتور أقول إن العلماء أنفسهم في نهاية المطاف بشر مثلنا، ويبدو أن البشر لا يعيش بالعلم وحده، يعيش..

– هناك حاجة للإيمان، نعم.

– هناك حاجة مُلِحة، ولذلك ستجد أن كبار العلماء في نهاية المطاف يتحوَّلون إلى فلاسفة، ويتورَّطون في بحث قضايا ميتافيزيقية، وخاصة في رأسها قضية وجود الله، سلباً وإيجاباً، مَن آمن منهم ومَن ألحد، ويتبنى الواحد منهم فلسفة، لابد أن يتبنى فلسفة مُعيَّنة طبعاً، لكي تُطوِّع حقائق العلم في قالبها أو في نموذجها العام كما يُقال، أي إطارها التحليلي والتفسيري.

فألبرت أينشتاين Albert Einstein – مثلاً – في The World As I See It كان يصدر عن فلسفة نقدية، السير آرثر إدنغتون Sir Arthur Eddington في أكثر من كتاب له كان له فلسفة أيضاً، السير جيمس جينز Sir James Jeans في كتاباته له فلسفة، وهكذا! فهذا هو، فكما يفعل هذا العلماء المُتفلسِفون يفعل هذا اللاهوتيون أيضاً والدُعاة ربما والعلماء العاديون، كلٌ بمقدار علمه.

يبقى بعد ذلك مُحاكَمة هذه القياسات والمُقدِّمات، هل المُقدِّمات يقينية؟ إن كانت المُقدِّمات يقينية أنتجت ماذا؟ نتيجة يقينية، ونحن إزاء براهين، هذه براهين! أما إن كانت المُقدِّمات مشكوكة كان القياس كله جدلياً، نحن إزاء جدل، ولسنا إزاء بُرهان، وهذه قضية مُهِمة جداً.

– نعم، طبعاً لك اهتمام بنظرية التطور دكتور عدنان إبراهيم، هناك مَن يقول إن هناك تناقضاً واضحاً بين نظرية التطور الداروينية وبين القرآن الكريم، لو نُوضِّح في وجهة نظرك عموماً موقفك من نظرية التطور.

– سأُجيب باختصار طبعاً لأن الموضوع هذا طويل وأيضاً مُرهِق يا دكتور.

– صحيح.

– أعتقد أن الذين صدحوا بهذا لا يدرون ما يقولون، بل أنا استمعت إلى بعض كبار العلماء المُعاصِرين الآن، يقول نظرية التطور تُصادِم الأصول والنصوص الدينية القطعية، وواضح أنه لا يدري ما يقول، لا يدري ماذا يخرج من رأسه، بالعكس! أنا وجدت الآتي، وأنا أزعم أنني دارس مُتواضِع لنظرية التطور، الآن بين يدي كتاب فرغت منه بفضل الله – تبارك وتعالى -، إذا طُبِع بالفهارس فلن يكون أقل من ألف صفحة، كتاب علمي بحت، مُستنِد إلى مصادر…

– عن نظرية التطور؟

– عن نظرية التطور، وهو الجُزء الأول منها بغير نقد، فقط يعرض النظرية عرضاً علمياً محضاً، من مصادرها الموثوقة في المُجتمَع العلمي حول العالم.

وأنا طبعاً ابن القرآن الكريم وأقرأه وأتلوه وأتحفَّظه، وقرأت كثيراً جداً من تفاسيره مُنذ صغري بفضل الله – عز وجل -، أزعم أن القرآن أكثر نص ديني على وجه الأرض يتفق مع نظرية التطور، وهذه ستكون…

– مُتفِق مع النظرية؟

– يتفق مع النظرية طبعاً في مُعظَم أجزائها، في مُعظَم أجزائها! وطبعاً القرآن عنده إضافة، إضافة تُفسِّر ما عجزت نظرية التطور عن تفسيره يا دكتور، وهي الموضوعة بالذات والنُقطة التي شكَّلت نُقطة الافتراق بين المُؤسِّسين الكبيرين لنظرية التطور بالانتخاب الطبيعي، بآلية الانتخاب الطبيعي، أي By means of natural selection، وهما تشارلز داروين Charles Darwin وألفرد راسل والاس Alfred Russel Wallace، كلاهما اكتشفا النظرية بهذه الآلية طبعاً، ونظرية التطور لا معنى كبيراً لها بغير الآلية طبعاً، وإلا قبل داروين Darwin ووالاس Wallace الكثيرون تحدَّثوا عن التطور، لكن الإضافة الحقيقية النوعية بآلية الانتخاب الطبيعي.

