إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُوَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المباركين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ.
عباد الله:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩
ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ۩ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ۩ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ۩ قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ۩ قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ۩ فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ۩ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ۩ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى ۩ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ۩ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى ۩ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لّا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى ۩ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى ۩ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى ۩ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ۩
صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:
فرعون قبل ألوف السنين يطرح السؤال الأبله فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى ۩، وبعض كبار العلماء في العصر الحديث ينشر كتاباً بعنوان سبعة أسباب تدعو العلماء إلى الإيمان بالله، فهل ما بين السؤالين ينحصر في أسبابٍ سبعة؟ كلا، لو قلنا إنها سبعون أو سبعة آلاف أو سبعة ملايين أو بعدد ما خلق الله – سبحانه وتعالى – من خلائق في السماوات والأرضين لما أبعدنا النُجعة.
وفِي كلِّ شيءٍ لَهُ آية ٌ تَدُلّ على أنّهُ الواحِدُ.
لا إله إلا هو، إنها الآيات، ليست سبع آيات وليست سبعة أسباب، إنها بعددِ ما خلق الله – عز وجل وتبارك في عليائه – وذرى وبرى، وأجاب الكليم – عليه الصلاة وعلى نبينا وآل كلٍ والتسليمات – بقوله رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ۩،لم يقلالذي خلق كل شيئ – وهو بلا شك خالقٌ لكل شيئ – لكن هنا التعبير جاء مُتلمِّحاً معنىً بحياله ومعنىً مخصوصاً، قال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ۩، أعطاه البنية والهيكل والشاكلة التي تُلائمه والتي تصلح له والتي يُمكِن أن ينتظم بها في المُحيط الحيوي ليؤدي رسالته كما أرادها الله وكما صمَّمها – إن جاز التعبير – وخطَّطها وبرمجها وأعدها وقدَّرها، فهو الرب – لا إله إلا هو – الذي يُربِّي خلائقه إلى أن يبلغ بهم ما قدَّر لهم من درج الكمال، هذا معنى المُربِّي وهذا معنى الرب، والرب يأتي إسماً ويأتي مصدراً، فهو مصدر أيضاً لكن الحديث هنا عن الرب كإسم، رب الأرباب لا إله إلا هو، قال موسى الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى۩، ولم يقل أعطى كل شيئٍ خلقه وهدى أو أعطى كل شيئٍ خلقه فهدى وإنما قال ثُمَّ هَدَى۩، فإذن هما فصلان، فينبغي على العلماء والمُفكِّرين والفلاسفة أن يُمعِنوا النظر طويلاً في جهة الفصل بين هذين الفصلين، هما فصلان بينهما فصلٌ ولكلٍ منهما استقلال، فالبنية والهيكل شيئ، والهداية شيئٌ آخر، وهذا من بدائع كتاب الله تبارك وتعالى .
اليوم ستسمعون إلى البرهان وإلى تنظيم هذا البرهان بطريقة تُثير العجب والدهشة ويعمق بها التأمل في جلال الجليل – لا إله إلا هو – ويتأكَّد بها أن هذا الكلام مُحالٌ مُحالٌ مُحالٌ إلى انقطاع النفَس أن يكون كلام بشر، إنه كلام رب البشر، وهذه الآية على وجازتها ووضوحها ومُباشريتها تُمد العلم والفلسفة والفكر وتتحدَّى العلمويين الماديين الملاحدة القاصرين السذج الذين يُشبِه أن يكون بعضهم من قبيلة البُله من البشر على أنه في حقله عالمٌ كبير وقد يحمل جائزةً عالمية كجائزة نوبل Nobel للعلوم، لكنه في هذه الميادين أقرب إلى البلاهة، ولا عجب أن يتفوَّق في جانب ويسقط سقوطاً مُدوياً في جانبٍ آخر.
قلت قبل أسابيع مُعلِّقاً على كلمة شهيرة لأحد علماء الطبيعة في القرن العشرين المُنصرِم قال فيها إن ميتافيزيقا أرسطو Aristotle في جودتها – أي فلسفة أرسطو Aristotle وحكمة أرسطو Aristotle وهى قوية ومتينة – لا يُضاهيها ولا يُعادِلها إلا فيزياؤه في رداءتها، ففيزياء أرسطو Aristotle رديئة جداً ، يضحك منها طالب الآن في الخامس الابتدائي، أرسطو Aristotle لا علاقة له ولا فكرة لديه ولو في الحدود الدُنيا عن مفهوم الجاذبية – مثلاً – أو شيئ يُشابِه الجاذبية على ما عرضها كبار العلماء وفي رأسهم طبعاً نيوتن Newton، فهو ليس لديه فكرة عن هذا ويظن أن الأشياء تهوي وتصعد من باب الشوق والعشق، عشق ماذا؟ هذا ليس تفسيراً علمياً، هذا مجاز Metaphor، وهذه الأمثولات المجازية ينبغي أن يكون العالم بعيداً جداً منها ومُتنائياً عنها، وبالمُناسَبة كثيرٌ من العلماء وخاصة الذين اتخذوا العلم أيدولوجية يقعون في أمثال هذه المجازات ويُقدِّمونها على أنها علم مُحترَم، وهى مجازات سخيفة لا علاقة لها بالعلم، ولذلك عند المُحاكَمة العلمية الدقيقة لا اعتبار لها، وحتى العلماء أنفسهم لا يعتبرونها، فهذه تعابير وأساليب وألفاظ ومصكوكات اصطلاحية خارج دائرة العلم الحقيقي، ولكنها تزحم الكتب وتضج بها الرؤوس والعقول والأذهان لكثيرة ما يُلَح عليها وتُقتبَس وتُستدعى، فميتافيزيقا أرسطو Aristotle في جودتها لا يُعادِلها إلا فيزياء أرسطو Aristotle في رداءتها، وأنا قلبت المقولة فقلت أكثر علماء العصر الماديون – هؤلاء العلماء الماديون – علومهم في قوتها ومتانتها لا يُعادِلها إلا فلسفتهم في رداءتها، فحين يذهبون يتفلَسَفون ويتحدَّثون في قضايا الفلسفة وفي قضايا لها علاقة باللاهوت وبعلم العقيدة يُصبِحون سذجاً وبُلهىً وردءاء جداً وأردياء أيضاً.
قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ۩، واضح جداً أنه تصريح – لا أقول إشارة وإنما هذا تصريحٌ – ببرهان التصميم وليس الخلق فانتبهوا، الخلق شيئ والتصميم شيئ والهداية شيئ، أي ثلاثة براهين مُستقِلة، قال الله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ۩ الَّذِي خَلَقَ – هذا برهان الخلق – فَسَوَّى ۩ وَالَّذِي قَدَّرَ – هذا برهان النظم – فَهَدَى ۩- هذا برهان الهداية – في كتابه، فهذا كتاب الله الذي لابد أن نتأمله جيداً، ولا يجوز لساذج فارغ العقل والقلب أن يأتي ويقول لست بحاجة إلى العلم ولا إلى الفلسفة ولسنا بحاجة إلى أمثال هاته المُحاضَرات لأن القرآن أغنى عنها، كيف أغنى عنها؟ هل فعل هذا بفهمك أنت؟ أنت لم تفهم أصلاً، أنت لا تستطيع أن تُميِّز بين هذه البراهين، كله عندك – كما يُقال – كف عدس فانتبه،يجب على الإنسان أن يتواضع، ويجب أن نأتي إلى القرآن مُسلَّحين بخلفيات معرفية عميقة وواسعة وعريضة أيضاً، لكنأن ندّعي أننا هكذا ونحن فارغون ونقول يُمكِن أن تستسبر وأن تستنبط كل شيئ من القرآن فهذه دعوى عريضة أعرض من البيداء ومُتشبِّثة بأذيال الفراغ والخواء، هذا كلام فارغ وإلا أروني كيف، لم يقم أحد بهذا ولا يستطيع، القرآن يُستشار، ولذلك إذا استشاره عالم يعود عليه بغير ما يعود به على جاهل يستشيره، أليس كذلك؟ القرآن مُتاح للجميع ومطبوعٌ في المصاحف ويقرأه العالم ويقرأه الجاهل، لكن فرقٌ عظيمٌ جداً كما بين السُهى وشمس الضُحى ببن القراءتين وبين الدرسين وبين الثمرتين، لنكن مُتواضِعين، حاشا لهذا الكتاب أن يُغذي فينا غريزة العُنجهية والغطرسة ويُعزِّز حالة الجهل والاستنامة والسكينة التي نحن فيها، هذا مُستحيل لكن للأسف بعض علماء الدين يفعل هذا، فبمثل هذا المنطق الأعوج الأعرج يفعل هذا لكي تبقى الأمة مُستنيمة على جهلها ويقول القرآن يكفينا إذن، بما أنك قلت هذا فالقرآن يكفي، لكنه لا يكفي بفهمك فانتبه، يكفي بفهم الكبار وبفهم الفاهمين.
