الميزان

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى من قائلٍ – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ۩ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۩ اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ۩ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ۩ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ۩ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ۩ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۩ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

وصلاً لخُطبة الجُمعة الماضية يثور سؤال وقد ثار من قديم وهو سؤال له خطره، له قدره وأهميته، النفس مُلهَمة بالفجور كما التقوى، قال الله وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۩ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۩، ومن هنا فهذه النفس الإنسانية إخواني وأخواتي تُسوِّل بالشر وتُوسوِس به كما الشياطين، الشيطان يُوسوِس، الشيطان هو الوسواس الخنّاس أيها الإخوة الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ۩، هذا جوهر عمل الشياطين، لكن النفس أيضاً تُوسوِس، قال – تبارك وتعالى – وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ۩، إذن النفس تُوسوِس.

النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام – في حديثه الصحيح المُخرَّج في الصحيحين قال – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – إن الله – تبارك وتعالى – تجاوز عن أمتي أو لأمتي عما وسوست أو حدَّثت – قد يكون الشك من الراوي أو من أحد الرواة، لكن هذا اللفظ مرويٌ في الصحيحين – به لأنفسها ما لم تكلَّم – أي تتكلَّم – أو تعمل به، ومن هنا كان مولانا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – يستعيذ بالله العلي العظيم في الأصابح والأماسي – إذا أصبح وإذا أمسى – من شر النفس: من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه، هكذا كان يستعيذ بالله، هذه القواعد ربما تبدو للمُسلِم قواعد بدهية وعادية لكنها عظيمة الأهمية أيها الإخوة، هذه القواعد أول ما يلفتك إلى أن نفسك ليست على وئام كامل معك، نفسك لا تمهد دائماً سُبل الخير لنفسها، نفسك هذه قد تُضِلك، قد تُغويك، قد تُورِدك المهالك فاحذرها، احذر النفس الأمّارة بالسوء، في القرآن الكريم إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ ۩، وفيه أيضاً الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۩، الشيطان يأمر بالفحشاء والنفس تأمر أيضاً بالسوء، والمقصود بالسوء هنا بالذات الفحشاء في قضية يوسف – عليه السلام – وزليخة، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ۩، السوء هنا أُريد به بالذات في هذا الموضع ماذا؟ الفحشاء، قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ ۩، الفحشاء! حتى نزَّهوه عن ذكر الكلمة، قالوا السوء، كلمة عامة يُراد بها خصوصها، خصوص المعنى هنا الفحشاء، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ ۩، ولذلك نتعوَّذ، نستغيث، ونستعين بالله – تبارك وتعالى – من شرور أنفسنا في خُطبة الحاجة، وأنا دائماً أخطب بخُطبة الحاجة كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحمد لله نحمده……. هذه خُطبة الحاجة المُخرَّجة في الصحاح، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، شيئ عجيب!

أنا مُتأكِّد أقل مَن يُمكِن أن ينتفع بهذا المُسلِمون لأنهم ابتذلوا القول والسماع، ابتذلوا قول هذه الأشياء، يقولونها دراجاً درجاً، حفظاً على ظهر القلب، لا يُفكِّرون فيها، نقول ونعوذ بالله من شرور أنفسنا….. عادي! لا نفهم شيئاً، والذي يسمع كذلك، لكن لو جاء أتى رجل غير مُسلِم وعنده عقل مُحترَم – عقل أو ذهن مُتماسِك – سوف يقول ماذا؟ ماذا قال إمامكم؟ ماذا قال خطيبكم الساعة؟ نعوذ بالله من شرور أنفسنا؟ هل النفس شيطان؟ قل له من جهة هي أخت الشيطان، هي عونٌ علينا، النفس عونٌ على نفوسنا، لذلك نستعيذ بالله منها.

على كل حال هذه أيضاً مُقرَّرات ومُمهَّدات معروفة للكافة، السؤال: إذا كانت النفس تأمر بالفحشاء كما الشيطان وإذا كانت النفس تُوسوِس بالسوء كما الشياطين كيف نُفرِّق وكيف نُميِّز بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس؟ سؤالٌ عن الخط الفاصل، ما هو الخط الفاصل الذي يفصل بين شغل الشيطان وشغل النفس، بين وسوسة إبليس ووسوسة النفس؟ سؤال كبير، وبلا شك هو سؤال صعب، لذلك تفاوتت اجتهادات واستبصارات العلماء والسادة العارفين – عرَّفنا الله به ودلَّنا عليه دلالة العارفين الصادقين المُخلِصين – في الجواب عن هذا السؤال، ربما تقرأون في كل كُتب التربية الروحية أو العرفان أو التصوف كلمة التابعي الجليل ولي الله الصالح أبي حازم سلمة بن دينار المديني أو المدني، أدرك أحد الصحابة وسمع منه، إذن فهو تابعي، طبعاً من صغار التابعين جداً، وُلِدَ في أيام خلافة ابن الزُبير، أبو حازم سلمة بن دينار قال – وضع لنا ضابطة ويبدو أنها لا تضبط أشياء كثيرة وعليها تنقيدات كثيرة كما ستعلمون للتو – ما كرهته نفسك لنفسك فهو من الشيطان فاستعذ بالله منه، وما أحبته نفسك لنفسك فهو من نفسك – من وسوسة النفس – فانهها عنه، لا نُحِب أن نُطوِّل هنا، هذه الضابطة في نظري غير دقيقة وإن أوردها عدد كبير من الأئمة، لكنها تلحظ أمراً أساسياً، هذه الضابطة ناظرةٌ إلى أمر أساسي وهو أن النفس من حيث هي لها مُشتهيات ورغائب ومحاب، فكل الشهوات الغرزية والفطرية هي مُشتهيات ومحاب ورغائب للنفوس البشرية، صحيح! لكن السؤال: هل هذه الأبواب – أبواب الشهوات: المآكل والمشارب والمناكح والملابس أيضاً والسُلطة والتملك والتصدر والتميز والتفرد وما إلى ذلكم – أليست سُبلاً أيضاً يدخل منها الشيطان؟ طبعاً أكيد، إذن الأمر اختلط علينا، من الصعب التمييز، وما كرهته نفسك لنفسك فهو من الشيطان فاستعذ بالله منه على أساس – هذه الضابطة ناظرة على أساس – أن الوعد بالفقر، بالموت، بالإعدام، بالتهجير، بالتخويف، وأمثال هذه الأشياء يأتي من الشيطان أصالةً، ليس لدينا ضمانة أنها أيضاً لا تكون من وسوسة النفس، وهناك أدلة على هذا، لذلك هذه الضابطة ليست دقيقة، هناك ضابطة أُخرى أوردها حُجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزّالي قدَّس الله سره وأعلى مقامه في دار التهاني، هذا ابن بجدتها وفارس حلبتها، جُهينة الباب وعند جُهينة الخبر اليقين، أتى بضابطة أجود من هذه والله تعالى أعلم، قال إذا وقع في نفسك شيئ – تسويل وتجرئة على معصية – فلم تستجب فوقعت التسويل بأُخرى فلم تستجب وبثالثة وبرابعة فاعلم أنه من الشيطان، أما إذ وقع التسويل والوسوسة بشيئ ما فلم تستجب فأُلِّحَ عليك فلم تستجب فأُلِحَ عليك فهو من النفس، هذا دقيق، هذا أدق! لماذا؟ انظر إلى الإمام أبي حامد الغزّالي، كما قلنا فارس الحلبة هذا، فارس الحلبة رضوان الله تعالى عليه، ومن مثله تُؤخَذ مثل هذه المعارف، هذا الرجل لم يكن علمه كعلم مُعظَم العالمين علم كتاب وعلم محفوظ، كان علم تجربة وخبرة، هذا الرجل انقطع لله أيها الإخوة، ترك أهله وأولاده وبناته وترك منصبه العلمي الرفيع، أرفع منصب علمي كان يحتله أبو حامد الغزّالي رضوان الله تعالى عليه، ترك هذا كله لله بحثاً عن الحق خمس سنوات، هذا الرجل علمه غير رضوان الله تعالى عليه وقدَّس الله سره الكريم.

قال أبو حامد الغزّالي في منهاج العابدين لأن مثل الشيطان كمثل الذئب، النبي قال هذا، النبي قال الشيطان ذئب الإنسان، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، إنما يأكل الذئب من الغنم المُنفرِدة الشاذة البعيدة عن الجماعة وعن القطيع، النبي قال الشيطان ذئب الإنسان، أبو حامد قال مثل الشيطان كمثل الذئب، إن طردته من ناحية أتاك من ناحية ثانية، يُريد أن يسطو بماشيتك، تطرده من هنا يأتي من هنا، تطرده من هنا يأتيك من هنا، كذلك الشيطان! الشيطان في النهاية لا يعنيه أي الذنوب تحتقب، أي المآثم تقترف، أي الفواحش ترتكب، يعنيه أن ترتكب، أن ترتكب الذنب والفاحشة بأي طريقة، يعنيه أن تهلك، أما النفس هذا لا يعنيها، النفس يعنيها شهوتها، تُريد شهوة ما في أي باب من الأبواب، والنفس حرون، والنفس رعناء، والنفس حمقاء، مثل الطفل الصغير! تظل واقفة لا تريم تبكي وتصيح تُريد شهوتها، لذلك تُلِح عليك، ولذلك قال أبو حامد أيضاً في مواضع كثيرة من كُتبه إن خطر لك خاطر – خاطر سوء – فاستعذت بالله واستعنت بالذكر فاضمحل أو انقطع فهو من الشيطان، قال الله وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ ۩، لم يقل من النفس، وفي القرآن الكريم مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ ۩، قال الله وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ ۩، وقال أيضاً وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ ۩، إن نزغك الشيطان فاستعذت بالله وذكرت الله فاضمحل وزوى وربما انقطع عنك بالكُلية فهو من الشيطان، فإن استعذت بالله وذكرت الله فلم يضعف ولم يضمحل ولم ينقطع فهو من النفس، ما الحل؟ تحتاج إلى تربية، بالصرماية أيضاً أقول بالعامية، تحتاج إلى تربية رُغماً عنها، كيف ننتقل من سطوة وسُلطة النفس الأمّارة بالسوء إلى يفاع ومصاف ورُتبة النفس المُطمئنة بالخير؟ اللهم اجعلنا من أصحاب النفوس المُطمئنة، النفس المُطمئنة لا تطمئن إلا بالخير، سُبحان الله العظيم! لا تطمئن بالشر، لا تطمئن بالشُبهة.

