إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ۩ وَطُورِ سِينِينَ ۩ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ۩ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۩ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ۩ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ۩ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ۩ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ۩

بلى ونحن على ذلكم من الشاهدين، صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم.
أيها الإخوة المسلمون، أيتها الإخوات المسلمات:
يبدو أنه ما من ظاهرةٍ يُشيرُ القرآن العظيم إليها ويلفتُ النظر إليها إلا وهى محكومةٌ بقاعدة علينا أن نكون مُؤمِنين بها وواثقين، وهى – أي هذه القاعدة – أن إمكان التحقق منها قائمٌ ومُتاح على قدرِ الاهتمام الإنساني والعنو الآدمي، لكن ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أن الله – تبارك وتعالى – حين يقول – مثلاً – أنه خلق كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ۩ فإنه يُمكِن التحقق من هذه الظاهرة، وهذا أمرعجيب، مع أنها بوجهٍ من وجوهها تنتمي إلى الغيب وتنتمي إلى عالم الأمر بوجه من وجوهها لأن الله أرادها وأصدر إليها الأمر لتتخلَّق على هذا النحو مُقدَّرةً موزونة، ولكن القاعدة التي أُشير إليها تُؤكِّد أن هذه الظاهرة – ظاهرة التقدير مثلاً – بوجهٍ آخر وهو الوجه الشهودي من وجوهها يُمكِن التحقق منها ويُمكِن إثبات أن الله – تبارك وتعالى – قدَّر كل شيئٍ تقديراً حتى بلحاظ الوجه الغيبي الأمري لهذا الموضوع، ولي خُطبة في هذا الموضوع كشفتُ فيها النقاب – بفضل الله وتوفيقه – عن هذه المسألة وهى خُطبة التزامنية.

