الرئيسية / التفريغات النصية / المرساة الحائرة

المرساة الحائرة

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – جل مجده – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ۩ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ۩ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ۩ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ۩ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ۩ سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ۩ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ۩ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ۩ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ۩ الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ۩ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

فصل جديد من فصول هدايات القرآن العظيم وأضوائه القدسية التي لا يُغني عنها فصل آخر من فصول هدايات البشر، أياً كان هؤلاء البشر، علماءً أو فلاسفةً أو مُفكِّرين عظاماً أو مُصلِحين حالمين أو غير ذلك، طمأنينة القلب، مُصطلَح قرآني، وطمأنينة النفس، الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ۩، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۩ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ۩، نفس مُطمئنة وقلب مُطمئن!

مَن تأمَّل وغلغل النظر في كتاب الله العزيز رجع – إخواني وأخواتي – ربما بهذا الانطباع أو بهذا الفهم، استقراءً لموارد لفظة القلب والقلوب في كتاب الله – تبارك وتعالى – يبدو أن الله – عز وجل – أبدع وخلق هذه اللطيفة لكي تعقل ما أهلها لعقله، وتعي ما جعلها كفؤاً لوعيه، وتُدرِك ما أنشأها من أجل إدراكه، هذا هو القلب، أما النفس – إخواني وأخواتي – بالمعنى الأخص – لأن النفس يُمكِن أن تُطلَق بالمعنى الأعم فيُراد بها كامل كيان الإنسان، لكن هذا بالمعنى الأخص – إذا وُضِعت في مُقابِل القلب فهي التي تُحرِّك الإنسان في مجال السلوكات، بإزاء الأفعال، بإزاء الاختيارات المسلكية، بإزاء الشهوات، بإزاء الملاذ، بإزاء ما يُمكِن أن يكون نافعاً أو ما يُمكِن أن يكون ضاراً، كيف تسلك إزاء الآخرين من البشر؟ هذه هي النفس، ولها طمأنينة تخصها، والقلب له طمأنينة تخصه، أي الطمأنينتين يُؤسِّس للأُخرى؟ طمأنينة القلب.

كأن طمأنينة القلب – إخواني وأخواتي – تُؤشِّر إلى المنظومة العقدية العلمية، وإن شئتم العقلانية التحليلية، القلب! مبادئ الانطلاق، أُسس الاعتقاد، وأُسس النظرة الكونية إن شئتم، القلب هو الذي يتصرَّف هنا، بعد ذلك تأتي النفس بكل سلوكاتها ترجمةً وتظهيراً لهذه المنظومة التي صادق عليها القلب، ومن هنا طمأنينة القلب مسألة في غاية الأهمية.

سل نفسك أين تضع ثقتك؟ الحديث عن الطمأنينة، والعلاقة واضحة بالثقة، الاعتماد، الاستناد، الاحتساب، الاكتفاء، والاغتناء، أين تضع كل هذه المعاني؟ أتضعها في الله أم في غير الله؟ ولا يهمنا ما عساه يكون غير الله هذا، الدنيا أو المال أو السُلطة أو التنفذ أو الجاه أو القبيلة أو العشيرة أو الدولة أو النظام السياسي أو النظام الاجتماعي أو قدراتك الذاتية أو كفاءاتك الشخصية، لا يهمنا! كل هذا غير الله، كل هذا من الأغيار، إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ۩، طمأنينة! هو هذا، ثقته بالحياة الدنيا، بشهاداته، برصيده في البنك، بمحسوبياته، وبعلاقاته مع المُتنفِّذين، مع الكبار، ومع الأقوياء، وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ۩، هذا نوع طمأنينة، وبالحري هو يختلف عن الطمأنينة بالله وبذكر الله اختلاف ما بين التراب ورب الأرباب.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ – فيما يرى – اطْمَأَنَّ بِهِ ۩، هو يطمئن إلى الخيور فقط، إلى الخيور! صفقة تنجح، امتحان يجتازه بتفوق أو ربما بغير تفوق، زوجة يتحصَّل عليها، نجاح ابنه في الدراسة، أي شيئ! هو يطمئن، يطمئن بهذا الخير! فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ۩، اختبار! الله لم يقل وإن أصابه شر، كأن الله يقول لك أنا لا أُسلِّط ولا أُرسِل الشرور على عباد الله، أي على عبادي، أبداً! إما أن أُرسِل سحائب الرحمات والخيرات عليهم وإما أن أُرسِل ما يرونه غير ذلك على سبيل الابتلاء والفتنة، اختبار! إن نجحت في الاختبار انقلب ما رأيته أول الأمر وبادئه شراً، انقلب ماذا؟ خيراً ونُجحاً، حين تنجح تعرف هذا، ومَن جرَّب هذا عرف، صدِّقوني! مَن جرب هذا عرف، وعجباً لأمر المُؤمِن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المُؤمِن، هذا هو المُؤمِن! المُؤمِن مُطمئن النفس، نسأل الله أن يُدرِّجنا حتى نلتحق بمصاف وأُفق أصحاب النفوس المُطمئنة.

جُزء من خُطبة اليوم عن ما هي النفس المُطمئنة؟ كيف لي أن أختبر نفسي فأعرف أن نفسي مُطمئنة أو – في المُقابِل ماذا؟ – مُضطرِبة مُرتابة؟ الصدق طمأنينة والكذب ريبة، إن كنت صادقاً في تديني حصل لي الطمأنينة، إن كنت كاذباً في التدين – تدين ظاهري كاذب، والله يعلم أنه كذب – حصل لي الارتياب الدائم، في كل شيئ مُرتاب، قلق، ومُضطرِب، لأن التدين كذب، تديني كذب، صلاتي كذب، عبادتي كذب، هذه المظاهر الطقوسية كذب، الله يعلم أنها كذب، هي تُورِث الريبة، ليست الريبة في وجود الله، لا! الريبة فيما عدا هذا، وربما – والعياذ بالله – هي بريد حتى للكفر والعياذ بالله، وكأين من مُتدين رأينا أنه في لحظة اختبار انقلب وحار كافراً – والعياذ بالله – مُلحِداً!