حين جاء وابصة بن معبد – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – الصاحب الجليل إلى رسول الله ذات صباح، ذات ضحوة، ذات غداة يسأله عن البر والإثم ماذا قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً؟ قال له الإثم ما حاك في النفس وتردَّد في الصدر، النفس لا تطمئن إليه، الإثم ما حاك في النفس وتردَّد في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس، هذا يكون إثماً، لذلك ورد عن ابن مسعود ورُويَ مرفوعاً كما قيل وموقوفاً – ويبدو أن الموقوف أصح – الآتي، عن ابن مسعود – رضيَ الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين – قال الإثم حزّاز القلوب، وفي رواية حوّاز القلوب، الإثم حزّار، يحز في النفس، كما نقول ينخز، يُقال نخزه ضميره، ينخز ويحز، لا تطمئن النفس، انتبهوا! لكن هذه النفس التي فيها خير والنفس الأقرب إلى الطمأنينة، هناك نفوس – والعياذ بالله – أمّارة بالسوء، هذه مُطمئنة بالشر، يأتيها الإثم ترتاح تماماً، تسمع الإثم ترتاح، تسمع الخير والذكر والهدي المُستقيم تحرج، قال الله فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ۩، تحرج! يتحرَّج عليها الأمر، يقول لك أحدهم سُبحان الله ما أحببت هذا، يا أخي هذا قرآن! أنت تسمع قرآن يا مسكين، قال لك ضاق صدري، طبعاً النفس أمّارة بالسوء، ابدأ مشوار التربية، ابدأ مشوار التوبة، ابدأ مشوار الدوس – كما قلت – بالحذاء الغليظ القديم على هذه النفس، وإلا – والله – لتُهلِكنك يا مسكين، وتجعل من نفسك ماذا أنت؟ تجعل من نفسك معياراً، يقول لك قلبي لم يرتح، كيف لم يرتح؟ نفسي لم ترتح! لماذا؟ لم ترتح للذكر؟ لم ترتح لحُكم الله؟ لم ترتح لشرع الله؟ مسكين أنت! أنت ألعوبة بيد إبليس إذن، أنت ألعوبة بيد الشياطين، استعذ بالله وعُد، ابدأ مشوار التربية.

إخواني وأخواتي:

الذي أراه – والله تبارك وتعالى أعلم – أن هذه المسألة ليست مُهِمة جداً، ما رأيكم؟ المسألة ليست مُهِمة، ليست خطيرة إذن، لماذا؟ ليس مُهِماً أن يكون خاطر السوء، خاطر الفحشاء، خاطر المعصية، وخاطر الشر مأتاه النفس أو إبليس، هذا لا يهمني، يهمني ماذا؟ ألا أستجيب له، هل فهمتم؟ هذا هو، هذا الذي يهمنا، لذلك لا تُضيِّعوا أوقاتكم ولا تدخلوا في جدل طويل مع أنفسكم ومع أبالستكم حول هذه المسألة، من أجود الكلام الذي قرأته في هذا الباب كلام للحارث المُحاسَبي رضوان الله تعالى عليه، أحد المُتقدِّمين من سالكي طريق العارفين، ومن حُسن حظنا أن مجموعة طائلة من كُتبه وقعت إلينا، سقطت إلينا بفضل الله تبارك وتعالى، وصلتنا وطُبِعَت مُحقَّقة، هذا الرجل أحد فلاسفة السير إلى الله تبارك وتعالى، ضرب مثلاً حسناً جداً، حسناً إلى الغاية! قال مثل العبد الذي ينبعث في طاعة مع الشيطان واحدٌ من أربعة، أي كمثل واحد من أربعة، كيف؟ رجل انبعث في خير، يُريد ويقصد المسجد لكي يستمع إلى خُطبة، إلى درس، إلى هُدى، مجالس الذكر! إذا مررتم برياض الجنة – النبي يقول – فارتعوا، ارتع فيها! يا رسول وما رياض الجنة؟ قال حلق الذكر، والذكر في اللُغة الشرعية في مثل هذا الحديث بالذات لا يعني فقط الذكر المعروف لنا مثل سُبحان الله والحمد لله، هذا من الذكر بلا شك، يُراد به في رأي جمهرة العلماء والمُحقِّقين مسائل العلم، تتعلَّم دينك، هم شيئ تتعلَّم العقيدة الصحيحة السليمة القويمة، وتتعلَّم فقه النفوس، هذا الذي نحن فيه في هذه الخُطبة والسابقة، فقه النفوس! هذا من الفقه العظيم، من الفقه العميق، من الفقه الدقيق، قال – تبارك وتعالى – وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ ۩، نتعلَّم ما هو باطن الإثم، كيف نُربي النفس؟ كيف نسد الثغرات والفجوات في وجه الأبالسة؟ قال الله شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۩، هذا من الفقه العميق والفقه الدقيق والفقه المُهِم الخطير، هذه مجالس الذكر، أن تتعلَّم هذه الأشياء، تتعلَّم شيئاً ربما كان في نجاتك بإذن الله تبارك وتعالى، ربما تسمع كلمة تُغيِّر حياتك، وكأين من عبد صالح كانت نجاته بكلمة سمعها مرةً من أحدهم! كلمة غيَّرت حياته، ولذلك مجالس الذكر هذه رياض الجنة وأجرها عظيم جداً، الشيطان يكره هذا جداً، ماذا يفعل الآن؟ يعترضك، فيعترض الأول مُباشَرةً ونحن لدينا أربعة الآن، يقول ما هذا؟ ماذا تُريد بهذه المجالس؟ هيا إلى مجلس القصف واللهو، هيا إلى المقهى، اشرب القهوة، اشرب سيجارة يا أخي مع زملائك، أفضل لك، احضر فيلماً Movie، يا أخي مجلس ذكر هذا! فطبعاً – انتبهوا – الأمثلة الأربعة لأُناس مُستقيمين صالحين، لا نتحدَّث عن الفاسقين والضالين من أعوان إبليس أحياناً ولُعب إبليس، كرة بيد إبليس! نتحدَّث عن أُناس صادقين صالحين – اللهم اجعلنا منهم – على أربع مراتب، الحارث المُحاسَبي – الحارث بن أسد – رتَّبهم أربع مراتب، أنزلهم منازل أربع، هذه أول منزلة، فهذا العبد يأبى عليه ويدخل في مُجادَلة معه، سوف تقول لي أين؟ هل رأى إبليس؟ في النفس طبعاً، المعركة كلها في ساحة النفس، في ساحة النفس الشيطان يقول له وهو يقول له، وبعد ذلك يقف ويبدأ يُجادِل ويُريد أن يُثبِت لهذا الذي يُوسوِس له أنه الصحيح وهنا المزايا وهنا المثالب وهذا أفضل وهذا أحسن عند الله وما إلى ذلك، فربما تأخَّر وضاع عليه شيئٌ طائل من مجلس العلم، يفرح إبليس بهذا كثيراً، حصَّل شيئاً، أخَّرك! أرأيت؟ طبعاً ربما إبليس يَؤز عليك أحد شياطين الإنس، والله يحدث هذا كثيراً، وسوف يقول الواحد منكم هذا يحدث معي دائماً، كثيراً! تقول ما هو إلا أن أُفكِّر في عمل خير حتى يأتيني أحد الفسقة، وسُبحان الله يُضيِّع علىّ ساعة أو ساعتين، ويفتح لي مواضيع أُخرى، يا رجل أنا كنت بسبيلي إلى أن أقصد – مثلاً – مريضاً أزوره في حي بعيد، أخَّرني ساعتين وضاع اليوم، إذن سأذهب غداً إن شاء الله، وهذا الشيطان الإنسي ربما يعترضك مرات كثيرة حين تنبعث في الخير، هو لا يعلم المسكين، هو لا يعلم! لا يتقصَّد هذا، لكن يَؤزه الشيطان أزاً، يستفزه وينخزه، قم واذهب إليه، تكلَّم معه وافتح له باباً مثل قضية أو نقاش سياسي أو نقاش اجتماعي، أي شيئ! لا تجعله يقوم بهذا الشيئ، من غير أن يعرف المسكين لأنه ضعيف، ليس عنده حصانة، هذه احالة الأولى.

في الحالة الثانية لا يدخل معه في مُجادَلة طويلة، وهذا مثل! انتبه فنحن نتكلَّم عن ضرب مثل، هذا تمثيل فقط ثم افهم أنت، حوِّل هذا المحسوس باالمثل إلى معقول تمثلاً، الآخر يقف فقط ريثما يدفع في صدره ونحره، إليك عني لعنة الله تعالى عليك يقول لإبليس، لا، أنا سأذهب إلى مجلس العلم، فيرضى منه بهذه الوقفة، وقف قليلاً وتأخَّر، الثالث لا يقف، ربما تأنى قليلاً، ويبخل على الشيطان أن يُضيِّع من وقته ما يدفع فيه في صدره، أي ما يدفع في هذا الوقت في صدر الشيطان، لكن ربما تأنى قليلاً، يقول لك شيئ أحسن من لا شيئ، الرابع هو الأكثر توفيقاً، اللهم اجعلنا على مثال هذا الرابع، الأكثر توفيقاً! لا يتأنى ولا يقف ولا يدخل في صراع ولا يدفع في الصدور والنحور، بل ربما تعجَّل لكي يكون من المُبكِّرين إلى الهُدى والخير، ويُكتَب من السبّاقين، أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ۩ يقول تبارك وتعالى، فيغتاظ! يقول الحارث بن أسد المُحاسَبي فلو قد عادوا وعاد لكف عن هذا الرابع، خشية أن يغيظه بعجلته في الخير، سوف يُعجِّل لذلك سأتركه، فليذهب بسرعته العادية.

ما المقصود بهذا الكلام العميق الذي استحسنه قبلي الإمام الغزّالي قدَّس الله سره؟ هذا كلام مُهِم جداً جحداً وهو وصفة روحية علاجية لمَن يُصابون بالوساوس الشيطانية، طبعاً هناك شيئ يُسمونه الجنون من الدين، يكون نوعاً من الجنون! وفعلاً بعض الناس يُغلَب على عقله ويُجَن بعد أن يلتزم دينياً، من النساء ومن الرجال، لماذا؟ الباب الأكبر للجنون الديني المُبالَغة والتنطع والإيغال والغلو والتطرف في ماذا؟ في مُراقَبة النفس والخواطر: هذا خاطر إبليس وهذا الذنب من الكبائر ولابد من كذا وكذا وماذا أردت بهذا؟ ويقضي ساعات المسكين حتى يُجَن! يُغلَب على عقله، لذلك الإمام الغزّالي ومن قبله بقرون الحارث بن أسد المُحاسَبي قال ماذا؟ إياك! لا تُعط الشيطان فرصة حتى أن تبصق عليه، أسرع إلى الخير، هكذا تقطع دابره بالإسراع الدائم إلى الخير، إن نزغك مرة – ولابد أن ينزغ – تستعيذ بالله منه ثم تعود إلى ما كنت فيه من خير، لا تُطِل الوقوف! هذا يعني أن الجدل البيزنطي مع الشيطان غير مُستحَب، لا تُحاوِل أن تدخل في جدل بيزنطي معه: أنت وأنا ولماذا؟ افهمه – كما قلنا في الخُطبة السابقة – فقط، وطبعاً هذه الخُطبة وصل وصلة بالخُطبة السابقة، هذه طريقة في الفهم أيها الإخوة وفي المعرفة وفي التعاطي مع العدو الأكبر، هذا هو فقط، الإسراع أيها الإخوة! الإسراع في الخيرات بإذن الله تبارك وتعالى.

على كل حال من بعد هذا الجُزء من الخُطبة أُحِب أيها الإخوة أن أُدلِف إلى تفسير الآية التي تلوتها ضمن آيات الشورى صدر الخُطبة، لماذا؟ لأن هذه الآية – ولها نظائر في كتاب الله تبارك وتعالى – تُعطينا الشفاء في هذا الباب، للنفس مُشتهيات ورغائب ولها تسويلات وتطويعات ووسوسات، وكذلك للشيطان وسوسات وتزيينات وزخرفات، كما قلنا ليس مُهِماً أن نُميِّز المأتى، هل الشيطان هو مأتى هذه الوسوسة أم النفس مأتاها؟ ليس المُهِم! هل تعرفون ما هو الأهم؟ سمعتموه: أن نكف، لكن هذا ليس كافياً، لابد أن تكف والكف ليس كل الطريق، الكف نصف الطريق، هناك عملٌ وهناك كفٌ، والشيطان لا يتركك لا في العمل ولا في الكف، ما رأيك؟ إذا قمت تُصلي هل يتركك الشيطان؟ مُستحيل، يُوجَد شيطان مُتخصِّص في الصلاة، ما رأيك؟ هذا أخذ دكتوراة في الصلاة، كيف يُلهي الناس في الصلاة؟ وكلنا ذلكم الرجل: نتمني أن نركع واحدة والله ركعة واحدة وليس ركعتين – نخشع فيها خشوعاً ونغيب عن العالمين لنكون مع رب العالمين، لم نُفلِح في هذا، خمسون سنة ولا نُفلِح! لأنه مُتخصِّص في هذا، وبالمُناسَبة والله قبل الصلاة يُمكِن أن تجلس تتحدَّث في التليفون Telephone أو في المحمول لأربعين دقيقة في كلام دنيوي فارغ – هو وهي وهم ونحن ونحن وهؤلاء – وحين تقوم لكي تُصلي تقول أنا تأخَّرت وتُصليها في دقيقتين، يا رجل أضعت أربعين دقيقة في الكلام الفارغ واستكثرت – لا أقول على الله، حاشا لله، فالله غني عن عبادتك – على نفسك – استكثرت يا رجل على نفسك – عشر دقائق تُصلي فيها صلاة حسنة نوعاً ما؟ سأُصلي ركعتين في دقيقتين، يضيق صدرك، الشيطان! الشيطان لا يزال يلعب بك وأنت لا تدري.

شيطان الوضوء، يُوجَد شيطان للوضوء، الولهان اسمه، الولهان! خنزب شيطان الصلاة، اسمه خنزب، وشيطان الوضوء اسمه الولهان، هذ الذي يجعلك تتوضأ وضوءاً على غير السُنة، بعض الناس يُجَن، حين يذهب لكي يتوضأ يفتح صنبور الماء على آخره، يا رجل النبي ندبنا إلى أن نقتصد في الماء بالذات عند الوضوء، والعارفون دلونا: إذا اقتصدت في الماء يحصل لك بداية الخشوع، جرِّب هذا يا رجل، لكنه يفتح صنبور الماء على آخره كأنه يتغسَّل، هذا شيطان! وقد يُصاب بالوسوسة أيضاً، يغسل عشرين مرة ثم يقول لا، لم أُنقِها، لم أُنقِها جيداً، لعل وضوئي باطل، يلعب به! فالشيطان لا يتركك في الفعل فضلاً عن المناهي والكف، أن تكف عن المُحرَّمات، لا في هذه ولا في هذه، هو دائماً معك لعنة الله تعالى عليه، فاحتجنا إلى ماذا يا إخواني؟ إلى الميزان، هذه نعمة الدين – بفضل الله – ونعمة الوحي، احتجنا إلى الميزان مع الكتاب، هذا موضوع خُطبة اليوم الأصيل، اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ ۩، قال والميزِانِ أم والميزانَ؟ قال والميزانَ، فرق كبير! لو قال أنزل الكتاب بالحقِ والميزانِ سوف يكون المعنى أن الكتاب أُنزِل وحال كونه أُنزِل أُنزِل مُتلبِّساً بأمرين: بالحق والميزان، لكن الله لم يقل هذا، الله قال أنزلت الكتاب وأنزلت الميزان، أي أن الله أنزل أمرين، اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ – مُتلبِّساً، حال كونه مُتلبِّساً بالحق، مقروناً به، بعيداً من الباطل كل بُعدٍ – وَالْمِيزَانَ ۗ ۩، الله أنزل الميزان، لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ – مرة أُخرى – لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ ۩، تلك في الشورى وهذه في الحديد.

نأخذها من الأول، بعض العلماء قالوا الميزان ليس غير الكتاب، بل الميزان في الكتاب والميزان من جُملة الكتاب، إذا كان الميزان من جُملة الكتاب كيف عُطِفَ عليه؟ والأصل في العطف للمُغايرة، نقول جاء سعد وسعيد، سعد غير سعيد، أليس كذلك؟ قرأت هذا الكتاب وهذا، هذا غير هذا، أكلت هذا وهذا، هذا غير هذا، الله يقول أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ ۩، قال وَ ۩، هذا يعني أن هذا غير هذا، غير ضروري! انتبه فهذه خطورة أن تعرف في العلم شيئاً وتغيب عنك أشياء، حفظ عشر النحو فخرَّب الدنيا كلها، فهم واحداً في المائة من النحو ومن ثم سوف يُخرِّب العالم في تفسير القرآن الكريم، يفهم نحو الابتدائية والثانوية، ما هذا؟ لابد أن تقرأ النحو كله، لابد أن تحذق النحو كله، وبعد ذلك تتكلَّم في القرآن، ما هذ؟ تقول العطف للمُغايرة، إذن إذا كان العطف للمُغايرة دائماً فسِّر قوله تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ۩ الَّذِي خَلَقَ – لا تُوجَد مُشكِلة هنا، الله الأعلى أو الرب الأعلى هو الذي خلق – فَسَوَّى ۩ وَالَّذِي – واو – قَدَّرَ فَهَدَى ۩ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ۩ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ۩، هل هذا غير هذا وهذا غير هذا؟ تكفر! أليس كذلك؟ تكفر مُباشَرةً، ما أسعد النصارى بهذا! النصارى سوف يقولون أرأيتم؟ قلنا لكم التثليث صحيح، أليس كذلك؟ قلنا لكم التثليث صحيح، يُوجَد فرق كبير! فرد عليهم علماء وقالوا لا، بسم الله الرحمن الرحيم، الله لم يقل بسم الله والرحمن والرحيم، يأتيك نصراني حاذق فيقول لك جيد، لم يقل هناك لكنه قالها هنا، قال سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ۩ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ۩ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ۩ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ۩ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ۩، واو واو واو! هذا يعني أن هذا غير هذا، لا يا سيدي، في اللُغة العربية من أيام الجاهلية – هذا ليس من أجل القرآن الكريم وتفسيره، هذا من أيام الجاهلية – إذا كان الموصوف مُتصِفاً بأكثر من صفة تغايرت صفاته، يُنزَّل تغاير الصفات منزلة تغاير الذات، فيجوز عطف إحداها على الأُخرى، كما قال الأول:

إلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهمامِ                                 وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحمْ.

واحد هو! هو يُخاطِب واحداً وليس ثلاثة، انتبه ولا تقل هذا يُخاطِب ثلاثة أو يكتب إلى ثلاثة أو يُنادي على ثلاثة، غير صحيح، قال إلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهمامِ وَلَيْثِ، لم يقل إلَى المَلِكِ الْقَرْمِ ابْنِ الْهمامِ لَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحمْ، لم يقل هذا، قال واو واو واو، قال:

إلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهمامِ                                وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحمْ.

كيف تعطف والموصوف واحد؟ قال لك لأنه وصفه بصفات مُتغايرة، فنُزِّل تغاير الصفات منزلة تغاير الذات، لُغة عربية هذه من أيام الجاهلية يا سيدي، ليس فيها أي شيئ، فإذن يُمكِن أن يكون الميزان ضمن الكتاب، فيكون الله أنزل الكتاب مُتلبِّساً بالحق وفي الكتاب الميزان، لكن هناك طائفة أُخرى من العلماء أخذت الآية على ظاهرها ومنهم العلّامة ابن القيم رحمة الله تعالى عليه، أخذ أن التغاير موجود وواقع في الجُملة، هناك مُغايرة! هذا الكتاب وهذا الميزان، وفسَّر الميزان – رحمة الله تعالى عليه – بماذا؟ بالعدل والإنصاف الذي يُعرَف ليس بنص الكتاب لكن بدلالة الكتاب، أي ليس بمنطوق الكتاب وإنما بمفهوم الكتاب، يكون من الميزان! ولنضرب مثالين ثم نمضي.

المثال الأول التأفيف المنهي عنه في قوله – تبارك وتعالى – فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ۩، هذا من الكتاب، فلو قال أحدهم التأفيف منهيٌ عنه يُسأل: بماذا؟ يقول بماذا؟ بالكتاب، إذن مُحرَّمٌ بالكتاب، سائر وجوه الأذى وتنغيص الخاطر وكسر الخواطر من الأولاد للوالدين مُحرَّم أم غير مُحرَّم؟ مُحرَّم، سواء كان أقل من التأفف أو أزيد من التأفف كالضرب – مثلاً – والعياذ بالله، وقد وقع أحد الفسقة في هذا – والعياذ بالله – وكان من تلاميذ الشيخ عبد الحميد كشك، الشيخ عبد الحميد كشك – رحمة الله عليه – حكى قصته، أحد تلاميذ كشك كان يفتتح دروس الشيخ كشك بالقرآن الكريم، قال سُبحان الله في اليوم الذي جاءت أمه تشكوه إليّ هو افتتح درس ذلك المساء بالآيات الجليلة فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ۩، وقرأها وهو يُسبِّعها بالقراءات السبع، بالقراءات السبع ما شاء الله! وكانت أمه جاءت للشيخ كشك وقالت له يا شيخ فلان، قال لها ما له؟ عبد صالح طيب، قالت له صالح؟ هذا شيطان في مسلاخ إنسان، اليوم ضربني بالحذاء، الشيخ كشك صُعِق، صُعِق! بئس العلم الذي تعلَّمه، القرآن لا يليق به لا من قريب ولا من بعيد، أعظم الناس عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه والعياذ بالله، فبعد أن أنهى الآيات قال له الشيخ كشك – رحمة الله على طريقته – والذي يضربها بالجزمة أو بالصرماية حكمه ماذا؟ قال الله – تبارك وتعالى – لم يقل الجزمة، قال فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ۩، أنا لم أقل لها أف، أنا ضربتها بالجزمة، انظر إلى الوقح، وقح أيضاً! فاسق وضال ولعين وفاجر ووقح، نسأل الله اللطف والستر، شيئ مُخيف لا يكاد يُصدَّق، طبعاً ما ساوى التأفيف أو حتى زاد عنه من باب أولى أن يكون مُحرَّماً، قال العلماء مُحرَّم بالميزان، هذا من الميزان، تفهمه بالميزان!

إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ۩، في سورة النساء، هنا قد يقول أحدهم لك أنا لم آكل مال اليتيم، لم آكله! أنا أحرقته، أنا غرَّقته، لعبت به القمار، تاجرت به نفسي وخسر، كل هذا مُحرَّم – كله – بالميزان، أكله الأكل المُباشِر مُحرَّم بالكتاب، إفساده وإتلافه والطُغيان فيه وعليه بأي وسيلة أُخرى مُحرَّم بماذا؟ بالميزان، أنتم فهمتم نظرية ابن القيم، في الحقيقة أنا خطر لي خاطر في تفسير هذه الآية الجليلة وتتبعت عدداً من التفاسير، الذي لاح لي – والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم – هو هذا، وقد أكون مُخطئاً، فإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، الله بريء من ذلك، وإن أصبت فهو من توفيق الله، اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ ۩، الكتاب إنما أُنزِل لحد الحدود، ليس العقوبات! ليُميِّز المأمورات من المحظورات، الخير من الشر، الحلال من الحرام، ما يجب اعتقاده وما يُحظَر ويحرم اعتقاده، هذا الكتاب! هذا معنى الكتاب، ماذا عن قوله وَالْمِيزَانَ ۗ ۩؟ الميزان إنما أُنزِلَ لتزن به الأعمال، اسم على مُسمى، اسمه الميزان، على وزن مفعال، آلة الميزان، الميزان هو آله الوزن، استُعير الميزان هنا تشبيهاً للمعقول بالمحسوس، حين نقول ميزان نعني آلة الوزن التي يُوزَن بها، هذا الميزان، على وزن مفعال، آلة! هذه الآلة استُعير اللفظ الدال عليها في معنى العدل، تشبيهاً للمعقول بالمحسوس، شبَّه العدل وهو شيئ معقول بشيئ محسوس اسمه الميزان، استعارة! اسمه هذا في البيان استعارة، هذه استعارة، جميل جداً!

الميزان يا إخواني – كما قلنا – اسم على مُسمى، من الاسم تفهمون! الميزان إنما أنزله الرب الكريم الرحيم – لا إله إلا هو – لا لتعرف به أن هذا حلال وهذا حرام وهذه فريضة وهذه مُحرَّم من الكبائر وهذه كبيرة وهذه صغيرة – هذا بالكتاب، يتولى هذا الكتاب – لتزن به الأعمال المأمورات والمنهيات، هذا الميزان، فتعرف هذا من الصغائر وهذه من الكبائر، وزناها فوجدنا أنها صغائر، ووزنا الأُخرى فوجدنا أنها كبائر، لنعرف أن هذه فريضة أو عزيمة وأن هذه مُستحَبة، هذه سُنة مُؤكَّدة وهذا مُحرَّم غليظ، وهذا مكروه تحريماً وهذا مكروه تنزيهاً، وهذا مُشتبِه من المُشتبِهات، كيف نعرف هذا؟ بالميزان، الميزان! وإلا كل هذه مطلوبات، لكن ما وزن هذه؟ ما قدر هذه؟ ما حجم هذه؟ بالميزان، كل هذه تقريباً منهيات، لكن ما قدر هذه إلى هذه وهذه من هذه؟ الميزان يدلك.

هل تعرفون أن الميزان أهم شيئٍ لسد أبواب إبليس أو ربما مُعظَم هذه الأبواب على الإطلاق؟ الميزان! هل تعرفون أن كثيراً من مشاكلنا كأفراد – كمُؤمِنين مُتعبِّدين – وكأمة وجماعات بسبب أننا اختل الميزان بين أيدينا؟ فقدنا الميزان، ما رأيكم؟ ولنضرب مثلاً بسيطاً جداً، بعض الناس قد يأتي إلى هذا المسجد في مثل هذه الساعة المُبارَكة من يوم جُمعة، وبعد أن ننتهي وربما قبل أن ننتهي وربما ونحن نُقيم الصلاة ويُحدِث ضجة وجلبة ومُشكِلة وربما تأدى الأمر أيها الإخوة إلى الضرب كما يحدث في كثير من المساجد للأسف في أوروبا وغير أوروبا، في العالم كله! بسبب ماذا؟ أنه قال يُريد أن ينهى عن مُنكَر رآه، قال لابد أن ننهى عن المُنكَر مهما تأدى بنا الأمر، وتبحث في أي مُنكَر هذا تجد أنه رأى أحد المُسلِمين شرب واقفاً، قال ممنوع وصح عن رسول الله أنه قال في حق مَن شرب مِن قيام – قائماً – فليستقئ، هذا قال له أنا حر في بطني، لا أُريد أن أستقيء، أستقيء لماذا يا أخي؟ ولعل هذا الرجل بدأ يُصلي بالأمس، قال له هل أنت تستهبل؟ أنا أشرب طيلة حياتي واقفاً، من خمسين سنة أشرب وأنا واقف، قال لا يا أخي، هذه بدعة، ما هذا؟ مَن الملوم فيهما؟ هذا الأحمق الذي لا ميزان بين يديه، لا ميزان! لأن أخاك المُسلِم الذي يُصلي معك الجُمعة شرب واقفاً أحدثت قصة كبيرة وتسبَّبت في مُشكِلة في المسجد؟ ما هذا الفقه؟ ما هذا الورع؟ ما هذه التقوى؟ ما هذه الدعوة إلى الله؟ جهل! ليس عنده ميزان، سوف تقول هذه مسألة بسيطة، اليوم الأمة تحترب، الأمة يقتل بعضها بعضاً، يلعن بعضه بعضاً، والله بسبب الميزان المُختَل والميزان المفقود والميزان الذي لا يتوفَّر عليه إلا أهل العلم والفقه المتين العميق في دين الله ودنيا الناس أيضاً، الميزان!

الميزان تعتدل به الأمور، أليس كذلك؟ وتأخذ الأشياء أوزانها وأقدارها تماماً في غير وكسٍ ولا شطط، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۩ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ۩ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ۩، لدينا الإخسار ولدينا الطُغيان، الطُغيان ما هو؟ الزيادة ومُجاوَزة الحد، إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ۩، الطُغيان هو مُجاوَزة الحد، يا أخي أنت اشتريت من أخيك شيئاً ووزن لك، اشتريت كيلو – مثلاً نفترض – من شيئ، وزن لك كيلو، أنت تُريد كيلو ومائة وخمسين جراماً، لماذا؟ هذا طُغيان، لا تتطغ، هذا طُغيان، هذا اسمه الشطط، يقول لك عدلٌ بلا وكسٍ ولا شطط، هذا الشطط! ما الوكس؟ الوكس هو نُقصان الميزان، هو الإخسار، وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ۩، تزن لأخيك وعوض أن تزن له الكيلو الذي دفع ثمنه تزن له تسعمائة وثمانين جراماً، وتسرق ماذا؟ ثلاثين، أنت موعودٌ بعذاب الله، وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ۩، هذا هو الميزان، اعتدال في كل شيئ، ليس في القمح والشعير والطماطم – البندورة – فقط، لا يا حبيبي، وفي الحُكم على الناس: مُؤمِن، كافر، مُبتدِع، مُستقيم، ضال، ملعون والدين، ابن حلال، ولي! اتق الله، والحُكم على الناس من الأصل خطيئة يا رجل، اتق الله لأن ليس بين يديك ميزان.

الموضوع طويل وليس مُعقَّداً، طويل ومُرتَّب يا إخواني، والله مُرتَّب، والآن سأُسمِعكم – هذا أهم شيئ في الخُطبة – وأُعطيكم – كما يُقال – خُطاطة، أي Schema، خُطاطة عامة، هذه الخُطاطة مرة أُخرى أيضاً أكثر مَن سينشده بها ويندهش لها غير المُسلِمين، سوف يقول سُبحان الله، ما هذا الدين؟ ما هذا الدين الذي سُعِدتم وأُسعِدتم به وتتوفَّرون عليه؟ ما هذا التنظيم وما هذه الدقة في كل شيئ؟ وما بالكم أسوأ الأمم؟ تباً لكم، أي والله تب لنا وتباب، تباب ما لم نتب ونُصلِح الحال لأننا من أسوأ الأمم التي تتوفَّر على أحسن دين، نقولها بملء الفم، والله لا نتردَّد، أفضل دين وأعظم دين من جميع نواحيه بفضل الله تبارك وتعالى، قسماً بالله! عروس الأديان، لكن أمة حمقاء لم تُحسِن ولا تُريد أن تُحسِن أن تفهم هذا الدين وتتعامل به، حتى لا نُطوِّل نأتي إلى الخُطاطة وعُذراً إن زاد انفعالي شيئاً، فإنما أنا بشر، هل تعلمون أن الميزان الذي أنزله الله – تبارك وتعالى – أحبتي في الله – إخواني وأخواتي – هو الذي أوحى إلى السادة العلماء الأفاضل – إلى عباقرة هذه الأمة ما قدَّموا؟ بالمُناسَبة عباقرة هذه الأمة في علوم الدين من الماضين ومن السالفين – رضوان الله عليهم – فعلاً برهنوا عبقريتهم، لم يكونوا من أصحاب عُشر فقه وعُشر علم وعُشر فهم، كانوا عباقرة، عباقرة بمعنى الكلمة! كانوا الأذكى بين البشر، لأن علم الدين كان علماً مُحترَماً، به يحصل التصدر والتميز والرفعة في المُجتمَع والإجلال، فلا يُمكِن أن يتقدَّم فيه إلا مَن له لياقات خاصة استثنائية، ليس الاستثنائية في البلادة والغباء والهبل والغيبة عن كل شيئ، لذلك هؤلاء العلماء هم الذين وضعوا مثل هذه الخُطاطة، بهذا الميزان يا إخواني فهموا أن الأحكام على الأشياء وعلى الأفعال تتفاوت، تتفاوت بحسب مآخذها، قد يكون مأخذ الحُكم أو قد يكون الدليل – بحسب أدلتها أو من حيث أدلتها، من حيث مآخذها – دليلاً نصياً وقد يكون غير نصي، اجتهادياً! ثم النصي قد يكون دليلاً قطعياً من جهة الثبوت، وقد يكون دون القطعي، قد يكون مُتواتِراً وقد يكون غير مُتواتِر، آحادياً! ولهم فيما بين ذلك تصنيفات أُخرى، قالوا لك هناك المشهور وهناك العزيز وأشياء، أشياء دقيقة، علم! علم كبير، فيختلف إذن ما ثبت بهذا عن ما ثبت بهذا، وفعلاً من شأن الذي ثبت بطريق القطع أن يكون له مثابة أعلى في الميزان، وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ۩، لا وكس ولا شطط، أليس كذلك؟ الذي ثبت بالقطع لا يكون كالذي ثبت بالظن، هذا من جهة المآخذ والأدلة، قال لك هذا يختلف عن هذا، وهذا كلام طويل، هذا علم كامل، بعد ذلك قال لك بعد أن يثبت أياً ما كان مأخذه أو أياً ما كان دليل ثبوته بعد أن يثبت قد يكون دليل ثبوته من حيث الدلالة قطعياً في الدلالة عليه وقد يكون غير قطعي في الدلالة عليه فاختلف الأمر، شيئ غريب، إلى آخر ما هنالك.

ثم بعد ذلك نأتي إلى موضوعات الأحكام التي أنزل فيها حُكمه وبيَّنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، قال لك هذه عموماً تنقسم إلى قسمين رئيسين، في شؤون الدين الآن، في شؤون التكليف، إذا استثنينا الاعتقاد نأتي إلى شؤون الفرع أو شؤون الفروع، قال لك هناك مأمورات في الفروع وهناك منهيات، ثم هذه على مراتب وهذه على مراتب، بحسب ما دلت وأعطته الأدلة، الأدلة نفسها أعطتك، الميزان! وهنا قد يقول لي أحدكم كيف؟ طبعاً واضح جداً جداً، الله مثلاً – ولله المثل الأعلى – حين يقول في كتابه الكريم إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ۩ فهمنا مُباشَرةً أن ما نُهينا عنه ليس بمثابة واحدة، ليس مرتبة واحدة، إنما ما نُهينا عنه من جُملته ما هو ماذا؟ كبائر غِلاظ شِداد، لا تهون فيه، لا ينبغي للمُكلِّف أن يتهاون معها أو يستهين بها، ثم دون الكبائر ماذا إذن؟ الصغائر اللواتي أو التي ليست بكبائر، الله فسح لنا وأوسع علينا وقال إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ۩، ما أعظم حلم الله! وما أوسع دائرة كرم الله! هذا من كرم الله تبارك وتعالى، وهنا قد يقول لي أحدكم غير الكبائر أو الصغائر مثل نظرة أو كلمة – صغائر هذه – إذا اجتنبت الكبائر هل تُكفَّر عني؟ تلقائياً بعون الله، تُكفِّرها أسباب قد تكون أنت منها على ذُكرٍ وقد تكون أنت من الغافلين عنها، لكن تأتي يوم القيامة ولا تراها في صحيفتك، مُكفَّرة! ممحوة بإذن الله، كيف؟ النبي قال لك الصلوات الخمس – أي الصلاة إلى الصلاة إلى الصلاة إلى الصلاة – والجُمعة إلى الجُمعة ورمضان إلى رمضان – والحديث في الصحيح – مُكفِّرات لما بينهن إذا اجتُنِبَت الكبائر، هذا حديث لا نشك فيه لحظة، لماذا؟ لأنه – ماذا أقول؟ – إعادة صياغة للآية، الآية تقول إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ۩، والنبي قال هذا، مُكفِّرات! الوضوء مُكفِّر ولك أن تتخيَّل هذا، الوضوء يُكفِّر الصغائر بإذن الله تبارك وتعالى، شيئ عظيم جداً.

لماذا نقول هذا؟ نقول هذا لأني أعلم وتعلمون وتعلمن إخواني وأخواتي أن من الناس ومن أهل الديانة مَن دينه مغشوش، نسأل الله أن يُصحِّح تديننا وأن يُزايله غشه وخداعه وجهله، يُوجَد تدين مغشوش، تدين جاهل، بعض الناس يا إخواني يتورَّع عن بعض الصغائر تورعاً شديداً، وأحياناً لا تكون صغائر وإنما مكروهات تنزيهية، يبدو أن القول الراجح إن لم يكن هو الأرجح – مثلاً – في المسألة التي ضربت بها المثل وهي الشرب قائماً أنه مكروه تنزيهاً، لأنه رُويَ عن ابن عباس في الصحيحين – في البخاري ومُسلِم، رحمة الله على الجميع – أنه قال أوتيَ الإمام عليّ – أوتيَ عليَ بن أبي طالب عليه السلام وكرَّم الله وجهه – بماءٍ يتوضأ منه فتوضأ – جلس وتوضأ أو تقرفص وتوضأ – ثم قام – قام على حيله كما يُقال – وشرب فضل وضوئه – البقية الباقية في الإناء شربها – ثم التفت وقال إن أُناساً ينهون عن هذا – هناك أُناس مُتنطعِّون عرفوا شيئاً وغابت عنهم أشياء، وجاءوا لكي يُضيِّقوا ما وسَّع الشارع الحكيم – وقد رأيت رسول الله يفعل هذا، قال لهم أنا عليّ بن أبي طالب، لا أكذب على أخي ورسولي ونبيي، رأيته يشرب قائماً، إذن لابد أن يكون النهي عن الشرب قائماً لماذا؟ للتنزيه، وفعلاً الآن بعض الأطباء ومَن مثلهم يقولون هذا الأفضل، الطب العربي القديم – داود وغير داود – قال لك الشرب قائماً يُسبِّب الحصى، أي حصى الكُلية، مُمكِن! الله أعلم، لعل هذا عُرِفَ بالتجربة أو بالرصد، لا أعرف كيف أجروا هذه الأشياء، والآن بعض الأطباء ينهون عن هذا فعلاً، قالوا لك الأفضل ألا تشرب قائماً، لكن هذه مسألة إرشادية تتعلَّق بصحتي، وطبعاً تحتاج إلى تأثير مُمتَد، إذا شرب لعشر سنوات واقفاً ربما تحدث لك مُشكِلة صغيرة، ربما تتكوَّن كم حصوة – مثلاً – إذا كان الأمر يتعلَّق بالحصى، لا ندري! فهذه مسألة مكروهة تنزيهاً، وإلا لماذا النبي شرب واقفاً وثبت عنه هذا؟ ولذلك قال الإمام مالك في المُوطأ ثبت عن عمر وعثمان وعليّ أنهم شربوا قائمين، من قيام! قال وكان سعد – أي سعد بن أبي وقاص – وعائشة لا يريان بذلك بأساً، لا تُوجَد مُشكِلة في أن تشرب قائماً، لا تُوجَد مُشكِلة! قال لك هذه ورد النهي عنها وكذا، يا سيدي الإمام البخاري بوَّب باباً في جواز الشرب قائماً، أتُريد البخاري؟ هذا هو، أعظم مُحدِّث عندنا نحن أهل السُنة البخاري، البخاري – رضوان الله عليه – في الصحيح بوَّب باباً في جواز الشرب قائماً، وأتى بالأحاديث التي فيها الشرب من قيام ولم يرو حديثاً واحداً في النهي عن الشرب قائماً، ما رأيكم؟ كأن البخاري يُوصِّل لنا رسالة فقهية علمية، يقول هذا هو الأرجح والأثبت والأصح، ما رأيكم؟ وهناك أحاديث صحاح أُخرى في غير البخاري تنهى، فإذن تحتاج إلى أن تعرف هذا، بعض الناس يتورَّع، يتصرَّف وكأنها قصة كبيرة، حلو ومُمتاز، يتسنَّن هو، مُمتاز! ترك المكروهات تنزيهياً، يُريد أن يقعد فليقعد، لكنه لا يتورَّع عن غيبة الناس، يقول أرأيت حسناً؟ يقولون أنهم أمسكوا به مع رجل أمس! أخرب الله بيتك، أتقذف الناس؟ أخرب الله بيتك، يا أخي اتق الله، يقول كيف تقول اتق الله؟ أنا كنت أحس بهذا يا أخي، هذا الرجل لا يُعجِبني! يا ما شاء الله على الورع البارد الكاذب، أهكذا تستهتر وتستخف أن تقذف الناس في أعراضها لكنك مُتورِّع جداً كما تقول في أن تشرب قائماً؟ ما شاء الله، تبارك الله، ما شاء الله!

بعض الناس يُقيم الدنيا ولا يُقعِدها، يقول لك أرأيت ماذا تأكل؟ يأتي طبعاً ويضع أصبعه في عينك قائلاً أرأيت ماذا تأكل؟ تقول له ماذا آكل يا أخي؟ هذا بسكويت، ثم يُشاوِر لك على ما تأكله، مَن؟ تطلب ماذا؟ ليس موجوداً، قال لك هذا الرقم 312///// يُشير إلى وجود دهن حيواني مثلاً، تقول له ما له؟ فيقول ربما يكون دهن خنزير، ربما! تقول لكن هذا غير ثابت، يُوجَد فقط رمز لدهن حيواني، فيقول لا يا أخي، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، حلو! مُتورِّع، تُفاجأ أن هذا الذي كان يُشاوِر لك على ما تأكله يشرب الخمر، ما رأيك؟ والله العظيم! أنا لا أحكي عن تخيلات، أحكي قصة حكاها عالم كبير لا يزال حياً، عالم بل علّامة كبير وفقيه جليل – أمتع الله بطول عمره – حكى هذه القصة، ما هذا الدين الحلو؟ هذا الدين الكذب، هذا الدين المغشوش، هناك ما هو أكثر من هذا، ندخل قليلاً في الأفعال، هذا كله يدخل في خُطبة الميزان، والآن سوف يقول لي أحدكم فهمنا ما علاقة إبليس بالميزان، إذا لم يكن عندك ميزان سوف يلعب بك إبليس كرة قدم، إذا كان عندك ميزان سوف تُعقِّد أم إبليس، سوف تُعلِّمه الأدب بالميزان الشرعي، ليس بالميزان النفسي: أُحِبه ولا أُحِبه، أرتاح له ولا أرتاح له، مُقتنِع وغير مُقتنِع! اترك هذا كله، شرع الله سيف مُسلَط على الرؤوس جميعاً، هذا شرع رباني، كلنا نبخع له بإذن الله تعالى، يأتيك رجل مُتشدِّد جداً في باب اللباس الإسلامي، الجلباب! يقول لك الله قال يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۩، نقول له ما القصة؟ قال يا أخي رأيت ابنتك أو زوجتك نعم مُحجَّبة أو مُنتقِبة لكنها لا تلبس الجلباب، ما قصتك أنت؟ قال الجلباب كما علَّمنا أساتيذنا وعلماؤنا ثوب واسع فضفاض يُوضَع فوق الثوب أيضاً، فهذه تتقنَّع به وما إلى ذلك، الله قال جَلَابِيبِهِنَّ ۩ ولا تلعب مع شرع الله! انظر إلى الميزان، هنا يأتي الميزان، قد يقول لي أحدكم الميزان معه وضدك، كلامه صحيح، ألم ينص الله على هذا؟ نقول له الميزان علَّمنا – الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ۩ – أن يُتساهَل ويُتسامَح ولا يُتشدَّد ولا يُجمَد في وعلى الوسائل ما لا يُتساهَل في الغايات، الغاية من كل هذا الاحتجاب ما هو؟ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ ۩، لكي يُعرَف أنها امرأة حصان رزان شريفة عفيفة مُستقيمة، فلا يتعرَّض لها مَن في قلبه ريبٌ أو مرضٌ، أليس كذلك؟ أما الوسيلة فشأنها مُختلِف، الجلباب معروف عند العرب في الجاهلية والإسلام، الآن لا يُوجَد عندنا جلباب، عندنا أشياء أُخرى، لا تُوجَد مُشكِلة، كل لباس يحصل به التستر والعفة يا حيهلاً، سوف يقول من أين أتيتم بهذا؟ أتُحرِّفون شرع الله؟ لا نُحرِّف شرع الله، نحن سنخصمك بشرع الله، قال الله تعالى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ …….. الدبابات والطائرات والقاصفات؟ لا، رِبَاطِ الْخَيْلِ ۩، أليس كذلك؟ هيا خُذ هذه الآية كما أخذت آية الجلباب، أليس كذلك؟ قل حرام الدبابات، حرام الطائرات، حرام القاصفات، أنا أُريد أن أخوض الحرب هذه مع العدو الصائل الباغي برباط الخيل بإذن الله تعالى، سوف تُهزَم في خمس ثوانٍ بعون الله، خمس ثوانٍ وسوف تموت كل خيولك بكل مَن عليها يا حبيبي أطال الله عمرك، لم يفهم أحد من العلماء هذا الفهم، إنما قالوا ماذا؟ لا تقل لي هذا في زمان كذا وكذا، تكلَّم بلُغة أصولية، لُغة أصول الفقه لُغة علمية دقيقة، لُغة المنهج! بلُغة المنهج الله أراد أمراً لغاية وحكمة وضرب مثلاً لتحقيق هذا الأمر والوصول إليه وإصابة هذه الغاية بوسيلة، الوسائل المُتاحة في القتال في أيامهم ما هي؟ النشاب – الرمي، النبي قال ألا إن القوة الرمي، ألا أن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ثلاث مرار! وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ۩، قال لك القوة بالذات الرمي، الرمي هذا مُهِم جداً جداً جداً، يحسم المعارك من أولها، الرمي! الرمي أيامهم كان بالنشاب، بالسهام، بالأقواس، بالقسي – ورباط الخيل، هذه دباباتهم وطائراتهم، الخيل! اليوم نحن عندنا رمي بالرشاشات والمدفعية ورمي من السماء ورمي البحر ورمي إلكتروني ديجيتال Digital يا حبيبي، يرميك من على بُعد ألفين كيلو متر فيُدمِّرك وهو جالس في مكانه، أليس كذلك؟ مُصيبة، رجل مايع مايص يأكل لبانة يستطيع من على بُعد أن يُدمِّر لك قرية كاملة تعبد وتركع وتسجد، سوف تقول لي كيف نصر الله هذا المايع المايص على قرية تعبده؟ هذا ليس ذنب الله وليس ذنب الشرع، ذنبك أنت يا جاهل، الله قال لك أنت مخلوق ومُسخَّر لك كل ما في العالم، كل ما في الكون، لماذا لم ترتفق العالم وتركت الكافر هذا المُعتدي عليك وعلى مساجدك وعلى بلادك وعلى عِرضك يرتفق العالم؟ هل أمرك الله بهذا؟ النبي قال يُؤجَر في السهم الواحد – سهم تقوم به – ثلاثة، فكيف لو طوَّر أحدهم اليوم صناعة الدبابات والمدفعيات والطائرات والقنابل من أجل أن يحفظ عز أمته والمنعة لأمته ضد المُعتدين؟ نحن لا نعتدي على أحد، هذا ديننا، لكن نُريد هذا ضد من أراد أن يعتدي، اليوم يُسمون هذا توازن الردع كما يقولون، توازن الردع! أي لكي نُعلِّمه الأدب، كُف عنا، عندك قوة وعندنا قوة، فأنت تساهلت وقلت هذا مفهوم، إذا فهمت آية رباط الخيل افهم آية جلابيبهن، فدر مع الغاية والمقصد ولا تجمد مع الوسيلة، الوسائل يُتسامَح فيها ويُتساهَل معها ما لا يُتسامَح مع ماذا؟ مع الغايات والمقاصد، من أين فهمنا هذا؟ الميزان، فهمنا هذا من الميزان، أرأيتم؟ هذا هو.

لذلك أحد فقهاء المالكية وهو ابن أبي زيد كان يربط أمام بيته كلباً للحراسة، قالوا له كره مالك ذلك، أنت مالكي وأنت إمام المذهب المالكي في وقتك وصاحب متن مشهور وكتاب مقدور، مالك جوَّز كلب الصيد وكلب الزراعة لكن هذا لا، قال كان في زمانه، لو عاش في زماننا لارتبط سبعاً ضارياً، قال أيام مالك كان الناس عندها دين وعندها خشية، لم تسرق الناس في النهار – في وضح النهار – والليل أيضاً وتتسوَّر الجدران، أيام مالك لم يكن هذا موجوداً، الناس كانوا بخير، لو عاش إمامي في زماني لن يربط كلباً، سوف يربط أسداً قال لهم، انظر إلى هذا، فقيه هذا ذكي! لارتبط سبعاً ضارياً – قال لهم – وليس كلباً، بماذا فهم هذا أيضاً؟ بالميزان، لكي أُوضِّح الـ Schema هذه أو الخُطاطة بطريقة واضحة مرة ثانية سوف نقول الآتي يا إخواني، نأخذ في باب المأمورات، هل ما أمر به الله – تبارك وتعالى – مرتبة واحدة؟ مُستحيل، هناك المُستحَب، ما هو المُستحَب؟ المُستحَب الذي إن فعلته أُثِبت عليه وإن لم تفعله لم تقع في شيئٍ من الحرج بإذن الله تعالى، أي لن تُعاقَب ولن تُعاتَب، الله حتى لن يُعاتِبك، لن يقول لك لماذا يا عبدي قصَّرت؟ لماذا لم تفعل كذا وكذا؟ أبداً! هذا باب فُسحة، باب توسع في البر والخير، باب فسيح وسيع، بعد ذلك هناك ما هو ألزم منه قليلاً: السُنة المُؤكَّدة، هذا مُستحَب، هناك سُنة مُؤكَّدة، السُنة المُؤكَّدة أيها الإخوة فعلها النبي وواظب عليها حتى قل جداً ونزر وندر أن تركها، أي في مرات يسيرة يتركها، ومن هنا أيضاً حرص بعض كبار الصحابة على تركها أحياناً، لماذا؟ لئلا يقع في أخلاد الناس وأوهامهم أنها مفروضات فيحرجوا، مثل ماذا؟ مثل سُنة الأُضحية، وثبت عن أبي بكر وعمر – رضيَ الله تعالى عنهما – أنهما كانا ربما – أي أحياناً – لا يُضحيان، لا يُضحيان وعندهما القدرة على التضحية، لماذا؟ خليفة هذا وهذا خليفة بعده، لكي تفهم الناس أن الأُضحية ليست فريضة، ليست عزيمة، سُنة مُستحَبة مُؤكَّدة لكنها ليست عزيمة، انظر إلى الفقه، ميزان! نُريد أن نُفرِّق، هذا مُستحَب وهذه سُنة مُؤكَّدة، الآن على طريقة السادة الحنفية عندنا الواجب، مثل قراءة الفاتحة في الصلاة، قالوا واجب، ما المُراد بالواجب عندكم؟ قالوا دون الفرض، الفرض لا يزال أعلى، لماذا؟ أومأنا إلى هذا في أول الكلام عن الخُطاطة، قالوا الواجب هو الذي ثبت بدليل شرعي لكن غير قطعي، الدليل غير قطعي، أحاديث قراءة الفاتحة في الصلاة أحاديث صحيحة لكنها آحادية، ليست مُتواتِرة، ليست قطعية، فقالوا نحن نقول قراءة الفاتحة واجب وليس فرضاً، هذا قول الأحناف، هذا الواجب مَن أنكره ما حُكمه؟ قالوا لا يكفر، قبيحٌ جداً أن تُنكِره ولكن لا تكفر، لأن مناط التكفير هو ماذا؟ إنكار القطعي، لماذا؟ هل القطعي نتعبَّد به وما إلى ذلك؟ لأن إنكار القطعي يقوم مقام تكذيب الشارع، أنت تقول أنه قطعي، هذا يعني أنك تقطع على غيب هذا النص، هذا معنى القطعي، أنك تقطع على غيبه، ما معنى تقطع على غيبه؟ تُؤكِّد تماماً بلا مثنوية، بلا تردد، وبلا تحرج أنه ثابت، الله أمر به أو نهى عنه أو الرسول، ثابت دون كلام! حين ترده تكون كمَن كذَّب الشارع، أليس كذلك؟ أو كمَن أعلن العصيان عليه بلا شُبهة، أي كإبليس والعياذ بالله، هذا كفر! فقالوا مُنكِر الواجب قبيحٌ جداً جداً جداً وفاسق وضال لكنه ليس كافراً، مُنكِر الفرض كافر، مثل ماذا؟ قالوا القيام في الصلاة، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ۩، أي أن تقف لكي تُصلي، القيام – قالوا – من فرائض الصلاة، ثابت بكتاب الله، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ۩، والصحابة كانوا يُقيمون والنبي وتواتر عنهم هذا، قالوا هذا فرض ومُنكِره كافر.

إذن عندنا في المُامورات واجب وفرض، أرأيتم؟ أرأيتم الميزان؟ هذا العقل المُسلِم، العقل العلمائي المُحترَم، ثم قالوا هذه الفروض ليست بمنزلة واحدة بل تتنوَّع نوعين، تنقسم قسمين: فروض على الأعيان، وفروض على الكفاية، الصلوات الخمس فروض على ماذا؟ على الأعيان، أنتَ مُكلَّف ومن ثم يجب أن تُصلي كل يوم وليلة خمس صلوات، أنتِ مُكلَّفة وأدركتِ ومن ثم يجب أن تُصلي كل يوم وليلة خمس صلوات، هل يجوز أن أُصلي عنك؟ لا يجوز، هل يجوز أن تُصلي عن ابنتها؟ لا يجوز، نحن جماعة من خمسمائة فرد فهل يجوز أن نُصلي ولا يُصلي أهل القرية؟ لا يجوز، فروض أعيان مطلوبة من كلٍ بحسبه، فرداً فرداً! هناك فروض كفايات إن أداها بعض المُسلِمين سقط الإثم عن الباقين، مثل صلاة الجنازة، أليس كذلك؟ رجل مات فهل لابد أن تأتي أمة لا إله إلا الله كلها وتُصلي عليه؟ لا طبعاً، أبداً! لو صلى عليه جماعة من المُسلِمين سقط الإثم عن الباقين، هذه يُسمونها فروضاً على الكفاية، وليس هذا فحسبك، الميزان أفهمك وقال لك فروض الأعيان أيضاً ليست بمثابة واحدة، وهنا قد يقول لي أحدكم كيف؟ طبعاً! هل تعتقد أن أركان الإسلام الخمسة وفي رأسها التوحيد كالفرائض التي دونها؟ هناك أشياء أقل منها، أليس كذلك؟ هذه أهم شيئ، هذه أركان وعمد الإسلام، الإسلام بنية أو بناء أو معمار يقوم على أركان خمسة هي أركان الإسلام، هذه مُهِمة جداً جداً جداً، لذلك لا حظ في الإسلام لمَن لا صلاة له، هل هذا واضح؟ ورأينا هذا، هذه الفرائض وليس الصلاة المُتطوَّع بها، الفرائض! وعندنا ما هو دون ذلك، وليس هذا فحسب، قال لك ما دام ذكرنا فروض الأعيان وفروض الكفاية كل هذا – كما قلت لكم – يأتي سداً لأبواب تلبيسات إبليس، لكي لا يضحك علىّ، هناك مَن يقول لك أنا إلى الآن في السليم، الحمد لله أنا مُسلِم وأُصلي وأصوم وأتصدَّق وأحج وأعتمر، كل شيئ تمام، نقول له حين يلزم الدفاع عن الأمة هل تُدافِع؟ حين يلزم سد باب من الأبواب مفتوح على الأمة هل عندك شغل وعندك إسهام وإنجاز أم أنك تجلس في بيتك؟ قال لك لا، أنا صوفي أجلس في بيتي، لا أهتم بالأمة، تُحرَق الأمة أو تنتصر أو تُهزَم لا يهمني، أهم شيئ خلاصي الشخصي، أقول له عرَّضت نفسك للهلكة وأنت لعبة إبليس، هنا عندك تشوش وعدم فهم للميزان في هذا الباب، دعونا نرى هذا!

لو تعارض فرض من فروض الأعيان مع فرض كفائي أيهما نُقدِّم؟ لا يُوجَد جواب واحد، يُوجَد تفصيل، قال لك إن تعارض فرض من فروض الأعيان مع فرض كفائي يُنظَر في هذا ويُنظَر في هذا، بمعنى ماذا؟ بر الوالدين فرض على الأعيان أم على الكفاية؟ على الأعيان طبعاً، لا يجوز أن تقول نحن خمسة أخوة وأخي الكبير – الحمد لله – بار جداً بأبي وأمي لكن أنا أنساهما تماماً، سوف تذهب إلى النار، لا يجوز! هو لابد أن يبر أبويه وأنتَ وهو وهو وهو، كلكم، خمستكم! قد تقول لي عندنا سبعة أخوات، نفس الكلام مع سبعتهن! سبعتهن أيضاً، هذا فرض على الأعيان، لا تقل لي أخي يقوم بأبواي وأنا لا أسأل عنهما، لا يجوز! لابد أن تسأل، لابد أن تهتم، لابد أن تُؤدي الحد المطلوب من بر الوالدين، فرض على الأعيان!

فرض على الكفاية مثل الجهاد الكفائي، وهذا فيه طبعاً تنقيدات نقدية، هذه مسألة أُخرى، قال لك في الجهاد الكفائي إن تعارض الجهاد على الكفاية وليس على الأعيان مع فرض على الأعيان كبر الوالدين ماذا تفعل؟ النبي علَّمنا هذا، هذا الميزان، مَن يُقدَّم؟ فرض العين، يا رسول الله أنا شاب وقوي أُريد أن أُجاهِد معك في سبيل الله، قال له أحيٌ والداك أو أحدهما؟ قال له كلاهما حيان، قال له ارجع ففيهما فجاهد، النبي علَّمنا إن تعارض بر الوالدين والوالدان كلاهما أو أحدهما غير راضٍ أو غير سعيد أو غير مُطمئن ولم يأذن لك أن تذهب في الجهاد كفائي يحرم عليك أن تذهب في الجهاد الكفائي، ما رأيك؟ فإن عصيته وذهبت وجاهدت وقُتِلت في سبيل الله نفر من العلماء قالوا تُحبَس مع مَن حُبِسَ من رجال الأعراف، لا تكون في النار ولا تكون في الجنة، وتقعد في حسرة مُنتظِراً رحمة الله إلى أن يُسار بك – إن شاء الله – إلى أهل الجنة – واقرأ سورة الأعراف – جزاءً على ماذا؟ على عصيان الوالدين، لكن أنا عصيت والداي في سبيل الجهاد! قال لك ألا يُوجَد ميزان؟ أين الميزان؟ فرض عين وفرض كفاية، هل هذا واضح؟ ليس هذا فحسب، قال لك أيضاً يا أخي الكريم إن صار عندنا فرض عين فردي وفرض عين جماعي ماذا يحدث؟ سوف تقول لي ما معنى فرض عين جماعي؟ هناك فرض عين فردي نفترض مثل بر الوالدين، فلنظل في نفس المثال، وهناك فرض عين يتعلَّق به مصلحة الجماعة، هذا يتعلَّق بمصلحة الأب أو الأم فقط! وهذا يتعلَّق بالأمة مثل الجهاد المفروض، أمة مُسلِمة وادعة مُطمئنة جاءها عدو صائل مُجرِم ودهمها في بلادها، يجب على كل المُسلِمين أن يتصدوا له، ما رأيكم؟ الذكور والإناث والأحرار والعبيد وبغير إذن أحد، سوف تقول لي أنا مدين وهناك أُناس لهم علىّ دين، لا تستأذن منهم، اذهب وجاهد لكي تصد العدو، لأن الدفع أسهل من ماذا؟ من الرفع، لو هذا العدو جاء وتمكَّن وقعد في عُقر الدار سوف يكون من الصعب جداً بعد ذلك أن تطرده، الدفع أسهل من ماذا؟ من الرفع، سوف تقول لي حدث تعارض بين بري بوالداي وبين الجهاد المفروض، سوف أقول لك مَن يُقدَّم على مَن؟ الفرض الذي يتعلَّق به مصلحة الجماعة يُقدَّم على الفرض المُتوقِّف عليه مصلحة أفراد أو أفراد قليلين، هل هذا واضح؟

أرأيتم هذا الترتيب؟ ترتيبات عجيبة غريبة، دقة غير عادية، هذا اسمه الميزان، كل هذا مدلول عليه بما أنزل الله من الهُدى المُستقيم والهَدي القويم، أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ ۩، نفس الشيئ في باب المنهيات، عندنا المكروه تنزيهاً وأعتقد أخذتم عنه فكرة، أليس كذلك؟ تذكَّروا مثال البسكويت وسوف تتذكَّرون المكروه تنزيهاً، فهناك المكروه تنزيهاً، خلاف الأولى! وهناك المكروه تحريماً، وهذه القسمة بالمُناسَبة للسادة الحنفية، غير الأحناف المكروه كله عندهم مكروه، لا يُوجَد مكروه تنزيهاً وتحريماً، الأحناف قالوا لا، هناك مكروه تنزيهاً وهناك مكروه تحريماً، المكروه تنزيهاً إلى الحلال أقرب، والمكروه تحريماً إلى الحرام أقرب، بعد ذلك يأتي عندنا النهي المُحتَّم، يُسمونه ماذا؟ الحرام، والحرام ليس رُتبة واحدة، منه كبائر ومنه صغائر، أليس كذلك؟ طبعاً هذا هو كما قلنا، الصغائر مُحرَّمات والكبائر مُحرَّمات، لكن الكبائر والفواحش الغِلاظ مُخيفة جداً جداً جداً، لا تُكفِّرها لا الصلاة ولا الصوم ولا الوضوء ولا ولا، إذن كيف تُكفَّر؟ الكبائر لا تُكفَّر إلا بالتوبة النصوح الصادقة، ما رأيكم؟ بالتوبة النصوح الصادقة! سوف تقول لي هناك الخوارج وما إلى ذلك، لا تقل لا خوارج ولا غيرهم، القضية أسهل من هذا، الله قال إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۩، سوف تقول لي هذا مُقيَّد بالتوبة أم بماذا؟ في الحقيقة بحسب ظاهر الآية هو غير مُقيَّد بالتوبة، لماذا؟ لأنه لو أُشرِكَ به ثم تاب المُشرِك توبته مقبولة، شأن مُعظَم الصحابة، في الحقيقة شأن كل الصحابة تقريباً إلا عليّ بن أبي طالب لم يُشرِك لأنه كان طفلاً صغيراً، أليس كذلك؟ طبعاً! وهل يُحكَم للطفل بشرك وما إلى ذلك؟ قضية خلافية، على كل حال من مسائل الاعتقاد، ولم يسجد لصنم، هذا معروف عنه كرَّم الله وجهه، لكن عموماً مُعظَم الصحابة على الإطلاق كانوا ماذا؟ كانوا مُشرِكين، وتحوَّلوا بالإصاخة والاستجابة إلى الدعوة إلى ماذا؟ إلى مُوحِّدين، إذن أي واحد يكون مُشرِكاً ثم يتوب توبته مقبولة، من أحسن التوبة على الإطلاق، هل هذا واضح؟ فحين يقول الله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ۩ يكون هذا بمعنى ماذا؟ بغير توبة، إن أشرك أحدهم ولقيَ الله هل يُغفَر له أو لا يُغفَر؟ يُسمونها المُوافاة، مسألة المُوافاة، أي أنه وافى – انتقل إلى الدار الآخرة – على الشرك، هل يُغفَر له أو لا يُغفَر؟ لا أمل في المغفرة.

إذن في نفس النسق ويغفر ما دون ذلك لِمَنْ يَشَاءُ ۩ بغير توبة، لو ارتكب أحدهم فاحشة أو كبيرة وما إلى ذلك ومات وهو غير تائب يُمكِن أن يُغفَر له؟ يُمكِن، الله قال وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۩، هل يُمكِن ألا يُغفَر له؟ نعم، يُمكِن ألا يُغفَر له، هذه يُسمونها ماذا؟ يبقى في خطر المشيئة، وهنا قد يقول لي أحدكم هناك مَن ارتكب كبائر ثم تاب، فماذا عنه؟ أقول له إذا كانت توبة نصوحة يُكفَّر عنه بنصوص كتاب الله، لا كلام في هذا، التوبة مقبولة والله يفرح بها جداً، هل فهمتم؟ إذن المنهيات منها كبائر ومنها صغائر، والكبائر كما رأيتم للتو – لتوكم – ليست مرتبة واحدة، أغلظها وأبشعها وأشنعها ماذا؟ الشرك بالله، ثم بعد ذلك سائر السبع المُوبِقات، قتل النفس – والعياذ بالله – وأكل ما اليتيم وشهادة الزور وقذف المُحصَنات وإلى آخره، وبمُناسَبة قذف المُحصَنات تحريم قذف المُحصَنات وجلد ثمانين جلدة مَن قذف مُحصَنة بغير طبعاً بيّنة وبغير دليل وشهود وإلى آخره ووصمه بصمة الفاسق ورد شهادته ثابت بماذا؟ بالكتاب، سورة النور! الذي يقذف المُحصَنين ماذا عنه؟ نحن الرجال أليس لنا شيئ إذا قُذِفنا مثلاً؟ الذي يقذق المُحصَنين ما حُكمه؟ الله لم يقل المُحصَنين، قال الْمُحْصَنَاتِ ۩، أي عن النساء، رجل قذف مُحصَنين، ما حُكمه؟ نفس الشيئ! يُجلَد ثمانين جلدة وهو فاسق ومردود الشهادة بشروطه، عُرِف هذا بماذا؟ بالميزان، هذا عُرِف بالكتاب وهذا عُرِف بالميزان، فحتى الكبائر مُتفاوِتة.

إذن عندنا الكبائر على تفاوتها، بعد الكبائر – كما قلنا – هناك الصغائر، ما الصغائر؟ هي ذنوب لا نتلجلج في تحريمها، نعلم أنها مُحرَّمة بالنص، نص الله عليها أو رسوله فهي مُحرَّمة لكنها صغائر دون كبائر وحُكمها سمعتموه، هناك ما دون الصغائر، ما هو؟ المُشتبِهات، غير واضح أنها مُحرَّمة، لا نستطيع أن نقول هذا مُحرَّم، لو كان مُحرَّماً لأعطيناه حُكمه، أما أن يكون صغيراً وإما أن يكون كبيراً، قال لك مُشتبِهة! أحسن تعريف لها ما ذكره رسول الله، قال لك الذي يُواقِع الشُبهات يُوشِك أن يُواقِع الحرام، المسألة فيها قولان، يتعاورها نظران، أُناس قالوا والله يبدو أن هذه مُحرَّمة، هذا ما تجرَّح لدينا، أُناس قالوا لا، نحن نقول أنها لا تزال في إطار المُباح، اختلف الناس فيها، صار فيها شُبهة، هناك مَن اجتهد وقال لك أحسن شيئ اتركها، وقال لك مَن واقع الشُبهات يُوشِك أن يُواقِع الحرام، أي أن مُواقَعة الشُبهات طريق للاجتراء على المُحرَّمات، لذلك الأفضل أن تبتعد، النبي قال كالراعي يرعى حول الحمى، الأرض الخاصة بالملك أو بالأمير محمية، يا ويل مَن يدخلها بغنمه، سوف ينهي حياته طبعاً حرّاس الأمير أو الملك، هو قرَّب من الحمى ويُمكِن أن يجد نفسه قد دخل فيه، ومن ثم سوف يُعاقَب، هكذا النبي شبَّه المُشتبِهات، ماذا عن دون المُشتبِهات، قلنا هذا في الأول، قلنا عندنا مكروه وعندنا مكروه تنزيهاً وإلى آخره، فكل هذا داخل ضمن ماذا؟ الميزان.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد، إخواني وأخواتي:

أخي الحبيب، أختي الفاضلة إن وجدتكَ/ إن وجدتكِ – أي أن وجدت نفسك – تنشط عند أداء النوافل – نوافل الطاعات، سُنة الضحى، قيام الليل، قراءة القرآن – ما لا تنشط عند أداء الفرائض فاعلم أنه حظ النفس وأنك مدخولٌ عليك، الشيطان يلعب بك، لماذا؟ لأن من الواضح أن الفرائض في أمة تُؤدي الفرائض لا يحصل بها ماذا؟ تميّز، أنت تُصلي وكلنا نُصلي، أليس كذلك؟ يتميَّز فقط بها مَن أداها بين قوم لا يُؤدون الفرائض، يصير مُميِّزاً، أليس كذلك؟ مثل رجل مُصلٍ وصائم بين ناس – والعياذ بالله – أهل سُكر وعربدة وما إلى ذلك، لكن بين أُناس أهل صلاة والكل يُصلي – ما شاء الله – والمساجد معمورة لن يكون هناك تميّز في الصلاة، الكل يُصلي، ولذلك هو لا ينشط في الصلاة، يُصلي بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۩ وقال ما قل ودل والكوثر ويفعل هذا على السريع، حين يقوم لكي يُصلي في الليل يقرأ جُزءاً وجُزئين وما إلى ذلك، حظ النفس! لكي يرى نفسه مُتميِّزاً، لكي يرى أنه من الصالحين، لكي يرى أنه أحسن من الآخرين، انتبه فأنت تُريد أن تُميِّز، أبو بكر الصديق وهو يجود بنفسه الأخير – رضوان الله تعالى عليه – بعث إلى عمر، عمر أتى إليه وكان يبكي مُتأثِّراً فوصاه، اقرأوا هذه الوصية، مُؤثِّرة جداً، ومن ضمن ما قال أبو بكر لخليفته عمر: وإن الله – تبارك وتعالى – لا يقبل النافلة حتى تُؤدى الفريضة، بمعنى ماذا؟ هل إذا لم أؤد الفريضة سوف تكون النافلة مردودة والله قال خَيْرًا يَرَهُ ۩ ولا يضيع شيئ عند الله؟ لا، لكن المعنى – خُذوا هذا باختصار والأثر هذا ضعيف لكن معناه صحيح، هذا الأثر ضعيف، عند ابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية وأبو سعيد بن منصور وهناد بن السري في الزهد، لكن المُهِم أنه ضعيف والمعنى صحيح، المعنى باختصار وبكلمة واحدة إخواني وأخواتي كالآتي – أنك لا تُثاب على النافلة بالثواب المرجو والثواب التام لها ما لم تكن أكملت وأتممت الفريضة، وهنا يأتي حديث تكميل نقص الفرائض بالتطوع عند الإمام النسائي وبإسناد صحيح، أعتقد أنكم تعرفونه، فانتبه إلى هذه المسائل ووازن في باب المأمورات وفي باب المنهيات ولا تُقدِّم ما حقه التأخير ولا تُؤخِّر ما حقه التقديم ولا تُعظِّم ما صغَّر الله ولا تُصغِّر ما عظَّم الله، هل هذا واضح؟ ولا تتشدَّد فيما يسَّر الله ولا تُيسِّر فيما شدَّد الله، هذا كله الميزان! تسد أبواب إبليس عنك.

أختم بطرائف سريعة، أتى أحدهم إلى عبد الله بن عمر – والحديث في مُسنَد أحمد، صح إسناده أحمد شاكر رحمة الله عليه – وقال له يا صاحب رسول الله ما قولك دم البعوض، والمقصود للمُحرِم، رجل مُحرِم – في مكة هناك يُؤدي المناسك – قتل بعوضة قال، ما رأيك؟ ما قولك في دم البعوض؟ وفي رواية سأله عن الذُباب، رجل قتل ذُبابة وهو مُحرِم، ما حُكمه؟ ابن عمر ذكي، ليس فقيهاً أهبل، نظر إليه وقال له من أين أنت؟ قال له من أهل العراق، قال ها – هكذا قال: ها، فضحه – انظروا إلى هذا – انظروا إلى الفقيه قال لهم، انظروا إلى المُتنطِّع، انظروا إلى الورع البارد -، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله. يعني ابن بنت رسول الله، هكذا قال! ابن رسول الله قال، قتلوه وسيَّحوا دمه وهو أتى يسألني عن الذُباب أو البعوض قال، ما الهبل هذا؟ هذا العبث، هذا العبث الإبليسي بالناس، أسوأ منه رجل أتى إلى الإمام أبي الفرج بن الجوزي – شيخ الإسلام في وقته، الواعظ الشهير والعلّامة الكبير – وقال له يا شيخ الإسلام هل يجوز لي أن أُجهِض امرأة حبلت مني من الزنا؟ انظر إلى الوقح، قال له إذا البعيدة حملت من الزنا هل يُمكِن أن نُجهِضه وهو في الشهر الثالث أو الرابع أو الخامس، الله أعلم في أي شهر؟ قال له يا أخي، يا عبد الله ستر الله علىّ وعليك، هلا إذ وقعت في الزنا عزلت عنها؟ لماذا لم تقذف ماءك في الخارج؟ تسبَّبت في ورطة كبيرة! قال بلغني أن العزل مكروه، فابن الجوزي أكيد لو رمى العمامة ومزَّق ثوبه – والله – سوف يكون معذوراً، سوف يكون معذوراً لو خرج يمشي في الشوارع قائلاً أغيثوني أغيثوني، هذا الرجل أخذ مأخذ الجد – الورع البارد – وقال له بلغني أن العزل مكروه، قال له قاتلك الله، قاتلك الله! بلغك أن العزل مكروه ولم يبلغك أن الزنا حرام؟ هذا مثال مَن يتنزَّه عن أمور خلافية – العزل فيه خلاف لكن بالحلال طبعاً مع زوجتك – أما الزنا فهو ماذا؟ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ۩.

اللهم أتمم علينا عقلنا وديننا، واهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، أصلح أمرنا كله برحمتك يا أرحم الراحمين، لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرَّجته، ولا كرباً إلا نفَّسته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا مظلوماً إلا أنصفته.

اللهم انصرنا وانتصر لنا بقوتك يا عزيز يا قوي يا جبّار يا رب العالمين، جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اجعلنا من خير عبادك لعبادك، اجعلنا من خير أمة أُخرِجتَ للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المُنكَر، وحقِّقنا بحقيقة الإيمان وتمام الإيمان وكمال الإيمان، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تُبلِّغنا به جنتك ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا.

لا تجعل مُصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اغفر لنا ولوالدينا وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا  (31/3/2017)

Comments

comments

شاهد أيضاً

gabriel-adnan

عدنان ضد غابرييل – ج3

إخواني وأخواتي: أُثنّي بشهادة ثانية في قضية الجزية على شهادة المُؤرِّخ البريطاني الكبير توينبي Toynbee …