نُقطة الافتراق أن والاس Wallace أدرك أن الانتخاب الطبيعي لا يُمكِن أن يُفسِّر لنا مظاهر كثيرة ينفرد بها الإنسان، حتى لا يُمكِن عند والاس Wallace أن يُفسِّر لنا التطور الهائل في حجم الدماغ البشري، نحن الآن يا دكتور نعيش بدماغ بحجم ألف وثلاثمائة وخمسين Cc كما يُقال، أي سنتيمتر مُكعَّب، هذا الدماغ كان يُمكِن أن نعيش نحن بثُلثه أو بنصفه، نعيش ونبقى وننجو – أي نُحقِّق الــ Survival – من غير أي مشاكل، فلماذا هذا التضخم غير الطبيعي؟

انظر إلى تبريرات طبعاً التطوريين الماديين الملاحدة، تبريرات عقيمة وضعيفة جداً، والاس Wallace أدرك أن هذا الموضوع لا يُفسَّر، ولذلك أحال على الجانب الغيبي، وداروين Darwin كانت يده على قلبه، وتوسَّل إليه، وقال له أرجوك لا تقتل طفلي وطفلك، لأنه هكذا يقتل الانتخاب الطبيعي، وطبعاً داروين Darwin كما تعرف كان يُفكِّر بطريقة قانونية مادية وميكانيكية، وأراد فاعلية مُطلَقة لقانون طبيعي، هو كان يطمح إليها، مثلما طمح إيمانويل كانط Immanuel Kant – مثلاً – إلى بناء هيكل ومعمار عقلي في عالم الفلسفة بقوة فيزياء نيوتن Newton، عين داروين Darwin كانت على نفس الشيئ، تطمح إلى أن يبني علم الييولوجيا Biology أو علم الأحياء بالطريقة التي أو على نحو الطريقة التي بنى بها نيوتن Newton عالم الفيزياء، ولذلك كان يُريد ماذا؟ فاعلية مُطلَقة لقانون طبيعي في البداية وفي النهاية، من غير تدخيل أو من غير أن يكون هناك أي دخالة لعامل ماذا؟ لعامل وراء طبيعي، فغضب جداً من مُحاوَلة زميله ألفرد راسل والاس Alfred Russel Wallace، وفعلاً هذه المُحاوَلة حتى جرت والاس Wallace إلى أن يهتم حتى مات بالقضية الروحانية، وله كُتب في هذا، أنا عندي ربما أكثر من عشر مُجلَّدات له، ومُتاحة على موقع أرشيف https://archive.org/، وهي مجانية، كلها في هذا الباب، أي في الروحانيات.

فأقول القرآن يُضيف، هنا القرآن جاء وأضاف.

– القرآن يُضيف…

– نعم.

– ولا يُصادِم.

– وفيما عدا هذا هو مُتفِق مع النظرية، ومُتفِق أن الإنسان فعلاً جاء من سلالات أُخرى، وأنه حلقة في سلسلة طويلة، لا نُريد أن نحرق ربما ما سنذكره في الجُزء الثاني.

– طبعاً تعرف أنت أن الخطاب الديني السائد – السلفي تحديداً – ضد هذه الفكرة من الأصل، وبالتالي فكرة أن الإنسان امتداد للقرد – إلى آخره – ربما تصل إلى درجة التكفير إذا قلت بها.

– كان سيكون لهذا الخطاب اعتبار ووجاهة أن ننظر فيه على الأقل وأن نُحاوِره بشرط واحد، أن يكون مَن صدر عنهم هذا الخطاب فهموا النظرية، هم لم يفهموها، ولم يقرأوها.

– لم يقرأوها، نعم.

– ولم يُكلِّفوا أنفسهم أصلاً أن يفهومها، ثم يتكلَّمون فيما لا يعرفون، شيئ مُزعِج جداً جداً.

وهذا الفرق على فكرة بين دُعاة العصر ومشايخ العصر وبين أئمة الزمن الماضي، من ابن رشد، إلى ابن تيمية، إلى الفخر الرازي، إلى الغزّالي، كانوا قبل أن يتكلَّموا في أي فن لهم عليه تنقيدات يُحسِنونه كأهله أو أفضل، الآن هذا غير موجود للأسف الشديد.

– نعم، أي على معرفة.

– نعم.

– تقول يحتاج الإنسان إلى فضول عالم ودهشة فيلسوف وإحساس فنّان لكي يفهم رسالة الله في الخلق، هل نُوضَّح؟

– نعم، بلا شك دكتور مُشكِلة الكائن الإنساني أنه اجتماعي، ولا يُمكِن إلا أن يكون اجتماعياً، هذا المُجتمَع يُقدِّم له الكثير، ويحرمه من الكثير، أبحاث الفضول – أي الــ Curiosity – في علم النفس وعلم نفس الإبداع وعلم النفس التربوي قليلة جداً وشحيحة للأسف الشديد، دراسات الفضول عموماً قليلة، ولا تزال قليلة إلى الآن، أي هناك بضع دراسات عبر أربعين أو خمسين سنة، ليس أكثر، لكن كلها تقريباً تكاد تتواطأ على أن الإنسان يُولَد وهو كُتلة من الفضول، كُتلة من الشغف، وكُتلة من الجوع ومن الظمأ يا دكتور إلى تحسس ومعرفة كل شيئ، تقليب كل الأحجار كما يُقال، فتح كل الأبواب، طرح وزرع كل علامات الاستفهام.

للأسف الشديد وبدءاً من السنة السادسة وبعضهم يقول الخامسة ينطفئ هذا، ينجح هذا المُجتمَع البشع، المُجتمَع الجامد، والمُجتمَع المُتغطرِس، في قتل فضول الأطفال، ويُعلِّمهم الغباء، بدل أن يفتح أبواب العبقرية أمامهم، لذلك الاحتفاظ بهذه الفضولية بلا شك عامل وشرط رئيسي في قراءة آيات الله – تبارك وتعالى -، في الآفاق وفي الأنفس، في تحسس الحضور الرباني في هذا العالم، هناك حضور رباني، يعلم هذا مَن يُؤمِن إيماناً حقيقياً وتستحيل قواعد الإيمان عنده إلى تجربة شخصية وتجربة ذاتية، وعلى فكرة أنا لا أفهم الإيمان إلا في هذا الإطار، وإذا الإيمان لم يأخذ هذه الوجهة ولم يسر في هذا المسار فلا كبير قيمة له، لا كبير قيمة! سيكون مُجرَّد عنوان أو مانشيت أو شيئ يستعرض به الإنسان أو جُزء من هُوية، هُوية كما تعرف.

– ولكن ليس شعوراً حقيقياً داخلياً.

– لا، الإيمان ليس هُوية أو مُجرَّد هُوية، بالعكس! الإيمان تجربة حقيقية، الفضول يبعثها ويُغذيها، وكذلك الدهشة، الدهشة أم الفلسفة كما قال أرسطو Aristotle، مَن لم يندهش فليس فيلسوفاً، الفيلسوف يا دكتور أنا ربما وصفته مرة، قلت الفيلسوف هو الشخص الذي يفشل في أن يتعوَّد، في أن يرى أي شيئ عادي، الفيلسوف يرى كل شيئ غير عادي، لا يزال يحتفظ بدهشته إزاء كل الظواهر وعلى جميع النُطق وفي كل الميادين، فهذه الدهشة هي أم الفلسفة أيضاً.

– أم الفلسفة!

– أم الفلسفة، والفلسفة ما هي؟ الفلسفة في أحد تعريفاتها مُحاوَلة توحيد كل هذه الكثرة، رد كل هذه الكثرة إلى الواحد، وهذه حقيقة الإيمان في نهاية المطاف إذن، صحيح؟ حتى النظرية التوحيدية العُظمى في الفيزياء – هم الفيزيائيين الأكبر، الذي شغلهم وأتعبهم – فيها نفس الشيئ، تلتقي مع الفلسفة أيضاً عند هذا المعنى، أيضاً التوحيد، العبور من الكثرة إلى الوحدة دائماً، فهم المبدأ الأول الذي صدر عنه كل شيئ.

فأعتقد نعم أننا نحتاج إلى قدر كبير من الفضول ومن الدهشة ومن الشغف، الشغف بمُقارَبة الحقيقة، ومُرتاح دكتور إلى هذا، أنا أُحدِّثك ربما عن تجربة العبد الفقير كما يُقال بلُغة المُتصوِّفة، مرت بي عقود من الزمن وكنت أخشى ما أخشاه هو أن أجتهد، هو أن يكون لي رأي خارج عن المألوف، هو أن أنفرد، هو أن أستخدم عقلي، كنت أخاف من استخدام عقلي، تخيَّل! أخاف، أتأثَّم، أشعر بالحرج والإثم.

والآن بفضل الله – تبارك وتعالى – صدرت مني كل هذه الخُزعبلات وكل هذه الهرطقات وكل هذه الزندقات كما يشاءون أن يصفوها، والله – وأنا أُقسِم بالله إن شاء الله صادقاً – لو قيل لي الآن ستخرج من هنا وملك الموت سيكون في انتظارك ما عُدت عن شيئ منها، وأنا سعيد بأن أُقابِل الله بها، سأقول له يا رب أنت تعلم، تعلم أنني قلت بهذه الاجتهادات التي ربما خانني فيها عقلي أو ذكائي أو علمي بسيط، لكن تعلم لِمَ قلتها ولِمَ اجتهدت فيها وأنني ما أردت بها إلا وجهك.

– وكانت جُزءاً من تجربة.

– نعم، وأنا مُرتاح، تُعطيني راحة غير طبيعية، وهنا الفارق الكبير بين التجربتين وبين المرحلتين في حياتي، بسبب ماذا يا دكتور؟ بسبب إدراكي العميق أن الصدع بالحقيقة ومُحاوَلة التحديق في الحقيقة مهما كانت شعشعانية تُؤلِم العينين أو تُؤلِم الناظرين هو اقتراب من الله، بمعنى ماذا؟

لنفترض أننا الآن أدركنا حقيقة صادمة لنا في الوجدان الديني، صادمة للوجدان الديني، صادمة للتقليد الشعبي الاجتماعي، صادمة للموروث وللقناعات السائدة، لكنها حقيقة، بالأرقام حقيقة، بالإحصاءات حقيقة، وبالملموس حقيقة، أنا أقول – لأن هذه طريقتي، ولذلك أنا جسور وجريء جداً وربما إلى حد التهور – إقرارنا بهذا ومُحاوَلة الاعتراف به اقتراب من الله، لماذا؟ الله كيف يرى هذه الأشياء؟ يراها على ما هي عليه، حاول أن تراها كما هي عليه، إذا فعلت هذا فأنت تقترب من الله، تتطابق مع الله على الأقل في العلم بهذه القضية، تزويرها – من أجل ماذا؟ أن نُحافِظ على كذا وكذا وكذا، تعرف أن هناك مُبرِّرات كثيرة، هناك شيئ يُلصَق بالأوطان، هناك شيئ يُلصَق بالأديان، هناك شيئ يُلصَق بالإنسان، وهناك شيئ يُلصَق بالتراث – مُجافاة لله، أنا أقول لك هذا مُجافاة لله – تبارك وتعالى – وابتعاد عن الله، فلو فكَّر كل مُسلِم وكل مُجتهِد وكل مُتعلِّم بهذه الطريقة هذا سيُعطيه طاقة وذخيرة يا دكتور من الجراءة ومن الشجاعة ومن الجسارة ومن شغف أن يبحث ويُقارِب الحقيقة، كيفما كانت وأنى كانت.

– بلا حسابات، من دون حسابات.

– بلا حسابات، نعم، هو هذا.

– اسمح لي بالفاصل الأخير يا دكتور عدنان إبراهيم.

– تفضَّل.

– أعود بعده وأُكمِل هذا الحوار، ابقوا معي.

 

– إذن نحن في الجُزء الأخير من هذا الحوار مع المُفكِّر الإسلامي الدكتور عدنان إبراهيم.

دكتور عدنان تقول إننا نحتاج العلمانية لفك الاشتباك بين السُني والشيعي وبين المُسلِم والقبطي، ما هي العلمانية في نظر عدنان إبراهيم؟

– باختصار شديد عزيزي الدكتور سُليمان وتصديقاً لما نقلت عني العلمانية عكس ما يظن كثير من المُسلِمين في شرقنا العربي أو الإسلامي عموماً، ليست مُعاداة للدين، وليست تحييداً حتى للدين عن الشأن العام، ليست هذا أبداً، وإنما العلمانية حين نحتاجها أكثر ما نحتاجها لضخ مزيد من التسامح بين الطوائف والتسامح في عالمنا العربي، على النحو الذي استفادت أوروبا منها، أي من العلمانية، في هذا الباب بالذات، لولا العلمانية لبقيت الحروب الدينية بينهم إلى اليوم، العلمانية هي التي فعلت هذا، فالعلمانية ليست مُصادَمة للدين، ليست مُناكَدة للدين، وإنما تحييد لرجال الدين أن يحكموا في الشأن العام باسم منطق رجال الدين، هو هذا! أنت قد تكون مُتديِّناً وتكون حاكماً – مثلاً -، قد تكون رئيساً أو رئيس وزراء وأنت مُتديِّن، لا بأس، لكن دينك هذا شأن يخصك أنت، لا يُمكِن أن تستغل مرافق الدولة ومُؤسَّسات الدولة أو سُلطتك – مثلاً – حتى إذا كانت تنفيذية في أن تفرض على الناس وجهة نظر دينية مُحدَّدة، غير صحيح وغير مقبول حتى قرآنياً، قرآنياً غير مقبول!

– واليوم بالذات في الزمان هذا لا يُمكِن أن تفعل هذا مع أحد…

– هذا غير مقبول، مَن يقبل هذا؟!

– اليوم الدولة المدنية هي السائد في المنطقة العربية.

– صحيح، وهي الرهان.

– وهي الرهان!

– هي الرهان، رهان الكل يا دكتور، الكل يُراهِن على الدولة المدنية الآن، والدولة المدنية تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والعقائد، وهذا العدل، هذا منطق العدل! ثم بعد ذلك كلٌ ووزنه، هناك أمة فيها تسعون في المائة من المُسلِمين، انتهى إذن! هم تسعون في المائة، لن يصيروا باسم العلمانية وباسم المسافة الواحدة سبعين في المائة، هم تسعون في المائة، والعكس صحيح.

– وهذا لا يعني ضياع حقوق الآخرين…

– أبداً، أبداً.

– لأنهم عشرة في المائة أو خمسة في المائة.

– ولا ضياع حقوق التسعين في المائة.

– ولا أيضاً ضياع حقوق التسعين في المائة.

– أبداً، مسافة واحدة يا دكتور، وربما قلت أنا في مُناسَبات أُخرى لا نسمع كثيراً – مثلاً – التفسير الخاص بقوله – تبارك وتعالى – مُخاطِباً النبي وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ۩، وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ۩، وبالذات كلمة حفيظ معناها حارس، الله – تبارك وتعالى – يرفض أن يكون النبي حارساً على الناس، يرفض أن يكون حارساً عليهم من وجهة ماذا؟ هل يرفض أن يكون حارساً على أموالهم؟ يرفض أن يكون حارساً على أديانهم، على عقائدهم، ثم بعد ذلك نحن نُعرِّف الآن الخلافة ومن تسعمائة سنة على أنها نيابة عن صاحب الشرع – عليه السلام – في حراسة الدين، فهل تُريد تعريفاً أكثر من هذا التعريف مُصادَمة للقرآن الكريم؟!

– هناك موضوع مُعاصِر الآن وحديث مُعاصِر يا دكتور عدنان إبراهيم عن القدس وزيارة القدس، وأنت تعرف أن هناك آراء حول هذا الموضوع، هناك مَن يُؤيِّد ويقول هذا دعم للمقدسيين، وهناك مَن يقول ربما هذا نوع أو شكل من أشكال التطبيع، ماذا تقول أنت؟

– والله أنا مُرتاح للوجهة الثانية حقيقةً، ومُستاء وحزين أن فتوى المنع سادت لعشرات السنين، وما كان أسعد الإسرائيليين بها! هم سعيدون جداً بهذه الفتوى.

انظر، أنا أعيش في أوروبا هناك من ثُلث قرن، وهناك مُسلِمون أوروبيون كثيرون – من أصول أوروبية – يقولون حين ننزل لا يُرحَّب بنا، نأخذ فيزا Visa وننزل لكي نزور بيت المقدس، ولا يُرحَّب بنا، وأحياناً يعوقون دخولنا، ولا يُمرِّرون لنا الإجراءات بشكل حتى سلس، لأنهم لا يُسعِدهم هذا.

