الرئيسية / التفريغات النصية / الذكر والافتقار إلى الله

الذكر والافتقار إلى الله

مُحاضَرة للأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم في سلطنة عُمان

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله، نحمده – سُبحانه – ونستغفره ونستهديه، يا ربي لك الحمد حمداً كثيراً يُوافي نعمك، ويُكافئ مزيدك.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفوته من خلقه، وخيرته من عباده، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، حتى آتاه من ربه اليقين، صلوات ربي وتسليماته وتشريفاته وتبريكاته عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المُبارَكين الميامين، وعلينا وعليكم، والمُسلِمين والمُسلِمات، معهم بفضله ومنّه أجمعين، اللهم آمين.

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۩، اللهم افتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين، علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً وفهماً وهُدىً ورشداً.

أما بعد، إخواني وأحبابي في الله، أخواتي في الله:

أُحييكم جميعاً بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأحمد الله – تبارك وتعالى – حمداً كثيراً يليق بعِظم وجسيم فضله ومنّته على أن متَّعني وأنعم علىّ بأن أجتمع مع هذه الوجوه الملائكية المُنيرة الطيبة، التي أكرمها الله – تبارك وتعالى – فقيَّض لها أن تجتمع لها في بيت من بيوته، لتحرث كتابه درساً وتفكراً وتدبراً، على نية العمل، وعلى نية إخراجه من دائرة النظر إلى دائرة الحياة، أن نحيا به وأن نعيشه.

ونسأل الله – تبارك وتعالى – أن يُوالي علينا فيوضاته، وأن يزيدنا من فتوحاته، وأن يجعلنا مِمَن خلط بالقرآن لحمه وعظمه، فجعله إمامه وخلاه أمامه، ولم يستظهره ليجعله خلفه ويتخذه ظهرياً – والعياذ بالله -.

وفي بداية حديثي إليكم – إخواني وأخواتي – أود أن أُعبِّر عن عظيم إعجابي وتقديري وتثميني لهذه الظاهرة النادرة في هذا الاجتماع على محض الكتاب، وقد استمعت – بحمد الله تبارك وتعالى – إلى أزيد من ساعتين أمس واليوم، فإذا الحديث موصول بكتاب الله، يمتح من معينه، يُفرِغ عن منطقه، يصدر عن هديه، ولا يكاد يخلطه بشيئ سواه.

وهذه خُطة بلا شك – إخواني وأخواتي – على الجادة، وخُطة هادية مهدية، لأن كتاب الله – تبارك وتعالى – مهما تفرَّق المُسلِمون ومهما تشعَّبت بهم السُبل والطُرق هو العصمة وهو الجامع الأعظم الذي عليه يَلتقون وإليه يُقيلون، فأحرى بمَن جعل خُطته وهديه أن يجعل الكتاب مصدر فكره ومصدر نظره واستناده أن يكون رحمةً على المُسلِمين – إن شاء الله تعالى -، لأنه إنما يُحاكِمهم ويدعوهم إلى ما فيه العصمة والوحدة، وهو الكتاب.

فأحري بهذه الظاهرة أن تُبارَك وأن تُثمَّن وأن تُذكَر فتُشكَر – بحمد الله تبارك وتعالى -، وفي معرض شُكر الظاهرة ما بد ولا مناص من أن نشكر القائمين عليها، وفي رأسهم فضيلة الشيخ القرآني – أقول هذا في غير ما مدحة أو تقريظ – داود بوسنان – حفظه الله -، والذين يسَّروا له هذه السبيل من وزارة الأوقاف، وقبل ذلك وقبل أولئكم جميعاً سماحة الشيخ الوالد الإمام المُفتي – رضيَ الله عنه، وأمتع بطول عُمره في عافية وسلامة -، الذي سمعت أنه كان له اليد الطُولى والبيضاء من وراء هذا المشروع، حتى أنه دشَّنه في بداياته بنفسه، وحضر ربما كما سمعت غير مرة، فجزاه الله عن القرآن وعن أهل القرآن وعن الإسلام وأمة الإسلام جزاء شاكر، اللهم آمين.

إخواني وأخواتي:

أود أن يكون حديثي إليكم – وأرجو ألا يكون طويلاً، أي أرجو ألا يكون هذا الحديث طويلاً – وصلاً لكلام أخي فضيلة الشيخ داود، في الحلقة التفكرية السابقة دار مُجمَل الحديث أو عُظم أو مُعظَم الحديث على ذكر الله – تبارك وتعالى -، ذكر الله ذكراً كثيراً.