على كل حال إذن طمأنينة القلب تُؤسِّس لطمأنينة النفس، مُحال أن يتمتع الإنسان ويحظى بنفس مُطمئنة ما لم يحظ من قبل بقلب مُطمئن، قلب مُطمئن بماذا؟ بذكر الله، ذكر الله هل هو ذكر الله باللسان؟ يُمكِن، هذا أضعف الوجوه في تفسير الآية، أضعف الوجوه! هل ذكر الله هو القرآن لأن الله قال وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ۩؟ هذا وجه قوي في تفسير الآية، الذي ارتاح إليه واطمئن إليه أن ذكر الله هنا هو ضد على ماذا؟ نسيان الله، ليس الذكر باللسان فقط، الذكر باللسان أمارة، قد تُصيب وقد تخيب كما يُقال، هذا ليس شرطاً، وكأين من ذاكر لله بلسانه وقلبه لاهٍ! أليس كذلك؟ وكأين من ذاكر لله بلسانه وقلبه لاهٍ! مُتردِّد في أودية الغفلات، هذا مُمكِن! الذكر الحقيقي هو ضد النسيان، حتى في الوضع اللُغوي الذكر ضد النسيان، ومعنى أنك ذاكر لله أنك لا تنساه، كما يقول العارفون بالله أنك في الحضرة، في حالة حضور! وذكر الله بهذا المعنى ماذا يعني؟ يعني خشية الله، محبة الله، الرجاء في الله، ومُراقَبة الله، أليس كذلك؟ هذا هو! لأنك لا تنساه، ولذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مُؤمِن، لو كان في الحضرة لما زنى، لا يُمكِن أن يعصي الله، بصراحة لا في كبير ولا في صغير، لو كان في لحظة حضور مع الله حتى الصغائر يتنزَّه عنها، لا يستطيع، لا يُمكِن! نفسه لا تسمح بذلك، لا تُطاوِعه أبداً، لا يُمكِن أن يعصي الله وهو في حضرته، هذا معنى الذكر، أليس كذلك؟ وأيضاً الآية تقول هذا، وهذا من بدائع كتاب الله، يُمكِن أن تُفسِّر لفظة مثل هذه أو مُركَّب مثل هذا – أي ذكر الله، هذا المُركَّب الإضافي – بخمسة وجوه وكلها صحيحة، كلها صحيحة! أي هذه الوجوه، هذا يُمكِن، هذا من بدائع كتاب الله تبارك وتعالى.

ذكر الله تبارك وتعالى – إخواني وأخواتي – يُمكِن أن يُفسَّر بمعنى أكثر تخصصاً، هو تذكر وعدم الغفلة وعدم النسيان لماذا؟ لموعود الله ولوعد الله، بماذا وعد الله؟ وبماذا أوعد الله؟ حين تكون على ذُكر من هذا، لا تنساه! فهذا أيضاً يطمئن به القلب، وخاصة في حق ماذا؟ المُؤمِن، موعود الله تبارك وتعالى، الموعد الله! ولذلك يجوز الإنسان من شتى صور وصنوف الابتلاءات بيسر – بإذن الله – وسهولة، ويُوشِك إذا انقلب إلى صاحب النفس المُطمئنة ألا يعود يُجاهِد، ما عاد يحتاج المُجاهَدة، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۩، يسلس القياد! مَن جاهد في الله سنة وسنتين وعشر وعشرين يسلس قياد نفسه بين يديه، لا يعود يشعر أنه مُضطَر مدفوع لأن يُجاهِد، يُجاهِد ماذا؟ نفسه لا تُطاوِعه إلا في الخير، إلا في المراضي، لا تُطاوَعه إطلاقاً في المساخط، في المعاصي، وفي المناكر أبداً، بل يصير إلى حالة يا إخواني – وها أنا الآن أسلفتكم بسرعة معنى النفس المُطمئنة – يتقزَّز فيها من المعاصي، وهو قادر عليها، أي ليس عن عجز، ليس عن عجز كعجز الشيخ الكبير – مثلاً – عن إتيان النساء، فيتقزَّز لعجزه طبعاً، لا تُوجَد الداعية، الداعية غير مُتوفِّرة، لا! شاب قد يكون في المُراهَقة وقد يكون في شرخ الشباب وهو قادر، لكنه لا يعود حتى يشتهي هذه الأشياء، يتقزَّز منها، هذه النفس المُطمئنة، هذه النفس المُطمئنة تماماً! وواضح أنها مرحلة مُتقدِّمة جداً، تأتي بعد النفس اللوّامة، هذه الحالة – حالة الطمأنينة – تأتي بعد اللوّامية، واللوّامية تأتي بعد الأمّارية، الأمّارية هي المُنطلَق، كلنا ينطلق من حالة النفس الأمّارة بالسوء، كلنا! منا مَن يجتاز إلى اللوّامية، إذا أخطأ، إذا تجاوز، وإذا غفل فإنه يُقرِّع نفسه دائماً بالملامات وبالندمات، لماذا؟ لماذا فعلت هذا؟ لماذا تركت هذا؟ لماذا تجاسرت وتجرأت على هذا؟ كيف؟ وأنى؟ وهكذا! هذه النفس اللوّامة، إذا استمر في طريق التلوام هذا يُوشِك أن ينتهي – بإذن الله وفضله – المسار به وأن ينتهي حرق أو تجاوز المراحل به إلى النفس المُطمئنة، إلى أُفق ومصاف النفس المُطمئنة.

فباختصار مَن أراد أن يختبر نفسه – هل هو ذو نفس مُطمئنة أو نفس غير مُطمئنة – ليسأل نفسه عن هذا، إذا كان يشتهي ما حرَّم الله ويلذ له ويجد حتى صعوبة في مُقاوَمته فأنا أقول له ليس بعد، نسأل الله لك الترقي ومزيداً من الترقي، لكن ليس بعد، لست صاحب نفس مُطمئنة، إن وصل إلى حالة يتقزَّز ويشمئز ويزور تماماً عن المعصية فهو أنا أقول له أنت صاحب نفس مُطمئنة، ولذلك أنا قلت تنقطع حتى المُجاهَدة، المُجاهَدة غير موجودة، غير موجودة! يُجاهِد ماذا؟ هو ينساق ويندفع فقط إلى المراضي وإلى محاب الرحمن بسهولة، بيسر، وبسلاسة، الله أعطاه هذا، والنبي أشار إلى هذا المعنى اللطيف بقوله في حق العبد الصالح – اللهم اجعلنا ذلكم العبد الصالح أو على صفته ونعته – الذي اجتاز المراحل ونجح في تجاوز الفتن التي عُرِضت على قلبه كعرض الحصير عُوداً عُوداً أو عَوْداً أو عَوْداً إنه يصير صاحب قلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، هو هذا! هذا صاحب النفس المُطمئنة، قلب مُطمئن ونفس مُطمئنة بإذت الله تبارك وتعالى، هذه الجائزة، هذه المُكافأة! الله كافأ صبره وجهاده، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ ۩، الله يُقسِم هنا، لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ۩، انظر إلى التأكيدات! لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ۩، هذا هو الإحسان، مُجاهَدة النفس المُستمِرة! وهي صعبة بالمُناسَبة، مُجاهَدة النفس صعبة جداً جداً، ولكي تُجاهِد نفسك جهاداً مُستمِراً عليك أن تقطع بيداء الوعي بالنفس، هذه مسألة في غاية الغموض والصعوبة والعواصة، بيداء الوعي بالنفس! أن تُحلِّل بواعثك، دوافعك، قصودك، ونواياك، أن تظل دائماً واقفاً على بوّابة النفس مُتهِماً لها، في صغير الأمر وكبيره، وفي خيره قبل شره، لأن الشر واضح، لكن في الخير يلتبس الأمر.

يُحكى عن أحد العارفين أو أحد الصالحين – من أصحاب المُجاهَدات والرياضات – أن نفسه دعته يوماً إلى الغزو، قالت له اركب واغز مع الغُزاة، هيا! هو عارف، فجعل يبتهل إلى الله – تبارك وتعالى – في السحر ويقول أي ربي، تعلم أني مُتهِمٌ لها، فدلني على قصدها، أنا لست مُطمئناً، هذه نفس خبيثة، فكُشِف له – سُبحان الله – وفهم، الله هكذا ألهمه، طريقة من الاستبصار الداخلي، فهم أن النفس أرادت هذا لأنه يقتلها كل يوم مرات بالمُجاهَدات، يزمها عن مُشتهياتها، يزمها عما تُريد، يمنعها! قتل وذبح كل يوم، فبرمت، النفس سئمت وبرمت، تبرَّمت بهذا الوضع، فأرادت أن تختله عن طريقته في المُجاهَدة، فدعته إلى الجهاد في سبيل الله لكي يُستشهَد، رأت أن موتها مرة أفضل وأيسر عليها من أن تموت كل يوم عشر مرات، أدرك أن هذا كذب، يا الله!

والله حين أقرأ مثل هذه الأشياء يقف شعر بدني، أقول لو أن الجماعة هؤلاء الذين يذهبون ويقتلون أنفسهم ويقتلون الآخرين في داعش وغير داعش لاختلف الأمر، آآخ ثم آآخ ثم آآخ إلى انقطاع النفس، لو أنهم سمعوا مثل هذا الكلام، لو تربوا عليه مُذ كانوا صغاراً، لو يسَّر الله لهم من أهل الذكر والفكر والعلم مَن يُسمِعهم مثل هذه المعاني اللطاف الدقاق، لاختبر أحدهم نفسه، كالذي فجَّر جامع الصادق في الكويت، استطاعت الشرطة والمباحث أن تصل إلى السائق الذي أوصله وأقله مسافة الطريق، فقالوا له ماذا لاحظت عليه؟ ماذا قال؟ وماذا حدث؟ فقال كان ساكتاً ثم أخرج من جيبه مُصحَفاً وجعل يمر بصره عليه، كأنه يتلو! وقبل أن ينزل حين نقدني أجري قال لي إذا سُئلت عني – قال لم أفهم ماذا يقول الرجل هذا، لماذا؟ لم يفهم أنه ذاهب ليقتل المُسلِمين ويقتل نفسه والعياذ بالله – فأخبر بما رأيته، هذا المُرائي يُرائي في آخر لحظة، هذا كذّاب، شيئ غريب، شيئ مُرعِب! أنا أُرعَب – أُقسِم بالله العظيم – حين أسمع مثل هذه الأشياء، يا الله! إلى آخر لحظة قبل أن تموت وتُسلِم النفس أنت تُخادِع ربك عز وجل! هل تظن أن هذا يسوغ على الله أيها الكاذب، يا قاتل المُسلِمين المُوحِّدين وهم ركّع سُجّد؟ الله أكبر يا أخي! قال إذا سُئلت عني فأخبر بما رأيته، أخبر أنني كنت أتلو كتاب الله، أخبر عن المُجاهِد الصادق، عن الكذا والكذا، كذّاب! هذا الرجل مليء من فرقه إلى أخمصه كذباً ورياءً ونفاقاً وعمىً وجهلاً بالنفس، ليس عنده قيد أنملة أو قيد قلامة ظفر من الوعي بالنفس لكي يتهم نفسه، هذا ليس مُستعِداً أن يتهم العالمين وإنما هو مُستعِد أن يقتل العالمين، قتل الركّع السجّد وهو يُصلون، دخل معهم المُخادِع لكي يُصلي ثم فجَّر نفسه، عشرات ذهبوا! ذهبوا ضحية هذا الجنون وهذا العمى.

رحمة الله على شقيق البلخي – الآن تذكَّرت هذا – الذي قال الطريق واضح والحق لائح والداعي قد أسمع، فما هذا التحير إلا من العمى، الله أكبر! الطريق واضح والحق لائح والداعي قد أسمع، فما هذا التحير إلا من العمى، يُوجَد عمى! ليس عمى الأبصار، فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ۩.

إذن عليكم أن تقطعوا أولاً بيداء الوعي بالنفس وإدراك النفس يا إخواني، وهنا يأتي الحديث الذي أفضنا فيه غير مرة وخاصة ربما في السنوات الأخيرة، في خُطبة الذات الحقيقية وخُطبة الذات الخيالية وحتى في خُطب السعادة، إلى آخره! نفسك الحقيقية أجهل مجهول لك، ومن هنا مَن عرف نفسه عرف ربه، ليس من السهل أن تعرف نفسك إطلاقاً! نسأل الله ألا نكون مِمَن قال فيهم وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ۩، أن يُفجَع أحدنا في نفسه يوم القيامة، يُنادى عليه أيها الكذّاب فلان ابن فلان، مُصيبة! لا سمح الله ولا قدَّر، مُصيبة! هو عاش ومات وهو يظن أنه من الصالحين ومن العارفين، فيُنادى يوم القيامة الكذّاب المُرائي المُنافِق فلان ابن فلان، وسيبدو له من الله ما لم يكن في حُسبانه، لماذا؟ لأنه لم يكن مِمَن يبحث عن نفسه، ابحث عن نفسك، فتِّش في نفسك، نفسك الحقيقية مركومة تحت ركام وتحت طبقات من النفوس المُصطنَعة، النفوس الزائفة، النفوس الخيالية، المصنوعة من أجل المُجتمَع، من أجل المصلحة، من أجل المنفعة، من أجل المثابة، من أجل الحيثية، من أجل… ومن أجل… أشياء كثيرة!

وقلنا مرة – علماً بأنني استفدت هذا من آخرين، من غير المُسلِمين، ذكروا هذا، وطبعاً العارفون بالله يُمارِسون هذا بدقة وبشكل أعمق من هذا بكثير – لابد أن تدق إسفيناً بين الذات الخيالية والذات المركومة تحت في أسفل الطبقات، فالأخيرة غير ظاهرة لك، لا تعرف عنها شيئاً تقريباً، وهي ذاتك الحقيقية التي إن عرفتها عرفت ربك ووصلت إلى الله، إن لم تعرفها أنت تائه، أنت ضائع يا مسكين، مثل هذا الذي طلب أن يُحدَّث الناس عنه ثم ذهب وانتحر، ثم يُقال هذا مُجاهِد، مُجاهِد ماذا؟ مُجرِم كبير هذا، مُنتحِر خسيس، مُخادِع، وغاش! لكن لا يسوغ خداعه وغشه على رب العالمين – لا إله إلا الله – الذي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ۩، ما هو أخفى من السر؟ هل تعرفون ما هو؟ دوافع النفس الحقيقية المغفول عنها والمعمي عنها وعن مُلاحَظتها ومُراقَبتها، دق إسفيناً بين الذات الحقيقية المجهولة لك – كلها مجهولية – وبين طبقات النفس الزائدة، أي الــ Pseudo هذه، دق الإسفين! كيف أدق الإسفين إذن؟ إن دققت الإسفين يُمكِن أن تبدأ تظهر لك وتلوح لك بعض ملامح هذه النفس المطمورة، المسكينة المُدساة،المُدساة وليست المُزكاة، كيف تُزكيها؟ ليست في المشهد، ليست على المسرح أصلاً هي، مُستعبَدة تماماً!

دق الإسفين، كيف أدق الإسفين؟ قالوا حاول أن تجعل فاصلة – فاصلة حقيقية – بينك وبين هذه الشخصيات الزائفة، كيف أفعل هذا؟ عاملها على أنها الشخص الثالث، الضمير الثالث، هو! علماً بأننا نفعل هذا دون أن نفطن له، ولكي أُبسِّط – إخواني وأخواتي – أقول نحن مأمورون بأن نكون رقباء على أنفسنا، أن نُراقِب أنفسنا! السؤال: مَن يُراقِب مَن؟ أنا أفهم تماماً وأتقبَّل أنني أُراقِبك وأنت ترقبني، طبيعي! تُوجَد فاصلة، لكن كيف أُراقِب نفسي؟ كيف يكون المُراقِب هو المرقوب أو المُراقَب؟ كيف؟ هذا يعني أن هناك أكثر من نفس، وفعلاً هناك أكثر من نفس، هناك طبقات! حين تُحدِّث نفسك لماذا فعلت هذا؟ مَن يُخاطِب مَن؟ أنت تقول لها لماذا فعلت هذا؟ فمَن يُخاطِب مَن؟ تُوجَد أكثر من طبقة، انتبه! تُوجَد أكثر من طبقة، يُوجَد أكثر من كيان في الداخل، ولذلك لكي تُفلِح في صُنع هذه الفاصلة دق الإسفين وعامل هذه الذوات على أنها الشخص الثالث، قل ها هو قائم يخطب الآن في الناس، ماذا يُريد هذا الخطيب؟ هكذا قل عن نفسك، ها هو قائم يخطب، ماذا يُريد؟ هل يُريد وجه الله أم يُريد وجوه الناس؟ ما الذي يقصده بهذا؟ ما الذي كذا وكذا؟ تحدَّث عنه بصيغة الشخص الثالث.

ليس فقط في مُراقَبة مثل هذه الأشياء، حتى في مُراقَبة الإحساسات، أي الــ Sensations، حتى الإحساسات – الإحساس بالبرودة، الإحساس بالاحترار، الإحساس بالدفء، الإحساس بالإعياء، الإحساس بالتعب، الإحساس بالألم، الإحساس بالالتذاذ – نفس الشيئ، إذا عاملت هذه الذوات على أنها الشخص الثالث فسوف تُخلَق وتُوجَد وتنشأ الفاصلة بينك وبينها، وهذا هو سر أن بعض الناس يجلس هكذا على كرسي الطبيب، يُجري له جراحة مُؤلِمة جداً جداً، دون أن يأخذ بنجاً، خاصة في تلك الشعوب التي تدرَّبت على هذه الأشياء، لماذا؟ يُمارِسون دق الإسفين هذا، تنفصل عنهم هذه الذوات بما فيها طبعاً هذا البدن – هذا ليس الذات الحقيقية، ليس له علاقة هذا، هذا ثوب غداً يأكله التراب، يأكله الدود، ليس له علاقةَ – ويُصبِح الإلم أجنبياً عنهم أو منهم، خاصة لمَن أمعن في هذه الطريقة، أي في هذا التكنيك Technique، لمَن أمعن! يُصبِح أجنبياً، هو لا يتألَّم، الذات الحقيقية لا تتألَّم، لكنه يقول هذا مسكين، يتألَّم هذا البدن، يتألَّم فلان، مسكين هو، لكن غداً سيصير حاله أحسن، لا بأس، عليه أن يصبر قليلاً، عجيب! يقول هذا مسكين، هو فرحان بالنجاح، فرحان بالإطراء وبمديح الناس له، فرحان بالوظيفة الجديدة، فرحان بكذا وبكذا، مسكين! هو فرحان وعما قليل سيزول كل هذا عنه أو سيزول هو عنه، فرحان بالسُلطة، فرحان بكذا وبكذا! كلِّم الشخص الثالث، دائماً دق الإسفين، لكي تصل إلى الشخص الحقيقي.

إخواني وأخواتي:

سورين كيركغور
سورين كيركغور

سورين كيركغور Søren Kierkegaard أبو الفلسفة الوجودية المُؤمِنة أخبر عن نفسه وعن فترة من فترات حياته في كتابه الذي سماه المرض حتى الموت أو المرض إلى درجة الموت، أي The Sickness Unto Death، قال جرَّبت أن أعيش مُدةً من الزمن، ما دعوته وما سميته بالحياة الجميلة، ما هي الحياة الجميلة؟ قال حياة اللذائذ، اللذائذ! أي شيئ تشتهيه نفسك افعله، علماً هذه رسالة بالذات لأبنائنا وبناتنا، رسالة لإخواننا الشباب المُبارَك – نسأل الله أن يهديهم سُبلهم، سُبل السلام – الذين طبعاً يطلعون ويتحاورون مع النمط الجديد أو الاستايل Style الجديد الخاص بالحياة الآن في الغرب، الغرب الأوروبي والأمريكي! يُعلِّمونكم هذا، أي شيئ تشتهيه افعله، لا تُؤخِّره، وقاموا بإنشاء فلسفة، لكنها فلسفة فارغة مُدمِّرة، وعد بالخيبة والخسار والملل والضجر والسآمة وربما بالانتحار في النهاية، وسوف نفهم لماذا، كيركغور Kierkegaard دخل هذه التجربة، قال أنا أردت أن أفعل هذا، وطبعاً كثيرون فعلوا هذا، ليس كيركغور Kierkegaard وحده، لكن هو فيلسوف كبير وصاحب لسان وقلم عميق، هو أصلاً مُؤسِّس للفلسفة الوجودية عموماً، ووجوديته كانت مُؤمِنة وليس مُلحِدة، قال بعد أن مضيت في هذه الطريق مُدةً من الزمن – وصف طبعاً في كتابه هذا بدقة لمَن شاء أن يعود إليه، لكنه لخَّصه بعبارة في مُنتهى البداعة، في مُنتهى الإبداع والروعة! ماذا قال؟ – لم أجد قعراً لبحر اللذات أُرسِل إليه مرساتي، لا يُوجَد! وبلُغة شيخنا محمد الغزّالي – طيَّب الله ثراه – الإنسان مع اللذائذ يكون هكذا، كلما ذاق جديداً طلب مزيداً، كلما ذاق جديداً طلب مزيداً، باستمرار! ولن تنتهي إلى الاكتفاء والاغتناء وأنت تقول هذه المرحلة الأخيرة، نُلقي عندها عصا التسيار، فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى، لا! هذا مُستحيل، هذا القعر الأبعد نُدلي إليه بمرساتنا بتعبير كيركغور Kierkegaard، فأنت لن تجد هذا، وسوف تقول لي حتى اتزاننا الروحي والسعي والكدح بالتعبير القرآني إلى الله تبارك وتعالى – اللهم اجعلنا من الكادحين إليك، إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا ۩ – وطي المراحل إلى اللامُتناهي – إلى المُطلَق، لا إله إلا هو – ينطبق عليه نفس الشيئ، لا نهاية له، وصحيح أن لا نهاية له، لو عشت ليس عمر نوح وإنما لو عشت عمر الكون مضروباً في مليارات المرات ما انتهيت أيضاً، لأن الله هو المُطلَق، لا إله إلا هو! لكن – انتبه، وهذا هو الأهم – بفارق، مع كل مرحلة بل كل خطوة من مرحلة تقطعها على طريق السير إلى الله والكدح إلى الله – إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۩، الصراط المُستقيم هذا – سيلوح لك نور قدسي عُلوي، سيحصل لك استسعاد بالتقرب من الله – وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ۩ – بكل ركعة، بكل درهم تصدقت به، بكل شهوة تكبتها لله، بكل شيئ تتجاوزه من أجل مرضاة الله، وبكل لحظة رقابة لله الذي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ۩، لا إله إلا هو! خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ۩، حين تنظر بطرف عينك يعرف الله هذا، يعرف ويعلم – عز وجل – ماذا أردت بهذا، طبعاً يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ۩، يعلم هذا، لا إله إلا هو! ما الذي يحصل؟ مع كل خطوة ومع كل مرحلة تُقطَع في سبيل وفي طريق السير إلى الله – تبارك وتعالى – يُضاف إلى رصيدك الإنساني ماذا؟ نُضج جديد، وعي جديد، تكامل – Integration، أي تكامل، تكامل في الشخصية – جديد!

بالمُناسَبة طريق السير إلى الله هي ذاتها وعينها طريق الوصول إلى النفس أو الذات الحقيقية، هذه هي! لا إله إلا الله، كما قلت في خُطبة قديمة لدينا مجازان، أي Two metaphors، مجازان! المجاز الأول مجاز المرآة والمجاز الثاني مجاز الطريق، القرآن مُتعطِف مع مجاز الطريق، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۩، أليس كذلك؟ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ۩، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ۩، السبيل، الطريق، والمراحل، هذا المجاز القرآني! مجاز العارفين إلى هذا المجاز أيضاً وخاصة مثل الإمام الغزّالي وغيره المرآة، يقول لك المرآة، المرآة! العلة من القابل، ليست من الفاعل، العلة لديك، الحضور الإلهي غامر، غامر! أنت المحجوب، المرآة لديك لا تلتقط، اجلها، نظِّفها، واصقلها، اصقل هذه المرأة! كلما جلوتها مزيد جلو وصقلتها مزيد صقل كلما لاحت فيها أنوار القدس، وأنت في مكانك، لم ترم، لم تتحرَّك، قد تقول لي يُوجَد اعتراض، يُوجَد تعارض بين مجاز السير ومجاز المرآة، لكن مَن حقَّق ودقَّق وجد أن الأمر ليس كذلك، غير مُتعارِضين، غير مُتضادين، بل هما مُتكامَلان تماماً، بل هما الشيئ عينه! كيف؟

هل تظن أن الطريق إلى الله تُقطَع بخطو الأرجل؟ مُستحيل، ونحن قلنا هذا مجاز، إذن لا تُوجَد طريق حسية تُقطَع بخطو الأرجل، كأن يمشي الإنسان في الشوارع، يمشي في البلاد، يسير من بلد إلى بلد، ليس هذا! إذن هذا مجاز، إذن هذا معناه أن الخطوات والمراحل والنُقل على طريق الله – هل تعرف ما هي؟ – هي خطوات الجلو والصقل والتنظيف، هي ذاتها! إذن إذا أردت أن تسير إلى الله اجل مرآتك، اصقلها، نظِّفها، طهِّرها، كيف أصقلها؟ كيف أجلوها؟ كيف أُطهِّرها؟ معروف طبعاً، تخلية وتحلية، البُعد عن المساخط والمناكر والمغاضب إن جاز التعبير، والتحلي بماذا؟ بالمراضي والمحاب والقُربات والخيور والمبار التي هي مرضية لدى رب العالمين، لا إله إلا هو، هذا هو، المجازان شيئ واحد!

نعود، لكي لا نُطيل – إخواني وأخواتي – نعود، انتبهوا! هذا شيئ مُهِم جداً، طريق اللذائذ إذن أو طريق التسامي الروحي، الكدح إلى الله أو تغذية وحوش النفوس والشخصيات الزائفة بطبقاتها المُختلِفة، اختر أي الطريقين وأي السبيلين، لماذا لا قعر في بحر اللذات؟ لماذا؟ هذا شيئ مُهِم، شيئ مُهِم جداً! إذا تسنت لك فُرصة أن تجلس مع شيخ كبير في السن – وصل إلى سن السبعين أو الثمانين – من الأثرياء سله هذا السؤال، أو إذا تسنت لك فُرصة أن تجلس مع واحد من العلماء الكبار – وربما حتى من الحائزين على جائزة نوبل Nobel – سله هذا السؤال، أو إذا تسنت لك فُرصة أن تجلس مع شخص مُتنفِّذ – كان رئيس وزارة في يوم من الأيام أو على رأس جهاز الاستخبارات أو حتى رئيس دولة – سله هذا السؤال، إن تسنى لك هذا سل كل هؤلاء وأمثالهم هذا السؤال، قل لأحدهم أخبرني بصدق – هذا ليس للنشر الصحافي وليس حتى للنشر الفيسبوكي، بيني وبينك قل له، عُدني ابنك أو أخاك الصغير – ما تقييمك لحياتك كلها بجُملة واحدة؟ وسوف يقول لك قبض الريح، قبض الريح!

ألدوس هکسلی
ألدوس هکسلی

لذلك ألدوس هکسلی Aldous Huxley – الأديب الكبير – قال يأتي على كل أحد لا محالة – كل أحد – يومٌ يتساءل فيه بصدد أروع ما أنجزه وأروع ما جذبه في الحياة، ثم ماذا؟ أهذا كل شيئ؟ هل انتهى الأمر؟ هذا لا يستأهل، أرأيتم؟ لأن الله قال وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ۩، مَن لم يصل إلى الله، مَن لم يكدح إلى الله، والله والله والله سينتهي إلى هذا الشعور بالعدمية والخواء، وبأنه قبض الريح في النهاية، وبأنه ليس هذا، ضاعت حياتي، سقط مني عمري، راحت سنون عمري، وليس هذا، كنت أظنه هذا لكنه ليس هذا، فمن الآن – هذه فُرصة، قبل أن تسقط سنون العمر، قبل أن تسقط وتضيع وتتلاشى – الحق، الحق نفسك، أصلِح المنظومة، منظومة القلب هذه، منظومة العقلانية والتحليل على أُسس إيمانية، الحق وأدرِك نفسك، استدرك يا أخي، استدركي يا أختي، لماذا يا إخواني؟ لماذا لا قعر نُدلي إليه بمرساتنا؟ باختصار وبتبسيط شديد الإنسان في هذا الوعاء أو في هذا البرميل – هذا البرميل مُسمى بالبشر، نحن براميل، مُجرَّد براميل – لا يُسرِّب، كيف لا يُسرِّب؟ فعلاً لا يُسرِّب، هل اتفق مرة أو صدف أنك لاحظت أن أحدهم يُسرِّب وعاؤه بخبراته – مثلاً – كخبرات الألم أو اللذة أو الفرح أو الحزن أو البؤس أو الضجر أو الاكتفاء أو الانتشاء؟ أبداً أبداً، لا يُسرِّب! بمعنى أن هذا الوعاء المُكوَّر المُدوَّر الأسطواني يا إخواني مطوي تماماً، ليس فيه مسامية ولا تسريب ولا كسر، أي برميل عادي قد يكون برميلاً من فخار، فيه مسامية، يرشح الماء منه، أليس كذلك؟ قد يكون له فتحة يُستمَد ما فيه منها، قد يُكسَر ومن كسره يترشَّح ما فيه، هذا البرميل ليس كذلك، حتى لو قطعته لا يُسرِّب شيئاً، بمعنى أن تجاربك أياً كانت – كل التجارب وكل الخبرات على اختلافها – تبقى حبيسة داخل هذه الأسطوانة، لا تتسرَّب! فقط يُخبَر عنها، والإخبار عن الشيئ غير عيش الشيئ، انتبهوا! غيره تماماً، أليس كذلك؟ غيره تماماً، أخبِر طفلاً في حياته لم يذق العسل عن العسل وكيف هو لذيذ وطيب وأنه أطيب من السكر وأطيب من كذا وأطيب، هذا كلام فارغ! لا قيمة له حتى يذوق العسل، خبرة الذوق البسيطة هذه! أخبِر مَن عنده عمى ألوان أو أخبِر حتى الضرير تماماً عن الألوان وكم هي زاهية وكم هي فاقعة وجميلة وكذا وكذا، هذا كلام فارغ! هو يُردِّد الكلام، يحفظ الكلام، لكنه لم يعشه، لماذا أقول هذا؟

طبعاً كلنا نعلم أن لا أحد يألم عوضاً عنك أو بالنيابة عنك أو يألم ألمك، لا أحد! أليست هذه أمك؟ والله أمك لا تألم ألمك، تألم لألمك، انتبه! تألم لألمك، والألم للألم غير عيش الألم نفسه، رجل قُطِعت ساقه – قُطِعت ساق المسكين – أو عنده مرض في الكُلية، عنده حصوات تحرَّكت في الكُلية، ومن ثم عنده ألم شديد، يجعله يتلوى كالأفعى كما يقول الأطباء، أمه تبدأ تتألَّم وتبكي لألمه، لكن هل تُعاني ألمه؟ لا، أبداً! كُليتها سليمة، لا تُعاني ولا يُمكِن أن تُعاني ألمه، هي تتألَّم لحالته، هل هذا واضح؟ تألم لألمك، لكن لا أحد يألم ألمك، ستقول لي وبالمثل وعلى قدم سواء لا أحد يفرح فرحي أبداً، وهذا صحيح طبعاً، طبعاً لا أحد! أبوك، أمك، اخوك، زوجك أو زوجتك، وابنك يفرحون لنجاحك، نجحت وحقَّقت ما تُريد، حصلت على الشهادة العُليا، يفرحون لفرحك، لكن لا يفرحون فرحك، ليسوا هم الذين نجحوا، ليسوا هم الذين تحصَّلوا على الشهادة هذه، ولا يعرفون المعنى هذا! وحين يعرفونه في حق أنفسهم يعرفونه بمعنى يخصهم هم أيضاً ولا يخصك أنت، شيئ غريب، هذا الإنسان! لماذا أقول هذا؟

أقول هذا لكي أُشير إلى أننا في الجوهر كائنات معزولة، لا إله إلا الله، معزولة! نحن كائنات معزولة، هذه البراميل معزولة، انتبهوا! ونحن نُحاوِل – هذا جهاد الإنسان المسكين – أن نُخبِر وأن نتواصل، هذا عن طريق الإخبار، ومن هنا ابتدع الإنسان النظام اللُغوي، الله ألهمه إياه، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ۩، الكلام خطير، هذه أهمية التواصل، لكن هذه كلها تواصلات شحيحة باهتة، الجوهر مُغلَق معزول ومُكتفٍ بنفسه، انتبه الآن! كل خبراتك، كل مشاعرك، وكل انفعالاتك إن لم تكن مُكتفية بذاتها بمعنى أكثر جوهرية وكانت استنادية – تستند إلى الآخر – ستكون ماذا؟ زائفة طبعاً، لأنك في الجوهر اكتفائي، تعيش معزولاً، بمعنى ماذا؟ انتبه فهذه قد تكون أهم نُقطة في خُطبة اليوم، بمعنى أن مُعظَمنا على الإطلاق مُغترِب عن نفسه، ولا تقل لي هذا سياسي عظيم أو رئيس دولة أو عالم كبير أو روحاني أو فقير أو مسكين، أياً كان! كلنا تقريباً هكذا إلا ما رحم ربي، هذا أضيق هامش، علماً بأن هذا الهامش يحل فيه حكماء البشر، هؤلاء العارفون حقاً بالله تبارك وتعالى، اللهم اجعلنا من العارفين بك، فقط هؤلاء! وغيرهم بنسبة تسعة وتسعين فاصل تسعة من عشرة في المائة هم المُغترِبون عن أنفسهم، حالة الاغتراب الدائم! يعيش الواحد منهم ويموت وهو مُغترِب، كيف؟ لماذا؟ لأنهم يا إخواني يعيشون بــ ومن أجل ولأجل مشاعر استنادية، تستند على الآخرين باستمرار وتستمد من الآخرين، مشاعر الاحترام، مشاعر الخوف مني، مشاعر الهيبة مني، أي تهيبي! وكذلك الطاعة، الإطراء، المديح، الإعجاب، والاحتياج، أليس كذلك؟ كل هذه مشاعر، تفرضها ماذا؟ تفرضها السُلطة والمال والقوة والعلم والوجاهة التميز والكفاءة والموهبة، كلها تفرض هذه الأشياء، لكن على تفاوت طبعاً، على تفاوت!

وطبعاً قدِّروا لو زال عن هذا الإنسان المهيب الممدوح المحبوب المُحتاج إليه الــ… الــ… الــ… كل هذه الأشياء، لو زال عنه سبب تميزه من وجاهة أو من سُلطة أو من مال أو من علم أو من جمال أو من أي شيئ، ماذا يكون موقف هؤلاء؟ مُعظَمهم على الإطلاق سيشمتون به، أليس كذلك؟ بعضهم قد يزدريه، قد يحتقره! وهذه الدنيا بالمُناسَبة، مَن لم يعرف هذا لم يعرف الدنيا، يُمكِن ألا يعرف الشباب هذا، لكن الكبار من أمثالنا يعرفون هذا تماماً، وكما قال إمامنا أبو عبد الله الشافعي – رضوان الله عليه – إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، كلها عرية! وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، وتعال جاهد وأفهِم الناس أن عندي كذا وكذا، سوف يُقال لك عندك ماذا؟ أنت أهبل، سوف تقول لكن أمس أنا كنت مُستودِع الحكمة، وسوف يُقال كنت هكذا لأنك كنت غنياً، هل تظن أننا كنا مُعجَبين بعقلك أو بحكمتك أو بكلامك؟ لأنك كنت غنياً، القضية كانت تتعلَّق بالجيب، الفلوس! من أجل فلوسك، لكن أنت اليوم فقير، تشحذ منا، أنت لا شيئ، أنت أحمق، سوف تقول كل ما أقوله هو كذا وكذا، وسوف يُقال كل ما تقوله حماقة، لا يعنينا، لم نطلبه يوماً! هذه هي الحياة وهذه هي الناس، ومع ذلك نحن نفعل هذا، نستند على الآخرين ونطلب السُلطة والعلم والتنفذ و… و… و… إلى آخره! فقط من أجل ماذا؟ أن يهابنا أو يُحِبنا أو يرجونا أو يُطرينا ويمدحنا أو… أو… أو… الآخرون، هذا لا يعني أن هذه ليست حالة اكتفاء ذاتي، هذه ليست حالة اغتناء ذاتي، هذا ليس شيئاً ذاتياً، هذا شيئ مُستعار، وبالحري لا يذهب معنا إلى حفرتنا، إلى قبرنا! ما هذا الفقر؟ ما هذا الفقر والإجداب؟ فقر جديب مُريع مُخيف، يعيشه الناس! وبالمُناسَبة – انتبهوا – هذه الأشياء كلها التي ذكرتها – من مال، من شُهرة، من تميز، من كفاءة، من… من… ومن… إلى آخره، كلها – أشياء مُشترَكة أو أشياء انحصارية؟ انحصارية.

تخيَّلوا معي لو كان الناس كلهم وبالقدر نفسه أغنياء، ماذا تكون النتيجة؟ لا أحد يبقى غنياً، لن يغدو أحدٌ غنياً، وسيزول معنى الغنى أصلاً، ما معنى الغنى؟ وما معنى الثراء؟ أنه ثري وهم فقراء، هو عنده وهم ليس عندهم، هكذا هو! لو الكل عنده وبالقدر نفسه لن يُوجَد مَن هو عنده، هل فهمتم؟ سيزول كل هذا طبعاً، معروف هذا، سيزول! لو الكل موهوب الموهبة ذاتها – نأخذ مثلاً الرياضيات – وبالقدر نفسه لن يُوجَد واحد موهوب أبداً، لن يغدو أحدٌ موهوباً، لابد من وجود شخص موهوب وشخص محروم، فتظهر مزية الموهوب، وكذلك الحال مع السُلطة، لو الكل عنده سُلطة وبنفس القدر سيغيب ويزول ويذوب معنى السُلطة، لن تُوجَد سُلطة! وهذا طبعاً مُستحيل، هذا سيكون مُتناقِضاً ذاتياً، لأن السُلطة تكون على الآخر، تقتضي أن يُوجَد مُتسلِّط ومُتسلَّط عليه أو مسلوط عليه، أرأيتم؟ فكون هذه الأشياء انحصارية يا إخواني يجعلها ماذا؟ تنافسية، وكونها تنافسية يستلزم بطريقة أو بمعنى أو بآخر أنها صراعية.

هؤلاء الناس – الحكّام الكبار وأصحاب الثروات وأصحاب العلم وأصحاب الفضيلة وأصحاب الحيثية الاجتماعية وشيوخ القبائل وأصحاب المواهب الفذة والعبقريات النادرة المُفتقَدة، كل هؤلاء على الإطلاق يا إخواني وأخواتي – يعيشون حالة صراعية دائمة، ما رأيكم؟ حالة صراعية – والله العظيم – لا يرجوها حكيم لنفسه، حالة صراعية من أجل ماذا؟ من أجل استدامة الوضع، لكي يبقى الوضع هكذا، لكي تبقى محبوبيتي، لكي تبقى هيبتي، لكي يبقى الرجاء فيه، لكي يبقى التوجه إلىّ، لكي يبقى الاحتياج إلىّ، لكي يبقى مدحي، لكي يبقى إطرائي، يُريد هذا! وهذه مشاعر ازدواجية، بقدر ما تُعطي طمأنينة شحيحة تُعطي ماذا؟ قلقاً وريبةً، لماذا؟ لأنها قد تزول في أي لحظة، قد تزول حيثيتي، قد يزول مالي، قد يزول سُلطاني، هل نُذكِّركم بالمسكين حسني مُبارَك؟ قضى كم سنة في السجن! حتى لو كان مُكرَّماً وأعطوه أكلاً وشرباً كان في السجن، في السجن! هل نُذكِّركم بتشاوشيسكو Ceaușescu الذي ضُرِب بالرصاص في رأسه؟ هل نُذكِّركم بموسوليني Mussolini الذي عُلِّق؟ هل نُذكِّركم بهتلر Hitler الذي مات مُنتحِراً؟ هل نُذكِّركم بيوليوس قيصر Julius Caesar الذي قال حتى أنت يا بروتس Brutus؟ هل نُذكِّركم بنابليون Napoléon في سانت هيلانة Saint Helena؟ هؤلاء كانوا أباطرة العالم، ما هذه النهاية البشعة الحقيرة؟ هؤلاء يعيشون حالة صراعية مُخيفة، مُخيفة! تستهلك قدرة الإنسان، تمنعه أصلاً أن يسعى السعي الروحي الحقيقي للاستسعاد والتكامل بمعرفة الله والكدح إلى الله، أنى له هذا المسكين؟!

لذلك سأختم الآن بقصة جميلة عمرها ثلاثة أيام، من أروع ما يكون! وانظروا إليها، هذه هي الحكمة فعلاً، قبل ثلاثة أيام – بالضبط في الرابع والعشرين من أكتوبر، هذا العام الجاري، في أواخره، في عام ألفين وسبعة عشر – دار ذا وينر للمزادات – دار مشهورة جداً في القدس! اسمها ذا وينر The winner، دار ذا وينر للمزادات – أعلنت الآتي، أعلنت ماذا؟ سنحكي القصة في الأول، سنقوم بعمل خطف خلفي، في سنة ألف وتسعمائة وثنتين وعشرين العالم الفذ الكبير ألبرت أينشتاين Einstein، ينطلق إلى طوكيو، وكان قبلها بقليل – في أواخر الواحد والعشرين – أُعلِن أنه فاز بجائزة نوبل Nobel، ينطلق إلى طوكيو باليابان وينزل في إحدى الغُرف وينهمك مُباشَرةً في كتابة بعض أفكاره – تأتيه أفكار كثيرة، هؤلاء عباقرة – حتى لا تضيع على أوراق، ويُوقِّع باسمه على هذا الورق، يأتي الخادم أو العامل هناك فيحمل أمتعته، يضعها في مكانها من غُرفته، يُفتِّش أينشتاين Einstein في جيوبه، وللأسف لا يجد فئات صغيرة لكي يُعطيها له كإكرامية، أي Tip، ليس عنده هذا الــ Tip، فقال له – إنسان كريم، كريم النفس – انتظر لحظة، ثم أعطاه ورقة، كتب عليها جُملة وكتب مُوقِّعاً ألبرت أينشتاين Albert Einstein بخطه، قال له خُذ هذه، وأنصحك أن تحتفظ بها، ربما يأتي يوم من الأيام تكون قيمتها أكثر من قيمة Regular tip، أي إكرامية عادية، احتفظ بها! الرجل لم يُكذِّب خبراً فأخذها واحتفظ بها، هذا اليوم الذي أشار إليه أينشتاين Einstein جاء في الرابع والعشرين من الشهر العاشر في عام ألفين وسبعة عشر، يوم الثلاثاء في دار الفائز – ذا وينر The winner – للمزادات بالقدس أُعلِن من طرف أحد أبناء إخوة هذا الرجل – هذا الرجل له أخ، وهذا ابن من أبناء أخيه – شيئاً، قال أنا عندي ورقة بخط ألبرت أينشتاين Albert Einstein، ومكتوب فيها حكمة، جُملة هكذا! جُملة واحدة، قالوا سنضعها في المزاد، بدأ المزاد بألفي دولار، بعد خمس وعشرين دقيقة فقط أُغلِق المزاد بــ 1.3 مليون دولار، أي بمليون وثلاثمائة ألف دولار! ورقة عليها جُملة واحدة بخط ألبرت أينشتاين Albert Einstein، أشهر علماء القرن العشرين، وواحد من أشهر خمسمائة عالم في تاريخ البشرية، هذا ثابت طبعاً! ماذا كتب فيها أينشتاين Einstein؟ طبعاً الصحف على طريقتها في الإثارة والعنونة الصحافية قالت هذه النظرية الجديدة لأينشتاين Einstein في السعادة، أينشتاين Einstein ليس فقط عنده نظرية النسبية الخاصة والعامة، وإنما عنده نظريات أُخرى مُهِمة جداً، من ضمنها نظريته في السعادة، وهذه ليست نظرية، هذه حكمة دقيقة وصحيحة، ربما تُلخِّص شطراً كبيراً من خُطبة اليوم، كتب فيها ألبرت أينشتاين Albert Einstein الآتي: A calm and modest life brings more happiness than the pursuit of success combined with constant restlessness، أي حياة هادئة ومُتواضِعة تجلب قدراً من السعادة أكثر من – أكثر من ماذا؟ – السعي إلى تحقيق النجاح المُترافِق أو المصحوب بالإعياء أو بالتعب الدائم، فيلسوف هذا الرجل! كيف وصل إلى هذا؟ كان شاباً صغيراً، أينشتاين Einstein كان في العقد الثالث من عمره، تقريباً كان ابن ست وعشرين أو سبع وعشرين سنة في سنة ثنين وعشرين، من أين له هذا؟ من حياته، لذلك استدعوا بعض كبار علماء وعالمات النفس، قالوا لهم حلِّلوا لنا القصة هذه، كيف قال هذا الشاب – هذا الشاب صغير – هذا الكلام؟ من أين أتى بالأفكار هذه؟ وهو عالم فيزياء، هو Physiker، فقالوا من حياته، أينشتاين Einstein حياته كانت هكذا، أينشتاين Einstein ارتاح في حياته، عاش بهدوء، لم يكن عنده تنافس وصراع وما إلى ذلك أبداً أبداً، لم يكن عنده هدف أن أصير عالماً كبيراً وفظيعاً لكي أخذ كذا وكذا، لم يكن عنده هذا، بالعكس! تكلَّم مُتأخِّراً وكتب مُتأخِّراً وخشيَ عليه أهله أن يكون مُتخلِّفاً عقلياً، ولكم أن تتخيَّلوا هذا.

الرسالة التي كتبها ألبرت أنشتاين بخط يده
رسالة ألبرت أنشتاين بخط يده

على كل حال مرة أُخرى نقول حياة هادئة ومُتواضِعة تجلب قدراً من السعادة أكثر من ماذا؟ من السعي إلى تحقيق النجاح المُترافِق أو المصحوب بالإعياء أو بالتعب الدائم.

هنا سأختم بكلمة، ألا يُمكِن أن نسعى إلى النجاح والإضافة – نُثري الحياة، نُطيِّب الحياة، نُكرِم هذه الحياة الإنسانية، نُثري ونُخصِّب المشوار الإنساني – دون أن نكون في تعب مُستمِر؟ يُمكِن هذا بفلسفة خُطبة اليوم وبشرط واحد لا بديل عنه، أن تجعل الثقة المُطلَقة والتوجه المُطلَق والطمأنينة التام بماذا؟ بذكر الله، بالله الذي لا يزول ولا يغيب وهو حاضر أبداً، وكما نقول دائماً أنت تستند على الحائط هذا، ما هذا الحائط؟ الرئيس – رئيس الاستخبارات مثلاً – أو الملياردير صاحبك أو أبوك الذي هو رئيس القبيلة أو علمك أو شهادتك أو صحتك أو قوتك، حين تستيقظ في الصباح ستجد أن هذا الصباح زال ومن ثم ستكون انتهيت، لكن مَن جعل ثقته بالله – أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ۩ – لا يكون هكذا، هو استند إلى ما لا يغيب بإذن الله تبارك وتعالى، ويُمكِن أن يُنجِز كغيره وأكثر من غيره وهو في قمة ماذا؟ السعادة والسكينة والراحة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، اللهم زِدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرِمنا ولا تُهِنا.

اللهم لا تدع لنا في هذا اليوم الكريم في هذه الساعة المُبارَكة من هذا المكان ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرَّجته، ولا كرباً إلا نفَّسته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا مديناً إلا قضيت عنه دينه.

اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، نسألك فعل الخيرات وترك المُنكَرات وحُب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

ربنا اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، اجزهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات مغفرةً ورضواناً، واغفر اللهم للمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩.

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۩، وأقِم الصلاة.

 (انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (27/10/2017)

 

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

motalazimate-almahana2

متلازمة المهانة – الجزء 2

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

تعليق واحد

  1. كلما سمعت لهذا الأستاذ الفاضل اشعر وكان كلامه نابع من قلبي انا وليس من قلبه هو ….

اترك رد