إذن قال الله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ۩ الَّذِي خَلَقَ – هذا برهان الخلق – فَسَوَّى ۩ وَالَّذِي قَدَّرَ – هذا برهان النظم – فَهَدَى ۩ – هذا برهان الهداية – في كتابه، وهذا الكلام قد يكون عند بعض الناس إنشائياً، لكنه ليس إنشائياً بل له عمق علمي وفلسفي مُذهِل، والآن أو اليوم سنُطلِعكم عليه بحول الله تبارك وتعالى، فهو حقيقةً مُذهِل، لكن كيف هذا؟ قد يظن عالمٌ مادي طبيعي أن التصميم يكفي لأنه ينطلق من نظرة آلية ميكانيكية في تفسير عالم الحياة – مثلاً – وعالم الموات، أي في تفسير العالم كله من خلال نظرة ميكانيكية، ويقول التصميم يكفي ولا نحتاج هداية، هداية ماذا؟ هذا حديث ديني، وهذا الحديث يفوح برائحة الغيب ورائحة المُقدَّس، ما معنى فَهَدَى ۩؟ نحن لا نحتاج إلى الهداية، إنه التنظيم والتصميم فقط، والتصميم ابن الصدفة وابن الاتفاقات، لكن هذا كلام آخر لسنا الآن بصدد نقاشه لأنه كلام فارغ فارغ فارغ – أيضاً مرة ثانية – إلى انقطاع النفَس، فهو فارغ تماماً ولا معنى له، في النهاية لابد من مُصمِّم رغماً عنا ورغماً عن الملاحدة، في البداية كانت المعلومة فانتبهوا، وهذه هى نتيجة النقاش والتطواف المُرهِق جداً، في البداية كانت المعلومة، في البداية كانت الإرادة، ولذلك إذا سألك أحدهم مُتفلّسِفاً قل لي ما هو آخر سبب يُمكِن أن يُعزى إليه الخلق والوجود وكل ما فيه من انتظام ودقة وبداعة؟ قل له بكلمة إرادة الله، فهو أراد هذا وانتهى كل شيئ، وهذا السبب لا يُمكِن أن يُعزى إلى غيره، لكن لماذا أراده على هذه الشاكلة؟ لا تستطيع أن تعرف هذا، قال الله وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ ۩ وقال أيضاً إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ۩، فإذن الله هنا يقول إِذَا أَرَدْنَاهُ ۩، وهذا آخر مُستوى في التفسير، بعد ذلك ينقطع الذهن الإنساني تماماً ولا يستطيع أن يفهم إلا إذا استحال إلى إله وهو مُحال، فالله وحده – لا إله إلا هو – يعرف لماذا، وهذا شيئ مُحيِّر، لكن في البداية – كما قلت لكم – كانت بالنسبة إلينا المعلومة وكان الوعي الذي يُفسَّر بالإدراة، فالله أراده كذلك، لكن لماذا أراده كذلك؟ هو الذي يعلم ويعرف، نحن لا نعرف ومن المُستحيل أن نعرف، ولكننا نعرف أنه خلق شيئاً مُنظَّماً ودقيقاً وبديعاً ومُذهِلاً ومُحيِّراً وجميلاً وجليلاً ويُؤدي رسالة، فهذا الشيئ يبعث برسالة وهو نفسه رسالة ليس للفراغ وليس للهواء وإنما لمَن خلقه الله بوعيٍ مُتميِّز وهو الإنسان – هو هذه الخليقة – لكي يفك شيفرات هذه الرسائل ورموز هاته الرسائل، فهذا مخلوق لهذا، ولذلك الله يقول هذه الآيات لكم، فهذه الآيات لنا وليست للعجماوات وليست للجامدات وإنما لنا لكي نفكها.

بعض الناس – كما أقول دائماً – يُؤثِر أن ينتحر علمياً وعقلياً ويقول حتى التصميم لا أؤمِن به، ما هو التصميم؟ شيئ موجود هكذا وكان يُمكِن أن يُوجَد على أي طريقة، وهو لا يدري أنه لا يُنكِر التصميم وإنما يُنكِر عقله فانتبهوا، لأن العقل هو الذي وصف هذا الشيئ بأنه مُصمَّم وبأنه دقيق ومُحكَم، العقل هو الذي فعل هذا، فإذا أنكرت واقعية وموضوعية هذه المعاني فإنك تُنكِر عقلك يا مسكين، وهذا معنى كلمتي ومقولتي “لا تستطيع أن تُلحِد إلا بعد أن تنتحر عقلياً”، ستكفر بكل شيئ، وبعد ذلك كلامك هذا يغدو لا معنى له، لكن هل تعرفون لماذا؟ لأنك إذا أنكرت نظام العقل كيف سأُحاوِرك؟ كيف ستُحاوِرني؟ على أي أساس سيكون الحوار؟ انتهت الأسس، لا تُوجَد أسس هنا ودخلنا في العدمية المُطلَقة، سوف تُصبِح شراً من مجنون، فالمجنون عنده بقية عقل وقد يستفيق أحياناً، فمتى استفاقة مَن انتحر عقلياً؟ هذا المسكين انتحر وقضى على عقله لكي ينحاز إلى الإنكار والجحود والنفي، وفي الحال ليس لديه تفسير آخر بل إنه يُنكِر ما يدعو إلى التفسير، ويقول هذا لا يحتاج إلى التفسير، هو فاقد للدهشة، فالكون ليس فيه مُدهِشات وليس فيه عجائب وليس فيه شيئ غير عادي، لكن هل تعرف أنت الفرق بين العادي وغير العادي؟ العقل هو الذي يعرف، وأنت تدّعي أنك لا تعرف لأنك دوست على العقل، ولذلك أمثال هذا ينتحرون وهذا أمر معروف، وسهل جداً إثبات أنهم ينتحرون، فهم ينتحرون في اليوم مائة مرة، مع كل برهان ينتحرون مئات المرات، ولكن نعود على برهان التصميم.
برهان التصميم لا يكفي لكي نُفسِّر الوجود به، لكن كيف لا يكفي؟ لا يكفي لأن تُفسِّر كيف تسلك الكائنات، لا يستطيع أن يُقدِّم لنا تفسيراً، واليوم سنجتزأ بعالم الأحياء فقط والمملكة الحيوانية لكي نُؤكِّد لكم أن التصميم لا يكفي وباعتراف كبار الماديين، وباعتراف تشارلز داروين Charles Darwin نفسه صاحب أصل الأنواع، ففي أصل الأنواع في أول الفصل الثامن من الترجمة العربية – ترجمة إسماعيل مظهر – أول شيئ افتتح به داروين Darwin الفصل الثامن وهو الفصل المُعنوَّن بالغريزة Instinct – وهو الباب الثالث في النُسخة الإنجليزية لمَن أراد أن يعود إليها – وتحدَّث عن أنه من الصعب جداً أن نُقدِّم تفسيراً للغريزة، ثم حوَّله بعد قليل وتحدَّث عن أن الغريزة تتحدَّى نظريته بل قد تُلقي بها في المهاوي في نظر مَن يدرس هذه النظرية، ابنه فرانسيس داروين Francis Darwin – نجل تشارلز داروين Charles Darwin – في كتابه حياة ورسائل تشارلز داروين Charles Darwin – The life and letters of Charles Darwin – كتب يقول وأبي اختار أن يفتتح الباب الثالث بهذا الحديث من باب لفت نظر القرّاء وتشويش تركيزهم، لماذا؟ قال هو أصعب الأبواب على الإطلاق في كتابه، لأن الغريزة أصعب التحديات لنظريته، انتبهوا لأن هذا الآن لا يُقال كثيراً، وقد فرغت من قراءة كتاب يُدافِع عن الداروينية في شكلها الشامل واللامُتسامِح وشكلها الشمولي الأقصوي العنيد الشرس Total and Compromising Darwinism، فلا يُوجَد تسامح لديهم وكل شيئ لابد أن يُفسَّر مادياً، ولذلك يُنكِرون كل شيئ يُمكِن أن يُشكِّل تحدياً حتى الجمال، علماً بأن الجمال يُشكِّل تحدياً كبيراً لداريون Darwin ، أي الجمال في الطبيعة والجمال في الحيوانات وما إلى ذلك، ولذلك ينتحر داروين Darwin جمالياً أستاطيقياً – Aesthetically – فيقول في الماضي كنت أرى مظاهر الجمال والروعة أما الآن استوت الأمور كلها عندي، لا شيئ يُحرِّك فىّ شيئاً، فهل هذه الرسالة لنا؟ حين نتحوَّل ربما إلى أقل من بهائم أو جمادات سنُؤمِن بهذا المنطق وسننتحر جمالياً، لا يُمكِن لموسيقار ولا لفنان ولا لمُغني ولا لمُقريء ولا لرسام ولا لمُشكِّل ولا لشاعر ولا لكاتب مُبدِع أن يقبل بهذه النهاية المأساوية، أي أن ننتحر حتى جمالياً، من أجل ماذا؟ يُراد لنا أن ننتحر عقلياً لكي نُنكِر وجود الله وأن ننتحر جمالياً لكي نهرب من تحديات النظرية المادية التطورية فانتبهوا، وهذا ما كتبه دراوين Darwin بخط يده، قال الآن تستوي الأمور كلها عندي، لا شيئ يبعث أو يُحرِّك فىّ شيئاً، أي ماتت الحاسة الجمالية بالنظرية البلهاء وبالنظرية المُوغِلة في المادية، إنها أصبحت الآو نظرية بلهاء ونحن لسنا مُستعِدين لهذا، ولكن كيف – بالله ربكم – الغريزة تُشكِّل تحدياً؟