قال الله – تبارك وتعالى – أنه أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۩ أي أتمه وجمَّله وأتقنه – وهذا هو الإحسان – وجاء النبيُ المعصوم – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله وصحبه – ليقول في الحديث المُخرَّج في صحيح مسلم إن الله – تبارك وتعالى – كتب الإحسان على كل شيئ، وهذه اللفظة العامة لم يتفطَّن مُعظم الشراح فظنوا أن هذه المكتوبية إنما تلحظ الفعل البشري وحده، وهذا غير صحيح، فالنبي يقول إن الله كتب الإحسان على كل شيئ، وكما قال تبارك وتعالى كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۩، فما من شيئٍ أحدثه الله وأوجده وخلقه إلا وأحسنه أو إلا أحسنه كما قال الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ۩، ولذلكم ومن باب التشبه بفعال الله فيما يجوز ويُشرَع علينا نحن أيضاً أن نأخذ بحظنا وقسمنا من إحسان أفعالنا وتجويد مأتياتنا، قال رسول الله إن الله كتب الإحسان على كل شيئ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وهذا إسم هيئة وليس إسم مرة، وإنما هو إسم هيئة، فكيف يكون القتل؟ هذه قِتلة وليست قَلتة واحدة وإنما قِتلة، كيف نقتل العدو الذي يستحق القتل؟ بإحسان وباتقان وبجمالية، جمالية حتى في العقاب – عجيب – وجمالية في القصاص، جمالية جنائية، فالرسول يقول وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وهذا إسم هيئة، فكيف الناس تذبح؟ ولذلك قال مُشيراً إلى نمط من هذا الإحسان وهو قوله وليُحد أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته، إنه يأمر بذبحة جميلة، ذبحة مُتقَنة مُحسَّنة مُجوَّدة، ولذلك في الحديث الآخر حين رأى رجلاً يتعسَّف في قود الشاة إلى مصيرها الأخير قال ويلك أتُريد أن تُميتها مرتين؟ إلى أن قال قُدها إلى الموت قوداً جميلاً، أي أنه قال له أين الذبح الجميل؟أين الذبحة الجميلة؟ وطبعاً هذا النبي المُحمَّد الصادق الأبر الأطهر المصدوق – صلوات ربي وتسليماته عليه وآله وصحبه – الذي يمتح من معين القرآن والذي يستمد من هذا النبع الزُلال الفيَّاض الرباني بلا شك أنه وقف مراتٍ لا يُحصيها إلا الله – تبارك وتعالى – مع الموارد من أمثال فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ۩، الله يُريد أن نصفح عن أعدائنا وعن شانئينا وألدائنا ومُبغِضينا صفحاً جميلاً، صفحاً لا نتعقَّبهم من ورائه بثأرٍ أو انتقام ولا بعيبٍ بل ولا بعتبٍ، فهذا هو الصفح الجميل، وقرأ قول الله – تبارك وتعالى – في موضعين من سورة يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ ۩، فالله يتحدَّث عن الصبر الجميل، إنها الخلائق الجميلة ، ليست الوجوه الجميلة فقط وليست الأشكال المُستحسَنة البهية البهيجة وإنما السلوكات والأفعال والمأتيات، قال الله فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ ۩، والصبر الجميل هو الذي لا تذمر معه ولا تسخط، فإذن صبرٌ جميل، وقرأ في القرآن الكريم عن الهجر الجميل، قال الله وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ۩، وهذا أمر عجيب، فالله يقول الهجر الجميل، وهنا أيضاً نفس الشيئ فهو هجرٌ لا يعقبه غيبة ولا نميمة ولا مُحاوَلات تدسس وإيقاع ووشاية وسعاية وإضرار بالمهجور، إنما أتركه وشأنه، أي أن أتركه لله تبارك وتعالى، وهذا هو الهجرُ الجميل، وهو في حق العدو، وهذا أمر عجيب، وفي القرآن الكريم التسريح الجميل، التطليق أو إخراج النساء من البيوت اللاتي لا عدة لهن أو لا عدة عليهن في الحقيقة لأن العدة هى حقٌ للرجل على المرأة، فالأفصح أن نقول لا عدة “عليهن”، وهذا تسريح جميل أيضاً، لا إضرار معه ولا شنآن، إذن تسريحٌ جميل، فما هذا الدين الجميل؟ ولم لا يكون هذا الدين كذلك لمَن فهمه؟ أما دين الذين يُفجِّرون أنفسهم في عباد الله في آخر يوم من أيام رمضان هؤلاء لا يفهمون لا ما هو الجمال ولا ما هو الحق ولا ما هو الخير ولا ما هو الإنسان، لا يعقلون شيئاً عن الله ولا عن رسوله ولا عن ضمائرهم التي ماتت وتبلَّدت مُنذ زمن على ما يبدو – والعياذ بالله -، فلا كثَّر الله في الأمة من أمثالهم، وشفى الله الموبوئين بهذه الأشكال من الجنون والانحلال النفسي والعقلي عما قليل، شفاهم الله عما قليل فهذا داءٌ يبدو أنه عياء، وقد لفتُ النظر مرةً إلى ما أشار إليه المعصوم – عليه الصلاة وأفضل السلام – أن مَن ابتُليَ بهذا الداء يصعب جداً شفاؤه منه، فمَن ابتُليَ بكراهية الناس وبكراهية المسلمين وبتكفيرهم سيصعب معه الشفاء، وبالأمس كنت أستمع إلى عالم كبير من كبار علماء طائفته ومذهبه وطريقته في التفقه والتنكر للسماحة والود والمحبة والتيسير، وعلى كل حال غفر الله له ورحمه الله لأنه درج مُنذ سنين، هذا العالم يُطلِق حكماً بتكفير الشيخ العلَّامة القرضاوي بسهولة في أقل من دقيقة، قال هذا يقول كذا كذا كذا، فإذن هذا مُرتَّد وهذه ردة، وعلى ولي الأمر أن يستتيبه وإلا ضرب عنقه، ولكم أن تتخيَّلوا هذا، رجل في مثل قامة القرضاوي علماً وعملاً وإنتاجاً وحُجةً وقوة في ميدانه يُكفَّر ويُؤمَر بضرب عنقه في أقل من دقيقة، إذن ما بال أمثالنا؟ داءٌ عياء، والنبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – أشار إلى هذا الداء العياء الذي تقريباً ليس له شفاء ولا دواء وقال عنهم أنهم يمرقون من الدين، وهؤلاء هم الخوارج أصحاب النزعات الخوارجية الذين يقومون تكفير الناس والحكم على الناس بالكفر والردة والشرك – والعياذ بالله – ثم أن بعد ذلك – كما قلت مرة في خُطبتي – بين التكفير والقتل خُطوة، لأن مَن كفَّرك حكم بقتلك فانتبه إذن، مَن كفَّرك هو يُعطي رُخصة بقتلك، يُعطيها لكل مجنون ولكل أحمق ولكل مُخرَّق الضمير شائه السلوك والعياذ بالله، وأكاد أُقسِم من على منبر رسول الله أنه لا ينزع منازع العنف والتطرف والقسوة إلا إنسان مُلوَّث، إما مُلوَّث خُلقياً وإما مُلوَّث عقلياً وإما مُلوَّث عقدياً، لا يُمكِن – وفكِّروا في هذا بالله عليكم – لمَن دنا من الله ولمَن اقترب من الله ولمَن كان من أهل الله – تبار وتعالى – أن يكون إنساناً عنيفاً وفظاً، قال الله فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۩، فلماذا كان الرسول – بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ – الأرحم؟ لأنه كان الأقرب إلى الله والأعرف بالله، فأعرفُ الخلق وأعلمُ الخلق بالله هو رسول الله ولذلك كان أخشاهم لله وأتقاهم لله من جهة العلاقة بالله وأرحمهم وأعذرهم للخلق من جهة لحاظ الخلق، لكن هل تُريد أن تختبر إيمانك؟ اترك كلام المشائخ واترك كلامي وكلام أمثالي، اجلس وحدك هكذا واستهد الله واسترشده وره – فعل أمر من يري – ما عندك من مقدار الرحمة، كم تميل إلى محبة الناس؟ كم تبكي لخطاياهم؟ انتبه، لا كم تلعنهم من أجل خطاياهم؟ هل أنت حاذق وأستاذ بروفيسور Professor في اللعن فقط؟ فكم ترحمهم لأجل خطاياهم؟ كم تتمنى لهم أن يُقيل الله عثارهم وأن يُلهِمهم رُشدهم وأن يقيهم شر نفوسهم؟ كم تبكي وتحن وتألم وتتمرَّر وتُكبَد – تُصاب بالكُباد – من أجل مُعاناة الناس، مثل مُعاناة الناس من الفقر ومن السجن ومن الأسر ومن التهجير ومن الذبح ومن السلخ والقطع كالذي يحدث الآن في سوريا وربما لايزال يحدث في ليبيا وكأسرى الشعب الفلسطيني المظلوم المحصور؟ كم؟ كم تبكي؟ كم تتألَّم؟ كم تشعر بهذا الشيئ؟ فإذن أنت إنسان وبالتالي فأنت مسلم، الإسلام عندي يُساوي إنسانية كاملة، بمقدار نقص إنسانيتك ينقص إسلامك، يستحيل أن تكون مسلماً صالحاً وإنساناً فاشلاً، هذا يستحيل فعلينا أن نفهم الدين بشكل صحيح، ولذا انتبهوا فليس لنا فضلاً أن يكون علينا أن نجتزيء من كلام الوعَّاظ ومشائخ الفضائيات بما نُبرِّر به مرارتنا وخُبث نفوسنا وسوء طوياتنا وأحقادنا المُتراكِمة في قاع النفوس الغرزية، وطبعاً أنا وجدت ما من أحد وما من قاتل مُجرِم وما من لص وما من كافر مُلحِد إلا له منطق يُبرِّر به مسالكه فانتبهوا، قبل أيام كنت أستمع – ويا ليتني ما استمعت، حقيقةً يا ليتني ولكن هكذا اتفق لي – إلى عالم كبير ومرجعية بين أهله وطائفته – قبل قليل الذي كفَّر القرضاوي سُني، وهذا الآن شيعي إمامي اثنا عشري، وهذا شيئ لا يكاد يُصدَّق – فلم أكد أُصدِّق أن إنساناً مُحترَماً فضلاً عن أن يكون عالماً ومرجعية يفوه فمه بمثل هذه البذاءات والسخافات، اتهام بالزندقة والعهر والدعارة والزنا – شيئ لا يُصدَق – لعلماء كبار من علماء طائفته، ولا أستطيع على منبر رسول الله أن أحكي – والله – ما حدث، لا أستطيع لأنكم ستقذروني وستتقزَّزون مني أنا شخصياً، سأبعث على التقزز حين تسمعون هذه العبارات البذيئة، هذه لا يُمكِن لأي كافر هنا في الغرب مُحترَم أن يفوه بها، فما هذا؟ ولذلك هو ذهب يقتبس كلمة تُنسَب للإمام عليّ – عليه السلام – لكي يُبرِّر بذاءته، فقال عليّ قال هذا، طبعاً وأتى بعبارة من أبشع ما يكون، وأستطيع أن أُقسِم أن عليّاً لا يقول هذا، فيستحيل أن الإمام عليّاً يفوه بهذه البذاءات ويتهم الناس باللواط وبالسدومية في مسجد رسول الله، بلا قلة أدب، يا أخي خلوا عنا، أحياناً – والله – لا أدري ماذا أقول، أُحِب أن أصرخ في الناس، في المسلمين سُنةً وشيعة وإباضية وزيدية وأقول لهم يا أخي اتقوا الله في محمد، اتقوا الله في قرآن محمد، اتقوا الله فينا يا أخي، اتقوا الله في الدين، دعونا من هذا الهبل، دعونا من هذا الاستحماق ومن هذا الاستحمار، دعونا من كل ما تنسبونه إلى رسول الله وإلى الأئمة، ما هذا الكذب؟ ما هذا الهراء؟ والمُشكِلة أن العوام من العمى – العوام المساكين – ولذا لكل مجنون طائفة وله شلة وله ربع وعشيرة يُصفِّقون خلفه ومُستعِدون أن يموتوا من أجله ومن أجل جنونه وقلة أدبه ووقاحته وعصبيته وتكفيره ومراراته وسودوية شخصيته، فما هذا؟ يا جماعة هذا دينٌ جميل، والله العظيم إذا أنت لم تجد تأثير الإيمان فيك تجميلاً لشخصيتك الباطنة – تجد أن ضميرك ضمير جميل – فأنت غير مُحِق، وأنا مرة ذكرت مفهوماً عجيب جداً وخطيراً، فما هو؟ نحن نتصوَّر أن مُعظم مَن حولنا مِن الناس لا يُمكِن أن يستسهلوا السطو على حيوات الناس بمُسدَّسات – مثلاً – والخناجر، وهذا ليس سهلاً – ليس سهلاً مُطلَقاً – وهو يعلم ان من وراء فعله السجن والسجن الطويل وربما المُؤبَّد، فهم لا يفعلون هذا، وحتى إذا فاهوا به في دولة قانون كالغرب هنا يُحاكَمون عليه، فإذا هدَّد أحدهم بالقتل يُحاكَم، ولذلك حتى هم في خيالهم يفعلون هذا بدرجة أكبر، يتخيَّل نفسه أنه قتله وأنه ذبحه لكي ينتقم، وهذه نفوس ضعيفة، لكن كم من الناس يصول على أعراض الناس بخياله؟ مُعظم الناس، دائماً يصول ويتخيَّل نفسه فحش بفلانة ووقع على فلانة وكذا، هذا خيالٌ مريض، فالخيال المُؤمِن لا يكون هكذا، لو كنت مُؤمِناً صادقاً حتى خيالك وحتى خواطرك تكون جميلة مُتناسِقة، والعمر قصير وكل شيئ محدود وبقدر، لا يُوجَد وقت أن تتخيَّل البذاءات والوساخات، لا يُوجَد عندك وقت حقيقة، وتفكيرك وهمك في الظاهر والباطن حتى في لا شعورك كله في السعي في فكاك رقبتك واستنقاذ مُهجتك، ولذلك تُفكِّر دائماً – كما قلت – رحمانياً، أي كيف ترحم الناس وكيف تُزيل خلة هذا وتسد خلة هذا وتُزيل علة هذا وتقضي حاجة هذا وتمسح دمعة هذا وترسم على وجه هذا وأبناء هذا، وتقو كيف أفعل هذا؟ هذا هو، هذا هو الجمال، جمال الباطن، فتُفكِّر كيف تعذر الناس حين يُخطئون وتقول أنهم مساكين حتى لو أخطأوا في حقك فهم معذورون ومُؤكَّد أنهم مروا بظروف جعلتهم هكذا مُتمرِّرين، ما يُدريني؟ ما عساي لو مررت أو لعلني لو مررت بمثلها أكون أسوأ منهم؟ غفر الله لي ولهم، فهذه هى الدنيا، ثم تبحث عن أمراض عن نفسك وتبحث عن عيوب نفسك ولك فيها شُغل عن النظر في عيوب الناس، لكن بعض الناس ليس هكذا، بعض الناس يعمى عن عيب نفسه ويذهب يبهت الكملة من الناس، والكملة من الرجال كثير، في كل زمان ومكان ستجد من الرجال مَن هم كلمة، تتأمَّل في حياته في مسالكه وفي شخصيته وتجد أنه رجلٌ كامل لا ينقصه شيئ، ومع ذلك هناك مَن يبهته وينسب إليه العظائم يشنأه بها والعياذ بالله، فإلى هذه الدرجة وصل الأمر؟ ثم يزعم أنه مُتدين أو حتى شيخ، وقد يكون شيخ منبر وقد يكون شيخ فضائية ومع ذلك يبهت الناس الكملة وينتقم منه بخياله ونفسيته المريضة، لكن ليس هكذا الدين، أين دين الصفح الجميل والهجر الجميل والتسريح الجميل والصبر الجميل ودين الإحسان على كل شيئ مكتوب؟ أين هذا؟ لا أدري كيف نفهم ديننا ولا ندري، الموازين مُعتَلة، الموازين مُختَلة، لم ندأب ولم يُدأب على تزويدنا بموازين حقيقية لتعيير الدين، أي كيف أُعيِّر ديني؟ وأن الترمومتر Thermometer؟ تعيير الدين بطرق الانتقاء، تعيير الدين كم عمرة تعملها وكم حجة حجيتها، تعيير الدين كم ركعة تركع، تعيير الدين كم دعوى تدعي، كالذي جاء يُناقِشني عن إقامة الدولة الإسلامية فنظرت في وجهه ورأيت فيه سواداً فقلت سألتك بالله صليت الفجر اليوم؟ قال لا لكن كيف عرفت؟
فقلت وجهك أسود يا أخي وتتكلَّم عن دولة إسلامية، دولة ماذا يا أخي؟ أنت لا تستطيع أن تُصلِح نفسك، أنت لا تُحافِظ على الصلاة ثم تتكلَّم عن خلافة المسلمين؟ بلا كذب وبلا دجل، لماذا نتعلَّم الدجل؟ علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، علينا أن ندأب على تزويد أنفسنا بالمعايير الصحيحة للتدين وإلا هذا كلام فارغ.

هذا دينٌ جميل ينبغي أن ينعكس جماله في كل شيئ، فكتابه جميل ونبيه جميل وربه – مُشرِّعه لا إله إلا هو – جميل، لأن من أسماء الله الجميل وهذا في الصحيح، قال رسول الله إن الله جميلٌ يُحِب الجمال، فهذا من أسماء الله يا جماعة، إسمه الجميل، فكيف نستطلع وكيف نستطيع أن نستجلي – هذا موضوع الخُطبة وكل هذا استطراد فاغفروا له ولي – جمال الخالق لا إله إلا هو؟ جمال الذات يستحيل، فالذات الإلهية محجوبة ولا مجال للمُقايَسة بينها وبين أي ذات – بينها وبين كل الذوات – طبعاً، قال عبد الله بن عباس – رضيَ الله تعالى عنهما – حجب الذات بالصفات – طبعاً ذاته محجوبة بصفاته، فلا تُوجَد علاقة أو مُدخلية أو طريق يُطرَّق إلى الذات أبداً، هى محجوبة بالكلية لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ۩ – وحجب الصفات بالأفعال، لأنها صفات الذات، فهل تظن أنها كصفات البشر وتقيسها على صفات البشر؟ هذا لا يُمكِن أبداً، ولكن الصفات محجوبة بالأفعال، وأنا أقول لكم أن الأفعال شديدةُ الظهور وشديدةُ الخفاء لأنه الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۩، يُمكِن لكل أحد – وهذا له اعتلاق بموضوع خُطبتنا اليوم – أن يستجلي مجالي ومظاهر الجمال الإلهي في كل شيئ وبسهولة، أن يتحسَّس هذا بالفطرة، فبفطرته يشعر الجمال في الكون لأنه أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۩.

وفِي كلِّ شيءٍ لَهُ آية ٌ                                           تَدُلّ على أنّهُ الواحِدُ.

ويُمكِن له أن يتخصَّص وأن يغوص ويتعمَّق ويتغمَّق في الأعماق والأغماق ليستجلي شيئاً من دستورية هذا الجمال ويصوغه بطريقة رياضية – Mathematics رياضيات – فهذا مُمكِن وموجود، وقد فعل ولايزال يفعل هذا المُفكِّرون الكبار والعلماء الفخام والفلاسفة والحالمون والفنانون، فهم يفعلون هذا لأنه موجود، وهذا يعكس أيضاً جماله – لا إله إلا هو – المأخوذ من جمال صفاته المُعبَّر عنه بجمال أفعاله سبحانه وتعالى، قال الله الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۩، وقال أيضاً لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۩، كأن البداية تكون بالنظر في هذا الإنسان، قال الله وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ۩، وطبعاً الإنسان يرى أن أجمل جمال هو الجمال الإنساني، فهو يرى هذا، وقد يقول قائل هذه ثقافة، فهذه ليست طبيعة وليست حقيقة وجودية وإنما هذه ثقافة ونحن تعلَّمنا هذا، وقد في خُطبة سابقة نقلت عن فولتير Voltaire في القاموس الفلسفي – فرنسوا فولتير François Voltaire – أنه ذكر أن الجمال في نظر الضفدع الذكر هو جحوظ عيني أُنثاه بعينيها الكبيرتان الجاحظتين الناتئتين في الرأس الصغيرة، ومن ثم يقول لك هذا الجمال، والجمال في نظر البوم هو جمال ابنها الصغير الذي له عينان كبيرتان أيضاً على شكل مُنخل، فهذا هو الجمال لديها، ويُحكى عن سليمان أنه أمر البومة أن تأتيه بأجمل الخلق فذهبت ثم عادت بابنها، فقال والله لو أتيتني بغيره لقطعت رأسك، ففي نظرها أجمل جميل هو البومة، لكن على كل حال لا الضفادع يا فولتير Voltaire ولا البوم ولا الصراصير ولا الفئران – أكرمكم الله وأعزكم – أنشأت فلسفة ولا Aesthetics ولا علم الجمال ولا فلسفة الجمال، الإنسان هو الذي يفعل هذا، فهى ليس لديها وسائل رياضيات لكي تكشف عن دستور الجمال والتناسق والتناسب والهرموني Harmony، هى لا تعرف لكن الإنسان يعرف هذا ولذلك يبقى حكمه في نهاية المطاف حتى عند نفسه هو الحكم الأول والأخير، وليس حكم الضفادع أو حكم الصراصير، فلا نستطيع إلا هذا وهذا كل الذي نستطيع أن نُقرِّره، وقد نظر الإنسان من قديم إلى نسب الجمال، فيوقليديس Eukleidēs أو إقليدس Euclid كما يُسميه العرب والمسلمون – إقليدس Euclid هو العالم والمُهندِس والرياضي اليوناني الإغريقي الشهير – وجد أن هناك نسبة عجيبة تتجلى في أشياء كثيرة، وهى نسبة عجيبة أُطلِقَ عليها فيما بعد النسبة الذهبية Golden Ratio، والنسبة الذهبية هى نسبة مُعيَّنة سأُوضِّحها لكم بطريقة بسيطة جداً جداً جداً:

لدينا الآن هذا الخط الطويل، سنقسمه إلى قسمين، قسم أطول وقسم أقصر، والقسم الأطول سنسميه ألف، والقسم الأقصر سنسميه باء، والخط كله بقسميه هو ألف باء، والآن حاصل قسمة ألف على باء تُساوي حاصل قسمة ألف باء على ألف، فهذه هى النسبة الذهبية – Golden Ratio – ببساطة، أي أن ألف على باء يُساوي ألف باء – الخط كله – على ألف، وهذه هى النسبة الذهبية – Golden Ratio – باختصار، ووُجِدَ بعد ذلك أنها تُساوي بالتقريب واحد فاصل أو فاصلة ستة من عشرة، وطبعاً قد تكون ستة أو ثمانية أو واحد أو ثلاثة وإلى آخره لكن المُهِم هو أنهم قالوا واحد فاصل ستة من عشرة، فهذه إسمها النسبة الذهبية، وهذه النسبة نسبة أثيرة ومحبوبة جداً لدى الرسَّامين بل حتى لدى الموسيقيين والمُلحِّنين الكبار ولدى المثَّالين والنحَّاتين ولدى المُهنّدِسين المعماريين، فهذه نسبة مُقدَّسة وتُسمى النسبية الذهبية المُقدَّسة، وهى مُهِمة أيضاً لدى علماء النبات، فقد وجدوا أنها مُهِمة جداً في علم النبات وسأُحدِّثكم عن هذا، والقرآن يقول وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ۩، وسوف تقرأون هذا الوزن الإلهي وهذه النسبة الذهبية، فهذا شيئ مُحيِّر مُدهِش جداً،وأيضاً لدى علماء التشريح – كل مَن در التشريح حتى بطريقة بدائية – هى نسبة هامة.