وإذا ذُكِر الله – تبارك وتعالى – ذُكِر بما له وبما هو أهله، وإذا أحسنا أن نذكره بما هو أهله أو ببعض ما هو أهله – لأنه أهل لما نعلم ولما لا نعلم، لا إله إلا هو – فبالتالي نُفلِح وننجح مُباشَرةً أن نُذكِّر أنفسنا بما نحن أهله، من الضعف والضعة والفقر والاحتياج وعدم الاستغناء بالمرة عن الغني الحميد – لا إله إلا هو -.

وذكر الله – تبارك وتعالى – يا إخواني وأخواتي يُراد به أصالةً عدم التفات القلب عن الله – عز وجل -، أن يظل القلب مُتوجِّهاً عامداً إلى ربه، فالذكر أصله ليس باللسان، اللسان إنما هو شارة، قد تُواطئ ما في القلب، وقد لا تُواطئه، والذكر المطلوب هو ما كان فيه معنى المُواطأة.

والذكر يُقابِله ماذا؟ أي يُضاده ويُعارِضه ماذا؟ النسيان، فإذا قال الله فَاذْكُرُونِي ۩ فهمنا أنها بمعنى ماذا؟ لا تنسوني، هذا هو، هذا المقصود، فكم من ذاكر لله – تبارك وتعالى – بلسانه وقلبه ساهٍ لاهٍ غافل! فهذا حقيق ألا يُسلَك في نظام الذاكرين، ليس من الذاكرين، وكم من ساكت لسانه لعلة يعلمها الله ويعلمها هو -ربما تجنباً وتحاشياً مثلاً للرياء – لكن قلبه ذاكر! قلبه ذاكر ومُتصِل بالله – تبارك وتعالى -.

والعبد ما دام ذاكراً – إخواني وأخواتي – هل يُمكِن أن يتجاسر أو يتجرأ على احتقاب عظيمة أو ارتكاب معصية؟ مُحال، طالما أنت ذاكر – أي غير ناسٍ لله، مُستحضَر لجلاله، مُستعظِم لمقامه، لا إله إلا هو – فمُحال أن تقترب من المعصية، فضلاً عن أن تجترمها، ومن هنا أهمية الذكر.

الصلاة وهي أعظم الشعائر الدينية – أعظم الشعائر الدينية والرسوم المِلية – إنما كانت لأجل ماذا؟ لأجل ذكر الله، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ۩، فالذي يُصلي وقلبه غافل عن الله بالحري هو ليس مُصلياً أصلاً، هذا لم يُصل، ليس له من صلاته إلا هذه الطقوس الظاهرية، ليس له حظ من حقيقة وجوهر الصلاة.

إذن فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ۩ هي مزية هذه الأمة، وشرف هذه الأمة، خاطب الله – تبارك وتعالى – أمةً من الأمم النبيلة المشهورة – أمة الكتاب، وأمة بني إسرائيل – وفي كل مرة يقول لهم اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ۩، يُذكِّرهم بالمن والسلوى والإنجاء من عذابات فرعون وظلم هذا المُتألِّه المُتسلِّط، أما هذه الأمة فقد خاطبها الله وقال فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ۩، قال فَاذْكُرُونِي ۩.

ومن وراء ذكر الله تأتي كل النعم – بإذن الله تعالى – الدنيوية والأُخروية، فكم بالحري يكون حظ هذه الأمة من نعم الله تبارك وتعالى! حظوظ لا يُقادَر قدرها، ولا يُدرَك خطرها، أعظم من أن تُقدَّر، أي هذه الحظوظ، لو أن هذه الأمة وعت وفقهت عن ربها، لا إله إلا هو.

إذن نذكره – تبارك وتعالى – بما هو أهله، لكي نُذكِّر أنفسنا بما نحن أهله، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۩، هذا وصفنا، هذا وصفي، هذا وصفك، هذا وصفه، هذا وصفها، هذا وصفنا جميعاً، هذا وصف المُؤمِن، هذا وصف الكافر، هذا وصف القديس، هذا وصف الإبليس من عباد الله، هذا وصف الجميع، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ۩، إذا ذكرته فاذكره بالغنى والحمد، لأنه الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ۩، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۩ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ۩، في فاطر.

لماذا قال – عز من قائل – يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۩؟ انظر إلى التعبير القرآني، كان يُمكِن أن يكتفي بقوله يا أيها الناس أنتم فقراء إلى الله، هذا يصح، فقراء! نحن فقراء إلى الله، ما الفارق – دون أن ندخل حتى في دقائق ربما النحو أو حتى البلاغة، حين تسمع هكذا بالذائقة العربية الصرف أو المحضة – بين لو قال – تبارك وتعالى – يا أيها الناس أنتم فقراء إلى الله وبين قوله – وقد فعل – أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۩؟ واضح جداً، أنتم فقراء إلى الله من جُملة فقيرين أو فقراء كثيرين، من جُملة فقراء كثيرين أنتم فقراء، لكن أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۩ كأنكم مُختَصون بجنس الفقر، بتعبير أكثر ربما هولاً أنتم معجونون من الفقر، حقيقتكم الفقر، ومن هنا قال أحدهم:

وَالفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لَازِمٌ أَبَدًا                         كَمَا الغِنَى أَبَدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي.

نحن وصفنا الذاتي، حقيقتنا، ما هيتنا، وجوهرنا الفقر، نحن فقر محض، وهو غنى محض – لا إله إلا هو -، لم يقل والله غني حميد، قال وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ۩، الغنى وصف ذاتي لله، والفقر وصف ذاتي لنا، هذا معنى الآية مُباشَرةً، مع أن الكون كله فقير إلى الله، كل ما في السماوات وما في الأرض فقير إلى الله، من العرش إلى الفرش كل ما عدا الله ومَن عدا الله فقير إلى الله.

لكن الله يلفت هذا الإنسان المُستكبِر المغرور، والمغرور لا تعني المُتكبِّر، لا! المغرور هو الجاهل، الغرور – هذا أصل الغرور ومعنى الغرور – هو الجهل، فهو جاهل، الله يلفت الإنسان المغررو الجاهل، الذي غره جهله بربه الكريم – لا إله إلا هو -، فظن أنه يستغني عن الله، اضطراره في الدعاء حين يُضطَر أحد أكبر أدلة جهله، لماذا؟ كونه يدعو الآن مُضطَراً من حُشاشة القلب دليل على أن الأبعد جاهل، لماذا؟ هو يظن أنه ليس مُضطَراً إلا في هذه الوقعة، وقد انقطعت به السُبل، وأعيته الحيل، وخابت وطاشت الأسباب، ولو كان وافر العقل، تام العلم والفهم، لعلم أنه مُضطَر إلى الله في كل حالة، وفي كل حالاته، في السراء والضراء، أليس كذلك؟

ومن هنا الفرق – إخواني وأخواتي – بيننا وبين أولياء الله الذين نسمع عنهم وتتنوَّر وتتعطَّر المجالس بذكرهم – أعاد الله علينا من بركاتهم -، ومما نسمعه من شؤونهم أنهم مُجابو الدعوة، هناك لله عباد إذا رفع أحدهم يديه إلى الله فإن الله – هكذا يشاء – لا يُعيدهما صُفراً خائبتين، لماذا؟ ما الفرق إذن؟ هو مُوحِّد ونحن مُوحِّدون، هو مُسلِم مُتعبِّد ونحن أيضاً مُسلِمون ونتعبَّد لله! الفرق أنه يعيش حالة الاضطرار بشكل دائم، هذا قريب، اقترب من الله – تبارك وتعالى -، قارب معنى الربوبية والإلهية والغنى الإلهي أكثر منا بكثير، وانكشف له معنى حقيقة فقره الذاتي أكثر وأعمق منا بكثير.

نحن من جُملة الناس البُسطاء الفقرء العاديين، الذين إذا شعر أحدهم بأن ما لديه من مال فوق الزيادة أشعره هذا بالاستغناء، مسكين هذا، مع أننا نرى دروساً ونسمع مثل هذه الدروس كل يوم أو كل حين، قد يكون امرؤٌ من أغنى الأغنياء، ثم هو يُصبِح أفقر الفقراء.

هناك حالات – هناك حالات شخصية أنا أعرفها – لأناس كانوا يمتلكون ما لا يعلمه إلا الله من الأموال، فأصبحوا وبعد شهور يسيرة يُتصدَّق عليهم، ويُدفَع لهم – والله – إيجار بيوتهم، لدينا هناك في الغرب الأوروبي، في ألمانيا – مثلاً – يُوجَد واحد، شيئ غريب! هذا المسكين لو كان يُدرِك دائماً ما نقول لاختلف أمره، وهنا العبودية، هنا يا إخواني العبودية، هذا معيار ومسبار تسبر وتُعيِّر به عبوديتك لله، مدى تمحض هذه العبودية، ومدى صفاء وصدق هذه العبودية، هذا لو شعرت بفقرك، بحاجتك، وباضطرارك إلى الله، وأنت في أحسن أحوالك المادية والصحية والأمنية والاجتماعية، تماماً كما تكون في أسوأ أحوالك، ركبتك الديون، ركبتك الأمراض، تخلى عنك أقرب الناس إليك من أودائك وأحبابك وأهلك، كيف يكون مثل هذا الإنسان من حيث الاضطرار؟ فهذا لو كنت وأنت في أحسن أحوالك تعيش نفس الكيفية، لماذا؟ لعلمك وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ۩ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ۩، لعلمك – علم اليقين – أن كل ما بك من نعمة هو فضل إمداده، مدد إلى الله.

انظروا إليكم، نحن الآن نجلس، نستمع إلى هذا الصوت المُكبَّر المُضخَّم بالطريقة المعروفة، نسبح في هذا النور الأبيض الشعشعاني، كل هذا رهن بماذا؟ بضغطة واحدة على زر كهرباء هناك، في الصمام الرئيسي، حين تضغط عليه كل هذا يختفي، نسبح في الظلام، يسود الصمت مُباشَرةً، انقطع المدد، أليس كذلك؟

كذلك العبد العارف بالله – عرَّفنا الله تبارك وتعالى به، ودلَّنا عليه دلالة الصادقين – والعبد الصادق يا إخواني يعلم أن ما به من نعم ظاهرة وباطنة كلها ماذا؟ رهن توالي الأمداد، المدد! استمرار المدد، مثل مدد الكهرباء، ولله المثل الأعلى، فماذا لو انقطع المدد؟

وبالمُناسَبة انقطاع المدد يا إخواني هو الذي يُفسِّر ماذا؟ العي، العجز، التعثر في الفهم، الفقر، المرض، الشيخوخة، والموت، انقطاع المدد فقط! شخص يخرج – مثلاً – على الناس، يُلقي كلمة مُرتجَلة، وهو يتكلَّم فجأة يعتريه عي في المنطق، يُحبَس – تعتريه حُبسة – ويتلعثم، انقطع عنه المدد، انقطع! يُصيبه اللحن، يرفع ما حقه النصب، وينصب ما حقه الرفع، ثم يقول لا أدري ما الذي اعتراني، المدد تخلَّف قليلاً، ضعف أو انقطع، تنتهي! وقد ضُرِب بك المثل بعد ذلك في العي بعد أن كنت مضرب مثل في الفصاحة مثلاً.

كذلك الصحة والقوة، وكم رأينا من شباب أقوياء – ما شاء الله، كما يُقال يأكلون الزلط، نحن نقول بالعامية يأكلون الزلط ويكسرون الحديد – يُصبِح أحدهم وهو مشلول! مسكين، رأينا هذا البطل المصري الذي كان عنده قوة خارقة، شاب اشتُهِر في أيام الثورة المصرية هذه، واعتقد تُوفيَ هو قبل فترة، شُل ثم انتهى كل شيئ، المدد انقطع، هذا ليس بالتدريبات وما إلى ذلك، هذه كلها أسباب، كلها أسباب وتخضع للمدد الإلهي، لو انقطع المدد الصحة تنتهي مُباشَرةً، وعلى قدر انقطاع المدد أو تخلف المدد تعتل وتنحرف صحة الإنسان، أليس كذلك؟ وبعض البشر يُعمَّر، يبلغ مائة سنة، سُبحان الله! بصره ستة على ستة كما نقول، سمعه غير منقوص، سُبحان الله! عنده قدرة على الكتابة بخط جميل، وهو في المائة من عمره، يده لا ترتجف، عنده اتزان، يُوجَد مدد إلهي.

سُئل أحد أئمة المُسلِمين وكان من صلحائهم وقد نيَّف عن التسعين عن هذا، ذات مرة كان يركب في سفينة صغيرة – أي قرقور كما يُقال لها بالعربية، فهو كان يركب في القرقور -، فلما أرفأوا في الميناء نزل الشباب، وجعلوا يضعون أقدامهم في مواضعها لئلا تزلق، وهو قفز قفزة، أي هذا الرجل، وقد نيَّف على التسعين، قفز قفزة كبيرة، وإذا به على الشاطئ، قالوا يا شيخ ما هذا؟ أنت فوق التسعين، كيف تفعل هذا؟ نحن لا نستطيع ونحن شباب في العشرين – في شرخ العشرين – والثلاثين؟ قال هذه حواس وأعضاء حفظناها لله في الشباب، فحفظها الله علينا في الكبر، طبعاً هذا هو، انظر إلى هذا، هذا عارف بالله، هذا يعرف، هذا ليس تدريباً وليس شطارةً وليس حميةً غذائيةً فقط وما إلى ذلك، قد يكون هذا مطلوباً بلا شك، هذا من الأسباب، لكن هناك التقوى وحقيقة الاضطرار إلى الله.

لذلك النبي كان يقول بارك لي في كذا وكذا وكذا، وفي سمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، بمعنى أنني أموت وأنتقل وأرتحل، ويبقى سمعي وبصري ماذا؟ سليمين صحيحين، أي أصير جثة هامدة وعيناي تُبصِران وأُذناي تسمعان، انظر إلى هذا، أي إحساساً منه وتحسيساً لنا بنعمة الله علينا في ماذا؟ في حاستي السمع والبصر، من أعظم النعم على الإطلاق، وهو يعلم أنه لو انقطع المدد لانتهى كل شيئ ولما نفعه شيئ، هو هذا! ينقطع المدد أو يتخلَّف المدد أو يضعف المدد، فتأتي ماذا؟ الشيخوخة والوهن، يشيخ الإنسان، مهما طبعاً اصطنع من وسائل طبية وجراحات تجميلية كما يفعل الآن النجوم والمشاهير والفنّانات والفنّانون لن تكون هناك فائدة، سيأتي يوم يهدك الكبر، أليس كذلك؟ ورأينا هذا طبعاً، لن نُمثِّل ببعض الأموات أو حتى ببعض الأحياء، سيأتي يوم ويهدك الكبر والشيخوخة، انقطاع المدد!

وأكثر طبعاً صورة يتجلى فيها انقطاع المدد بشكل صاعق ماذا؟ الموت، انتهى! ينقطع الآن، فتنتهي الحياة في لحظة، وقد تنتهي عن صبي في الخامسة من عمره، دونما حتى علة معروفة للأطباء، أو عن شاب في العشرين من عمره، أو عن شيخ واهن كبير مُتهدِّم دابر مع أمس، انقطاع المدد!

فالمُؤمِن الذي يستحضر هذا المعنى يعلم أنه مُفتقِر إلى الله في كل أحواله، ولذلك يغلب عليه ماذا؟ حال الاضطرار، فإذا دعا لا يدعو إلا كالمُضطَر، دعاء المُضطَر، يشعر بهذا دائماً، ومن هنا يُلبى – بإذن الله -، من هنا يُلبى!

أعرف بعض مَن هم كذلك، هناك شخص – إن شاء الله – نحسبه من الصالحين، كان يُحدِّثني ويقول لي يا أخي هناك أمر عجيب، قال أمر الله – تبارك وتعالى – مع أهل الله – مع أهله وخاصته وأحبابه – أحياناً يكون ضداً على القانون الطبيعي، قلت له كيف؟ قال لي أحياناً يكون ضداً على الطبيعة، قلت كيف؟ ماذا تُريد أن تقول؟ قال أليس قانون الطبيعة أنه كلما تمادى وتقدَّم بنا الزمن وهنت قوانا؟ قلت طبعاً، قال أحياناً يحدث العكس، ففهمت عنه، وفهمت إلى ماذا يرمي، هو يُؤنِس هذا من نفسه، أي حتى في القوة البدنية المحضة – وأنتم ربما تفهمون الإشارة وتعلمون ماذا أقصد – هو يُؤنِس هذا من نفسه، لماذا؟ لأنه حفظ الله في نفسه، استعف تماماً، وراعى الله حتى في خطرات القلب فضلاً عن نظرات العينين، فمتعه الله بقواه، وجعله من حسن إلى أحسن – بإذن الله -، فقال لي هذا ضد الطبيعة يا أخي، أعجبني هذا المنطق، كيف هو ضد الطبيعة؟ هو هذا فعلاً، هذا عمل الإيمان، هذا قانون الإيمان – بإذن الله تعالى -، وهو مذكور في كتاب الله، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۩، انظر إلى هذه، هذه لام القسم، لَأَزِيدَنَّكُمْ ۩، هو يقول وعزتي لَأَزِيدَنَّكُمْ ۩، يُقسِم! هذا يعني أنه مُمكِن.

المُشكِلة في الإنسان أنه يغفل ويسهو وينسى، وما سُميَ الإنسان إلا لنسيه، ينسى كثيراً، أبونا أول الناس، وهو أول ناسٍ، فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ۩، هو أول الناس، وهو أول مَن نسيَ، فَنَسِيَ ۩، فهو أول ناسٍ، عليه الصلاة وأفضل السلام.

العبد ينسى ويلهو ويغفل، مسكين! فمن هنا يُؤتى، ومن هنا يُنتقَص، لكن لو بقيَ الإنسان مُنتبِهاً دائماً، مُستحضِراً عِظم نعمة الله عليه في كل شيئ، ومُؤدياً حق هذه النعمة وشكر هذه النعمة، سيبقى في ازدياد – بإذن الله تعالى -، والله لا يمل حتى تملوا، الله لا يمل، أنت لا تمل من هذا الشعور -من أداء الشكر -، والله لا يمل من الزيادة، يقول لك خُذ.

سمعت عن أحد أغنياء بلاد الشام من شخص يعرفه شخصياً، قال لي من خيرة عباد الله، والرجل حلس مساجد، وقال لي هو رجل تاجر، وتأتيه الأرباح والأموال من حيث لا يحتسب، ويشكو، هو يشكو ربه بين الناس، يقول لهم أنا أُريد أن أتفرَّغ بالكامل لأمر الآخرة، وهذه الأموال تأتيني، وأنا أُهلِكها في الله، هنا وهنا وهناك، ولا تزال تأتيني ولا أدري ماذا أفعل، شيئ غريب، سمعت هذا من شخص يعرفه شخصياً والله، لأنه رجل شاكر، أدى حق هذه النعمة بصدق لله – تبارك وتعالى -.

الله أقسم أنه يزيدك، والله لا يُخلِف الوعد، وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ۩، وعد إلهي، لا يتخلَّف، فإن تخلَّف كانت العلة منا وفينا، ليست من الله – تبارك وتعالى -.

إذن يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ۩، هُوَ الْغَنِيُّ ۩ مفهومة، بلا شك هُوَ الْغَنِيُّ ۩، لا إله إلا هو، لكن ماذا عن كلمة الْحَمِيدُ ۩؟ ما علاقة الحمد هنا؟ واضحة أيضاً لو تأملنا فيها بقليل تأمل، لماذا الْحَمِيدُ ۩ بعد الْغَنِيُّ ۩؟ لو نظرنا يا إخواني سنجد من العباد كثيرين أغنياء، إلا أنهم ليسوا في مقام حمد، ليسوا في مقام بأن يُحمَدوا، لماذا؟ أغنياء ولؤماء، اللؤم في اللُغة العربية هو البخل، ليس المكر وما إلى ذلك، اللؤم هو البخل، الكزازة، وضيق الصدر عن العطاء والنداوة، فكم أو كأين من غني يكون مسيكاً، بخيلاً، ما يبض بقطرة كما تقول العرب، لا يُعطي شيئاً! الله ليس كذلك، الله غني مُستغنٍ، أليس كذلك؟ هذا معنى أنه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ۩، يُوجَد فرق إذن، حين أقول غني أعني أنه غني في ذاته، لا إله إلا هو! غني في ذاته أو عنده ما يكفيه، يُمكِن أن نقول عن أي أحد إنه غني، فإن قلنا غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ۩ عنى ذلك أنه غني ومُستغنٍ أيضاً، غني ومُستغنٍ.

البشر الأغنياء هل يستغنون؟ عن شيئ دون أشياء، البشر يستغني عن مالك، لكن لا يستغني عن صوتك، حين يدخل هذا الغني انتخابات يُريد الصوت الخاص بك، يستغني عن مالك، ولا يستغني عن شعرك، أنت شاعر وهو يُريد منك التقريظ والمديح، هو يعيش على هذا، أي هذا المسكين، فهو ليس غنياً عن صوتك، ولا غنياً عن شعرك، ولا غنياً عن تملقك، ولا غنياً عن حرصك على أن تأخذ معه صورة، يُحِب هذا هو، أنه مُهِم وما إلى ذلك، هذا فقر الإنسان، الله غني – كما قالوا في إثبات الذات الأقدس، لا إله إلا هو – بمعنى أنه واجب الوجود، واجب من جميع الجهات، والله غني بمعنى أنه غني من جميع الجهات، من جميع الجهات! لذلك هو غني ومُستغنٍ، وأكَّد هذا المعنى بقوله إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۩، أي لا تظن أنك – والعياذ بالله، نعوذ بالله من زلقات اللسان وزلات الجنان، اللهم غفراً – تسد – مثلاً – فراغاً أو حاجةً مُتوهَّمة بعبادتك إياه، كما ظن أولئكم شُداة الإيمان على غير منهج من الأعراب، الذين منّوا على الله ورسوله بماذا؟ بأنهم أسلموا، يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۩، تمنّون على مَن؟ المنّ لله ورسوله، المنّ ليس لأحد منا، من المُمكِن أن يظن بعض الناس بغلبة الجهل وغلبة السذاجة أو حتى الحمق عليه أنه بعبادته يسد ثُغراً او يسد شيئاً، الله يقول لا، ولذلك إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ۩، مرة أُخرى حَمِيدٌ ۩، غني وحميد، وسوف نرى لماذا هو حَمِيدٌ ۩.

فإذن أكَّد هذا بقوله إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۩ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ۩، قد يقول لي أحدكم لماذا الخلق الجديد؟ وأنا أقول له ليس لكي يسد ثُغرة، وإنما هذا خلق جديد لكي يُظهِر كرمه عليهم وفيهم، فقط! صورة ومورد جديد من موارد رحمته، لا إله إلا هو، رحمة! هذه رحمة، وهذا هو الكرم المُطلَق، إذن هو غني، وليس غنياً كريماً – طبعاً في آيات أُخرى غَنِيٌّ كَرِيمٌ ۩ – فقط، هو غني وكريم بالمُطلَق، لا إله إلا هو! لماذا؟

الكريم الذي يكرم عليك من أغنياء الدنيا أيضاً إنما يتكرَّم عليك لاعتبار، لغرض ما، حتى – تقول لي – لو كان أحد الأولياء؟ نعم، حتى لو كان نبياً يا سيدي، النبي يرجو بصالح عمله وجه الله، إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۩، حتى الأنبياء! أي ما يعمل من صالح ومن بر إنما يرجو به ماذا؟ وجه ربه، الزُلفى عند الله، القُربى، والأجر، النبي طبعاً هكذا، وهو لا يستغني عن هذا، بشر! وهو ضعيف أيضاً، أي النبي، مثلنا ضعيف، الملائكة كائنات ضعيفة، لكن رب العالمين الغني – لا إله إلا هو – عن العالمين إذ يتكرَّم عليك من أجل ماذا؟ هو أصلاً يتكرَّم عليك وأنت عَدم، لا شيئ، وليس لك لسان حال أصلاً ليطلب شيئاً، عَدم! أنت تكون عَدماً، يُوجِدك من عَدم، ويمدك من عُدم، لا إله إلا هو! دونما أي استحقاق، هذا الكرم المُطلَق الذي لا يُتصوَّر، شيئ مُذهِل يا إخواني، حين نُفكِّر فيه نجد أنه مُذهِل.

ومن هنا قيل فعلاً أعظم نعم الله على عباده نعمة ماذا؟ الإيجاد، بعد ذلك تتلوها نعمة الإعداد، فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ۩ – (ملحوظة) قرأها فضيلة الأستاذ الدكتور عدنان إبراهيم مرة فَعَدَّلَكَ بتشديد الدال وفتحها، ومرة فَعَدَلَكَ بفتح الدال فقط دون تشديد – فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ۩، ثم نعمة ماذا؟ الإمداد، انظر إلى هذا، كم الآن – في علم الله طبعاً وليس في علم البشر – من كائنات ومخلوقات لا تزال في طي العَدم! أليس كذلك؟ في طي العَدم، مما يعلم الله أنه سيُخلَق، ولما يتأذَّن بخلقه بعد، أليس كذلك؟ لا يُخرِجها من كتمة أو كتم العَدم إلى شهادة الوجود ونوره إلا ماذا؟ إلا محض الرحمة والفضل والكرم الإلهي، رحمة! فقط برحمة الله.

وهناك أشياء لا يتأذَّن صاحب القدرة – لا إله إلا هو – بإخراجها، فتبقى عَدماً، والعَدم لا حُكم له، علة العَدم عَدم العلة، لا تُوجَد علة، الله لم يُرِد، وهذا المعدوم لو أن الله أراد إيجاده لأصبحت هذه الإرادة بحد ذاتها علة ماذا؟ علة إيجاده، هذه العلة غير موجودة، لأن الله لم يُرِد، لا إله إلا هو! ولذلك ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال وما لم، يُوجَد فرق بين ما شاء الله كان وما شاء لم يكن وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، هو لم يقل وما شاء لم يكن، قال وما لم يشأ لم يكن، لأن الله لم يُرِد أصلاً، فإذن لا يكون.

كذلك نعمة الإعداد، نعمة الإعداد يُمكِن أن نقترب منها خُطوة إلى الأمام بماذا؟ بمُلاحَظة ومُراقَبة المُشوَّهين خِلقياً، طفل يُولَد مُشوَّهاً خِلقياً، وتعرفون صور التشوه الخِلقية الكثيرة، ما مُشكِلة هذا الطفل المسكين المُشوَّه خِلقياً؟ نعمة الإعداد عليه غير تامة، الله شاء أن يجعلها غير تامة، منقوص! طفل يُولَد – مثلاً – أكمه، لا يُبصِر، يُولَد بطرفين ناقصين جداً، شبه يدين هنا، أليس كذلك؟ أحياناً يُشبِه ألا تكون له أطراف، يُشبِه هذا المسكين ألا تكون له أطراف! هنا نعمة الإمداد ليست تامة للفتنا، أن الحالة المُشاهَدة في كل البشر تقريباً – أسوياء البشر – ليست حالة واجبة، هذه ما أوجبت نفسها، لا! أوجبتها النعمة الإلهية، النعمة الإلهية أوجبتها! محض الكرم، محض الرحمة، ومحض الفضل الإلهي.

إذن – إخواني وأخواتي – غَنِيٌّ حَمِيدٌ ۩، استحق الحمد – لا إله إلا هو – بكرمه، ولذلك هو غَنِيٌّ كَرِيمٌ ۩، غَنِيٌّ حَمِيدٌ ۩، والترتيب المنطقي هو غني كريم حميد، لأنه غني وكريم، فهو حميد، استحق أن يُحمَد – لا إله إلا هو – على هذا الكرم، المُستنِد إلى غناه المُطلَق واللا نهائي – لا إله إلا هو – طبعاً.

الآن هناك كلمة أخيرة، ليس شيئاً عادياً بالمرة أن يكون غنياً مُطلَقاً وأن يكون كريماً كما قلت لكم، لماذا؟ الغني المُطلَق يا إخواني – الغني المُطلَق، في حق البشر أتكلَّم – المفروض أنه لا يكون كريماً، ولن يُعطي شيئاً، لأنه غني مُطلَق، في ماذا يحتاجك؟ أليس كذلك؟ أي حتى لو كان مُستغنياً عن فضل الله وعن حُسن الجزاء عند الله – لو افترضنا هذا، وفرض المُحال ليس بمُحال، هو مُستغنٍ عن هذا ولا يُريده -، إذن لماذا يُعطي؟ الله غني مُطلَق ويُعطي، هذه الحالة التي تُذهِل الإنسان كلما فكَّر فيها، غني مُطلَق، لا يحتاج أي شيئ منا إطلاقاً، لا عبادتنا، لا تسبيحنا، لا ذكرنا، ولا أي شيئ، ولا حتى وجودنا، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُم ۩، كل وجودنا أصلاً غير ضروري لله، إطلاقاً! ومع ذلك يتكرَّم علينا هذا الغني المُطلَق، يا الله! كم هو كريم إذن! هو فعلاً كريم، هذا الكرم، هذا الكرم الحقيقي، الكرم الحقيقي عند الله، لذلك الكريم الحقيقي هو رب العالمين وحده، وكل عبد آخر يتكرَّم كرمه نسبي، هذا كرم نسبي، معلول بعلل مُعيَّنة، حتى لو كانت هذه العلل مشروعة، لكن تعكس الضعف البشري والاحتياج البشري.

أسأل الله – تبارك وتعالى – لي ولكم ولإخواننا المُسلِمين والمُسلِمات أجمعين في هذا العالم أن يجعلنا من أهل القرآن، وأن يجعلنا من أهله وخاصته وخاصة عباده، وأن يُحضِر قلوبنا دائماً استعظامه وتوقير مقامه – لا إله إلا هو -، وألا يقطعنا من رحمته، وألا يقطع فضله عنا في ليل ولا نهار ولا حِل ولا قرار، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وشكر الله لكم جميعاً على حُسن استماعكم.

سلطنة عمان 14 فبراير 2018

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

mokarabat

الصوم، مُحاوَلة جديدة للفهم

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

اترك رد