الرئيسية / التفريغات النصية / الابتلاء جوهر العبودية

الابتلاء جوهر العبودية

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيه، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سُبحانه وتعالى – في كتابه العظيم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

وَالْفَجْرِ ۩ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ۩ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ۩ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ۩ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ۩ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۩ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۩ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ۩ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ۩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ۩ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ۩ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۩ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ۩ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ۩ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۩ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۩ كَلاَّ بَل لّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۩ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۩ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَّمًّا ۩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ۩ كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ۩ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ۩ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ۩ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ۩ فَيَوْمَئِذٍ لّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ۩ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ۩ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۩ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۩ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.

أيها الإخوة الأحباب، أيتها الأخوات الفاضلات:

فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۩، أوتيت المال والزوجة الصالحة والأولاد الكثيرين المُبارَكين الناجحين، وأوتيت القوة والجمال والعمر المديد والحيثية والمكانة والمثابة في المُجتمَع وبين الناس، وأوتيت… وأوتيت… لا جرم أنني من عباد الله المُنتخَبين، أنني من خِلصانه المُقرَّبين، ولو لم أكن من مُنتخَبيه وخِلصان عباده ما أغدق علىّ وما أسبغ علىّ هذه النعم الكثيرة.

وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ۩، أي ضيَّقه، فصار رزقه مُضيَّقاً مُقتَّراً عليه فيه، والهاء في قوله رِزْقَهُ ۩ إما عائدة إلى الإنسان، من باب إضافة المصدر إلى المفعول، وإما عائدة إلى رب الإنسان، إلى الله – تبارك وتعالى -، من باب إضافة المصدر إلى فاعله، الله يُقدِّر ويُقتِّر الرزق الذي يرزق به عباده، فتعود هنا على الله، تعود إلى الله أو تعود إلى الإنسان، وجهان مشهوران في التفسير.

فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۩، عاملني بالإهانة وبالهون، أنا عبد مهين، لأن حظي مبخوس قليل من النعم، نهى الله – تبارك وتعالى – عن هذا المنطق الجاهل، وهو عموماً منطق الكفرة، لكن يتلبَّس ويقع فيه أنفار بل جماعات من المُؤمِنين والمُؤمِنات، يظنون أن علامة كرامة العبد عند الله – تبارك وتعالى – أن تُسبَغ عليه النعم أو تُغدَق عليه النعم السوابغ، فإذن هو عبد كريم، مرضي العمل عند الله – تبارك وتعالى -، كريم المنزلة والمثابة، وإن كان العكس فهو عبد مهين، عبد مرذول، عبد ساقط الرُتبة، ممحوق البركة.

نهى الله عند هذا المنطق الجاهل والمنطق الكافر بقوله كَلاَّ ۩، لا تقولوا هذا، ليس صحيحاً هذا، ليس صحيحاً على إطلاقه، نعم! قد يكون المرء مُؤمِناً صالحاً ويكون مُوسَّعاً عليه في دنياه، لا تناقض، وقد يكون مُؤمِناً صالحاً كريماً نبيلاً وضُيِّق عليه في دنياه، في رزقه، في مكانته، وفي أشياء كثيرة، وليس بالضرورة كل عظيم في الدنيا يكون عظيماً في الآخرة، وعظماء الآخرة ليسوا بالضرورة هم عظماء الدنيا، الحال الأغلبي أن هذه المسائل تنقلب رأساً على عقب، وسوف يُبيِّن الله لنا – تبارك وتعالى – ذلك يوم القيامة بياناً لا امتراء معه ولا شك، لكن على العاقل أن يفقه هذه المعاني وأن يحذقها في الدنيا قبل الآخرة، هذا منطق القرآن الكريم، قال كَلاَّ ۩، ثم أضرب إضراباً انتقالياً كما يقول علماء البلاغة، فقال بَل لّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۩، ما سر هذا الإضراب؟ هذا إضراب انتقالي، كأنه يقول وهناك ما هو أقبح وأشنع من هذا المنطق ومن هذا الفهم، أنكم لا تُكرِمون مَن ذُكِر، ولا تحاضون على طعامهم، هذا إضراب انتقالي.

أيها الإخوة:

الله – تبارك وتعالى – في غير آية من كتابه العزيز بيَّن أن من ضمن مقاصده في إنشاء هذه الخليقة أن يبتليها، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۩، إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا ۩… لماذا؟ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ۩، أي قَاعًا صَفْصَفًا ۩، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۩، قال لِيَبْلُوَكُمْ ۩، عجيب! إذن هذه الخليقة كانت لأجل هذا الغرض ولأجل هذه الغاية ولأجل هذا المقصد، وهو أن يبلوها، فكيف قال في آية أُخرى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۩؟ مرة قال لعبادتي ومرة قال لابتلائي! لا تناقض، لأنه يبتليهم بالعبادة، يبتليهم بعبوديته، وعبوديته جوهرها التسليم له – لا إله إلا هو -، هذا معنى العبودية، التسليم والخضوع له.

في الخُطبة السابقة بيَّنا أن جوهر الإيمان شيئ يتعدى مُجرَّد ومحض وبسيط التسليم بحقيقة موضوعية خارجية: الله موجود والله عظيم وكريم وفاعل، ليس هذا الإيمان وحده، هذا زائد ماذا؟ الفعل الباطن، إرادة العبد المُؤمِن أن يخضع لهذا المعنى، أن يخضع لهذه الحقيقة، أن يستسلم@، الإيمان يتغذى على مثل هذا الاعتقاد وعلى مثل ذلكم الخضوع والاستسلام والعشق والمحبة والإجلال والتوقير، هذا هو! والإجلال والتوقير والتقدير، هذا جوهر الإيمان، وهذه حقيقة الإيمان، وليس مُجرَّد التسليم بحقيقة خارجية موضوعية: الله موجود، الله كريم، والله عظيم، ليس هذا الإيمان، حتى الكفّار بعضهم يعرف هذه الحقيقة، نعم! يُقِر أن الله موجود، لكنه لا يُحِب الله، ولا يخشاه، ولا يرجو له وقاراً، ولا يخضع لأمره، ويعتا عن أمره، ويتنكَّب طريقه وسبيله، أليس كذلك؟ هذا هو.

إذن أيها الإخوة نُريد أن نُواصِل الحديث في هذه المعاني بعُمق زائد يتصل اليوم بسر هذا الابتلاء العظيم، الذي خُلِقت وبُريت أو بُرئت هذه البرية والخليقة لأجله، لأجله! إذن جوهر العبودية كامن في الاختبار، كامن في الابتلاء، وهو افتعال من البلاء، ابتلاء افتعال كما يقول الصرفيون من البلاء، وهو الاختبار، اختبار! لكن اختبارات الله – تبارك وتعالى – تأتي على نحو مُخالِف لاختبارات البشر بعضهم بعضاً، أي بعضهم لبعض، تختلف!

أولاً اختبارات الله في أحايين كثيرة لا تكون بمثل ذلكم وذلكن الوضوح، لا تكون واضحة تماماً هكذا، كأنها مشهد مسرحي مقروء ومكتوب، لا! لابد أن تُفهَم بالوتيرة الخاصة، ولذلك مُعظَم الناس لا يفهمون أنهم مُبتلون مُختبَرون، ويعيشون اختباراً مُستداماً، اختباراً دائماً! ليس فقط عندما يأخذ الله أحبابهم وأوداءهم، أو عندما يكرثهم في أموالهم، أو عندما يرسبون في بعض اختبارات النجاح والإنجاز الدنيوي، ليس هذا الاختبار فقط، هذه صور ظاهرة وباردة خشنة من صور الاختبار.

مع كل نفس نحن نعيش الاختبار الإلهي، من أجل هذا خُلِقنا! في السراء والضراء نُختبَر، في الظاهر والباطن، في الخلاء والملاء، وفي الكبر والصغر، دائماً نُبتلى، فعلينا أن نُفكِّك رموز الرسائل الإلهية، حين تُدفَع ورقة الامتحان إلى المُمتحَن أول ما يعمد إليه أنه يُدقِّق ويُنعِم النظر جيداً ليفهم معنى السؤال ومغزاه، قبل أن تُجيب عليك أن تفهم السؤال، مُستحيل غير هذا، قبل أن تُجيب عليك أن تفهم السؤال، عليك أن تفهم المطروح عليك من روزنة القدر في ساحة التكليف، في ساحة الابتلاء! طُرِح شيئ، وكل ساعة يُطرَح، مع كل نفس تُطرَح عليك أشياء.

علينا أن نفهم هذه اللُغة الإلهية، أن نقرأ هذا السؤال جيداً، لكي نستجيب الاستجابة التي يُريد الله – تبارك وتعالى -، ولتتكامل بها شخصيتنا الإيمانية، شخصيتنا الروحية، بالجواب الصحيح بإذن الله – تبارك وتعالى – وتوفيقه وتسديده وتأييده، لا غير!

ولذلك القرآن الكريم يُعلِّمنا أن الله – تبارك وتعالى – وسائله في البيان والتبيين تعز على الإحصاء والعد، لا يُمكِن أن تُعَد، انتبهوا! ليس فقط أنه يُبيِّن لنا بالآيات في القرآن، وهذا بيان واضح وعظيم جداً، وليس كل الناس يفهمه أيضاً للأسف الشديد، ولكن يُبيِّن بأي شيئ، البيان والتبيين اسم كتاب الجاحظ، البيان والتبيين! الإنسان يُبيِّن صوتياً باللُغة، حين يُصوِّت باللُغة، هناك الأصوات المبكومة، يُبيِّن بحركات رأسه أو بدنه، فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۩، بيان! يحتقرون بماذا؟ بإنغاض الرؤوس، فنوع من البيان هذا، يُبيِّن بالفسيونومي Physiognomy الخاص بالوجه، بملامح الوجه! هناك الــ Physiognomics، بملامح الوجه يُبيِّن، فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۩، السيما! هناك الــ Physiognomics، هناك الفسيونومي Physiognomy الخاص بالإنسان، يظهر! تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا ۩، نعم! تعرف في وجوهم المنكر، دون أن يتكلَّموا، دون أن يُحرِّكوا حتى، لكن تفهم، هذا بيان!

يُبيِّن الإنسان بالكتابة، بما يكتبه، بما يرسمه، وبما ينحته، كل هذه وسائل بيان، لكن الله – تبارك وتعالى – ماذا عنه؟ فالإنسان مُتوسِّع بل شك، أكثر الخليقة أو أكثر كائن مخلوق يُبيِّن هو الإنسان، أكثر من غيره، الملائكة لا تنحت ولا ترسم ولا تتعاطى هذه الأساليب، ولا الجن، ولا الحيوانات، الإنسان! لكن أكثر من الإنسان بما لا قياس أو كما لا قياس بين التراب وبين رب الأرباب رب العالمين, فهو يُبيِّن بكل شيئ، يأخذ أي شيئ من حيز الكون ويُبيِّن به، هذا بيان! حوادث طبيعية، كوارث، زلازل، فيضانات، طوفانات، إعصارات، أو أي شيئ – مثلاً -، هذا بيان، قُرى ومدن تُدمَّر، حضارات تدثر وتطمس، هذا بيان! قال وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۩، قال وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۩، وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ۩، بيان – قال – هذا، أُبيِّن، هذا بيان، لُغة! هذه لُغة إلهية، هذا الحدث الكوني جُملة إلهية، جُملة عليك أن تقرأها، مَن يقرأها؟ لا يقرأها إلا المُؤمِن، وهذا نوع من السيميولوجي Semiology، من علم العلامات، لا يحذقه ولا يعرفه ولا ترسخ قدمه به إلا المُؤمِن، فالكافر لا يفهم هذا.

يقول – عليه الصلاة وأفضل السلام – في الحديث الجليل الذي أخرجه الإمام أبو داود، يقول إن المُؤمِن إذا مرض ثم أُعفيَ – أي أبل ونقه – كان ذلك كفّارة لما مضى من ذنوبه، وعبرة فيما يستقبل، أي من أيامه وكوائن دهره، عبرة وعظة، الحمد لله، المرض كفّارة.

المرض يجعلني أعود إلى الله – تبارك وتعالى – بالتوبة والتطامن والضعف، المرض يجعلني أسأل نفسي من أين أوتيت؟ لماذا ابتُليت بهذا المرض؟ نعم! أولاً لعله كفّارة عن ذنوبي، لابد أن أعود عن ذنوبي، لماذا ابتُليت في أهلي أو في ولدي أو في علمي أو في مالي أو في عملي وشغلي؟ لماذا؟ انتبه، وانظر من أين أوتيت، لا تكن كالكافر وكالفاجر وكالبعير، الله يقول كالبعير، لا يفهمون شيئاً، يبدأ فقط يسخط على القدر وعلى الناس، ويُلقي بالعتب والملامة على الآخرين، أما هو فهو المُبرأ المصون، غلط! لا تتصرَّف هكذا، أول ما تلوم لُم نفسك، أول ما تعتب اعتب على نفسك، هكذا!

قال كان كفّارة لما مضى من ذنوبه، وعبرة فيما يستقبل، وأما المُنافِق – يقول عليه الصلاة وأفضل السلام – فإنه إذا مرض ثم أُعفيَ كان كالبعير، عقله أهله، ثم أرسلوه – أي حلوه، ربطوه ثم حلوه -، لم يدر لم عقلوه، ولم يدر لم أرسلوه، بعير! أي بهيمة – أكرمكم الله وأعزكن الله -، بهيمة! بعض الناس يعيش ويموت كالبهيمة، لا يفهم! لا يفهم هذه السيمياء الإلهية الخاصة، لا يستطيع أن يفهم البيان الإلهي، البيان الإلهي ليس فقط القرآن، وإنما القرآن زائد كل ما ذُكِر، كل شيئ الله يتخذه وسيلة للبيان.

هناك المُعجِزات، خرق المُعتاد، خرق العادة كما يُقال، المُعجِزات خرق للعادة، وليست خرقاً لقانون، وإنما خرق للعادة، المُعجِزات هي آيات بيّنات، الله قال إنه آتى عيسى بن مريم البيّنات وأيَّده بروح القدس، وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۩، قال الْبَيِّنَاتِ ۩، ما هي؟ المُعجِزات، عجيبة جداً، يُحيي الموتى، يُبرئ الأكمه والأبرص، إلى آخر بيّناته، سماها بيّنات، قال أُبيِّن، أُبيِّن بها للناس، فهذا بيان، كالآيات التي أُنزِلت عليه، فهي بيان، وهذا بيان أيضاً، فهذه المعاجز والخوارق والأمور النادة عن المألوف والمُعتاد هي بيّنات أيضاً، يُبيِّن بها الله – تبارك وتعالى -.

الخلق الإلهي كيف يبدأ؟ وكيف يسير؟ وكيف يتكامل؟ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۩، قال بيان، أُبيِّنه بهذا، الله أكبر! لُغة – قال – هذه، مَن يفهمها؟! مَن يفهمها؟! يفهمها الطبيب، وأكثر من الطبيب مَن تعمَّق في درس الإمبريولوجي Embryology أو علم الأجنة، يفهمها جيداً، يفهم هذه اللُغة الإلهية، يفهم كتاب الله المكتوب بأبجدية علم الأجنة، قال لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۩، قال هذا بيان، أنا أُبيِّن، أنا أتكلَّم، أتكلَّم بخلق ما، بهذا الخلق، أخلق وأتكلَّم به.