تخيَّل أنت الآن لو زاره مليار وسبعمائة مليون مُسلِم، لو صدرت فتوى من المجامع الإسلامية ومن رؤوس الإفتاء في العالم الإسلامي كله، أن هلموا وزوروا بيت المقدس، لا تجعلوه مُستوحِشاً غريباً وحده، عرِّفوه بقضيته، أضئوها في العالم، مليار وسبعمائة مليون مُسلِم! وطبعاً هذا الكلام الذي أقوله الآن سيُغضِب جداً الإسرائيليين، وأنا أعرف هذا، أعرف ماذا أقول.

– أي أنت مع الزيارة؟

– إي طبعاً، مع الزيارة يا دكتور، لأن هؤلاء – المليار والسبعمائة مليون – منهم كاتب المقالة، صحيح؟

– صحيح.

– صاحب العامود، منهم المُؤلِّف، منهم الأكاديمي، منهم الإعلامي، منهم حتى الإنسان العادي، ومنهم الطالب الجامعي، كل هؤلاء سيرون محنة بيت المقدس ومحنة المقدسيين، وطبعاً هذا كما تعرف احتلال غير شرعي، في القانون الدولي…

– صحيح، صحيح.

– هم موجودون هناك بطريقة غير شرعية، إسرائيل ليس لها حق في هذا المكان، فسيخرجون، ويُعرِّفون بهذه القضية، وهذا سيُسبِّب Headache أو كما يُقال إزعاجاً كبيراً لهؤلاء المُحتَلين.

نحن بحمد الله – تبارك وتعالى – الذي لا يُحمَد على مكروه سواه فعلنا العكس تماماً، وزهَّدنا الناس المُسلِمين ورغَّبناهم عن زيارة بيت المقدس بحُجج واهية، من قبيل أن هذا شكل من أشكال التطبيع، وأنك لا تدخل إلا بعد أن تأخذ فيزا Visa، فإذن أنت تعترف بوجود إسرائيل، وهذا غير صحيح، لا أعترف يا سيدي، والضرورات تُبيح المحظورات، والمُسلِمون كانوا يطلبون ويتمحَّلون في زيارة بيت المقدس وهو تحت حُكم الصليبيين، ولم تصدر فتوى بتحريم ذلك.

وهناك ما هو أكثر من هذا، حين جاء المغول ودهموا العالم الإسلامي وفعلوا به الأفاعيل والشنائع والبشائع أفتى كبار العلماء وفي رأسهم بائع السلاطين العز بن عبد السلام بأنه ينبغي ويُستحَب للعالم أن يُفتي بهذه الفتوى، فتوى ماذا؟ أن المُسلِم يُمكِنه سواء كان قاضياً أو شيئاً آخر أن يتقلَّد منصباً لدى هؤلاء المُحتَلين من المغول والتتر، منصب ماذا؟ جابي الضرائب – مثلاً -، جابي ضرائب للمغول – ضرائب ظلم، مكوس ظالمة – من المُسلِمين، لماذا؟ لأنه سيكون – مثلاً – قاضياً، يحكم بالعدل، ويُخفِّف عن المُسلِمين، أو جابياً، يأخذ الأقل – مثلاً -، ويسمح بالبعض أو الأكثر، فقالوا هذا التخفيف مطلوب، وفيه أجر – بإذن الله -، حتى ابن تيمية وافق على هذه الفتوى، تخيَّل! الآن – ما شاء الله – هم لا يُريدون أي تنفيس عن بيت المقدس وأهل بيت المقدس بهذه الحُجج الفارغة، التي لم يُسبَقوا إليها، للأسف لقد أسأنا كثيراً إلى قضيتنا.

– نعم، قلت في الحوار الذي تخيَّلته أنت بين الله وبين ستيفن هوكينغ Stephen Hawking، قلت ربما الله يقول له – أي لستيفن Stephen – هذا الإله الذي كفرت به لست أنا، وكنت على حق في كفرك به.

– نعم.

– قوية هذه.

– ليست قوية يا دكتور، بالعكس! طبيعية هذه، كلنا…

– أي أنت تقصد أن الإله المُقدَّم لكثير من الناس ليس الإله الحقيقي الذي ربما ستيفن هوكينغ Stephen Hawking وغيره آمنوا به.

– نعم، نعم، هو هذا، وطبعاً هذه المسألة فيها فرعان سريعان حتى لا أُطيل عليك عزيزي الدكتور سُليمان.

بالنسبة إلى أنني أتخيَّل هذا الحوار أقول كلنا يفعل هذا يومياً، كلنا! أتخيَّل أن الله سيسألني عن كذا كذا، فسأقول له كذا، فإن قال لي كذا قلت له كذا.

الإمام أحمد عُرِض عليه هذان البيتان من الشعر:

إذا ما قال لي ربّي                                                 أما استحييت تعصيني.

وتُخفي الذنب من خلقي                                             وبالعصيان تأتيني؟!

هذا الشاعر يتخيَّل أن الله سيُخاطِبه، وأيضاً هو بالحري سيتخيَّل كيف سيرد على ربه – تبارك وتعالى – إن كان ثمة رد، فالإمام أحمد دخل مُباشَرةً بيته، وأجهش بالبكاء، جعل يبكي! فهذه الحوارات المُتخيَّلة كثيرة، وتقع لنا كثيراً، فليس فيها ذنب ولا تجديف على فكرة، يُمكِن أن نتخيَّل مثل هذه الأشياء على مبلغ علمنا ومبلغ ظننا بربنا – تبارك وتعالى -.

الآن نُقطة أنني افترضت أن الله – تبارك وتعالى – سيقول ستيفن هوكينغ Stephen Hawking الإله الذي كفرت به لم يكن أنا، وطبعاً أنا ذكرت أنه سيقول له أنت كفرت بماذا؟ سيقول له كفرت بالإله الذي كذا وكذا وكذا، والذي باسمه وتحت اسمه وبرايته أو تحت رايته ذُبِحت الشعوب، وأُدخِلت في النصرانية بالقوة، وتم حرق الناس، وذبح الناس، وتم تقديم البطانيات وفيها داء الجدري وداء كذا للناس الذين أبوا أن يتنصَّروا، معروفة المآسي باسم المسيحية، مآسي عظيمة جداً، وباسم الإسلام وباسم كل الأديان للأسف الرسالية كما يُقال أو التبشيرية، سيقول له أنا كفرت بهذا الإله، لم أُؤمِن أن هذا الإله يستحق أن يُعبَد وأنه إله رحيم وكريم.

هوكينغ Hawking رياضياتي من طراز فريد جداً وفيزيائي ذكي، قطعاً مثل هذه العقائد – مثلاً – لا تنسلك في دماغه، وخاصة – كما قلت – المسائل الإنسانية طبعاً، أن يُستخدَم الدين – كما قلت – وسيلة لتبرير ذبح الشعوب وتنصير الشعوب واضطهاد الشعوب وفتح الشعوب، فأنا أتخيَّل أن الله سيقول له أحسنت، الإله الذي كفرت به لم يكن أنا، واضح؟

– نعم.

– وعندي مقطع أشد جرأة من هذا، ولم يُواجَه بفضل الله لا بتكفير ولا بزندقة، لا أدري! وحاز على إعجاب كثير مِمَن شاهده، بخصوص تشي جيفارا Che Guevara، أنا اعتقدت أن تشي جيفارا Che Guevara يُمكِن أن يُبعَث يوم القيامة مُؤمِناً، على أنه كان في الدنيا يُعلِن كفره بالإله، الإله الكتابي، الإله الشخص هذا، إله الكتاب المُقدَّس، وعاش طبعاً كما تعرف ماركسياً، ومات ماركسياً الرجل، وكان مقتولاً، لكن الرجل كان يعشق العدالة، يعشق وحدة البشرية، يعشق التحرير وعزة وكرامة البشر، وهو صاحب شعار ألف نار، ألف ثورة في العالم! ثورة مُستمِرة، لتحرير البشر من كل أشكال العبوديات، فهذا الرجل حين يُسأل يوم القيامة عن إيمانه قد يقول الآتي، الله سيقول له آمنت بماذا؟ وكفرت بماذا؟ سيقول له آمنت بالعدالة، سيقول له أنا العدالة، سيقول له آمنت بالرحمة، سيقول له أنا الرحمة، سيقول له آمنت بأخوة البشر، سيقول له أنا ربهم، وأبوهم واحد، وأنا طالبت بهذه الوحدة وقرَّرتها، يا تشي Che أنت كنت تُؤمِن بي وتطلبني ودون أن تدري.

– دون أن تدري!

– تخيَّل! شيئ يقشعر البدن، في حين أن هناك الذي يعيش ويموت ويقول أنا مُؤمِن بالله، وتحت شعار الإيمان بالله يا دكتور يفعل كل الفظائع، ما رأيك؟ التي هي كفر حقيقي بكل المعاني الإلهية وبكل المعاني التي تفرضها العقائد الإلهية، ويظن نفسه مُؤمِناً، هذا الخوف عليه يوم القيامة، الخوف عليه يوم القيامة!

– في هذا السياق تقول إنك لا تستطيع الحُكم على أحد بالنار أو الجنة بغير وحي، أي…

– أحسنت.

– مَن نحن حتى نحكم على الناس بدخول الجنة أو النار؟

– أحسنت، أي والله، أبداً أبداً، وسيُقال لي أنت يا مُتنطِّع ويا زنديق من أين لك أن ستيفن هوكينغ Stephen Hawking في الجنة؟ لكن هل أنا قلت إنه في الجنة؟ بالعكس! أنا أرجو له الجنة، أرجو له الجنة، وقلت بشكل واضح الذين لا يُمكِن أن أتجرأ على أن أرجو لهم الجنة فقط يا دكتور سُليمان هم الذين عاشوا وماتوا وهم يُعذِّبون البشر، اضطهدوا البشر، اغتصبوا الأطفال الصغار، قتلوهم، قنصوهم، حرقوهم، دمَّروا كل شيئ جميل في هذه البشرية، هؤلاء لن أجرؤ أن أطلب لهم الرحمة من ربي، أمرهم بين يدي الله.

والذين أيضاً أنكروا أعظم وأضخم حقيقة في الوجود – حقيقة وجود الله تبارك وتعالى – بعد أن اطمأنت بها قلوبهم وخضعت وبخعت لها عقولهم بالدليل والبُرهان، ثم كابروا على هذا، أنكروا كبراً أو مصلحةً أو عناداً أو جحوداً، هؤلاء كفّار، وهم خطيرون، أمثال هؤلاء بالذات يا دكتور خطيرون جداً، وقلت في السياق ذاته مَن يشهد شهادة زور على إنسان في حزمة بصل ربما أو في أي شيئ هو إنسان خطير، فكيف بالذي يشهد شهادة زور في أعظم قضية في الوجود؟! هذا الكافر على فكرة، هذا هو الكافر، وليس الكافر المُشوَّش المسكين، الذي لم يقتنع بالحُجة، الذي لم يأته الدليل على وجهه، والذي عاش ومات وهو مُحسِن للبشر ومُحِب للبشر، هؤلاء أرجو لهم الجنة، وأرجو لهم ولي ولك – إن شاء الله – ولجميع أمثالنا الرحمة والغُفران في الدنيا والآخرة.

– تمنيت أن يطول الحوار يا دكتور عدنان إبراهيم، ولكن ضرورات الوقت، شكراً جزيلاً مرة أُخرى لقبول دعوتنا في حديث العرب.

– أشكرك.

– كما أشكر مُشاهِدي ومُستمِعي حديث العرب على هذه المُتابَعة، نلتقي الأسبوع القادم – بإذن الله -، إلى اللقاء.

شكراً جزيلاً يا دكتور.

– والشكر لكم يا دكتور، بارك الله فيكم.

 

(انتهت المُقابَلة بحمد الله تبارك وتعالى)

الإمارات

 

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

الابتلاء جوهر العبودية

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، …

تعليق واحد

  1. اءسف على كل يوم اتبعت منهجك إلا قبل ساعات قليلة و انا أدعو اهلي وأصدقائي لمشاهدة برنامجك في رمضان انا شخص من ملايين الأشخاص في اليمن نموت كل يوم بسبب طاغية مثل محمد بن سلمان وعيال زايد الاطفال والنساء والأفراح والمآتم ودار المكفوفين والجامعات و و و و تقصف يوميا على أيديهم سكت قبل فترة عن الرد عن هذا الكلام بحجة انك لست بعميل لإيران ولا عميل للسعودية لكني عهدتك عميل للحق أين الحق ما الذي كنت تتكلم به في حوارك مع احمد العرفج و الخوف كل الخوف من كلام الغد ألم تقل في يوم من الأيام أن ظهور المشايخ على القنوات الفضائية وفتنتهم سبب بلاء الأمه اكتب هذه الكلمات وانا محرق عفوا منك ولكن انت من علمتنا ان الحق أحق ان يتبع

اترك رد