الرئيسية / التفريغات النصية / تفجير القرآن الكريم – ج 3/3

تفجير القرآن الكريم – ج 3/3

أخيراً، أترك النُقطة الفلسفية العميقة هذه مع أنها جميلة ومُهِمة جداً، وأقول مَن الذي ذا يُنكِر أن للعلم المادي مهاداً وأُسساً وافتراضات ميتافيزيقية؟ ما رأيكم؟ قد يقول لي أحدكم كيف؟ من أين أتيت بهذا؟ هذا علم مادي شهودي، لا!

أولاً هناك – مثلاً – مبدأ وحدة العالم، الذي تفرع منه مبدأ ماذا؟ اطراد الظاهرة المادية، الظاهرة المادية مُطردة، ولذلك حين تُكرِّر التجربة مرة أو مرتين أو ألف مرة أو عشرة آلاف مرة تحصل على النتيجة نفسها، لأن هناك شيئاً يُسمونه ماذا؟ الــ Regularity، أي الاطراد، الاطرادية! هذا مبدأ ميتافيزيقي، أليس كذلك؟ طبعاً، وهذا مُسلَّم من مُسلَّمات العلم، وهذا ليس ثابتاً بالتجربة، لأن التجربة لا يُمكِن أن تقيس الاطراد إلى ما لا يتناهى، أليس كذلك؟ هذه يُسمونها مُشكِلة الاستقراء، أي الــ Induction، هذه مُشكِلته، لكن عندنا تسليم وعندنا إيمان عميق بأن العالم فعلاً مُطرد، هذه مُسلَّمة ميتافيزيقية، أرأيتم؟ وحدة العالم واطراد الظاهرات كلها مُسلَّمات ميتافيزيقية.

أي العلم المادي مهما حاول أن يتنصل ومهما حاول أن يتنكر ومهما حاول أن يقول لك أنا أقدر على أن أدعم الإلحاد فإنه لن يقدر، بالعكس! هو أقرب إلى أن يدعم الإيمان منه إلى أن يدعم الإلحاد، بمُسلَّماته على الأقل، على أن العلم – من حيث هو هكذا – لا له علاقة لا بإيمان ولا بإلحاد، ما رأيك؟ ستقول لي كيف؟ طبعاً العلم ليس له علاقة لا بإيمان ولا بإلحاد، ولو أخذنا أكثر نظرية دعمت الإلحاد فيما يرى مَن يراها كذلك وهي نظرية التطور الحيوي أو العضوي سيضح هذا، هذه تُعَد أكثر نظرية دعمت الإلحاد، أليس كذلك؟ لكن كل مَن درس هذه النظرية وكان يفهمها ويفقهها يعلم أنها بحد ذاتها لا تقول شيئاً في هذا الباب، لا تقول الله موجود ولا الله غير موجود، ما رأيك؟ لا تقول شيئاً، ماذا تعمل هي؟ تصف بحسب ما يفهم مَن وضعها ومَن طوَّرها طبعاً، لأن هذه النظرية أصبحت نظريات، لم تعد نظرية واحدة، يقول لك هذا الذي يحدث، الذي يحدث والذي حدث هو أن البداية كانت من خلية واحدة، وبعد ذلك تفرَّعت الكائنات، شيئ من شيئ، شيئ من شيئ، شيئ من شيئ، وشيئ من شيئ، عبر ماذا؟ عبر آلية اسمها الانتخاب الطبيعي، أي الــ Natural selection، أليس كذلك؟ لن ندخل في التفاصيل طبعاً، لكن هذا الذي حدث، والأكفأ والأكثر تكيفاً وما إلى ذلك هو الذي يبقى وغيره يفنى، فقط!

هذا الكلام هل يقول شيئاً إلحادياً؟ أبداً، هل يقول شيئاً إيمانياً؟ أبداً، لكن ماذا لو جاء شخص وقال لك أنا أُريد ان أُفسِّرها فلسفياً لكي أجعلها تدعم الإلحاد؟ سيقدر على هذا، وهم عملوا هذا، هل سنقدر على أن نُناقِشه؟ سنقدر على أن نُناقِشه وأن نرد عليه من جهتنا، ثم نُثبِت أنه كان مُخطئاً، قد يقول أحدهم لك لا، أنا أُريد أن آخذ التطور بالطريقة هذه هكذا وأُفسِّرها فلسفياً ولا هوتياً لكي تدعم الإيمان، هل سيقدر على هذا؟ سيقدر على هذا، وهناك مَن عمل هذا، ونحن مِن هؤلاء الناس ونتعاطف معهم، وسوف نُثبِت هذا في مئات الصفحات – بفضل الله -، نحن نشتغل على هذا الآن، أرأيت كيف هذا؟ لكن العلم بحد ذاته – العلم – يُقدِّم لك مُقدِّمات في براهين أوسع منه، فقط هو يُقدِّم المُقدِّمة، لكن بقية الاستدلال هو نشاط ماذا؟ عقلي فلسفي، وأحياناً يكون ماذا؟ نشاطاً ميتافيزيقياً، هذا في الفلسفة الميتافيزيقية وليس في أي فلسفة أُخرى.

نعود إلى علمائنا – كما قلنا – الذين تحدَّثوا عن التجربة، هناك أبو بكر الرازي، نحن وقفنا عند أبي بكر الرازي، الرازي فعل الآتي في كتاب للأسف لم يصلنا، وصلتنا نبذات منه، وهناك أشياء أخذت عنه ونقلت عنه، اسمه التجارب، للعلّامة صاحب الحاوي، أبو بكر الرازي، أي التجارب، ألَّفه أحد تَلاميذه، وثَّق فيه تجارب عيادية، يُسمونها السريرية أو الإكلينيكية، أي تجارب سريرية أو عيادية أو إكلينيكية لأبي بكر الرازي، مُذهِل الرجل، مُذهِل الرجل فعلاً.

وعلى حد تعبير مُؤرِّخ العلم الكبير اللبناني محمد عبد الرحمن مرحبا – رحمة الله عليه – الرازي لم تكن التجربة عنده وفي منهجه مُرتجَلة مبنية على المُصادَفة والاتفاق أبداً، بل كانت مُصمَّمة ومُوجَّهة ومقصودة، بدليل – مثلاً – أن في هذا الكتاب وضح أنه كان يُقسِّم المرضى إلى مجموعتين على الأقل أو عدة مجموعات إذا ما أراد أن يُجرِّب ماذا؟ نجاعة وأثر وفاعلية دواء مُعيَّن، هو توصَّل إلى دواء مُعيَّن – هو ركَّبه، لأنه كان أيضاً صيدلياً، هو رهيب وعقله جبّار -، فماذا يعمل؟ انظر إلى هذا، هذه هي التجربة العلمية، إلى الآن يُفعل هذا، هذا ما يُفعَل إلى الآن! يقوم بعمل مجموعتين أو أكثر من مجموعتين، يتعاهد إحدى هاته المجموعات بماذا؟ بالدواء الجديد، يُعطيهم إياه في الصباح أو المساء، يفعل هذا مرتين أو ثلاث مرات أو أربع مرات، بحسب ما يُريد، والمجموعات الأُخرى أو المجموعة الثانية – مثلاً – يُخليها من ذلك، وبعد ذلك يأتي ويُقارِن النتائج، ثم يعرف مدى نجاعة الدواء.

هذا أسلوب تجريبي إمبريقي مائة في المائة، وهذا أبو بكر الرازي، تخيَّل! في القرن الثالث الهجري، من البداية كان يُفعَل هذا، قبل الماسونية، وقبل ناسا NASA، وقبل العلم الغربي، نحن فعلنا هذا، هذه جماعتنا، أجدادنا هؤلاء وآباؤنا، هؤلاء الذين أسَّسوا حضارتنا العلمية الإسلامية، أوروبا تعلَّمت منهم، أوروبا أخذت هذا منهم وتعلَّمت هذا منهم، لم تأت بهذا من عندها، اليونانيون لم يكن عندهم تجارب أصلاً، لم يكن عندهم تجارب! كان عندهم فقط تأملات فلسفية ميتافيزيقية.

أكثر من هذا أن أبا بكر الرازي كان يُجري التجارب العلمية على ماذا؟ على الحيوانات، فيما يتعلَّق بالإنسان بالذات كان يُجريها على القردة لعظم شبهها بالإنسان، انظر إلى هذا! فربما جرعها الرصاص، كان عنده أدوية، والرصاص مادة سامة، لكن في تلك الأيام كانوا يستخدمونه في الدواء، وأعتقد أنكم تعرفون بالمُناسَبة الإكسير Elixir أو إكسير الحياة Elixir of life، هل تعرفون ما هو أكسير الحياة Elixir of life؟ في إحدى التجارب التي كانت في سبيل أن تكتشف إكسير الحياة Elixir of life هل تعرفون اكتُشِف ماذا؟ المُتفجِّرات، ظهر مُتفجِّر ودمَّر الدنيا، واستمر الأمر من ذلك اليوم، أي إنه عمل خدمة في علم المُتفجِّرات، فمن المُمكِن أن تُعطيه شيئاً فيقتله، لكن هو كان يُجرِّع القردة أدوية فيها مادة الرصاص، لكي يرى التأثيرات عليها.

أكثر من هذا نزاهته وجرأته وشغفه العلمي، كان يبعث على أن يُجرِّب على نفسه، أبو بكر الرازي كان يفعل هذا، هذه تجربة! ثم قالوا لك غير ذلك، لكن هذا هو العلم التجريبي الإسلامي.

أخيراً – لا نُريد أن نأتي بأمثلة كثيرة، لأنها موجودة، وهناك كُتب في القضايا هذه، اقرأ عن تاريخ العلم في الإسلام والعلم التجريبي، وسوف ترى أشياء جميلة جداً جداً – أُريد أن أحتج أو أُريد أن أتمثَّل برجل اسمه ابن الخطيب الغرناطي، عنده كتاب عن مرض الطاعون، أي الــ Plague، وأنتم تعرفون الطاعون، المرض الرهيب! اسمه مقنعة السائل عن المرض الهائل، أي شيئ يُقنِعك، يُعطيك علماً كافياً ووافياً، عن الداء الرهيب كما يقول، وهو داء مُخيف، فعلاً الطاعون – أعوذ بالله منه – كان هكذا، الطاعون في القرن الثالث عشر – مثلاً – في أوروبا قضى على الكثيرين، هل تعرفون أتى على كم من سكان أوروبا؟ أربعين في المائة، أربعون في المائة فنوا من سكان أوروبا، كانوا يُسمونه ماذا؟ الداء الأسود أو المرض الأسود، رهيب! وكيف كانوا يُصوِّرونه؟ بأي شكل كان يُصوَّر؟ كانوا يُصوِّرون ملك الموت على أنه هيكل عظمي – Skeleton – يحمل منجلاً، هذا الطاعون، هو هذا، شيئ رهيب.

كيف كانت أوروبا تنظر إلى الطاعون؟ على أنه عقوبة إلهية، تقول هو عقوبة إلهية، أي عقاب إلهي، بسبب الزنا والربا وأكل الحرام وعدم التزام الصلوات وكذا وكذا، عقوبة إلهية! عندنا في السياق الإسلامي جاء أُناس وقالوا غير هذا، ماذا قالوا؟ يقول الآن ابن الخطيب الغرناطي في مقنعة السائل عن المرض الهائل، يقول وزعم نفر من الناس أنه لا يكون فيه عدوى، والطاعون أكبر مُعد! أليس كذلك؟ ولذلك دمَّر أربعين في المائة من سكان أوروبا في قرون مُعيَّنة، لكن هناك مَن قال لك لا تُوجَد عدوى، من أين يا مولانا أتيت بهذا؟ قال صح الخبر بهذا عن المعصوم، النبي قال لا عدوى ولا طيرة ولا صفر، أي شهر صفر طبعاً، لا يُوجَد تشاؤم، وغير صحيح ما يُقال عن صفر، لأنهم يقولون عنه – أي عن صفر هذا – إنه شر وفيه مشاكل وشؤم وما إلى ذلك، ولا تُوجَد عدوى، أليس كذلك؟ تخيَّل ماذا كتب هذا الرجل في الكتاب هذا؟ لم يذهب لكي يتأوَّل حديث النبي ويرده بأحاديث أُخرى صحيحة، بكل جراءة ماذا كتب يقول؟ قال العدوى – أي به، بالطاعون – ثبتت بالحس، بالمُشاهَدة، والتجربة، وأخبار الناس تواترت به، وهذه مواد البُرهان، ليس الجدل والخطابة، في المنطق عندك الجدل والخطابة، وهناك البُرهان، هذه أقوى طريقة في الاستدلال، لذا قال مواد البُرهان هي هكذا، الحس والتواتر وما إلى ذلك، هذا هو! وهذا شيئ رأيناه ولمسناه، فكيف تقول لي لا عدوى؟

طبعاً ولم يُحِب أن يلعب دوراً مُزدوَجاً، كأن يقول لك أنا فقيه وأنا عالم حديث، سأُعطيك كذا وكذا، سأتفصى وأتخلَّص من شُبهة رد النص النبوي، قال لك هذا لا يهمني، هذا حديث آحاد، ابحث عن مَن ألَّفه وعن مَن وضعه، هذا لا يهمني، أنا كعالم أقول ما رأيته، وهو أن العدوى حاصلة حاصلة، خُذ بالحديث وسوف تهلك – بعون الله تعالى – قريباً، أنت وأهلك أو أنت وكل حيك، أليس كذلك؟

قد يقول لي أحدهم نُريد أن نرجع إلى الدين، لكن النبي صح عنه أنه قال ماذا؟ لا يُوردن مُمرِض على مُصِح، وهذا صحيح، النبي قال لو واحد عنده إبل مراض – أي مريضة، إبله مريضة، عندها الجرب، أو عندها أي مرض من الأمراض، وخاصة الجرب – ممنوع أن يأخذها لكي تشرب في البئر الذي تشرب منه إبل صحاح، لأنها سوف تعديها، فتشوَّش العلماء، أي النبي مرة ينفي العدوى ويقول لا عدوى، ومرة يقول لك لا، هناك عدوى، وأخذ بمبدأ التحجير، أي كأن هذا Quarantine، قال لا، اعزل هذا واعزل هذا، هناك أكثر من دليل أن المُسلِمين سبقوا إلى المبدأ التحجير، وأنتم تعرفون مبدأ التحجير، هناك الحجر، وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ۩، الــ Quarantine، أي أن تعملوا Quarantine، هذا ممنوع.

ورد في الحديث الصحيح – في الصحيح هذا – أن سيدنا عمر جاء إلى الشام، وسمع أن البلدة حل بها الطاعون، فقال لا، لا يخرج أحد منها، ولا يدخل أحد إليها، فأبو عُبيدة بن الجراح تشوَّش، قال له يا أمير المُؤمِنين أفراراً من قدر الله؟ أبو عُبيدة يغلب عليه التسليم الكامل وأنه لا عدوى والمكتوب لابد وأن يحدث وأن الأمر انتهى وأن المكتوب على الجبين لابد أن تراه العين وانتهى كل شيئ، مكتوب لك أن تموت وسوف تموت بعدوى! ما هذا؟ فعمر قال له ماذا؟ لو غيرك قالها يا أبا عُبيدة – أي لو كان غيرك هو الذي قالها لعاقبته -، نفر من قدر الله إلى قدر الله.

قال له يا أبا عُبيدة أرأيت – انظر إلى هذا، انظر إلى العقل العلمي، هذا عمر بن الخطاب، وهذا الحديث في البخاري – لو كان لك إبل في أرض مُجدِبة، أكنت تنتقل بها عن المُجدِبة إلى المُخصِبة؟ قال نعم، فقال له هذا هو، لا تقل لي هذا قدر الله، أنا هبطت هكذا من التلة، وأتيت إلى أرض جديبة، هل سأقعد وأقول هذا قدر الله؟ لا يا حبيبي، هذه أرض مُجدِبة، نظرت هكذا – رميت ببصري على بُعد اثنين كيلو – فوجدت أرضاً مُربِعة مُخصِبة خضراء، ومن ثم سأذهب إليه، وسأقول هذا قدر وهذا قدر، نحن لابد وأن نتصرَّف، هذا مُتاح لنا، فقال له هذا صحيح.

ثم إن عمر قال لا، اجمعوا لي، فاجتمع له أهل الحكمة من شيوخ المُهاجِرين والأنصار، فذهب شخص وقال أنا أشهد بالآتي، سمعت النبي بأذني يقول إذا سمعتم بالطاعون قد نزل بأرض فمَن كان بها فلا يخرجن منها، ومَن كان خارجها فلا يدخلن إليها، عمر فرح فرحة عظيمة، لأن اجتهاده وفهمه للدين وافق خبر المعصوم، وهو فهم ماذا؟ هل هذا فهم خُرافي هوسي هذياني أم فهم سُنني؟ سُنني، هل هذا فهم إيجابي فاعل مُتحرِّك أم فهم سلبي ويتلقى فقط بسلبية؟ لا، فهم إيجابي فاعل، افهموا كيف تفقهون دينكم، تحرَّكوا، هؤلاء أجدادكم، فعمر فرح فرحاً عظيماً، لأنه وافق بعقله وفهمه واجتهاده ماذا؟ الخبر عن المعصوم، ولم يكن يعرف الحديث هذا.

الحديث هذا الآن – مرة أُخرى – يشهد لمبدأ التحجير أو لا يشهد؟ هذا من مبادئ التحجير، مَن فيها لا ينبغي أن يخرجوا، ومَن في الخارج لا ينبغي أن يدخلوا، حتى لا تنتشر ماذا؟ العدوى، قد يقول لي أحدهم ما معنى لا عدوى إذن؟ سهلة، سهلة جداً، يُمكِن أن نُفسِّرها في لحظة هكذا، والعلماء فسَّروها، النبي قال لا عدوى، وهذه مثلها مثل غيرها بالمُناسَبة، أي هل هذه الأشياء تُعدي بقوة ذاتية فيها غلباً عن إرادة الله أو تُعدي بأمر الله وإذنه؟ تُعدي بأمر الله وإذنه، الله رتبها بحيث تكون هكذا، لكن هناك أُناس تعتقد أنها تُعدي بذاتها، ولو أن الله – عز وجل – لم يُرِد أن تُعدي فهي تُعدي، وهذا يعني أننا دخلنا في ماذا هنا؟ في الشرك والمُغالَبة، نُصوِّر الله كأنه مغلوب على أمره، كأنه يقع في كونه ما لا يُريده، فالنبي قال لك لا، لا عدوى بهذا المعنى، لكن بالمعنى الثاني – حين قال النبي ماذا؟ لا يُوردن مُمرِض على مُصِح، وإذا سمعتم بالطاعون قد نزل بأرض فمَن كان بها فلا يخرجن منها، ومَن كان خارجها فلا يدخلن إليها – أثبت العدوى، هذا يعني أنه كيف أثبتها؟ وعلى أي جهة؟ أنها من قدر الله، وبحسب سُنن الله، الله خلق المُعديات وخلق الباثوجينس Pathogen أو المُمرِضات، ويعرف النبي هذا، هل فهمت كيف هذا إذن؟

فعلى كل حال وبسهولة ماذا تفعل حين يكون عندك نص سواء في القرآن أو في السُنة ليس قطعي الدلالة؟ هل تعرف ما معنى أنه قطعي الدلالة؟ أي لا يُمكِن أن تفهمه إلا على طريقة واحدة، لو ذهبت شمالاً أو يميناً ولو صعدت أو نزلت لن يُفهَم إلا على طريقة واحدة فقط، هذا يُسمونه ماذا؟ قطعي الدلالة، ماذا تفعل حين يكون عندك نص غير قطعي الدلالة – أي يُمكِن أن تفهمه على أكثر من نحو -؟ اليوم مثلاً – سأُعطيك مثالاً بسيطاً جداً جداً – يُمكِن أن تسأل أي عالم كوزمولجي Cosmologist – أي عالم في الكوزمولوجيا Cosmology، كوزمولجي Cosmologist كبير، أي عالم كونيات كبير – وتقول له بُنيان الكون هذا – هذا الــ Structure الرهيب الخاص باللكوزموس Cosmos هذا – هل له علاقة بالجاذبية؟ وسيقول لك نعم له علاقة، ونحن عندنا نظريات عن أشياء حتى يُسمونها ماذا؟ أعمدة الجاذبية، هناك أشياء اسمها هكذا، اسمها أعمدة الجاذبية، لكن سيقول أحدهم أرأيتم؟ نحن قلنا لكم إن علم الفلك زندقة، نحن قلنا لكم هذا، دعوا الفلك والكوزمولوجيا Cosmology، هذه زندقة، هذا العلم يُضعِف ويُوهي العقيدة في قلب المُؤمِن، لماذا يا مولانا؟ قال لك لأن الله قال الآتي، أنت اليوم يا عدنان إبراهيم تلوت في صدر الخُطبة اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۩، لكن مَن قال لك إن الآية قطعية فيما ذهبت إليه يا مولانا؟ أنت أخطأت، ومن قديم – هذا من قديم، وسوف تجد هذا في كُتب التفسير – العلماء فهموا الآية على وجهين، وهنا الإعجاز البياني، كيف يُعبِّر الله بطريقة مُذهِلة؟ اسمع قول الله، الله قال رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۩، ماذا يُمكِن أن تفهم منها؟ أنك تراها بلا أعمدة – فيها إشارة – والحال أنها ماذا؟ ذات عمد، لكن أنت لا تقدر على أن ترى العمد هذه، أليس كذلك؟ هذا المعنى واضح والآية تقوله، ويُمكِن أن تقول أيضاً بأن لا عمد لها، وأنت ترى واقعها وحقيقتها أنها ماذا؟ فعلاً بلا عمد، مُمكِن هذه أيضاً، فهل نحن إذا ثبت علمياً أن عندها أعمدة – يُسمونها عمد الجاذبية – سنختل ونقلق ونقول هذا غير صحيح أم سنُؤوِّل الآية؟ سنُؤوِّل الآية، ليس عندنا أي مُشكِلة، جاء أحدهم بعد خمسين سنة وقال لنا لا، هذا كلام فارغ، هذه النظرية اتضح أنها باطلة، لا عمد لها، ومن ثم سنقول لهم ليس عندنا مُشكِلة، الآية تُؤوَّل على أن ليس لها أي عمد، هل فهمت كيف هذا؟ قد يقول لي أحدهم هذا تلاعب، لكن هذا ليس تلاعباً، هذا الإعجاز، أنت تقول لي هناك إعجاز، هذا الإعجاز، وهو إعجاز بياني، هذا ليس إعجازاً علمياً، وإنما هو إعجاز علمي، كيف صاغ الله هذا المعنى بطريقة تقبل ماذا؟ المعنيين على قدر واحد، شيئ رهيب يا أخي، والله العظيم! يُدرِك هذا مَن يفهم اللُغة، قال بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۩، هل هذا واضح؟

قد يقول لي شخص آخر لكن يا سيدي قرآنك الكريم قال لك وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ۩، الشمس هذه طلعت، أرأيت؟ أي الشمس تتحرك، وبعد ذلك قال وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ۩، الشمس اليوم لا تتحرَّك، الأرض تتحرَّك حولها، لكن أنا أقول لك اذهب وخُذ أحدث كتاب – أحدث كتاب في ألفين وثماني عشرة، أي الآن، وقد طُبِع قبل شهر – في الكوزمولوجي Cosmology أو في الأسترونومي Astronomy، وستجد أنهم يقولون لك ماذا؟ شروق الشمس وغروب الشمس، أليس كذلك؟ فسِّر لي إياها إذن، كيف تقول هذا؟ أنت عالم كبير وتعيش في ألفين وثماني عشرة، كيف تقول لي شروق الشمس؟ هل تعرف لماذا؟ أخذاً بما يُسمى الموقف الطبيعي للإنسان، في الفلسفة هناك شيئ اسمه الموقف الطبيعي، ما هو الموقف الطبيعي؟ الشيئ الذي تراه، أنت الآن ترى الحركة الظاهرية، يُسمونها في الفلك هكذا، يُسمونها الحركة الظاهرية للشمس، بحسب ما يظهر لك، أن الشمس هي التي تتحرَّك، والله نحن نراها طيلة حياتنا وهي تطلع من باب الشرق فعلاً، تبدأ تطلع تطلع تطلع – تتجه إلى فوق – في شكل مُنحنٍ، وفي نصف النهار تُسامِت رؤوسنا، تكون فوق الرأس تماماً! وبعد ذلك تبدأ تنزل تنزل تنزل – تتجه إلى أسفل – عند الغروب، لم نر مرة أن الأرض تتحرَّك، نرى أن الشمس هي التي تتحرَّك، العلماء يعرفون كل هذا، ويقولون لنا هذا هو طبعاً، ونحن أيضاً مثلكم، ولذلك نحن نقول لكم شروق الشمس وغروب الشمس أو أشرقت الشمس وغربت الشمس، هذا بحسب ماذا؟ الحركة الظاهرية، أنت الآن حين تكون جالساً في السيارة وتلعب بلعبة مُعيَّنة قد يحصل معك هذا، وكم حصل معي هذا وأنا صغير! كنت أبكي وأرتعب، ذات كنت جالساً في قلّاب كبير مع أبي، وأبي تركني لكي يقوده، وفجأة شعرت بأن القلّاب بدأ يتحرك، فجعلت أصرخ للحظات، وبعد ذلك ذهب عني الروع، لماذا؟ وقف القلّاب، في الحقيقة مَن كان بجانبي هو الذي كان يتحرَّك، لكنني لم أنظر من أجل أن أقيس ما حصل، فظننت أن عربتي هي التي تتحرَّك، وهذا مبدأ يُمكِن أن نشرحه في أي يوم – إذا تحدَّثنا عن خداع الحواس -، يُسمونه مبدأ التدفق البصري، هذا في علم البصريات، قصة كبيرة وجميلة جداً جداً بالمُناسَبة، فهذا هو معنى الحركة الظاهرية.

الأسانسير حين تركبه يسير بك بسرعة مُنتظَمة، ما لم تر أي شيئ خارجي تشعر بأنه واقف، وكذلك الحال مع الطائرة حين تطير إلى فوق – تطير مسافة ثلاثين ألف أو أربعين ألف وخمسين ألف قدم مثلاً – ولا تُوجَد غيوم، أنت تسمع فقط صوت الموتور Motor – أي المُحرِّك – وتظن أنها واقفة، تقول هي واقفة، هي واقفة! لكن سيختلف الأمر حين ترى طائرة ثانية أو ترى غيوماً، وطبعاً يُخيَّل لك أن الغيوم تتحرَّك، لكن في الحقيقة أنت مَن يتحرَّك وليس الغيوم، هي قد تتحرَّك بسرعة أيضاً ثانية، لكن أنت أسرع منها، هذه الحركة الظاهرية والحركة النسبية، هذه مفهومة وهي مسألة سهلة، فالقرآن حين يقول هذه طلعت وغربت وما إلى ذلك اعلم أنه يتحدَّث عن الموقف الظاهري، هذا اسمه الموقف الطبيعي.

لكن العجيب أن في الغروب يُوجَد شيئ خطير، وذلك حين قال لك وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ۩، أي هناك بُحيرة طين هكذا أو عين طين، وهي تنزل فيها، ووالله لسنا نحن مَن قال الآتي، أسعدني جداً أن جُملة من كبار مُفسِّرينا قبل مئات السنين – ما شاء الله عليهم والله – قالوا به، هل تعرف ماذا قالوا؟ قالوا لم يقل الله تبارك وتعالى – هكذا قالوا بالضبط، ويُمكِنك أن تُراجِع هذا – وهي تغرب في عين حمئة، لو قال هذا لأصبح هناك إشكال، كأن الشمس سقطت في بئر، وهي لا تسقط في بئر، بئر ماذا؟ الأرض كلها لا تسوى شيئاً بالنسبة للشمس، لكنه قال وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ۩، قال وَجَدَهَا۩، أي رآها، وهذا صحيح، أنا يُمكِن أن أراها في مرة وهي تسقط وراء الجبل، يُمكِن أن أراها في مرة وهي تسقط وراء كوخ جدتي، تكون عند الكوخ – مثلاً – ثم تنزل خلفه، ويُمكِن أن أراها في مرة وهي تسقط في البحر أو وراء البحر، عادي! أليس كذلك؟ يُمكِن أن أراها هكذا، لكن هي في الحقيقة ليست هكذا، القرآن قال رآها تسقط هكذا، رآها! قال وَجَدَهَا۩، أي رآها، رآها وهي تسقط، قال وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ۩، لم يقل وهي تغرب في عين حمئة، أليس كذلك؟ لم يقل حتى إذا بلغ مغرب الشمس غربت في عين حمئة، لم يقل هذا أبداً، قال حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ۩، قال وَجَدَهَا۩، أي رآها، رآها تغرب هكذا، وهذا صحيح، هذا موقف طبيعي عادي، وأنت تراه في كُتب الفلك أيضاً.

هل هذا واضح يا إخواني؟ لابد أن نكون واضحين، ولذلك ليس خطيراً بالمرة التعارض الظاهري بين ظاهرة واحدة فقط – أي مُفرَدة – علمية وبين آية أو آيات، يُمكِن التأويل بسهولة هنا أو هناك، هذا مُستوى تعارضي بسيط، لكن هناك مُستوى أخطر منه، ما هو؟ مُستوى التعارض بين نظرية علمية مُتكامِلة تُفسِّر مجموعة حقائق وبين نظرية مزعومة أو ربما تكون حقيقية تُنسَب إلى الدين، هنا يُصبِح الموضوع أخطر، ليست حكاية ظاهرة واحدة أو مُفرَدة واحدة، هذه نظرية كاملة، قصة كبيرة، في بطنها مئات الأشياء، مثل ماذا؟ مثل نظرية التطور، تتحدَّث عن تطور كل صور الحياة، بما فيها الحياة البشرية، كيف أتت؟ وكيف كذا وكذا؟ مسألة مُعقَّدة جداً، تُقابِلها نظرية ماذا؟ الخلق المُستقِل، عند أهل الأديان التوحيدية، بمعنى أن التطور غير موجود، والله خلق الكائنات بشكل مُستقِل، كل كائن خُلِق على حدة، أي خلق الكائنات خلقاً مُستقِلاً، هذه النظرية يُسمونها ماذا؟ Special creation theory، أي نظرية الخلق الخاص أو المُستقِل، كل شيئ خُلِق وحده، الله خلق الدجاجة على حدة، خلق الأسد على حدة، خلق النعامة على حدة، خلق الحية على حدة، وخلق الإنسان على حدة، كل كائن خُلِق على حدة، لم يأت كائن من كائن آخر، هذا غير صحيح، وكل كائن تأتي ذُريته من جنسه، هذه النظرية مُختلِفة تماماً، أليس كذلك؟ هنا يحدث تطاحن كبير، هنا يحدث Clash أو Conflict، يحدث صراع كبير بين نظرية علمية ونظرية تُنسَب إلى الدين أو دينية، وهنا لابد أن نشتغل أكثر.

أصعب مُستويات الصراع بين الدين والعلم أين تكون؟ ليس في النظرية، هناك ما هو أصعب وقد ذكرناه قُبيل قليل، أصعب مُستويات الصراع تكون في المنهج، هناك مَن يعتمد – أي هذا المنهج الخاص به – في دراسة عالم الشهادة وعالم الطبيعة على التأمل والتفكر في آيات القرآن فقط، وهناك مَن يقول لك لا، أنا لا أعترف بهذا المنهج، المنهج الصحيح العتيد الأقصر والأكثر إنتاجيةً ما هو؟ منهج الذهاب إلى العالم نفسه، كما قال ديكارت Descartes، قال إن صخرة في مكانها أحسن من ألف كتاب يتحدَّث عنها، اذهب وادرسها بنفسك، هل ستبقى تقرأ عن هذه الصخرة؟ اذهب وادرسها وانظر، جرِّب هذا! وقلت لكم مائة مرة أنه سُئل عن علمه ذات مرة فقال الآتي، هو كان عنده علم حتى بالأناتومي Anatomy، أي بالتشريح، كان عنده علم لا بأس به بالتشريح، بتشريح الإنسان وبتشريح الحيوانات، أي ديكارت Descartes، فسأله أحدهم من أين لك هذا العلم؟ أرسطو Aristotle لم يقل المعلومات هذه! فأخذ الذي سأله وأدخله غُرفة، ففزع الرجل وقال ما هذا؟ لأنه وجده جُثة، أي Leiche بالألمانية أو Corpse بالإنجليزية، قال له انظر إلى هذه الجُثة، فقال له خرَّب الله بيتك، أنت رجل مُخيف، هل أحضرت جُثة إلى هنا؟ فقال له نعم، هذه جُثة، جُثة شخص مات، أتيت بها بعد أن دفعت ثمنها، لكي أرى بالضبط ما القصة، هذا هو!

إذن هناك صراع على مُستوى المنهج، هل هذا واضح يا إخواني؟ هذا الصراع يكون صعباً جداً جداً، ولابد من التصدي له، مثل هذه الفرضيات – كما قلت – تم اختبارها، ويُمكِن اختبارها، للأسف الشديد ستكون مزيداً من الهدر، مزيداً من تضييع الحاضر والمُستقبَل، مزيداً من إفقارنا، وهذا معنى الهدر طبعاً لطاقات أبنائنا وبناتنا، فنقول لا نُريد لا علماً غربياً ولا علماً مُلوَّثاً، دعنا نذهب إلى القرآن الكريم مُباشَرةً، ثم نُفكِّر ونُخرِج علماً، أنا من الآن أزعم – وأتحدى – أن هذا لن يعود علينا بشيئ ذي طائل، ربما يعود علينا بشيئ يسير لو مئات العقول أو ألوف العقل اشتغلت ليل نهار، لكن انتبه، هناك شرط، كتب أحدهم بحثاً ذات يوم – هذا قبل سنوات – يقول فيه الدي إن فيه DNA موجود في القرآن الكريم، وكنت أقرأه وأنا أضحك، والله العظيم! هذا كذب على الله، كذب وشيئ يا أخي من أبشع ما يكون، وقال هناك القواعد النيتروجينية والسكر وكيف حصل كذا وكذا والروابط الهيدروجينية تُوجَد هنا وما إلى ذلك، من أين لك هذا؟ أين هذا في القرآن؟ تكلفات! هذه ما أنزل الله بها من سُلطان، ليست هذه الشطارة لو كان فعلاً عندكم العبقرية هذه وعندكم القرائح هذه، يا سيدي أهل التراب فعلاً على العلم الغربي هذا كله، ثم اذهب أنت واعتكف في محرابك العلمي عشر سنوات، لكي تُخرِج لنا نظرية مُتكامِلة في علم من العلوم من القرآن الكريم، هيا! أرني هذا، ائت بهذا، أذهِل العالم، والعالم لن يجحدك حقك، لأن هذا العالم بالمُناسَبة حين يرى أن عندك شيئ يُمكِن أن يستفيد منه – العالم الغربي هذا – يُعطيك حتى الذهب، يقول لك سأُعطيك كل ما تُريد، هذا شيك Cheque، اكتب فيه أي مبلغ، الأمر مفتوح، كل ما تُريده ستأخذه، اكتب الراتب – Salary – الشهري الذي تُريده، الأمر مفتوح، وقد فعلوا هذا مع كثير من المُسلِمين، هل تُريد مائة ألف أو مائتي ألف أو نصف مليون؟ عادي، لكن تعال إلينا، لا تخف، لن يتآمر عليك هذا العالم، ولن يهتم بأنك أتيت بها من القرآن الكريم أو من السُنة أو من أي مكان حتى، هذا علم، ثبت بالتجربة أنه يشتغل، لأنك أتيت له بدواء كبير خطير، أو أتيت له بجهاز غير طبيعي، أو دخلت في نفق الزمان، أو عملت Teleportation، أي شيئ مثل هذا، فأنا أقول لك تفضَّل وأرني هذا، أرني هذا! غيرك لم يفعلها، هذا المنهج لم يتخذه أحد من علماء المُسلِمين عبر ألف وأربعمائة سنة – بفضل الله عز وجل -.

بل هناك ما هو أكثر من هذا – أُريد أن أزيدك كآبة أكثر من هذه الكآبة -، وهو أننا اليوم نعيش في القرن الحادي والعشرين وللأسف الشديد مشهد – هذا بشكل عام طبعاً، أي المشهد، حتى لا نتكلَّم بطريقة تخصصية أكاديمية – وموقف المُسلِمين – أي رجال الفكر الإسلامي – من العلم يُمكِن أن يُقال إنه بشكل تبسيطي جداً جداً اثنان، تمثَّل في اثنين، الأصولية الإسلامية بشكل عام في مُعظَم مذاهبها قالت لك نحن لا نتساهل مع الإنسانيات، مثل علم الاجتماع، علم النفس، التاريخ حتى وما إلى ذلك، عندنا تحفظاتنا، فضلاً عن الدراسات الفلسفية طبعاً، وهم مُحِقون بشكل مبدئي، لكن العلوم الطبيعية مثل الفلك والرياضيات والهندسة والميكانيكا وحتى الأحياء – باستثناء التطور طبعاً، عندهم مُشكِلة معه – وعلم الوراثيات وعلم كذا وكذا ليس عندنا مُشكِلة معها، هذا علم مُحايد، ليس له دين، ليس له مِلة، وليس له كذا، لذا نحن نأخذه وننتفع به، ومثله تطبيقاته وما يُسمى بالتقنيات، أي الــ Technology، هذا الموقف الأول، بشكل عام كان هكذا، أي تبسيطي.

هناك موقف ثانٍ للأسف الشديد لم يكن هكذا، حاول أن يفهم أن هناك مُشكِلة على مُستوى المنهج والتوجه والخلفية الفلسفية للعلم، مع ماذا؟ مع الإسلام، ومع المفروض أن يُدعى علماً إسلامياً، وهو غير موجود، يدعون إليه ويُحِبونه، لكن هو غير موجود، أرني هذا! أرني فيزياء إسلامية، أرغب في أن أفهم كيف ستكون هناك فيزياء إسلامية، أرغب في هذا، أرغب في أن أرى هذا، هل يُمكِن أن تكون هناك فيزياء إسلامية تنقد مذهب الجاذبية – مثلاً – أو قانون الجاذبية؟ هل يُمكِن أن تكون هناك فيزياء إسلامية – مثلاً – تعكس قوانين الحركة لدى نيوتن Newton ثم يتضح أن كل الكلام هذا غير صحيح؟ أرني هذا، أرغب في أن أفهم هذا، هل يُمكِن أن تكون هناك فيزياء إسلامية – مثلاً – ضد ميكانيكا الكم التي عندها تطبيقات بالألوف؟ هذه أثبتت نجاعة غير مُتوقَّعة بالمرة، أي ميكانيكا الكم، شيئ مُذهِل ومُخيف، فأرني هذا، أرغب في أن أفهم هذا، لكن لا تُحدِّثني عن طاقة الجن وسرعة الجن بالله عليك، وهناك أيضاً بحث ثالث عن التركيب الكيميائي للجن، والله العظيم! قُدِّم في إسلام آباد، قُدِّم بحث عن التركيب الكيميائي للجن، كيف هذا؟ هل قمت بتحليل الجن؟ هل أتيت بهم؟ هل أخذت منهم نسيجاً؟ لا أعرف كيف هذا، كيف أنت فهمت التركيب الكيميائي للجن؟ هل رأيت هذا؟

على كل حال هذه المدرسة مَن يُمثِّلها؟ أبو الأعلى المودودي للأسف الشديد، والفيلسوف الإيراني الذي لا يزال حياً إلى اليوم – في التسعين الآن، دخل في العقد التسعين – سيد حُسين نصر، وأكيد سمعتم مني هذا الاسم من قبل، فقد اقتبسته أكثر من مرة، هذا الإنسان أحترمه كفيلسوف وما إلى ذلك، ولكن موقفه من العلم للأسف عليه علامات استفهام كبيرة، لا نتقبَّله، بعد ذلك هناك المُفكِّر الإسلامي – باكستاني الأصل ومُقيم في لندن، وهو Polymath، رجل واسع الثقافة، ما شاء الله! عنده كُتب كثيرة، تكلَّم حتى في النقد الأدبي والحداثة وما بعد الحداثة وفي الإسلام والعلم، وعنده ستة كُتب عن العلم في الإسلام، هذه قصة كبيرة – ضياء الدين سردار، فضياء الدين سردار وسيد حُسين نصر والمودودي يُمثِّلون هذه المدرسة، وهناك أُناس آخرون حتى مثل اليهودية الأمريكية المُهتدية مريم جميلة، هذه الأخت الفاضلة سارت في نفس الطريق، هؤلاء للأسف الشديد عندهم نظرة سيئة جداً ومُرتابة وشكّاكة في العلم الغربي أصلاً وفصلاً، لغاية أن سيد حُسين نصر وصف هذا العلم بالنجس، تخيَّلوا! كأن العلم فيه نجاسة وقداسة، العلم ليس فيه هذا، لا يُوجَد علم مُقدَّس وعلم نجس، العلم علم كما قلنا، وليس له علاقة بالدين وبالأيديولوجيا حتى، ويفسد العلم بالذات إذا دخلت الأيديولوجيا أو الدين فيه، هذه الأمور تُفسِده وتعوقه وتجعله علماً فاشلاً، وأكبر نموذج ما هو؟ العلم الآري، علم هتلر Hitler، اذهبوا وادرسوا هذا الفصل، حاول هتلر Hitler أن يبني علماً جديداً، وهو علم آري نازي، يُحقِّق فرضيات مُعيَّنة، ففشل فشلاً ذريعاً، وانتهى بماذا؟ بمذابح، بدمار وعار على ألمانيا وعلى العلم الآري كله، ومثل العلم السوفيتي، وهذا يضح خاصة في الفصل الأكثر كآبة وقتامة المُتعلِّق بتروفيم ليسينكو Trofim Lysenko، حدَّثتكم عنه أكثر من مرة، على كل حال حين يظهر كتابي الآن عن التطور – إن شاء الله قريباً يُطبَع – ستجدون أنني تحدَّثت عنه في أكثر من صفحة، مشروع تروفيم ليسينكو Trofim Lysenko – هذا أبو علم الوراثة وعلم الزراعة أيام ستالين Stalin – كان خيبة ما بعدها خيبة، تروفيم ليسينكو Trofim Lysenko دمَّر روسيا، دمَّر الاتحاد السوفيتي، ما رأيكم؟ والله العظيم! عوَّق الزراعة فيها وعاد بها أربعين سنة إلى الوراء، دمَّرهم تدميراً، ودمَّر علم الوراثة المندلي، قال لهم هذا علم برجوازي قذر.

العلم لا يصح أن يدخل فيه الدين والأيديولوجيا والعقيدة، العلم مُحايد! كما قلنا ليس له دين، ابعد عن هذا، للأسف الشديد الفيلسوف المُسلِم الكبير والرائع سيد حُسين نصر قال لك العلم الغربي نجس، مُدنَّس، هو ذو روح شريرة بتعبير أختنا مريم جميلة – بارك الله فيها، أعتقد أنها حية إلى اليوم، أعطاها الله العمر والصحة -، قالت لك هذا علم ذو روح شريرة، شرير! في الحقيقة نحن قلنا قبل قليل – انظر إلى الفرق في التفكير – العلم ليس عنده علاقة بحد ذاته لا بإيمان ولا بإلحاد، العلم يُمكِن أن يُشكِّل مُقدِّمة تستخدمها مرة في الإيمان ومرة في الإلحاد، وهنا يأتي ماذا؟ النقاش الفلسفي مع كل لاهوتي، كيف أنت عملتها؟ قد تكون غلطت؟ قد تكون أخطأت في الاستدلال؟ هذه قضية ثانية، هل هذا واضح؟ لكن العلم بحد ذاته فعلاً مُحايد، ليس له علاقة بكل هذا، العلم ليس له علاقة بالقضايا هذه، هذه ليست قضاياه!

أُريد أن أسأل سؤالاً وتحمَّلوني، العلم يا إخواني يُلبي ماذا؟ يُجيب عن ماذا؟ والدين في المُقابِل – لكي نكون هكذا على وعي، وقد قلت إنني لا أُريد أن أتورَّط في تعريف العلم والدين وما إلى ذلك، موضوع طويل هذا، لكننا نقول هذا لكي يكون عندنا أيضاً تصور مبدئي – يُجيب عن ماذا؟ ما الذي تنتظرونه من الدين؟ أنتم وأنا وأي واحد فينا ماذا ينتظر من الدين بصراحة؟ أنا أقول لكم بحسب ما أفهم من الدين إن أول ما أنتظره من الدين هو تقريبي من الله وتعريفي به، أن أعرف الله، إذا الله موجود – وهو حق، موجود عز وجل، وجوده حق – فأنا أُريد أن أقترب منه، أُريد أن أتعرَّف عليه، وبصراحة عندي هوس وعندي رغبة شديدة جداً في أن أُقيم علاقة شخصية معه، أُريد Personal relationship، أي علاقة شخصية، علاقة شخصية معه، هناك أشياء مُعيَّنة يُسمونها السر، أُريد أن يكون هذا بيني وبين ربي وأن تكون هناك علاقة مُعيَّنة، أنا مأمور بالصدق في حياتي والأمانة والنظافة والطهارة، وأُريد أن أرى كيف هذا، أُريد أن أُجرِّب هذا الشيئ، هذا مُهِم، وهذا كان أولاً.

ثانياً ما أنتظره وينتظره كل بشر مُتدين من الدين، هل تعرفون ما هو؟ العزاء والسلوان والأمل، هناك الأمل، أي الــ Hope، الأمل بإزاء ماذا؟ الفم الفاغر للعدم والفناء، الموت! الكل يموت، الدين يُعطيك الطمأنينة ويقول لك إن الموت بوّابة لعالم الخلود، الموت منفذ لعالم أرحب وأوسع وأدوم ولا نهاية له، أُحِب هذا، أنا أُريد هذا الدين بصراحة، هذا يُريحيني، ستقول لي هناك العلم، لا! العلم ليس له علاقة هنا، العلم هنا لا يتدخل، هذه قضايا إيمانية، أنا أُصدِّق بالأشياء هذه، دعني فأنا حر، ونحن قلنا إن عبد السلام أخذ نوبل Noble وهو مُؤمِن، وواينبرج Weinberg أخذ نوبل Noble وهو مُلحِد، هما حران في هذا، لكنهما اشتغلا على نظرية واحدة وعلى موضوعة علمية واحدة، أنا هذا الإيمان يُريحني، وأشعر بأنه جيد، وبعلاقتي الشخصية مع الله – عندي تجارب مُعيَّنة – ثبت أن الله موجود وأنه يتواصل معي، يا أخي أنا حر، حتى لو سميتني مهووساً دينياً أو مجنوناً أنا حر، هذه قضايا إيمانية، لن اُلزِمك بها، لن أتلوها عليك إلا إذا أنت ألحيت علىّ وقلت لي حدِّثني يا فلان عن تجربتك، من المُمكِن أن أعملها ومن المُمكِن ألا أعملها، هل هذا واضح؟

ثالثاً وأخيراً، علماً بأن من المُمكِن أن نبقى نتحدَّث إلى الغد، الدين يُعطيني شعوراً بالــ Dignity، أي بالكرامة، يُعطيني شعوراً بالكرامة، قد تقول لي كرامة ماذا؟ طبعاً هناك كرامة، فرق كبير بين منظوري الديني لنفسي كإنسان ونظرتي للإنسان من خلال نظرة مادية تستند إلى العلم، كيف هذا إذن؟ قال أحدهم استناداً إلى العلم أنت لست إلا بنية مُعقَّدة في الدرجة، ولا تختلف في النوع عن الدودة والخنزير والقرد والحية، الدرجة فقط! أكثر تعقيداً، أكثر رقياً، وليس في كل الجوانب حتى تطورياً، في بعض الجوانب عندك هذا، لكن أنت في الأخير تُختزَل وتُحَل – تعرف مبدأ الاختزالية الردية، أي الــ Reduction – إلى أشياء، يُمكِن أن نحلك وأن نرجعك وأن نختزلك إلى القليل من الكربون والقليل من الغازات والقليل من المعادن مثل الرصاص والحديد والزنك والألومنيوم و… و… و… وأنت في الأخير، في الأخير، في الأخير، من غبار النجوم، أي Stardust، أنت من بعض غبار النجوم، كل الكائنات الحية هي من غبار النجوم، فقط! وماذا بعد؟ ماذا سيحدث حين أموت؟ قال لك حين تموت سترجع إلى لا شيئ، سترجع إلى مادة، ويُمكِن ترجع في يوم من الأيام إلى ما كنت عليه، الأرض هذه قد تنفجر وتحترق فترجع إلى ما كنت عليه، وتصير غبار نجوم من أول وجديد، ويُمكِن أن تُشكَّل في شكل كوكب أو سديم أو نجم أو كذا، لا نعرف وليس لنا علاقة، هذا مُمكِن! لكن هذا شيئ مُخيف ومُرعِب، هل هذا الماضي الخاص بي؟ هل هذا المُستقبَل الخاص بي؟ هل هذا الماضي الخاص بي فعلاً؟ هل هذه حقيقتي؟ الدين يقول لي لا، أنت كائن نعم تشترك مع المملكة الحية في أشياء كثيرة، لكن أن تتميَّز عنها بالنوع، فيك نفخة من روح الله، جعلت فيك جانباً مُفارِقاً مُتجاوِزاً، هذا الجانب – كما قلنا – الذي جعلك تُمارِس العلم بروحانية، جعلك تُضحي بحياتك وتُضحي برفاهيتك وبرخائك وبوقتك وبلذائذك وبمُتعك في سبيل ماذا؟ أن تعرف، فقط لأعرف؟ فقط لأعرف، وأعرف أشياء لا ينبني عليها تطبيقات عملية، ما رأيك؟ على الأقل في مُدة حياتي، أي ماذا سوف نستفيد نحن – مثلاً – لو عرفنا الآن حدود الكون واشتغلنا ثلاثين سنة ثم اتضح أن حدود الكون ليس أربعة عشر مليار سنة ضوئية، وإنما هومائة وستة وثمانون مليار سنة ضوئية؟ لن يحدث شيئ بصراحة، لن يتغيَّر شيئ أبداً أبداً، لن يتغيَّر أي شيئ، فلماذا أنفقتم مليارات الدولارات وكان هناك مئات العلماء وألوف الساعات في العمل والاجتهاد والرياضيات وما إلى ذلك؟ لماذا؟ نُحِب أن نعرف – قال لك -، هذا هو!

هناك الشعور بالجمال لدينا، لماذا يُوجَد هذا الشعور بالجمال؟ هناك الرغبة المجنونة في الخلود ومُقاوَمة الفناء، وليس هذا فحسب، كما قلنا الدين يقول لنا أنتم أيضاً خلفاء الله في هذا العالم، ومُفوَّضون منه في إدارة العالم هذا وإصلاحه والمشي به قدماً عبر ماذا؟ استنباط قوانينه ودساتيره، وعندكم أيضاً شريعة تُنظِّم حياتكم وتُنظِّم علاقاتكم وفق مبدأ الحرية والكرامة والعدالة، هل هذا واضح؟ وأنت أيضاً يا خليفة الله في الأرض مُخوَّل بل مأمور ومُفوَّض بأن تُزيل الظلم وأن تُحقِّق العدالة للبشر.

وتُعجِبني هنا كلمة نيكوس كازانتزاكيس Nikos Kazantzakis، الأديب اليوناني العظيم، الذي قال ماذا؟ قال ليس ذنبك يا رب، ليس ذنبك هذا الطفل الذي يأكل التراب، ليس ذنبك، ذنبي أنا وذنب إخواني في البشرية، ذنب هذا الطفل في رقبتي وليس في رقبة الله، جميل، جميل، جميل، اقشعر بدني، جميل! لماذا كازانتزاكيس Kazantzakis قال العبارة هذه؟ يفهم هو بطريقة أو بأُخرى – وهو يُخاطِب الله – أنه مُفوَّض من الله، هو خليفة الله، لكي يُدوِّر المواد ويُقسِّم الأرزاق، هو! أليس كذلك؟ الله خلق الأرض وجعل أرزاقها تكفي البشرية هذه بل تكفي عشرة أضعافها وربما مائة ضعفها، والله العظيم! لكن الله لم يقل أُريد أناساً عندهم مائة مليار وأناساً ليس عندهم حتى مائة مليم، لم يقل هذا، الله دمغ هذا في التوراة وفي الإنجيل وفي القرآن، ما رأيك؟ ودمغه بالنور الفطري الذي يُوجَد في الإنسان، بالنور الطبيعي الإلهي الذي يُوجَد في الإنسان دمغ هذا، والبشرية ترى أن هذا يُعَد ظلماً ولا ينبغي أن يستمر، لكن هناك حضارات تعمل على استمراره، وهناك رأسمالية مُتوحِّشة، لكن نحن كبشر خلفاء الله، هذا ما يُعطيه الدين لنا، هل فهمتم كيف هذا؟

باختصار هناك جواب لماذا؟ من أين؟ وإلى أين؟ وهناك جواب لماذا؟ أي السؤال الغائي، لماذا أنا موجود أصلاً؟ هذا الجواب يُقدِّمه الدين أو العلم؟ الدين، العلم ليس له علاقة، انظر إلى العلم، كم هو حتى قاصر ومحدود! كريم وجميل، لكنه قاصر ومحدود، العلم يقول لك هذه طاقة البخار، وهذه طاقة الماء، وهذه طاقة الريح، وهذه طاقة الشمس، وهذه طاقة الكهرباء والإلكترون Electron، وهذه طاقة الذرة، وليس لي علاقة بما ستفعله بهم بعد ذلك، اجعلها سلمية أو اجعلها حربية، احرق الأرض، احرق جنسك، واحرق كل البشر، أنا ليس لي علاقة! هذه ليست وظيفة العلم، أليس كذلك؟ أي العلم ليس أخلاقي وليس لا أخلاقي، هل فهمتم ماذا أقصد هنا؟ أرجو أن تفهموا النُقطة هذه، العلم ليس أخلاقياً، سيقول لي أحدكم هو ليس أخلاقياً، إذن هو غير أخلاقي، لكن هذا غلط، وهو ليس لا أخلاقياً، سوف يقول لي ما الوسط الذي بينهما؟ هو مُحايد أخلاقياً، هناك الــ Amoralism، هل تعرفون هذا؟ هناك الــ Moralism، أي مذهب الأخلاقية، أليس كذلك؟ هناك Anti، هناك Non، وهناك A، هذه Amoralism، والــ Amoralism معناها ماذا؟ مذهب الحيادية الأخلاقية، أي أنا لا أخلاقي ولا لا أخلاقي، هذا ليس تخصصي، فلا تطلب مني هذا.

السؤال الآن، إذا هذا ليس تخصصك يا Science فهو تخصص مَن إذن؟ بدرجة أولى هو تخصص الدين، الدين! هذا يعني أن الدين أيضاً – أضيفوا هذا العنصر الرابع، وهو مُهِم جداً، وقد تكلَّمنا عنه، حين تكلَّمنا عن كازانتزاكيس Kazantzakis والعدالة وما إلى ذلك تكلَّمنا عنه – يُؤسِّس لــ ويُجيب عن سؤال ماذا؟ الأخلاق.

اربطوا معي الكلام بعضه ببعض، قبل قليل تحدَّثت عن بيكون Bacon وعن نيوتن Newton وعن فولفغانغ باولي Wolfgang Pauli وعن أينشتاين Einstein وعن غيرهم، علماً بأن ابن خلدون حتى كان وغداً وانتهازياً بصراحة سياسياً، تحدَّثنا عنه قديماً، وهو كان كذلك، وفي المُقابِل – هذا في المُقابِل – فعلاً وبصراحة لا أنا ولا أنتم اهتزت ثقتنا قيد شعرة بهؤلاء العباقرة في العلم – أي الذين ذكرناهم مثل أينشتاين Einstein وباولي Pauli، هذا في العلم – حين عرفنا وغادتهم الشخصية، أي التي كانت على المُستوى الشخصي، أليس كذلك؟ أبداً، سأظل أحترم علمه كل واحد منهم وأتعلَّمه وأرفع له القبعة، لكن يختلف الأمر حين يأتي أحدهم لكم ويقول عدنان إبراهيم فعل كذا وكذا، وهو رجل يتكلَّم عن الدين، أرأيتم؟ هو يصعد المنبر – منبر رسول الله – ويُصلي بكم، ومع ذلك يُمكِن أن تكتشفوا أن عنده فتكات ومُغامَرات جنسية، وربما – لا قدَّر الله ولا سمح – يُوجَد ما هو أفظع، مع العلم بأنني أحببت أن أُمثِّل بنفسي، هل تعرفون لماذا؟ حتى لا أُسيء إلى أي شخص آخر، لذا تعمدت أن أُمثِّل بنفسي فقط، وهذا الموضوع أنا أتحسس منه بنفس درجة تحسسي من الكفر، كم أتحسس من الكفر! أتحسس بنفس الدرجة من هذه الموضوعات الأخلاقية – بفضل الله -، وعندي صرامة أخلاقية رهيبة، لكن ماذا لو سمعتم غداً أن عدنان إبراهيم الذي يُحاضِركم في الدين والأخلاق والورع والتقوى والتصوف والمعرفة والولاية وما إلى ذلك عنده فتكات؟ بالله عليكم هل يبقى عندكم أي احترام لي ولو بنسبة خمسة في المائة؟ مُستحيل، سأقول لكن أنا أُدرِّس لكم، وسيقول لي أحدكم لا، بصراحة أنت كرجل دين وكمُفكِّر ديني وكعالم دين ينبغي أن تُعلِّمنا الدين، سأقول لكن أنا لم أُعلِّمك الأخلاق، وسيقول لي لا يا حبيبي، الدين لا ينفصل عن الأخلاق، هما شيئ واحد تقريباً، الدين يُؤسِّس للأخلاق، لا تُفهِمني أنك عالم دين بلا أخلاق، لن أثق بعلمك، لن أثق بفتواك، لن أثق برؤيتك، ولن أثق بشخصيتك، أنا أحببتك كعالم دين لكي أتعلَّم منك الدين بمعناه الأخلاقي أيضاً، ليس فقط بمعناه الثيولوجي واللاهوتي والكلامي والفلسفي فقط، وإنما بمعناه الأخلاقي أيضاً، هذا أهم شيئ، أحببتك لكن ليس لعلمك فقط، كان له دور، أي هذا العلم، لكن مع وهم أنه مُقترِن بماذا؟ بأخلاقية عالية، برسوخ، وبطهارة في المسلك والسلوك، لما تبيَّن لي غير هذا لم يبق احترام، وعندك الحق بصراحة، ولا تتراجع مهما حاولت أن أضحك عليك وأن أُدجِّل عليك وأن أقول لك لا يا أخي، خُذ علمي وانتفع به ولا عليك من عملي، خُذ الثمار وألق العود في النار، أرأيت؟ خُذ الثمار وألق العود في النار، انظر إلى علمي ولا يغررك عملي، قل لي اذهب بعيداً، نحن شبعنا من دجلك، اتضح أنك أكبر دجّال، أليس كذلك؟ وعند الحق – والله -، فلا تأت ولو مرة إلى هنا، ولا تسمع مني كلمة واحدة، لماذا إذن؟ لأن الدين بطبيعته أخلاقي، يتراكب ويتقاطع ويتآزر ويتعزَّز بالأخلاق، خلافاً للعلم الطبيعي، الموضوع مُختلِف تماماً، هل فهمت كيف هذا أنت؟

إذن الدين يُجيب عن سؤال كذا وكذا وكذا وكذا، العلم سؤاله الأصلي الذي يُجيب عنه ما هو؟ كيف تحصل الأشياء في عالم الشهادة؟ كيف ينزل المطر؟ كيف يحدث الرعد؟ كيف يحدث البرق والصواعق؟ أليس كذلك؟ لماذا تنزل الأشياء من أعلى إلى أسفل؟ الجاذبية، أليس كذلك؟ لماذا… لماذا… لماذا… كل أسئلة العلم! لماذا الركب عندنا كبشر بعد سن الأربعين والخمسين تتأثَّر وتتآكل؟ هذا سؤال في الطب، لماذا؟ لماذا عندنا مشاكل في العصعص والعمود الفقري وفي فقرات الرقبة؟ الطب يتكلَّم في هذا، لماذا الكبد يتليَّف عند مَن يشرب الكحول أو يشرب كذا وكذا؟ لماذا؟ قصة كبيرة! العلم يُجيب عن سؤال لماذا؟ كيف لماذا؟ كيف لماذا إذن؟ انتبهوا، يجيب عن سؤال لماذا؟ بكيف؟ أي سؤال بسؤال.

سؤال لماذا؟ يا إخواني سؤالان، لماذا من قدام؟ ولماذا من وراء؟ ما رأيكم؟ لماذا من قدام؟ اسمه السؤال الغائي، يُجيب عنه الدين، لماذا الله خلقنا؟ خلقنا لكي يختبرنا، وبعد ذلك يجعلنا إما في الجنة وإما في النار بعد أن يبلونا – لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۩ – وما إلى ذلك، هذا السؤال اسمه السؤال الغائي، العلم يكفر به، وليس له علاقة به، ليس له أي علاقة به! لكن لماذا تدور الشمس؟ لماذا تدور الأرض حول الشمس؟ لماذا تدور الشمس حول محورها طبعاً؟ ولماذا تدور الأرض حول الشمس؟ ليس لكي تذهب الشمس وتسجد عند العرش، لا! العلم لا يُؤمِن بالأشياء هذه، هل فهمتم كيف هذا؟ العلم يُجيبكم عن لماذا؟ بالسبب الذي في الوراء، ما الذي جعلها تدور؟ مبدأ القصور الذاتي، أليس كذلك؟ تتسلط عليها قوة، فتنقلها من السكون إلى الحركة، تبدأ تتحرَّك بحسب مبدأ الجاذبية، وعندنا مبدأ الجاذبية ومبدأ الطرد المركزي أو النبذ المركزي، قصة مُعقَّدة! إلى أن يطرأ ما يُحيلها إلى حالة أُخرى، اسمه مبدأ الأنيرشا Inertia، أي مبدأ القصور الذاتي، هذا سؤال سببي، لماذا من وراء؟ هذه السببية، العلم يتكلَّم فيها، السببية من الأمام لماذا غداً أو فيما بعد؟ هذه الدين يتكلَّم فيها، اسمها ماذا؟ الغائية، فالعلم لا يعترف بالغائية، هل هذا جميل؟

بعد ذلك حين يُجيبكم العلم عن لماذا تتحرَّك الأرض؟ هو يصف لكم كيف يحصل هذا؟ فنحن نختزل ونقول السؤال الحقيقي للعلم هو سؤال كيف؟ قد يقول لي أحدكم هناك لماذا؟ لكن لماذا؟ فقط للوراء، فعليه أن ينتبه حتى لا يخلط الأمور، هذه فلسفة العلم، العلم يتناول سؤال لماذا؟ الذي من الوراء، أي السبب الذي من الوراء، السبب الذي من قدام اسمه الغائية، هناك الــ Aim أو الــ Goal، هل هذا واضح؟ اسمه الــ Aim، هل تعرفون الــ Aim؟ هناك الــ Aims، أي الأهداف، هناك الــ Goal والجمع هو الــ Goals، فهذا من قدام، وذاك الدافع الأول أو المُحرِّك، وهو من الوراء، أي هذه السببية، أما هذه فهي الغائية، العلم يهتم بالسببية، ولا يهتم بالغائية، وبعد ذلك وهو يُجيبكم عن سؤال السببية يُجيبكم عن كيف يحدث؟ كيف تتم الأمور؟

هل هذا واضح يا إخواني؟ هذا هو، قد يقول لي أحدكم حتى الدين يُجيب عن هذا السؤال، بصراحة يُجيب عنه بطريقة إجمالية فقط، بطريقة إجمالية وليس بطريقة تفصيلية، وهذه الطريقة الإجمالية لا تُفيد في إقامة علم كالعلم الحديث بالمُناسَبة، قد يقول لي أحدكم ما قصدك إذن؟ وأنا أقول له بصراحة لو سألت أي علم دين ومن منظور ديني قلت له لماذا تحدث الأشياء؟ وكيف تحدث الأشياء على هذا النحو؟ سيقول لك عالم الدين الله – تبارك وتعالى -، الله حرَّكها، الله سيَّرها، الله أدارها، الله قدَّرها، الله… الله… والله… هذا الجواب صحيح أو غير صحيح؟ صحيح، في الميتافيزيقا – Metaphysics – الإسلامية وفي الثيولوجيا – Theology – الإسلامية هذا الجواب صحيح مائة في المائة، لكن هذا لا يُؤسِّس علماً، أليس كذلك؟ لماذا إذن؟ لأنه جواب واحد، إجمالي وواحد، لا يتغيَّر، أي شيئ يُجاب عنه بنفس الجواب، كيف يحدث وما إلى ذلك؟ الله – عز وجل -، وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ ۩، كيف تحدث الصاعقة؟ لا تقل لي هناك بنجامين فرانكلين Benjamin Franklin وهناك الطائرة الورقية التي أرسلها ولا تُحدِّثني عن سنة ألف وسبعمائة وثنتين وخمسين وما إلى ذلك، لا! الله، هذا صحيح، الله يخلق الصواعق، يُرسِل الصواعق، يُرسِل الرعد، يُرسل البرق وما إلى ذلك، يُنزِل الماء، ويُنبِت النبات، الله… الله… الله… مضبوط! لكن كيف يتم هذا؟

هل إبراهيم – عليه السلام – لم يكن يعلم أن الله هو الذي يُحيي ويُميت؟ فماذا طلب إذن؟ (ملحوظة) أجاب أحد الحضور بقول الله – تبارك وتعالى – أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۩، فقال الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم نعم، أرأيتم كيف هذا؟ إبراهيم تجاوز سؤال الدين وجواب الدين الإجمالي وطرح سؤال العلم، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۩، أي تُؤْمِن ۩ بماذا؟ هل معناها تُؤْمِن ۩ بأني موجود أم بأني أُحيي الموتى؟ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۩، يا سلام على القرآن الكريم، يا سلام!

أختم بهذه الجُملة إذن، انتهى الأمر، لا أُريد أن أتكلَّم بعدها، لأن هذه درة، درة! هل تعرف هذه الدرة ماذا تقول؟ الدرة تقول القرآن نفسه ظاهره يقول العلم يُعطي طمأنينة للمُؤمِنين، طمأنينة للبشر، وهي الطمأنينة التي طلبها إبراهيم، قال له أرني كيف هذا؟ كيف تتم العملية؟ أنت اليوم يُمكِن أن تأتي لكي تتكلَّم مع أي عالم في الأحياء وفي الفسيولوجيا Physiology وحتى في الكيمياء الحيوية – أي البايوكمستري Biochemistry -، ويُمكِن أن يُحدِّثك عن الــ Enzymes، العرب يُسمونها الأنزيمات، أي الخمائر، الــ Enzyme هو الإنزيم، ما الــ Enzyme هذا؟ يقول لك هذا مُركَّب كيمياوي، وبالأحرى هي مُركَّبات كثيرة على كل حال، وهي مُهِمة جداً جداً جداً في عالم الحياة في النبات وفي الحيوان، لماذا؟ لأنها تُؤدي دور التسريع، أي إنها Catalyzer، هي مُسرِّع، تعمل تسريعاً للتفاعلات، من غير إنزيم Enzyme الخلية ماذا سيحدث؟ هل تعرف كم الوقت الذي سيستغرقه التفاعل لكي يتم؟! تريليون Trillion مرة، شيئ لا يكاد يُصدَّق، أي التفاعل يتم في واحد على ألف من ثانية، من غير الإنزيم Enzyme، سيحتاج إلى كم؟ تريليون Trillion مرة هذا الوقت، أي واحد على ألف يُضرَب في تريليون Trillion، ما التريليون Trillion؟ مليون المليون، أي عشرة أس ثنتي عشرة، ومن ثم ستنقضي أعمارنا كلها لكذا مليار سنة دون أن يتم التفاعل، سوف تقول لي يا الله! هل هذا الكلام صحيح أم أنه مُجرَّد هبل؟ ما هذا؟ هو يقول لك أنا سأُريك هذا، أي العالم يقول لك أنا سأُريك هذا، تعال وانظر، هذه مادة مُعيَّنة عندنا، تركناها مع مادة أُخرى لكي تتفاعل، لكن لن يحدث أي شيئ، يُمكِنك أن تجلس وتنتظر لساعة أو ساعتين أو حتى لمليار سنة، ولن يحدث أي شيئ، كل شيئ سيبقى كما هو، بعد أن تنتظر سبع أو ثماني ساعات سيقول لك دعنا نضع قطرة واحدة من هذا الإنزيم Enzyme، وهذا كله يجري أمامك، هذا يجري أمامك، ويُمكِن لأي أحد أن يرى هذا في الوثائقيات، يُمكِنه أن يرى هذا بعينيه في الوثائقيات أو في المعمل، ومَن درس هذه الأشياء يعلم ما أقول، فهو سيقول لك نحن سنأتي بالإنزيم Enzyme هذا، لأننا نعرف أن قطرة منه ستُحدِث انفجاراً، يا رجل في طرفة عين سيحدث التفاعل، وسيتم الانفجار في الأنبوب مُباشَرةً، هذا يعني أن العلم أراك ماذا هنا؟ كيف تتم العملية؟ كيف يتم هذا التفاعل – الــ Interaction -؟ كيف؟ أنت في الأول سمعت أن الإنزيم Enzyme يعمل هكذا، وهذا حلو، لكنك تقول أرني هذا وأثبته لي، لكي يتعزَّز الإيمان، أليس كذلك؟

فكأن العلم – وقلت هذه الجُملة أُريد أن أختم بها – يُعطي الطمأنينة للبشر وخاصة المُؤمِنين بماذا؟ بالجواب عن سؤال كيف؟ كيف؟ هناك الشرغوف، هل تعرفون الشرغوف؟ قبل أن يصير هذا الكائن ضفدعاً يُسمى الشرغوف، قبل أن يصير هكذا يُقال إن اسمه الشرغوف رغم أن ليس له أي علاقة بالضفدع، شكله مثل ماذا؟ مثل أي كائن مائي سابح صغير هكذا، كيف يتحوَّل إلى ضفدع؟ هذا يُسمونه علم الأحياء النمائي، أي الــ Developmental biology، من Development، شيئ لا يكاد يُصدَّق، وترى العلماء وكيف يُجيبونك عن هذا علمياً، قد تقول لي درسنا هذا، لكن دراستك هذه قديمة، في سنة ألفين وست عشرة دخلت فيزياء الكم في الموضوع هذا، والعلماء جعلونا نرى كيف يتم هذا كمياً، وعلمنا كيف تُفسِّر لنا فيزياء الكم تحول الشرغوف إلى ضفدع كامل، شيئ مُرعِب، علم! علم مُخيف يا إخواني.

قد يقول لي أحدكم والله يا عدنان هذا يكفي، أعطاك الله العافية، والله يكفي هذا المثل، وتكفي هذه الخاتمة، لكي يتوقف هؤلاء المساكين من إخواننا – هدانا الله وإياهم وأصلحنا وأصلحهم – عن مُواصَلة السير في هذا الطريق، فهم يقولون نحن سنُخرِج علماً من القرآن فقط، ولا نُريد علم الغرب، يا أخي هذه علوم مُذهِلة، علوم مُحيِّرة جميلة مُخيفة رهيبة، ومُخاطَرة كبيرة – هذه مُخاطَرة كبيرة بل مُقامَرة معروفة العواقب وهي دمار على الدين وأهله – أن تقول للناس عندي علم، سأقوم بإخراجه من القرآن وحده، قارنوا بينه وبين علوم الغرب الكافر، مُجرَّد مُقارَنة بسيطة – بفضل الله عز وجل – ستجعل الناس تقول لك اجعل علمك عندك، وبالتالي اجعل كتابك معك ودينك عندك، أستغفر الله العظيم! وسوف يذهب الإنسان إلى علم الغرب، لأنه سوف يجد هنا ماذا؟ تعقيداً وجمالاً وتفسيراً وأشياء كيفية ودقيقة ومُلاحَظة ومُصوَّرة ومرصودة بالتجربة ومكتوبة في صورة مُعادَلة، شيئ مُذهِل مُخيف، يحكي العبقرية البشرية، يحكي عظم هذا العقل الإنساني، وهنا سوف يجد سذاجة وأشياء غير قابلة للتحقق منها وغير قابلة أصلاً للدحض، أشياء سهل جداً نقدها حتى بطريقة تأملية ولُغوية.

لا تلعبوا بدين الله يا إخواني، كان بودي أن أُحدِّثكم عن موقف الإمام الغزّالي – رحمة الله عليه – المُتهَم بأنه كان ضد العلوم وضد الرياضيات، وربما أنتم سمعتم العالم الأمريكي الرائع على أنه لم يكن هنا رائعاً حين افترى على إمامنا الغزّالي، وهو تايسون Tyson، أي نيل ديجراس تايسون Neil deGrasse Tyson، وذلك حين قال أبو حامد كان ضد العلم وضد الفلسفة وضد الرياضيات، وهذا غير صحيح.

أبو حامد – رحمة الله عليه – حين تصدى للفلسفة – انظر إلى العقل المُسلِم المُحترَم – قال لك الفلسفة ليست شيئاً واحداً، لأن الفلسفة كانت في عهد الغزّالي كانت ماذا؟ كانت لا تزال أم العلوم، أليس كذلك؟ قال لك الفلسفة ستة أشياء، أولها الرياضيات، بعد ذلك الطبيعيات، بعد ذلك الإلهيات، بعد ذلك الأخلاق، بعد ذلك السياسة، وبعد ذلك المنطق، يا سلام يا أبا حامد! هل كل هذا سيُلقى به مع الزبالة؟ قال لك زبالة ماذا؟ قال لك سنبدأ بالرياضيات، فيها الحساب والهندسة، إياك – قال – أن تُكابِر بجحد هذه العلوم، هذا يُضعِف أمر الدين ويجلب العار للدين، إياك – قال – أن تفعل هذا، إياك أن تلعب – قال – هذه اللعبة الوسخة، قال هذه العلوم مُبرهَنة قوية يقينية، أي كأنه يقول لك نرفع لها القُبعة، انظر إلى هذا العالم، هذا أولاً، فانس كل هذا، الحساب والهندسة والرياضيات أبو حامد قال لك عنها هي على رأسي من فوق.

ثانياً المنطق، قال لك لا ثقة أصلاً بعالم شرعي ولا ثقة بعلومه ما لم يحذق علم المنطق، مُتعصِّب أبو حامد للمنطق، قال لك المنطق على عيني ورأسي من فوق، وألَّف فيه كُتباً، ألَّف فيه كُتباً – رحمة الله عليه – وهذا يعني أنه قبل المنطق.

ماذا عن الشيئ الثالث يا أبا حامد؟ ما قصتك أنت؟ هل أنت ضد الفلسفة؟ قال لك لا، أنا مُحقِّق وأنا دقيق، أنا لا أهرف بأي كلام هكذا، كأن أقول هؤلاء كفّار وما إلى ذلك، لا! ليس عندي – قال – هذا، هكذا الدين علَّمني، ثالثاً – قال لك – الطبيعيات، الطبيعيات لا غالب فيها ولا مغلوب، هذه عبارته، قد تقول لي أين ذكر هذا يا عدنان؟ هذا ذكره في المُنقِذ من الضلال، فقط يُمكِنك أن تقرأ كُتيبه الصغير هذا وأنت جالس، اقرأه لكي تفهم موقف أبي حامد من الفلسفة بالتفصيل، في المُنقِذ من الضلال قال لك الطبيعيات لا غالب فيها ولا مغلوب، أي ماذا يقصد؟ يقصد مرة لنا ومرة لهم، مرة علينا ومرة عليهم، أي كأنه يقول لك FiftyFifty، تقريباً أصابوا فيها بقدر ما اخطأوا، ما الطببيعيات إذن؟ هي هذه العلوم المعروفة، علم الفلك وعلم الأرصاد – لم يكن في تلك الأيام – وعلم الميكانيكا، وحتى يدخل فيها علم الطب وما إلى ذلك، قال لك فيها وفيها، بحسب الدليل والبُرهان والتجربة، أرأيت؟

ماذا بقيَ الآن إذن؟ بقيَ عندنا الإلهيات، الثيولوجيا Theology، أبو حامد قال لك مُشكِلتي معهم أنا في الإلهيات، ما يتعلَّق بالله وما يتعلَّق بأسمائه وصفاته والمعاد والآخرة والجنة والنار، هنا تُوجَد مُشكِلة مع الفلاسفة، لوجود مسائل تتعلَّق بما يُطرَح عن قدم العالم وهل العالم قديم أو العالم مُحدَث ومخلوق، إلى آخر القصة الكبيرة هذه التي صدَّعت الرؤوس، انظر إلى الآتي، من إنصافه قال لك خطؤهم فيها أكثر وصوابهم فيها نادر، أي اعترف أيضاً بأن لهم ماذا؟ بأن لهم إصابات وصوابات حتى في الإلهيات، قال لك حتى في الثيولوجيا Theology وفيما يختص بقضايا الدين وبالعقيدة الدينية عندهم أشياء أصابوا فيها، لكن الخطأ ماذا عندهم؟ أكثر، فما مقدار هذا الخطأ؟ قال لك هناك عشرون مسألة، أنا مُشكِلتي معهم تتبلور في عشرين مسألة، في سبع عشرة مسألة كانوا مُبتدِعين، لم يكونوا كفّاراً وإنما كانوا مُبتدِعين، وفي ثلاث مسائل كانوا كفّاراً، يا سلام! إنصاف رهيب عند الرجل، أليس كذلك؟ قال لك أصابوا أحياناً، لكنهم أخطأوا في أكثر الأحايين، ومُشكِلتي معهم بصراحة – حتى لا ندخل في اللدد والفلسفة وما إلى ذلك – تكمن في عشرين مسألة، في سبع عشرة مسألة كانوا غلطانين ومُبتدِعين، وفي ثلاث مسائل كانوا كفّاراً، أُكفِّرهم هنا، ونُوقِش حتى في التكفير.

أخيراً السياسة والأخلاق، قال لك يا حيهلاً، السياسة والأخلاق وما إلى ذلك أمور مقبولة، كيف تُدبِّر الناس الشأن العام؟ كيف تُدبِّر الناس علاقتها مع بعضها البعض؟ وكيف تتعارف الناس مصالحها؟ قال لا تُوجَد مُشكِلة، يُنتفَع منها ولكن – قال – مُعظَم ما عندهم وهو حسن في مُعظَمه – هذا بمعنى كلامه – موجود لدينا في شرع الله، في الكتاب والسُنة، كأنه يقول أغنى الله – وهذا صحيح فعلاً – عن هذه الأشياء، لكن لا بأس، من حيث المبدأ ليس عندنا أي مُشكِلة – قال – ويُمكِن أن ننتفع بها، أي أفكار صحيحة عندهم في سياسة المُدن وسياسة الأسرة وتدبير أمور الحياة وأمور الأخلاق نقول لها أهلاً وسهلاً، نتعلَّم منهم، وبالمُناسَبة تعلَّم المُسلِمون من غيرهم، حتى الأخلاق الفارسية والأخلاق اليونانية انعكست في كتابات الغزّالي بشكل فاقع بصراحة، انعكست كثيراً جداً جداً جداً، فهو غير مُتشنج، إذن أين أبو حامد تشنج؟ لم يتشنج في أي شيئ بصراحة، هذا مُهِم لكي نُنصِف هذا العلّامة الكبير، والله لم يتشنج في شيئ، لكن أين يُمكِن أن يُعتبَر ضيقاً وما إلى ذلك؟ في الإلهيات، بعض الناس اعتبروا أنه كان ضيقاً هنا، وأكَّدوا هذا حين كفَّر بالذات، وهو كفَّر في ثلاث مسائل، وابن رشد عليه في المسائل هذه كلها، وخاصة في هذه الثلاث، لكن الرجل ليس عنده مُشكِلة مع الفلسفة كفلسفة، ولإنصافه لم يقل تهافت الفلسفة، إنما كتب ماذا؟ تهافت الفلاسفة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأقِم الصلاة.

 (انتهى الجُزء الثالث والأخير من الخُطبة بحمد الله)

فيينا (23/2/2018)

Comments

comments

شاهد أيضاً

الابتلاء جوهر العبودية

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، …

تعليق واحد

  1. لو سمح وقت الدكتور عدنان وهو من عشاق القرءاه والمطالعة لكل جديد ان يتطلع على هذا الموقع وهو يتحدث عن تاويل القرءان فقط بصوره مختلفه عن العالمين جمعيا

    http://www.islamicforumarab.com/vb/forum.php

اترك رد