ليوناردو دافنشي Leonardo da Vinci اهتم بهذه النسبة جداً وأدركها، أدرك أن الجسد الإنساني محكوم بالنسبة الذهبية وهذا سر جماله واتزانه، أي جماله استطيقياً واتزانه وظفياً، فهو هذا سر الجمال والاتزان في الخلقة الإنسانية، قال الله لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۩، وللتبسيط يُقال إن هناك مركزاً للكتلة Mass، مركز الكتلة في الإنسان ومعنى كونه مركزاً لكتلة الإنسان أن ما فوقه يُعادِل ما تحته وأن ما على يمينه يُساوي ما على يساره، وقد وُجِدَ أن هذا المركز الوهمي طبعاً – هو مركز – يُوجَد حول منطقة السُرة، فقاس العلماء وقاس الفنانون هذا، فمثلاً ليوناردو دافنشي Leonardo da Vinci قاس هذا وفهم هذا وأدركه بشكل ذكي جداً جداً جداً، فالرجل لم يكن مُجرَّد رسَّاماً فقط وإنما كان مُهنّدِساً ومُشرِّحاً وصاحب خيال علمي واسع جداً، وقد وجدوا أن حاصل قسمة ما تحت مركز الكتلة إلى أسفل القدم على ما فوقها إلى أعلى الرأس يُساوي النسبة الذهبية، أي واحد فاصل ستة من عشرة، وهذاشيئ غريب جداً، قال الله لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۩، ثم بعد ذلك وجدوا هذه النسبة تتكرَّر بشكل يكاد يكون لا نهائياً، ولن أُطيل وتستطيعون أن تدخلوا على أي موقع مُتخصِّص في هذه الأشياء أو أن تقرأوا كتاباً مُتخصِّصاً وسترون أشياء لا أول لها من آخر، فنحن لدينا الكف مثلاً، فحين نرى الكف إلى الرسغ ونرى الرسغ إلى الكوع أو المرفق نجد أن هذه المسافة على هذه المسافة تُساوي النسبة الذهبية، ثم أن نفس المبدأ – هذا ألف وباء – يتكرَّر، فالمسافة من الرسغ إلى الكوع إذا جعلناها مقاماً للمسافة كلها هى النسبة الذهبية، أي أن نفس الشيئ لدينا، وخُذ السبابة – مثلاً – بعُقلها الأربع وسوف تجد أن نسب الطول تصل إلى اثنين وثلاثة وخمسة وثمانية، لكن ما معنى أنها تصل إلى اثنين وثلاثة وخمسة وثمانية؟ هذه مُتتالية أو مُتسلّسِلة أو مُتتابِعة الرياضي الإيطالي الشهير ليوناردو فيبوناتشي Leonardo Fibonacci في القرن الثاني عشر الميلادي والتي اكتشفها لدى دراسته لتوالد وتكاثر الأرانب، فهو أراد أن يدرس تكاثر الأرانب ثم أصبحت مُتتابِعة شهيرة إلى اليوم وتُسمى مُتتالية فيبوناتشي Fibonacci، لكن ما هى مُتتالية فيبوناتشي Fibonacci؟ هذه المُتتالية سهلة جداً جداً جداً، تبدأ بصفر وواحد و واحد – وبعضهم يحذف الصفر ولكن الدقيق هو أن يبقى – واثنين وبعد ذلك ثلاثة وخمسة وثمانية وثلاثة عشر وواحد وعشرين ، لكن ما هو النمط – Pattern – الموجود فيها هنا؟ يُمكِن استخلاصه بالحساب البسيط وبالنظر، فهناك نمط ما لكن ما هو؟ هو أن كل قيمة وكل عنصر فيها يُساوي حاصل جمع العنصرين قبله، فهذه هى مُتتالية فيبوناتشي Fibonacci فقط، ومن مزايا مُتتالية فيبوناتشي Fibonacci أنك لو قسمت أي عنصر على العنصر الذي قبله سوف تحصل النسبة الذهبية، وكلما صاعدت مُرتقياً تكون أقرب إلى النسبة الذهبية بشكل دقيق جداً، فمثلاً قسمة ثلاثة على اثنين تُعطي رقماُ قريباً من النسبة الذهبية، وخمسة على ثلاثة أقوى في الاقتراب من النسبة الذهبية، وثمانية على خمسة أقوى وأقوى، وثلاثة عشر على ثمانية أقوى من ثمانية على خمسة، وواحد وعشرون على ثلاثة عشر أقوى من ثلاثة عشر على ثمانية وهكذا، وتُصبِح تماماً هى النسبية الذهبية، وهذه هى خاصية مُتتالية فيبوناتشي Fibonacci، وهذه علاقة هذه المُتتالية بالنسبة الذهبية، فدائماً إذا قرأت أو سمعت عن مُتتالية مُتسلّسِلة أو مُتتابِعة فيبوناتشي Fibonacci فاعلم إذن لها علاقة بالنسبة الذهبية.

فيما يختص بعُقل أصابعنا هناك مُتتالية فيبوناتشي Fibonacci، فإذن النسبة بين العُقل محكومة بالنسبة الذهبية، والنسبة بين عُقل الأصابع هى النسبة الذهبية، وهذا شيئ عجيب جداً، فلو قسمنا طول الوجه على عرضه ستنتج النسبة الذهبية، ولذلك الوجه – وجه الإنسان – جميل ومُريح، والعالم ستيفن مارك أوت Steven Mark Out – هذا دكتور في الطب وهو مشهور جداً وجرَّاح ومُهتَم جداً بعملية وفلسفة الجمال ومن ثم درس هذا الموضوع، علماً بأن هذا ما يُميِّز الباحث والعالم الغربي عن الباحث العربي والشرقي عموماً، فهم لديهم طول نفس ولديهم تخصص دقيق جداً جداً، فإذا أمعنوا في مسألة لا يتركونها حتى يقتلوها درساً وفهماً وتعمقاً، فدرس الموضوع خمساً وعشرين سنة، وهو طبيب وجرَّاح ولكنه يدرس وله دراسات في فلسفة الجمال وعلم الجمال – بعد خمس وعشرين سنة من الدراسة قال أستطيع أن أقول أنني تقريباً وضعت يدي على سر الجمال الذي يُمكِن أن يُصاغ بعبارة رياضية، فما هو سر الجمال؟ قال كامن في النسبة الذهبية، وهذا في كل شيئ، فحتى القواطع – قواطع الإنسان – فيها هذا، فالقواطع العلوية النسبة الحاكمة عليها هى النسبة الذهبية، فبين ارتفاعها – مثلاً – وعرضها – هناك النسبة الذهبية، وكلما عكس الإنسان في أعضائه وأجزائه المُختلِفة النسبة الذهبية كان أقرب إلى مثال الجمال، فهو موديل Model ومثال الجمال إذن، ولذلك الدكتور ستيفن مارك أوت ستيفن مارك أوت Steven Mark Out بعد خمس وعشرين سنة من الدراسة صنع قناعاً -ليس قناعاً سحرياً وإنما قناعاً جمالياً استطيقياً – وجعل يُطبِّق مقاييسه وخاصة النسبة الذهبية على أشهر الرجال الوسيمين والنساء والفتيات الجميلات، وفعلاً الأكثر جمالاً هو الذي ينطبق عليه القناع، لأن القناع محكومة النسب فيه بين كل أعضاء الوجه من كل الزوايا بالنسبة الذهبية – سبحان الله – طبعاً، فالأجمل في نظر الناس هو المحكوم بهذه النسبة، ولذا مُعظم الناس يقولون لك هذا الأجمل، هذا المُمثِّل هو الأجمل على الإطلاق لأن لديه جاذبية – Attractiveness – خاصة جداً جداً جداً، وفعلاً – سبحان الله – ينطبق على القناع تماماً، لأن جماله محكومة بالنسبة الذهبية، لكن بعض الناس أحياناً ترى أن تقاطيعه وأعضاء وجهه تجد أن كل شيئ منها على حدا جميل ولكنه في المُجمَل ليس جميلاً، ونُعبِّر عنه بطريقة هُلامية فنقول هذا دمه ثقيل وغير مُستخَف، لكن السبب هو عدم وجود تناسب، فبين بعض الأعضاء التناسب مفقود، يُوجَد شيئ زائد عن اللزوم وما إلى ذلك فاختلت النسبة الذهبية وذهب الجمال مع أن كل تقطيعة على حدا جميلة، فخُذه على حدا وسوف تجده جميلاً، وعلى كل حال هناك نسبة ووزن، قال الله وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۩، وقال أيضاً وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ۩، علماً بأننا سوف نعود إلى هذه الآية من سورة الحجر، وعلى كل حال ما يتعلَّق بالإنسان كثير وكثير جداً، يُوشِك أن يكون لا مُتناهي، حيث تتكرَّر النسبة الذهبية باستمرار بين أجزاء الإنسان، وهذا شيئ غريب، ولذلك يُقرِّر المولى تبارك وتعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۩، أي فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۩ على الإطلاق، لأن أكثر بنية وأكثر معمار – أكثر Structure – يتجلى فيه النسبة الذهبية وتتكرَّر فيه باستمرار هو الجسم الإنساني والجسد الإنساني، فسبحان مَن هذا نظامه وسبحان مَن هذا خلقه وفعاله.

نأتي الآن إلى مكة المُكرَّمة، قال الله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ۩، فهذا أول بيت وضعه الله، وفي بعض الأخبار والآثار أن الله – تبارك وتعالى – دحى الأرضَ من مكة – وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ۩ – المُكرَّمة، ومعنى دحاها أي بسطها ومدها، وذلك من مكة كما قيل في بعض الآثار، يقول ابن الرومي في القصيدة المشهورة وهو يصف خبَّازاً يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بالْبَصَرِ، فهذا هو معنى الدحو، لكن هل هذا الدحو والمد محكوم بنسبة مُعيَّنة هندسية رياضية أم أنه اعتساف؟ لا يُوجَد اعتساف، قال الله وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ۩، فهذا كله – كما قلنا لكم – محكوم بالحقيقة ويُمكِن اكتشافُ ذلك ويُمكِن صياغته حتى رياضياً أو علمياً بأي صيغة من صيغ العلم أو الصيغ العلمية، لكن كيف هذا؟ وجدنا شيئاً عجيباً جداً، فأنت يُمكِنك أن تأخذ المُخطَّط وأن تأخذ الأطلس أو المُجسَّم وسوف تجد أن مكة تقع – هناك خطوط الطول كما تعلمون المسئولة عن الوقت، وهناك خطوط العرض المسئولة عن الاختلافات المناخية، وخطوط الطول ثلاثمائة وستون، حيث يُوجَد غرينتش Greenwich وفي اليمين وفي اليسار يُوجَد مائة وثمانون خط هنا وهناك فيكون الناتج هو ثلاثمائة وستون خطاً، لكن خطوط العرض على النصف تماماً، فهذه الدوائر المُتوازية عددها هو مائة وثمانون، فهناك خط الاستواء وفوقه تسعون وتحته تسعون، والآن سوف نرى خطوط الطول عندما ننظر إلى موقع غرينتش Greenwich وهو صفر وعندما ننظر موقع إلى مكة – على خط أربعين، لكن عن يمين كم بقى من خطوط الطول؟ مائة وأربعون، لأننا سنقول مائة وثمانون ناقص أربعون ومن ثم الناتج هو مائة وأربعون، وماذا عن عن يسارها؟ مائتان وعشرون لأننا سوف نقول مائة وثمانون زائد أربعون وبالتالي الناتج هو مائتان وعشرون، والآن عندما نقسم ثلاثمائة وستين على مائتين وعشرين سوف يكون الناتج هو واحد فاصل ستة، وهذه هى النسبة الذهبية، فهذا أمر عجيب لكن هذه هى النسبة الذهبية، فثلاثمائة وستون – مجموع خطوط الطول – على مائتين وعشرين تُساوي النسبة الذهبية، ونفس الشيئ مع خطوط العرض، فمكة إلى جنوبها – لأنها فوق خط الاستواء وبعيدة من مدار الجدي جنوب خط الاستواء – يُوجَد شيئ غريب، فنحن نجد أن مكة تحتها مائة وثلاث عشرة دائرة عرضية وفوقها سبع وستون دائرة عرضية، وعند قسمة هذا على هذا – أي الكبير على الصغير – سوف تكون النتيجة هى النسبة الذهبية، وهذا أمر عجيب لكن مازال يُوجَد شيئ أعجب من هذا بكثير، لكن طبعاً في بعض الناس يعترضون، فبعض إخواننا الأقباط في مصر وبعض العلمانيين يقولون لك هذا كلام فارغ لأنهم يضحكون على الناس ويبتدعون أشياء غير صحيحة، فلماذا؟ هذا الحساب يُمكِنك أن تحسبه أنت، لكنهم قالوا هذا غير صحيح لأن على خط الطول تُوجَد مُدن كثيرة، وهذا صحيح، فنعم هناك مُدن كثيرة غير مكة وتنطبق عليها نفس المسألة – تنطبق صحيح – ولكن أنا أتساءل مَن منها مكة؟ ما هذا الهبل؟ هل هذا تفكير علمي؟ أنا أقول مَن منها مكة؟ انتبهوا فنحن لدينا عشرون مدينة حتى على خط طول واحد ولكن مَن منها مدينة ذات حيثية ومدينة ظهر منها دين وظهر منها نبي غيَّر الدنيا؟ مكة لها ميزة خاصة، وهذه الميزة – كما قلنا -تعكس شيئاً من امتيازها كونها محكومة بالنسبة الذهبية، الله هو الذي جعلها هكذا، فالرسول – مثلاُ – هو نبيٌ عربيٌ مٌطلبي هاشمي وما إلى ذلك، ويشركه في هذا كثيرون من أهل بيته ولكنهم ليسوا أنبياء، فميزته في نهاية المطاف أنه النبي، إي هذه العوامل مع أنه النبي، وكذلك ميزة مكة أنها كذا كذا كذا كذا على كونها مكة – انتبهوا – التي التحمت فيها السماء بالأرض وألقت فيها السماء كلمتها الأخيرة إلى هذا العالم التائه الحائر الشارد، فهذا هو المعنى، لكن لا أدري كيف ينتقدون ولا يُحِبون أن يقطعوا بالحقائق!

أعجب من هذه الحقيقة ما في كتاب الله – تبارك وتعالى – وهى الآية التي تلوتها على مسامعكم ومسامعكن إخواني وأخواتي – حفظكم الله وحفظكن – والتي تقول إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ۩، فقد أتينا وأحصينا أحرف هذه الآية الجليلة – انتبهوا فالمُدغَم دائماً حرفان، يعني إِنَّ ۩ ثلاثة حروف وليست حرفين لوجود شدة على النون، وكذلك هناك شدة في بِبَكَّةَ ۩، فالكاف حرفان هنا وهكذا – مع فك الإدغام ووجدنا أن الأحرف سبعة وأربعين حرفاً بالتمام، فهى سبعة وأربعون حرفاً تماماً، وهذه حقيقة خطية رسمية، فهى سبعة وأربعون حرفاً بالضبط، فالله – تبارك وتعالى – قال إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ۩ وإلى هذا الجزء – أي عند كلمة مكة بكة – يُوجَد تسعةٌ وعشرون حرفاً، وفي قوله لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ۩ – أي في هذا الجزء الآخر أو هذا الضلع القصير في الآية – يُوجَد ثمانية عشر حرفاً، فإذن نقسم تسعة وعشرين على ثمانية عشر وسوف نجد أن الناتج هو النسبة الذهبية، وسوف نعود الآن إلى موضوعنا لأن النسبة الذهبية أوسع من ذلك، لكن تسعة وعشرون زائد ثمانية عشر تُساوي سبعة وأربعون ثم نقسم على تسعة وعشرين – أي على ألف كما قلنا وهو الضلع الطويل – وسوف نجد أنها تُساوي النسبة الذهبية، وهذا شيئ مُحيِّر ولا يكاد يُصدَّق، الله أكبر، هل هذا الكلام من وضع محمد؟ هل محمد كان يشتغل برياضيات فيبوناتشي Fibonacci والنسبة الذهبية وهذا الكلام؟ هل محمد يعرف هذا الشيئ؟ لا علاقه له به، فلم يكتشف أحدٌ هذا قبل هذا القرن أبداً،ولم يلتفت إليه لا من قريب ولا من بعيد، فأن تكون مكة في الحقيقة بحسب هذه الخطوط التي ابتدعناها وهى خطوط وهمية تعكس النسبة الذهبية هذا أمر عجيب، ووضع مكة – بكة – في الآية يعكس النسبة الذهبية أيضاً، ولذا هذا شيئ عجيب جداً ولافت من كل سبيل – إي والله – طبعاً، ولله الحجة البالغة – قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ۩ – في نهاية المطاف، فشيئ مثل هذا وحده كفيل أن يجعل الإنسان يُراجِع أشياء كثيرة وقناعات كثيرة في الموقف من الإسلام العظيم.

يُدرِكنا الوقت بسرعة، فنأتي الآن إلى النباتات، علماً بأن النسبة الذهبية ظاهرة طبعاً في أشياء تعزُ على العد والحصر، وأنتم تعرفون انثناءات أمواج البحر طبعاً، وهى محكومة بالنسبة الذهبية، فالعلماء يتكلَّمون في هذا، وهذا شيئ لا يكاد يُصدَّق، وحتى الصدف الحلزوني – Seashell – محكوم بالنسبة الذهبية، فهذا الحلزون محكوم بالنسبة الذهبية وبدقة، وهذا شيئ عجيب، وكذلك الحال مع دوَّار الشمس – يُسمونه عبَّاد الشمس – فهو محكوم بالنسبة الذهبية، والفيروسات Viruses في بعض أوضاعها محكومة بالنسبة الذهبية، والحامض النووي منزوع الأكسجين Oxygen كذلك، فالدي إن أيه DNA إذا وضعت طوله على عرضه بالأنجستروم Ångström سوفت تحصل بالضبط على النسبة الذهبية، فالطول على العرض يُساويان النسبة الذهبية، أي واحد فاصل ستة من عشرة، وهذا شيئ غريب، فكل شيئ موزون وكل شيئ بقدر، والنجوم والكواكب في كثير من أوضاعها محكومة بالنسبة الذهبية وهى نسبة ثابتة وإلى آخره، وطبعاً المعمار الإنساني عن وعي وعن قصد فيه هذا، فكثير من المعماريين فعلوا هذا عن وعي وعن قصد وأرادوا أن يعكسوا هذه النسبة، وكثير من الرسَّامين ومن آخرهم سلفادور دالي Salvador Dalí‏ كانوا يعكسون النسبة الذهبية، ف سلفادور دالي Salvador Dalí‏ عكسها وخاصة في لوحته الأشهر السر المُقدَّس للعشاء الأخير The Sacrament of the Last Supper، فواضح جداً أنه أراد في هذه اللوحة أن يعكس النسبة الذهبية في أكثر من شكل، فهناك أشياء كثيرة عكس فيها النسبة الذهبية عن تعمد، وليوناردو دافنشي Leonardo da Vinci في مُعظم لوحاته – Paintings – كان يعكس النسبة الذهبية، وهذا واضح جداً في الموناليزا Mona Lisa، والقديس سانت جيروم Saint Jerome كان يعكس النسبة الذهبية، بل أن المُستطيل نفسه – مُستطيل اللوحة – هو المُستطيل الذهبي، طوله على عرضه يُساويان واحد فاصل ستة، ففي الداخل واحد فاصل ستة، والمُهِم هو أن هناك الكثير من القصص التي تدل على هذا، وفي المعمار هذا كثير، فأكثر كاتدرائيات أوروبا المشهورة في فرنسا وغيرها محكومة بالنسبة الذهبية، المُهنّدِس المعماري تقصَّد هذا لأنه يُعطي جمالاً ويُعطي راحة للإنسان، راحة غير عادية وشعور بالجمالية.

البارثينون Parthenon محكوم بالنسبة الذهبية، أعمال النحَّات الإغريقي الشهير فيدياس Phidias – أربعمائة وثمانون قبل الميلاد – أكثرها محكومة بالنسبة الذهبية عن وعي، لأن فيدياس Phidias كان يتقصَّد ذلك حتى في تماثيله، وجامع عقبة في القيروان محكوم بالنسبة الذهبية وهذا شيئ غريب، فالمساحة العامة إلى مساحة الفناء محكومة بالنسبة الذهبية، وهناك أشياء كثيرة في المنار محكومة بالنسبة الذهبية، فهذا إذن موجود والمُهنّدِس المسلم أدرك هذا بحسه الجمالي الفطري، بحس إلهي.

إذن يُوجَد هذا التحسس للجمال، ونأتي الآن إلى النبات لكي نتحدَّث عن الـ Phyllotaxis، فما هو الـ Phyllotaxis؟ بالألمانية إسمه Blattstellungوهو توزّع الأوراق على الغصن، فهذا هو معنى الـ Phyllotaxie – هنا يجلس أمامي دكتور مُتخصِّص في النبات وهو يضحك لأنه يعرف هذا جيداً طبعاً – وهو شيئ عجيب، فمن القرون الوسطى بدأ الناس يُدرِكون أن هذا التوزّع ليس عشوائياً – وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ۩ – بالمرة، فهم أدركوا أن هذا التوزّع ليس عشوائياً ولكنهم لم يضعوا الإصبع عليه بالضبط، أي أنهم لم يعلموا كيف هو مُنتظَم أو كيف هو نظامي وكيف هو جمالي، لم يعرفوا هذا، ولكن بدأ هذا يتبلوَّر مع مطلع القرن التاسع عشر مع عالم النبات الشهير ألكسندر براون Alexander Braun الذي كان ذكياً جداً وله اليد الطولى في هذا الباب، فماذا اصطنع هذا الرجل أو ماذا فعل؟ أتى ألكسندر براون Alexander Braun إلى غصن تتوزّع عليه الأوراق – وطبعاً التوزّع معروف بثلاثة أشكال، فهناك التوزّع المُتبادِل وهناك المُتقابِل وهناك الـ Whorl بمعنى المغزلي كما أُسميه أو السواري كما يُسمونه، لكن كلمة الـ Whorl معناها فلكة المغزل فمن المُمكِن أن نُسميه المغزلي، وعلى كل حال هذه ثلاثة أنواع – ورسم خطاً بحسب الإمكان على الغصن يصل بين قواعد الأوراق، فكل كل ورقة عندها القاعدة التي تنطلق منها على الغصن، فكان يصل بين قواعد الأوراق وانتهى إلى نتيجة مُثيرة – Exciting – بالنسبة إلىّ، حيث وجد أن هذا يُشكِّل مُنحناً حلزونياً فيه نوع من السيمترية بغض النظر بدأت من اليمين أو بدأت من اليسار، فسواء عكسته من هذه الجهة أو من تلك سوف يبقى بنفس الطريقة، وقد سُميَ بالمُنحنى الحلزوني المُنشيء – أسموه المُنحنى الحلزوني المُنشيئ – بعد ذلك، وهذه كانت البداية مع ألكسندر براون Alexander Braun، ثم دخل مع شامبر Chamber – عالم النبات الآخر الشهير أيضاً – في الموضوع وأرادا أن يحسبا زاوية الانفراج، لكن ما المُراد بزاوية الانفراج هنا؟ أي حساب قاعدة ورقة مُعيَّنة ثم الورقة التي تليها أو التي تأتي فوقها، فلاحظا كلاهما – شامبر Chamber وبروان Braun – أن هذه الزاوية – زاوية الانفراج – تبقى ثابتة، والعجيب أن هذا ليس في الغصن الواحد ولا في أغصان نبتة واحدة ولا في أغصان أشجار تنتمي إلى النوع الواحد بل بالعكس في أغصان أشجار تنتمي إلى أنواع مُتعدِّدة حيث يُوجَد فيها ثبات في الانفراج، وهذا شيئ غريب جداً واتزان عجيب جداً، وطبعاً إلى الآن على مبلغ علمي – الدكتور معنا الآن في المسجد وهو مُتخصِّص لكي يُصحِّح – لم يستطيعوا أن يكتشفوا – مثلاً – علاقة بين مجموعات الأنواع ومحكومة بدستور رياضي مُعيَّن، فأنا لم أقرأ شيئاً من هذا القبيل يقول أنهم وصلوا إلى هذا، لأن المسألة صعبة ومُعقَّدة جداً.
بعد ذلك قام براون Braun مع صديقه بعمل أكثر إثارةً، فما هو؟ علماً بأنهما استخلصا منه دستوراً شبه رياضي أو هو دستور في الحقيقة رياضي، أي دستور رياضي له علاقة بالانفراج، فقد وجدا شيئاً عجيباً في عدد دورات الحلزون المُنشيء ، فالمُنحنى الحلزوني المُنشيء إذا جعلناه في البسط وجعلنا في المقام عدد الأوراق الموجودة في هذه المنطقة – أي بين كل ورقة ورقة والدورات في الأعلى، وفي الأسفل يُوجَد عدد الأوراق – فإنه يُساوي دائماً عناصر هى عناصر مُتتالية فيبوناتشي Fibonacci، ولك أن تتصوَّر هذا، أي واحد وواحد واثنان وثلاثة وخمسة وثمانية وثلاثة عشر وواحد وعشرون وإلى آخره، أي نفس العناصر، وهذا معناه أن كل ذلك يُعتبَرمحكوماً بالنسبة الذهبية، لأن من خصائص مُتتالية فيبوناتشي Fibonacci ما ذكرناه، وهو أننا لو قسمنا أي عنصر على الذي قبله سوف تكون دائماً النتيجة هى النسبة الذهبية، وكلما تصاعدنا نكون أقرب إلى النسبة الذهبية Golden Ratio.

وهكذا أمكن – إذا جاز القول – البرهنة على ما ذكرته في مُقدِّمة خُطبتي هذه، فهذا اجتهاد مني وهذه القاعدة أنا ألَّفتها هكذا أو أنا الذي أحببت أن أُدلي بها، فالله – تبارك وتعالى – لديه كل شيئ موزون، وهذا محصول وفائدة الأمر الإلهي بأن نتفكَّر وأن نتلوا كتابه وأن نتفكَّر في كتابه وفي خلقه، وإلا ما الفائدة من أن الله يُخبِرنا عن حقيقة مُعيَّنة كأن يقول – مثلاً – نحن خلقنا النباتات وهى موزونة في حين أننا لا نستطيع أن نُثبِت موزونيتها هذه؟ ما الفائدة؟ سوف يأتيك مُلحِد ويقول لك هذا كلام وهذه توهيمات من محمد يفتئت بها على الإله المفروض والذي هو غير موجود، فأين أنه موزون؟ لا يُوجَد شيئ موزون وهذه كلها أمور عشوائية، ولكن حين يُبرّهَن هذا بصيغة علمية وبدستور رياضي فهنا يصح أن هذا الكلام من لدن الله – لا إله إلا هو – طبعاً، قال عز من قائل قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۩، الله أكبر، فهذه الآية تهزني وتهز كل مُؤمِن ومُؤمِنة، الله يقول هل تتساءل عن مَن أنزل هذا القرآن؟ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۩، وعلى الركب العلمي وعلى مشوار البحث العلمي إلى أن يطوي الله بساط هذه الدنيا أن يظل مُتابِعاً تقدمه وكشفه وفهمه لكي يكشف عن مجالي هذا السر الإلهي الذي كشف عنه من قبل القرآن بطريقته الخاصة، فحين يقول لك وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ۩ فإنه يقول إذن هناك دستور رياضي اذهب وابحث عنه، فهذا موجود وهنا تكفي هذه الدفعة العظيمة من القرآن الكريم للعقل العلمي وللعقل الباحث المُستشرِف المُتعشِّق والمُتشوِّف للحقائق، فهذه تكفي وإلا ماذا تُريد أكثر من هذا؟ هذا هو إذن، ولذا أمكن برهنة هذه الحقيقة.
ما من ظاهرة يُشير إليها القرآن الكريم إلا ويُمكِن التحقق منهاحتى إن كانت ناظرة بوجه من وجوهها إلى عالم الغيب، وخُطبة التزامنية – كما قلت – أثبتت هذا، فخُطبة التزامنية برّهَنت هذا بشكل عجيب وغير مسبوق بفضل الله تبارك وتعالى، فلأول مرة في علم العقائد يُمكِن أن نأتي ببرهان جديد على هذا النحو، وحتى هذا الشيئ المُتعلِّق بعالم الأمر يُمكِن رؤية برهانه في عالم الخلق والشهادة، فكيف إذا كان الأمر أصلاً ومن حيث هو مُتعلِّقاً بعالم الشهادة؟ هذا يُمكِن بسهولة بالعمل العلمي وبالجهد العلمي المُتواصِل الدؤوب.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المُستغفِرين!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المياميبن وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

إخواني وأخواتي:

ترون وترين لو أن هؤلاء العباقرة وهؤلاء الأفذاذ الأذكياء النابهين لم يكونوا مُزوَّدين بحاسة جمالية ولم يكن فيهم الحس الجمالي النقدي نامياً يقظاً هل كان من المُمكِن أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه؟ لا يُمكِن أبداً، لكن لماذا؟ لن يستثيرهم شيئ مُنذ البداية ، وهذا جواب لماذا لم يفعلها فلان وفلان؟ لماذا لم يفعلها أنا وأنت؟ لأننا لم نُستثَر تلكم الاستثارة التي شدَّت أعصاب الفكر وقدحت زناد البحث لدينا بحيث نبدأ نبحث مُتسائلين فنقول كيف هذا؟ وما السر؟ هناك جمال مخفٍ، هناك جمال مشمول وجمال مُضمَّن مُستكِن خبيء لكننا لا نشعر، فنحن لا نشعر أين هذا الجمال، ومن هنا أختم الخُطبة بالتأكيد على ضرورة أن نحذق فنون وآليات ووسائل ومناهج التربية الجمالية التي نحن مُقصِّرون فيها جداً، وقد قلت مرة عبارة تُفيد بوجود سبب كبير من أسباب انتشار الإرهاب والعنف الآن في الوسط الإسلامي – هو موجود طبعاً لكن ليس بذلك الحجم الذي يُصورِّه أعداء الإسلام في الشرق والغرب، ولكنه موجود طبعاً وبشكل مُثير ومُقلِق ومُحزِن، ففي بلاد العرب والإسلام الآن يُوجَد وليس في بلاد العرب العرب فقط، وإنما في بلاد الإسلام وفي العالم وحول العالم – وهو سبب أساسي ورئيس ومن الصعب أن شيخاً تقليدياً يفقهه، لماذا؟ لنقص التربية الجمالية لدينا ولدى هذا الشيخ، فلن يُشير إليه ولن يخطر على باله، ولذا هو يُساهِم في إنتاج هذا العنف بطريقة غير مُباشِرة، وأنا أقول هذا وأجري على الله لأنهم يقولون هذه من مُبالَغات عدنان لأنه مُبالِغ دائماً لكن هذه طريقتي في التفكير سواء كنت مُبالِغاً أو غير مُبالِغ فأنا حُر، لكن ما هذه الطريقة؟ أنت حين تأتي وتُحرِّم علىّ الرسم – كأن تقول حرام تصوير الأحياء – ولا تجتهد في المسألة وفقط تكتفي بما قاله الأقدمون وكأن هؤلاء القُدامى هم أنبياء معصومون فأنت تُطرِّق طريقاً للعنف، هناك طريقة مُعيَّنة في فهم النصوص هكذا جامدة، تُحرِّم كل أنواع الموسيقى يا أخي، فحتى ضرب حديد على حديد يقولون أنه حرام، كله حرام لديهم، كل أنواع الموسيقى وكل أنواع الرسم وكل أنواع التمثيل والنحت الخاص بالـ Figures وما إلى ذلك كله مُحرَّم، فيقولون هذا مُحرَّم وهذا مُحرَّم وهذا مُحرَّم، وطبعاً حتى التمثيل العادي التلفازي والمسرحي مُحرَّم، فأكثره مُحرَّم عندهم، مادام فيه نساء فإذن هو مُحرَّم من غير شروط وانتهى كل شيئ، وإلى آخره طبعاً، فبعضهم يُحرِّم بغير شروط، وبالتالي أنت يا حبيبي ويا مولاي ويا عالمنا الفاضل تُنتِج العنف، أنت تُساعِد على إنتاج العنف لأنك تُنتِج شخصيات لا إنسانية مُشوَّهة وغير طبيعية، فإنسان لا يلذه الجمال ولا يُحرِّكه ولا يستجيشه هو إنسان منقوص، ليس آدمياً كاملاً بل هو إنسان خطير، وأنا نقلت لكم مرة عن وليام شكسبير William Shakespeare   في إحدى مسرحياته على لسان أحد أبطاله أنه يقول له أحذر فلاناً إنه شخصٌ خطير جداً Very dangerous، فقال له كيف؟ قال لأنه لا يتذوَّق الجمال، فإذن هذا الشخص خطير، من المُمكِن أن يقتل هذا ومن المُمكِن أن يزني بابنته، ولن أتحدَّث لكم عن هذا لأن هذه الأشياء مُقزِّزة، لكن من المُمكِن أن يأتي الحرام وهو شيخ ويُصلي الصلوات الخمس، وطبعاً هذه قلة قليلة جداً جداً – لا كثَّر الله منها – لكنها موجودة، لكن لماذا يفعل هذا؟ هو شخص فاقد للحاسة الجمالية، فليس عنده جمال وليس عنده أي تحسس للجمال، وهذا شيئ خطير، والنبي كان شيخ المُربِّين على الجمال وتذوق الجمال، لكن هذا يحتاج إلى خُطبة بحيالها بل إلى خُطب، فهو فعل هذا حتى في أشياء لا يلتفت إليها الناس، وروى الإمام أحمد في مُسنَده أن طلق ابن عليّ اليماني – مُعظمنا لم يسمع به لأنه صحابي مغمور جداً جداً جداً – كان أحد المُشارِكين في بناء المسجد النبوي في صدر الفترة السعيدة المدنية، فكان يُشارِك في هذه الأمور، ولاحظ النبي أن الصحابة أرادوه على أن يتعاطى عملاً آخر غير عمله، لكن ما هو عمله؟ هو كان يعجن الطين، يضع الطين ويضع عليه الماء ويُحرِّكه بيديه، والنبي كان يُلاحِظ فقال قرِّبوا اليماني من الطين – أي لا تطلبوا منه أن يشتغل في شيئ آخر غير هذا – فإنه أحسنكم له مساً وأحسنكم له سبكاً، يُريد أن يقول أنه مُتقِن لعملية وأن هذا الرجل يشتغل بجمالية كما لاحظ.

إحد إخواني – جاءه نمساوي – ليس عربياً الحمد لله وأنا عربي، أنا من غزية – لكي يعمل له بعض الأمور في بيته، كأن يُرمِّمه ويدهنه ويطليه، فقال لي يُوجَد شيئ عجيب وهو أن الرجل يعمل بتفانٍ غير معقول، فقد عمل عملاً يستحق عليه أضعاف ما أعطيته من أجر إلا أنه سعيد بأجره، ثم قال مُستتلياً أنه كان يعمل ثم يأتي ويقف هكذا وينظر إلى الباب من عدة زوايا ويرى مدى اعتداله ومدى لمعان طلائه ثم يعود ويُكمِل، وأنا أراه مُكتمِلاً لكن هو لا يراه كذلك، فقلت له هو يعمل بجمالية، هو لا يعمل لكي يُشبِّع بطنه من المال لكنه يعمل عمله بجمالية، فهذا عمل يدوي عادي لكنه يعمله بجمالية فأنتج عملاً جميلاً، ورحمة الله على شيخنا الجميل صاحب الشكل الجميل والأسلوب الجميل والتعبير الجميل والأفكار الجميلة الشيخ محمد الغزالي الذي قلَّ مثيله في القرن العشرين وفي هذا القرن، لكن لا يفهم الذين يُنتِجون البشاعات والعنف الغزالي، فهم لا يفهمونه ويقولون لك مَن الغزالي؟ هل الغزالي يُعتبَر علّامة عندك؟ الغزالي أكبر مما تتخيَّل يا مسكين، يا منقوص، فأنت منقوص ولا تفهم شيئاً ولن تفهم والله العظيم، وعلى كل حال كان يقول أنا أتساءل لماذا تخرج الصنعة – أي المنتوج – من تحت يد الغربي أكثر اكتمالاً وأجمل جمالاً من الصنعة التي تُخرِجها يد مسلم؟ لماذا؟ هل دين محمد على هذا النحو؟ من المفروض أن نكون الأجمل والأتقن والأحسن في كل شيئ، حتى القرآن حين تقرأه يجب أن يكون بشكل جمالي، والنبي علَّمنا وقال زيِّنه بصوتك، فالقرآن هو زينة الزينة وجمال الجمال وكلام رب العالمين ومع ذلك قال لك زيِّنه بصوتك، فالنبي قال زيِّنوا القرآن بأصواتكم وقال مَن لم يتغن بالقرآن فليس منا، ما أذِنَ الله – أي ما استمع – لشيئ أذَنه – أذَنه وليس إذنه، فأذَنه المصدر، أي الأذَن – لنبيٍ حسن الصوت يتغنى أو يترنَّم بالقرآن، فالله نفسه – لا إله إلا هو – يسمع هذا ويُحِبه، والملائكة حين تتلو القرآن وتتنغَّم فيه وتُغني بلحون العرب طبعاً وبأحكام التلاوة دون أن تتجاوز فإنها تتنزَّل لسماع تلاوتك ويُصبِح الجو ملائكياً لأنها تُحِب هذا، ولذلك أخوانا المُؤذِّن هشام – بارك الله فيه – يُسعِدني حين يأتي ليُؤذِّن، فهو عنده صوت جميل وعنده طريقة في الأداء، وأحياناً أستغرب من جرأة بعضهم مع حبي واحترامي لهم عندما يُؤذِّنون، فأقول لماذا يُؤذِّنون وهو موجود؟ المفروض أن الإنسان لا يفعل، يجب أن يقول له هذا مُستحيل فلن أُؤذِّن وأخي هذا موجود، صوته أجمل مني بكثير، فيستحيل أن أُؤذِّن في وجوده، أمتع المُصلين وأمتعني أنا أيضاً – أنا المُؤذِّن – حتى وإن كنت حريصاً على الأجر، وكذلك الإمام لو يعلم أن هناك مَن هو اقرأ منه وأجمل صوتاً عليه أن يتأخَّر وأن يقول له تفضل أنت يا أخي، سوف نكسب أجراً أكثر وسوف نخشع مع مع كلام الله يتجلى علينا الله بكلامه حينها.

هذا هو الحس الجمالي إذن، فعلينا أن نُدمِن فعلاً تحسس الجمال وأن نُربِّي أنفسنا – أسماعنا وأبصارنا وضمائرنا – وأولادنا على ذلك كلما وجدنا إلى ذلكم سبيلاً وأن يُصبِح هذا منهجاً مُقرَّراً في التربية الجمالية.

اللهم جمِّلنا بالستر والعافية وأكرمنا بالتقوى وزيِّنا بالعلم وأفض علينا من الحلم يا رب العالمين، واهدنا واهد بنا وأصلِحنا وأصلِح بنا، اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، واهدنا بهدايتك العامة والخاصة وأصلِحنا بما أصلَحت به عبادك الصالحين لك يا رب العالمين، اجعلنا نخشاك حتى كأنا نراك وأسعدنا بتقواك ولا تُشقِنا بمعصيتك.

اللهم انصر الإسلام وأعِز المسلمين وأعلِ بفضلك كلمتي الحق والدين، اللهم انصر مَن نصر المُوحِّدين واخذل من خذل المسلمين، اللهم مَن عذَّب المسلمين والمسلمات فعاجله بقارعة، اللهم أنزل عليه بأسك الشديد الذي لا يُرَد عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ۩.

اللهم أبرِم لهذه الأمة المرحومة المُصطفوية أمر رشداً تُعِزّ فيه أولياءك وتُذِل فيه أنوف أعدائك، يُعمَل فيه بطاعتك وبكتابك وسُنة نبيك ويُتآمر فيه بالمعروف ويُتناهى فيه عن المُنكَر وتأمن فيه سُبل المُؤمِنين والمُؤمِنات.

إلهنا ومولانا رب العالمين اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنَّا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا وما جنينا على أنفسنا وللمسلمين والمسلمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، وتابع بيننا وبينهم بالخيرات إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وسلوه من أفضاله يُعطكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (2/9/2011)

 

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: