الرئيسية / التفريغات النصية / بعض معاني العرفان بالله

بعض معاني العرفان بالله

مُحاضَرة للأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم في سلطنة عُمان

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا رب لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مُبارَكاً فيه كما تُحِب وترضى، حمداً يُوافي نعمك، ويُكافئ مزيدك، لك الحمد بما أنعمت علينا به من نعمة الإسلام، ولك الحمد بما أنعمت علينا به من نعمة الإيمان ونعمة القرآن ونعمة الإحسان، كبت عدونا، وأظهرت أمننا، وجمعت فُرقتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، في حي أو ميت، في ذكر أو أُنثى، في صغير أو كبير، في سر أو علن، في دقيق أو جليل، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وشفيعنا محمداً عبده ورسوله، وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، ونجيبه من عباده، فاجعل اللهم شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحننك على عبدك ونبيك النبي العربي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المُبارَكين الميامين، وعلينا وعليكم، والمُسلِمين والمُسلِمات معهم، بفضله ومنّه أجمعين، اللهم آمين.

أما بعد:

فضيلة مولانا الشيخ العلّامة بركة الزمان ونادرة الأوان الشيخ حمود الصوافي، لا زالت دوحة علمه فينانة، وأمتع الله الإسلام والمُسلِمين بطول عُمره في عافية، السادة العلماء، الإخوة طلّاب العلم، سائر مَن بالمجلس المُبارَك مِن إخواني وأخواتي، أُحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم جميعاً ورحمة الله تعالى وبركاته، وحيا الله هذه الوجوه المُبارَكة المُنيرة بالسلام من عنده والرحمة والرضوان في الدنيا والآخرة.

أحبتي في الله، إخواني وأخواتي:

خليقٌ بطالب العلم إن في مدرسةٍ كان أو في جامعةٍ أن يُنوِّع اطلاعاته وأن يتنقَّل بين فنون العلم والمعارف، لكن ذلك كله لن يُجديه كبير جدوى حين يأزف موعد الامتحان، ولن ينتفع في امتحانه المُرتقَب أو المُفترَض إلا بوعيه ودركه وغوصه على حقائق العلوم التي أُعِدَت للاختبار والامتحان.

وكذا – إخواني وأخواتي – مهما تضلع المرء من العلم والمعارف فلن يُجديه كبير جدوى ولن يعود عليه بطائل إلا المعرفة التي تُنجيه في الدنيا والآخرة، إنها معرفة ذي الجلال والإكرام.

ولقد قرَّر العلماء مُنذ البدايات الأولى أن شرف علم ما هو تبع لشرف المعلوم به، فهل أشرف من العلم بالله – تبارك وتعالى -؟ هل أشرف من العلم بمالك المُلك والملكوت، برب السماوات والأراضين، بالحي القيوم الباقي – لا إله إلا هو -؟

كذلكم شرف التبعية مرهون بشرف المتبوع، فليس سائق السُلطان كسائق الوزير، وليس سائق الوزير كسائق الغفير، وإن كان كل منهم سائقاً، لكن مثابة مَن يسوق السُلطان ويمضي به إلى مقصده أعظم بكثير، حتى أنه قد يُعَد عند عيون الناس شفيعاً لهم إلى سُلطانهم في المُلمات وعظائم الأمور، على أنه في نهاية الأمر سائق، لكنه سائق السُلطان.

وكذا شرف الخدمة تبع لــ ورهن بــ عظم وشرف المخدوم، فليس مَن يخدم ملكاً كمَن يخدم وزيراً، وليس مَن يخدم وزيراً كمَن يخدم امرأً من عُرض الناس أو من السوقة كما يُقال، وهكذا!

فشرف اتباع أمر الله وشرع الله هو أعظم شرف، الإعلان بالعبودية لله وبولاية الله – تبارك وتعالى – هو أعظم إعلان في بابه على الإطلاق، وكذلكم الخدمة، خدمة الملك، الحي القيوم – لا إله إلا هو -، أعظم خدمة على الإطلاق، العبد يرقى بها في معارج الشرف دُنيا وأُخرى.

ومَن شاء أن ينظر إلى ملك من الملوك على أنه رجل من عامة الناس فلينظر إلى ولي من أولياء الله، صدق الله في العبادة، وفُتِح عليه من أبواب العرفان ما فُتِح، حتى أن الكبار تخضع له، تخضع لعزته وهيبته، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ۩.

أحبتي في الله، إخواني وأخواتي:

أود في هذه الدقائق القليلة كما أُخبِرت بوقت هذه المُحاضَرة أو هذا الدرس الذي سيمتد بعون الله إلى صلاة العشاء ولم يبق إلا القليل أن ألفت نفسي وإياكم إلى معنى من معاني العرفان بالله – سُبحانه وتعالى -، ولطالما أُعجِبَ جماء غفير من العارفين بالله بهذا التوفيق الإلهي المكنون في المُصطلَح نفسه، في هذا المُركَّب: العرفان بالله.

فالعارف بالله – إخواني وأخواتي، عرَّفني الله وإياكم به، ودلَّنا عليه دلالة الصادقين، وأخرجنا من زُمرة الحائرين – لا يقف عرفانه بالله على معرفته بالله ذاته – لا إله إلا هو -، إنما يمتد وينطلق من هنا ليشمل معرفته بالوجود وما حواه، هو عارف بالله، وعارف بكل شيئ بالله، أي لا يرى شيئاً إلا بالله، لا يفهم شيئاً إلا بالله، هذا المعنى الذي يغيب عن كثيرين من معنى العرفان بالله.

نحن نقف فقط على المعنى الأول، أنه عارف بالله، له معرفة بالله، بجلاله، بجماله، بكمالاته – لا إله إلا هو -، وبما ينبغي له، وهذا هو الأس، وهذا هو المُنطلَق، لكن مَن تحقَّق بالعرفان بهذا المعنى لم يسعه ولم يُمكِنه بعد ذلك إلا أن يرى كل شيئ ويُدرِك كل شيئ بالله.

وإليه الإشارة في الحديث الولي المعروف، فإذا أحببته صرت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصِر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيئ قط ترددي عن قبض نفس عبدي المُؤمِن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته، ولابد له من الموت.

شيئ عجيب – أحبتي في الله – المعرفة بالله – تبارك وتعالى -، المعرفة بالله بل القليل منها يُعيد جوهرة الإنسان.

قَليلٌ منكَ يَكْفيني ولكنْ                                          قليلكَ لا يُقالُ لهُ قَليلُ.

القليل من المعرفة بالله كفيل بأن يُعيد جوهرة الإنسان، بأن يخلقه خلقاً جديداً، بأن يُميته ثم يُحييه من جديد، خلقاً آخر، بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ۩، ومن هنا تتيه قلوب المحرومين المحجوبين وألبابهم وأفكارهم في شؤون أهل الله والعارفين بالله، عرَّفنا الله به وعرَّفنا الله بهم، وأعاد علينا من بركاتهم ونفحاتهم، قليل!

فالعارف بالله – أحبتي، إخواني وأخواتي – لا يقر له بعد ذلك قرار إلا بالله، هو في حِله وترحاله، في ليله ونهاره، وفي كل شؤوناته، موصول بالله، مُتصِل بالله – تبارك وتعالى -.

إِذا جَنَّ لَيلي هامَ قَلبي بِذكركم                         أَنوح كَما ناحَ الحَمام المُطَوَّقُ.

وَفَوقي سَحاب يُمطر الهَمّ وَالأَسى                         وَتَحتي بِحارٌ بِالأسى تَتَدفّقُ.

القُطب الرفاعي – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، في ليله ونهاره يعيش مُستهاماً بربه – لا إله إلا هو -، لماذا؟ ليس لأن الله فقط – لا إله إلا هو – وهو كذلكم – عز وجل – الذي أنشأه من عَدم وأمده من عُدم، بل لأن الله – تبارك وتعالى – هو الذي قاده إليه، ودله عليه، وعرَّفه به، ولولا ذلك ما عرف الله طرفة عين، ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۩، هو أحبهم ليُحِبوه.

والسعيد مِن عباد الله – تبارك وتعالى – مَن أراده الله ابتداءً، والناس في هذا الباب اثنان: مُراد ومُريد، منهم مَن يسبق نوره عمله، ومنهم مَن يسبق علمه نوره، والأمر ليس جُزافاً، لا يأتي جُزافاً، إنما هو موقوف على مدى ما يتمتع به العبد من سلامة القلب وطهارة النفس، فكلما ومهما عظم حظك من سلامة القلب وطهارة النفس توالت عليك الفيوضات والأمداد الإلهية، فأحر بك أن تكون مُراداً، قبل أن تصير مُريداً، فهذا هو المُراد، وذاك هو المُريد.

يقول – جل مجده – في الحديث القدسي الرباني الجليل عبدي طالما طهَّرت منظر الناس – أي ما ينظره الناس منك – سنين، فهل طهَّرت منظري ساعة؟ وما هو منظر الله؟ ما المكان الذي ينظر الله إليه من عبده؟ القلب، فأروا الله من قلوبكم ما يُحِبه ويرضاه، لا إله إلا هو!

معرفة الله – إخواني وأخواتي – تمحق الرديء من صفات العبد مُباشَرةً، وتُحليه بالمرضي من الصفات والخلال والخصال والسجايا لدى الرب – تبارك وتعالى -، في رأس هذه الصفات الممحوقة – في رأسها إطلاقاً – الكبر، الكبر! رؤية الذات، رؤية النفس، طلب الامتياز على عباد الله، طلب الامتياز، أن تكون مُنمازاً ومُمتازاً منهم، لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة – وفي رواية مثقال حبة من خردل – من كبر، عجيب!

أخشى ما أخشاه – والله أعلم – أن يكون هذا خارج حساب الموازين، كما هو ظاهر الحديث، هذا أخشى ما أخشاه، نسأل الله ألا يكون الأمر على ذلك، بمعنى أنه لا يدخل الجنة حتى لو رجحت موازينه وثقلت موازينه، إن كان الأبعد في قلبه مثقال خردلة من كبر لا يدخل الجنة، حتى يُطيَّب ويُطهَّر، ولا يُطهِّر هذا الكبر إلا النار.

الذي بعثني على هذا القول ما أكرمني به إخواني في هذا المسجد المُبارَك وفي مجلس شيخنا الرجل المُبارَك – أبقاه الله ذُخراً لسائر المُسلِمين – من قصائد شعرية، أُشهِد الله – تبارك وتعالى – أنني لا أرى نفسي أهلاً لشيئ مما قالوا، والله! ولقد آذوني بهذا، قسموا ظهري، لست أهلاً لشيئ مما قالوا، وأسأل الله أن يجزيهم بحُسن نواياهم.

وقد تعلَّمنا من أحد الصالحين – وكان عالماً ربانياً، يدل الناس على طريق الله، ويُعلِّمهم علوم الشرع أيضاً – الآتي، كان يُكثِر أن يقول في بداية مجلسه لتَلاميذه وإخوانه الله – تبارك وتعالى – بريء مني إن كنت أرى نفسي خيراً من أي واحد منكم يا أبنائي، وإنما هي وظيفة، وظيفة وظَّفني الله فيها.

نحن مُبتلون، هذا مُبتلى بالعلم، هذا مُبتلى بشأن من الشؤون العامة، هذا وزير، هذا سُلطان، هذا سفير، وهكذا! نحن مُبتلون بهذه الأشياء، وهذه الأشياء بحد ذاتها لا وزن لها عند الله، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۩.

فيما يُحكى أن عيسى – روح الله، عليه وعلى نبينا وسائر أنبياء ورُسله الصلوات والتسليمات – كان يمشي يوماً مع حواري من حوارييه – عليهم السلام -، فبصر بهما رجل من العيّارين أو الشطّار – الآن نقول من قطّاع الطرق والمُجرِمين – كان في رأس جبل أو في قُنة هضبة عالية، فلما رأى عيسى وإخباته وكيف يمشي – عليه السلام، وكان أعجوبة عيسى، آية من آيات الله، روح الله – رق قلبه، وشفت نفسه، وحن إلى التوبة مُباشَرةً.

مَن لَمْ ينفعكَ لَحْظه                                             لَمْ يُفِدكَ لَفْظه.

أهل الله وخاصة الله مُجرَّد أن تنظر إليهم، النظرة تُحدِث في نفسك شيئاً، نعم! والكامل من الرجال يُربي باللحاظ، باللحظات، فهذا فقط رأى عيسى وكيف يمشي في إخباته وخضوعه أو خضعانه لله وذله، فاختلف حاله، فنزل وقال أُدرِك نبي الله وأتوب على يديه، فلما بقيَ بينه وبينهما خُطوات يسيرة قال كلا، مَن أنا؟ مَن أنا وأنا العبد المُسرِف على نفسه، الحقير، والمُجرِم، حتى أُكلِّم روح الله وأتكلَّم معه؟ هذا لا يليق بي، فتأخَّر المسكين، فحانت التفاتة من الحواري، فنظر إلى الرجل، ويبدو أنه سبق له به علم وبجرائمه، فقال في نفسه مَن هذا الحقير المُسرِف لكي يمشي خلفنا؟ وهنا أوحى الله إلى عيسى، أن يا عيسى بن مريم قل للرجلين أن يستأنفا، أحبطت عمل هذا الحواري، عاد إلى الصفر، انتهى كل شيئ، العُجب! مُعجَب بنفسه، والعُجب أكبر باب من أبواب الكبر، إذا بدأ الإنسان بالعُجب ينتهي إلى الكبر – والعياذ بالله -، وقل لذاك – المُسرِف على نفسه – قد غفرت له ما كان منه، بإزرائه على نفسه وتذلله.

أوحى الله إلى موسى – صلوات ربي وتسليماته عليه وسائر النبيين والمُرسَلين وآل كل وصحبه – أتدري يا موسى، يا كليمي، لِمَ اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي؟ قال كلا يا رب، أنت أدرى، قال نظرت في قلوب عبادي جميعاً، فلم أر أحداً أصغر في نفسه – أي عند نفسه – منك في نفسك، على أنه كان طوالاً، قوياً، وشديداً، لكنه كان صغيراً، ومُتواضِعاً جداً في نفسه، أي موسى – عليه السلام -، ككل الأنبياء طبعاً، وككل الصالحين، لذلك اصطفيتك.

مثقال ذرة تحجبك عن الله – تبارك وتعالى -، فإياكم يا إخواني، وإياكن يا أخواتي، أن يرى أحدكم نفسه على أحد من عباد الله، من هذه الأمة المُبارَكة المُوحِّدة، هذا من الكبر، والعرفان يمحقه، العرفان بالله والمعرفة بالله تمحقه، وطريق المحق سهلة، سهلة! كما يمحق العرفان بالله أو المعرفة بالله ماذا؟ نار الشهوات، يُطفئ نار الشهوات في الإنسان، ويمحق العُجب، ويمحق الغرور والجهل، ويمحق الحرص والاندلاع على الدنيا، يمحق كل الصفات الرديئة، كيف؟

القُرب يا أحبابي – إخواني وأخواتي – من مكان مُضيء يُورِث ماذا؟ يُورِث الإنسان تنويراً، يُصبِح مشهده أكثر ظهوراً، بخلاف الذي يصير إلى الظلام، يلفه الظلام، القُرب من حديقة غنّاء تفوح منها روائح الأوراد والأزهار الجميلة يملأ حواس الإنسان بهذه الروائح الطيبة، القُرب أيضاً من البحر الهدّار يجعله يتنعَّم بالنسائم الرخية البليلة العليلة، فكيف بالقُرب من الواحد القهّار – لا إله إلا هو -؟ كيف؟

تخيَّلوا – إخواني وأخواتي – أو ليتخيَّل أحدكم نفسه الآن في حضرة السُلطان قابوس – أعزه الله، وأمتع بطول عُمره -، وفي حضرة المجلس السُلطاني – مثلاً – يجلس علماء أفاضل ووزراء وسفراء ومُفكِّرون وإعلاميون وذوو هيئات من الناس، تعرفون ما الذي يحصل؟ يفنى هذا الجالس عن كل هؤلاء، إذا تحدَّث أحدهم لا يفطن لحديثه، ولا يعي شيئاً منه، مهما كان الحديث مُهِماً وذا بال، أليس كذلك؟ لو سألته كم عدد الجلّاس؟ لا يعرف، ماذا كانوا يرتدون أو يلبسون؟ لا يعرف، أليس كذلك؟ كل الانتباه وكل الفناء في السُلطان، حركات السُلطان، إشارات السُلطان، وكلمات السُلطان، فكيف بمَن يعيش في الحضرة الإلهية؟ هل يبقى منه التفات إلى نفسه؟ هل يرى نفسه؟ مُستحيل، لا يرى نفسه، يفنى عن نفسه، هل يبقى له حظ من نفسه يسمح له بأن يقول كأول الملعونين إبليس أنا؟ هل يقول أنا؟ هل يُطِل بالأنا هذه كإبليس – قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۩ -؟ مُستحيل، هذا مُستحيل، وهكذا تفنى هذه الصفات بمُجرَّد معرفة الله والاقتراب منه.

أعجبني قول لأحد الألباء الفطناء، قال أنت تزعم أنك تخشى الله، على الأقل هل تخشاه كما تخشى غزالة – مثلاً – السبع الضاري؟ الغزالة لو كانت كسيحة وطلع عليها سبع ترتعد، ورأينا هذا في الوثائقيات، ترتعد كلها! تُدرِك أن حتفها قد دنا، أليس كذلك؟ خوف شديد، وهو غرزي، وهذا خوف مخلوق من مخلوق، كيف خوف المخلوق من رب المخلوقات – لا إله إلا هو -؟ أين خوفك من الله؟ تزعم أنك تخافه، أليس كذلك؟ في الحقيقة خوفك لابد أن يكون على قدر ماذا؟ معرفتك بالله – لا إله إلا هو -، كلما عظمت هذه المعرفة كلما زاد ماذا؟ الخوف، عظمت الخشية، يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ ۩، الملائكة لماذا يخافون ربهم؟ لأنهم أعرفهم بالله منا، من عُصاة بني آدم، أعرف بالله من عُصاة الآدميين.

إذن خوفك، خشيتك، ثقتك، توكلك، واعتمادك، كل هذه المعاني وأمثالها ونظائرها تعظم وتترسَّخ بقدر ماذا؟ معرفتك بالله – تبارك وتعالى -، العارف بالله يكون لديه من اليقين بالله – تبارك وتعالى – ما يُهوِّن ويُيسِّر عليه – مثلاً – أن يخرج من كل أملاكه، هذا فعله الصحابة، هل يُسمَع بمثله الآن؟ لا ندري، هذه الأمة فيها خير – إن شاء الله تعالى – وإن لم نسمع، هذا يحمله وبيسر وسهولة على أن يخرج من كل أملاكه، سمعتم هذا عن أكثر من صحابي، يقول لك خرج من ماله كله ثلاث مرات، ومن نصف ماله ست مرات، كيف هذا؟ كيف يخرج إنسان من كل ماله – كما نقول بالعامية يعود على الحديدة، لا شيئ عنده -؟ بالثقة بالله، أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وهو مُوقِن يقيناً لا تردد فيه ولا اختلاج إطلاقاً، وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ۩، أنت تُعطي بقدرك، والله يُخلِف بماذا؟ بقدره – لا إله إلا هو -.

هذا الذي كان يحمل الصحابة على أن يخرجوا من كل أموالهم، التي جمعوها في عشر سنين أو في عشرين سنة أو في أقل أو في أكثر، يقين! يقين حقيقي، هذا الذي جعلهم – إخواني وأخواتي – على ما كانوا عليه، لذا اتفق لعبد الله بن عمر – رضيَ الله تعالى عنهما – الآتي، وهذه الحكاية تُروى عن عمر نفسه – رضيَ الله عنه وأرضاه -، رأى سبعاً فجفل الصحابة منه، هذا سبع، أي أسد، لكن عمر تبسَّم ثم مضى إليه، أخذ بأُذنيه هكذا وضربه على وجهه، قال له امض راشداً من هنا، امض! بصبص بذنبه كالكلب – أعزكم الله وشرَّفكم -، ومضى الأسد، الصحابة قالوا يا أمير المُؤمِنين هذا سبع! قال مَن خاف الله خاف منه كل شيئ، ومَن خاف غير الله خوَّفه الله من كل شيئ، يغدو يخاف مِن ظله، أي والله! تخيَّل فخال، يخاف من خيالاته ومن أوهامه، لأنه مبتوت الصلة بالله، أو واهي الصلة بالله، غير عارف حقيقي بالله، أرأيتم كيف؟

الآن ما الذي يحمل الناس على أن يتدابروا ويتقاطعوا ويتشانئوا ويتعادوا ويتباغضوا ويتحاربوا؟ ما هو؟ عدم الثقة بالله، من أجل السُلطان، من أجل النفوذ، من أجل المناصب، من أجل المال، ومن أجل أشياء أُخرى، لأنه لا يقين بالله، لا يقين أن هذه الأشياء مقسومة، وهي في خزائن كرم الله وجوده، وأن ما كُتِب وقُدِّر لك سيأتيك على الرُغم منك، أليس كذلك؟ لو هناك يقين سينتهي كل شيئ وسنرتاح، سنرتاح! لا نتعادى، لا نتنازع، ولا نتباغض، هذه بعض عوائد العرفان يا إخواني، بعض عوائد العرفان!

أكثر من هذا – كما قلنا – يعود العارف بالله – تبارك وتعالى – يفهم كل شيئ، ويُعيد تأويل وتفسير وفهم كل شيئ، على بصيرة من الله – تبارك وتعالى -، كما قال الإمام عليّ – كرَّم الله وجهه – ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله وبعده ومعه وفيه، حضور إلهي مُستمِر.

كيف يُستدَل عليه وهو الدليل على كل شيئ؟ قال – تبارك وتعالى، وعز من قائل – سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۩، ثم قال أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ۩، أي حتى هذه الدلالات الآيوية – سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا ۩ – عند التحقيق لا معنى لها بغير ماذا؟ بغير الحضور الإلهي المُمتَد، لا إله إلا هو!

إن لم تكن في هذه الحضرة لن تفهم الآيات، ولأمكن التشكيك فيها أيضاً، وهذا يحدث، ويحدث الآن لأبناء المُسلِمين، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ۩، لا إله إلا هو، نعم! فهذا هو، يعود العارف غير قادر أصلاً على شيئ إلا بالله، فهو أعم وأصم عن أن يرى أو يسمع أو يُدرِك أو يعي أي شيئ وكل شيئ إلا بالله، بنور من الله، لا إله إلا هو! بنور من الله – تبارك وتعالى -.

الإمام زين العابدين – عليّ بن الحُسين الشهيد، رضيَ الله عنهما – كان يقول إلهي أنت دعوتني إليك، ودللتني عليك، ولولا أنت لم أدر ما أنت، كان يقول ولولا أنت لم أدر ما أنت! وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۩.

أختم بكلمة واحدة، إذا كان الأمر يجري على هذا النحو – وحتماً وقطعاً وجزماً هو يجري على هذا النحو – فما المطلوب منا؟ ما المطلوب منا؟ ما الذي يجب أن نُركِّز عليه وأن ندأب في التحقق به؟ شيئ يسير، ويسير جداً، فقط التوجه والنية، التوجه والنية فقط يا إخواني، أقبِلوا على الله بصدق، بغير التفات، لأن:

مُتلفِّتٌ لا يَصل                                       ومُتلصِّصٌ لا يُفلِح.

ومَن لَمْ ير من نَفسه النُقصان                     فكُلّ أوقاتهِ نُقصان.

أر الله فقط أنك تُريده، وأنك ترغب في أن تقترب منه وأن تعرفه بصدق، والباقي بعد ذلك على الملك الديّان، لا إله إلا هو! هو سيشق لك طريقاً، وسيهديك السبيل.

أسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُكرِمني وإياكم وإياكن بذلك، وأن يُعظِّم وأن يُوفِّر حظوظنا من الازدلاف إليه ومعرفته.

اللهم حقِّق بالزيادة آمالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واختم بالسعادة آجالنا، وبالباقيات الصالحات أعمالنا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم آمين، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين وصحابته الميامين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

– ألقى أحد السادة الحضور سؤالاً خارج موضوع الدرس، لكنه يتعلَّق بشُبهة يطرحها بعض الملاحدة، وهي مسألة تكرار الآيات القرآنية – على حد تعبيره – والمواضيع القرآنية.

– طلب الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم من مولانا الشيخ حمود الصوافي – حفظهما الله – أن يُجيب، لكن فضيلته رفض، فأجاب هو قائلاً:

يا سيد طبعاً هذا الموضوع فيه مُصنَّفات لبعض العلماء، كأسرار التكرار للكرماني – مثلاً – وغيره، باختصار هذه الشُبهة للأسف نشأت مع المُستشرِقين، وهم الذين أثاروها وأثاروا حول موضوعها عجاجة، وفي الحقيقة لا قيمة لها للأسف.

قصور أنظار المُستشرِقين حملتهم على أن ينظروا إلى القرآن كما يُنظَر إلى كتاب علمي مدرسي، أي جامعي، والقرآن ليس كذلك، القرآن ليس مُصنَّفاً في أبواب وفصول وفقرات مُرتَّبة، غير صحيح، القرآن ليس كذلك، القرآن بين هو آخذ في موضوع إذ يخرج بك مُباشَرةً إلى آخر، لأول وهلة – أي بادئ النظر – أنت تقول موضوعان مُنفصِلان، فإذا أنعمت النظر ودقَّقت الفِكَر علمت أنهما مُلتحمان ومُتآزِران، غير مُنفصِلين ولا مُنبَتي الصلة.

وشأن القرآن في هذا تعرفون شأن ماذا؟ شأن الحياة الإنسانية، الإنسان هكذا يعيش، الإنسان لا يعيش ساعات من نهاره – مثلاً – وفاقاً أو وفقاً لنظرية في الاقتصاد، ثم ساعات أُخرى وفقاً لنظرية في الأخلاق، أي الاقتصاد بلا أخلاق، ثم في ساعات يعيش وفق نظرية أخلاقية تُسقِط الاعتبار الاقتصادي، ثم في ساعات ثالثة يعيش وفق نظرية في السياسة تُسقِط الاعتبارات السابقة، هذا غير صحيح، غير صحيح!

الفكر الغربي بل المُمارَسات الغربية للأسف الشديد – حتى الاجتماعية – تصدر عن هذا المنطق الفُصامي – إن جاز التعبير -، ولهم أحرى بأن يُوجَّه إليهم النقد، ترى – مثلاً – عسكرياً غربياً كبيراً حين يتقاعد وحين يُفرَج عن بعض المعلومات يُقال له أنت قبل أربعين سنة – مثلاً – أحرقت قرية في فيتنام، وهي قرية مُسالِمة مدنية، صببت عليها النابالم Napalm، وأحرقتها بأحيائها وحيواناتها، أحرقتها ببشرها وحيواناتها! فيقول فعلت هذا وضميري كعسكري مُرتاح، كذب هذا، ما هذا الضمير العسكري؟ لا يُوجَد شيئ اسمه الضمير العسكري، يُوجَد شيئ اسمه الضمير الإنساني، لكن هكذا رُبّوا وهكذا عُلِّموا، أنه يُمكِن أن تعيش أنت إبان أو أثناء أداء مُهِمة مُعيَّنة بمنطق مُحدَّد، وهو منطق العكسرية.

هل منطق العسكرية بالضرورة مُخالِف لمنطق الأخلاق، ومنطق حتى القانون الدولي – مثلاً – أو منطق الدين؟ أبداً، هذا خطأ، وللأسف الشديد بعض فلاسفتهم ألَّف كُتباً، يصف المنطق الذي نُفرِغ عنه الآن بأنه منطق تافه، يقول هذا، عجيب! ومنطق الفُصام الذي يعيشون به بأنه المنطق الصحيح، يجب أن تعيش السياسة بمنطق السياسة بعيداً عن الأخلاق والدين، الاقتصاد بمنطق الاقتصاد بعيداً عن كل أخلاق ودين، والعسكرية بمنطق العسكرية المُتوحِّش المُجرِم بعيداً عن كل أخلاق ودين، قال لك هذا السلوك العلمي، لا! هذا سلوك فُصامي، هذا سلوك فُصامي يُمزِّق الإنسان ويُصيبه بانشراخات في شخصيته.

القرآن يا سيدي كتاب للتذكير، للتربية والتزكية والترقية، وكأين من آية ذكر الله فيها – تبارك وتعالى – أنه كتاب للتذكير! والإنسان ينسى يا سيدي، دعنا من هذا، فلنكن أبسط من هذا بالله عليك، كم مرة تستطيع أنت أن تقرأ كتاباً – مثلاً – يشرح نظرية في الفيزياء فهمتها فهماً جيداً وصرت فيها بارعاً؟ قد تقول لي مرة أو مرتين، وبعد ذلك تُصبِح العملية تافهة، وفعلاً تُصبِح تافهة، الآن دخلنا في التفاهة، لكن بالله كم مرة تستطيع أن تقرأ قصيدة شعر أعجبتك – مُعجِبة -! ربما مئات المرات، وتعود إليها، كم مرة تستطيع أن تسمع – مثلاً – لحناً جميلاً أو أنشودةً جميلةً! مئات المرات، ولا تزال تعود إليها، أليس كذلك؟ إذن منطق الروح غير منطق العقل، العلوم تُخاطِب العقل، وهذه العلوم لها حدود نفاذ، تُستنفَذ أغراضها، أما ما يُخاطِب الروح كالدين والفن لا حدود للاستنفاذ فيه، أليس كذلك؟

ومن هنا فالقرآن يُذكِّر ولا يزال يُذكِّر، على أنه – وأختم بهذا، لكي أُعطي فُرصة ربما لأسئلة أُخرى، أقول على أنه، أي هذا الذكر الحكيم، والكتاب العزيز المجيد – ما كرَّر شيئاً إلا وأتى فيه بفائدة جديدة، وعائدة حميدة جديدة، وأضرب مثلاً واحداً فقط، لأن الأمثلة كثيرة جداً.

دعا إبراهيم – عليه السلام – وقال اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ۩ في البقرة، ثم قال في إبراهيم اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا ۩، فقالوا هذا تكرار، لكن هذا غير صحيح، هذا ليس تكراراً، هناك فرق كبير جداً، كشف عنه الإمام الزمخشري – رحمة الله عليه، المُعتزِلي الكبير – في الكشّاف، قال هو حين دعا للبلد قبل أن يتبلَّد – لأن البلد لم يكن بلداً، كان وادياً غير ذي زرع – قال اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ۩، والإشارة بــ هَذَا ۩ إلى ماذا؟ إلى الوادي، اجعل هذا الوادي بلداً، أليس كذلك؟ فلما تبلَّدت البلد وتقرَّت القرية – أي صارت قرية ومدينةً، وصارت البلد بلداً – ماذا قال؟ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا ۩، فإذن لا يُوجَد تكرار، في الظاهر قد تقول هناك تكرار.

ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ                                     يَجدْ مُرّاً بهِ المَاءَ الزُّلالا.

والله – تبارك وتعالى – أعلم.

– طلب أحد السادة الحضور من الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم أن يُوجِّه نصيحة للشباب وأن يُعطيهم استراتيجية بسيطة لمُقاوَمة الفتن التي تُحيط بهم في هذا العصر، خاصة أن الكثير من الشباب الآن غير قارئ وغير مُطلِع – على حد وصفه -، وقد ألمع إلى بعض مظاهر هذا العصر الذي يُسمى بعصر العولمة، مثل وجود الإنترنت Internet وانتشار وسائل الاتصال وغير ذلك.

– رد فضيلته قائلاً:

والله نصيحتي لإخواني طبعاً وأبنائي وبناتي بسيطة ويسيرة، وأسأل الله أن تكون فيها البركة والخير، وهي النصيحة التي نصحت بها أخاً فاضلاً من دولة عربية، جاءني قبل أشهر يسيرة، وهو من جُملة الملاحدة، وصلى خلفي طبعاً، فقط مُداراة للناس، على أنه مُلحِد لا يُؤمِن أو لم يعد يُؤمِن بالذات الإلهية وبأن الله موجود، أي هذا الشيئ داهية، ولكن لها واهية – بفضل الله عز وجل -، وبعد أن فرغنا خرج وقال لي يا أخي أنا من أحبابك، وأنا من البلد العربي الفلاني – بلد كبير -، وأنا هكذا تقريباً ضمن رابطة – أو شيئ أشبه بهذا – من الملاحدة، يُوجَد شباب مُثقَّفون جامعيون وما إلى ذلك، وكلنا ملاحدة، لكننا نُتابِع خطابك ونأنس به، لأنه يُحاوِل أن يُخاطِب العقل ويقترب منه، فبماذا تُوصيني؟ بماذا تنصحني؟ وهو جاء إلىّ، فقلت له الأمر والخطب يسير جداً يا أخي، قال لي كيف؟ قلت له لا يُوجَد وقت الآن لا عندك ولا عندي أن نخوض في دقائق المسائل الفلسفية واللاهوتية، لا! الأمر يسير جداً، وهو الذي ختمت به الكلمة اليوم القصيرة إليكم يا إخواني وأخواتي، قال لي ما هو؟ قلت له لو كان الله – تبارك وتعالى – في وهلك وظنك مُحال الوجود وهو عندنا في يقيننا واجب الوجود – بذاته، لا إله إلا هو – وفرض المُحال ليس بمُحال فافرض أنه موجود، افرض أن الله موجود، ضع احتمالاً يا سيدي، قال لي نعم، قلت له توجَّه إلى هذا المفروض أنه موجود – لا إله إلا هو – بهذه النية، قل له الآتي، علماً بأن هذا حصل من قبل، حصل مع عدد كبير من الملاحدة في لحظات شدة، والآن ربما أحكي لكم قصة واحدة – إن شاء الله -، عن رجل سوري، أستاذ فلسفة في جامعة دمشق، هذا حصل معه، وحصل مع غربيين كثيرين.

قل له أنا صادق في إنكارك – قل له أنا صادق في إنكارك إذا كنت صادقاً -، لكن إن كنت موجوداً وأنت تعلم صدق نيتي في الوصول إليك والاستدلال عليك اللهم فلا تخذلني، ولا تُخل بيني وبين نفسي، ودلني عليك، كما دللت عليك مَن عرفك، فالرجل سمع الكلمات هذه وانفجر من البكاء، أي هذا المُلحِد العربي الجامعي، انفجر من البكاء، واعتنقني وظل يبكي، قلت له قد وصلت يا أخي، أنت عرفت، قلت له انتهى، وانتهت مُشكِلته.

فأُريد أن أقول لأبنائي وبناتي إياكم أن تدخلوا هذا الباب من باب التظاهر، أنني لدي إلمام بالفلسفة وبالفكر، وأنني بدأت أتشكَّك، وأنني ربما ألحدت أو أُلحِّد الناس، إياك أن تلعب هذه اللُعبة، أنتَ تُغامِر أو أنتِ تُغامِرين بمصيرك الأبدي، ولو مِت ولقيت الله على هذه الحالة فأنت من الهالكين، إياك! أما إن كنت مُشوَّشاً – بالفعل مُشوَّشاً، وربما صرت كما يُقال ضحيةً لشك وضحيةً لتردد ولا تعرف، وربما توقَّفت في المسألة وتقول لا أدري هل هذا الإله موجود أو غير موجود – فأنا أقول لك في الحقيقة لا تستعجل يا ابني ولا تستعجلي يا بُنيتي قبل أن تُواجِه نفسك بهذا، اذهب وتعلَّم في البداية، اذهب واقرأ كفاية.

غير معقول أن يأتي شاب صغير – سنة أولى جامعة أو حتى سنة رابعة جامعة – لم يقرأ في أُسس العلوم ولا حتى العلوم العقلية ولم يُحكِمها ولم يدرسها ولم يقرأ أدلة المُوحِّدين وأدلة المُؤمِنين بالله – تبارك وتعالى – حتى من غير المُسلِمين على الله ووجوده، ويقفز أو يهجم ابتداءً على كُتب ملاحدة العصر، خاصة مثل دوكنز Dawkins هذا، وهو عالم وليس فيلسوفاً أصلاً، أو دانيال دينيت Daniel Dennett، وأمثال هؤلاء، ويقول لي أنا تشوَّشت وأنا أشك، لماذا فتنتَ نفسكَ؟ لماذا فتنتِ نفسكِ؟ كأنها إرادة الإلحاد، إرادة العبث بالاعتقاد.

يا إخواني نحتاج إلى شيئ من المصداقية، أقول لكم نحتاج إلى شيئ من المصداقية، قبل أن تلج هذه السبيل الردية المُهلِكة استكمل العُدة، وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ اللَّـهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ۩، إياك أن تكون من القاعدين ومع القاعدين، أليس كذلك؟ لا تفعل هذا أبداً، النية إذن، مرة أُخرى النية، وبعون الله – تبارك وتعالى – بمثل هذه النية، بمثل هذا الاستعداد، وبمثل هذا الاجتهاد حاشا لهادي أهل السماوات والأرض أن يُضِلك، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۩.

الله هو رازق أهل السماوات والأرض، أليس كذلك؟ خالق السماوات والأرض وما بينهن، صحيح! كذلك هو هادي أهل السماوات والأراضين، فهل تضيق هدايته عن هدايتك؟ هو هدى فلاسفة عظاماً، عقولهم أكبر من عقلي وعقلك ربما عشرات أو مئات المرات، هداهم ورسخ يقينهم بالله، هدى علماءً فحولاً أفذاذاً في الطبيعة والفلك والرياضيات وسائر العلوم، لماذا لا يهديك؟ العلة من القابل، لا من الفاعل، كأنك لا تُريد الهداية، كأنك لست صادقاً في طلبها.

أما ما يحيك في صدرك من الشُبهات والتشغيبات التي يُلقيها إليك المُشغِبون فأنا أقول لك أمرها أيسر مما تظن، أمرها أيسر مما تظن، وبنور الله طبعاً، بلا شك، وأحياناً يُبنى بناء كبير – هرم عظيم – من الإنكار على أسس واهن جداً، قرَّره صاحبه من لدنه أو قُرِّر له، فإذا ما هُدِم وأُزيل هذا الأساس أو الأُس تداعى وانهدم البناء كله، تداعى مرة واحدة، وهذا الذي يحصل مع الملاحدة في الحقيقة.

أختم لكم بالقصة التي وعدتكم بها عن أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق، وكان فيما يبدو مُلحِداً عن قناعة الرجل، ستسألني هل يُمكِن أن يُلحِد المرء عن قناعة؟ أقول لك نعم، لا أُنكِر هذا، كيف إذن؟ مُشوَّش، كما يقولون هم بالإنجليزية Confused، يكون مُشوَّشاً في استدلال مُعيَّن، قدَّم مُقدِّمات خاطئة، بعضها يكون مظنوناً، فلا يتم البُرهان أصلاً، يُخطئ، هناك خطأ مُعيَّن، تورَّط في خطأ، وهذا يحدث لفلاسفة كبار، يُقدِّمون مُقدِّمات يكون فيها شيئ من خطأ، إذن كل البناء مبني على خطأ، ما بُنيَ على باطل باطل، مجموع البواطل باطل، سلسلة من أباطيل تكون أيضاً سلسلة باطل، فهذا المسكين مُشوَّش.

المُهِم لم يُرزَق بأولاد، في آخر عمره تقريباً – لما تقدَّم به العُمر – رُزِق ببُنية، وتقريباً نازهت السادسة أو السابعة وكانت منه وله ملء السمع والبصر، كانت الضياء الذي يرى عليه نور الدنيا وأهلها، يصطحبها معه حتى إلى مُحاضَراته في الجامعة، ثم ذات يوم من الأيام انحرفت صحة البُنية، وبدأت حرارتها ترتفع، تُعطى مُضادات حيوية مُختلِفة، ولا تنزل الحرارة، ذهب إلى أطباء عاديين، ثم إلى أطباء إخصائيين – مُتخصِّصين – كبار، قالوا له هذه حالة نادرة، تحدث في كل كذا وكذا – ربما في البليون Billion أو في كذا – مرة، وإلى الآن لا نعلم لها علاجاً.

أيقن الرجل بهلاك ابنته، ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، استنفذ كل الحيل والأسباب، هي أعز عليه من نفسه، أي هذه البُنية، ماذا يفعل؟ سُبحان الله، ذات ليلة من الليالي وأمها تُعلِّلها – جالسة عندها تُعلِّلها وهو في غُرفة أُخرى – خطر له لماذا لا أقوم أغتسل – لأول مرة يفعلها – وأُصلي لله كما عُلِّمنا في الصغر؟ فقام واغتسل، ثم جاء وتوجَّه إلى القبلة – هكذا هو يروي القصة -، وقال يا رب أنت تعلم أنني لا أُصدِّق بك، أنت تعلم هذا مني، لم أقع إلى الآن على ما يُقنِعني بوجودك، لكنك قد تكون موجوداً، وأنا ضللت السبيل إليك، اللهم إني أُعاهِدك إن كنت موجوداً – إلى الآن هذا المسكين شاكك – وأنعمت علىّ بشفاء بُنيتي الوحيدة هذه أن أعبدك حتى ألقاك مُخلِصاً صادقاً.

يقول هذا البروفيسور Professor والله ما أتممت هذه الدعوة حتى صاحت زوجتي يا فلان، يا فلان، نزلت الحرارة، وشُفيت ابنته، وبعد ذلك لم يُفارِق المساجد وهو أستاذ فلسفة، هذا أستاذ فلسفة، ولذلك يستحيل أن عبداً يستهدي الله ثم يُضِله الله، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ۩، مَن شاء الهداية أصابها – بإذن الله -.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُنوِّر ضمائرنا، وأن يُقدِّس سرائرنا، وألا يخذلنا، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

– ختم مولانا الشيخ حمود الصوافي الدرس بالدعاء.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

mokarabat

الصوم، مُحاوَلة جديدة للفهم

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

اترك رد