الذي أوحى إلى بفكرة هذه الخُطبة شيئ تذكرته وقرأته وأنا صغير وهو حقيقة علمية واقعية ولأول مرة أُعيد قراءة هذا الشيئ وأنا جالس هكذا بين كنت أُحضِّر خُطبة عن الدجال، فكنت اليوم – لن أُدجِّل عليكم – سأخطب فيكم عن الدجال من غير تدجيِّل،وتذكرت هذه الحقيقة البسيطة، وسأتلوها على مسامعكم كما هى، كما قرأتها وكما هى في كتب أهل العلم كموريس بيرتون Maurice Burton وغيره وكما هى في كتب عن الطيور وحياة الطيور، أحد العلماء أراد أن يستفرخ البيض – يقوم بعملية تفريخ للبيض – بمعنى استخراج الفراريج من البيض بطريقة صُنعية أو صناعية Artificial، فأتى بالبيوض ووضعها في الحضَّانة البدائية – أول شكل من أشكال الحضَّانة – وسلَّط عليها إشعاعاً بحيث يتناول تدفئتها من جميع جوانبها، والبيضة تُدفَّأ من كل الجوانب وليس فقط من أعلى، فأتاه فلاح بالصدفة وقال له ماذا تفعل؟ فقال كذا وكذا، قال عليك أن تُقلِّبها يا سيدي، فأعرض عنه ساخراً قائلاً لا، والدجاجة المسكينة بل وكلالطيور عموماً تُقلِّب بيوضها، فهى تُقلِّبها من أجل الحرارة، وأنتم تعرفون هناك منطقة الحضن في كل الطيور، وهى منطقة في وسط الصدر تُسمَّى منطقة الحضن، فأنثى الطير قبل أن ترقد فوق بيوضها تلتقط بمنقارها أو بالاحتكاك هذه الشعور – مجموعة شعر – من هذه المنطقة حتى تُصبِح منطقة حضن البيض عارية من الشعر، وحين ترقد فوق بيوضها تجعل البيوض دائماً تحت هذه المنطقة، لماذا؟ للدفء لأن الأوعية الدموية أكثر الآن – سبحان الله – لعدم وجود الشعر، وهم يقولون لك هذه غريزة تطوَّرت، لكننا سوف نرى هذه الغرائز، فهل تُفلِح نظرية التطوّر في تفسير الغريزة ونشأة الغريزة؟ هنا سقوط مُدوي للتطوّر، ولذلك هذا الباب بالذات مُهِم جداً، وقد قلت لكم أنني فرغت من قراءة كتاب أزيد من خمسمائة صفحة تقريباً يتحدَّث عن الداروينية الشرسة، وللأسف كاتبه عربي مُقيم في إسبانيا ولم يتحدَّث عن الغريزة في سطر واحد، لأنه طبعاً يهرب من التحديات، لكن نحن نُحِب التحديات، وأنا أقول لك حين ترتئي وحين تختار أن تُدافِع عن نظرية بمنهجية علمية اذهب إلى أضعف نقاطها وحاول أن تُعزِّزها وأن تُقوّيها وأن تجد لها مخرجاً، وإلا إياك أن تنحاز إلى هذه النظرية، سوف تنتحر علمياً – ليس عقلياً وإنما علمياً – الآن، لماذا؟ لأنني إن فعلت هذا سأكون انحزت إلى نظرية فيها ثقوب وفجوات وثغرات ضخمة، وقد يأتي أي إنسان مُتوسِط التعليم يُحرِجني أمام الناس، أليس كذلك؟ ولكن هذا الكتاب الذي أتى فيما يقرب من خمسمائة صفحة عن الداروينية المُتطرِّفة لم يتكلَّم في سطر واحد بل في جُملة واحدة صغيرة عن الغريزة، فليس للغريزة ذكر في الكتاب بالمرة، لماذا؟ داروين Darwin في الفصل الثامن في الترجمة العربية – الفصل Chapter الثالث في النُسخة الإنجليزية – تحدَّث عن الغريزة، وهو أصعب فصول الكتاب، وأنتم تتركون الحديث عن الغريزة وسأقول لكم لماذا، وعلى كل حال قال العالم للفلاح الدجاجة تفعل هذا من أجل الحرارة وأنا كفلت وصول الحرارة إلى جميع أرجاء وأصقاع البيضة فاذهب، ومضت الأسابيع الثلاثة ولا فروج، كله بيض حائض، أي فسد البيض، فقال علينا أن نأخذ بنصيحة الفلاح – اسأل مُجرِّب ولا تسأل أي طبيباً كما تقول العامة وقد أصابوا – وجعل يُقلِّبها، فقال له لا تُقلِّبها في اليوم الأخير ولا في اليوم الأول لأنك لا تحتاج هذا، ففي اليوم الأول لا تُوجَد مُشكِلة وفي اليوم الأخير لا تُوجَد مُشكِلة لأن الكتكوت أو الفروج يتأهَّب للخروج، لكن بين ذلك قلِّبها، فقلَّبها وخرجت كلها فراريج سليمة مُعافاة، وهذا أمر عجيب، فبدأ العالم يُعنَى بدراسة هذه الظاهرة المُحيِّرة، لماذا حدث هذا؟
أنتم تعلمون تركيب البيضة وبنية البيضة، هناك قشرة تسمح بدخول الهواء وفي طرفها فجوة هوائية، وبعد ذلك هناك المادة الزلالية المعروف البياض – بياض البيض – أيضاً، وهناك المُح – صفار البيض – بعد ذلك، وفي أعلى المُح دائماً تُوجَد النقطة البسيطة الحمراء هى هذا الكتكوت أو الذي سوف يُصبِح كتكوتاً بعد أن يتغذَّى على الصفار، والصفار يُعدَم قليلاً قليلاً قليلاً حتى ينتهي، وهناك حبلان زلاليان مفتولان – سبحان الله – مُتعلِّق بهما المُح، فكيفما حرَّكت البيضة يبقى الصفار فوق، ولكن هذه المادة الغذائية في الأيام الأولى تبدأ تترسَّب في أسفل الكتكوت، وبالتالي إن لم تُقلِّب البيضة تمزَّقت الأوعية فلا يخرج الكتكوت، والسؤال الآن مَن أو ما الذي علَّم الدجاجة هذه الآلية؟ هم يقولون لك الانتخاب الطبيعي Natural Selection، يا مرحباً بالانتخاب الطبيعي، ما أو مَن الذي علَّم الدجاجة هذه الآلية؟ هم يقولون هذه غريزة، وهذا جميل جداً، ونحن لدينا نحن المُفارَقة الشهيرة التي تقول هل الدجاجة أولاً أم البيضة أولاً؟ وهنا الشيئ أصعب من هذه المُفارَقة، بالنسبة للتطوريين الماديين شيئ يُفسَّر، وهذا الذي ألهمني فكرة خُطبة اليوم كلها، فهذا شيئ أصعب من موضوع أيهما أولاً البيضة أم الدجاجة، هم يقولون هذه غريزة، وهذا أتى بالتطور وبالتجربة والخطأ وبالفعل المُنعكِس الشرطي التفسيري الآلي، وتحدَّثوا عن التفسير السلوكي – Behavioral – وتفسير التجربة والخطأ والتفسير التعليمي، فهذه ثلاث نظريات في تفسير الغريزة وكلها فاشلة، قرأتها وطالعتها ودقَّقتها وكلها فاشلة لا تُفسِّر لنا شيئاً فانتبهوا، هل تعرفون لماذا؟ ليس هناك وقت أصلاً ليعمل الانتخاب الطبيعي، نفترض أن لأول مرة دجاجة أو بيضة، والله أعلم أيهما خلق أولاً، لكن لنفترض أن الله خلق الدجاجة أولاً وباضت البيضة، إن لم تكن مغروزة فيها هذه الغريزة سوف يهلك البيض، وبعد ذلك تهلك الدجاجة فيننقرض هذا النوع، هذا النوع لن يكون موجوداً، من البداية سينتهي هذا، ليس عندنا عشرة آلاف أو مائة ألف أو عشرة مليون سنة لكي تُجرِّب وتُخطيء، وإلا كيف ستتكاثر أصلاً؟ أين الظرف الزمني لتكاثر الدجاجة؟ من هنا داروين Darwin كان يتصدَّع رأسه من الغريزة، فجنَّنته هذه الغريزة، فهو كان يتحدَّث عن الغرائز ويُريد أن يُفسِّر كيف تتطوَّر البنية، ولكن هذه الوظائف التي تقوم بها الغرائز كيف تحدث؟
أُعيد مرة ثانية حتى نُركِّز، لدينا بيضة ولدينا دجاجة أمها، إذا قلَّبتها نجت البيضة وجاء الكتكوت، وإذا لم تُقلِّبها هلكت أول دجاجة وأول بيضة وانتهى كل شيئ وفنيَ هذا النوع، ولكن يبدو أن الدجاج من أول لحظة مُذ خُلِقَ كان يفعل هذا، فهذا الشيئ غرزي، لكن هم لا يتكلَّمون عن البيضة والدجاجة وعن هذه النُقطة، لأنها مُحرِجة جداً، ومن هنا فهمنا تأثير الغريزة على المنظومة التطورية وعرفنا غريزة الأمومة، وهم يتحدَّثون عنها ويقولون غريزة الأمومة تُمثِّل تحدياً كبيراً لنا، لماذا؟ غريزة الأمومة تعني وجود أم ترعى وتحدب وتحنو على صغارها ومن ثم ينجو الصغار وتستمر الحياة عن طريق التكاثر وإعادة الإنتاج Reproduction، لكن لو وُجِدَت أم ليس عندها الغريزة سوف يهلك الصغار ويتفانى النوع مُباشَرةً، أليس كذلك؟فالأمومة كان يجب أن تكون من أول يوم، فنعم هذه غريزة لكن مَن الذي غرزها؟ لا يُمكِن أن تقول لي التطور والانتخاب الطبيعي، لأن لا تُوجَد فرصة زمنية للانتخاب الطبيعي، الانتخاب يُريد زمانية طويلة – كما اقول لكم دائماً – والانتخاب يُريد أفراداً كثيرين يشتغل عليهم وينتخب منهم الأصلح وفقاً للآليات المعروفة، فلابد من أفراد كثيرين وزمانية طويلة لكن هذا غير مُتوفِّر الآن، فإذا كانت الأمومة موجودة يستمر النوع، وإذا كانت غير موجودة يهلك النوع وينتهى كل شيئ، لكن الأنواع موجودة ولم تهلك بسبب غريزة الأمومة!
الأصعب من هذا غريزة التضحية، لماذا يُضحي الفرد من أجل النوع؟ الأم تُضحي الأم من أجل صغارها وكذلك الأب يُضحي، فلماذا التضحية؟ جون سميث John Smith – جون ستيفن سميث John Stephen Smith – أحد التطوريين المشهورين الذي طرح سؤالاً قائلاً إذا كان فهمنا صحيحاً بالآليات التطورية فكيف يُمكِن لهذه الآليات أن تُفسِّر التضحية في عالم الحيوانات؟ لماذا؟ ما الصعوبة؟ انتبهوا لأنني الآن سأقفز بكم إلى أرقى تفسير وأذكى تفسير وأكثر التفاسير سحريةً – تفسير سحري بهلواني، تفسير أكروباتي – وهو تفسير ريتشارد دوكنز Richard Dawkins صاحب الكتاب الكبير المُسمى بالـ The Selfish Gene، أي الجين Gene الأناني، فهذا الكتاب كله موضوع ومُؤلَّف لكي يُجيب عن هذه المسألة، أي عن مسألة التضحية فانتبهوا، كيف هذا؟ يقول دوكنز Dawkins في الحقيقة الأم أو الأب حين يذهب يُضحي بنفسه من أجل صغاره فإنه يكون أنانياً وفي أعلى درجات الأنانية، وهذا أمر عجيب، ما هذه المنُاقَضة؟ كيف تكون التضحية أنانية؟ التضحية ضد الأنانية، إنها إيثار وغيرية، لكنه قال لك هى أنانية، فكيف يا ريتشارد دوكنز Richard Dawkins؟ قال في هذا الكتاب ضخم – الجين Gene الأناني أتى في أربعمائة صفحة – لأن الذي يفعل هذا هو الجين Gene، فالجين Gene الأناني الذي يُريد أن يعبر ويُريد أن يستمر من جيل إلى جيل، كأن الأم تعلم هذا، لكنه لم يقل الأم التي عندها غريزة – يا ليته قال الأم – بل قال الجين Gene، قال الجين Gene يعلم أن الأم إذا لم تُضح هلك الصغار، فإذا هلك الصغار هلك الجين Gene، كأن الجين Gene يستخدم الأم مطيةً له لكي يعبر – To Pass – من الأم إلى جيل أولادها ومن أولادها إلى أولاد أولادها وهكذا لكي يبقى إلى اليوم، فهذا إسمه الجين Gene الأناني.

هل فهمتم فكرة الكتاب؟ هذا كل كتاب ريتشارد دوكنز Richard Dawkins، يقول لا يُوجَد شيئ اسمه تضحية وإيثار وغيرية في عالم الحيوانات، تُوجَد جينات Genes مُبرمَّجة لكي تستخدم المُتعضيات والكائنات الحية والبُنى الحية كوسائل نقل أو وسائل مُواصَلات أو مراكب لها أو ماكينات، فهو قال هذه ماكينات – Machines – تستخدمها لكي تعبر بها إلى الأجيال الأخرى، وهذا أمر عجيب، هل هذا تفسير علمي؟ هل هذه لغة علمية؟ هل تشتمون هنا رائحة علم؟ هل وجدتم رائحة علم قابل للتزييف أو علم قابل للاختبار؟ لا يُوجَد هذا أبداً، هذه – كما قلت لكم – مجازات Metaphors، وهذه اللغة الأدبية الشعرية في العلم فاشلة لأنها ذبح للعلم، العلم حين يبدأ يتحدَّث بهذه الطريقة يفشل فانتبهوا، هذا الشيئ خطير جداً على العلم، هو يدّعي ويصيح ليل نهار أن الخطر من الدين ومن المُتدينين، نعم كثير جداً من المُتدينين في الشرق والغرب بُلهاء ولذا هم خطر على الدين والعلم والعقل والإنسانية ونحن نعرف هذا ولكن أنت أيضاً تُشكِّل خطراً كبيراً – أخطر من خطر المُتدينين – لأنك من داخل المنظومة تتحدَّث بإسم العلم وتُغرِّر بالناس، وهذه اللغة لا تُقبَل علمياً.

يُحدِّثك عن جين Gene أناني ويقول أن الجين Gene يُبرِّر، فإذن الجين Gene مُبرمَّج لكي يُنفِّذ هذه الأنانية، والسؤال الآن مَن الذي برمَّجه؟ هل الجين Gene عاقل؟ هل الجين Gene عندك يا دوكنز Dawkins يحل محل الإله؟ مرة يتحدَّث داروين Darwin في أصل الأنواع عن الانتخاب الطبيعي كأنه هو الإله تماماً، وكأن الانتخاب عاقل، وبعد ذلك يقول لك هو ليس عاقلاً وليس شخصاً، ولكننا تتحدَّث عنه كأنه كيان حقيقي وهو ليس كياناً أصلاً، وهذا يتحدَّث عن الجين Gene – الجين Gene له كيانية ومعروف تركيبه – كأنه إله عاقل مُصمِّم مُبرمِج فيُخطِّط ثم يقود الخُطة إلى غايتها النهائية، والسؤال الآن مَن الذي برمَجه؟ مِن أين للجين Gene وهو مُجرَّد تركيب كيمياوي مُعقَّد هذه العقلية وهذا الوعي؟ مِن أين له الحرص على البقاء Survival؟ من أين له هذا؟ ولماذا؟ وهل لابد أن نبحث عن غرائز في الجينات Genes – على مُستوى الجينات Genes – أيضاً؟ هذا انتحار علمي وكلام فارغ، وعلى كل حال أنا من جهتي سأُسدِّد ضربة قاضية أيضاً لدوكنز Dawkins الآن وبمثال بسيط جداً، فما رأيكم؟ ونتحدَّى مَن كان يقتنع بهذا الرجل ليُراسِله وليقل له أجبني عن هذا المثال الذي أورده عالم دين مسلم، لكن ما هو؟ انتبهوا لأن أحد هؤلاء الماديين الملاحدة قال أنا مُستعِد للتضحية بنفسي من أجل اثنين من إخواني، وإذا تعلَّق الأمر بأبناء عمومتي فسوف أُضحي من أجل سبعة أو ثمانية، أي ليس أقل من هذا، هل تعرفون لماذا؟ الذي درس علم الوراثة يعرف لماذا، فلكي تمر الجينات Genes وتعبر كاملةً لابد من هذا العدد، فالأب الآن – مثلاً – الذي ورَّث جيناته Genes إلى ابن ذكر فقط لا تعبر كل الجينات Genes، لابد على الأقل في الحد الأدنى إلى ولد ذكر وبنت أُنثى على الأقل، من أجل (X) و(Y) فيُصبِح الجينوم Genome مُتكامِلاً، لأنه مُنصَّف هنا ومُنصَّف هنا، ونفس القضية تحدث هنا من غير أن نعود إلى الحسابات، فهو قال أنا مُستعِد للتضحية بنفسي من أجل اثنين من إخواني، لماذا؟ لأن الجينات Genes ستبقى محفوظة، ولكن مع أبناء العم وفروع الجد – الأب الأعلى – سوف نحتاج إلى ثمانية،فأهلك أنا ويظل ثمانية ومن ثم تبقى الجينات Genes، فهذا منطق الجين Gene الأنانية وهو منطق فارغ، وطبعاً معروف في العالم الإنساني أنه منطق فارغ، لأن هناك الكثيرين من البشر مَن يُضحون أنفسهم – يُضحَون أنفسهم أفصح من يُضحون بأنفسهم، مثل ضحى جدياً أو ضحى بقرةً أحسن مِن ضحى بجدياً أو ضحى ببقرة – من أجل غرباء لا تربطهم بهم أي صلة، فلا علاقة بالجينات Genes هنا، لكنه يقول لك هذا عالم أخلاقي، هذا عالم الثقافة Culture، هذا هبل الإنسان، وصحيح أن التفسير الثقافي يعوق هنا المسيرة العلمية ومن ثم يحدث التراجع، لكن من المُمكِن أن تتبدَّل الثقافة بل ينبغي أن نبني ونُعيد – Restructure – ثقافتنا على أساس علمي، وبالتالي نبدأ نتحدَّث بلغة هالدين Haldane الذي قال هذا مُمكِن من أجل اثنين من إخواني أو ثمانية من أولاد عمي، لكن من أجل الغُرب لا تُوجَد تضحية بالمرة، فلا علاقة بهم بجيناتي Genes بالمرة، إلا أن يكون الغريب هو آخر إنسان على وجه الأرض، وأنا أيضاً معه أُشارِكه هذه الآخرية، وهو أحسن مني حالاً وقواماً ولا يُعاني من أمراض وراثية فمن المُمكِن أن أُضحي نفسي من أجله، وعلى كل حال هذا منطق هؤلاء الماديين فانتبهوا، لكن هذا المنطق يفشل تماماً في قصة الدبة المشهورة وسفينة كراكاس Caracas، أي الدبة التي ضُرِبَت برصاصة من البحَّارة العالقين في المياه المُتجمِّدة وكانت رصاصة غير قاتلة، ولكن قُتِلَ صغيراها على مرأى منها فظلت تُعالِج الجُرحين الثاعبين بالدم وتمسح بلسانها مُغفِلةً جُرح نفسها، إلى أن انزهقت نفسا الصغيرين فأطلقت صرخة مُدوية وذهبت تعدو في شراسة نميرية باتجاه هؤلاء القتلة فأردوها برصاصات أخرى، وهنا كتاب دوكينز Dawkins يسقط مُباشَرةً وتسقط الجينة Gene الأنانية، هل تعرفون لماذا؟ لأن من خلال التفكير لا تُوجَد هنا ثقافة، لا يُوجَد لدينا ثقافة دُببية، ونحن لا نتحدَّث عن ثقافة الآن، هذا عالم من الغرائز، هذا عالم الحيوان البريء من الثقافة الإنسانية، وكان ينبغي على منطق الجين Gene الأناني أو الجينة Gene الأنانية لريتشارد دوكنز Dawkins أن تهرب الدب الأم وأن تلوذ بالفرار طالبةً النجاة، لكن السؤال الآن مَن الذي يلزها ومَن الذي يُرغِمها على ذلك؟ الجين Gene الأناني، لماذا؟ لأن الصغيرين فارقا الحياة وانتهى الأمر ولا يُوجَد عبور – Passing – الآن، فعبور الجينات Genes أصبح غير مُمكِن، إلا عبر حياة جديدة لهذه الأم وهى مُمكِنة لأن جُرحها غير قاتل فتتكاثر بعد ذلك وتعبر الجينات Genes، لكن هى لم تختر هذا، واختارت أن تنتقم لأولادها ولو بحياتها، وانتقمت وسقطت ميتة، وهذا يفعله الإنسان أيضاً، لذا هنا يفشل دوكنز Dawkins، هل فهمتم؟ هذا ما أُسدِّده أنا لريتشارد دوكنز Richard Dawkins بهذا المثال، ولم يُسدِّده أحد من قبلي ولكن هذا أتى بالدراسة وبالمُقارَنة، فلا تستطيع إلا أن تعترف بهذا، لأن الجينة Gene الأنانية تفشل مرة أخرى، ولذلك يفشل هذا الفهم التطوّري المادي في تفسير غريزة التضحية.
هذه غريزة إذن، لكن بعض الناس يشمئز من كلمة غريزة، وبالعكس هى من أجمل الكلمات ومن أحسن التعابير ولا يفوقها إلا تعبير إلهي – الإلهام أو الوحي الإلهي – فقط، أما هذه الكلمة جيدة جداً وممتازة، استبقوها وأبقوا عليها، لأن فعيلة بمعنى مفعول وغريزة بمعنى مغروز، والسؤال مَن الذي غرز؟ انتبهوا لأن الغريزة لا علاقة لها بالانتخاب الطبيعي، لا شُغل للانتخاب الطبيعي بالغريزة، والآن سأتلو على مسامعكم مثالاً ذكرته ربما في حياتي مرتين، وهذا المثال لا أنفك ولا ينفك هو من استثارة عجبي واندهاشي، وقدذكره روبرت أرديري Robert Ardrey في كتابه African Genesis، أي نشأة إفريقية أو تكوين إفريقي، ومن المُمكِن أن يُترجَّم إلى أنواع إفريقية إذا أخذنا المعنى الخاص به، وعلى كل حال هذا كتاب إسمه نشأة أو تكوين إفريقي لأرديري Ardrey وهو أحد علماء الزيولوجي المشاهير حول العالم، فماذا قال أرديري Ardrey؟ قال كنت أنا مع بي أس ليكي L. B. S. Leakey – البروفيسور Professor ليكي Leakey عالم الأنثروبولوجيا Anthropology الشهير عالمياً، فهو من أشهر العلماء الأنثروبولوجيا Anthropology الآن في العالم، أي علماء الأناسة – في غابة أفريقية، فتقدَّم ليكي Leakey ومسَّ بيده زهرة المرجان عديدة الألوان – الزهرة المرجانية مُتعدِّدة الألوان، أي Coral Colored Blossom، فهكذا هو إسمها في علم النبات – فلما لمس اللغُصين أو الفُريع – Twig – لم يُورَع إلا وقد انتشرت في الهواء مئات الكائنات الدقيقة وإذا بها حشرات، وبقيَ الغُصين خالياً ليس عليه شيئ، ذهبت الزهرة – Flower – وانعدمت، قال فوقفنا مدهوشين، ما هذا؟ فهو لأول مرة يُرى مثل هذا الشيئ، هذا المثال عجيب ومُعجِز ومُدهِش، ثم قال وبعد بضع دقائق عادت هذه الحشرات – الحشرة المعروفة بالحشرة المُسطَّحة Flattened Bug – وانتظمت بالطريقة ذاتها، بحيث يركب بعضها بعضاً ويتجانب بعضها مع بعض، وهذه الحشرات منها ما هو أصفر فاقع ومنها ما هو أخضر ومنها ما يضرب بين الخُضرةِ والقُرمزية، وتترتَّب بطريقة مُعيَّنة بحيث تُعطي هذه المنظر لهذه الزهرة البديعة، يقول أرديري Ardrey زهرة لم تُوجَد في الطبيعةA flower which does not exist in nature، كأنها لم تُخلَق، فهذه الزهرة حين يراها أي مخلوق يظنها زهرة لا حشرات ضعيفة يُمكِن التهامها، كأنها كاموفلاج Camouflage – الكاموفلاجCamouflage هو التمويه – فما هذا؟ ما هذا التمويه؟ انتبهوا لأن قد يقول لي أحدكم أين الشيئ المُعجِز هنا؟ هنا يُوجَد ما هو مُعجِز حقيقةً، فنحن هنا أمام القدرة الإلهية وهى تشتغل وتعمل، يُعلِّق أحد العلماء بقوله يُمكِن للانتخاب الطبيعي أن يُفسِّر لي بطريق الطفرة العشوائية – Random Mutation – تخلُّق مثل هذه الزهرة من حشرة – حشرة تأخذ شكل هذه الزهرة بالصدفة، فهذا من المُمكِن أن نتقبَّله – ولكن لا يُمكِن للانتخاب الطبيعي أن يُفسِّر لي هذه الخُطة التي تحكم مئات إن لم يكن ألوف الحشرات المُنفصِلة المُستقِلة، بحيث تلعب كلٌ منها دوره تماماً وتقف في المكان المرسوم، وفي النهاية المشهد هو مشهد زهرة الكورال Coral أو المرجان مُتعدِّدة الألوان!
انتبهوا الآن، هل فهمتم ما المقصود؟ هناك عقل أكبر من عقول كل بقة Bug أو كل حشرة وهناك عقل أكبر من عقولها مُجتمِعة، علماً بأن هذه الحشرات المُنبسِطة لا ترى نفسها ولا ترى هذا المنظر ولا تُدرِك أنه منظر لزهرة – Flower – جميل جداً جداً يُمكِن أن تُموِّه عن نفسها بها، فهى لا ترى هذا ولا تعرف هذا، والآن قالوا هذا غريزة، والسؤال ما وراء هذه الغريزة؟ مَن وراء هذه الغريزة؟ مَن الذي رسم الخُطة؟ مَن الذي أعطى منظر هذه الزهرة؟ هنا يفشل الانتخاب الطبيعي فشلاً مُطلَقاً، لأن الانتخاب الطبيعي – وهذا من مبادئه ومبادئ فهمه – لا يعمل على المجموعات سويةً بحيث ينتخب مجموعة لظروف مُعيَّنة، هذا مُستحيل، هو ينتخب أفراداً في المجوعات، ودائماً هو هكذا، ولكنه لا ينتخب مجموعة كاملة مُتكامِلة بحيث تُؤدي درواً هَرمونياً مُتجانِساً مثل دور زهرة الكورال Coral عديدة الألوان Colours، هذا مُستحيل ولذا هذا المثال يُجنِّني، هذا المثال يجعلك فعلاً تقف أمام القدرة الإلهية عارياً، وهى التي تُشغِّل هذا الكون وتُلهِم هذا الوجود وتُسيِّره وتُحرِّكه، ولكن لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ۩.

بعد ذلك تأتي تحديات الهجرة، فهجرات الطيور هجرات مُعقَّدة كثيرة وغير معقولة، السكوا Skua – صقر البحر – يُهاجِر من الشمال مع بداية فصل الشتاء في نهاية الخريف، لماذا؟ لأن في الشمال يُصبِح الصقيع والزمهرير لا يُطاق، فيبدأ يُهاجِر إلى الجنوب، مثل جنوب إفريقيا أو البرازيل أو نيوزيلندا، وهناك يكون الجو مُعتدِلاً الآن ومُمتاز، وبعد ذلك يعودوقد اقترب الشتاء في الجنوب، والجو الآن في الشمال أصبح مُمتازاً، وهكذا المُناخ مُتضارِب بين الشمال والجنوب فيعود رحلته، لكن هل تعرفون في الذهاب والإياب يقطع كم؟ تسعة وثلاثين ألف كيلو متر، وهذا شيئ لا يُصدَّق، فهذا الطائر الصغير – إسمه السكوا Skua أو صقر البحر – يقطع تسعة وثلاثين ألف كيلو متر، أي يقطع أربعة وعشرين ألف ميل Mile، ما يقرب من تسعة وثلاثين ألف إلا أربعمائة كيلو وذلك ذهاباً وإياباً، وطبعاً هذا يصطاد ويقتات في رحلته ذهاباً وإياباً على مخلوقات مائية وعلى أسماك البحر، ويبني أعشاشه مثل الكروان ومثل النقَّار – kingfisher – ومثل الحجلة على الأرض، وليس في الأغصان البعيدة أو بين الفروع العالية الشاهقة، ولذلك يتعرَّض لأخطار أحياناً حين يحط لكي تستريح، تأتيه بعض العوادي وبعض الحيوانات فيقوم بحيلة من أذكى ما يكون، وهذه الحيلة تُذكِّر الإنسان بما هو عليه من مكر ودهاء بل تماكر واختداع لغيره، فما هى؟ تُسمَّى في علم الطيور حيلة الجناح المكسورة، وعموماً هناك قاعدة: الأعضاء المُزدوَجة كلٌ منها يُؤنَّث، فانتبهوا إلى أن اليد مُؤنَّثة والآذان مُؤنَّثة أما الأنف مُذكَّر، فاحفظوا هذه القاعدة في اللغة العربية، فنقول حيلة الجناح المكسورة وليس المكسور لأنهما جناحان، لكن ما هى حيلة الجناح المكسورة؟ يبدأ يقع ويفقد اتزانه لكي يُبعِد العدو عن عشه وعن صغاره – غريزة الأمومة – فيبدأ العدو يُطارِده، ويمشي بجناح مكسورة فيقع ويترنَّح ويفقد اتزانه، وكلما اقترب منه استعاد اتزانه وأصبح أسرع وأسرع، حتى إذا أيقن أنه ابتعد العدو كثيراً عن عشه وعش فراخه طار في الهواء مُحلِّقاً ولا أحسن منه، فهو كائن ذكي جداً جداً، لكن مِن أين اكتسب هذه الغرائز؟ مَن الذي يهديه؟ هل تلقَّى دورات هذا في الطبوغرافية والجغرافيا وعلم الملاحة الجوية؟ هل هذا طيَّار؟ هل هو طيَّار مدني أو طيَّار عسكري لكي يُسافِر مسافة أربعين ألف كيلو متر بدقة عجيبة؟
هناك ثعبان البحر الإيل Eel، وأجمل شيئ اليوم أننا في عهد النت Net، فأي شيئ أذكره لكم اذهبوا إلى النت Net وابحثوا في اليوتيوب YouTube عنه، هذا أسهل شيئ فاذهبوا واكتبوا كلمة الإيل Eel، فالإيل Eel أو ثعبان البحر أسطورة وقصته أسطورية، وكذلك اكتبوا سكوا Skua أو اكتبوا الكوكو Cuckoo وسوف ترون حلقات في البي بي سي BBC عن الحياة البرية Wildlife من أعجب ما يكون، سوف ترون هذا بأعينكم ومن ثم لن تنسوا هذا أبداً، فهذا سوف ترونه حياً، وهو موجود ويُدغدِغ أذهان العلماء وخيالاتهم لأنه من أعجب ما يكون، وهذه غرائز مُركَّبة ومُعقَّدة ومن الصعب جداً تفسيرها بالانتخاب الطبيعي، فهى غرائز مغروزة، وهذه الغرائز غرزها الذي خلق، تقول الآية الكريمة الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ۩، فالبنية غير قادرة على تفسير هذه السلوكات، البنية لا يُمكِن أن تُفسِّر لك هذا، فإذن ما الذي يُفسِّر؟ الهداية، هناك هداية وهى مصدر آخر لأخذ المعلومات والتحرّك، ولذلك برهان النظم مُستقِل، والمفروض أن يكون استقلالاً نسبياً عن برهان الهداية، وهذه هى الروعة في القرآن الكريم، وسأشرح هذا في آخر الخُطبة.