ولذلك الله – تبارك وتعالى – أكرم من أن يُخلينا ويتركنا بغير أن يُكلِّمنا ويُبيِّن لنا، هو كلَّم النبيين، عبر سفيره، أي جبريل – عليه السلام -، المُرسَل بكلامه، وهو أيضاً يُكلِّمنا، لكن لا عبر جبريل، عبر كل شيئ في الكون، كما كلَّم الأنبياء، لكن عبر كل شيئ، كل شيئ هو بيان إلهي، عليك أن تفهمه، وعليك أن تفك شيفرته، أي الكود Code الخاص به، الشيفرة! هذه غايته، وكلما ارتقيت في درج وفي مقام وسلم العرفان من الله والقُربان لديه – تبارك وتعالى – كلما حذقت هذه اللُغة، تُصبِح مُترجِماً دقيقاً جداً لهذه اللُغة، تُترجِم لُغة الله وكلامه ووحيه إلى الناس، وكذلك إلى نفسك، تُترجِم لنفسك وإلى نفسك وتفهم وتسلك جيداً.

وَأَوْحَى رَبُّكَ إلَى النَّحْلِ ۩، لسنا أحقر من النحل، بلا شك نحن أكرم من النحل، هو أوحى إلينا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ۩، الأرض هذه، الجماد! أوحى الله إليها، فهو يُوحي إلينا كما أوحى إلى أم موسى – مثلاً -، لا يزال مُتصِلاً بنا، لا إله إلا هو! لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۩، كما أوحى إلى أم موسى، وهي ليست نبية ولا رسولة، ولكن يُوحي إليها.

يقول مولانا الرومي أوحى إلى النحل فامتلأت خلاياها عسلاً، فإذا أوحى إلينا فبماذا تمتلك خلايانا؟! النحل حقير صغير، ملأ خلاياه عسلاً وشمعاً، ليُضيء ظلام الليالي ويُحلي مرائر الإيام، فإذا فهم العبد وحي الله إليه وقرأ بيانه وفك رموز لُغته امتلأ العالم أمناً واستقراراً، تُصبِح الخارطة واضحة والطريق لائحة والمحجة بادية، تماماً! لا يذوب عنها إلا هالك، ويأمن المُؤمِن.

هناك القصة التي حكيتها لكم في الخُطبة السابقة، قصة موسى – عليه السلام – مع الراعي الذي تكلَّم بكلام لا يليق بمقام الإلهية والربوبية، فكهره موسى ونهره، فمزَّق ثوبه، ويمم الصحراء، ينوح على نفسه، هائماً على وجهه، وعتب الله على موسى، أبغض الحلال عندي يا موسى الطلاق، وأنت فصمت بيني وبين عبدي الصالح، عبَّر بلساني، أصلِح ما أفسدت، فأدركه موسى، ثم قال له أي عبد الله، يفعل الله ما يشاء، خاطب الله وكلِّمه وناجه باللُغة التي تُريد دونما تكلف، إن إيمانك أيها العبد أحل في العالم الأمان، هنا تبلغ القصة ذروتها، إن إيمانك أيها العبد أحل في العالم الأمان!

من عجيب لا أقول لُغة العرب – هذا ليس صنيعة اللُغة وليس صُنع اللُغة – وإنما من عجيب كتاب الله ومن عجيب ألفاظ القرآن العظيم أنها انتخبت من مُعجَم اللُغة ومن متن اللُغة وهو متن مُتسِع جداً وغني ثري خصيب جداً كلمة الإيمان، لتدل على ما تعلمون، أي الإيمان، كان يُمكِن لله أن ينتخب أي كلمة أُخرى من مئات الكلمات تدل على المعنى، كلمة إيمان! لماذا الإيمان؟ لأن الإيمان جذره هو جذر الأمن، الإيمان والأمن، ليس المُؤمِنون فقط هم الذين يأمنون يوم القيامة، أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ۩، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ۩، هؤلاء لهم الأمن وهم مُهتَدون في الدنيا وفي الآخرة، عجيب! الأمن والإيمان، أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ۩، ومن أسماء الله المُؤمِن، يُعطيك الأمن ويُعطيك الإيمان، يهبك الإيمان، فإذا وهبك الإيمان وهبك الأمن، وبلا إيمان لا أمن.

وهنا تلتقي عبقرية الفطرة الإنسانية وعبقرية الفكر الخصيب والفكر المُستبصِر من بين عشرات – لن أقول المئات، على الأقل أنا وقفت أنا العبد الفقير على عشرات – التعريفات لكلمة دين في مُختلَف الفلسفات شرقاً وغرباً، عشرات التعريفات! من أعجبها وآنسها قول الفيلسوف المُهندِس النمساوي لودفيج فيتجنشتاين Ludwig Wittgenstein، وقد ذكرته في الخُطبة السابقة – سُبحان الله – عرضاً، يقول الدين عبارة عن الشعور بالأمن في العالم، مُباشَرةً! ما هو الدين؟ الدين هو الشعور بالامن، أي الــ Sicherheit أو الــ Security – في العالم، بلا دين لا يُمكِن أن تشعر بالأمن في العالم، نعم!

ولذلك إذا رأيت مَن يدّعي أنه مُتدين بدين ما، ثم هو مُتشائم، كاره لنفسه، كاره لحظه وبخته كما نقول، مُتوجِّس من العالم، من الأحياء والأشياء، فاعلم أن الرجل منقوص الإيمان، حتماً! لا نقاش، منقوص الإيمان أو مُختَل أو مُعتَل أو مُشوَّش أوغير واضح أو خليط الإيمان، أي إيمان مع شك، إيمان مع كفر، وإيمان مع تيه وحيرة وضلال، ليس المُؤمِن الآمن، المُؤمِن الكامل هو المُؤمِن الآمن، المُؤمِن السائر في صراط الهداية هو السائر بأمان، أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ۩.

قال فيتجنشتاين Wittgenstein الدين هو الشعور بالأمن في العالم، عجبي إذن لكتاب الله – تبارك وتعالى – الذي جعل الإيمان مُشتَقاً من نفس الجذر الذي اشتُق منه الامن، وجمع بينهما في سورة الأنعام في الآية التي تلوت إلى الآن مرتين أو ثلاث مرار، أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ۩، لماذا؟ وهذا أيضاً له علاقة بجوهر الابتلاء، المُؤمِن إزاء ما تطرحه الغيوب من صنوف وألوان وضروب الابتلاءات يبقى دائماً ساكناً وادعاً مُستلسِماً خاضعاً لأمر الله، حتى وإن كان ذلك على النحو الآتي، وهذا أعظم ما يُمكِن أن تتصوَّره قريحة بشرية، أعظم بكثير من أن تمد عُنقك أنت للموت وللذبح، أعظم من هذا بكثير، وهذا معروف، كل أب وكل أم يعرفان أو يعرف وتعرف أنه أصعب بكثير، أن تفعل هذا بيدك، بابنك وحيدك بكرك، الذي آتاك وقد نيفت على التسعين، على حين فترة يأس وقنوط، قال فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ ۩، يئس إبراهيم، من أين له ولد؟ قال سنُعطيك الولد، الحليم العليم قال هذا، وسننبئه، سيُصبِح نبياً مُخلَصاً من أنبيائنا المُرسَلين، شيئ عجيب! لكن هنا يأتي مكر الله الذي لا يأمنه إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ۩، اذبحه يا إبراهيم، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ۩، فرح به، صار له رونق وبهاء وفهم وإدراك ولون عون لأبيه وتسلية في وحشته ووحدته، قال هذا اذبحه، قال لله نعم، يا حياهلاً، صدع لأمر ربه مُباشَرةً، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ۩، لا يُريد أن يرى وجهه وعينيه تُحدِّقان فيه، العينين الكريمتين الصادقتين المُحِبتين العاشقتين لإبراهيم ورب إبراهيم، عيني نبي المُستقبَل ومُخلَصه إسماعيل، قال وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ۩ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ۩ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ۩ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ۩، الله يقول هذا البلاء المُبين، لكن ليس ذبح إبراهيم.

ولذلك لماذا نتهوَّك؟ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ۩، الفاعل هو رَبُّهُ ۩، الرب هو الذي ابتلى إبراهيم، لأنه مفعول به، فعل الابتلاء، وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ۩، هل قال كلمات؟ لا! الكلمات هي صورة للابتلاءات التي تعاقبت على إبراهيم وكان أعظمها أمر الله إياه بذبح ابنه وحيده بكره، فهذا أعظم ما ابتُليَ به إبراهيم، ومن قبل ذلك إلقاؤه في النار، وهو أهون من هذا، لم يكن بلاءً مُبيناً، هذا البلاء المُبين، أما إلقاؤه في النار فليس بلاءً مُبيناً، كثيرون الآن – ما شاء الله – مَن يُفجِّرون أنفسهم، هناك أُناس عندهم هذا الإيمان، لكن أن تذبح وحيدك وأنت قد نيفت على التسعين ولا ولد لك غيره فهذا شيئ صعب جداً جداً، شيئ مُستحيل! قال أفعلها أنا.

لذلك أحد الحكماء قال مَن هو الله؟ ليس بالسهولة أن تتكلَّم عن الله وأن تُعرِّف الله كما قلنا في الخُطبة السابقة، لا! ليس بالسهولة، شيئ صعب جداً جداً، مَن هو الله؟ هذا فيلسوف كبير، قال الله في نظري هو الذي يُضحى كل شيئ من أجله، فانظر ما الذي تضحي كل شيئ من أجله؟ فهو إلهك، هنا الحديث عن الله باللحاظ المفهومي أو باللحاظ الماصدقي؟ أي هل الحديث عن الله في ذاته كما هو؟ لا طبعاً، أعوذ بالله، وإنما الله عندي، الله الخاص بي، خاصتي، إلهي، وكذلك الله الخاص بك، أي خاصتك، إلهك أنت، الله لديك وعندك، اسمه هذا اللحاظ المفهومي، أي كيف تفهم الله أنت؟ ليس الله كما هو، الله كما هو لا يعرفه إلا هو، طبعاً أعني لا يعرفه حق معرفته إلا هو، ولا يُقدِّره حق قدره إلا هو كما قلنا قي الخُطبة السابقة.

ولذلك انتبهوا، ليست هذه النهاية، النهاية أن بعض الناس يُضحي كل شيئ من أجل المال، المال إلهه، الله الخاص به هو المال، ليس الله خالق السماوات والأرض، كلا! وهو مُسلِم، وقد يكون بلحية طويلة، وكذّاب! أنا قلت مرة الآتي في خُطبة، ولست نادماً، كلامي كان في الصميم ويلتقي مع هذا الكلام تماماً، يلتقي! يتقاطع ولا يقطع مع كلام هذا الفيلسوف الحكيم تماماً، قلت مرة والله إن الله – تبارك وتعالى – لا يُساوي عند بعض المُسلِمين أكثر من خمسين يورو، وأنا أقول هذا وأُقسِم عليه في منبر رسول الله، لماذا؟ لأن الذي يكون مُستعِداً أن يحلف باسم الله كاذباً ويقول والله العظيم أو وكلمات الله لقد حصل كذا وكذا وإن هذا لي وليس له وهو يعلم أنه كاذب من أجل أن يتغوَّل خمسين يورو، هذا الله لا يُساوي عنده خمسين يورو، افهموا جيداً، المسألة ليست لعباً، يأتي ليلعب ثم يقول هذه يمين وسأُكفِّر، ستُكفِّر عن ماذا يا كافر؟ أنت شاقٍ بالله، أنت لم تفهم، وهو ليس كافراً، والله شرط أن يكون كافراً، هل تعرفون لماذا؟ لأنه لا يكون كافراً إلا بالله إن عرفه على الأقل لون معرفة، هذا لم يعرف الله أصلاً، الله الحق المُبين – لا إله إلا هو – هو الذي يُضحي إبراهيم ابنه وحيده من أجله، وهو يعلم أن لا فائدة لله، الله ليس له حاجة سواء ضحيت ابنك أو لم تُضح ابنك، لكنه بخع لأمر الله، هذا هو! وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ۩، من هناك كان إبراهيم خليل الرحمن وحبيب الرحمن، حبيبه جداً وخليله، نعم! أما هذا الذي يحلف باسم الله وبكلمات الله على القرآن العظيم، يحلف مائة يمين من أجل خمسين يورو، فهو كذّاب! والله لا يُساوي الله عنده خمسين يورو، والله الذي لا إله إلا هو لا يُساوي الله عنده خمسين يورو، افهم! افهم نفسك، افهم إيمانك، افهم كيف أنت.

انظر، لو كنت مُؤمِناً صادقاً وارتكبت جريمة جزاؤها الإعدام – أي قطع رقبتك – وأُرِدت بعد ذلك على أن تحلف يميناً مُعظَّمة أنك ما فعلت، أنا أقول لك صدِّقني، إيمانك الصادق سيجعلك تقول لا، مُتأسِّف جداً، سامحوني، أنا مُجرِم بالأمس، تائب اليوم، أنا فعلتها، أعدموني، لن أحلف بالله كاذباً، الله أجل من ذلك يا جماعة، أجل من ذلك وأعظم عند مَن عرف الله لون معرفة، هذا ليس لعباً، هذه ليست لعبة، هذا الإيمان بالذات، وقد تحدَّثنا عن الإيمان، هذا الذي صنع الصحابة.

يروي الإمام مالك – رحمة الله تعالى عليه، الإمام مالك بن أنس، مُؤسِّس المذهب، إمام دار الهجرة – في كتابه العظيم الموطأ، يروي عن أبي طلحة الأنصاري – صاحب رسول الله، وكان فارساً، النبي يقول أبو طلحة كتبية وحده، كتيبة! يعرف أنه مُؤمِن تقي ورع، عميق المعرفة بالله تبارك وتعالى – أنه كان يُصلي في بُستان له، أي في حديقة، حديقة فيها من أنواع الثمار والأشجار والنخيل والكروم، كان يُصلي في بُستان له، وهو بُستان عظيم، والصحابة كانوا فقراء، أي أكثرهم، لكن هذا الرجل كان من أغنياء الصحابة، وله يد عالية – ما شاء الله – بعطائه، تصدَّق أيضاً ببُستان آخر له، أليس كذلك؟ وهناك أبو الدحداح، كَمْ مِنْ عِذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ! أما هذا فهو أبو طلحة، المُهِم أنه كان يُصلي، فطار دُبسي، والدُبسي هو نوع من الطيور أشبه باليمامة، أي هذه الحيوانة الكبيرة البرية، دُبسي! فطار الدُبسي، وجعل يتردد ليلتمس مخرجاً، يُريد أن يخرج من مكان، علق في داخل البُستان، فأعجب ذلكم أبا طلحة، فجعل وهو يُصلي يُتبِعه بصره، يُصلي وبصره يرمق العصفور هذا، أي الدُبسي، أين يذهب؟! أعجبه ذلك، جميل! منظر إلهي جميل، ثم عاد إلى صلاته، أي إلى الخشوع والإخبات، لا أنه قطع الصلاة، لكن هو حصل له التفات – التفات في العين وفي القلب – وهو يُصلي.

ولا يُدري كم صلى، قال ركعت وسجدت ولم أدر كم، ثم أقبل على نفسه فقال لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، قال ابتلاء هذا، اختبار! لأنه قرأ، انظر إلى هذا، قرأ البيان الإلهي، هذه جُملة إلهية (على السريع هكذا أو على الماشي) كما يُقال، قرأها أبو طلحة، تَلميذ محمد هذا، ليس كمَن يحلف مائة يمين على خمسين يورو، انتبهوا! انتبهوا إلى هذا، يجب أن نفهم هذا جيداً وأن نقول هذا بشكل واضح لأنفسنا وللآخرين، بشكل واضح! حتى لا يُصبِح الإيمان ألعوبة وشيئاً سخيفاً مُبتذَلاً لا يبعث على أي شيئ له معنى في حياته، يبعث على السخافات أحياناً، أي الإيمان للأسف.

فأتى النبي – عليه الصلاة وأفضل السلام -، وقال يا رسول الله لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، وقص عليه القصة، ثم قال يا رسول الله هو لله صدقة، ضعه حيث شئت، تخلى عن البُستان، وليس عن مائة يورو أو ألف يورو أو حتى عشرة آلاف يورو، أكيد ثمن البُستان أكثر بكثير من ألف ألف يورو، في زمانهم كان أكثر من هذا بكثير، ربما يصل ثمنه إلى مليون أو مليوني يورو، هناك أُناس فقراء و(غلابة) ومساكين، فقال لا أُريد البُستان، صلاتي أعظم وكذا إقبالي على الله، الله هو كل شيئ، انتبهوا!

ضحى البُستان من أجل أنه فقد شيئاً من الخشوع ربما في مُدة ركعة أو ركعة ونصف، لكن نحن اليوم إزاء أي فتنة نزل، شاب عزب يرى فتاة جميلة تُراوده فيستجيب، يا ما شاء الله، يا ما شاء الله! شيئ طيب والله، ويُصلي الجُمعة والجماعات ويدعو الله، ما هذا؟ وطبعاً نقول له صل صل صل صل، وعسى أن تنتفع ببعض ما تسمع، صل وتعلَّم كيف تعرف ربك، أنت مسكين، نسأل الله ألا تلقى الله وأنت على هذه الحالة، انتبه! انتبه لنفسك.

إن يعرض له شيئ من مال يتغوَّله، فلا أحد يرى، وأين ذهب الذي لا تخفى عليه خافية؟ ما هذا؟ وهو يُصلي، ويحفظ القرآن أيضاً، ومن المُمكِن أن يؤم الناس، هذا هو! يبيع الحق، شهادة الحق يبيعها بثمن بخس، وأنا قلت هذا مائة مرة على المنبر، يُمكِن أن يكون الثمن هو فنجان قهوة، يكون جالساً مع أُناس في جلسة أو في (ونسة) كما يقول إخواننا السوريون لكي (يتونس) معهم، وبعد ذلك يُريد أن يشرب معهم قهوة، لكنهم تكلَّموا في قضية، فظلموا الحق والحقيقة، فسايرهم من أجل أن يسعد بفنجان قهوة، أف لك وتف إلى يوم الدين، أين الرجولة؟ أين الإنسانية فيك؟ هل أنت مُسلِم؟ هل أنت رجل؟ هل أنت إنسان؟ أنت لا شيئ، صفر على الشمال بل على مليون شمال، ليس هكذا الإنسان.

إذن الله – تبارك وتعالى – مَن نُضحي كل شيئ من أجله، إذا ضحيت كل شيئ من أجل المال فإلهك هو المال، إن ضحيت كل شيئ من أجل السُلطة – أي الكرسي، أن أكون رئيساً أو ملكاً أو وزيراً أو شيئاً كبيراً في المُجتمَع – فربك وإلهك هو السُلطة، هو الكرسي، ليس الله خالق السماوات والأرض، كذبت حتى وإن صليت له في اليوم ألف ركعة، لا والله، لا والله!

الله وحده – لا إله إلا هو -، الله الحق، المُبين، النور، الهادي، والرشيد – لا إله إلا هو -، هو الذي نُضحي كل شيئ من أجله، كل شيئ! وهذا معنى وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۩ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩، ليس فقط أبي مَن مات – رحمة الله عليه – أو ابني الذي قضى أو مالي الذي ذهب وكُرِثت به، لا! حتى أنا نفسي، أنا لله، وأنا عائد أصلاً لله، وأنا مُلك له، لله ما أخذ، ولله ما أعطى، انتبهوا! هذا معنى إِنَّا لِلَّهِ ۩، هذه الكلمة هل نفهمها؟ من عزى مُصاباً فله مثل أجره، هل نفهمها؟ هل نفهم ما معنى كلمة إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩؟ هل نفهم ما نُعزي به وهو إن لله ما أخذ، ولله ما أعطى؟ هذا هو معناها، معناها أن الله – لا إله إلا هو – من أجله ولوجهه كل شيئ يُضحى، كل شيئ يُقدَّم.

ومن هنا الأمن، نأمن! نأمن هنا، مهما حصل لنا لن نتشاءم، لن نتسخَّط، سنرضى، وسنكون كالعاشق الولهان، سعيدين بكل ما يأتي من الحبيب، في السياق الإسلامي لدينا ابن الراوندي، كان مُتشائماً مُستخِّطاً، أشياء كثيرة لا يرضاها في القدر وفي الكون، يقول ظلم، شر، غير عادلة، لماذا تحصل؟ أنت ليس مُؤمِناً، ومن هنا اتهامه بالزندقة، وهو كان يدّعى الإيمان العميق، لكن الإيمان؟

أبو العلاء المعري فعل الشيئ نفسه، تسخَّط أشياء كثيرة جداً في الحياة والكون، ضيق النطاق مع أنه عبقري كبير، وكذلك عمر الخيام – الفيلسوف والرياضي والفلكي والمُنجِّم والشاعر، وهو رجل كبير -، نفس الشيئ! من طائفة الفلاسفة المُتسخِّطين المُتشائيمن، في السياق الغرب آرثر شوبنهاور Arthur Schopenhauer الألماني، نيتشه Nietzsche الألماني، سارتر Sartre وكامو Camus الفرنسيان – مثلاً -، فلاسفة مُتشائمون مُستخِّطون، يردون كل شيئ!

ابن البراوندي يقول:

كمْ عالمٍ عالمٍ أعيتْ مذاهِبُه                                 وجاهلٍ جاهلٍ تلقاهُ مَرْزُوْقَا.

هذا الذي ترك الأفهامَ حائرةً                               وصيَّر العالم النحريرَ زِنْدِيْقَا.

العالم النحرير من أمثالك، لا من أمثال المُؤمِنين الصادقين، عن أي نحرير تتكلَّم أنت؟ أتتكلَّم عن النحرير؟ لا! هذا لا عرف العلم ولا درس الإيمان، قال ما الذي يحصل؟ قال شخص ذكي جداً تجد أنه محروم، لكن هذا ليس دائماً يا كذّاب، تكذب على القدر وتكذب على الواقع.

هنا في الغرب يُقال لا يصير غنياً إلا الأذكياء، الذين يتصرَّفون بمرونة وذكاء، والذكاء مرونة، أذكياء هؤلاء، أذكياء! يصيرون أغنياء، وهذا ليس شرطاً، أنا أقول حتى هذا غير صحيح، والله يصير غنياً الذكي والغبي، هذا بتقدير الله، اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۩، لا إله إلا هو! يبسط ويقدر ويُقتِّر، بحكمته – لا إله إلا هو -، لا على ذكاء ولا على غباء، على حكمة يا أخي، هذا منطق خاطئ وهذا منطق خاطئ.

قال العالم النحرير أصبح زنديقاً، قال هذا، لماذا العاقل محروم؟ ولماذا الجاهل مرزوق؟ وهذا كذب أصلاً، مُقدِّمة خاطئة، يُسمونها المُقدِّمة في المنطق، مُقدِّمة نفسها خاطئة وكاذبة، يكذب على الوقائع، وكذلك الخيام، نفس الشيئ! عيي بمسألة لماذا يصنعنا ثم يُحطِّمنا؟ قال ما هذا الخزّاف؟ خزّاف فنّان مُقتدِر مُبدِع، يصنع إناءً ثم ينقشه ويُزخرِفه ويُجمِّله، حتى إذا تمه وكمَّله وأحسنه قام بكسره، قال هذا رب العالمين، يصنعنا ثم يُميتنا، يُميتك ماذا؟ هل هو يُعدِمك يا أهبل؟ يا خيام لا يُعدِمك هو، ينقلك من دور إلى دور، ومن طبق إلى طبق، لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ۩، أين إيمانك أنت؟ أين إيمانك؟ هل كفرت بالقرآن يا خيام؟ أبداً، العكس هو الصحيح، منطق المُؤمِن!

منطق المُؤمِن الحق منطق المُستسلِم الباخع الخاضع الخاشع العاشق، والأهم في القضية كلها العاشق، بالعكس! أكثر العارفين والصُلحاء في سياقنا الإسلامي العربي وغير العربي هم هؤلاء العاشقون، العاشقون لكل ما يأتي من الله.

مُعاذ بن جبل يموت في عمواس في فلسطين بالطاعون، ويموت أولاده أمام ناظريه، ويقول ليلة استشهاده بالطعن والطاعون يقول اخنق خنقاً، فعزتك وجلالك إنك لتعلم أني أُحِبك، قال أُحِبك أنا، فزِد وزِد، قليل – قال – هذا، أولادي ماتوا أمامي، عادي! فليموتوا، وأنا سأموت أيضاً، اخنق خنقاً – قال له -، زِد علىّ الألم، أنا أُحِبك يا ربي، ما هذا؟

مولانا جلال الدين الرومي – قدَّس الله سره، واحفظوا هذين البيتين، من أعظم ما تسمعون – يقول إني أعشق لُطفه – وهذا طبيعي، نحن نعشق لُطفه، نحن عبيد الإحسان – كما أعشق قهره، وعجيب أني أعشق هذين النقيضين، قال إني أعشق لُطفه وأعشق قهره – حين يقهر ويبتلي ويُشدِّد -، وعجيب – قال قدَّس الله سره – أني أعشق هذين الضدين أو النقيضين، قال أعشق اللُطف والقهر من الله، وكل ما يأتي منه، وفي نفس الطريق سار الشاعر العارف الكبير سعدي، صاحب كلستان، أي حديقة الورد أو الورود، وهو كان من هؤلاء العاشقين، يقول إني سعيد بهذا العالم كله، وإني عاشق لهذا العالم كله، قال أنا سعيد، لست مُطمئناً فقط، بل وأنا سعيد أيضاً، ولست سعيداً فقط، بل وأنا عاشق أيضاً، أُحِب هذا العالم، كل العالم، كل الوجود الإلهي، لماذا؟ هذه مخلوقة لله ، قال لأن هذا العالم كله من الحبيب، يهون الأمر، أي شيئ منه أهلاً وسهلاً به، أنا لا أرده، أهلاً وسهلاً، عاشق!

يقول الرومي أيضاً – قدَّس الله سره – إني في صُلح دائم مع هذا الرب، قال أنا في حالة صُلح، لست في حالة خصام، لا يُوجَد خصام، يقول إني في صُلح دائم مع هذا الرب، فالكل منه ومن فيض جوده، لماذا أتسخَّط وأنا أُحِبه؟ لكن كل شيئ يأتي منه أُحِبه.

أحد الصحابة مكث أكثر من عشرين سنة – صحابي جليل من أصحاب رسول الله، والحديث في الصحيح – مُلقىً على ظهره، حفروا له حفرة لكي يقضي حاجته على خشبة، لا ينتقل، ولا يتحرَّك، فبكى أحد زواره من أصحاب رسول الله يوماً، ما هذا؟ عشرون سنة في العذاب، هكذا مشلول! أنت والخشبة شيئ واحد، قال لِمَ تبكي يا أخي؟ والله إن أحبه إليه أحبه إلىّ، أكثر شيئ يُحِبه أنا أُحِبه، وهو يُحِب هذا وأنا أُحِبه أيضاً، أنا أُحِب هذا الذي فعله بي، هو يُحِب هذا وأنا أُحِبه، قال له أنا سعيد جداً جداً، يا الله!

ولذلك يا إخواني لابد أن تنتبهوا وأخواتي ينتبهن أيضاً، لأن المسألة ليست في حجم البلاء أو في قسوة البلاء أو في شدة البلاء أو في جفوة البلاء، لا! إنما المسألة كيف ننظر ومن أي زاوية وبأي مِزاج وبأي روحية نتعاطى مع هذا البلاء؟ قد يُصبِح العذاب عذباً، والبلاء عطاء، والمحنة منحة، والقهر لُطفاً، وهكذا!

أحد الحُكماء رأى ابنه كثير الاستثارة وسريع الاستثارة، يتسخَّط بسرعة، فيأخذ في السب واللعن والشتم والتأفف والتشكي من الناس ومن الكون ومن الحياة ومن الدنيا ومن المُجتمَع، يقول يا رب ما هذا؟ وهناك أُناس على هذا النحو، أي إنه Melancholic كما يُسمونه، كل شيئ لا يعجبه، ليس عنده إيمان، ليس عنده أمن حقيقي هذا، ليس عنده علاقة حقيقية بالله، تائه! فقال له أي بُني، ائتني بكوب من الماء، فأتاه، فقال له وائتني بملعقة من الملح، ثم قال ضعها في الماء وأذبه وحرَّكه، حرَّك الملح، ثم قال اشربه، وهو لا يستطيع أن يعصي أباه، فشرب، ثم قال كيف وجدته؟ فقال شديد الملوحة، قال حسنٌ، اذهب إلى ذلك النهر، وكانا عند نهر، قال خُذ ملعقة من ملح، واسكبها في النهر، ففعل، قال اشرب، فشرب، قال كيف هو؟ قال شديد العذوبة، على ما هو، قال يا بُني على قلبك أن يكون في سعة البحر، فإذا كان قلبك واسعاً استحال كل شيئ فيه عذباً ونبيلاً، حتى آذية الناس، هذا هو!

إذن كيف أتفاءل أنا؟ انتبهوا، إذا فهمتم هذه الحكاية الرمزية البسيطة الواعية فسوف نستطيع الآن أن نفهم بمنظور جديد ومن زاوية جديدة سر التركيب في قوله تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ۩، ثم قال بعقبها على الولي وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ۩ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ۩، النقيض هو صوت الفقار، أي التكتكة، من شدة الحمل الآئد، هذا النقيض، صوت النقيض، النقيض صوت للفقرات، لأن كان هناك حملاً شديداً فأتعبك، كيف أعدمناه؟ كيف جعلناه كالمعدوم؟ بشرط الصدق، إذا الصدر أصبح واسعاً كالنهر أو البحر كل ! شيئ يُصبِح ماذا؟ خفيفاً، هل فهمتم السورة الآن؟ افهموا الحكاية، تفهموا التركيب في الآيات، أي آيات السورة، قال أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ۩ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ۩، ليس ألم نضع عنك وزرك وشرحنا لك صدرك، لا! الشرح يأتي أولاً، فإذا شُرِح الصدر اتسع، كيف يتسع لهذا الشيئ؟ بالهداية الإلهية، كيف؟ باتساع الرؤية الإلهية للوجود، أن يكون لديك عقيدة صحيحة في تلقي الأشياء وفي فهمها وفي التعاطي معها، يُصبِح كل شيئ خفيفاً، من الموت والحياة والنجاح والفشل والغنى والفقر، وكل شيئ! كل شيئ يُصبِح خفيفاً ولذيذاً حتى كما هو لذيذ لهؤلاء العارفين، وهكذا! فتعشق كل شيئ منه – لا إله إلا هو -، وترضى بكل شيئ، وتُسلِّم، ويستحيل كل شيئ بعد ذلك منحة إلهية بإذن الله – تبارك وتعالى -.

أيها الإخوة:

هنا سؤال يطرح نفسه ولا مناص مُنطرح، ما سر أن يُبتلى أو ما مغزى ومعنى أن يُبتلى الأنبياء والمُرسَلون؟ أن يُبتلى الناس العاديون فهذا مُمكِن، لكن النبي أو الرسول الذي استخلصه الله لماذا يُبتلى هو الآخر وهو نبي أو رسول؟ يبدو والله – تبارك وتعالى – أعلم وأحكم أن معنى ودلالة أن يُبتلى النبي أو الرسول أن الطبيعة البشرية – وهو بشر، بشر مثلنا – والطبيعة الإنسانية لا تقبل – هكذا هي الطبيعة، مطبوعة على هذا، ومخلوقة على هذا – أن يخرج أسوأ ما فيها من أدواء ومن أمراض ولا أن يثبت ويتجوهر أحسن ما فيها من لياقات ومزايا وخصائص إلا بماذا؟ إلا بالابتلاء، هي هكذا! لها طبيعة هكذا، ليست طبيعة مُتمحِّضة، هي من طين وماء، وفيها نفحة ونفخة إلهية من روح الله، انتبهوا!

ولذلك الصحابة – مثلاً – كان هذا شأنهم، كما قال تعالى وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ۩، للمُؤمِنين تمحيص، ما هو التمحيص؟ استخراج الخبث والدغل ونفيه، ويبقى الشيئ الطيب، أما للكفّار فهي محق، إتلاف وإذهاب بالمرء، للمُؤمِن تُصبِح تمحيصاً، لأن عنده لياقات طيبة – الحمد لله – واستعدادات مُمتازة، هذا هو، وهكذا!

وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ۩، الآيات! إذن بما حصل لهم من تمحيص وابتلاء واختبار يوم حنين، ما الذي حصل؟ أذهب الله من نفوسهم العُجب، كادوا يهلكون بمرض ماذا؟ العُجب، قالوا لن نُغلَب اليوم من قلة، أي بسبب قلة، لا! ليوم نحن لسنا ماذا؟ لسنا قلة، نحن كثرة، وسننتصر، كأنهم نسوا الاعتماد على رب الأسباب، على رب القليل ورب الكثير، الله قال لهم أهلككم العُجب، أُعجِبتم بكثرتكم، كما تُعجَب بقوتك، وهذا يُعجَب بجماله أو تلك بجمالها، وهذا بماله، وهذا بمنصبه وبسُلطانه، وهذا بعلمه، وكله كلام فارغ، لا تُعجَب، يأتي الامتحان لكي يُطهِّرك من هذا، من أن تُعجَب بما آتاك الله نعمة فأحلتها كفراً، لأنك لم تفهم لُغة الله فيها، لم تفهم رسالة الله في الابتلاء بها، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ۩.

جمالكَ أو جمالكِ فتنة، علمكَ فتنة، قوتك فتنةَ، مالكَ فتنة، وكذلك حسبكَ، نسبكَ، مركزكَ، وشهاداتك، إلى آخره! كله فتنة، كل شيئ فتنة، والله يبتلي بالمعاني، الله يفتن ويبتلي بالمعاني، ويفتن ويبتلي بالذوات وبالأشخاص، قال وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۩، نمروذ لإبراهيم، فرعون لموسى، أبو جهل لمحمد، وهلم جرا، ابتلاء الذات بالذات، وفي حديث مُسلِم عن عياض بن حمار المُجاشعي إني مُبتليك ومُبتلٍ بك، الله يبتلي مَن يقول بمَن يسمع، ومَن يسمع بما يقول القائل وبالقائل ذاته، ابتلاء! والله يبتلي بالتشريعات حتى، بالأمر والنهي، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۩، فهذا هو، ابتلاء بالتشريع، ولذلك وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۩، هذه في المائدة أيضاً، ابتلاء! هذا هو، يبتلي بما شاء، بالمعاني، بالذوات، بالأشياء، وبالأقدار المُؤلِمة، يبتلي بالأقدار المُؤلِمة وبالمصائب والكوارث التي تحل بساحة الإنسان، يبتليه! له كامل الحرية ومُطلَق الحرية – تبارك وتعالى – أن يبتلي بما شاء، عليك أن تفهم وأن تُفكِّك وأن تدرس جيداً الاستجابة الصحيحة، لئلا تهلك.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المُستغفِرين!

الخُطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۩، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديدٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد، أيها الإخوة والأخوات:

روى البخاري ومُسلِم في صحيحيهما من حديث أبي هُريرة – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه -، قال قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – إن ثلاثة نفر من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم، فأرسل ملكاً، أي في هيئة وصورة إنسان آدمي، فأتى الأبرض، فقال له أي شيئ أحب إليك؟ قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، أي جعل الناس يتقذرون مني، فمسحه بإذن الله – تبارك وتعالى -، فذهب بإذن الله – تبارك وتعالى – ما به، وأُعطيَ جلداً حسناً ولوناً حسناً، ثم قال له سائلاً فأي المال أحب إليك؟ قال الإبل، أو قال البقر، شك الراوي، وطبعاً سياق الحديث يُؤكِّد أنه الإبل، على كل حال شك الراوي، قال فأُعطيَ ناقة عشراء، وقال الملك له دون أن يدري أنه ملك – أي يظن أنه رجل عادي، ذو قدرات ربما، قدرات خارقة – بارك الله لك فيها.

ثم أتى الأقرع فسأله السؤالين نفسيهما – السؤالين نفسيهما وليس نفس السؤال، هذا الصحيح، لا يُقال نفس السؤال، وإنما يُقال السؤال نفسه، هذا في اللُغة، وعلى كل حال هذا خطأ شائع، فسأله السؤالين نفسيهما -، فقال أن يذهب هذا الذي قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه، وأُعطيَ شعراً حسناً، أعطاه إياه بعد مُدة، قال أي المال أحب إليك؟ قال البقر، فأُعطيَ بقرة حاملاً، بقرة حاملاً! وقال بارك الله لك فيها، ثم ذهب، فأتى الأعمى وسأله، فقال أن يرد الله إلىّ بصري فأُبصِر الناس، أحب شيئ إلى أن يرد الله إلىّ بصري فأُبصِر الناس، فمسحه – سُبحان الله – فأبصر بإذن الله – تبارك وتعالى -، ملك! لا إله إلا الله، ملك هذا، قال أي المال أحب إليك؟ قال الغنم، فأُعطي شاة ولودة، أُعطيَ شاة ولودة، ثم ذهب الملك، فولَّد هذا وأنتج هذان، أي صاحب الإبل والبقر أنتجا، أي عالجا ما لديهما من نوق أو من نياق ومن بقر، ولذلك قاما بمقام القابلة للمرأة، وإلا يُقال أُنتِجِت الناقة، لا يُقال أنتَجت، لكن أنتجها صاحبها، هذا معنى فأنتج هذان وولَّد هذا، أي ولَّد ما عنده من شاة، فصار لكل منهم واد من مال، هذا واد من الإبل، هذا واد من البقر، وهذا واد من الشياه، أي من الأغنام.

ثم إن الرجل على صورته وهيئته أتى الأبرص، الآن جلد حسن ولون حسن ومال كثير وخدم وحشم، ما شاء الله! هيل وهيلمان، قال يا عبد الله عبد مسكين، تقطَّعت بي الحبال في سفري، فليس لي اليوم بلاغ إلا بالله ثم بك، سألتك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال الكثير ناقةً أتبلَّغ بها في سفري، أي تكون بلاغاً لي في سفري، فقال الحقوق كثيرة، لا إله إلا الله! لا يُريد، الكل يطلب هذا، هذا يطلب وهذا يطلب، حين نُعطي كل واحد فخذاً حتى وليس ناقةً يذهب المال، قال الحقوق كثيرة، قال كأني أعرفك! ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً لا مال لك، فأعطاك الله؟ قال إنما ورثت هذا المال كابراًعن كابر، هذه هي الاستجابة القارونية، هذه الاستجابة للبلاء الإلهي نُسميها الاستجابة القارونية، قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۩، بشطارتي هذا، بقوة ذراعي أو بمُخي ودماغي، لكن هناك الاستجابة السُليمانية، فَلَمَّا رَآهُ – أي العرش – مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۩، ابتلاء هذا، سُنة! قال لست أحمق أنا، أي سُليمان، قال هذا ابتلاء، وأُريد أن أنجح في الامتحان، عليه السلام، نجح! لكن هذا رسب مُباشَرةً، غبي و (هلفوت)، (هلفوت رجال) هذا، قال ورثته كابر عن كابر، قال إن كنت كاذباً فصيَّرك الله إلى ما كنت، انتهى! مسح كل هذا، ذهب وانتهى، ثم أتى الأقرع وحدث نفس الشيئ، قال يا عبد الله عبد مسكين، تقطَّعت بي الحبال في سفري، فليس لي اليوم بلاغ إلا بالله ثم بك، سألتك بالذي أعطاك كذا وكذا بقرةً أتبلَّغ بها في سفري، آخذها فأحلبها أو أبيعها وأشتري بها شيئاً، أي بلاغ منك في سفري، قال الحقوق كثيرة، نفس الجواب، قارون! من تَلاميذ المدرسة القارونية هؤلاء، من خريجي المدرسة القارونية هؤلاء، ليس لهم علاقة بدين، قال كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله؟ قال ورثت المال كابراً عن كابر، قال إن كنت كاذباً فصيَّرك الله إلى ما كنت، طبعاً مسح كل شيئ، وكان يسأل.

طبعاً تنبَّهوا هنا، أقول بين مُزدوَجين (امتحانات الله ليست هكذا، يا ليتها تكون بمثل هذا الوضوح المسرحي، هذه مسرحية، لا تكون هكذا، انتبه! الله أعطاك ووسَّع عليك، وبعد زُهاء ثلاثين أو أربعين سنة سوف يأتيك امتحان عظيم، امتحان كبير، وأنت لا يخطر هذا على بالك، نسيت القصة كلها، وهناك ثلاثون سنة من الشغل يا رجل، ثلاثون سنة من النصب والفهلوة والكذب على الناس، الكبار والصغار، وبعنا كل شيئ ضمن الدين، ما علاقة هذا بذاك؟ لا يفهم، المسكين غير قارد على أن يفهم، هو كان قبل المال في ابتلاء، والآن سيُمتَحن في هذا وهو في ابتلاء، لكنه لا يفهم شيئاً، ثم يُمحَق، يمرض الكبد وكذلك الكلاوي والبروستاتا والقلب، يُصاب في أولاده وفي زوجته وفي عرضه وفي دينه، وهو لا يفهم شيئاً، افهم! لابد أن تفهم، افهم لماذا تُصاب بما تُصاب ولماذا تُؤتى، افهم لماذا، وكَن مثل هذا إن شاء الله).

ثم أتى الأعمى وقال له نفس القيل، فقال له الأعمى – وحده هكذا، وهو عنده – الآتي، في البداية قال له يا عبد الله عبد مسكين، تقطَّعت بي الحبال في سفري، فليس لي اليوم بلاغ إلا بالله ثم بك، سألتك بالذي أعطاك كذا وكذا شاةً أتبلَّغ بها في سفري، فقال يا عبد الله إني كنت أعمى ولا مال لي، فرد الله إلىّ بصري وموَّلني، خُذ من مالي ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم في شيئ أخذته لله – عز وجل -، قال له مَن أنا؟ قال له أنا لست شيئاً، أنا خازن، أنا رجل يعيش في نعمة الله – قال له – فقط، أنا كنت كذا وكذا، لم يُنكِر ماضيه.

أنا ذات مرة التقيت برجل مليونير في ألمانيا، أُحِب هذا الرجل في الله فعلاً وأُجِله، هو مولود في ألمانيا، أي هو ألماني، لكن والده سوري، قال لي أبي يا شيخ عدنان زبّال، قلت له أنت إنسان كريم وعظيم، فقال لي لا، أبي كان زبّال، كان زبّالاً ونحن كنا فقراء، (على الحديدة)، فقلت له أنت إنسان نبيل، كونك لم تُنكِر ماضيك ولم تسخط قدرك ولم تستعر منه يُوضِّح أنك إنسان ذو نفسية سوية، نعم! أبي زبّال، ما المُشكِلة إذن؟ وأنا الآن مليونير، الحمد الله، هذا من فضل الله.

قد يقول لي أحدهم لا، أنا والحمد لله سابع جد من جدودي كان غنياً، نحن من أصحاب الأموال ومن أصحاب الجاه وما إلى ذلك، وأقول له لماذا تكذب؟ لماذا؟ أتكذب على الله؟ هذا هو! ووالله المليونير قال لي إن أباه زبال، قال لي كان زبّالاً، قال لي كان زبّالاً في بلده، قلت له ولذلك الله أعطاك، عنده نفسية طيبة بسيطة، من غير تكلف، اعترف! فهذا الأعمى ماذا قال له؟ قال له أنا كنت أحمق، قال لك وأنا كنت فقيراً مكحكحاً، ليس عندنا أي شيئ، والله أعطاني كل شيئ، خُذ من مالي ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم في شيئ أخذته لله – عز وجل -، انظر الآن إلى هذه الجُملة المُبكية، قال له يا عبد الله أمسك عليك مالك، لا حاجة لي إلى مالك، وإنما ابتليتم، فرضيَ الله عنك وسخط على صاحبيك، قال له لا يُوجَد فقر وما إلى ذلك، قال له هذا كان ابتلاء، هذا كان امتحاناً إلهياً، لم يُكتَب بلُغة عادية، النبي أخرجه إخراجاً مسرحياً هكذا، لكن في الحقيقة لم يكن بهذا الوضوح، وحين يحدث لا يحدث هكذا، يحدث بطريقة أُخرى، وهو لا يفهم ولا يتذكَّر أي شيئ، ثم يقع في الفخ، ولذلك فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ۩.

انتبهوا واقرأوا لُغة الله جيداً وتسمَّعوها، تسمَّعوا الهمس الرباني الصمداني جيداً بحذاقة، واستجيبوا استجابة سُليمانية، استجابة المُؤمِن، أو استجيبوا استجابة إبراهيمية أو يوسفية أو مُحمَّدية صادقة.

نسأل الله – تبارك وتعالى – أن يرزقني وإياكم الصدق والإخلاص والبخوع لأمره والخشوع لقدرته.

اللهم إنا نسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى، اهدِنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراط مُستقيم، وافتح مسامع قلوبنا لذكرك، وارزقنا عملاً بكتابك واتباعاً لسُنة نبيك – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم -.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا، لا تجعل مُصيبتنا في ديننا، اللهم ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تُسلِّط علينا مَن لا يخافك فينا ولا يرحمنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اجعل خشيتك أخوف الأشياء إلينا، واجعل محبتك أحب الأشياء إلى قلوبنا، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقر عيوننا من عبادتك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

وارزقنا حُبك وحُب مَن أحبك وحُب العمل الذي يُقرِّبنا إلى حُبك، اللهم ما رزقتنا مما نُحِب فاجعله قوة لنا فيما تُحِب، وما زويت عنا اللهم مما نُحِب فاجعله فراغاً لنا فيما تُحِب.

حقِّق بالزيادة آمالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واختم بالسعادة آجالنا وبالباقيات الصالحات أعمالنا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا، إلهنا ومولانا رب العالمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا 30/7/2010

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

نماذج من صيام الصالحين

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ …

اترك رد