الرئيسية / التفريغات النصية / تفجير القرآن الكريم – ج 3/1

تفجير القرآن الكريم – ج 3/1

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

 ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى من قائل – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ۩ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ۩ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۩ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۩ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۩ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

إخواني وأخواتي:

ويستمر في أمتنا مشوار أو مسيرة التخلف والنكوص والتراجع، إن آخر ما يُمكِن أن نحتاج إليه في عصرنا هذا بالذات التزهيد في العلم والازورار عنه، الترغيب عن والتزهيد في العلم، وادعاء أن هذا العلم مُلوَّث ومُدنَّس وشرير وينتمي إلى منظومات إلحادية أو كافرة أو مُعادية أو مُتشيطنة – والعياذ بالله -، وأننا في غناء عنه، بما أغنانا الله – تبارك وتعالى – من آي كتابه، فكل الصيد في جوف الفرا، وما بعد عبادان من دار، القرآن فيه وفاء بكل الحاجات، فيه غناء، فيه كفاية، فيه مقنع عن أن ننظر في تراثات وإنجازات العالمين، من غير المُسلِمين وحتى من المُسلِمين الذين لم يعودوا إلى القرآن الكريم ولم يُؤسِّسوا علومهم ومعارفهم ولم يستمدوها ويستنبطوها من آيات كتاب الله – تبارك وتعالى -.

هلوسة دينية، هوس حقيقي، وظاهره أنه تعظيم لكتاب الله، ورفع من شأنه ومثابته، واحتكام إليه، وسيظهر ما في هذه الدعوى العريضة التي وصفها غير واحد من أئمتنا الكبار كأبي إسحاق الشاطبي – رحمه الله تبارك وتعالى – بالآتي، وقد أصاب في هذا، قال أُناس جاوزوا الحد في الدعوى على كتاب الله أنه يتضمَّن علوماً ومعارف من جنس كذا وكذا، هذا الكلام كذب على الله، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ۩.

التجربة والبُرهان والواقع – الماضي والحاضر والمُستقبَل – برهن وسيُبرهِن هذا، وسوف نرى مصداق ما نقول من هذه الكلمات، التي قد تبدو جريئة وجريئة جداً.

آخر ما يُمكِن أن نحتاج إليه أن نُزهَّد في العلم، ومجموع ما يُنتِجه العرب جميعاً – أكثر من عشرين دولة عربية، هذا مجموع ما تُنتِجه كل الدول العربية، تماسكوا الآن قليلاً – يُساوي واحد في المائة فقط مما تُنتِجه ليس البشرية وإنما إسرائيل، أعني الإنتاج العلمي، في الطب والفيزياء والكيمياء والصيدلة والزراعة، واحد في المائة! وهذه كارثة، بحسب الخبير في السياسات العلمية، وهو أيضاً أستاذ فيزياء مشهور جداً، وهو أنطوان زحلان (أحد الكفّار أيضاً، الذين لا ينبغي أن نثق بعلومهم وإحصاءاتهم ودراساتهم، لا! ينبغي أن نثق بهلاوسنا وبهوسنا وبما نُريد أن نثق به وبما نُحِب أن نثق به، ما شاء الله نحن أقوياء، أقويا جداً جداً – بفضل الله -، نحن أقوياء في الفضاء وفي البر وفي البحر، ولا يستطيع أحد أن يقرع لنا العصا، لأننا أقوياء جداً، واضح أننا أقوياء، ومن قرون – ما شاء الله – نحن الأقوى، نحن الأقوى ولذلك لا نحتاج لا إلى إحصاءات ولا إلى دراسات ولا إلى علوم ولا إلى معارف، حسبنا كتاب الله، كأن الله أنزل كتابه لكي نُقيم منه بنايات الفيزياء والكيمياء والصيدلة والجيولوجيا Geology والبليونتولوجيا Paleontology، إلى آخره، إلى آخره، إلى آخره! أين قال الله هذا في كتابه؟ أين قال هذا نبيه؟ أين فعله؟ وأين دل عليه؟ شيئ عجيب، مرة أُخرى وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ۩).

من بين ثلاثمائة وخمسين ألف كتاب علمي – يكتبون في العلوم، وليس شرطاً أن يكونوا حتى علماء مُتخصِّصين، هناك أُناس لديهم ثقافة علمية واسعة يُبسِّطون ويُقرِّبون العلوم إلى العامة، إلى الشعب، وإلى الناس، في العالم يُوجَد الآن منهم، لكن هذا قبل سنوات طويلة، حقيقةً قبل ثلاثين سنة، كان يُوجَد أكثر من ثلاثمائة وخمسين ألف كاتب علمي – يُوجَد في إسرائيل وحدها ستة آلاف وستمائة، دويلة كانت تعد أربعة ملايين، فيها ستة آلاف وستمائة كاتب علمي، هؤلاء الكتّاب العلميون يكتبون في العلوم، يُقرِّبون وينشرون الثقافة العلمية بين الناس، لأن العلم لُغة العصر، العلم كرامة العصر، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ۩، الذي يكون محمولاً في البر والبحر ومحفوداً ومحشوداً ومحوطاً ومصوناً ومنيعاً معصوماً لا يستطيع أحد أن يدوس له على طرف، افعلوا هذا مع أمريكا، لا تستطيعون، لماذا؟ لأنهم أقوياء في البر والبحر والجو، هؤلاء يعيشون بكرامة، يعيشون بكرامة! وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ۩.

العلم أصبح جُزءاً من كرامة الإنسان، العلم يُؤسِّس أيضاً لكرامة الإنسان، يُعزِّز كرامة الإنسان، ويُكرِّس كرامة الإنسان، الفقير الجاهل المريض النهب للخُرافة والأساطير ليس مُكرَّماً وليس كريماً في حياته، بل هو مهين ويعيش حياة مهينة، وتستطيع الحالية والعاطلة أن تجور عليه وأن تحيف عليه متى شاءت أو متى شاءوا، هل هذا واضح يا إخواني؟

إذن في العالم العربي كله بل في العالم الإسلامي – يا ليت في العالم العربي، يا ليت! هذا في العالم الإسلامي، أكثر من سبعين دويلة ودولة وجنسية – ثلاثة آلاف وثلاثمائة كاتب علمي، الله أكبر! مليار ونصف من البشر على الأقل، فيهم ثلاثة آلاف وثلاثمائة كاتب علمي فقط، ثم هؤلاء يزعمون – ليس الثلاثة آلاف والثلاثمائة، لا! وليس العالم الإسلامي، وإنما شيئ منزور بسيط بفضل الله، لا يكاد يُرى – أننا لا نحتاج إلى العلم، وأن لدينا ما يكفي من العلم أو مما يُمكِن أن نُؤسِّس عليه العلم، كتاب الله – تبارك وتعالى -.

لا أُريد أن أُطوِّل، لا أُريد أن أدخل في مخاضة موضوعة الصراع بين العلم والدين والنماذج الأربعة مع أنه موضوع مُهِم، لا أقول موضوع طريف ولطيف، لا! وإنما موضوع مُهِم وحيوي ويستحق منا سلسلة مُحاضَرات، ليس خُطبة جُمعية وإنما سلسلة مُحاضَرات، نتحدَّث فيها عن النماذج المُقترَحة للعلاقة بين العلم والدين، هل هي علاقة صراع؟ هل هي علاقة تمايز؟ هل هي علاقة حوار؟ هل هي علاقة اندماج وتمثل؟ أربعة نماذج مشهورة على كل حال، هذا موضوع آخر، ولابد طبعاً أن يُتكلَّم فيه مبدئياً، يمُهَّد له بتعريف العلم، ما هو العلم بالضبط؟ وما الذي نُريده من لفظة العلم؟ طبعاً حتى نكون واضحين نحن في هذا السياق نتحدَّث عن العلم بالمعنى الشائع الآن، العلم بالمعنى الشعبي، أي العلم الصُلب، بالذات العلوم الحيوية والطبيعية والكونية، لا نتحدَّث حتى عن الإنسانيات، علم النفس وعلم الاجتماع وحتى علم الاقتصاد، لا نتحدَّث عن هذا، نتحدَّث عن الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك وعلم الأحياء وأمثال هذه العلوم، هذه العلوم بالذات! وسر القوة هذه، هذه سر القوة وسر التطور، التي تكشف عن الطاقات الهائلة في الوجود، في الآفاق، وفي الأنفس، هذه هي العلوم، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ۩، العلوم الحيوية جميعاً، سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ۩، أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ۩، آيات النظر في السماوات والأرض بالعشرات، الآيات اللافتة إلى هذا بالعشرات، أي التي تلفت إلى وتحث على وتُفوِّض، انتبهوا! أنا أُحِب أن أستخدم هذا المُصطلَح بالذات، القرآن أعطانا تفويضاً بدرس العالم، عالم الخليقة والفليقة، عالم الآفاق والأنفس، تفويض إلهي! ونحن خلفاء الله في هذه الأرض.

فلسفة العلم الطبيعي في القرآن العظيم يُمكِن أن تُلخَّص بكلمة واحدة، أننا مُستخلَفون ومُفوَّضون من الله، وعبر المئين من آيات كتاب الله، بحسب الإمام المُجدِّد محمد عبده هناك سبعمائة وخمسون آية كما يقول، بحسب العالم الكبير طنطاوي جوهري والذين كان ذا نزعة علمية مُفرِطة – رحمة الله تعالى عليه، صاحب الجواهر – هناك أكثر من ألف آية، أكثر من ألف آية ذات طابع طبيعي، تتحدَّث عن مثل هذه العلوم، وهي علوم بنص كتاب الله – تبارك وتعالى -، لأن بعض الناس الشانئين والضاغنين على الإسلام يقولون لك لا، هذا كلام فارغ، يضحك عليك المشايخ وهؤلاء المُهوَّسون المُسلِمون والعلماء والأئمة، لا! القرآن فقط يُقدِّس ويعتبر ويعتد بالعلم الشرعي، فقط! العلوم الكونية والحيوية القرآن لا علاقة له بها، وهذا كذب، هذه الآيات واضحة جداً جداً، تتحدَّث عن عالم أو عن عوالم الآفاق والأنفس، وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ۩ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ۩، وأول الآية عن الثمرات أيضاً، إنزال الماء والثمرات، وهذه كلها شؤون علمية حقيقية، علم المياه وعلم النباتات وعلم الجبال والجيولوجيا Geology والجيوفيزياء Geophysics – مثلاً – وعلم الألوان والأعراق – أي الــ Races -، علوم كثيرة! ثم قال الْعُلَمَاء ۩، أي علماء؟ في هذه الشؤون، واضح جداً جداً.

يا سيدي القرآن الكريم في المئات من الآيات يدعو إلى نوع من البرهنة على وجود الله وصفاته من حكمة وقدرة وبداعة أو إبداع – إلى آخره – عبر ما يُسمى البُرهان أو البراهين الآيوية، المُسلِم البسيط الآن أو المُسلِم الساذج إذا سمع كلمة آية فإنه يقول لك الآية في القرآن الكريم إما أن تكون آية متلوة مثل آيات التوراة والإنجيل والزبور والقرآن – هذه آيات -، وإما أن تكون آية كونية، آفاقية وأنفسية، القرآن يُسميها آيات، وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ۩، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ۩، آيات! آيات السماوات والأراضين، أليس كذلك؟ حتى الآيات المُستخلَصة من درس وقائع ومجاريات كوائن التاريخ طبعاً هي آيات وعبر ومواعظ أيضاً، هذه البراهين الآيوية، لدينا إذن حث على النظر فيها وتحفيز وتفويض، لكن انتبه، القرآن لم يقل لك لابد أن تعود إلىّ وإلىّ فقط – ويُعطي نفسه سُلطة مُطلَقة، مُقفَلة ومُغلَقة، ما يُسمى بالسُلطة – لكي تفهم الأنفس – بالمعنى العلمي الآن، كما قلنا الحيوي – والآفاق – أي العوالم، السماوات والأرض والشموس والنجوم والمجرات والكواكب والسُدم والأرض وما يتعلَّق بها – من القرآن، مُستحيل! هذا كذب، القرآن فوَّضك وأحالك على الخارج، قال لك اذهب، انظر، سر، ادرس، وافهم، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۩، ليس بدأ الخلقُ، لا! هذا الفعل ليس لازماً، المقصود هو كيف بدأ اللهُ الخلقَ، وهي في العنكبوت، فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ – أي اللهُ – الْخَلْقَ ۩، كيف أعرف هذا؟ ليس بالنظر في كتاب الله، كتاب الله يُعطيني تلميحات – Tips – وإلماعات، هذا مُمكِن، فقط! أشياء تُلهِم، أشياء من المُمكِن أن تُحرِّك حدوساً، تبعث على افتراضات، وضع افتراضات قد تكون صحيحة عند شخص وخاطئة عند شخص آخر، لأن الفهم يتفاوت، الفهم يتفاوت والقدرة على الاستشفاف أيضاً والتأويل للنص الكريم تتفاوت من شخص إلى شخص، تتفاوت من شخص إلى شخص ومن خلفية معرفية أيضاً إلى خلفية معرفية، وبالتالي من عصر إلى عصر، لأن الخلفيات المعرفية تتفاوت من عصر إلى عصر، لأن الصفة الأعلم للعلوم والمعارف البشرية هي ماذا؟ التراكمية، بخلاف النص الديني.

النص الديني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، النص الديني غير قابل للزيادة والنُقصان، بالعكس! كماله في تماميته وانغلاقه، ممنوع أن تُضيف عليه أو تنقص منه، العلم البشري كماله وتطوره وترقيه في ماذا؟ في أن تحذف منه وتنسخ منه وتشطب منه ثم تُضيف وتُعدِّل، هذا العلم البشري، شأن بشري، لأنه منتوج بشري، والنص هو ماذا؟ كلام الله – تبارك وتعالى -، مُغلَق هذا، واضح جداً!

لابد أن يكون هذا مُقرَّراً ومُمهَّداً لدى الجميع – إخواني وأخواتي -، هذا يكفي، إذا أردنا أن نتحدَّث عن الدين والعلم فهذا يكفي، أننا خلفاء الله في الوجود أو في الأرض، ولدينا تفويض من الله، قد يقول لي أحدكم ما معنى هذا؟ أي ما الذي أتيت به؟ ما الذي نسبته إلى القرآن؟ أهذا شيئ عظيم؟ عظيم، وعظيم جداً، وكان له دور هائل في بعث المُسلِمين على ماذا؟ على تأسيس معارف وعلوم طبيعية وكونية مُختلِفة، هذا الحث الإلهي، هذا التفويض الإلهي، وهذا التشجيع والتحفيز الإلهي، خلافاً لأديان أُخرى، ولأكون مُحدَّداً خلافاً للمسيحية بالذات الأوروبية في العصور الوسطى.

هناك النزاع بين العلم والدين، يُمكِن أن نتحدَّث عنه إذا أردنا، لكن – كما قلت – هذا موضوع مُحاضَرة أو مُحاضَرات عن النزاع بين العلم والدين، وبهذا المعنى تقريباً – ما عدا استثناءات، موجودة هذه الاستثناءات – لم يشهدنا تاريخنا الإسلامي – بفضل الله تبارك وتعالى – نزاعاً حقيقياً بين النص الديني أو بين الدين في عمومه وفي إجماله وبين ماذا؟ العلم، أي العلوم الكونية والطبيعية، لم يشهد! لكن الغرب المسيحي شهد، وأنتم تعرفون هذا، كانت هناك معارك شديدة واضطهادات مريرة مأساوية، كان يُخرَج أحياناً أهل الفكر وأهل العلم من قبورهم بعد أن غبرت عليهم عقود ويُجلَدون، يُخرَجون ويُجلَدون ويُحرَقون، ثم يذرون رمادهم في مياه الأنهار، مثل ما حدث مع المُصلِح الكبير جون ويكلف John Wycliffe الإنجليزي، الذي ترجم قبل مارتن لوثر Martin Luther بثلاثمائة سنة تقريباً الكتاب المُقدَّس من اللاتينية إلى الإنجليزية، كان من أوائل ومن روّاد الإصلاح الديني، قبل لوثر Luther والجماعة هؤلاء – قبل لوثر Luther وقبل الآخرين المعروفين، مثل زوينكلي Zwingli وجون كالفن John Calvin وأمثال هؤلاء بثلاثمائة سنة تقريباً -، لماذا فعلوا معه هذا؟ لأن الرجل طبعاً ترجم – كما قلت – الكتاب المُقدَّس من اللاتينية إلى الإنجليزية، لوثر Luther فعل هذا إلى الألمانية، لكي يجعل الميدان مفتوحاً للكل، أن يتأمَّل نص الكتاب المُقدَّس، أي لا يبقى حكراً على رجال الدين ورجال الكنيسة، فتح أمام الكل الميدان، وقال لهم تأمَّلوا في كتاب الله، فهذا أغضبهم جداً.

ما أغضبهم أكثر أن الرجل كان سابقاً سابقاً سابقاً لعصره، واستناداً على معلومات ضئيلة في الجيولوجيا Geology وما يتعلَّق بالحفريات افترض أن عمر الأرض لابد أن يكون أكثر بكثير مما يُقدِّر رجال الدين، استند إلى بدايات – بدايات غائمة مُغبَّشة – في علم الحفريات، أي في البليونتولوجيا Paleontology، وهو علم الإحاثة أو علم الحفريات كما يُقال، أي الــ Fossils، هذا الرجل افترض أن عمر الأرض لابد أن يكون أكثر بكثير مما يُقدِّر ماذا؟ رجال الدين، كل رجال الدين استناداً إلى ظواهر الكتاب المُقدَّس، بحسب الكتاب المُقدَّس الأرض تقريباً عمرها والجنس البشري كله ستة آلاف سنة، الآن – في اللحظة هذه – ستة آلاف سنة! لماذا؟ لأنها خُلِقت أربعة آلاف وأربعة قبل الميلاد، في شهر أكتوبر، أعتقد في الثالث والعشرين من أكتوبر، في الساعة التاسعة، قالوا في الساعة التاسعة، ولم يُحدِّدوا صباحاً أو مساءً، يا سلام! هذا قال لك هذا كلام فارغ، جون ويكلف John Wycliffe قال لك هذا غير صحيح، الأرض عمرها مئات ألوف السنين، قالوا له أتقول إن عمرها مئات ألوف السنين يا زنديق؟ قالوا إنه زنديق، وأخرجوه من قبره بعد أن غبرت عليه عقود، وأحرقوا رفاته، ثم ذروه في أحد أنهار لندن، لأنه يقول بهذا، لكن في نهاية المطاف مَن الذي كسب؟ ومَن الذي خسر؟ العلم هو الذي كسب جولة إثر جولة إثر جولة، لأن العلم يأخذ بيدك ويقول لك انظر، المس، شاهد، شاهد بالمقراب، أي بالتلسكوب Telescope، شاهد بالميكروسكوب Microscope، أي بالمجهر، شاهد، انظر! وهذه النتائج وهذه الفروض وهذه التجارب وهذه الإحصاءات، تفضَّل كل هذا، طبعاً تُكابِر كمُتدين مُهوَّس ربما، تُكابِر سنة وسنتين، غيرك يُكابِر، جيل يُكابِر، ثم بعد ذلك تكون في معركة انسحاب انسحاب انسحاب انسحاب، يتقدَّم العلم وينسحب الدين، والمعرة تلحق بالدين، لا تلحق برجال الدين الجامدين، للأسف تلحق بالدين، هذا الذي حدث وهذا الذي يحدث.

على كل حال لم أُكمِل الفكرة، في الغرب الصراع كان ماذا؟ طبعاً الصراع مُستويات، هذا المُستوى الأعمق، والمُستوى الأشد حسّاسيةً وحراجةً لصراع العلم والدين، العلم ينتهج منهج ماذا؟ منهج الفرضية المُلاحَظة، في الأول لابد أن تُلاحِظ مجموعة ظواهر أو مجموعة حقائق مُفكَّكة، تفرض فرضية مُعيَّنة، يُمكِن أن تُفسِّر هذا المُفكَّك، أن تنظمه في نظام واحد، وأن تجعل له معنىً بدل ما هو فُرط، ثم تُخضِع هذه الفرضية وتُلاحِقها بالتجارب المُختلِفة، إما نجحت وإما خابت، إن خابت فهذا سيعني أن عليك أن تستبدل بها فرضية أُخرى، ثم تستبدل بها فرضية أُخرى، وهكذا إلى أن تنجح، إن نجحت هذه الفرضية وأعطت قدرة تفسيرية عالية على تفسير مُعظَم ما يتعلَّق بالظاهرة وبمجموع الظواهر فهذا سيعني أنها أصبحت ماذا؟ أصبحت نظرية، أصبحت Scientific theory، أي نظرية علمية، كلمة نظرية علمية لا تعني فرضية، انتبهوا! الفرضية هي البداية، النظرية العلمية شيئ أعم حتى من الحقيقة، لماذا؟ لأن النظرية من شأنها أن تُفسِّر مجموعة حقائق، هي حقائق كثيرة، لكن هذه الحقائق ماذا؟ فُرط، تفاريق، غير منظومة في نظام واحد، تأتي النظرية وتنظمها جميعها في نظام واحد، هذه النظرية! النظرية شيئ قوي جداً، أعني النظرية العلمية المُجرَّبة والقابلة للدحض، وسوف نشرح هذا – إن أسعفنا الوقت -.

طبعاً أُشفِق على نفسي حقيقةً وعليكم وعلى إخواني وأحبابي، حين أتناول موضوعات من جنس هذا الموضوع، موضوعات طويلة عميقة عريضة، تحتاج إلى عشرات وعشرات – والله – الساعات وألوف الصحائف أن تُكتَب فيها، واضطر إلى أن أتناولها ومن على منبر جُمعة، ولا أُحسَد على هذا، من أجل ماذا؟ من أجل أنني أرى أنني مُؤتمَن ومدفوع ومسؤول عن أن أدق ناقوس التحذير والخطر، ممنوع أن أسكت، مُحرَّم! ومُحرَّم عليكم أن تستكتوا، لأن السكوت سيزيد إلى مزيد من اتساع الخرق على ماذا؟ الراتق أو الراقع، ومزيد من حالة الخبل والتخلف والرجعية التي نعيشها، ولا يجوز أن يستمر هذا الوضع، لأننا دفعنا ولا نزال أبهظ الأكلاف، أفدح الأثمان، جراء تخلفنا العلمي والتقني، أليس كذلك؟

المعركة أو الحرب التي كانت تأخذ بين المُسلِمين والصليبين أشهراً بل سنوات طويلة وعقوداً – ينتصر هذا مرة وينهزم مرة، يرتفع هذا وينخفض هذا – أخذت وقتاً قياسياً في ضآلته وصغره بين جيوش نابليون Napoléon المُدججة بالبارود والمدفعية الثقيلة – الحديثة طبعاً وليس القديمة – والبوارج الحربية التي تُلقي النيران على المُدن والسواحل وبين جيش المُسلِمين في مصر المُمثَّل في المماليك أو بقايا المماليك برماحهم وقسيهم – جمع قوس – وسيوفهم وخيولهم وألبستهم الحربية التقليدية، المسألة سريعاً جداً جداً حُسِمت، وبالطبع ستُحسَم سريعاً، لا يُمكِن إلا هذا، لأنها معركة بين التقدم والتخلف، بين العلم والبدائية، بدائية هذه! هذه أسلحة بدائية ووسائل بدائية، أنت الآن مع أوروربا المُتقدِّمة جداً، كل شيئ انتهى في سويعات يسيرة، هذه المعارك الأولى طبعاً، أي طلائع المعارك، وكانت صدمة، ويا لها من صدمة! للمُسلِمين في مصر وللمماليك، فما الذي حصل؟ الذي حصل أنكم نائمون في العسل، من قرون أنتم نائمون، والقوم مُجتهِدون، يعملون ليل نهار، وقد تخطوا بعد أن دفعوا أيضاً أثماناً باهظةً كما رأينا بعض النماذج، ناس سُجِنت، ناس ماتت في السجون، ناس خُلِعت، ناس قُصِلت رؤوسها، ناس أُحرِقت أحياء، مثل جوردانو برونو Giordano Bruno، علماء ومُفكِّرون أحرار وفلاسفة ورجال علم تحمَّلوا ودفعوا ثم انتصرت الحقيقة، ثم انتصرت الحقيقة!

هذا حدث في هزيمة سبعة وستين، هذا حدث في عار نكسة ونكبة سبعة وستين، يقولون إنها نكسة، نكسة ماذا؟ هل انتصرت قبلها؟ أنت عندك نكبة قبلها! نكبة إثر نكبة، وعار على عار، نضحك على أنفسنا باستعمال الكلمات هذا الاستعمال السخيف، هذه طريقة العرب، طريقة العرب المُعاصِرين السخيفة – والله العظيم – يا إخواني في التنكر للحقائق، يقولون لك إنها نكسة، لا! هي نكبة، أنكب من النكبة حتى الأولى، لا تقل عنها على الأقل في أضعف الإيمان، لم يقل لنا وقتها السبب، وحتى ربما إلى هذا الزمن، لا يقول هذا إلا بعض الناس، الذي قيل وقتها وبصوت زاعق وصارخ هُزِمنا لأننا ابتعدنا عن الله، هُزِمنا لأننا عادينا الله، كأن هؤلاء ينتصرون وينهزمون بحسب القُرب والبُعد من الله، غير صحيح! والله – أنا أقول لك والله – لو جاء أتقى الأتقياء وأولى – إن جاز التعبير – أولياء الله – تبارك وتعالى – وحاربوا مع تخلفهم العلمي والتقني أكفر الكفّار وألحد الملاحدة المُتقدِّمين علمياً وتقنياً الأرجح أنهم لن ينتصروا، وهذه قضية كما يُقال الآن في المنطق الحديث مشروطة، هذه قضية مشروطة احتمالياً، أي الاحتمالية فيها مشروطة، Conditional probability proposition، قضية احتمالية مشروطة، قضية احتماليتها مشروطة، لكن نحن نقول هذا بنسبة تسعة وتسعين في المائة، والله حر بعد ذلك، يُمكِن أن ينصر حتى فئة قليلة جداً مُتخلِّفة إذا شاء، لكن ليس هذا منطق السُنن، الله يُحيل دائماً على منطق ماذا؟ السُنن، ولذلك قال وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ۩.

ذات مرة ناقشني أحدهم في هذه الآية، وذكرت هذا لكم، ماذا أقول؟ أنا أتكلَّم وأنا مألوم، هل تعرفون لماذا؟ لأننا نُضطَر ونحن في القرن الحادي والعشرين أن نُوضِّح البدهيات، وهذا طبيب، وهذا مُهندِس، وهذا مُؤرِّخ، وهذا على الأقل يحمل ثانوية عامة، وهذا معه دكتوراة فيما لا أعرف، نُضطَر مرة وألف مرة أن نعود لنُوضِّح البدهيات، يا لهذه الأمة! يا لهذه الثقافة! نُوضِّح بدهيات يا أخي، أنت تُوضِّح بدهيات، وطبعاً يُعجِب هذا الناس، يقولون لك ما شاء الله، أفحمهم الرجل، تكلَّم في كذا وكذا، أفحم ماذا؟ أنا أتكلَّم في بدهيات، لا أُحسَد على ما أنا فيه، أُقسِم بالله! ولا تُحسَدون على أن تسمعوا تقرير بدهيات.

أتى إلىّ شخص مُتعلِّم جامعي لكي يقول لي يا شيخ لكن الله قال وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ۩، هذا الذي نستطيعه، نحن نستطيع أن نُعِد سيفاً خشبياً، وسنُقاتِل به وننتصر، قلت له لم تُصِب، أخطأت يا أخي، قال كيف؟ قلت له أكمِل الآية، ولا تتخذ القرآن عضين، قال وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ۩، قال تُرْهِبُونَ ۩، لا يُمكِن أن تُعِد لمَن عندهم القنابل الذرية والهيدروجينية وهذه البوارج وهذه الأقمار الصناعية وهذه الأسلحة، لا يُمكِن أن تُعِد لهم سيوفاً من خشب أو قنابل مولوتوف Molotov ثم تقول لي أرهبتهم، حتى هذا كذب، أنت لم تُرهِبه، حتى هذا وهم فارغ، أنت لم تُرهِبه يا أخي، أرهبت نفسك، تكذب على مَن يا رجل؟ قال أرهبناهم، بماذا أرهبتهم؟ الله قال تُرْهِبُونَ ۩، أي لابد أن تُعِد من جنس ماذا؟ إعدادهم.

إذا لم تكن مُستعِداً فأخِّر، لست في وارد أن تخوض معارك، معارك ماذا؟ ستفنى فيها يا رجل، ستفنى! وهم الذين يُحِبون أن تُخاض هذه المعارك، وأن تخوض أنت معهم هذه المعارك، لأنك ستفنى، وبسهولة سيفنونك يا مسكين!

سُئل مرة مولانا جلال الدين الرومي عن الآتي، وهذا صوفي، انتبهوا! يقول لكم أحدهم عدنان إبراهيم عقلاني وفيلسوف، لا! ليست حكاية عقلاني وفيلسوف، أنا قرآني – بفضل الله عز وجل -، قرآني! أفهم كتابي بالطريقة التي لا تنصب العداء بين كلام الله وبين فعل الله وبين سُنن الله في الخلق، بين كلام الله وبين الحقائق المُجرَّبة والمُبرهَنة والمُتواتِرة وبين الوقائع المحسوسة، هكذا! ليس أن تفهم كتاب الله وتدّعي أنك تفهم كتاب الله بطريقة تنصب بها العداء بين كلام الله وخلق الله وفعل الله وقوانين الله ونواميس الله في الوجود وخبر الله حتى في القرآن، ثم تقول لي أنا حر، أنا أفهم كتاب الله، أنا عندي اعتقاد عظيم في كتاب الله، أنت عقلاني وفلسفي، ما الهبل هذا؟ ما حالة الهبل التي نحن فيها هذه؟ اسمحوا لي على هذه العصبية وهذا الانفلات، لأنه فعلاً موضوع مؤلِم جداً يا إخواني.

سُئل على ما أعتقد جلال الدين الرومي – وتُنسَب إلى غيره – عن الآتي، والمسؤول ليس عقلانياً وليس فيلسوفاً، لا! لم يكن ابن رشد، الزنديق في نظرهم، لم يكن ابن سينا أو ابن باجه أو ابن طُفيل أو مُلا صدرا، بالأمس كنت أقرأ لمُترجِم عربي كبير، يُترجِم عن الإنجليزية، يقول سدرة، سدرة! لا يعرف مَن هو مُلا صدرا، في حياته لم يسمع بمُلا صدرا، شيئ مُقرِف! هذه الثقافة العربية، معه دكتوراة، وهو كبير ومُتعلِّم، أستاذ في الجامعة ويُترجِم كُتباً، يقول سدرة، أين سدرة هذا؟ الكاتب الإنجليزي كتب Sadra، يعني مُلا صدرا، لكن لا تُوجَد ثقافة عند كثير من هؤلاء، وبعد ذلك – والله – في السطر الثاني يقول منصور الدافنجاقي، مَن هذا؟ أين هذا؟ مَن منصور الدافنجاقي؟ الإنجليزي كتب طبعاً اسم المنصور الدوانيقي بالإنجليزية، أنجلز – تماماً كما نقول عرَّب – المنصور الدوانيقي، يعني أبا جعفر المنصور، كان يُعرَف بالدوانيقي، لكنه قال الدافنجاقي، اذهب وابحث عن الدافنجاقي، ووالله لن تجده في أي موسوعة، أُقسِم بالله العظيم!

مثل شخص آخر قال لك أنا مُتخصِّص في تاريخ العلم والفكر، وهناك العالم الأوروبي كوبرنيكن Copernican، لا أعرف مَن هذا، وغير موجود شخص اسمه كوبرنيكن Copernican، كوبرنيكن Copernican وصف، النسبة إلى كوبرنيكوس Copernicus، أي نيكولاس كوبرنيكوس Nicolaus Copernicus، فنقول الــ Copernican evolution – مثلاً -، أي التطور الكوبرنيكي، نقول الــ Copernican revolution، أي الثورة الكوبرنيكية، قال لك العالم كوبرنيكن Copernican، وهو مُتخصِّص في الفكر، عار! ثم يأتي هؤلاء بالمُناسَبة يُجادِلونك، ويقفزون في وجهك، ويزعمون أشياء غير صحيحة، يقولون هذا فيلسوف، عقلاني، زنديق، مدسوس، ماسوني، صهيوني، يهودي، باعوه، واشتروه، تباً للجهل يا أخي، تباً للغباوة، تباً للجراءة والجسارة، وماذا بعد؟ حسناتك التي تدل بها تُعَد عيوباً، يقول لك أحدهم يقرأ كثيراً هذا، يقرأ كثيراً! فماذا إذن؟ ماذا تُريد؟ تُريد أن أُبربِر كثيراً، تُريد أن أُهرطِق كثيراً، أتكلَّم – قال – من رأسي، انتهى عهد الكلام من الرأس هذا، وانتهى الزعم الفارغ أنك تبني علوماً في الطبيعة والوجود والكون من كتاب الله، غيرك كان أشطر، لم يعملها واحد، ولم تنجح مرة، ما رأيك؟ أتحدى على المنبر، ائتني بواحد من التاريخ بنى نموذجاً علمياً أو نظريةً علميةً في علوم حيوية أو في علوم طبيعية أو في علوم رياضية مأخوذة من الكتاب والسُنة، ائتني بهذا، لم يحصل ولن يحصل، لأن كتاب الله – تبارك وتعالى – لم يُنزَل ولم يُوح به من أجل هذا، ما رأيك؟ والله لو أُوحيَ به من أجل هذا لفعلها الألوف قبلك، أليس كذلك؟ العباقرة الكبار، مثل ابن الهيثم وابن النفيس وابن زهر والغرناطي وفلان، لم يعملها واحد، وهي لا تُعمَل، لم تحصل مرة!

في الباكستان وحتى في البلاد العربية يتحدَّثون الإعجاز العلمي في الكتاب والسُنة، صدَّعوا رؤوسنا ونفخوا أدمغتنا – اسمعوا الآن – بأبحاث من مثل قياس سرعة الجن، كيف سأعرف؟ ومُعادَلات رياضية – أُقسِم بالله – قُدِّمت في مُؤتمَرات علمية، في تلك الأيام كانت برعاية المرحوم ضياء الحق – مثلاً -، قياس سرعة الجن! ومُعادَلات ورياضيات – Mathematics – وما إلى ذلك، وأنت تتعقَّد، وبعد ذلك كيف أعرف؟ كيف أعرف؟ ائتني بجن، اربط لي إياه، أي اربط لي الجن هذا، وسوف نضعه مع صاروخ نفّاث ونحن نقول له انطلق، وبعد ذلك سوف نرى، هذا مبدأ القابلية للدحض، كيف سأعرف يا أخي؟ هذا أولاً.

ثانياً قال لك قياس كمية الثواب للمُصلين بالمُعادَلات الرياضية، وعمل لك Diagram، أنا رأيته، أي هذا شغل فظيع، كمية الثواب تُعرَف بحسب عدد مَن يحف بك من المُصلين، في الصف الأول والثاني كم؟ ثم نحسب كمية الثواب، لكن كيف سأعرف؟ كيف سأعرف؟ يا ليتنا نقدر على أن نطلع على اللوح المحفوظ! يا ليت الملائكة التي تكتب الصحائف هذه تسمح لي مرة بهذا، تفتح لي روزنة هكذا أو نافذة صغيرة لكي أطلع وأرى كمية ثواب مَن صلى في الصف الأول والصف فيه خمسمائة ومَن صلى في الصف الأول والصف فيه خمسون، ثم أرى كيف هذا وأختبر مُعادَلتك الرياضية يا فهلوي ويا عبقري، هؤلاء عباقرة المُسلِمين، هذه حالة الهبل التي نحن فيها، وبعضهم عندهم دكتوراة في الفيزياء، في الفيزياء النظرية، في الفيزياء النووية، وفي الرياضيات، لكن عقولهم أكل بها كما نقول حلاوة أدعياء الإعجاز في الكتاب والسُنة، مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩، كيف فهمتهم الآية أنتم؟ كيف فهمتوها على هذا الوجه؟ الآن سأُناقِشهم في هذا، هذا ضروري، لأننا – كما قلنا – نُريد أن نُوضِّح البدهيات، هذه بدهيات! مَن درس علماً إسلامياً صحيحاً ودرس تفسيراً وعمره ثنتا عشرة سنة يفهم – والله – الجواب، والله يفهم الجواب! ونحن الآن نضطر ونحن في العمر هذا وفي السن هذا وفي اللحظة التاريخية هذه من حياة الأمة المسكينة المكروبة المحروبة إلى أن نُوضِّح البدهيات، ونقول له لا، ليس معنى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩ كما فهمت، ما رأيك؟

قال لك مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۩، لا تقل لي هناك كواكب، كالمريخ والمشتري وعطارد وأورانوس وكذا، لا تقل لي هذا، كيف لا أقول لك هذا؟ قال لك مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۩، الله! ما الهبل هذا؟ هل لو هناك شيئ ليس مذكوراً باسمه في كتاب الله نحن لن نُؤمِن به حتى ولو رأيناه بالمقراب الفلكي؟ هذا يعني أيضاً أن كل النظرية الجرثومية سنُنكِرها، السلام عليك يا روبرت كوك Robert Koch ويا لويس باستور Louis Pasteur، انتهت النظرية الجرثومية، أهل التراب على الطب وعلى الباثوجينس Pathogens وعلى الأدوية والصيدلة، لأن لا يُوجَد ذكر لها في القرآن، لم نر نحن في كتاب الله شيئاً عن الميكروبات والمُمرِضات عموماً، لم نر شيئاً عن المُمرِضات، فهل لن نُؤمِن بها حتى لو رأيناها بالتلسكوب Telescope؟ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۩، أهكذا أنت تفهم الآية؟ هل هذا معنى الآية التي تقول مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۩؟ اقرأ الآية في سياقها إذن، وقل لي متى قال الله هذا، الله يتحدَّث يا أخي عن هؤلاء المُشرِكين وهؤلاء الوثنين الذين أتوا إلى أحجار وأخشاب وأوثان وأصنام ادّعوا فيها الألوهية، وسموها آلهةً وأرباباً، الله قال لهم هذا كلام فارغ، هذه لا هي أرباب ولا آلهة، وحقيقتها لا تعدو أن تكون قطعاً من الخشب والحجارة، ليس أكثر من هذا! أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ ۩، الله قال لا أعلم أن هذه الأشياء هي آلهة وأرباب، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۩، الله لم يقل لك أنت مُفوَّض أن تتخذها آلهة، لم يقل لك سمها آلهةً عن تفويض من الله، لم يقل لك اتخذها أرباباً، هذا معنى الآية، ليس معناها أنا لا أُصدِّق بأي شيئ ولا أُذعِن له وإن كان مرصوداً ومحسوساً ومُشاهَداً وتنبني عليه عمارات وبنايات وهياكل العلم.

يا فرحة أعداء الإسلام! أُقسِم بالله، والله قد سمعت أحد المُتنصِّرين يشمت بنا، ويقول هؤلاء المشايخ جعلوا المسألة هينة جداً ويسيرة علينا، أي بمعنى ماذا؟ أي ليس علينا أن نفتئت، ليس علينا أن نتجنى على قرآنهم وعلى دينهم، لا! فقط كل ما علينا أن ندع المجال لهم لكي يتكلَّموا، فإذا تكلَّموا أتوا بالعجائب، أتوا بما يجعل دينهم وأمتهم مسخرةً ومهزأةً بين الأمم، قال لك لا تقل لي عطارد والمشتري، مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۩، يا ما شاء الله! لكن يا أخي الله حتى ذكر الكواكب عموماً، قال فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۩، ذكر الكوكب، إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ۩، وواضح حين يقول أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ۩ أن هناك كواكب – أي في الظاهر – حتى غير الأرض، أليس كذلك؟ حتى على فرض أن الأرض أحد هذه الكواكب فليست الأرض وحدها هي التي تُوجَد، عندك أحد عشر كوكباً مع الأرض إذن، فأين أنت من هذا؟ أم أنك تُريد أسماءها، كأن يُقال لك هناك Jupiter و Mars و Venus؟ أتُريد أسماءها باللاتينية في كتاب الله لكي تُؤمِن بها؟ سينقضي العمر ونحن نطرح عليك ملايين الأسئلة، أين في كتاب الله الدي إن أيه DNA؟ أين في كتاب الله القواعد النيتروجينية الأربعة وهي الثايمين Thymine والسايتوسين Cytosine والغوانين Guanine والأدينين Adenine؟ أين هذه؟ أين… أين… أين… سينقضي العمر! ما الهوس هذا؟ ما الذي يحصل لهذه الأمة؟ ما الذي يحصل لشبابنا؟

بالله يا شباب لا تنتحروا، هذا انتحار، أُقسِم بالله العظيم، وقال لك هناك مُؤامَرات، إذا هناك مُؤامَرات فهذه هي المُؤامِرات، وليس شرطاً أن تكون مُؤامَرات من كذا العالمية وكذا العالمية، هذه مُؤامَرات فعلاً يفرح بها إبليس، إبليس يفرح جداً جداً بمثل هذا الفكر، بمثل هذا الهوس، وبمثل هذا (الهبل) من غير تردد، هذا الهبل يضر بالدين وبالدنيا، يضر بدين المُسلِمين وبدنيا المُسلِمين، أُقسِم بالله العظيم! نحن الآن في مُؤخَرة القافلة، أي مُؤخَّرة القافلة، نحن الآن في مُؤخَرة القافلة، بهذا الفكر سنصير تحت الأرض، ليس في مُؤخَرة القافلة، سنصير في عالم القبور – بإذن الله تعالى -، بمثل هذا الفكر، هل هذا واضح يا إخواني؟

نرجع إلى مولانا جلال الدين الرومي، وهو ليس عقلانياً وليس فيلسوفاً وليس عالماً – أي Scientist بالمعنى الحديث -، لا! هو صوفي رباني، وحين نقول صوفي ماذا نعني؟ هل تعرفون ما معنى أنه صوفي؟ وما معنى أنه ولي من أولياء الله؟ أي إنه يرى كل شيئ من خلال ماذا؟ من خلال الله – تبارك وتعالى -، يرى كل شيئ مُتصِلاً بالله، يرى الهيمنة الإلهية الصمدانية على كل شيئ في الوجود، ومع ذلك لم تمنعه ولايته وتصوفه وربانيته وشفّافيته وإغراقه في العبادة والذكر – قدَّس الله من سره – من أن يُجيب حين سُئل عن رجلين ركبا زورقاً فانكسر بهما في عُرض البحر، أحدهما صالح تقي والآخر طالح شقي، أيهما ينجو – أي في الاحتمال -؟ فقال مَن يعرف السباحة، ليس لها علاقة بصالح وطالح، ليس لها علاقة!

سيقول لي أحدهم كيف هذا يا أخي؟ أنت زنديق! لأنهم أُصيبوا بالهبل، سيقول لي أنت زنديق، أنا أخاف منك، أنا أستريب منك – والله – يا عدنان، وأنت تأتني بهذا، مَن هو هذا؟ مَن الرومي هذا؟ مَن هذا العجمي؟ مَن هو؟ من المُمكِن أن يكون زنديقاً مثلك، أكيد هو زنديق، وما الكلام هذا؟ لا يا أخي، التقي – بعون الله – ينجو، ونحن نقول له بكل بساطة اربع على ظلعك يا حبيبي، أنت لست مُهتَماً كثيراً بدينك أكثر مني، دعنا من الأشياء الشخصية، مثل أنت مُهتَم وأنا غير مُهتَم، دعك من الأشياء الشخصية، الأشياء الشخصية هذه عند الله – تبارك وتعالى -، مَن أتقى؟ مَن أصلح؟ مَن قلبه على الإسلام؟ دعها عند الله، نحن نتكلَّم بالفكر وبالعلم وبالحُجة، الحُجة تُقرَع بالحُجة، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ۩، أنا أقول لك بكل بساطة الأنبياء ألم تُذبَح؟ اذبح واقتل! عشرات الأنبياء ذُبِحوا، لو هذا النبي الذي قُتِل وذُبِح كان له منعة في قومه – أُناس آمنوا به بالمئين وبالألوف – كان مُنِع أو لم يُمَنع؟ كان مُنِع.

ولذلك لوط – حين استضعف نفسه المسكين، وراودوه عن ملائكته – قال ماذا؟ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ۩، هو هنا لا يقصد الله – عز وجل -، يتحدَّث بالمنطق الاجتماعي البسيط، فالنبي قال رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، والنبي يُريد ماذا؟ الله – تبارك وتعالى -، لأن في هذه اللحظة شاء الله أن يُصفّي الحساب، أن يأخذ على أيديهم، وأن يُغلِق هذا الملف الأسود، هيا – قال لهم -، انتهى الأمر، ستنتهي سدوم وعمورة إلى الأبد، هيا! وبضربة واحدة، لكن ليس دائماً كان يحصل هذا، في بعض المرات قبل أن يحصل كان النبي تُقطَع رأسه ويُسفَك دمه، فهذا عادي، إذا النبي قُطِعت رأسه فمن المُمكِن أن شخصاً صالحاً وتقياً ومُؤمِناً كبيراً – كبيراً فعلاً – يغرق في البحر، لأنه لا يُحسِن السباحة، هل هذا واضح؟

ألا ترون أولياء كباراً وأناساً صلحاء حين يصعد أحدهم مكاني على المنبر هذا ويتكلَّم يُخطئ كثيراً في النحو والبلاغة؟ يرفع وينصب، لأنه لم يدرس النحو، لم يعرف الصرف، لا يُمكِن أن نقول لأنه ولي صالح انتهى الأمر، وكلامه أصبح قاعدة، لا! أنا آخذ المعنى الصالح من كلامه، لكن هذا اللحن وهذا الخطأ النحوي أرده عليه، أقول له اذهب وتعلَّم، اذهب وتعلَّم يا مولانا، حين يتكلَّم في الفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا Biology ويُخطئ أقول له Sorry about that، هذا ليس تخصصك، أنت أخطأت كثيراً، وسنرد عليك، مع احترامنا لك يا مولانا، وأنت ولي وكرماتك على عيني ورأسي.

افهموا، لابد أن نكون واضحين، فهل هذا واضح يا إخواني؟ في أوروبا هنا كان يحدث الآتي، وسأُعطيكم فقط فصلاً بسيطاً بل صورة واحدة – ليس فصلاً – من مئات الصور إذا لم تكن آلاف الصور، صورة من مئات الصور! وارجعوا واقرأوا كتاب تاريخ الصراع بين المسيحية وبين العلم في مُجلِّدين كبيرين، موجود على موقع أرشيف، وهو مجاني،archive.org،  في مُجلَدين، من أروع ومن أعجب الكُتب، أحسن من كتاب جون دريبر John Draper، على كل حال هناك مئات مئات الصور، سأُعطيكم إحدى الصور التي ذكرها وايت White – أي ديكسون وايت Dickson White أو أندرو ديكسون وايت Andrew Dickson White – في كتابه هذا، قال ماذا؟ قال كانت الكنيسة في أوروربا العصور الوسطى ومطلع الحديث أيضاً – أي العصر الحديث – تنظر إلى الصواعق على أنها غضب إلهي، وهذا الغضب دائماً لا يأتي إلا عقوبة على خطايا، هؤلاء الكنسيون اعتقدوا أن الصواعق تأتي عقوبةً على خمس خطايا، هناك خمس خطايا وهي كالآتي، أولاً التكذيب، ثانياً الشك، ثالثاً عدم الاهتمام بترميم وإصلاح الكنائس – انظروا إلى المصالح، تُوجَد مصلحة هنا، أي Interest -، رابعاً التزييف والغش والتملص والاحتيال من دفع المُستحَقات للكنائس – مرة ثانية الكنائس، أي هناك سببان يختصان بماذا؟ بالكنائس -، خامساً وأخيراً عدم العناية بالمعوزين وظلم المرؤوسين ومَن هم في ولايتك وسُلطانك، قال هناك خمس خطايا، بسبب هذه الخطايا يُرسِل الله الصواعق علينا، يحترق مرة برج كنيسة، تحترق شجرة، يحترق إنسان مسكين يسير في الشارع، تأتيه صاعقة تحرقه أو تحرق نصفه، قد تقتله، وقد تشله، إلى آخره، قال هذا هو.

وفي يوم من الأيام بنجامين فرانكلين Benjamin Franklin – تعرفون هذا الأمريكي، العالم الكبير، والسياسي أيضاً – أطلق طائرته البدائية الورقية، أثناء ماذا؟ أثناء عواصف فيها صعق، أي فيها صواعق، بروق ورعود، واكتشف الرجل الآتي، هذا عبقري، كان من عباقرة العلم، وهو أول مَن تكلَّم في الكهرباء بالطريقة العلمية، ليس إديسون Edison، وإنما فرانكلين Franklin، أي بنجامين فرانكلين Benjamin Franklin، فرانلكين Franklin أطلق هذا وكشف لأول مرة عن الطبيعة الكهربائية للصواعق، واخترع مُباشَرةً موانع الصواعق، اخترع هذا العامود الذي ترونه، أنتم تضعونه وهو سوف يمتص الصاعقة، ومن ثم سوف تكون البيوت مثل الفُل – كما يُقال -، من أحلى ما يكون، انتهى كل شيئ، انتهى! لكنهم قالوا لا، أعني الكثير من رجال الدين، قالوا هذا غير صحيح، وهو مُجدِّف، مُهرطِق، ملعون، ابن كذا وكذا وكذا، هذا يُريد أن يعوق إصبع الله، ما إصبع الله؟ الصواعق، كانت تُسمى إصبع الله، أستغفر الله العظيم، إصبع الله! هذا يُريد أن يعوق إصبع الله عن أن يفعل فعله، يُريد أن يُشوِّش على إرادة العقاب الإلهي، لعن الله هذا البعيد، هذا زنديق، زنديق ومدفوع، فمَن دفعه؟ ومَن دفع له؟ أي فرانلكين Franklin.

قال لهم أنتم أحرار، لكن بعد ذلك كانت هناك قضية إحصائية، في ألمانيا وحدها – ألمانيا جارتنا هنا – بين ألف وسبعمائة وخمسين وألف وسبعمائة وثلاث وثمانين – أي زُهاء ثلاثين سنة، ثُلث قرن – مئات من أبراج الكنائس – خمسمائة تقريباً أو أربعمائة على ما أذكر – هُدِّمت، احترقت بماذا؟ بالصواعق، ومائة وعشرون من قارعي أجراس الكنائس، لقوا حتفهم، مساكين! تنزل الصاعقة والواحد منهم يقرع الجرس فتقتله، مائة وعشرون لقوا حتفهم وأربعمائة أو خمسمائة برج كنيسة احترق ودُمِّر، بفعل ماذا؟ الصواعق.

في حين أن في الفترة ذاتها كان هناك بيت دعارة مشهور في ألمانيا، بيت الدعارة بقيَ كما هو، لم يُصَب بأذى، لم ينله أذى، بيت الخطيئة! لماذا؟ لأن عنده مانع صواعق، استحيا رجال الدين وقالوا الحكاية أصبحت مفضوحة، وأصبحوا يضعون الآن مانع صواعق، والكنائس كلها تضع مانع صواعق، وكذلك المساجد، والكل أصبح يضعها، الكل! وهي في بيوتنا، أليس كذلك؟ وخاصة حين تضع الطبق هذا – أي الستالايت Satellite -، لابد أن تضع مانع صواعق، وإلا سوف يأتي لي بصاعق ويحرق لك بيتك، هذا نحن نُكرِّره الآن بطريقة أكثر بلاهةً يا إخواني، أكثر بلاهةً مما حصل هناك، وهذا لا يجوز.

قد تقول لي دعنا من هذه الأمثلة – والصور كما قلت لكم بالمئات، إن لم تكن أكثر – وأجبنا لكي نرتاح، لأن هناك أُناساً كما قلت لك يُريدون البدهيات، الله قال مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩، تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ۩، وأنت تقول القرآن ليس فيه طب وهندسة وفيزياء وجيوفيزياء Geophysics وكذا، كل شيئ فيه، كل شيئ! حتى ابن عباس قال لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله، ابن عباس سنضعه على جهة بصراحة، لأن هذا الخبر ليس له أصل ولا فصل، هذا الأثر لا تجده أنت لا في بخاري ولا في مُسلِم ولا في أحمد ولا في طبراني ولا في غيرهم، غير موجود! وتقريباً أول مرة ظهر لنا هكذا في كتاب في القرن السادس الهجري، من أين ألَّفه صاحبه؟ الله أعلم، قال لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله، كذب طبعاً هذا، لكن نحن نُريد أن نقول ما معنى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩.

فقط مَن لا يعرف علم أصول الفقه – هذا العلم العبقري الكبير – يقول الآتي، وطبعاً هناك أُناس تستكبر، تقول لك لا، عدنان وغير عدنان يُضيِّع حياته في قراءة الرازي والجصاص والغزّالي، لكن نحن لا نُريدهم، وهم لا يعرفون حتى الرازي، أي الفخر الرازي، لا يعرفون مَن هو، ويظنون أنه أبو بكر الرازي الطبيب، أي هذه القصة – ما شاء الله – كلها سلطة، لحم وسمك وتمر هندي ولبن، كله مع بعضه، ولا تُوجَد مُشكِلة، كما يُقال مثل سلطة الشحّاذين، يُوضَع فيها من كل شيئ، لا يعرفون شيئاً، يستكبرون حتى عن تراثهم وعن عباقرة علمائنا، يُريدون أن يفهموا القرآن وحدهم هكذا كما يروق لهم، ويُحمِّل الواحد منهم ألفاظه ما لا تحتمل أصلاً وما لم تُوضَع له أساساً، أي ما يُريده يقوله، هذا هو المعنى، الله! ما هذا؟ ما الطريقة هذه؟ ما شاء الله! ما الطريقة العبقرية هذه؟ تُريد أن تُقوِّل الله ما لم يقله بأن تُسقِط اعتمادية المُعجَمية العربية، ومن ثم تصير أي كلمة تحتمل المعنى الذي أنت تُريده بطريقتك الخاصة، شيئ مُدمِّر! هذا يحتاج أيضاً إلى مُحاضَرات لكشف مثل هذه الألاعيب، علماً بأن أكثر من واحد يلعبها الآن باسم الإصلاح والتجديد، وهم كبار وصغار، وهنا وهناك، لكن – إن شاء الله – كل شيئ في وقته، كل شيئ في وقته! لأن اتسع أو بدأ يتسع الخرق على الراتق والراقع كما يُقال حقيقةً.

أولاً فقط الذي لا يعرف ABC أصول فقه يُمكِن أن يقول لك الآتي عن قول الله مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩، هذا إذا – أقول إذا – جزمنا أن المقصود بــ الْكِتَابِ ۩ هنا القرآن، لأن القرآن في مواضع كثيرة يُسمي اللوح المحفوظ الكتاب، أليس كذلك؟ وأم الكتاب، فمُمكِن أن يكون معنى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ ۩ أي ما فرَّطنا في اللوح المحفوظ، وهذا قاله مُفسِّرون كثيرون، لكن يا سيدي دع اللوح المحفوظ، هو القرآن، أي ما فرَّطنا في القرآن من شيئ، مَن يقول إن هذه الآية فعلاً على عمومها؟ واحد لم يقرأ القرآن ولم يفهم أصول الفقه وحتى العربية وأساليبها، لماذا؟

أولاً النكرة في سياق النفي تعم، ظاهر الآية أنها عامة، ففعلاً بحسب ظاهر هذه الآية القرآن فيه نبأ وخبر كل شيئ، كل ما تُريد، في السماوات والأرض! لكن هل فيه خبر متى تقوم القيامة إذن؟ الله قال هذا مُستحيل، حتى النبي محمد لا يعرف هذا ولن يعرفه، قال له فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ۩ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ۩، لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۩، عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ۩، عِلْمُ السَّاعَةِ ۩ فقط عند الله – تبارك وتعالى -، إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ۩، هذه هي! إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ ۩، انظر كيف قدَّمها، أي عنده وحده، إذن لا يُوجَد في القرآن ماذا؟ علم الساعة، هذا يعني أنها لم تبق على عمومها، انتهى! فقط بالمثال هذا وحده – وسنأتيك بمليون مثال طبعاً الآن، لا يزال هناك مليون مثال – وبهذه الصورة وحدها الآية لم تبق على ماذا؟ على عمومها، طرقها التخصيص، أصبحت ماذا؟ مُخصَّصة، انتهى إذن، انتهى! فلا تقل لي هناك فيزياء وهناك كيمياء وما إلى ذلك، مُستحيل! الآية ليست على عمومها يا شاطر، سنقول لك الآية ليست على عمومها يا أخي، انتهى!

ثانياً هل في القرآن علم ما استأثر الله بعلمه من الغيوب؟ طبعاً لا، ليس فقط الساعة، هناك غيوب أُخرى كثيرة، النبي نفسه وعلى قلبه الكريم أُنزِل هذا القرآن ماذا قال؟ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۩، إذن النبي نفسه لا يعلم الغيب، وهذا يعني أن القرآن لي فيه ماذا؟ ليس فيه علوم الغيب التي استأثر بها الله، انتبهوا! لأن الغيب في القرآن يُطلَق على معانٍ كثيرة، على الأقل على ثلاثة معانٍ، هناك غيب ماضٍ، هناك غيب حاضر، وهناك غيب مُستقبَل، القرآن ذكر هذا، لكن هذه قضية ثانية، ومُحاضَرة أُخرى أيضاً هذه، معنى الغيب في القرآن الكريم ونظرية الغيب في القرآن الكريم، إذن لا يُوجَد في القرآن أيضاً علوم الغيب التي استأثر بها الله.

ثالثاً يا أخي لو القرآن فيه علم كل شيئ ونبأ كل شيئ وخبر من كل شيئ لأن الله قال مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩ لماذا النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – كان إذا اعتل أو إذا مرض كما يقول العرافيون – أي إذا مرض عليه السلام – يستوصف ويذكر فيُوصَف له الأطباء؟ كان يُقال له هناك الطبيب فلان الفلاني، هناك الحارث بن كلدة، هناك فلان، فيستدعيهم، استدعى عشرات الأطباء كما قالت عائشة، وقالت منهم تعلَّمت الطب أنا، من كثرة ما كان يُؤتى لرسول الله بالأطباء، ولم يقل هناك الطب النبوي، أليس كذلك؟ انتبهوا! لأنه لم يفتح دكاناً بالطب النبوي والإعجاز العلمي ولم يأخذ أموال الناس ويضحك على الناس أبداً، قال هناك الطب وما إلى ذلك، وسوف نرى الأطباء الذين يفهمون، أليس كذلك؟ يأتون ويُعالِجونني، ويُعالِجون أيضاً المُسلِمين والمُسلِمات، وهذا الذي كان يحصل، وبعض هؤلاء الأطباء والرقاة كانوا من غير المُسلِمين، من اليهود ومن النصارى، ما رأيكم؟ وهذا وارد في السُنن، ووارد في الآخبار والآثار، هذا مُهِم لكي نفهم.

لو القرآن فيه كل شيئ على عمومه كما قلتم هذا اللفظ ولم يُخصَّص – جميل – لماذا كان النبي يستنشد بعض أصحابه بعض أشعار الجاهليين؟ ماذا تُريد من الجاهليين؟ ماذا تُريد منهم؟ هؤلاء من أهل الجاهلية سواء آمنوا أو كفروا، فلماذا إذن؟ لأنه يعلم أن في بعض شعرهم ماذا؟ حكمة، والحكمة ضالة المُؤمِن، أنى وجدها فهو أحق بها، مَن القائل؟ النبي المُحمَّد، هو الذي علَّمنا هذا، قال الحكمة ضالة المُؤمِن، أي حكمة يا رسول الله؟ قد يقول له أحدهم أي حكمة يا رسول الله والقرآن فيه كل شيئ؟ لا نحتاج لا الشعر، لا النثر، لا لفيزياء، لا الكيمياء، لا اليونان، لا الهند، لا بلاد فارس، لا نُريد شيئاً يا رسول الله، لم يقل أحد هذا، لا النبي فهم هذا، ولا الصحابة فهموا هذا، ولا علماء الأمة فهموا هذا، بالمرة! ولا واحد فهم هذا، لكن هؤلاء في القرن العشرين يفهمون هذا، يُحِبون أن يفهموا هذا، وابحثوا لماذا إذن، ابحثوا لماذا، طبعاً من ضمن الأسباب أن هناك شعوراً بالانسحاق أمام الحضارة الغربية، وأن هناك شعوراً بمدى البون الشاسع الواسع الذي صار بيننا وبينهم بصراحة، مدى تخلفنا في وهدتنا الزرية ومدى تقدمهم العلمي والتقني في سابع سماء هناك، فكيف نقدر على تحمل هذا الوضع؟ صعب! أليس كذلك؟ ماذا سنفعل؟ نوع يا إخواني من الترضية، نوع من العزاء، نوع من السلوان، فيُقال العلم كافر، يصد عن سبيل الله، نجس، شرير، مُلوَّث، انظروا إليهم، عندهم حالات الزنا، حالات اللواط، حالات الطلاق، حالات الانتحار، هم غير سعداء، هم غير روحيين، وهم ماديون، نحن – الحمد لله – لسنا كذلك، دعونا على هذا الوضع، فهذا أحسن لنا، أي إن هذه حالات نفسية أو سيكولوجية، أليس كذلك؟ ويُوجَد نوع من الدجل، أيضاً – لا أكذب عليكم – يُوجَد دجل، هناك أُناس تُمارِس هذا عن دجل، لأنها تكسب ماذا؟ الذهب والفضة من وراء هذه الأفكار والتي مثلها، كما أقول أنا – من سنين أقول هذا، أقوله دائماً – هؤلاء مُدكِنون، أي الذي يفتحون الدكاكين باسم ماذا؟ الإعجاز العلمي والتفسير العلمي.

على كل حال لا أُريد أن أُطيل عليكم، سنختم ككل جُمعة – إن شاء الله – ونُكمِل بعد الصلاة، لمَن شاء الله أن يُكمِل معنا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

إذن – إخواني وأخواتي – مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۩ ليست على عمومها، مُعظَم العمومات في كتاب الله دخلها التخصيص، واختلف العلماء في عمومات لم يدخلها التخصيص، وهي تتعلَّق بالله، مثل قول الله إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۩، فهذا عام، أكيد هذا عام، أليس كذلك؟ مثل قوله هُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيت ۩، فهذا أكيد عام، لا يُوجَد مُحيي ومُميت إلا الله، هذا على عمومه، وكذلك مثل قوله إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ۩، أكيد هو بكل شيئ عليم، هذا هو!

أما مثل هذه العمومات فلم تبق على عمومها، بعضهم قال أربع عمومات بقيت كما هي، بعضهم قال ست عمومات بقيت هي، واختلفوا! هذه ليست مسألة كبيرة، الخطب فيها يسير، لكن في غير هذه العمومات دخل التخصيص.

ماذا قال الهدهد لسُليمان – عليه السلام – عن ملكة سبأ – أي بلقيس، الملكة المعروفة ببلقيس -؟ ماذا قال له؟ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ۩، هل فعلاً مِن كُلِّ شَيْءٍ ۩ بمعنى من كل شيئ أم بحسب السياق نفهم أنه مِن كُلِّ شَيْءٍ ۩ مما هو من مُقتضيات ومُستلزَمات ومُتطلَّبات العرش والمُلك؟ هل أوتيت الذكورية؟ هل هي ذكر؟ لا، هي أُنثى، وهذا يعني أنها لم تُؤت الذكورية، هذا أولاً، مُباشَرةً لم تبق على عمومها، هيا! ثانياً هل أوتيت مِلك أو مُلك أسقاع الأرض كلها أم فقط مُلك سبأ؟ فقط مُلك سبأ، وهذا يعني أنها لم تُؤت مُلك كل شيئ، هل أوتيت الإيمان الذي ستؤتاه بعد أن تلتقي بالنبي الملك سُليمان بن داود؟ لم تُؤت الإيمان، كانت كافرة وثنية، أليس كذلك؟ هي وقومها، لم تؤت هذا الإيمان حينها، فإذن ما معنى وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ۩؟ يا أخي هذا واضح، يا أخي لا تكن جامداً، لا تكن بسيطاً، لا تكن… ماذا أقول لك؟ ساذجاً، هذا عيب في حقك، أنت عربي، افهم لُغتك يا أخي، وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ۩، أي من أداة المُلك كما يقول علماؤنا، هذا هو، من أداة المُلك! هل هذا واضح؟

حين قال الله عن الريح تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ۩ في الأحقاف هل دمَّرت نفسها؟ لم تُدمِّر نفسها، هل دمَّرت الجبال؟ لم تُدمِّر الجبال، هل دمَّرت المياه؟ لم تُدمِّر المياه، أكثر من هذا هل دمَّرت المساكن؟ فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ ۩، في نفس السورة والسياق! أي هذه الريح التي قال الله عنها تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ۩ لم تُدمِّر حتى مساكنهم، إذن ما المقصود بــ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ۩؟ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ۩ مما أُرسِلت لتدميره، فقط! هل هذا واضح؟ افهم لُغتك، افهم كتابك، تقول لي الله قال تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ۩، والله أفحمتني، أف! واو Wow، أخفتني أنت، أف! فيها فيزياء وكيمياء وجيولوجيا Geology وجيوفيزياء Geophysics، انتهى الأمر وأنا أعترف، عيب! عيب الكلام هذا، لذلك حين قلنا نحن لا تتزبَّب قبل أن تتحصرم لم نكن – والله – نُريد لا العجرفة ولا انتقاص الناس، نُريد فقط أن نتواضع كما قلت لكم، اذهب وأحكِم البدايات، تعلَّم البدايات، احترام تراث أمتك في الأول، وهذا لا يعني أن التراث معصوم، بالعكس! نحن يُؤخَذ علينا نقدنا للتراث، يُؤخَذ على العبد الفقير أنني مُتجاوِز قليلاً ويُقال إن لساني طويل في نقد التراث ونقد العلماء، وفي نفس الوقت يُؤخَذ علىّ أنني مُتناقِض، يُقال أنا أنتقد أحدهم في مرة ثم أُكبِّره في مرة أُخرى، وهذا غير صحيح، لست مُتناقِضاً، أنا مُنصِف، أسأل الله أن يسلك بي دائماً وبكم خُطة العدل والإنصاف، حين نجد إماماً كبيراً خالفناه أو وافقناه في أمور هذا لا يمنعنا أن نعترف بماذا؟ بإمامته في العلم، ونعرف قدرنا عند قدره، نعرف أنفسنا ونعرف مَن نحن، نحن الصغار! مَا نَحْنُ فيمن مَضَى إلاّ كبَقْلٍ في أُصولِ نَخْلٍ طُوالٍ، نعرف أنفسنا – بفضل الله -، لا نتكبَّر، لا نتعجرف، ولا ندّعي، ونعرف أنه كان بحر علم ومُحيط علم، ووالله لو وُجِد في عصرنا لارتجفنا أمامه، ولا ما حتى نبسنا ببنت شفة، أليس كذلك؟ لكن الحق أحق أن يُتبَع، حين نرى أن العلماء الكبار والأئمة والعقل والعلم والدين يُخطّئه في أشياء مُعيَّنة نقول إنه أخطأ ونُنبِّه، أليس كذلك؟ لكن لا نُهيل عليه التراب ونلعنه إلى سابع جد لكي نكون غير مُتناقِضين، ما العقل هذا؟ ما العقلية هذه عند العرب يا أخي؟ شيئ عجيب جداً، هذا القرآن بريء منه.

قبل أيام حدَّثني أحدهم – وأختم بهذا هذه الخُطبة – عن رجل من غير المُسلِمين، من أهل ديانة توحيدية أُخرى، هل هذا واضح؟ وهذا الرجل له أشياء عجيبة وما إلى ذلك، وهو شفّاف وراقٍ ويعرف أشياء مُعيَّنة ويُوصي بأشياء مُعيَّنة ويفعل الصلاح، وبعد ذلك إذا أنت أردت أن تُعطيه ما أنت مُعطيه فإنه يقول لك لا، لا تُعطني، أنا لا أُريد، ضع هذا حيث يرضى الله – تبارك وتعالى -، حيث يرضى الرب، تقول له أين أحطه يا سيدنا ويا مولانا أو يا سيدهم؟ فيقول لك حط هذا في المكان الذي يُوجَد فيه فقراء، في المكان الذي يُوجَد فيه جهلة، في المكان الذي يُوجَد فيه مساكين، في المكان الذي يُوجَد فيه مرضى، حطه في إفريقيا، في آسيا، وفي أوروبا، أينما تُريد! أينما تُريد ضعه، حطه عند هؤلاء المُحتاجين، قال لي ما هذا؟ وهذا المُسلِم للأسف أتى إلىّ وهو مُتحيِّر ومُتلبِّك، أي وهو (داخل في بعضه) كما يُقال، فقلت له يا أخي ما المُشكِلة؟ يا أخي الله قال وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ۩، صُدِم هذا الرجل، أخي في الله صُدِم، وكادت تفرط دمعة من عينه، قلت له ما لك أنت؟ ما الأمر؟ هذا قرآن قلت له، القرآن علَّمنا العدل وجعلنا واقعيين، لم يُعطنا نظرية تقول إن غير المُسلِم كافر ابن ستين كذا، وكلهم في جهنم، وهم يكذبون على الله، قلت له الله قال لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ۩، واضح أنه بعنوان كتابيته، أي ما زال هو على كتابيته، لا تقل لي إنه أسلم، من أين لك هذا؟ أتكذب أنت؟ أتقول كلاماً من عندك أنت؟ هل أنت تُؤلِّف على الله؟ هذا – مثلاً – يحدث مع الآية الثانية والستين في البقرة، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ۩، أي نحن، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ ۩، هذا واضح، لا تقل لي مَن أسلم، لأن لو كان المقصود مَن أسلم منهم لقال عن الكل ماذا؟ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ۩، وانتهى الأمر، هناك آيات تقول إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ ۩… كذا، لا! الله قال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ ۩، كل هؤلاء، كلهم! مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۩، لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ۩ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ۩ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ۩، قال لي كأنني لأول مرة أسمع هذا، قلت له هذا القرآن علَّمنا العدل وعلَّمنا الواقعية، أن نكون واقعيين وموضوعيين وأن نكون مُنصِفين مع غير المُسلِمين، ليس فقط مع المُسلِمين، ومع غير المُسلِمين.

نسأل الله مرة أُخرى أن يسلك بنا خط المعدلة وخط الإنصاف، وأن يكشف الغماء، أن يكشف هذه السحابات وهذه الضبابات عن أعين بصائرنا، وأن يُرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يُرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۩، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ۩.

علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً وفقهاً ورشداً، برحمتك يا أرحم الراحمين، نعوذ بالله من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ونعوذ بك ربنا من الجوع فإنه بئس الضجيع، ومن الخيانة فإنها بئست البطانة.

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، لا تجعلنا فاتنين ولا مفتونين، أعِذنا من شر نفوسنا، وإلهِمنا رُشدنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

نسألك فعل الخيرات، وترك المُنكَرات، وحُب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

اغفر لنا ولوالدينا، وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤِمنات، الأحياء منهم والأموات، اشف مرضانا ومرضى المُسلِمين، ارحم موتانا وموتى المُسلِمين، اللهم آمين، آمين، برحمتك وفضلك ومنّك يا رب العالمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهى الجُزء الأول من الخُطبة بحمد الله)

فيينا 23/2/2018

تفجير القرآن الكريم – ج 3/2

Comments

comments

شاهد أيضاً

mokarabat

الصوم، مُحاوَلة جديدة للفهم

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

تعليق واحد

  1. السلام عليكم، شكرا على الخطبة المتكاملة. اذا نظرنا في التاريخ البشري سنجد ان الخرافة لعبت دورا هاما في تحصيل المعلومات التي نعتبرها اليوم معرفة و حقيقة شبه مطلقة. فنجد عند اليونان صراع الالهة بينها حول العرش و خرافات كيف خلق الكون . ويمضي الزمان ثم تاتي الديانة المسيحية ثم الاسلام فنجد نفس الخرافات تتكرر: نبي يتكلم مع الحيوانات على انها عاقلة .وليس الاشكال فكون ان النبي يتكلممع الحيوان بل في كون ان الحيوانات عاقلة و انها تكذب … نجد ايضا ان الله يرمي الشياطين بشهب و نعلم اليوم ان الشهب هيا نتيجة احتكاك النيازك مع الخلاف الجوي. السؤال الذي يطرح نفسه هل القران يتضمن خرافات دست فيه عبر الزمن؟ هل من الاساس ان القران ليس بكتاب وحي؟ هل المعرفة التي نعتبر انها معرفة هي مجرد خرافة كما بالامس وان الانسان محكوم عليه ان يعيش مع الخرافة؟ هل سياتي اجيال جديدة تنظر الى علمنا و ديننا كما ننظر اليوم الى خرافات اليونان؟

اترك رد