نعود ونرى طائر الكوكو Cuckoo الذي تُسمِّيه العرب الوقواق، فهل تعرفون طائر الوقواق وبلاد الوقواق؟ هذا إسمه كوكو Cuckoo أو الوقواق، فماذا يفعل هذا الكوكو Cuckoo؟ أنثى الوقواق أو الكوكو Cuckoo خبيثة ساقطة أخلاقياً، ترى أن الهوى لا يكون إلا مع الترحال فلا تكتفي بذكر واحد وتطوف على الرجال لأنها ساقطة وممسوخة، ولذلك حين تضع بيضها لا تجد ذكراً يعترف به كالعالم الإنساني والله العظيم، لكن هذه قراءة أنثروبمورفية وقراءة أنسانية، نوع من الإسقاط Projection، ولكننا سنُتيح لها مجالاً وهامشاً ضيقاً، كأن الله تبارك وتعالى – وهم يقولون الطبيعة لكن نحن نقول الله تبارك وتعالى – يُعطينا درساً عن الثمن الفادح الذي سوف ترونه اليوم للتسول الجنسي وللتحلل الأخلاقي ولهتك منظومات القيم، أي كيف تتحلل الأسرة وكيف يتحلل المُجتمَع كله عبر أنثى الكوكو Cuckoo، فماذا تفعل هذه الساقطة الكوكاوية؟ هذه حين تضع بيضها لا تجد أباً – نقول أباً وليس أبّاً، فالأبّ هو نوع من الحشيش – يعترف بأبوة هؤلاء الأنغال ولاد الحرام، فلا يُوجَد كوكو Cuckoo ذكر يعترف بهم فتتورَّط، وهذا شيئ غريب لأنه موجود حتى في الحيوانات، وكأن ذكر الكوكو Cuckoo يقول لها أنا لا أعترف لأن أنتِ كل يوم عند رجل آخر وكل يوم في حضن رجل أجنبي، فتبقى الآن أنثى الكوكو Cuckoo وحيدة، ومن ثم ماذا تفعل؟ هذه خبيثة ومكَّارة وداهية وساقطة فعلاً، هى تضع عشرين بيضة، فتأخذ بيضة وتضعها في عش طائر مُعيَّن، وهو عش من جنس العش الذي نشأت فيه كما ينشأ أبناؤها الآن ومن ثم هى تعرفه، بعض الكوكو Cuckoo تكون نشأت في عش أبي الحناء فتذهب إليه، وبعضها في عش أبي فصادة فتذهب إليه، وبعضها في عش اللقلق فتذهب إليه، وبعضها في عش النقَّار – kingfisher – فتذهب إليه وهكذا، وطبعاً أنه كان يُعتقَد أنها تضع عشرين بيضة مُختلِفة وهذا غير صحيح، تُوجَد عشرون بيضة مُتجانِسة الأحجام والهيئة والشكل واللون، ولكن العشرون بيضة لابد أن تُوضَع كلها في مثل العش الذي نشأت الأم فيه، ولنفترض أنه عش أبي الحن، فتذهب الآن إلى عش تضع فيه بيضة أو بيضتين، ولأنها تُدرِك بالحاسة أو بالغريزة أن الطير صاحب العش المُتلصَّص عليه والمُتطفَّل عليه – هذا تطفُّل أو تطفيل – عنده أيضاً حاسة رياضية وسوف يعرف أنه لم يضع سبع بيضات – إذن أين الجديد؟ ماذا تفعل؟ – تأخذ بيضتين من بيض المسكين وترمي بهما فتهلكان مُباشَرةً، وهذه أول ضريبة، وحين يأتي الطائر المغدور يجد نفس اللون ونفس الشكل، فيرقد على هاته البيوض، وتأخذ بيوض أخرى في عش آخر لأبي الحن وهكذا، ولكن نفس طائر أبي الحن فانتبهوا، واكتشف العلماء ووجد الباحثون أن أنثى الكوكو Cuckoo في نهاية المطاف يُمكِن أن تضع بيوضها في ثمانين عشاً مُختلِفاً، وهذا يعني أن من المُمكِن أن تنشأ في واحد من ثمانين عشاً مُختلِفاً، والعجيب أن أنثى الكوكو Cuckoo هى أنثى الكوكو Cuckoo، لكن لا يُراد الأنثى الواحدة وإنما النوع Species، فهى نفس النوع – الكوكو Cuckoo – لكن إذا نشأت الأنثى في عش أبي الحن – سبحان الله – فإنها هنا تبيض نفس البيض، أي مثل بيض الحن حجماً وشكلاً ولوناً، وقل كيف ستُحدِّثني هنا عن الانتخاب الطبيعي، وإذا نشأت أنثى في طائر النقَّار فإنه تبيض بيضاً مثل بيض النقَّار، وفي نهاية المطاف الكوكو Cuckoo تبيض ثمانين نوعاً من البيض، وهذا كوكو Cuckoo وهذا كوكو Cuckoo وهذا كوكو Cuckoo وهذا كوكو Cuckoo وهذا كوكو Cuckoo وهكذا لكن كل كوكو Cuckoo تبيض بيضاً مُختلِفاً، ثم تذهب لكي تبحث لها عن عشيق جديد لأنها ساقطة، وتترك هذه المسألة في رأس الطائر الغلبان، فهذه عُصِبَت – كما نقول – بجبين هذا الطائر المغدور المُتطفَّل عليه الذي يرقد على البيض حتى يفقس، والكوكو Cuckoo كبيرة إلى حدٍ ما، فيخرج الطائر بعد أن يفقس عنيف وشرس، ويبدأ يطرد في إخوانه، ثم حين يتقوَّى قليلاً يُلقي بواحد منهم من العش فيموت، ويبقى يُغافِل أمه – الأم الربيبة التي تُربِّيه، فهذه ليست أماً بالرضاعة وإنما هى أم بالتطفيل – حتى يرمي في نهاية المطاف بجميع إخوانه، فيموتون إلا إذا نجا منهم ما ينجو، وحين يُصبِح قوياً ينفرد بالحياة في هذا العش، أبواه المسكينان المطعونان غدراً يُلقِّمناه الأكل لأنه عنيف ويُريد أكلاً كثيراً، وبعد ذلك يتسوَّر على أعظم مُحرَّم ويُريد أن يلتهم أبويه فيهربان منه، وهكذا يترك العش ويطير هو بجناحين قويين – أنثى أو ذكر الكوكو Cuckoo – لكي يبحث له عن رزقٍ جديد بعد أن يكون دمَّر أسرة كاملة في أصولها وفروعها، ولك أن تتخيَّل هذا، لكن هذا ثمن الحرام وثمن التحلل الأخلاقي في عالم الكوكو Cuckoo!

يتساءل العلماء مِن أين هذا الحرص والحذر والتماكر والاختداع والدهاء والذكاء لهذا الكائن؟ من أين يعرف هذا الشيئ؟ وبعد ذلك ما هى القدرة التي تجعله يبيض بيوضاً على النحو الذي ذكرت لكم؟ ما هى القدرة؟ أي انتخاب هذا؟ وأي تفسير؟ هناك شيئ غير مفهوم، وفي عالم الطيور العلماء يتعجَّبون من ظاهرة ويقولون أن هذه الظاهرة من أعجب الظواهر الطبيعية، فما هى؟ ظاهرة كيف يُمكِن لأنثى الطير أن تبيض عدداً كبيراً جداً – أضعاف أضعاف ما تبيضه في الموسم الواحد – إذا أُخِذَ بيضها؟ لماذا إذن؟ هذه تحتاج إلى تفسير، فطائر الدوري – العصفور الدوري المشهور الذي يلف العالم أيضاً – يضع من أربع إلى خمس بيضات، وجاء العلماء وأخذوا بيضتين، فمُباشَرةً في اليوم الثاني وضع بيضتين جديدتين، وهو في الموسم كله يضع أربع أو خمس بيضات، لكن الآن الوضع اختلف، وحين أخذوا ثلاثة وضع ثلاثة، وفي نهاية المطاف وضع خمسين بيضة ولم يكتف لخمس بيضات، وطائر النقّار – kingfisher – أخذوا منه بيضه فحدث نفس الشيئ، علماً بأنه يضع حوالي سبع بيضات، لكن حين أخذوا البيض وضع بيضاً جديداً، وهكذا تكرَّر الأمر أكثر من مرة، حتى وضع في ثلاثة وسبعين يوماً إحدى وسبعين بيضة، فمن أين هذه القدرة على الإنتاج؟ ولماذا؟ لابد أن يكون البيض سبع بيضات هنا أو خمس بيضات هناك، فلماذا إذن؟ يقولون هذه غريزة، لكن أنا أقول لكم أن حتى هنا الغريزة بشكل عام تفشل، يُوجَد شيئ يتعدَّى الغريزة، فهم قالوا مثلما تُوجَد غريزة التكاثر والتناسل تُوجَد غريزة التبييض، لكن هنا يُوجَد شيئ يتعدَّى الغريزة ويخدم خُطة خادمة وشغَّالة في موضوع التوازن الحيوي، هذا النوع من الطير لابد أن يضع في الموسم خمس بيضات وليس ثلاث بيضات حتى لا ينقرض، لكن هل هو يفهم هذه الخُطة؟ هل هو عالم في الإيكولوجيا Ecology؟ هل هذا الطائر عنده بكالوريوس أو ماجسيتر أ ودكتوراة في علم الإيكولوجيا Ecology وعلم البيئة والتوازن الحيوي؟ لماذا إذن؟ العلماء يقولون هذه الظاهرة من أعجب الظواهر وصعب جداً تفسيرها، فهنا لا تضع سبع بيضات وإنما تضع سبعين أو إحدى وسبعين بيضة، وهناك لا تضع أربع وخمس بيضات وإنما تضع خمسين، فما هذه القدرة غير مفهومة لدى الطيور على إنتاج البيض بحيث دائماً تُغطي وتُعوِّض الفاقد؟ أرأيتم كيف يحدث هذا؟ هذا شيئ غريب!
يُوجَد لدينا القندس، وقد قال لي أحدهم يُوجَد رجل غبي في برنامح مَن سيربح المليون لا يعرف ما هى القدس، فقلت له هذا مُستحيل، لكن اتضح أن السؤال كان عن القندس وليس القدس، وكثير من الناس لا يعرفون القندس، وعلى كل حال القندس هو كلب البحر Beaver، ادخلوا على اليوتيوب YouTube واكتبوا القندس Beaver أو القنادس Beavers، فهو مُهندِس مدني ومعماري ويُخطِّط ويُنفِّذ ويعمل بطريقة مُذهِلة مُحيِّرة، هذا شيئ لا يكاد يُصدَّق، فقط اكتبوا القندس Beaver وسوف ترون كيف يصنع السدود في الأنهار، فكلب البحر هذا حيوان عجيب وذكي وفطن لكنه حيوان، وقد قالوا يفعل هذا بالغريزة، فهو يُحِب الماء أن يكون مُتوافِراً وعميقاً إلى عمق مُعيَّن لكي يتريَّض فيه سباحةً وغوصاً وغطساً، ولكن الأنهار تكون مُتدفِقة قوية فلا تُساعِده وتجرفه، وهو يُريد أن يبتني مخزناً وأن يبتني عشاً كبيراً – مسكناً – له تضربه أو تناله أشعة الشمس ويتخلَّله الهواء، فماذا يفعل؟ يبنى سداً، فالقندس Beaver هو مُهندِس بناء السدود في عالم الحيوان، يفعل هذا بشكل مُثير وغريب جداً ومُمتِع حين تُتابِعه، وعلى كل حال ماذا يفعل هذا؟ يأتي إلى شجرة طويلة من المُمكِن أن تستعرض النهر من جانبه إلى جانبه الآخر ويبدأ مُباشَرةً في عمل دائرة في أسفلها قرب الأرض، وهذه هى أول خُطوة، ثم يبدأ بأسنانه يقرض المُحيط، ثم يُحدِث فجوة ويدخل فيها قليلاً قليلاً برأسه، ويبدأ يحفر في الوسط، وفي النهاية نرى مثل مخروطين مُلتقيان عند الرأسين، فتُصبِح الشجرة من فوق مُختلِفة عما هى عليه بشكل غير مُتزِن ومن ثم تُوشِك أن تقع، وحين يُدرِك وشك وقرب وقوعها يهرب -وفعلاً يهرب دائماً قبل أن تقع – ثم تقع الشجرة كأنما أوقعتها يد حانية فتستعرض النهر، ويأتي الآن القندس أحياناً بأخشاب أخرى لأنها قد لا تكفي فانتبهوا، ماذا يفعل والأخشاب بعيدة؟ الأخشاب بعيدة بحوالي نصف ميل Mile أو ميل Mile عن النهر، فيقوم بحفر ترعة طويلة يمشي فيها الماء، ويبدأ يُقطِّع الأخشاب ما بين نصف متر وبين متر ومتر ونصف، ويدفع بها قليلاً قليلاً حتى تأتي إلى هذا الغدير أو إلى هذا الأحفور الصغير، ثم يسبح معها ويدفعها من الخلف ويأتي بها إلى النهر، وطبعاً القندس لا يفعل هذا وحده فانتبهوا، لا يُوجَد قندس يبني سداً وحده، وإنما تفعل هذاجماعة القنادس Beavers بشكل جماعي، واحدة تأتي بالأعشاب وواحدة تأتي بالطين وواحدة تأتي بالأخشاب وواحدة تأتي بالحجارة وهكذا، المُهِم إنها قصة مُعقَّدة طويلة ويبنون هذا السد، ويُصبِح مثل بُحيرة صناعية الماء فيها عميق بالعمق الكافي ورائق إلى حدٍ ما لكي يتحرَّك حركة خفيفة، فيُمارِس فيها رياضة أو تريّض السباحة والغطس، في العُمق يبني مخازن له وأما عشه أو مسكنه فيبنيه بحيث تناله الشمس ويتخلَّله الهواء وهذا في فصل الشتاء، فإذا ما جاء الربيع الطلق يغتاله ضاحكاً ويترك هذا كله ويبدأ يتنقَّل في الغابات وفي الأحراج ليأخذ من رزق الله تبارك وتعالى، هذا هو المُهندِس، وهم قالوا هذه غريزة، لكن أمثال هاته الأشياء بالألوف، يُمكِن أن ينقضي العمر وأنت لا تستطيع أن تسردها، لأنها كثيرة جداً جداً جداً جداً جداً، وعلماء الحيوان مُتخصِّصون في هذا.
الآن نأتي إلى ختام موضوعنا، كيف يحدث هذا؟ سنُلخِّص لكم الجواب بكلمة على ضوء القرآن العظيم، الوحي هو مُشغِّل العالم ومُحرِّكه وهاديه ومُسيِّره تكوينياً وتشريعاً، وهذه نظرية في فهم العالم، يُمكِن أن نُسمّيها نظرية وحيانية، أي نظرية الوحي كمُشغِّل للوجود، قد يقول لي أحدكم كيف هذا؟ ما معنى الوحي مُشغِّل للوجود؟مُشغِّل الوجود كله تكوينياً وتشريعاً فيما يخص العالم الإنساني، فنأتي إلى السماوات وعالم الكوزموس Cosmos – عالم الأكوان – الآن، قال الله وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ ۩، إذن هذا هذا بالوحي أم ليس بالوحي؟ بالوحي، ولا يُمكِن أن تفهم ولا يُمكِن لنيوتن Newton لو أُوتيَ مثل عقله ألف ضعف أن يفهم لماذا على الأجرام السماوية أن تسلك بهذه الطريقة، كلما قدَّم تفسيراً سأل ولماذا؟ وفي النهاية لن يعرف طبعاً، لا يُوجَد استلزام منطقي ولا عقلي وفي الأمادي القُصوى ولا حتى علمي، فانتبهوا الأمور هكذا موجودة في النهاية، ولكننا نقول تُعلَّل بماذا؟ بإرادة الله، قال الله إِذَا أَرَدْنَاهُ ۩، هو أراد أن يكون هكذا وهو اختار هذه الحالة لا إله إلا هو، هذا هو فقط، تقول الآية الكريمة لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ۩، وهذا شيئ غريب، إذن كيف تتحرَّك هذه الكواكب وهذه السيارات وهذه النجوم وهذه المُسْتَعِرات العُظمى وكل هذا؟ قال لك بالوحي، قال الله وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ ۩، فهى تشتغل بالوحي – يا الله – وهذا أولاً.

ثانياً الأرض تشتغل بالوحي، مثل كيف يلف الكوكب وكيف يدور وهكذا في كل شيئ معه ومع موجوداته وجباله وكل شيئ، فهذا يكون بالوحي، قال الله إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ۩ إلى أن قال بعد ذلك بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ۩، فهل هذاوحي إلى الأرض؟ نعم وحي إلى الأرض، قال الله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ۩، وكذلك الجبال تُؤِّب مع داود، فداود حين يُسبِّح تُردِّد التسيح، وحين يحمد الله تُردِّد التحميد، وطبعاً نحن لا نسمعها لكن هو يسمع لأنه النبي المُكاشَف المُستبصِر، قال الله يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ۩، وهذا بالوحي الإلهي، فهى حين يُوحى إليها تستجيب مُباشَرةً، وهناك وحي للملائكة – ليس وحي الرسالة وإنما وحي بشكل عام – في أشياء كثيرة، مثل وحي للملائكة بنصرة المُؤمِنين وبتثبيت المُؤمِنين، قال الله إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ ۩، فهذا وحي للملائكة، علماً بأن السذج من العامة يظنون أن الملائكة تلتقي بالله – وأستغفر الله العظيم – وهو جالس على الكرسي ويرونه، وهذا كلام فارغ، فنفس الشيئ يحدث مع الملائكة التي تتعاطى مع الله وهو غيوب الغيوب – لا إله إلا هو – ولا تراه ولا تلمسه ولا تحسه، ولكن لديها يقين مُطلَق بالله طبعاً ليس كالإنسان، فالإنسان كائن مُتفرِّد وجميل، لكن جميل هذا الإنسان، هذا الظلوم الجهول – والله – فيه أشياء جميلة جداً جداً جداً جداً، وعلى كل حال لا تتساءل لأنها هى هكذا ولكنها تتحرَّك بالوحي، قال الله إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ ۩، والبشر من غير الأنبياء يتحرَّكون أحياناً بقوة الإلهام، وهذه القوة يُسمونها الإلهام Inspiration أو الحدس Intuition وما إلى ذلك في العلم وفي الفلسفة، فهذا يحدث إذن بقوة وحي، قال الله إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ ۩، فالله إذن يقول فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ ۩، أي أن هذا وحي لليم، فاليم يتلقَّى أمراً إلهياً، حين يُوحى إليه بأمر يُنفِّذه خاشعاً باخعاً، فهذا وحي أيضاً، وهناك وحي النبوات، قال الله إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ ۩، وهذا وحي يُشغِّل العالم تشريعياً، لمَن أراد ومَن أحب أن يشتغل بوحي الله فإنه موجود، وبعد ذلك المخلوقات كلها تتحرَّك بالوحي، قال الله وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ۩، الله يقول عن النحل وَأَوْحَىٰ ۩، فكيف هذا؟ النحلة من الكائنات إذا اختبرتها ذكائياً تُعتبَر غبية جداً، لكن الذبابة – Fly – أذكى منها بكثير، فالنحلة غبية ومن ثم اختبرها بأي شيئ خارج الغرائز الخاص بها وسوف تجد أنها غبية وتتصرَّف بغباء، ومن أيام أرسطو Aristotle اكتشفوا أنها غبية، ولكنها تتصرَّف بما نُسمّيه نحن ذكاءاً عجيباً، لكن هذا ليس ذكاءاً، هذا غريزة ووحي وإلهام و تشغيل رباني، قال الله وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ۩ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ۩، وهذا أمر عجيب، لكن هذا كله بالوحي، لا بالعقل ولا بالدراسة وإنما بالوحي، وهى تفعل هذا من ملايين السنين، وكذلك الحال مع النمل، فهذا ينطبق على النمل والنحل والعنكبوت، وخاصة العنكبوت قصة كبيرة، وفي القرآن سورة إسمها النمل وسورة إسمها النحل وسورة إسمها العنكبوت، هل تعرفون لماذا؟ ما هى أعقد الحيوانات غرائز وأكمل الغراز على الإطلاق؟ الحشرات وهذا معروف، لأنها ضعيفة في المملكة الحيوانية وتُتعرَض لعوادي كثيرة من البيئة ومن المُفترِسات فكمَّل الله لها غرائزها، فتتصرَّف بالغرائز تصرّفات لن نقول من أذكى وإنما من أغرز – إن جاز التعبير – ما يكون ومن أكثرها مُلهاميةً ووحيانيةً، لكن هذا ليس ذكاءاً.
داروين Darwin والتطوّريون والماديون يفشلون أمام النملة العاملة، وباختصار في عالم النمل هناك الملكة، والملكة هى الوحدية القادرة على التكاثر، تضع ملايين البيوت وتُفرِز مادة مُعقِّمة مُطهِّرة لكي لا تهلك، وبعد ذلك ذكر واحد يُلقِّح الملكة، ولدينا من هذه البيوض بيوض تُصبِح ملكات وهى عددها قليل، ومُعظم البيوض نمال – نملات – عاملات، وبعض البيوض لا تُخصَّب ولا تُلقَّح وتتحوَّل إلى ذكو، فسبحان الخلَّاق العليم، من غير تخصيب تصير ذكوراً، والذكور تنتهي مُهِمَتهم بمُجرَّد أن ينجح أحدهم في تلقيح الملكة، والعاملات يقتلن سائر الذكور، وهنا قد يقول لي أحدكم أن هذا يعني أن النملة العاملة قاصرة وعاقرة وليس لديها قدرة على التكاثر، وهذا صحيح بالضبط فهى ليس لديها قدرة على التكاثر، كل ما تقرأه في الكتب العلمية وما تراه في الأفلام الوثائقية عن ذكاء هذه النملة العاملة وعن تضحيتها وعن مُثابَرتها وعن الدقة وعن الحرص وعن الإدخار وعن الاقتصاد وعن الذكاء وعن التضحية و والمُثابَرة وإلى آخره لا يُورَّث، لماذا؟ لأنها لا تتكاثر، وهنا يُجَن جنون التطوّريون، فجيناتها Genes لا تعبر، وانتبهوا إلى أنها تفعل هذا من يوم خلقها الله، من ملايين السنين أو عشرات ملايين السنين، والسؤال كيف فعلت هذا لأول مرة إذن؟ نعود ونقول هذه غريزة وإلهام ووحي إلهي، وسلوهم عن الناملة العاملة القاصرة وقولوا لهم كيف يُمكِن تفسير غريزتها؟ لا يحدث هذا بالفعل المُنعكِس أو بالتوريث أو بالتعليم، فالثلاث نظريات تفشل كلها في تفسير غريزة النملة العاملة القاصرة.
إذن قال الله أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ۩، فالوحي مُشغِّل هذا العالم ومُحرِّك الوجود، والوحي الإلهي في المُستوى العلوي الأفلاكي الأجرامي يُمكِن أن يُتعرَّف عليه بآلية الكوزمولوجيا Cosmology وقوانين الفلك، فنقترب من هذا الوحي الإلهي ونعرف كيف يشتغل في عالم النبات وفي عالم الحيوان وفي عالم الإنسان وإلى آخره وفي عالم التشريع والكتب المُقدَّسة وختامها ومسكها القرآن العظيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخُطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين وتسليماً كثيراً.
أما بعد، إخواني وأخواتي:
قبل أن أُغادِر سأُلخِّص إذن بجُملة أو بجُمل قصار سريعة زُبدة وجوهر ولب لباب خُطبة اليوم أو مُحاضَرة اليوم، بنية الحيوان لو كانت قادرة على تفسير غرائز الحيوان لما كنا أمام مأزق بإزاء الغرائز، لن نجد مأزقاً هنا وسنفهم كيف تشتغل الغريزة، وهذا إسمه التفسير الآلي الميكانيكي، كما نفهم كيف تشتغل الساعة، فهذا واضح جداً لأن بنيتها – Structure – تُفسِّر لنا كيف تشتغل تماماً، كيف تدق وكيف تدور العقارب وما إلى ذلك، بنية أي آلة – Machine – مثل آلة الطباعة أو السيارة أو الصاروخ كصاروخ الفضاء أو الطائرة المدنية والعسكرية مَن يعرفها؟ المهندس ومَن حاذق بها، فهو يعرف كيف يحدث هذا ويقول لك أنا أقول لك كيف تشتغل وليس عندي أي مُشكِلة، فالبنية تُفسِّر هذا، وواضح جداً من خلال الشرح السابق أن بُنى الحيوانات وحدها بحيالها تفشل في تفسير سلوكاتها الغرزية، وفي حدود علمنا وفهمنا لهذه البُنى ولهذه الهياكل والتركيبات لا نستطيع أن نفهم كيف تتصرَّف هذه التصرّفات العجيبة الغريبة جداً، والجواب أصبح عندكم الآن، لكن كيف؟ لدينا برهانان، فالبُنى هذه لازمة وضرورية طبعاً مُبتدأً ومُنتهى، وهذا يتعلَّق به برهان التصميم وبرهان النظام وبرهان النظم وبرهان العناية والبرهان الغائي Teleological Argument، وبعد ذلك نحتاج إلى شيئ آخر لكي نُفسِّر كيف نتصرَّف وكيف تتصرَّف هذه المخلوقات والكائنات الحية، فنحتاج إلى برهان الهداية، إذن هو شيئ مُستقِل إلى حد بعيد وليس من اللوازم الضرورية للبنية، لو كان من لوازمها لكفى فهم البنية في فهم لغز الغريزة مثل كيف تكون الغريزة وكيف يتصرَّف الحيوان غرزياً، لكن هذا شيئٌ وهذا شيئٌ مع ارتباطهما، فهنا الارتباط موجود طبعاً، وإلا الغريزة تخدم ماذا؟ تخدم البنية، ولكنه ليس ارتباطاً ضرورياً ولا حتى تعليلاً علّياً، ارتباط منظومي للخدمة فقط ولأداء الدور النهائي، ومن ثم نحتاج إلى الهداية.

الآن اسمعوا القرآن العظيم وهو يفصل – كما قلت في أول الخُطبة – بين البرهانين ويعرض كلاً منهما على أنه برهان مُستقِل، فإذا لم تُومِن بالله عن طريق النظم عليك أن تُؤمِن به عن طريق الهداية، وإلا فأنت تُغالِط العلم والوقائع الحية المرصودة المبحوثة المرقوبة، قال تبارك وتعالى الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ۩، والتعبير بـ ثُمَّ ۩ يُؤكِّد استقلالية الهداية عن موضوع النظم والبنية، فهذا شيئ وهذا شيئ، ولولا الهداية لما انتفع الحيوان بهذه البنية ولانقرض مُباشَرةً، لأنه لا يستطيع هذا ولا يعرقف كيف يتصرَّف، لكن لابد من الهداية، فالله هنا يقول ثُمَّ ۩، هل يُمكِن لقائل منا أن يقول أنا صنعت دائرة أو رسمت دائرة ثم جعلت الشعاعات الخارجة من المركز – وهى أنصاف الأقطار – مُتساوية؟ هذا كلام فارغ، لا تقل أنا جعلتها، لأن إذا رسمت دائرة صحيحة فكل هذه الشعاعات – أنصاف الأقطار – سوف تكون مُتساوية رغماً عنك دون أي كلام، وكذلك لا يُمكِن أن تقول أن رسمت مُثلَّثاً ثم جعلت مجموع زواياه يُساوي قائمتين، فهذا كلام فارغ ولا حاجة لأن تتحدث عن مجموع الزوايا، وإذا رسمت مُثلَّثاً على مُستوٍ – هذه طبعاً هندسة مُستوية إقليدية Euclidean – فإن زواياه تكون قائمتين مُباشَرةً، لماذا؟ هذا لزوم ذاتي، فهذا معنى المُثلَّث، لأن زواياه تكون قائمتين، فلا تقل لي أنا رسمت المُثلَّث وبعد ذلك يُوجَد شيئ آخر لا يلزم عنه وأنا جعلته له، هذا غير صحيح، فلما الله يقول الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ۩ فإن الهداية غير لازمة عن الأولى ومُستقِلة، ولذا البنية وحدها تشتغل والهداية وحدها تشتغل، لا إله إلا الله، ولذلك أنت لا تقوم وحدك يا مسكين، وهذا الكوكو Cuckoo وهذا النقَّار وهذه العثة وهذا العنكبوت وما إلى ذلك لا يقومون وحدهم، فلا تقل أنا لدي بنيتي وضحكت – أستغفر الله العظيم – على الله وأنا سأهرب منه وسأجحده، لا تستطيع وتحتاج إلى هدايته، والله لو سحب نوره هدايته ووحيه إليك لن تستطيع لا أن تُبصِر ولا أن تسمع ولا أن تفهم ولا أن تتكلَّم والله، ما رأيك؟ فهذا ليس في الغرائز فحسب بل حتى في الأشياء التي تراها طبيعية ولكن هذا يكون بالهداية، ولذلك قال الله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۩ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۩، فهذا برهان النظم الآن، وماذا قال الله بعد ذلك؟ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۩، فهو كرَّر فعل اقْرَأْ ۩ مرة ثانية ليُشير إلى الاستقلال، فهذا برهان وهذا برهان، قال الله اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۩ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۩ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ۩، وهذا برهان الهداية، حيث كرَّر الله فعل اقْرَأْ مرتين، ماذا قال إبراهيم؟ هل قال الذي خلقتي فيهدين؟ لم يقل هذا، وإنما قال الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ۩، ذكر الضمير بارزاً واضحاً لكي يضرب به في وجوهنا ولكي يقول هذا شيئ وهذا شيئ، لم يقل الذي خلقني فأهتدي أو حتى فهداني، وإنما قال الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ۩ فهذا شيئ وهذا شيئ، هل هذا مُستقِل أم غير مُستقِل؟ مُستقِل، قال الله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ۩ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى – خلق ونظم – وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ۩، أعاد الموصول إشارة إلى استقلال البرهان، فهذا شيئ وهذا شيئ، أليس كذلك؟ هذا هو!

فالقرآن يُقدِّم لنا النظرية الإلهية المُريحة التي تقف بنا على أرض صلبة قوية ثابتة غير مُتزعزِعة وتُفسِّر لنا هذه الظواهر المُحيِّرة وهذه الظواهر التي صدمت وصدَّعت أدمغة العلماء والباحثين، إنها الهداية الإلهية، قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ۩ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ۩.

اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، اللهم اهدنا إليك بما هديت به عبادك الصالحين إليك ودلنا عليك وعرِّفنا بك يا إلهنا ومولانا يا رب العالمين، اجعلنا نخشاك حتى كأنا نراك وأسعِدنا بتقواك ولا تُشقِنا بمعصيتك، واغفر لنا ولوالدينا وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات بفضلك ورحمتك إنك سميعٌ قريبٌ مُجيب الدعوات.

اللهم إنا نسألك أن تُعِز الإسلام وأن تنصر المُسلِمين، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عن إخواننا المُسلِمين المُبتلين المُمتحَنين في سوريا وفي كل بلاد الإسلام والمُسلِمين برحمتك يا أرحم الراحمين إلهنا ومولانا رب العالمين.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، وأقِم الصلاة.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

أضف تعليق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: