إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، و أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سُبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأفاضل، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول المولى الجليل – سبحانه وتعالى – في مُحكَم التنزيل بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ۩ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ۩ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

الله – تبارك وتعالى – له في كتابه الأعز طرائق يدل بها على نفسه ويُعرِّف بواسطتها بأفعاله وصفاته وآثارها في الوجود، طرائق مُتميّزة تماماً حتى أن عقول بعض العلماء والمُوحِّدين تغفلُ عن مُلاحَظتها ومن هنا قول بعضهم “إن القرآن لم ينخرط في البرهنة على قضية وجود الذات الإلهية وإنما انخرط وحاجج بعمق وبتواتر بخصوص قضية التوحيد، أي توحيد الله تبارك وتعالى”وهو قولٌ غير صحيح، فالقرآن مملوء بل طافحٌ بالأدلة التي تُعرِّفُ بالله وتدل عليه، ومن أعجب هذه الأدلة ما يُمكِن أن ندعوه برهان التقدير، فالله يدل على نفسه عبر برهان التقدير، حين تسمعون بمثل قوله “الَّذِي۩” فهذا إسم موصول ولابد أن يكون الموصول وما هو واقعٌ في حيّز الصلة معلوماً لدى المُخاطَب ولدى المُستمِع حتى يصح خطابه بهذا الخطاب، وهذا معروف من قواعد العربية، فإذا قيل – مثلاً – لأحد الناس “احذر أن يُصيبك مثل الذي أصاب صاحبك بالأمس” فلابد أن يكون الذي أصاب صاحبه بالأمس معلوماً لديه وإلا لا ينفع التحذير، فلابد أن تكون الصلة وما يقع في حيّزها معلوماً للمُخاطَب، فإذا قال المولى جلّ مجده الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ۩ وإذا قال الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۩ فضلاً عن أنه قال في آخر الآية على ما سمعتم وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ – أي والذي خلق كل شيئٍ – فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ۩ – علماً بأن كلامنا اليوم في قوله عزّ من قائل فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ۩– فهذا يدل على أن هذا ثابت لدى الناس ولدى الملاحدة ولدى الكفّار ولدى المُحاجِجين والمُشاغِبين، فلابد أن يكون ثابتاً وإن لم يكن ثابتاً واقعاً فلابد أن يكون في حيّز الإمكان وحيّز إمكان الثبوت، فلو بحثوا لوجدوا أن هذا ثابت، وهذا هو موضوع خُطبتنا اليوم، ولكن كيف؟!

الله – تبارك وتعالى – قدَّر كل شيئ عنده وكتبه في لوحه المحفوظ، صحيح أن مراتب التقدير أربعة وعند بعضهم خمسة ولكنهم قالوا “هذا ليس في حيّز المعلوم لنا، وإنما فقط بطريقة الخبر”، وهنا يحدث الدور، فلكي نُؤمِن به عن طريق الخبر لابد أن نكون أولاً مُؤمِنين بوجود الله، ونحن نُحاجِج – والعياذ بالله – في هذه المسألة، إذن هذا لا يجوز وبالتالي سيكون فيه دور منطقي، لكن المسألة أعمق من هذا بكثير وأدق من هذا بكثير، فقرآن الله وبراهينه وحُججه مُختلِفة تماماً عن الضلال الذي تخوَّض فيه بعض المُتفلسِفة وبعض المُتمعقِلة وبعض قاصري النظر.

الفيلسوف الوجودي المصري الذائع الصيت عبد الرحمن بدوي – رحمه الله تعالى – يُخبِر أن والده تعرَّض لإطلاق نار في يوم من الأيام قبل أن يأتي بدوي إلى الحياة، فبعد ذلك جاء ابنه عبد الرحمن بدوي إلى الحياة ومن هنا يقول “وهكذا وُلِدت صُدفة”، أي أنه يقول أنه ميلاده كان صُدفة على ما أخبر عنه تلميذه أنيس منصور الذي ذهب يُجاريه قائلاً “أنا كتبت قبل أستاذي بثلاثين سنة أن مولدي أنا كان صُدفة”، وحكى حكاية تتعلَّق بهذا الموضوع ولكن لا أُحِب أن أطوِّل فالوقت قصير جداً في هذه الأيام لأننا في الموسم الشتوي، لكن على كل حال قال أن هذا كان صُدفة، والأديب العربي الشهير نجيب محفوظ – رحمه الله – يكتب على لسان أحد أبطاله أو بالأحرى على لسان أحد حمقاه قائلاً “حياتنا صُدفة وموتنا صُدفة وكل شيئ صُدفة، فلا معنى ولا هدف لشيئ”، فهؤلاء مسلمون ولكنهم يُمرِّرن أمثال هذه الأفكار التي أقل ما يُمكِن أن نُعلِّق به عليها أنها أفكار مُستهتِرة ومُستخِفة وليست جادة، فالذي يكتب هذا الكلام ويعتقده إنسان مُستخِف بعقل نفسه، إنسان سفه نفسه، قال الله إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ ۩، فهو سفه عقله ونفسه وأيضاً هو مُستخِفٌ بعقول مَن يقرأون له ومَن يسمعون خطاباته، فهذا استخفاف إذن، وخُطبة اليوم ستُبرَهِن لكم أن هذا استخفاف حقيقي وليس أقل مِن أن يُنعَت بأنه استخفاف واستهتار بالعقل وبالبحث وبنزاهة الاستقصاء العلمي الموضوعي، فالمسألة أعمق من هذا بكثير ولكنها واضحة لمَن أراد أن يراها كذلك وإنها لكذلك.
ليس هناك شيئ إسمه صُدفة ومُصادَفات، فلا يُوجَد ميلادٌ أو موتٌ أو نجاحٌ أو رسولٌ أو فشلٌ أو نصرٌ أو هزيمةٌ أو سعادةٌ أو شقاءٌ أو حظٌ أو زوال الحظ بطريق الصُدفة والاتفاق، هذا غير صحيح فإسم ومُصطلَح الصُدفة مُؤشِّر – Index – لجهلنا، فما نجهله ولا نستطيع أن نفهم له وجهاً من وجوه التفسير والتعليل ننعته بأنه وقع واتفق مُصادَفةً، وهذا مُؤشِّر ليس أكثر على جهلنا، فهو يُؤشِّر على جهلنا نحن ولكن هل هو في الواقع كذلك؟!

هناك ظاهرة مُحيِّرة ولكنها حيَّرت أصحاب النمط أو الأنموذج المادي الميكانيكي في التفسير، وطبعاً العلم الحديث من مطلعه إلى اليوم تبنى إلى حد التقديس وإلى حد الإيمان هذا النموذج الميكانيكي الآلي في تفسير الكون، والكون باختصار وفق هذه النظرة الميكانيكة – نظرة العلم الحديث – عالم مملوء بأشياء أقل ما يُمكِن أن يُقال أن هذه الأشياء هى الذرات ودقائقها دون الذرية، وفي نهاية المطاف هذه الأشياء موجودة وجوداً ما وتتساكن ولكنها مُتفرِّدة إلى حد بعيد ومُنفرِدة، كل شيئ يُمكِن أن يُفهَم ضمن شرط الموضوعية Locality، شيئ موجود مع شيئ آخر في سياق واحد وأحياناً سياق فضائي أو مكاني فيُمكِن أن نفهم التفاعل بينهما، وحين تنتفي هذه الموضوعية تنتفي كل علاقة، لكن هناك مظاهر بالألوف ليست من الآن فحسب وإنما هى مُنذ البداية ولحظها العوام ولحظها الناس والعلماء والجُهلاء والصُلاح والطُلاح ولكن هذ العلم أبى أن يُذعِن إليها، فوقف موقفاً يُسمونه في فلسفة العلم الموقف الهلمهولتزي نسبة إلى الفيزيائي الشهير هلمهولتز Helmholtz، والموقف الهلمهولتزي يُلخَّص بكلمة وهى “حتى وإن كان صحيحاً فلن أُصدِّقه”، لأن عنده نموذج تفكير مُعيَّن – Paradigm أو Paradigme أو Paradigma – لا يُريد أن يخرج عنه، لا يُريد هذا ومن ثم هو مأسور ضمنه، فهو مأسور به ومشروط به هو وتفكيره، ومن هنا يقول الواحد منهم “ولذلك حتى وإن كان صحيحاً لن أبحثه ولن أُصدِّقه”، فهذا هو الإعراض والإباء والصد والنأي كما سمّاه القرآن الكريم.

يقول أحدهم إذن “لن أُصدِّقه حتى وإن كان صحيحاً”، وهذه الظاهرة المُحيِّرة أول مَن أعطاها إسمها عالم النفس السويسري الشهير جداً في علم نفس الأعماق وعلم النفس التحليلي على طريقته الخاصة طبعاً التي تجاوز بها سيجموند فرويد Sigmund Freud وهو كارل جوستاف يونج Carl Gustav Jung حيث سماها ظاهرة التواقت أو التزامن أو التزامنية Synchronicity، فما هى التزامنية Synchronicity إذن وعلى ماذا تدل؟!

هذه ظاهرة عجيبة جداً وتحدث لكثيرين منا وسأضرب لكم أمثلة سريعة لإيضاحها:

ملك إيطاليا في أول القرن العشرين أومبيرتو الأول Umberto I يدخل مطعماً فاخراً جداً ويجلس ويطلب الأشياء التي يُريدها أو تُطلَب له، ثم يُلاحِظ بعض حرسه وشُرطته أن صاحب المطعم تقريباً صورة مُستنسَخة من المَلك، فشكله قريب جداً منه بشكل مُحيِّر، ثم لفتوا نظر المَلك الذي لاحظ هذه الظاهرة وفرح بها، وبعد ذلك سألوه عن إسمه فقال أومبيرتو Umberto، فالملك إسمه أومبيرتو Umberto وهذا الرجل إسمه أومبيرتو Umberto وهذا شيئ عجيب، وهذا الشيئ جميل ربما يكون من حُسن طالع صاحب المطعم هذه، ثم سألوه عن جنسيته وهل هو إيطالي أصلي أم لا فقال أنه إيطالي ومن مدينة تورينو Torino، وتورينو Torino هى المدينة هى التي وُلِد فيها المَلك وهذا شيئ غريب، ثم سألوه عن يوم ميلاده واتضح أنه نفس يوم ميلاد المَلك وهذا شيئ عجيب أيضاً ومُحيِّر جداً، علماً بأن هذه القصة مشهور هذه ويذكرها علماء الباراسيكولوجي Parapsychology وعلماء نفس الأعماق وإلى آخره فهى مكتوبة كحالة دراسية، ثم بعد ذلك سألوه عن دقائق حياته وهل هو مُتزوِّج أو أعزب فقال أنه مُتزوِّج، ثم سألوه عن إسم زوجته فقال إن إسم زوجته هو ماركيتا Markéta، وزوجة المَلك أسمها ماركيتا Markéta، ثم سألوه هل رُزِق بالأولاد أم لا فقال أنه رُزِق بولد واحد وإسمه فيكتور Vittorio وهو نفس إسم ابن المَلك، وهذا شيئ مُحيِّر جداً فقُدِّمَت هذه المعلومات للمَلك وقالوا له أن هذا الشيئ غير طبيعي، فالرجل يحمل نفس الإسم وله نفس الشكل وهو من نفس المدينة ووُلِدَ في نفس يوم الميلاد وزوجته تحمل نفس إسم زوجة المَلك وكذلك ابنه يحمل نفس إسم ابن الملك، فما الذي يحدث؟!

هل هذه صُدف؟!

أين الصُدف هنا؟!

لا يُوجَد إمكانية رياضية وخاصة فيما يُعرَف بنظرية التكرار في علم رياضيات الاحتمال يُمكِن أن تُفسِّر هذا، ولو طال الوقت فربما سأشرح لكم كيف هذا لكن على كل حال رياضياً هذا مُستحيل، الذي يقول لك هذا لا يفهم شيئاً في نظرية التكرار، فمُستحيل هذا لأن نظرية التكرار في علم الاحتمالات ستفشل من أول درجة، فهى لا تستطيع أن تُفسِّر هذا، وسأشرح لكم هذا ربما إن طال الوقت.

الأعجب مِن هذا أنهم سألوه متى افتتح هذا المطعم الفخم الذي حلَّ المَلك عليه زبوناً، فقال في يوم كذا كذا وهويوم تنصيب المَلك، فيوم ما نُصِّبَ المَلك وصار مَلكاً على إيطاليا نُصِّبَ هذا مَلكاً على مطعمه، فهذا له مملكة في حدود مطعم وذاك مملكته إيطاليا.

استُثير المَلك تماماً ودعاه دعوة شخصية لحضور حفل في يوم كذا كذا كذا كذا بمُناسَبة كذا، ولكن للأسف لم يأت الرجل لأنه قضى مغدوراً بعيار ناري، فتأسَّف عليه المَلك الذي لحق به في مساء نفس اليوم مغدوراً بالرصاص وهذا شيئ مُحيِّر، فما هذا؟!

عالم النفس الكبير كارل جوستاف يونج Carl Gustav Jung لاحظ أمثال هذه الأشياء ولم يدعها تُفلِت منه وقال “هنا يُوجَد شيئ غير طبيعي، فهناك رسالة تُمرَّر إلينا ولابد أن نُفكِّكها ولابد أن نفهمها”، هذه ليست مُجرَّد اتفاقات، فما الذي يحصل إذن؟!

وطبعاً نظرية التكرار في علم الاحتمالات أو نظرية الاحتمالات – Probability Theory – لكي تشتغل والتكرار هذا لكي يعمل على الأقل لابد أن يكون هناك توارد وتواتر للحالا، فكيف إذا حصلت لمرة واحدة فقط؟!

هذه الحالة تحدث لأول مرة، فلم تتكرَّر حالة أومبيرتو Umberto لأكثر من مرة، ولكن هذه الحالة حصلت مرة واحدة فقط، فكيف حدث هذا التواقت وهذه الاتفاقات العجيبة جداً جداً جداً؟!

يونج Jung اهتم بهذا بعد أن اهتم به آي تشينغ I Ching الصيني، لكن قبل ذلك كان عالم الأحياء النمساوي باول كاميرير Paul Kammerer !

باول كاميرير Paul Kammerer صاحب نظرية قانون السلسلة، أي Das Gesetz der Serie بالألمانية أو Seriality Theory بالإنجليزية، وقانون السلسلة هو كتاب من مُجلَّدين كبيرين لعالم الأحياء النمساوي كاميرير Kammerer الذي قضى مُنتحِراً في ألف وتسعمائة وست وعشرين، حيث رصد عالم الأحياء الشهير في الكتابين مئات الحالات التي اتفقت له ولزملائه ولأهله ولزوجته وللآخرين، وهذا وثَّقه وأكَّده مثل هذه التزامنيات المُدهِشة المُحيِّرة، إذن هو وضع قانون إسمه قانون السلسلة – Das Gesetz der Serie – وتكلَّم عن درجة السلسلة وعن قوة السلسلة، فدرجة السلسلة تنقسم إلى الدرجة الأولى والثانية والثالثة والرابعة التي أسماها بالدرجة الرفيعة، ولكن كيف مثلاً هذا؟!

الدرجة الرفيعة هى أن تُلاحِظ أنك قطعت – مثلاً – تذكرةً للحافلة – Bus – ولها رقم، وهذا الرقم كان واضح فانتبهت له، وبعد ذلك دخلت السينما Cinema أو المسرح فأعطوك تذكرة تحمل نفس الرقم، وهذه هى الدرجة الثانية من السلسلة، ثم ذهبت في مساء ذلك اليوم إلى مطعم فأعطوك تذكرة للأمانات لكي تضع البالطو Balto أو الجاكيت Mantel في مكان ووجدت أنه هو الرقم نفسه، وبعد ذلك ختمت بدعوة من زميل زميلك الذي تعرَّفت عليه في المطعم لأول مرة فإذا به يسكن في شقة في شارع بنفس الرقم، هنا يقول باول كاميرير Paul Kammerer أن هذه السلسلة من الدرجة الرابعة، فهذا شيئ غريب وليس اتفاقاً، وبالتالي لابد أن يُفسَّر هذا، وباول كاميرير Paul Kammerer حاول أن يُفسِّره لكن الوقت يضيق عن عرض نظرية كاميرير Kammerer، وعلى كل حال هى نظرية أيضاً مادية، فهو حاول أن يُفسِّر ذلك مادياً.

ألبرت أينشتاين Albert Einstein صاحب النسبية قرأ عمل كاميرير Kammerer وعلَّق قائلاً “عمل مُثير ذو أصالة لا يُمكِن بأي معنى على الإطلاق – By one means – أن يُدعى أنه بلا معنى أو أنه عبثي Absurd، فهذا ليس عبثياً بل هو عمل جاد وأصيل ومُثير، فهو عمل فيه أصالة وليس عملاً عبثياً Absurd، فهو عمل عنده منطقه الخاص ولكن لابد أن نفهم ما هو هذا المنطق”، فهل أفلح هؤلاء في أن يفهموه؟!

هذا الموضوع طويل، وأنا أنصح لمَن شاء أن يتوسَّع أن يدخل على الأمازون Amazon ويكتب كلمة – مثلاً – التزامن أو التزامنية، وسوف تأتيه عشرات الكتب ليأخذها ويُطالِعها ومن ثم سوف يتعلَّم الكثير حول هذا الموضوع المُثير جداً، وقد تظهر له عشرات الكتب أيضاً تحت مُصطلَح التوافقية Coincidence أو التزامنية Synchronicity.

قوة السلسلة هى عدد العوامل التي تتواقت زمنياً – أي تحدث في نفس الوقت – وهذا يُعطيها قوة، أما الدرجة فهى عدد المُشابَهات كما رأينا، والقوة بحسب عامل التزامن والمُواقَتة، فتأخذ السلسلة قوتها، ومن ثم لابد من بحث دائماً درجة السلسلة وقوة السلسلة، علماً بأن هذه الاتفاقياتأو التزامنيات كثيرة جداً في التراث العالمي طبعاً، فكل واحد الآن سوف يحك رأسه ويقول “وقع لي من هذا المئات”، وأنا أقول لكم وقع من هذا الألوف طبعاً، وتختلف هذه الأشياء بحسب اهتمام الإنسان، فأنا رجل – مثلاً – طالب علم يحدث لي في مجال العلم والفكر ألوف المرات عبر حياتي، وأنا أتحدَّث عن نفسي العبد الفقير، فهذا يحدث لي ألوف المرات وبشكل مُحيِّر، وأنا عندي تفسير وهو أن هذا هو القدر، قال رسول الله “كلٌ مُيسَّر لما خُلِق له”، عُدت يوماً من رحلة الحج وجلست هكذا في مكتبتي التي بها ألوف الكتب المكتبة واخترت منها حوالي ستين أو سبعين كتاباً إلى جانبي لأبحث في موضوعات شتى، وفي الحقيقة كانت موضوعات زهدية تصوفية لا علاقة لها لا بالاقتصاد ولا بالتجارة، وكانت زوجتي تفتح التلفاز على برنامج اقتصادي وتقول لي ما معنى مُصطلَح السَلم؟!

أتناول كتاباً من التي تُحيط مُباشَرةً وأفتح أقول لها هذا هو السَلم، فقالت عجيب، وأنا لا علاقة لي بالاقتصاد الآن، ثم يتحدَّث الأستاذ الفاضل المُتحدِّث عن قانون العوائد المُتناقِصة في الاقتصاد فتقول لي زوجتي ما العوائد المُتناقِصة؟!

وآخذ كتاباً آخر من الكتب التي بجانبي دون أن أتحرَّك وأنا أقرأ في كتاب في التصوف وأقول لها هذه هى العوائد المُتناقِصة، ثم يأتي سؤال ثالث والكتاب أيضاً إلى جانب الكتاب الآخر وأقول لها هذا هو الجواب، ثم ننخرط نحن الاثنان في البكاء، هناك شيئ غير طبيعي يحصل، وهذا حصل معي آلاف المرات في حياتي، وقبل أن آتي مرة إلى خُطبة جُمعة كانت عن الإمام بدر الدين الحسني – قدَّس الله سره – تهيّأت هكذا وكدت أفتح باب الدار لكي أخرج – لست أنسى هذه الحادثة في حياتي – فإذا بشيئ يُخاطِبني ويقول لي عُد وحقِّق مسألة كذا كذا لأنك ستُسأل عنها بعد الصلاة، فذهبت مُباشَرةً وليس عندي وقت وأخذت مُجلَّداً مُعيَّناً فكان هو المُجلَّد الذي أُريده دون أن أعرف هذا وكان هذا المُجلَّد هو مُصنَّف ابن أبي شيبة، وفتحت – سبحان الله – الصفحات التي أُريد، فهذا شيئ لا يُصدَّق، وهذا ما يُسميه آرثر كوستلر Arthur Koestler وهو مِن أحسن وأعمق مَن درس ظاهرة التوافقية والتزامنية بملاك المكتبة Library Angel، والمقصود بملاك المكتبة Library Angel هو وجود كتاب أو مقالة أو شيئ مكتوب يفرض نفسه عليك ويهديك السبيل أو يفرض حالة جديدة بطريقة ما، هذا إسمه ملاك المكتبة، وهذه ظاهرة – Phenomenon – علمية تُدرَس من بعض العلماء المُتواضِعين وليس المُستكبِرين الماديين والملاحدة، فالظواهر هذه لابد أن تُدرَس، وهكذا تصفَّحت من أبي شيبة ربما في دقيقة أو دقيقتين وأغلقت وجئت هنا ألقيت خُطبتي وجلستُ هنا، فمُباشَرةً قال لي أول شخص كلَّمني “فضيلة الشيخ عندي سؤال”، فقلت له “تفضل”، فقال لي ما حكم كذا كذا كذا ؟ فاقشعر قلبي قبل بدني والله العظيم وقلت له الحُكم هو كذا كذا كذا كذا كذا، فاندهش واندهش الحاضرون، لأن من المُستحيل أن يكون لدى أي إنسان مثل هذا الحفظ ولا حتى أنا، ولكن أنا قرأت ربما عشرين أثراً فحفظتها مُباشَرةً حين قرأتها وجئت وصببتها في أذنيه، فلا يُوجَد عالم على وجه الأرض يحفظ هذا الحفظ، فلا يُمكِن أن تسأله في مسألة هكذا ويأتيك عفو الخاطر بآثار كثيرة، لكن أنا في الحقيقة كنت قرأت ذلك قبل ساعتين ربما من خروجي من البيت، فما هذا؟!

أي اتفاق هنا؟!

ما هى القوة التي أملت علىّ هذا والتي ألهمتني هذا؟!

والآن سأخلط بين الشرق والغرب فالأمثلة كثيرة جداً، فإسحاق بن راهوية بعد أن خرج أحمد بن حنبل من محنته وحُكِمَ عليه بمُلازَمة بيته أتى من بلاده إلى بغداد لكي يزور الإمام أحمد ولكنه لا يعرف أين يسكن أحمد، هو يعرف أنه في بغداد فقط، تخيَّلوا حجم بغداد التي كان يسكنها في أيام أحمد مليونان من البشر، وهذا لم يكن موجوداً في المُدن العالمية في ذلك الوقت، فلندن كان ربما يسكنها مائتان وخمسون ألف فقط، لكن بغداد كان يسكنها اثنان مليون، أي أكثر من فيينا الآن، وكأن إسحاق بن راهوية أتى لكي يبحث عن سين من الناس مثل أحمد بن حنبل في فيينا، فكانت بغداد إذن مليئة بالحضارة والعلم والتقدّم حقيقي، على كل حال يأتي إسحاق إلى بغداد في ليلة مطيرة شديدة البلد، فلما صار فيها صلى العشاء ثم خرج لأنهم يُغلِقون المساجد على عادة وزارة الأوقاف اليوم فجعل يمشي في شارع ما حتى إذا اشتد المطر والبرد وداخله نوع من الاحباط إذا بباب يُفتَح ويُنادي أحدهم: يا عبد الله أين تمشي في هذا الوقت وفي هذا الصقيع؟!

فقال “يا أخي والله ما وجدت مَن أحل به ضيفاً”، فقال “هيا، تفضل”، فدخل عنده وعلَّق على هذا قائلاً “فأحسن إلىّ جداً، فالرجل كان على خُلق عظيم، وبدَّل ملابسي وأوقد لي ناراً وأكرمني، ثم لما أخذنا في الحديث سألني مَن أنت؟ فقلت أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بإسحاق بن راهوية، وكأنه تأثر ثم قال ماذا تُريد؟ فقلت أتيت إلى بغداد لكي أزور أخي في الله أبا عبد الله ولم التقه قبل اليوم”، لم يكن هناك ثمة أي لقاء بينهما قبل ذلك، فهذه هى أول مرة يلتقيا فيها، فقال له الإمام أحمد: وهل دلّك عليه أحد؟!

فقال “لا”، فقال: هل تعرف بيته؟!

قال “لا”، فقال له “أنا أحمد بن حنبل”، فسِّر لي إذن كيف يحدث هذا؟!

في إحدى رحلات الحج أيضاً وكل إخواني المُقرَّبين كانوا معي وجماعة منهم يعرفون هذه القصة بتفاصيلها كنت في المدينة المُنوَّرة جالساً ووجهي إلى الحائط الشريف أقرأ في كتاب الله، وفي لحظة هكذا اشتعل شوق شديد إلى أخي في الله الدكتور الصومالي حسن الشيخ حسين، فإذا سمع هذه الخُطبة أرجو أن يتصل بي بأي طريقة فهو من أعز وأحب إخواني إلى قلبي على الإطلاق في حياتي كلها، فهو رجل صالح حقيقةً وولي لله، ونحسبه كذلك والله حسيبه، فشوق لاعج التهب في قلبي تجاهه، فإذا بشيئ يُحدِّثني: لماذا لا تلتفت حيث يسير الناس الآن لعلك تراه؟!

فثقلت، ثم بعد ذلك قلت: لابد أن ألتفت، فلماذا أنا أُخالِف حدسي؟!

التفت ومعي المُصحَف، وما هو إلا وأنا التفت – وأنا أحكي هذا على منبر رسول الله وهو الرجل شاهد لأنه كان عنصراً في القصة – وإذا به يمر أمامي مُباشَرةً، فقلت: مُستحيل، حتماً ليس هو، يستحيل أن يكون هو، كيف حدث هذا؟!

فكدت أتركه ثم قلت لنفسي: أهبلت يا رجل؟!

ثم حدَّثت نفسي قائلاً “إنه هو، إلحق به”، لكن من شدة المُفاجأة لم أكد أُصدِّق، فهل هذا يحدث هكذا بهذه الدقة وبهذا التوقيت؟!

فلحقت به وربت على كتفه وقلت لنفسي “إن كان هو تعارفنا، وإن لم يكن هو اعتذرت من الرجل، فهو أخ مسلم أيضاً وفي مدينة رسول الله وفي حرم رسول الله”، فإذا به يلتفت ويقول “شيخي” ونأخذ في البكاء، ثم جلسنا وتبادلنا الحديث وبعد ذلك شيئ ما صدَّنا عن أن نأخذ عناوين بعضنا البعض في مكة وقلنا الذي جمعنا بهذه الطريقة هنا لن يُخلينا من اجتماعٍ آخر في مكة إن شاء الله، ولم نأخذ العناوين فعلاً، ثم أنني كنت مع جماعة من إخواني ربما يُوجَد منهم الآن ستة أو سبعة في هذا المسجد – أبو أنس يهز رأسه الآن لأنه كان معنا طبعاً هو وحسن حنفي – وكنت أُحدِّثهم عن الشيخ حسن وعن فضائله وعن صلاحه بعد صلاة المغرب في الحرم المكي الشريف، فقالوا “والله لقد شوَّقتنا جداً إلى هذا الرجل الصالح، يا ليتنا نلتقي به”، فقلت “الله يجمعنا تبارك وتعالى”.
وَقَد يَجمَعُ اللَهُ الشَتيتَينِ بَعدَما                   يَظُنّانِ كُلَّ الظَنِّ أَن لا تَلاقِيا.

لقد جمعنا الله بعد السنين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا نجلس عند الساعة ونتكلَّم ثم قلت لهم “هذا هو الشيخ الدكتور حسن قد أتى”، فقالوا “هذا غير مُمكِن”،وبعد ذلك افترقنا وقلنا لن نتواعد في عرفات أو في عرفات الله كما يُقال، وفعلاً لم نتواعد، وبين أنا وقد خِستُ بوعدي لإخواني ألا أذهب إلى جبل الرحمة وأن أبقى معهم في السهل شيئ ما شدَّني وذهبت إلى الجبل لأنني كنت أُريد أن أقف حيث وقف رسول الله عند الصخرات المُفترَشات، وذهبت وعلوت في المكان ودعوت الله مع الداعين ورجوت القبول لي ولإخواني ثم إذا بشيئ يقول لي “لو قُيِّض لك أن ترى أخاك الدكتور حسن”، فنظرت هكذا وإذا به تحتي مُباشَرةً، فقلت له “دكتور”، فقال “شيخي”، وكانت هذه هى المرة الثالثة، فقولوا لي كيف يتفق هذا بين اثنين أو ثلاثة أو أربعة مليون من الحجيج ثلاث مرات في رحلة واحدة وخاصة أن البداية في المدينة كانت مُدهِشة جداً جداً جداً؟!

ووالله لو تأخَّرت ربما ثلاث ثوان لما رأيته لأنه كان يمشي بسرعة، لكن أنا التفت في اللحظة تماماً التي ينبغي أن ألتفت فيها، والآن نعود إلى اتفاق آخر هنا من السياق الغربي، فبعض العلماء – علماء الرياضة – حاول أن يبحث عن صلة مُعيَّنة تربط بين القادة العظام في الحرب العالمية الثانية، وطبعاً هو ابتدع بارامِتْراً Parameter مُعيَّناً سوف ترونه من أجل الوصول إلى صلة تربط بين القادة العظام في الحرب العالمية الثانية، أي بين ستالين Stalin من الاتحاد السوفيتي وموسوليني Mussolini من إيطاليا وهتلر Hitler من ألمانيا وتشرشل Churchill من المملكة المُتحدة وروزفلت Roosevelt من أمريكا وتويو Toyo رئيس وزراء اليابان وبقية هؤلاء القادة، فقال “هيا نأخذ – مثلاً – سنة ميلاد كل شخص منهم ونجمعها إلى سنة توليه السُلطة ونجمع إلى ذلك عدد السنوات التي بقيَ في السُلطة ونجمع أخيراً سنه عند وفاته”، وبدأ بهتلر Hitler حيث وُلِد في ألف وثمانمائة وتسع وثمانين وتولى حكم ألمانيا في ألف وتسعمائة وثلاث وثلاثين لمدة تصل إلى إحدى عشرة سنة وهو في السُلطة ثم مات عن خمس وخمسين سنة، ومن ثم سيكون الناتج هو ثلاثة آلالف وثمانمائة وثمانية وثمانون، واحسبوا هذه العملية بأنفسكم وافعلوا هذا مع تشرشل Churchill الذي وُلِد في سنة ميلاد مُختلِفة وكانت سنة توليه السُلطة مُختلِفة وعدد السنوات التي حكم فيها كان مُختلِف وكذلك سنه عند الوفاة كان مُختلِفاً ومع ذلك المجموع في نهاية المطاف هو ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وثمانون، وموسوليني Mussolini المجموع عنده هو ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وثمانون، وروزفلت Roosevelt المجموع عنده هو ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وثمانون، وستالين Stalin المجموع عنده ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وثمانون، وتويو Toyo المجموع عنده هو ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وثمانون، وهذا مُدهِش جداً ومُحيِّر، ففسِّروا لي هذا، وربما – هذا اجتهاد مني – الذي أوحى لهذا العالم من علماء الرياضيات – Mathematiker – أن يبحث في هذه المسألة يعني هو العلاقات الغريبة في هذه المسألة حيث كتبه تشرشل Churchill بنفسه في كتابه أزمات العالم – هذا مكتوب ويُمكِن أن تقرأوه – عن ذكرياته في حرب البوير Boer، والبوير Boer طبعاً هم هؤلاء البيض الذين من جنوب أفريقيا ولكن من أصول هولندية، وهؤلاء استعمرتهم المملكة المُتحدة، فبريطانيا استعمرتهم في ألف وثمانمائة وستة تقريباً، المُهِم هو أن في ألف وثمانمائة وتسعة وتسعين قامت حرب البوير Boer بين مملكتي البوير Boer وبين بريطانيا، واستمرت إلى أول ألف وتسعمائة وواحد أو ألف وتسعمائة واثنين، وكان تشرشل Churchill مُراسِلاً عسكرياً لإحدى الصحف ووقع في أسر البوير Boer فأخذوه أسيراً مع جماعة، فاتفق مع جماعة على أن يفروا، وفي اللحظة المُناسِبة كعوا جميعاً ونكصوا وواصل هو وألقى بنفسه من فوق السور من السياج – أيها الإخوة – وغامر وكان يُمكِن أن يُقتَل في أي لحظة وأمامه إلى الحدود البريطانية أكثر من ثلاثمائة ميل Mile – حوالي خمسمائة وخمسين كيلومتر Kilometre تقريباً – ولا يعرف أين يتجه، وهو ليس أي إمكانية ولا بوصلة ولا أي شيئ، فمشى على غير هُدى، لكن في الحقيقة كان هناك هداية إلهية تهديه لأن الله فيه أمراً وشأناً، فهذا أمر الله، قال الله وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ۩ وقال الله أيضاً وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ۩، إذن هو كان يمشي على غير هُدىً راكباً التعاسيف، فيخبط في عمياء كما يُقال ويركب متن عشواء إلى أن رأى ضوءً فقال “قد يكون ضوءً من أضواء البوير Boer، وقد يكون لكبانية أو ثكنة إنجليزية، فلا أدري”، ثم قال سأذهب إلى هذه البلدة حيث أنها كانت بلدة وليست طبعاً ثكنة، ثم ضرب أو قرع أول باب فخرج فلان الفلاني الذي يعرفه ويُحِبه جداً وهو المُتعاطِف الوحيد معه في المنطقة كلها كما كان يقول، ثم أوصله إلى بريطانيا ونجا بأعجوبة لكي يكون قائداً في الحربين العامتين أو العالميتين.
وهتلر Hitler نفس الشيئ، حيث أنه كان يحمل البريد العسكري على الجبهات في الحرب العالمية الأولى وهى مُهِمة خطيرة جداً لأنه يتنقَّل باستمرار فاحتمال الإصابة أكبر لكن في إحدى المرات مع قائده وجماعته في خندق وكان نائماً فرأى رؤيا فخرج منها مُباشَرةً إلى العراء، فسألوه عن سبب هذا الفعل وقالوا له: إلى ماذا تُعرِّض نفسك؟!

قال “رأيت رؤيا”، أي أن هتلر Hitler استجاب لرؤيته فخرج، ثم جاءت قذيفة قتلت ثلاثة وجُرِح الجنرال General أو القائد جُرحاً بليغاً جداً، وتكرَّرت هذه الظاهرة مع هتلر Hitler عشرات المرات في حياته حتى صار يُعرَف بها، فعَرِف بالقدرة على النجاة من الموت، فهو ينجو من أي حدث، فادخره الله – تبارك وتعالى – لكي يتواجه مع تشرشل Churchill في الحرب العالمية الثانية، هم أكبر خصمان تقريباً، وهذا نجا وهذا نجا لكن هناك تخطيط مُعيَّن لأن ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وثمانين تقول أن هناك مُعادَلة ما حاكمة، فالأمور لا تجري هكذا على عواهنها.

الرجل العالم والقاضي الفاضل والأديب النحرير الشيخ عليّ الطنطاوي – رحمة الله عليه وقدَّس الله روحه وطيَّب ثراه – يحكي باختصار قصة كان مُساهِماً فيها، حيث أنه كان عضواً من أعضائها وشخصاً من شخوصها لأنه كان قاضياً، ولكن سأختصر القصة فالوقت ضيق جداً، هذه القصة هى قصة عائلة ظلموا امرأة كريمة بنت كرماء وغصبوها مهرها وجهازها بالتزوير والكذب، ثم بعد تسع سنوات أخذوا منها ابنتها بإسم انتهاء حق الحضانة، وهذا ظلم شديد جداً جداً جداً، فيحدث حادث ويكون القاضي الشيخ عليّ الطنطاوي حاضراً لأنه كان راكباً سيارته، والسيارة التي وقع لها الحادث كانت تسير أمامه بسرعة وتتجاوز فمال عليها صهريج فتدهوَرت من علٍ أو من جبل سحيق، وما هى دقائق حتى بلغت القرار، قال الشيخ علي الطنطاوي “فوقفنا سياراتنا – لا تقل أوقفنا وإنما قل وقفنا – ونزلنا ولم نصل القرار إلا بعد ربع ساعة فإذا بفتاة صغيرة بنت تسع سنوات وامرأة شابة ومعها طفلان صغيران لم يمسسهم سوء بل لم يُخدَشوا، وإذا بالسائق ورجل كبير السن إلى جانبه وامرأتان كبيرتان في السن أصبحوا عجينة واحدة، فلم أر أبشع من هذا المنظر في حياتي”، فالبنت الصغيرة هى بنت البنت الكريمة التي ظُلِمَت وأُخِذَت منها غصباً عنها ظُلماً، والمرأة هى زوجة الزوج الظالم وهى امرأة لا علاقة لها بالقضية، والطفلان ولداها، أما الظلمة الأربعة فهم الذين صاروا عجينة، فسِّر لي هذا إذن!
سيارة واحدة تقع من حالق أو من جبل فتتدهوّر، أربعة لم يمسهم سوء وأربعة صاروا عجينة، فسِّر هذا!

الإمام المُحسِن التنوخي – رحمة الله عليه – في كتابه العظيم الفرج بعد الشدة في خمس مُجلَّدات يروي فيه أربعمائة وثنيتن وتسعين حكاية واقعية، فهذا كتاب مُتعة أن تقرأه وأن تُعلِّمه لأولادك، ففيه حكايا واقعية يرويها بالأسانيد ويقول “حدَّثنا وروينا واتفقنا”، فكلها حكايا من الواقع، لكنه حكى قصة سأختصرها لكم بتصرّف يسير جداً عن قلعة من قلاع الديلم بما وراء النهر أيام الدولة البويهية، والعضد والركن طبعاً من بني بويه، وكان قد وزر لهم أبو الفضل بن العميد الكاتب المعروف بالجاحظ الثاني – معروف ابن العميد ومعروفة قصته مع أبي حيان التوحيدي – ست وعشرين سنة وبه تخرَّج عضد الدولة وهو أستاذه ومُربيه، على كل حال هذه القلعة كانت تقع على رأس جبل في بلاد الديلم ووقعت في يد جماعة من اللصوص السرّاق الفتّاكين الذين لا يرعون في إنسان إِلًّا ولا ذمة، ولعلهم كانوا من فرق الباطنية، فينزلون منها وينحدرون ويسرقون ويقتلون ويعتدون على الأعراض ثم يعودون فلا تنفع فيهم حيلة، حاصر أبو الفضل بن العميد – رحمه الله – هذه القلعة فترة طويلة، والمعارك بينه وبين سُكانها دول وسجال إلى أن أمكن الله من خمسين منهم، فأخذهم وكتّفهم جميعاً وبدأ يأمر بإلقائهم من أعلى الجبل الذي بُنيَت عليه القلعة واحداً إثر واحد، وطبعاً ما يبلغ أحدهم القرار حتى يكون قد قضى قبل مُدة بسبب الضروس – يُسميها العرب الضروس – الخارجة الناتئة من الجبل وحجارته المُدبَبة، وطبعاً يموت وهو مُكتّف من جبل عالٍ، وقضى تسعة وأربعون بهذه الطريقة، فكانوا يُكتّفون ثم يُلقى بهم من أعلى الجبل، حتى جاء دور الرجل الذي يحمل رقم خمسين وكان شاباً صغيرا حسن الشكل ولعل لحيته لم تبقل، فهو صغير لم يتجاوز عمره ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة ولكنه كان جريئاً، فكان فيه جراءة وشجاعة وذكاء، قال أبو الفضل “كتّفوه لأنه منهم، فهو فاجر كفّار وليس خيراً منهم”، ثم ألقوه، فما بلغ القرار حتى قام وقد تقطّع حبل كتافه – أي تكتيفه – وقام يسعى ليس به شيئ، فلم ينجرح ولم يحدث له شيئاً، فكبَّر أهل القلعة من الديلم، فقال هؤلاء الباطنية “الله أكبر”، وعجب المسلمون من هذا، فهذا شيئ عجيب، كيف يحدث هذا؟!

هل هذا صُدفة؟!

فقال أبو الفضل “إلىَ به” فأتوا به، فقال “عجباً، كتّفوه”، فقال “يا أيها الوزير هذا الرجل الله أنجاه فلو أنك تركته سيكون أفضل”، فحلف وقال “لا والله”، فأمسكوه عنه وسكتوا، ثم قال “لأقتلنه شر قتلة كما فعلت”، فكتّفوه للمرة الثانية ثم دهوروه من من حالق أو من أعلى الجبل، فسقط، ثم استغرق دقائق وهو يتحدَّر فلما صار في القرار قام وقد انحل حبل كتافه الجديد وهو يسعى ويجري وليس به شيئ، فكبَّر أهل القلعة أشد من الأول وبكى بعض المسلمين بحضرة الوزير وقالوا “هذا له شأن”، فقال “إلىّ به”، ثم قال له “تعال يا ولد، حدِّثني عن سرك فيما بينك وبين الله”، كأنك يقول له أكيد أنت من أولياء الله، فقال “لا والله، ليس عندي سر، إنما كنت غُلاماً عند أستاذي الذي قُتِلَ قبلي الساعة وكان يُخرِجني معه فأخرج، فنقتل ونسلب وننتهك الأعراض ثم نعود، فهذا هو سري”، فقال له:ويلك، أما صومت؟!

أي ألا تصوم؟!

فقال: وهل يعرف أحدٌ منا الصوم؟!

يبدو أنهم باطنية زنادقة، وهذا شيئ غريب، فقال له: هل صليت لله ركعة؟!

قال “لا أعرف ما هى الصلاة وإنما أسمع عنها فقط”، فقال له “ويلك، أخبرني عن شيئ بينك وبين الله الله نجّاك به” ابن العميد عالم وأديب كبير ويُقال أنه هو الجاحظ الثاني ولذلك هو يفهم أنه لابد من وجود سر، فلابد من وجود أمر إلهي هنا، فلا يُمكِن أن يكون الأمر من باب المُصادَفات، ففكَّر الغُلام دقائق وقال “نعم، هذا صحيح، ذات مرة من المرات أتى أستاذي الذي أخبرتك عنه قبل قليل بأحدهم وكان إنساناً مسكيناً ويعمل تاجراً، فأخذه وغصبه ماله ومتاعه ثم عذَّبه شيئاً من تعذيب وقال لي انزل به إلى الوادي فاذبحه ثمة ثم ائتني برأسه وعجِّل”، ثم قال “فنزلت لأذبحه فهذا ليس أول مَن نذبحه – هؤلاء قتلة – لكن الرجل جعل يبكي ويستحلفني ويستعطفني ويقول لي أنا أبٌ كافٌ وكاسبٌ لأولاد وهن بنات أطفال فليس لهن كاسبٌ غيري، فسألتك بالله ان تتركني”، ثم قال “وخوَّفني بالله وذكَّرني إلا ما عفوت عني وأطلقتني، فقلت له أستاذي يقتلني ثم يُدرِكونك فيقتلونك، فلا يُوجَد فائدة من أن يموت كل منا”، لكن هذا المسكين أعطاه الحيلة وقال له “بعد أن تُطلِقني اجلس ساعة وأنا أعدو وإن شاء الله لن يُدرِكوني، فإن أدركوني كنت قد برأت من دمي، وإن لم يُدرِكوني اصطنعت يداً يجزيك بها الله يوم القيامة”، قال الشاب “فخلق الله أو أوجد الله له في قلبي رحمة وازددت عليه شفقة فقلت له بعد أن حللت وثاقه خُذ هذا الحجر وشجني به في رأسي شجات”، فقال “لا والله، لا أجعل مُكافأتك أن أشجك”، فقال ” قلت له لابد من هذا وإلا قُتِلت، فشجني شجات ثم ذهب يعدو بعد أن تركته، وجلست ساعة حتى رقأ دمي وقد بلَّل ثيابي، فلما عُدت إلى الأستاذ المُجرِم قال أين الرأس؟ وما هذا الذي أرى؟ فقلت له أنت بعثتني مع أسد ولم تبعثني مع رجل، لقد صارعني فصرعني ثم شجني وكاد يقتلني وهرب”، فأرسل في أثره رجالاً ثم عادوا من غدهم ولم يعثروا له على أثر، فهم بحثوا عنه على مدى اليوم والليلة لكنهم لم يلقوه”، ثم قال “فلعل هذا”، قال ابن العميد “والله هو هذا، أنت أنقذت نفساً فأنقذ الله نفسك”، ثم جعله حارساً على بابه، يقول المُحسِن التنوخي “واصطنعه” أيجعله من رجاله برزقٍ كريم، فأعطاه أجراً كبيراً، فما هذا الذي حدث؟!

هل هذه اتفاقات وصُدف؟!
ما هذه التزامنيات ؟!

طبعاً يُوجَد سبب، لكن ذهن ابن العميد غير ذهن يونج Jung طبعاً وغير ذهن كاميرير Kammerer وغير ذهن هؤلاء، فهو يفهم ما هو السبب وهو أنه لا تسقط ورقة ولا تنزل حبة مطر إلا حيث أراد الله ومتى أراد أن تنزل، ونحن نعرف هذا، قال الله وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ۩وقال أيضاً يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۩، لا إله إلا هو، هذا هو اليقين الذي يكون عند المسلم، ومن هنا “مَن مات على غير هذا – كما في حديث عُبادة بن الصامت – مات على غير الإيمان”، فعليك أن تنتبه إلى أن ليس الإيمان هو أن تقول “الله موجود” ولكن الإيمان هو أن تُؤمِن أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليُصيبك وأن كل شيئٍ عنده بمقدار وأنه لم يُغادِر صغيرةً ولا كبيرة – لا إله إلا هو – في تقديره وفي حفظه وفي علمه وفي تدبيره وتصريفه للأمور، وهذا الإيمان نعيش به ونعيش منه ونستمد منه وتحلو الحياة به وتحلو المرائر به!

قصة أُخرى عجيبة جداً يحكيها أيضاً التنوخي في الفرج بعد الشدة عن أحدهم وهو محمد بن الحسن بن المُظفَّر، يقول ابن المُظفَّر “حضرت مجلس خليفة رئيس الشرطة في بغداد – تقريباً إسمه رازوق، فهو إسم غريب جداً لأنه على يبدو أنه عجمي، وخليفته كان يُسمّى عجيباً أو الغُلام عجيب، وهذا نائب رئيس الشرطة في بغداد – وأُوتيَ برجال – يبدو أن هناك أحداث شغب فأُوتيَ برجال فقُدِّموا للسيّاف فجعل يقطع أعناقهم واحد إثر واحد – وكان فيهم شابٌ عليه مخايل الصلاح وتعلوه سكينة وجمال ووقار، فجلس ينظر هكذا ويتبسَّم”، فقال له ” هذا أمرُ عجيب، هل تتبسَّم في هذه الساعة وأنت ترى ما الذي ينتظرك؟!

كأنه يقول له دقائق وسوف تُقطَع رأسك كما قُطِعَت رؤوس هؤلاء، فقال له “يفعل الله ما يشاء”، وهذا يدل على شدة اليقين عنده أمام الموت الأحمر وأمام موت السيف الذي يقط الرؤوس قطاً، فقال له” هل تشتهي شيئاً؟!

قال “نعم، أشتهي رأساً مشوياً ورقاقاً”، وهذا هو أكل الذي سيُعَدم بعد قليل، فضحك وهو يعجب من هذا وقال “ائتوا به”، فجلس يأكل ويتلذذ بسكينة”، قال ابن المُظفَّر: فقلت له كيف يا أخي تأكل هذا الأكل وتقر هذا القرار وأنت ترى الموت يدور والرؤوس تُقَع أمامك؟!

الرجال يُقدَّمون وتُقطَع رؤوسهم أمام هذا الشاب الذي يأكل بسكينة وتلذذ، فانتبهوا الآن وتعلَّموا الدرس، قال “فأخذ قشةً من الأرض ورفعها وأعلى يده وألقى به في الهواء وقال إلى أن تقع هذه إلى الأرض – ستقع في ثانتين أو في ثانية ونصف – مائة فرج”، قال “والله ما استتم كلمته حتى سمعنا جلبة وضجةً عظيمة وكُسِر الباب وقيل قُتِل رازوق ، قُتِل رازوق” أي أن رئيس الشرطة قُتِل ففر عجيب ولكنه قُتِل بعد ذلك على يد العامة، قال “وفررت أنا وأركضت دابتي حتى صرت على الجسر في بغداد فأحسست بأحدهم يأخذ بيدي ويضغط عليها فإذا به الشاب – كيف وصل بهذه السرعة وليس عنده دابة؟ – وقد نظر إلىّ ثم قال أرأيت حُسن ظننا بالله؟ إنه خيرٌ من ظنك بالله”، وقال “ثم أفلتني وأنا في حال ذهول – رحمة الله تعالى عليه – وغاب في الزحام”.

هؤلاء هم أولياء الله إذن، بقيَ شيئ بسيط سوف أذكره – إن شاء الله – في الخُطبة الثانية لأن الوقت أدركنا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخُطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين وصحابته الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد، إخواني وأخواتي:

بعيداً عن الصُداع الذي أحدثه علماء وفلاسفة ومُفكِّرو الغرب لأنفسهم ولنا سنتحدَّث عن فكرة أُخرى تتعلَّق بهذا الموضوع، علماً بأن هؤلاء العلماء كانوا يتوسَّلون وسيلةً يفهمون بها هذه الظواهر المُعقَّدة جداً فذهبوا مذاهب شتى وسلكوا طرائق قددا وفي نظري لم يعودوا بشيئ له وزن إلا مَن عاد منهم بالإشارة إلى غيب الله وإلى القدر، فبعضهم علماء فيزيائيون وعلماء طبيعة وليس باراسيكولوجي Parapsychology وروحانيات مثل النمساوي فولفغانغ باولي Wolfgang Pauli مُكتشِف النيوترينو Neutrino وصاحب مبدأ الإقصاء – Pauli Exclusion Principle – في علم الفيزياء الذرية، فهو عالم كبير وحصل على جائزة نوبل Nobel في سنة ألف وتسعمائة وخمس وأربعين، وهو نمساوي بل هو من رؤوس النمسا العظام جداً، هذا الرجل صال “أصلاً الإنسان ليس مخلوقاً لكي يعلم كل شيئ “، وردَّ على هيلبرت Hilbert – عالم الرياضة الشهير الألماني البروسي ديفيد هيلبرت David Hilbert – الذي ذكرته لكم وذلك لأنه قال “ينبغي أن نعلم وسوف نعلم”، لكن باولي Pauli قال “لن نعلم، فهناك مسائل أعقد بكثير”، إذن إنها مسألة الغيب والشهادة، إنها مسألة وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ۩، إذن باولي Pauli شعاره هو “لن نعلم” فضلاً عن أنه قال “لابد أن نجعل الثالوث الفيزيائي ربوعاً،فالثالوث الفيزيائي هو الزمان والمكان والسببية لكن أنا سأُضيف إليه التزامن، والتزامن يعمل تماماً ضد السببية، فهذا مبدأ ناظم لا سببي”، لكن كيفية تفسير هذا يُعَد شيئاً آخراً.

ديفيد بوم David Bohm من أكبر علماء ميكانيكا الكم في العالم وهو تلميذ وصديق لأينشتاين Einstein وهو مشهور جداً ومعروف بمرآة بوم Bohm ومن ثم يجب أن تقرأوا عنه، ديفيد بوم David Bohm عنده النظام الباطن – Implicate Order – أو الضمني ومن ثم يقول “هناك النظام الظاهر وهو الذي تُعنى به الفيزياء العادية وتدرسه الفيزياء، وهناك النظام الباطن ولابد أن تُعنى به الفيزياء إذا أرادت أن تتعمَّق وأن تفهم”، إذن لابد من الاهتمام بالظاهر والباطن، ولن أشرح لكم هذا ولكن اذهبوا واقرأوا عن النظام الباطن عند ديفيد بوم David Bohm فهو يُريد أن يقول لكم “الغيب والشهادة يتناسجان ويتصاديان – من الصدى Echo – ويتواشجان ويتعالقان ويتشاركان ويتداخلان ويتمازجان ويتزاوجان”، وهذا شيئ عجيب، والأعجب من هذا أن عند ديفيد بوم David Bohm وهو أحد كبار علماء ميكانيا الكم يُوجَد بعد النظام الباطن باطن الباطن، وبعد باطن الباطن يُوجَد ما هو فوق باطن الباطن، وهكذا العلم الصحيح يصل بأصحابه بتواضع إلى معرفة أن المسألة أعمق بكثير وأبعد بكثير وأعقد بكثير من الظاهر الذي نعلمه، قال الله يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۩، فلابد أن نفهم هذا جيداً، ولكن الآن سأختم بهذه الحكاية التي ربما سمع بعضكم أو بعضكن بها ولكن سنُوظِفها الآن توظيفاً جديداً في فهم هذه ظاهرة التوافقية أو التزامنية المُحيِّرة، تدل هذه الحكاية العجب – وإنها لمِن أعجب العجب بإطلاق – على أن المسألة قدرٌ مقدور وأمرٌ رباني، فيأذن الله أحياناً أو في بعض الأحايين لبعض خلقه من أوليائه وأصفيائه على أن يطلعوا على جزء من خطتها ويُخبِر عنها تقريراً للحق وإقراراً لليقين في صدور العارفين، وهذه القصة يرويها ولي الله أبو عليّ أحمد بن محمد الرُّوزباري – قدَّس الله سره – وهو أحد تلامذة أبي القاسم بن محمد الجُنيد ببغداد والذي خلف مولانا الإمام العارف والعالم القائم بالحق أبا الحسن – أيها الإخوة – بُنان بن الجمّال صاحب قصة الأسد الشهيرة مع أحمد بن طولون فهو ذاك الرجل الذي لم يأكله الأسد بعد أن جُوِّع ثلاثة أيام لكي يأكله، فأُدخِل عليه وإذا بالأسد يتمسَّح به ويُعامِله بلطف وكأن الأسد صار قطاً أو كلباً وديعاً، وسأل ابن طولون – قيل أنه ثمانين ألفاً وقيل ثمانية عشر ألفاً بلا سبب، فابن طولون هو مُجرِم من مُجرِمي حُكّام المسلمين – بُنان بن الجمّال: في ماذا كنت تُفكِّر يا شيخ لأنك كنت ساكناً رابط الجأش؟!

هل كنت تخاف من الأسد؟!

فاستنكر السؤال أمام الناسوقال “والله ما حيَّرني ولا أذهلني عن الأسد إلا أنني كنت أُفكِّر في اقتراب وقت صلاة الظهر وأنني كنت أُريد أن أعرف فيما لو مسَّني هذا بلعابه كيف أتطهَّر في هذا المكان”، فقال له “اذهب يا شيخ” وتركه!

على كل حال نعود إلى القصة المشهورة لشيخ مصر وإمام المصريين علماً وتُقىً وهو الشيخ أبو الحسن بُنان بن الجمّال – قدَّس الله سره – حيث يقول أبو عليّ الرُّوزباري”كنت في مجلس شيخنا الجُنيد فأتاه كتاب من أحد مشائخ ما وراء النهر يقول له فيه ولا أذاقك الله طعم نفسك”، ثم قال: وبحثت عن وجهٍ لها من المعنى فلم أقنع بشيئ، فانحدرت إلى مصر لما سمعت من نبأ الإمام أبي الحسن مع الأسد لأنني قلت أن هذا الرجل يُعَد صالحاً كبيراً وربما أسأله عن معنى هذه الجُملة فيُفسِّرها لي، وجئت إلى مصر، وذات مرة وأنا بين يديه زورت في نفسي مقالة لكي أسأله فمنعتني هيبته وإذا برجل يقول “يا إمام لي على فلان دين يُقدَّر بمائة دينار، فأنا رجل دائن ولكن أضعت الوثيقة التي تُثبِت هذا، فأخشى أن يستذله الشيطان فيجحد، فادع لي بأن أجد وثيقتي وادع الله له بالتثبيت”، فقال أبو الحسن لهذا الرجل “يا أخي أنا شيخ كبير علت سني وأشتهي الحلوى، اذهب وائتني برطلٍ منها”، قال: فتعجبت، كيف يطلب صوفي الحلوى؟!

ثم أتى الرجل بعد ساعة فقال له أبو الحسن “يا أخي أنا شيخٌ كبير وزاهد في الدُنيا، ما لي وللحلوى؟ أطعمها أولادك والوثيقة في يدك”، فقال الرجل: ماذا؟!

ثم فتح يديه فإذا بالورقة التي لُفَّت بها الحلوى هى الوثيقة، أي هى وثيقة الدين.

مَن دلّه على هذا؟!

كيف عرف هذا؟!

كيف حصل هذا؟!

كيف توافق وتزامن هذا؟!

لابد أن نعرف أن الله – تبارك وتعالى – هو فوق كل شيئ ويده في كل شيئ ولا يخرج شيئ عن مُلكه وتصريفه.

اللهم عرِّفنا بك كما عرَّفت بك عبادك العارفين ودُلّنا عليك دلالة الصادقين وألحِقنا بأوليائك المُتقين واحشرنا مع عبادك الصالحين واجعلنا من أئمة الدين والمسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اهدنا واهد بنا واكشف عنا الغُمة وأرشِد هذه الأمة إلى أرشد أمرها يا رب العالمين وأعِزها وادرأ عنها المُصيبات والنوائب والمحن وعُد بها ذكورها وإناثها إليك عوداً حميداً إنك ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وأقم الصلاة!

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (12/11/2010)

تعاليق

تعاليق الفايسبوك

عدنان إبراهيم

رؤية كل المقالات

تعليقات 3

اترك رد

  • لا شيئ صدفة في هذا الكون فكل شيئ بقدر و مقدار ما أحلى و أروع أن نسمع ما يزيد إيماننا بالله و اسمه [ المهيمن ] و معناه أي المسيطر على كل ذرات و دقائق و ذبذبات السماوات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما سبحانه جل جلاله { و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويلٌ للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار * كتابٌ أحكمت آياتهُ ثم فصلت من لدن حكيمٍ خبير }

    • عذراً أريد تصحيح تتمة الآية ليست هي { كتابٌ فصلت آياته } بل { كتابٌ أنزلناه إليك مباركٌ ليدبروا آياته و ليتذكر أولو الألباب } ثم أريد التعليق على قصة هذا الشاب الذي نجا من بين الخمسين المفسدين الذين يقتلون و ينهبون و يبغون في الأرض أليست تأخذنا هذه القصة إلى يأجوج و مأجوج المفسدين في الأرض و هذا الشاب رغم أنه كان منهم إلا أنه عمل يوماً خيراً و أسدى معروفاً لأحد الناس فلم ينس القدر له ذلك و كافأه بأن أنجاه من التردي الساحق و كان سبباً في إيمان كل قومه الذين كانوا يكبرون إذ رأوه الوحيد الناجي من بين الخمسين .. الجدير بالملاحظة أنه كان شاباً و الشباب أكثر قابلية لتغيير السلوك من الكهول و الشيوخ ثم أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء مهما كان هذا انتماؤه و مذهبه حتى لو كان من يأجوج و مأجوج فصنع المعروف بمثابة ردم ذي القرنين يقي من مصرع السوء و العواقب الوخيمة و تسلط الظلمة بأسلحتهم و آلتهم القاسية الباغية و أحكامهم التعسفية الظالمة فهو درأ كل هذا الشر بعمل [بِرٍّ ] هو بمثابة [ زبر الحديد ] الذي طلبه ذو القرنين و أحسن في تلك الخدعة التي حاكها من أجل إنقاذ ذلك الرجل أبا البنيات المسكين و كان هذا بمثابة مساواة بين الصدفين ـ إحسان الصنعة في المعروف ـ ثم أخفاها و لم يذكرها لأحد حتى ألح عليه الزعيم في ذلك ليعرف ما سره عندئذٍ فقط أفصح عن عمله و كان سبباً في زيادة الإيمان و اليقين بالله عنده كما يمكن اعتبار إيمان قومه و أخذهم العبرة من تلك المشاهدة أنه فتح ليأجوج و مأجوج { حتى إذا فتحت يأجوج و مأجوج و هم من كل حدبٍ ينسلون } حيث أن مصطلح ( يأجوج و مأجوج هو تعبير عن ظاهرة الفساد و المفسدين و عن كل جماعة في أي مكان و أي زمان تقتل و تنهب و تغتصب ) و جملة ( من كل حدبٍ ينسلون ) تشير إلى استقامتهم بعد اعوجاجهم أي هدايتهم عكس جملة { يأتين من كل فجٍ عميق } التي تدل على إتيان ذلك المكان المقدس إثرَ استقامة فالفج يختلف بمعناه عن الحدب إذ أن الحدب هو العوج و القرآن لم يجعل الله له عوجا أي لا سبيل للمعوجين إليه ولا للأخذ من بركاته و كذلك الحجاج يأتون الكعبة بعد هداية و إيمان …. فكل حقبة من الزمن لها يأجوجها و مأجوجها و هل ينكر أحد أن التتار كانوا يأجوج و مأجوج زمانهم و أنهم فعلاً بعد كل أفاعيلهم أسلموا و حسن إسلامهم فكانوا من كل حدبٍ ـ اعوجاج ـ ينسلون ـ أي يتحول اعوجاجهم لاستقامة ـ اللهم أرنا فتحاً ليأجوج و مأجوج زماننا هذا كما فتحت خيبر و فتحت الشام و فتحت كل البلاد بهذا الدين و القرآن العظيم .الذي فيه حل كل المعضلات المستعصيات. و ببركات كل صانعي المعروف المخلصين لوجهه سبحانه و تعالى الذي يتلاشى أمام رحمته و الخير الذي بيده كل شر و كل ظلم و كل سوء …

      أصول لأقوال الرسول
      قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : : : [ المؤمن القوي خيرٌ و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ]
      أصل هذا الحديث من القرآن هو الآية الكريمة :

    • أريد أولاً تصحيح تتمة الآية فهي ليست { كتابٌ أحكمت آياته ثم فصلت } بل { كتابٌ أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته و ليتذكر أولو الألباب } ثانياً أريد التعليق على قصة هذا الشاب رغم أنه كان من القوم المفسدين المجرمين إلا أنه عمل يوماً خيراً و أسدى معروفاً لأحد الناس فلم ينس القدر له ذلك و كافأه بأن أنجاه من التردي الساحق و كان سبباً في إيمان كل قومه الذين كانوا يكبرون إذ رأوه الوحيد الناجي من بين الخمسين .. الجدير بالملاحظة أنه كان شاباً و الشباب أكثر قابلية لتغيير السلوك من الكهول و الشيوخ ثم أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء مهما كان هذا انتماؤه و مذهبه و قد سرح بي خيالي بهذه القصة إلى سورة الكهف و يأجوج و مأجوج الذين كان شأنهم كشأن هؤلاء الباطنية المعتدين على الناس و أموالهم و أعراضهم ، فإحسان الشاب تلك الخديعة و حبكتها لإنقاذ الرجل أبا البنات هو [ بر ] بمثابة [ زبر الحديد ] الذي طلبه ذو القرنين ليساوي به بين الصدفين ، و إخفاء هذا العمل بينه و بين ربه بمثابة إفراغ القطر على ذلك الزبر و بذلك صار هذا العمل يقي من مصرع السوء و العواقب الوخيمة و تسلط الظلمة بأسلحتهم و آلتهم القاسية الباغية و أحكامهم التعسفية الجائرة فهذا بمثابة التعبير القرآني { فما اسطاعوا أن يظهروه و ما استطاعوا له نقبا } أي بهذا البرّ الحسن جعل وقاية بينه و بينهم لا تُخدَش و لا تُنتهَك البتة فهي صلبة متينة لآخر حد كما يمكن اعتبار إيمان قومه و أخذهم العبرة من مشاهدة نجاته من بين الخمسين و تكبيرهم فتحاً ليأجوج و مأجوج { حتى إذا فتحت يأجوج و مأجوج و هم من كل حدبٍ ينسلون } حيث أن مصطلح ( يأجوج و مأجوج ) هو تعبير عن ظاهرة الفساد و المفسدين و عن كل جماعة في أي مكان و أي زمان تقتل و تنهب و تغتصب و جملة ( من كل حدبٍ ينسلون ) تشير إلى استقامتهم بعد اعوجاجهم أي هدايتهم عكس جملة { يأتين من كل فجٍ عميق } التي تدل على إتيان ذلك المكان المقدس إثرَ استقامة فالفج يختلف بمعناه عن الحدب إذ أن الحدب هو العوج و القرآن لم يجعل الله له عوجا أي لا سبيل للمعوجين إليه ولا للأخذ من بركاته و كذلك الحجاج يأتون الكعبة بعد هداية و إيمان …. فالتتار كانوا يأجوج و مأجوج زمانهم و هم أسلموا في النهاية ـ نسلوا من كل حدب ـ اللهم أرنا فتحاً ليأجوج و مأجوج زماننا هذا كما فتحت خيبر و فتحت كل البلاد بهذا الدين و القرآن العظيم الذي فيه حل أصعب المعضلات المستعصية بإذن من بيده الخير و رحمته وسعت كل شيئ حتى أن كل الشرور لتتلاشى أ مهما علت أمواجها و تأججت نيرانها أمام تلك الرحمة الغامرة و الخير العميم ……..

%d مدونون معجبون بهذه: