الرئيسية / التفريغات النصية / القليل والكثير

القليل والكثير

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه العزيز بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

وَالْفَجْرِ ۩ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ۩ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ۩ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ۩ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ۩ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۩ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۩ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ۩ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ۩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ۩ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ۩ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۩ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ۩ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ۩ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۩ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۩ كَلاَّ بَل لّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۩ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۩ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَّمًّا ۩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ۩ كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ۩ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ۩ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ۩ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ۩ فَيَوْمَئِذٍ لّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ۩ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ۩ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۩ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۩ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

مَن تأمَّل كتاب الله العزيز الأغر انتهى غير مرة وفي غير تأمل وموضع إلى أن القرآن الكريم لا يهدينا فحسب إلى ما ينبغي علينا فعله وما يلزمنا تركه، إنما – وهو الأهم والأخطر والأنفس والأثمن – يهدينا في مُعترَك الاختيارات ومُعترَك الأهواء والشُبهات والآراء، في مُعترَك المواقف في مُفترَق الطرق – ويا ما أكثرها! – يهدينا.

لو عاش الإنسان – إخواني وأخواتي – في عالم مُركَّب مبني من خيارات سهلة ستكون حاجته إلى مثل هذه الهدايات أو الأضواء الهادية شحيحة جداً، لماذا يحتاجها؟ هو لا يحتاجها، والحال أننا نعيش في عالم مُركَّب ومبني من الخيارات الصعبة والصعبة جداً.

ما الفرق بين الخيارات السهلة والخيارات الصعبة؟ يُمكِن – إخواني وأخواتي – أن نُحدِّد الخيارات السهلة بأنها الخيارات الضدية، والخيارات الصعبة بأنها الخيارات النوعية، ما معنى هذا الكلام؟ الخيارات الضدية كالآتي، لا أعتقد أن المرء بصفته كائناً عاقلاً – نحن كائنات عاقلة بلا شك، كائنات مُفكِّرة منطقية عاقلة، من حيث الأساس طبعاً، لسنا للأسف كذلك دائماً وفي كل التصرفات، لكن من حيث الأساس نحن الكائنات المفروض أنها الأكثر عقلانية على وجه هذا العالم – لا يحتاج إلى أي تفكير أمام خيار سهل من نوع هل تتزوَّج هذه الحسناء أم تُعدَم بالرصاص؟ لا، طبعاً! أتزوَّج هذه الحسناء، هل تختار أن تكسب مليون دولار أو تموت شنقاً؟ لا، طبعاً! أكسب مليون دولار، هذه خيارات سهلة.

لا نحتاج في عالم – وهذا العالم غير موجود على كل حال – مُكوَّن من خيارات سهلة إلى هدايات، أنواع من الهدايات الإلهية! لا نحتاجها، العملية سهلة، يكفيني الحد الأدنى من العقلانية، سأختار دائماً ما يلذ لي، لا ما يُؤلِمني، ما ينفعني، لا ما يضرني، وما يُناسِبني، لا ما يُنافِرني، لكن في الحقيقة الخيارات في هذا العالم ليست من هذا القبيل، تقريباً مُعظَمها على الإطلاق! حتى يُوشِك أن تكون الخيارات السهلة غير خيارات، الخيارات هي دائماً خيارات مُركَّبة، خيارات صعبة أو خيارات أنا أُسميها نوعية، بمعنى ماذا؟ إما أن تختار هذا الشيئ وهو ألف أو تختار باء، باء أفضل من نواحٍ وأسوأ من نواحٍ، لكن ألف أيضاً أفضل من نواحٍ وأسوأ من نواحٍ، اختر الآن! وكلما اتسع المدى الذي يُتاح لك فيه أن تختار – مدى الخيارات – كلما شعرت بالعجز أكثر، عكس ما تتوقَّع مبدئياً! أنت تتوقَّع مبدئياً هنا شيئاً بسبب عقلانيتك غير المشحوذة بالعلم،وهنا أفتح قوسين بسرعة لكي أُشير إلى الآتي (هذا الشيئ مُهِم جداً وطبعاً لا يحتاجه المُتعلِّمون والمُثقَّفون والدارسون وإنما يحتاجه – لا نُحِب أن نُسيء إلى أحد من الناس – الناس البُسطاء السُذج، الذين لا يحترمون المعرفة والعلم، يقول لك الواحد منهم ما حاجتي بالمعرفة والعلوم؟ علوم ومعارف وفلسفات هذه! لكن أنا عندي عقل، أنا عقل يزن أمة! هذا العقل سيخذلك كثيراً، سيخذلك العقل غير المشحوذ بالعلم، بالمناهج، بالدراسات، وبالمعارف، لأن في نهاية المطاف ما هي العلوم والمناهج والدراسات والمعارف؟ ما هي؟ هي قرائح عقول اشتغلت بمناهج صحيحة، مناهج دقيقة! هي نتاج عقول اشتغلت على موضوعات بأعيانها لفترات طويلة، هي نتاج عقول تضافرت جميعاً لكي تقتل موضوعاً ما درساً وبحثاً، طبعاً بلا شك هذه تتغلَّب على عقليتك الفردة، غير المشحوذة، وغير المُهذَّبة بأمثال هذه المعارف، ولذلك لو سُئلت ببساطة – حتى نُغلِق القوسين – أيهما أهم وأولى بالاعتبار: العقل من حيث هو أم العلم؟ لقلت العلم، والعلم ما يكون إلا مُؤسَّساً على عقل، مهاد من العقل! لكن العقل المحض وحده بلا علم وبلا معارف لا يكاد يسوى شيئاً، يخذل الإنسان كثيراً! الحيوانات تتحرَّك بغرائزها المحضة أفضل مما يتحرَّك الإنسان بعقله المحض، لذلك الإنسان لا يتحرَّك بالعقل المحض، يتحرَّك بالمعارف والتجارب والخبرات المُتراكِمة لدى الجنس البشري أو على الأقل لدى شعب من الشعوب أو قبيل من الناس في هذا المكان أو ذاك).

نعود إلى موضوعنا، الخيارات الصعبة خيارات نوعية، إما أن تتزوَّج هذه أو تتزوَّج هذه، لا تُعدَم بالرصاص، لا! تتزوَّج هذه الفتاة أو هذه الفتاة، هذه أفضل من خمسة وجوه، لكن فيها هذه السيئات الثلاث، هذه أفضل من ستة وجوه، لكن فيها هذه السيئات الأربع، تختار مَن: هذه أو هذه؟ وهكذا في مُعظَم شؤون الحياة، تنتهي من الثانوية العامة – الماتورا Matura – وتقول ماذا أُريد أن أدرس؟ أستطيع أن أدرس في هذا النطاق أو هذا المجال أو ذاك المجال، ثلاثة على الأقل أمامي، لدي لياقات أن أمخر عُباب هذه المجالات الثلاث، لكن كل مجال له ميزات وله أيضاً مثالب، خيارات مُركَّبة!

الخيارات المُركَّبة – نعود مرة أُخرى إلى ما دعاني إلى فتح القوسين إخواني وأخواتي – لا يسهل التعامل معها بالحد الأدنى من العقل، لا! تحتاج إلى خبرة، إلى معرفة، أحياناً إلى استشارة، إلى مشورة الآخرين، وفي كل الأحايين إلى استخارة الرب الكريم، لا إله إلا هو! والاستخارة ما معناها بكل بساطة؟ الاستخارة تُعلِّمنا التواضع بالمُناسَبة، الاستخارة تُذكِّر الإنسان بمحدوديته، ببساطته، بجهله، بجهله بأشياء كثيرة! فيفزع إلى الله، يقول له يا رب خذلني عقلي، خذلتني معارفي، خذلني حتى مَن استشرتهم، أنت خِر لي، ألهِمني، أنِر قلبي بضياء مِن لدنك، ماذا أفعل؟ طبعاً هذا هو الإنسان الضعيف، هل هذا واضح؟

إذن عالمنا عالم من الخيارات الصعبة، الخيارات النوعية وليس الخيارات الضدية، ومن هنا صعوبة التكيف والعيش في هذا العالم بنجاح وبكفاءة، ومن هنا بالمُناسَبة بعض الناس ينجحون وكثير من الناس يُخفِقون، لأن هناك مناهج للنجاح وسُبلاً كثيرة للإخفاق، على الأقل يجمعها أن تتجنَّب وتتحاشى مناهج النجاح، لا تستفيد مِمَن نهج الطريق لك قبل ذلك، لا! يكفيك عقلك، عندك عقل يزن بلداً، دعه يزن! دعه يزن بلداً، سيخذلك كثيراً هذا العقل، لذلك العلم ثم العلم ثم العلم، لا تنهض أمة ولا يسعد فرد ولا قبيل ولا شعب من الناس إلا بالعلم، إلا بالعلم! هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ۩، أصحاب العلم وليس أصحاب العقل، الله في كتابه الكريم لم يصف نفسه بالعقل، أم هل يُوجَد ما يقول إن الله عاقل وخير العاقلين وأكبر العاقلين؟ هذا غير موجود أبداً، لكنه وصف نفسه بالعليم، وصف نفسه بالعلم وليس بالعقل، إشارة! لكي يُشير إلى أن الشرف في العلم، العقل هو مُجرَّد الاستعداد، استعداد فطري، استعداد نحائزي جبلي تكويني لكي تكتسب العلوم والمعارف، إن لم تستفد من هذا العقل في الاكتساب تقريباً لا تكون استفدت شيئاً، ضيَّعت هذه الملكة.

ولذلك – إخواني وأخواتي – لكي يكتسب الإنسان العلوم والمعارف ويرتقي بإنسانيته أيضاً لابد أن يتوفَّر الحد الأدنى أو الحد المطلوب أو الحد الكريم حتى – لماذا نقول الحد الأدنى؟ الحد الكريم – من الحياة الكريمة، الإنسان إذا لم تتوفَّر له هذه الحدود الكريمة لحياة كريمة هجعت مواهبه الإلهية، هجعت! حتى الروحية والعقلية العلمية تهجع، ويدور المسكين سحابة نهاره وربما أيضاً فحمة ليله – أكرمكم الله – كحمار الرحى، لكي يُحصِّل الضرورات، وهذه حال الشعوب المطحونة العالم ثالثية المُتأخِّرة تقريباً إلا ما ندر، هذه حال هؤلاء المساكين، أشبه بالأنعام، يشتغل الواحد منهم ليل نهار فقط لكي يُوفِّر لُقمة العيش، متى يفرغ هذا المسكين للسماء وللروح؟ متى يفرغ للعقل وللعلم وللمعارف؟ لا وقت لديه لهذه الأشياء.

ومن هنا يا إخواني الإنسان أبداً – البتة – لا يُناسِبه القليل جداً، لا يُناسِبه! هذه مهانة، قبل أسابيع تكلَّمنا عن المهانة، هذه مهانة! وقلنا قال – تبارك وتعالى – وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۩، أن تُوفَّر لك هذه المسائل – مسائل الانتقال والارتحال والتنقل، المراكب! الآن سماوية وأرضية برية وبحرية – فهذا من الكرامة، أن يتوفَّر لك رزقك الكريم الطيب فهذا من الكرامة، إن لم يتوفَّر لك فهذا من المهانة، هذه مهانة وإهانة للإنسان، الله – تبارك وتعالى – لا يرضاها.

ولذلك في هذه السورة – والآن سأكشف النقاب لماذا اخترت سورة الفجر، ما علاقة الآيات بموضوع الخُطبة اليوم الذي قد يبدو مُعقَّداً؟ غير مُعقَّد، موضوع بسيط لكنه عميق، بسيط وعميق ونحتاجه جميعاً، تحتاجه الشعوب والحضارات، يحتاجه مَن يتكلَّم باسم الدين وباسم السماء وباسم الأرض وباسم الاقتصاد وباسم الاجتماع وباسم السياسة، الكل يحتاج هذا الموضوع – قال الله فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ – هذه كرامة إذن – وَنَعَّمَهُ ۩، حين تُنعَّم – رزق دار سخي واسع، فوق الحد الأدنى، فوق حد الضرورة – يكون هذا من الكرامة، وفي الحقيقة الإنسان حقه أن تتوفَّر ضروراته وحاجاته وقدر كريم من الترف، أن يعيش أيضاً مُنعَّماً، وَنَعَّمَهُ ۩، هذه كرامة! ليس على القد كما نقول بالعامية، على القد تماماً! مصروفه على القد، في آخر الشهر يُنفِق المسكين آخر مليم، لو لم يكن هناك مُرتَّب آخر يشحذ، لا! المفروض أن يكون لديه دائماً توفير، ويعيش ببعض هذا التوفير نوعاً من مُستوى الرفاه في الحياة، طبعاً هذا ضروري، لذلك قال وَنَعَّمَهُ ۩، قال وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۩، هذه كرامة! وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ۩، الرزق المُقدَّر – أي المُقتَّر القليل الشحيح – مهانة للإنسان، كيف لا يكون مهانة؟ هذا الرزق المُقدَّر المُقتَّر مهانة، والمُقدَّر لا يعني المُقدَّر في الغيب، لا! المُقدَّر المُضيَّق، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۩ قُدِر عليه رزقه أي ضُيِّق، فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ ۩، يونس! ما معنى أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ۩؟ هل يظن أنه يُعجِز الله؟ يكفر، لو ظنها مُؤمِن عادي يكفر، فكيف بنبي، عارف بالله، من أحسن العارفين؟ لا، فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ۩ بمعنى فظن أن لن نُضيِّق عليه بعقوبة، أي لن نُعاقِبه! هو استقال من الدعوة ومن النبوة، قال لا، أنا لا أدعو هؤلاء الناس، سأتوقَّف عن هذا، سأتوقَّف عن الشيئ هذا، وظن أن يجوز له ويسوغ له أن يستقيل من الرسالة دون أن يستأذن السماء، فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ۩، قال لا وابتلعه الحوت، فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ ۩، إلى آخره.

إذن إخواني الرزق المُقدَّر المُقتَّر يرمي بالإنسان في مهاوي المهانة، يضطره إلى أن يستدين، ربما اضطره أحياناً إلى أن يشحذ، ربما اضطره إلى أن يركب الصعب والذلول، ربما تأدى به إلى الجريمة أحياناً، لذلك هذه مهانة! فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۩.

الآن يا إخواني نُريد أن نفهم سر الإضراب، كَلاَّ بَل لّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۩، الله قال لا، هذا غير صحيح، كيف هو غير صحيح؟ جيد، هذا غير صحيح، يظن كل إنسان هذا، حتى الكافر طبعاً، وهنا بالذات المقصود الإنسان الكافر، لكن حقيقة الله يقول الإنسان، عموماً! هذه طبيعة الإنسان، الإنسان إذا أُكرِم ودر رزقه وسحت عليه النعم يا إخواني – سحائب النعم – فإنه يقول هذه علامة إكرام، الحمد لله، الله أكرمني، الحمد لله على كرمه الواسع، إذا ضُيِّق عليه فإنه يقول الله أهانني، الله يقول كَلاَّ ۩، لا تعتقدوا هذا ولا تقولوا هذا، هذا غير صحيح، إذن ما الصحيح؟ بَل لّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۩ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۩، صعب! هذا الإضراب من أصعب الإضرابات في كتاب الله، ما رأيكم؟ وعودوا إلى كُتب التفسير، حاولوا أن تقرأوا وأن تفهموا، ما علاقة هذا بهذا؟ غير مفهوم! حاولت أن أفهم هذا لسنوات في الحقيقة – لسنوات – وقرأت ما تيسَّر من كُتب التفسير، ولم يضح لي هذا على نحو وبطريقة فعلاً ينثلج بها الصدر ويطمئن بها القلب، لم يحصل الثلج! ما سر هذا الإضراب؟ خُطبة اليوم تقريباً – إن شاء الله – مُساهَمة في الكشف عن بعض سر هذا الإضراب، سنفهم الآية من زاوية جديدة بفضل الله عز وجل، سوف نرى كيف!

نعود، إذن القليل جداً لا يُناسِب الإنسان، وطبعاً هذا يعتقل حريتك، أنت لا يكون لك حرية أصلاً بمعنى من معاني الحرية حين تكون خياراتك معدومة أو شحيحة جداً، أين الحرية؟ ليس عندك حرية، أنت ليس لديك حتى حرية أن تلبس كيف تشاء، عندك هذا البنطال المُخرَّق المُمزَّق ولابد أن تلبسه وأحياناً بالرقعة، لأن ليس عندك غيره، عندك هذا الجاكيت Jacket الذي تلبسه من عشرين سنة ولابد أن تلبسه حتى اليوم في زواج ابنك أو ابنتك أو في لقاء مسؤول كبير، ليس عندك غيره، ليس عندك خيارات، لا يُوجَد غيره ومن ثم تلبسه، لا تُوجَد حرية، أليس كذلك؟ ليس عندك حرية أن تنتقل كيف شئت، لابد أن تركب الدرجة الأخيرة في أبطأ المُواصَلات لأنها الأرخص، ليس عندك إمكانية، هذا لا يليق بالإنسان!

لكن – انتبهوا – في المُقابِل الكثير جداً الذي يتجاوز مُستوى الترف ومُستوى التنعيم بمراحل لا يُناسِب الإنسان أيضاً، والعجيب – هذا هو العجيب – أنه يعتقل ويجور على حريته، ما رأيكم في هذا أيضاً؟ كما جار العُدم والإقلال على حرية الإنسان الكثرة الفاحشة تجور على حرية الإنسان، وترمي به مرة أُخرى في مهاوي العجز، يشعر أنه عاجز، يشعر أنه عاجز وهذا غريب! كيف؟ مَن يقول هذا؟ العلم والدراسات، العلم والداراسات تُؤكِّد هذا، أن الكثير جداً يجعلك عاجزاً، هذه مُفارَقة شاء بعض علماء النفس أن يُسميها مُفارَقة الاختيار.

كما قلنا ببداهة العقل وبأولية العقل يظن الإنسان أنه كلما تعدَّدت الخيارات أمامه زادت قدرته على الاختيار، وبالتالي تأكَّدت حريته، أنا لا أختار بين اثنين – وطبعاً لا خيار في واحد، كالبنطال المُمزَّق هذا، لا خيار في واحد، ولا أختار فقط بين اثنين، إما هذا أو هذا – وإنما أختار بين عشرين، أختار بين عشرين بديلاً أو ثلاثين بديلاً أو مائتي بديل وربما ألفي بديل، لا ندري، الخيارات واسعة!

طبعاً لا يجهل أحد الآن أن العلم الحديث والتكنولوجيا الحديثة وسَّعت أمامنا طيف الخيارات بشكل غير مسبوق في تاريخ الإنسانية على الإطلاق وفي جميع الميادين، فيما نطعم، فيما نتداوى ونتعالج به، فيما نلبس، فيما نسكن، وفيما نركب، في كل ما نتعاطى الخيارات أصبحت تقريباً لا محدودة، لا محدودة! أليس كذلك؟ مَن يشك في هذا؟ ستقول لي لمَن كان واجداً، الخيارات موضوعياً أصبحت فعلاً هائلة ومُذهِلة وشبه لا محدودة، لكن في حق كل شخص هذا يعتمد على قدرته المادية، كلما ارتفعت قدرته المادية كلما اتسع طيف الخيارات أمامه، هذا صحيح! أنا وأنت – مثلاً – نستطيع أن نتخيَّر بين ثلاثين نوعاً من التلفزيون Television، أي الرائي! عندنا ثلاثون نوعاً نستطيع أن نختار بين هذه الأنواع، لكن هذا كله في حدود ماذا؟ في حدود من ثلاثمائة يورو – مثلاً – إلى ألف يورو، نستطيع أن نختار في هذه الحدود، لكن ذاك الغني المليونير فضلاً عن الملياردير يستطيع أن يختار بين ما هو أكثر من ذلك، بين التلفزيون Television الذي بعشرة آلاف – هذا أقل شيئ، الحد الأدنى – والتلفزيون Television الذي يصل ثمنه إلى نصف مليون، شاشة بنصف مليون! جميل، قد تحسده وقد تحسد هؤلاء، تقول هنيئاً له، أي نياله كما نقول بالعامية، لا! لا يستحق الأمر هذا، هل تعرف أنه يشعر دائماً بعدم الرضا أكثر منك؟ هذه الدراسات العلمية تُؤكِّد هذا، يشعر دائماً بالعجز أكثر منك، أنت أكثر حرية منه، الأمور أفضل بالنسبة لك، كيف؟ غريب! ما هذا؟ هذا العلم، يُؤكِّد العلم والتجارب العلمية هذا، وسنُوضِّح هذا الآن.

لماذا يا إخواني؟ كلما كانت الخيارات موضوعياً أكثر وكلما كانت القدرة على التخير من بينها أكثر – لأن هناك إمكانية مادية – كلما ارتفعت المعايير، أي التوقعات، الــ Expectations، ترتفع التوقعات! أليس كذلك؟ هناك مَن يُريد شيئاً لم يحصل مثله من قبل، يُريد شيئاً ليس له مثيل في البلد، أليس كذلك؟ يُريد شيئاً نادراً جداً جداً، إذا كانت هناك إمكانية ليُصنَع له شيئ بالذات فإنه سيقول نعم، قلنا مرة في خُطبة عن السعادة – وأثبتنا أن هذا ليس من أسباب السعادة للأسف الشديد – هناك مَن يشترون قارمة سيارة – أي لوحة سيارة – بثلاثة مليون أو بأربعة مليون أو بسبعة مليون دولار، شيئ غريب! قالوا هذا رقم غير موجود في البلد، هناك إمكانية! على كل حال يقول لك لا بأس، ترتفع التوقعات! مع ارتفاع التوقعات تبرز ما يُسميها علماء الاقتصاد الآن – دخلنا في الاقتصاد – تكاليف الفُرصة، أي تكاليف الفُرصة البديلة طبعاً، The opportunity costs، تكاليف الفُرصة (البديلة).

ما تكاليف الفُرصة؟ أنت تختار هذا الشيئ من بين مائتي خيار، تختاره! وتعلم أن هناك أشياء أُخرى قد تكون أرخص قليلاً أو أغلى قليلاً، فيها مُميِّزات ليست في الجهاز أو الآلة أو الشيئ الذي اخترته، وتعود الآن أنت بهذا الشيئ إلى البيت مُزدهياً به، تفتخر به أمام الناس، تلفزيون Television بمائتي ألف يورو، طبعاً أصحاب الملايين هؤلاء مساكين والله! فقراء في شيئ آخر، المال موجود والخيارات موجودة، لكن هم فقراء في شيئ آخر الدين يُعطيه، وهم غير واعين به، أعني بعضهم طبعاً، بعضهم – والحمد لله – واعٍ، وبعضهم غير واعٍ به، حتى لا نُعمِّم، التعميم خطيئة! بمُجرَّد أن يُسجِّل أحد الزائرين مِمَن يثق هذا المليونير برأيه انتقاداً بسيطاً – شيئ يتعلَّق مثلاً باللون أو بالحجم أو بدرجة الوضوح Resolution أو بالحدة أو بالصوت أو بأي شيئ – سيذهب الرضا، وسيشعر بندم شديد، لماذا؟ لأن كان لديه الفُرصة أن يختار غيره، والفُرصة موجودة! لكن هذا بمائتي ألف، نصف مليون أيضاً! مهما كان هذا مُؤلِم، حتى لو كان عنده مليار هذا مُؤلِم، أنفقنا نصف مليون في شيئ كان يُمكِن أن نختار غيره، لو اخترنا ذاك لكان أفضل، وهكذا باستمرار.

بالمُناسَبة أيضاً – حتى لا أنسى – نحن نعيش في عصر صعب، أعاننا الله وأعان أبنائنا بالذات، نحن – والحمد لله – أُناس يُمكِن أن نتبجَّح ونقول عندنا شيئ من الحكمة، استفدنا من الحياة، تعلَّمنا وقرأنا في الدين وفي الفلسفة وفي الاجتماع وفي كل شيئ، حاولنا أن نكون مُتوازِنين، لم نكن خفاف الوزن ولم نمش مع الحياة ولم نكن مُصابين بالهبل، لا! حاولنا أن نتخيَّر، لكن أولادنا نقول عنهم أعانهم الله، الحياة صعبة جداً، أراها صعبة جداً، هم قد لا يشعرون بهذا، الآن حتى الجيل الثاني المُباشِر لنا – مُباشَرةً – يدفع هذه الضريبة، ةسأضرب مثالاً واحداً بسيطاً، كلنا عايشناه!

العالم العربي في آخر ثلاثين سنة أو ربما أكثر قليلاً للأسف استغنى عن فنه العربي إلا ما ندر، وبدأ يستهلك الفنون الأجنبية، خاصة في عالم المُسلسَلات، المُسلسَلات الغربية ثم المكسيكية والجنوب أمريكية بشكل عام وبعد ذلك الهندية والتركية، أليس كذلك؟ كل هذه المُسلسَلات لمَن تابعها أو تابع شيئاً منها فيها جامع مُشترَك، كلها فيها جامع مُشترَك! ترفع التوقعات عند الفتاة وعند الفتى، مثل التوقعات في الشريك، كيف ينبغي أن يكون الزوج؟ لابد أن يكون مثل البطل هذا، مُهند الطويل الأشقر المُسبسب – كما يُقال – والحلو، الموديل Model هذا لم يُوجَد مَن هو مثله، والناس يتغزَّلون فيه! ولابد أن تكون الشريكة مثل هذه البطلة، لا أعرف اسمها، ياسمين أو أندريلا أو أنطونيلا، لا أعرف بالضبط، هذه الأسماء كنا نسمع بها، لابد أن تكون مثل البطلة، شريكتي لابد أن تكون مثل البطلة! والبيت لابد أن يكون مثل البيت، فلان أو علان عنده بيوت ضخمة جداً، عنده فيلل طبعاً تكلِّف عشرات الملايين، وكذلك مع السيارات طبعاً والعلاقات – الــ Relations – التي لابد أن تكون مع طبقات مُعيَّنة في المُجتمَع، ترفع التوقعات! علماً بأن هذا أحد الأسباب – ليس كل الأسباب وإنما هو أحد الأسباب، وحتماً هو أحد الأسباب – التي جعلت الشباب العربي في عصر ما بعد الثورات مُحجِماً عن العمل، صارت هناك فُرص للعمل بالمُناسَبة في أكثر من بلد، لكن الشباب لا تشتغل، لا تُحِب أن تعمل، عمل ماذا؟ يقول لك، هذا كلام فارغ، لماذا أدرس الطب – وتستمر دراسة الطب سبع أو ثماني سنوات أو عشر سنوات في بعض المرات كما هو الآن – ثم أتخرَّج وبعد العناء هذا كله أتوظَّف طبيباً بألفي دولار أو ألفي يورو؟ ما هذا الهم كله؟ البطل هذا في جلسة واحدة يصرف عشرين ألف دولار، أي هذا كلام فارغ، مُرتَّبي كله لا قيمة له، فيهمد! ترتفع التوقعات، ترتفع المعايير، وطبعاً يُحبَط الإنسان باسم وبحُكم الواقع، الواقع لا يُعطي هذا ولا حتى إمكانية سريعة لهذا، إمكانية هذا بطيئة جداً وشحيحة وصعبة، وتحتاج إلى زمن طويل، أليس كذلك؟ إلا إذا أردت أن تشتغل تاجراً في المُخدِّرات، فهذا شيئ ثانٍ، كأن تنضم إلى حزب بابلو إسكوبار Pablo Escobar، أهلاً وسهلاً! هذا مُمكِن، ثم تموت بعد ذلك رمياً بالرصاص – هذا أكيد – أو في السجن، تتعفَّن في السجن طيلة حياتك، لأن أيضاً هؤلاء لا يعيشون كما يُبرِز لك فيلم Thriller أو Action مُدته تسعون دقيقة، لا يعيش الواحد منهم بطلاً عظيماً كما يُصوِّر الفيلم الذي ينتهي والبطل في ذروته! هذا غير صحيح، ينتهي الفيلم الواقعي وهو مُتعفِّن في السجن أو مضروباً بالرصاص في رأسه، هذه الحياة!

فإذن يا إخواني كثرة الخيارات تجعل الإنسان أشبه بالعاجز، العرب فهموا هذا من غير دراسات ميدانية ومن غير تأملات، العرب فهموا هذا ببساطة، قالوا إذا أردت أن تُحيِّر فخيِّر، هذا هو طبعاً! إذا أردت أن تُحيِّر – تُحيِّر الإنسان وتجعله حتى بلا حيلة في النهاية – فخيِّره، خيِّره! أعطه خيارات كثيرة وسوف يعجز المسكين، سوف يعجز! علماً بأن هذا تستغله شركات التأمين في العالم الغربي، دُهاة هؤلاء الناس، لن نقول إنهم شياطين لكن هم دُهاة، يستعملون العلم، وهذه الشركات وغيرها طبعاً تُموِّل وتُموِّن معاهد أبحاث ودراسات قصيرة وطويلة المدى، تستفيد هي منها، شركات التأمين تعلم أنه كلما أُعطيَ الزبون طيفاً أوسع للخيارات تقل قدرته، ويشعر المسكين بالعجز، ومن ثم يستبقي الموجود، يقول لك دعني كما أنا، ما نعرفه أحسن مما لا نعرفه، خرَّب الله بيت هذا الشيئ، خمسون ألف نوع وعقود وأشياء، فيخاف المسكين ويقول لك دعني كما أنا، وهم يُريدون أن يدعوه كما هو، هذا العقد مُفيد لهم أكثر، هذا هو الإنسان المسكين، محدود! ليس عنده القدرة على كل شيئ، وهو يظن أنه كلما قدر أكثر واتسع الميدان أمامه أكثر كلما أثبت كفاءته في الاختيار وإثبات النفس وصحة عقلانيته أكثر، غير صحيح! هذا لا يحصل للأسف الشديد.

نعود، إذن يبدو أن الكثير جداً أيضاً غير مُناسِب للإنسان، لكن ما حيلة مَن ابتلاه القدر – فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ ۩ – بأن جعل بين يديه الكثير جداً؟ هل يحرقها؟ وهل يتخلَّص منها؟ لا، هذا يكون موجوداً طبعاً، هذه نعم! المال نعمة، الأموال كلها – سائلة أو غير سائلة – نعمة من نعم الله، القرآن يُسميها دائماً خيراً، الخير الخير! هذه خير، ومصدر لخيور كثيرة، وتُشترى بها خيور كثيرة، حتى خير الجنة يُمكِن أن يُشترى بالمال، طبعاً يُشترى بالمال! كأن تعمل صفقة كبيرة مع الله كما كان يفعل الصحابة وتشتري الجنة بإذن الله تعالى، ما على ابن عفان ما فعل بعدها، النبي يقول هذا! أليس كذلك؟ هذا هو طبعاً، يُجيِّش تقريباً جيش العُسرة وحده – ساهم الكل طبعاً لكن هو ساهم بشيئ عجيب وكثير – ويشتري بئر رومة، يشتري بئر رومة – بئر رومة وليس بيرحاء، فأبو طلحة اشترى بئر بيرحاء لكن ابن عفان اشترى بئر رومة – من اليهودي الذي كان لا يُعطي إلا بثمن، يتمنن على المُسلِمين! يشتريها بأضعاف ثمنها ويُعطيها لله ورسوله، النبي يقول ما على ابن عفان ما فعل بعدها، اذهب وافعل ما تُريد، أهم شيئ أن تموت مُسلِماً، افعل ما تفعل، انتهى! اشتريت الجنة، دفعت مهر الجنة، هو دفع مهر الجنة! فالجنة يُمكِن أن تُشترى بالمال.

وعلى ذكر الجنة أقول حتى الخيارات الإلهية التي يُخيِّرنا الله فيها ليست بسيطة، حتى الخيار الإلهي – التخيير الإلهي – بين الجنة والنار ليس خياراً بسيطاً، إياك أن تقول لي هذا خيار بسيط، وإلا ستكون بهذه الطريقة ترد على المعصوم عليه السلام، لا! الخيار بين الجنة والنار ليس خياراً بسيطاً، قد يقول لي أحدكم لا، هذه سهلة جداً يا أخي، مَن يُفضِّل النار على الجنة؟ لكن هل النار أمامك تسقط فيها أو الجنة تُشرَع لك أبوابها؟ ليس هذا هو، طريق الجنة هو عمرك، عمرك سبعون سنة، هذا طريق الجنة، عمرك كله! وكذلك طريق النار، سيقول لك أحدهم مَن يسلك طريقاً إلى النار؟ والجواب هو كلنا تقريباً إلا مَن رحم ربي، اللهم ارحمنا بأن نكون من هؤلاء القليل، حُفت الجنة بالمكاره وحُفت النار بالشهوات، ولذلك انظر إلى النبي، مُعلِّم كبير، لكن هذا لمَن يقدر على أن يفهم كلام النبي فقط، النبي ليس مُعلِّم أطفال ولا يحكي حكايات، هو عميق جداً جداً! كل كلامي اليوم – والله – النبي لخَّصه – ما سمعتموه وما ستسمعونه – بكلمات يسيرة، شيئ عجيب! لكن النبي يُريد رجلاً أيضاً عنده مُستوى من الوعي لكي يُحاوِل أن يفهم كلامه، غير معقول أن يأتي إلىّ رجل – كما قلنا – بعقله البسيط – لا علم ولا دراسة – ويُريد أن يقول أنا أفهم كلام الله، ما هذا؟ أنت تفهمه، وهذا أكيد، لكن بعقلك أنت وبحسب مُستواك، تفهمه فهماً صعلوكياً بسيطاً جداً جداً، وأنت فرح به طبعاً لأن ليس عندك قدرة على المُقارَنة، أليس كذلك؟ لا تُقارِن، لا ترى إلا نفسك، فأنت ترى أن فهمك – ما شاء الله – حطَّم القيود والسدود، لا! مَن يُقارِن يقدر على أن يُوازِن وعلى أن يعرف بعد ذلك.

فالنبي – عليه السلام – عبقري التعليم، هو المُعلِّم الأكبر – كما نقول دائماً – بلا شك، النبي قال لما خلق الله الجنة رأتها الملائكة ورأت النعم فقالت يا رب لن يسمع بها أحد إلا دخلها، هذه كل البشر سيُريدون أن يدخلوا فيها، وبعد ذلك خلق النار وما فيها من وجوه وصنوف العذاب الأليم، رأتها الملائكة ورأت ما فيها فقالت لن يسمع بها أحد إلا ويهرب منها، لن يدخلها أحد! فحف الله الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، تُوجَد مكاره! حتى الوضوء في الشتاء في بيت غير مُدفأ وبماء غير مُدفأ من المكاره، إسباغ الوضوء على المكروهات النبي قال إنه من المكاره، وذلك حين تقوم صباحاً في الساعة الرابعة وتُريد أن تتوضأ وتكون الحرارة ناقص خمسة هنا في النمسا أو عشرة، هذا صعب جداً، والنوم لذيذ في الفراش الوثير الدافئ، مكاره! هذه مكاره، وهناك مكاره قد تصل إلى الموت، موت في سبيل الله! كأن تُدافِع عن بلدك وعن أهلك ضد مُعتدٍ واغل غاصب ملعون، فيُسفَك دمك وتترك أهلك من ورائك، مكاره! من أكبر المكارة، لذلك ذروة سنام الإسلام الجهاد، مكاره! هذا موجود، وما بين ذلك أيضاً، ألا تنتصر بالباطل مِمَن بغى عليك من المكاره، أن تضبط أعصابك، تصفح، وتعفو لوجه الله من المكاره، هذا ليس شيئاً حبيباً وسهلاً، ليس سهلاً! أليس كذلك؟ وكذلك الحال مع الغريزة، سبني وأُريد أن أسبه، اعتدى علىّ وأُريد أن أعتدي عليه، رشني بالماء وأُريد أن أرشه بالدم، هذه الغريزة! هذا الحيواني الذي فينا، لكن المُؤمِن الذي فينا يقول لا، أُريد أن أحتمل وأن أصفح وأن أعفو وأن وأتجاوز كأنه لم يفعل شيئاً لوجه الله، صعب! هذه مكاره، هذا طريق الجنة، لذلك يوم القيامة يُنادى ليقم الذين كانوا يُجهَل عليهم فيحلمون، أهل الحلم! يُسبَون ويُعتدى عليهم ويُظلَمون وهم دائماً يقولون سامحكم الله، غفر الله لكم، سلام، يُسالِمون الناس، ليقم! أي هم مُصطفَون، هؤلاء يُصطفَون من بين جمهور المبعوثين، لكي يكونوا في ظل عرش الرحمن يوم القيامة، ليدخلوا في كرامة الله، قال فيقومون وهم قليل، النبي قال هؤلاء قلة طبعاً، ليسوا كثرة! انظر مَن الذي يحلم في هذا العالم، هؤلاء قلة! الكل يأخذ حقه، علماً بأن الواحد منهم إن لم يستطع أن يأخذه بيده لهذا السبب أو ذاك فإنه يأخذه معنوياً بالدعاء الظالم، الدعاء المُعتدي! اللهم يتِّم أولاده، اللهم كذا وكذا، لماذا يا أخي؟ لماذا تقول يتِّم أولاده وما إلى ذلك؟ هو ظلمك بهذا القدر الصغير لكنك دعوت عليه بهذا القدر الكبير، أنت ظالم! أنت بهذا القدر الكبير مطروحاً منه هذا القدر الصغير ظالم، أنت أظلم منه، والحمد لله أن الله لا يُلبي كل مَن دعاه، وإلا ما أبقى عليها دياراً، أليس كذلك؟ لأن الناس هكذا هواها أن يفنى كل الناس، كل مَن داس له على طرف يُريد أن يفنى، قال يتِّم ورمِّل، اتق الله، مَن الذي قال لك إن هذا من حقك؟ مَن قال لك إن من حقك أن تدعو بما شئت؟ لذلك هل تعرف ماذا تقول إذا أردت أن تدعو على مَن ظلمك ولم تستطع – لم تسمح نفسك – أن تسمح وتصفح؟ هل تعرف ماذا تقول؟ اللهم عامله بما يستحق، حسبي الله ونعم الوكيل، أفوض أمري إلى الله، أي بينه وبين الله كما نقول بالعامية، منه لله كما نقول، هكذا نقول! منه لله، أي الله هو الذي سيُحاسِبه بما يستحق، هكذا تكون لم تعتد، ولن تُسأل عن هذه الدعوة يوم القيامة طبعاً، أنت قلت يا ربي عامله بما يستحق، بقدر ما ظلمني خُذ لي حقي، أنا أُفوِّض أمري إليك وأنت أعدل الحاكمين وأسرع الحاسبين، هذا هو! لكن لا تقل اللهم افعل كذا وكذا، هذا ظلم في الإنسان.

على كل حال إذن نعود إخواني وأخواتي، نعود إلى نقاطنا الرئيسة الأولى لكي نُلملِم أطراف الموضوع، نحن نقول ماذا؟ نقول إن الكثير جداً هذا لا يُلائم الإنسان كما لا يُلائمه القليل جداً، طريق الجنة محفوف بالمكاره، طريق النار محفوف بالشهوات، هو هذا طبعاً، طريق النار هو هذا تماماً، اضرب مَن ضربك، العن مَن لعنك، سب مَن سبك، انتقم منه، سر وراء الشهوات، انتهك المُحرَّمات، خُذ المال من حله ومن حرامه، كثِّر، جمِّع، امنع، امنع الحقوق، نم عن الصلوات، افعل كما تُريد، عشِ هواك، يقولون لك عِش حياتك، ما معنى عِش حياتك؟ هذا شعار الملاحدة والوجوديين والزنادقة والكفرة، ليس شعار أُناس آمنوا بالله وبلقاء الله، لا! هذا شعارهم وهم أحرار، سيُجزَون ويُحاسَبون بما عاشوا، لكن أنت مُؤمِن، لا تعِش هذه الشعارات الفارغة، يُقال عِش ساعتك، عش وقتك، لا! سأعيش زماني – سأعيش أكيد – ولكن بما اخترته لنفسي، ما حيلتي؟ الآن السؤال: ما حيلتي والكثير بين يدي؟ الكثير جداً بين يدي! هل أحرقه؟ لا، لا أحرقه! وطبعاً الأغنياء في العالم من أصحاب المليارات – ليس بمجاز الكلمة بل بحق وحقيقة الكلمة – يحتازون أموالاً لا تحرقها النيران، أي في زمان أعمارهم ربما، في زمان يسير لا تحرقها النيران! هذه الكلمة ليست مجازية، يقولون عن أحدهم عنده مال لا تحرقه النيران، الذي عنده ملايين قد تحرقها النيران، لكن الذي عنده مليارات من صعب أن تحرقها النيران بسرعة، تحتاج إلى زمن طويل.

ذكرت اليوم قبل قليل بابلو إسكوبار Pablo Escobar، ملك تجارة المُخدِّرات في العالم، الكولومبي بابلو إسكوبار Pablo Escobar فعلاً حين كان مُحاصَراً بين حكومته بعد المُعاهَدة بين حكومته وبين ريغان Regan – قال يجب أن تقف تجارة المُخدِّرات وأن تُسلِّموا لنا سكوبار Escobar وما إلى ذلك، إلى آخره – طبعاً اضطر إلى الهرب، وإلا هو كان يلعب بالدولة كلها طبعاً، قتل آلاف من الشرطة، مُجرِم كبير رُغم أنه شاب صغير، مات دون الخمسين تقريباً، مكث أياماً في بيت له مجهول طبعاً، وكان محصوراً مُطارَداً، ابنته حُمت – أُصيبت بداء مُعيَّن – وكان الجو بارداً، شديد البرودة! يقول ابنه – علماً بأنه حي إلى اليوم، ويُمكِن أن تُشاهِدوا اللقاء الذي جرى معه – مكثنا ثلاثة أيام نستدفئ بأوراق الدولار، يحرقها أبي باستمرار، طبعاً كان يفعل هذا، لأن ماذا يحرق حين يحرق؟

قبل سنتين فلّاح كولومبي في ضيعة من الضيعات وهو جالس وجد برميلاً أزرق كبيراً، فتحه وإذا كله دولارات، وحين نظر وجد برميلاً هنا وبرميلاً هنا وبرميلاً هنا،عشرات البراميل! هذه بعض الأشياء المدفونة لإسكوبار Escobar والتي لم يكن يعلم بها حتى رجال عصابته، أموال لا تأكلها النيران! إسكوبار Escobar عاش تعيساً ومات مقتولاً، ما هذه الحياة الوسخة؟ لا يُمكِن هذا، ليس هذا هو، ماذا أفعل إذن؟ ماذا أفعل بالكثير الذي بين يدي؟ هنا أنا أقول لك – صدِّقني – كما مع القليل والقليل جداً كما مع الكثير والكثير جداً، لا ينبغي أن يحكم على الإنسان – وخاصة المُؤمِن صاحب الحكمة في الحياة – الشرط الموضوعي، أي شرط القلة أو شرط الكثرة الفائضة، لا! ليس هذا، هذا ليس تأثير على الإنسان، لكن ليس هذا الحاكم الأخير، الذي يحكم – الحاكم الأخير – في النهاية هو حكمتي، الزاوية التي اخترت أن أنظر إلى الأمور منها، الميزان الذي قرَّرت أن أزن به الأمور، النهج الذي أردت أن أسير به في حياتي، مع العلم بأن هذا هو الإنسان الحكيم، عنده نظرية في الحياة، وعنده فلسفة يعيش وفقها!

وهذه رسالة لأغنياء العرب والمُسلِمين ورسالة لكل غني ولكل واجد، هناك مَن ابتلاه الله – وسنرجع إلى سورة الفجر وسنفهم ما سر الإضراب – بالكثير، وهذا ليس لمُجرَّد أنه يُحِبه ويُريد أن يُكرِمه، لا! هذا ابتلاء، هذا اختبار، إما أن تنجح وإما أن ترسب وتسقط وتُخفِق في الاختبار، أنا أقول لك لكي تنجح في الاختبار عليك أن تفهم الآتي، هذا الكثير الذي لا تأكله النيران اجعله كثيرك وكثير غيرك، لأنه في الحقيقة كثيرك وكثير غيرك، لكن ساقه الله إليك ابتلاءً لك، فاجعله كثيرك وكثير غيرك، أسعِد به مَن حولك، والأمم يا إخواني بالمُناسَبة – هنا أضر بنا التصوف، العقلية التصوفية الزهدية أو التزهدية الافتقارية أضرت بنا – والحضارات والمدنيات لا تُبنى بالكفاف والإقلال، هذا معروف، معروف! من أبسط مبادئ الحضارة – ألف باء حضارة – أن الحضارة تُبنى بالفائض، لو لم يُوجَد فائض لن تُوجَد حضارة، فائض ماذا؟ فائض الوقت، فائض البشر، لا يُمكِن لدولة صغيرة أن يقوم القليل من البشر فيها ببناء حضارة، مُستحيل! لم تُوجَد حضارة كبيرة كوَّنها شعب قليل، لا! لابد من وجود أمة عظيمة، إذن فائض الوقت، فائض البشر، فائض الموارد، وفائض القُدر، الكفاءات والمهارات والتدريبات والعلوم عند هذا وعند هذا وعند هذا، هكذا تُبنى! ليس بالكفاف، لا تُبنى أمة بالكفاف بل بالفوائض، نحتاج إلى فوائض، ولذلك هذا الغني المليونير أو الملياردير عنده فوائض، نقول له أد فيها حق الوطن إنشاءً وبناءً وتعميراً وتعليماً وتزويجاً وتوظيفاً – خلق فُرص عمل كثيرة -، إلى آخره، كم من أكباد جوعى! كم من معد خاوية! كم من أفواه ظمأى! كم من أبدان عليلة! كم من أفراد يحتاجون التزويج ويحتاجون التعليم ويحتاجون حتى الكفايات ويحتاجون المساكن والملابس! إلى آخره، لن نتكلَّم عن الطريقة التي تُعالَج بها هذه الحاجات والضرورات، لكن عموماً أنت لا يُمكِن أن تُبرئ ذمتك إزاء الله وإزاء الوطن وإزاء ضميرك إلا بعد أن تجعل كثيرك كثير غيرك في الوقت ذاته، هو كثيري وكثير غيري! علماً بأنك ستُفاجأ بأنك ستكون أعظم سعادة وأعظم رضا، ستشعر بإنسانيتك، وسيكون عندك اطمئنان عجيب.

العجيب أن العلوم المادية في الحضارات المادية أثبتت هذا وصكت له مُصطلَحاً اسمه مبدأ – يُمكِن أن نُسميه مبدأ Principle – باريتو Pareto لنقل التحسينات، أي Pareto principle for improvements move، مبدأ باريتو Pareto لنقل التحسينات! باختصار مبدأ باريتو Pareto ماذا يقول؟ يقول أمة من الأمم عندها فائض في الأرزاق أو في الأغذية أو في الأدوية أو في أي شيئ، فائض! هذا لا يضمن له أن تكون أسعد الأمم ولا أطول الناس أعماراً ولا أهنأ الناس بالاً أبداً، بالعكس! يقول في الأجيال الأخيرة زادت مُعدَّلات الاكتئاب – وهذا معروف – بشكل مُخيف ومُقلِق ومُعدَّلات الانتحار، وفي الشعوب المُتقدِّمة الواجدة وليس في الشعوب الفقيرة المُعدمة، ماذا يقول مبدأ باريتو Pareto؟ يقول يُوجَد حل بسيط جداً، يُنقَل جُزء من هذه الحسنات ومن هذه الخيرات التي عندنا – أي الفوائض – إلى مَن لا يجدون، إلى المُعدمين الفاقدين! والنتيجة الصادمة أن هذا لا يُشعِرهم هم وحدهم بالتحسن والسعادة والرضا، بل يُشعِرنا نحن أيضاً به على قدم سواء معهم إذا لم يكن أكثر منهم.

هذا هو، ابتلاء! الآن فهمنا سورة الفجر بطريقة علمية واضحة فعلاً وبسيطة، فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۩، هذا غلط، ليس صحيحاً! الحكاية لا تتعلَّق بالكرامة، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۩ كَلاَّ ۩، الله قال غير صحيح، هذا المنطق خاطئ وهذا المنطق غالط، كَلاَّ ۩! إذن ما الصحيح يا رب؟ بَل ۩، ما بعد بَل ۩ هو المُهِم، الله قال ليست هذه حقيقة الموضوع، حقيقة الموضوع: بَل لّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۩ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۩ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ – الميراث، الأموال – أَكْلا لَّمًّا ۩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ۩، هؤلاء واجدون وهؤلاء فاقدون، هؤلاء عندهم القليل جداً وهؤلاء عندهم الكثير جداً، هؤلاء دون القليل وهؤلاء فوق الكثير، الله قال هذه الحالة تجعل الناس في ماذا؟ في حالة مهانة وحالة شعور بالحرمان وحالة شعور بالاكتئاب والتعب، والوضع كله وضع ابتلائي، هذا وضع ابتلائي! والمخرج منه أن تُدرِك أنك لم تُمنَع لمهانتك على الله ولم تُعط لكرامتك عند الله، إنما هي ابتلاءات، المخرج منها أن الذي عنده الكثير لابد أن يشرك فيه مَن ليس عنده إلا القليل، لابد أن يشركه ومن ثم يحدث نوع من التغيير.

العجيب يا إخواني أن جوناثان سيلفرتاون Jonathan Silvertown – عالم الإيكولوجيا Ecology البريطاني الشهير – يقول الولايات المُتحِدة الأمريكية فيها فجوة – Gap – وهي فجوة كبيرة – أي هُوة – في الدخل، أي في الدخول! هناك فجوة بين الدخول المُرتفِعة جداً للذين عندهم الكثير وبين الدخول المُنخفِضة للذين ليس عندهم أي شيئ، وهذه تختلف – أي الفجوة طبعاً – من ولاية إلى ولاية، العجيب أن في الولايات كلها – الولايات التي تُشكِّل الاتحاد الأمريكي هذا – القاعدة واحدة، هي نفسها! ما هي؟ كلما اتسعت الفجوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون ما الذي يحصل؟ ينخفض مُتوسِّط الأعمار، تنقصف أعمار الناس، كلما تضيَّقت الفجوة يرتفع مُعدَّل الأعمار، ولذلك أعلى مُعدَّل أعمار في هذه الدول المُتقدِّمة في اليابان، لماذا؟ لأن اليابان الدولة رقم واحد – اليابان ليست عظيمة فقط لأنها تُنصِّع وما إلى ذلك، هي أيضاً عظيمة هنا بلد عظيم وبلد إنساني حقيقةً، أكثر من أمريكا، هل تعرفون لماذا؟ – لأن الفجوة بين الدخول معقولة جداً، أقل فجوة في العالم.

القرآن الكريم في سورة الحشر حين تحدَّث عن قسمة الأفياء ماذا قال؟ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۩، المال لا يجوز أن تحتازه أيادي معدودة فقط، كأن يُقال هذا لنا والبقية محرومة، قال الله لا، هذا غلط، هذا لا يصح، لابد أن يتوزَّع وأن تضيق أو تتضايق الفجوة – الهُوة – بين مَن يجدون ومَن لا يجدون.

ثاني دولة في ضيق هذه الفجوة أو الهُوة السويد، ومُتوسِّط الأعمار فيها مُرتفِع، ولكم أن تتخيَّلوا هذا! عموماً يا إخواني قلة المال طبعاً والعُدم والفقر فعلاً يُقصِّر حتى الأعمار بحد ذاته كسبب معزول أيضاً عن هذا الــ Correlation وما إلى ذلك، كسبب معزول! لذلك دراسات الأمم المُتحِدة للتنمية تُفيد بأن هناك فرقاً بين الدول التي تقريباً مُتوسِّط الدخل فيها صفر – هناك أُناس ليس عندهم أي شيئ، هناك أُناس تحت خط الفقر أصلاً، يعيش الواحد منهم بالدين، يعيش بالعُدم – وبين الدول التي مُتوسِّط دخل الفرد السنوي فيها عشرة آلاف كتركيا، هذا قبل طبعاً ست سنوات تقريباً، ماذا يقولون؟ كل أول عشرة آلاف إضافية ترفع مُتوسِّط الأعمار، الآن – مثلاً – تركيا أحسن هذه الدول، زادت الصرف عشرين ألفاً، العشرة آلاف الإضافية الأولى ترفع مُتوسِّط الأعمار المُتوقَّع من أربعين سنة إلى سبعين سنة، أرأيت؟ هذا شيئ مُهِم، إلى سبعين سنة! لكن هذه القضية لا تزال تختلف عن قضية التفاوت وكيف يُقصِّر أعمار الناس في الولاية، في كل ولاية وفي كل بلد!

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُطيل أعمارنا بذكره، وأن يُعمِّر أوقاتنا بمعرفته، وأن يُعلِّمنا حُب الخير وفعل الخير والدلالة على الخير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

(الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلَّم تسليماً كثيراً.

إخواني وأخواتي:

جوهر الحكمة أن يُدرِك العبد وأن يُدرِك الآدمي حجمه ودوره وما يُريد، لابد أن يكون لي فلسفة في الحياة، ما الذي أُريده؟ لا أمشي على عواهني كما يُقال، وإن بدأت في هذا الطريق فسأُدرِك أنني بالقياس إلى العالم الوسيع الذي قد يكون أحد مخلوقات الله ضئيل جداً جداً جداً، شديد الضئالة بالقدر الذي يسمح لي بالمرة أن يغتالني طموح أن أكون كل شيئ، لا أستطيع أن أكون كل شيئ، لا تقل أُريد أن أملك كل شيئ، فأنت لا تستطيع أن تملك كل شيئ! أنت مسكين فقير، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۩، هذه مُخاطَب بها أكبر ملك أو أكبر إمبراطور وأصغر صعلوك في الناس، كلهم فقراء إلى الله.

لكي نُضوّيء هذا المعنى الجليل ونمضي – انتهينا اليوم من خُطبة اليوم – نقول الإسكندر المقدوني Alexander of Macedon في الرواية أو الحكاية التقليدية يُقال إنه حين فرغ من آخر فتوحاته – حيث مات في الهند بالملاريا Malaria فيما يُقال – بكى، الرجل حقَّق أعظم الانتصارات، فتح العالم القديم كله، ولم يكن يعرف شيئاً عن العالم الجديد طبعاً، كولومبوس Columbus لم يكن موجوداً طبعاً في القرن الرابع قبل الميلاد، فبكى! خر هكذا يبكي، ظنوا أنه يبكي شوقاً إلى بلده أو إلى أهله، فقالوا له لماذا تبكي أيها الفاتح العظيم؟ قال لأنه لا يُوجَد عوالم أُخرى أفتحها، هذا العالم صغير! مأزق الشعور بصغر العالم أمام طموحات الإنسان، الطموحات الكبيرة الهائلة! فتح العالم القديم كله، ركَّعه وبكى! لا تُوجَد عوالم أُخرى لكي أفتحها، انتهى كل شيئ! هذا يُسمونه مأزق الضئالة، يعيش الآن مأزق الضئالة.

بلوتارك Plutarch – المُؤرِّخ الكبير في القرن الأول، أي قريب العهد من الرجل هذا، أربعة قرون تقريباً – في كتابه العظمياء يحكي رواية أُخرى، أن الإسكندر Alexander وكان تَلميذاً لأرسطو Aristotle بكى، أرسطو Aristotle أستاذه شرح له ذات مرة أن العوالم كثيرة مُتعدِّدة، لا يقتصر الأمر على الأرض هذه فقط، هناك عوالم كثيرة، هذه اسمها نظرية تعدد العوالم، أرسطو Aristotle كان يُؤمِن بهذا، بلوتارك Plutarch يقول بكى الإسكندر Alexander، وتساءل أرسطو Aristotle عن سر بكائه، فقال ألا ترى أن الأمر يستحق الأسف؟ مع كل ما فعلناه وما كل هذا المُسلسَل من الفتوحات والدموع والدماء والجماجم ما فتحنا إلا العالم الأول، العالم الوحيد الذي عندنا قدرة عليه! فهذا يعني أن هذا الأمر سخيف جداً جداً جداً، يرجع إلى التضاؤل، هنا البداية، أن تُدرِك عبديتك، أن تُدرِك محدوديتك، أن تُدرِك فقرك إلى الله.

قبل أيام أحدهم يقول قالت أمي طلب مني فلان – أحد الأغنياء الكبار، من أصحاب المليارات – الدعاء، قال ادعي لي يا خالة، فيقول هذا – ابنها – فأنا قلت بماذا تدعو؟ فقلت له كيف تقول بماذا تدعو؟ تدعو له بكل ما تدعو لك ولي، يُمكِن أن تدعو له، هل تظن أن هذه الأموال التي هي بالمليارات تجعله غنياً عن فضل الله؟ لعله بها بالذات وبسببها أفقر إلى فضل الله منك ومني، هناك أبواب كثيرة أنت لا تدريها.

فنسأل الله أن يُتِم نعمته علينا بتهنئتنا في عيشنا بأن يجعلنا من الشاكرين لنعمائه، الذاكرين لآلائه، المُجِدين في خدمته، الصادقين في خشيته.

اللهم اجعلنا من أوليائك الصالحين، ومن عبادك العارفين، ودلنا عليك دلالة الصادقين يا أرحم الراحمين ويا رب العالمين، ولا تجعلنا فتنةً لأحد، ولا تجعلنا من المفتونين ولا من المُبدِّلين المُغيِّرين، اللهم لا تردنا على أعقابنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة.

اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، نسألك فعل الخيرات وترك المُنكَرات وحُب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من أفضاله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (20/10/2017)

Comments

comments

شاهد أيضاً

motalazimate-almahana2

متلازمة المهانة – الجزء 2

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

تعليق واحد

  1. زادكم الله من فضله وجوده وكرمه وفتحه.

اترك رد