الرئيسية / التفريغات النصية / الإيمان الحي… ومفهوم الشكر

الإيمان الحي… ومفهوم الشكر

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.

عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:
ثم أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الحق – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلالٌ ۩ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ ۩ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۩ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۩

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط، آمين اللهم آمين.
لا شك – أيها الإخوة الأفاضل، أيتها الأخوات الفاضلات – أن هذه الآيات تتوسَّل أسلوباً عالياً وراقياً للفت نظر الإنسان إلى ظواهر النعمة وإلى مجالي الفضل الإلهي العميم، تحفيزاً له على الشكر، وإنضاجاً لروحانيته، وتكميلاً لشخصيته، ولذلك ذيَّل الحق – سُبحانه وتعالى – هذا السياق الكريم الأجل بقوله وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۩، وفي هذا التذييل ما يستلفت النظر، لأنه – سُبحانه وتعالى – لم يُعبِّر عن المُقابِل للشكور أو الشاكر بالكفور، ومنطقي أن ما يُقابِل الشكور هو الكفور، إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ۩، لكفّار! لكنه قال لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۩.

تُرى عساه يظلم مَن؟ أيظلم الله تبارك وتعالى؟ هل يجوز لأحد أن يُعبِّر بنحو هذا التعبير: إنصاف الله سُبحانه وتعالى، أن نُنصِف الله من أنفسنا؟ لا يجوز، هذا التعبير غير جائز قرآنياً، وإن طرقه بعض أهل الفكر والذكر، علينا أن نُنصِف! لا، الله لا ينتصف لنفسه ولا يطلب من أحد ولا ينبغي لأحد أن يدّعي أنه ينتصف له، وهو القائل وَمَا ظَلَمُونَا ۩، قال وَمَا ظَلَمُونَا ۩، الله لا يُظلَم، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، وإنما هذا الظلم أبداً عائدٌ وحائرٌ على الإنسان.

كيف يظلم الإنسان نفسه بجحده وكفرانه نعم الله وأفضاله – سُبحانه وتعالى – عليه؟ كيف؟ واضح جداً! يبدو أن هذه الآيات تحتاج إلى تأملات طويلة، وبين مُزدوَجين (من أسف – وهو أسفٌ شديدٌ بالغٌ – نحن اعتدنا على استبقاء الطريقة التي نتعاطى بها مع الأطفال، طريقة التلقين والتعليم، طريقة المعنى الجاهز الذي لا يحتاج إلا إلى مُجرَّد الإعطاء والتوصيل، هذا غير صحيح! هذا لائق إلى حد بعيد بالأطفال، وليس بكل معنى لائق، لكن إلى حد بعيد! لكن الذين اجتازوا مرحلة التلقن والتعلم والمفروض أنهم صاروا ناضجين وكباراً وراشدين ينبغي أن يتواصلوا بطريقة تبادلية وتآثرية وتحاورية تقوم على التأمل والتعمق والاستشفاف والاستبصار والتساؤل والاندهاش والطرح الدائم للأسئلة، بدل زعم امتلاك الجواب النهائي والوحيد والجاهز، للأسف الشديد هذا أفقرنا، هذا يُفقِر المِؤمِن روحياً، يُفقِره شخصياً، وجدانياً، مشاعرياً، وعقلياً، ويُفقِره مسلكياً أو مسالكياً إن جازت النسبة، هذا ما يحدث).

ومن هنا ما أشرنا إليه غير مرة – خاصة في الخُطب الأخيرة – من الاضمحلال والفقر والضحالة المحسوسة في تجاربنا الإيمانية، المفروض أن الإيمان تجربة حية، بمعنى أنني حين أخوض هذه التجربة مع أول سن التكليف بشكل تنشوئي تزيدي تكاملي المفروض أنني بعد سنة أفضل بكثير وأعمق، بعد عشر سنوات أختلف إلى حد بعيد إيجابياً، بعد عشرين أو ثلاثين سنة أن أُصبِح عالماً من الفكر والتأملات والاستبصارات والفلسفة الخاصة الشخصية، نُسختي الخاصة بي من الإيمان! هناك النُسخة الخاصة بي من الإيمان، ليست نُسخة الشيخ المحلي أو ابن تيمية أو البخاري أو الكُليني، لا! نُسختي أنا، إيماني أنا، فهمي أنا، وكما قلت قُبيل ليال أنا أحتاج فقط أن أفتح رُبع أُذن أو نصف أُذن لكي أستمع إلى هؤلاء الذين تكلَّموا عن تجاربهم الشخصية، والباقي سيكون حديثاً مع ذاتي، مع نفسي!

للأسف يبدو أننا نستوحش من أنفسنا أكثر مما نظن، نحن في وحشة حقيقية مع أنفسنا، كيف؟ هذه الحالة المعروفة بحالة الاغتراب، والمُعبَّر عنها باللُغة القرآنية بنسيان النفس، نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۩، قال نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ ۩، مع أنهم قد يظهرون للناس أنهم مُغرِقون في الأنانية، صحيح هم مُغرِقون إلى حد مُسِف ومُخجِل ومُخزٍ في الأنانية لكن لا تلك الأنانية التي تدور على كيانهم الحقيقي، صدِّقوني! تدور على ماذا؟ على خدمة أشياء مُتخارِجة عنهم تماماً، خدمة سياراتهم، فيللهم، حيثياتهم الاجتماعية، ورقم الحساب! ما هذا؟ هذا ليس حقيقتي، وخدمة حذائهم – أجلكم الله -، كذلكم الزعيم الذي يحمل قضية والذي يلبس أو ينتعل حذءاً أو نعلين بستين ألف يورو، شيئ عجيب! لماذا يفعل هذا؟ طبعاً التعليل المطروق والجاهز أيضاً لأنه مُبذِّر ومُسرِف ومُجرِم وآكل أموال الشعب، هذا تعليل بسيط جداً! لأنه فارغ، لأنه نسيَ الله فأنساه نفسه، هذا الرجل لم يجد نفسه، لعلها يجدها في حذاء، لن يجدها طبعاً! لن تجد نفسك في حذائين أو في نعلين، لن تجد نفسك في هذا، كما لم تجد نفسك في الظهور الإعلامي أمام الناس والجماهير إن كنت زعيماً روحياً أو سياسياً أو عسكرياً أو فكرياً، لا! ليس هذا، كما قال الشيخ العارف بالله الدريني:

فإِنكَ واجدٌ أرضاً بأرضٍ                                   ونفسكَ لم تجد نفساً سواها.

على النفس أن تجد نفسها، على النفس أن تُحاوِر نفسها، وعلى النفس أن تأنس بنفسها!

في اللحظات التي نظن أننا نكون فيها مُتوحِّدين مع أنفسنا ومُنفرِدين ومُنعزِلين ونكون وحدنا – نظن – في الحقيقة لا نكون وحدنا، بالعكس!

حاول أن تختبر هذه الحالة في عُزلة بسيطة لساعة أو لساعتين، تجد نفسك في هذه العُزلة مهموماً ومُكثِّف التفكير ومُركِّزه، على ماذا؟ على إعداد البرنامج اللاحق الآتي للقاء مع فلان أو مع صديقي أو مع الشيخ أو مع أهل المسجد أو مع أهل الشغل أو مع المدير أو مع أصدقاء العائلة، إذن أنت لست مع نفسك أيضاً، لا تزال مع الآخرين، جالس لكي تُعِد برامج وخُططاً، كيف تتكلَّم؟ كيف تعمل؟ كيف تطلب؟ طيف تُعطي؟ كيف تتعذر؟ كيف تتملق؟ كيف تتنصل؟ كيف تنقص؟ كيف تتظاهر؟ كيف تتزخرف؟ كيف تتطاوس – إن جاز التعبير – على الناس؟ شيئ عجيب! أين نفسك؟ لماذا لا تجلس مع نفسك؟

لا نجد هذا الشيئ، ومن هنا طبعاً لسنا فنانيين، لسنا روائيين جيدين، يُقال في علم التنمية البشرية إن كلاً منا له حكاية يُمكِن لو كُتِبت بطريقة سليمة أن تُحقِّق أعلى المبيعات، أنا لست أُؤمِن بهذا، أود أن أُؤمِن بهذا، أود! وأود وأُحِب أن أُؤمِن بفرادة كل واحد منا، والمفروض أن كلاً منا عالم فريد بحياله، كون قائم بنفسه، نُسخة فذة لا نظير لها، المفروض هكذا! لكن يبدو أن أكثر الناس مُتشابِهون تماماً، لماذا؟ لأن الفرادة أين تنبثق؟ وما الذي يُترجِمها؟ تنبثق الفرادة من قطع مراحل على الطريق، الطريق الطويلة التي لا تنتهي، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ۩، لا تنتهي ولن تنتهي! فكلما قطعنا تفاوتت المسافات المقطوعة ونجمت الفرادة، وعبَّرت عن نفسها من خلال الخبرة والمعيش والمذوق والممرور به، المقطوع! لكن حين نُراوِح في مكاننا نظل المُراوِحين، نظل أولئكم الذين يزعمون السباحة في شبر من الماء، كلام فارغ! لا سباحة في شبر من الماء، نظل شخصيات مُجهَضة، تلك الزهور التي لم تتفق ثماراً، لم تنضج، سقطت، ماتت هكذا! مثل بذور كثيرة، مثل دقائق كثيرة قابلة للحياة وإنتاج الحياة وتثمير الحياة، لكنها تستحيل مواتاً، لم تنضج! ومن هنا نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۩، علينا أن نأنس بأنفسنا، ولا يأنس بنفسه مَن لم يُجرِّب ولا يُحاوِل ولا يُريد الأُنس بالله تبارك وتعالى.

العجيب – وهذه أعظم الحسرات، هذه حسرة الحسرات – أن الله تبارك وتعالى – وهذا من فيض كرمه، هذا بعض معنى كرمه وجوده، لا إله إلا هو، الفيّاض المُطلَق الكُلي – لا يمنع أحداً ولا يُغلِق عليه باب الوصول وباب التعرف وباب الاقتراب إن أراد.

قرأت قبل أيام كلمة عجيبة جداً للفيلسوف والشاعر والعالم والروائي والمُفكِّر الكبير الألماني جوته Goethe، صاحب فاوست Faust وآلام فرتر Die Leiden des jungen Werthers، جوته Goethe يقول فكرة مبدئية تُشكِّل محوراً لأشياء كثيرة، عليكم أن تعوها جيداً وأن تتشبَّثوا بها تماماً، ما إن يُقرِّر الإنسان أن يُكرِّس نفسه لغاية أو لهدف حتى يبدأ الفيض الإلهي يُسعِده، تُخلَق ظروف وظواهر وتنبثق فُرص لا تخطر على بال بشر، كلها تصيح به أنا موجودة لك، أنا مُعَدة لك، لأُساعِدك على بلوغ ما تُريد.

هذا الرجل يبدو يتحدَّث عن تجربة عاشها، تجربة معيشة! أعتقد أنه لم يقرأ قوله – تبارك وتعالى – كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ۩، آيات كثيرة أن مَن يُريد حرث الدنيا سيُؤتى من حرث الدنيا، سيُزاد له في حرثه، لكن ليس له في الآخرة نصيب، لم يُفكِّر في الآخرة! ومَن يُريد حرث الآخرة سيُعطى حرث الآخرة، مَن يُريد المعرفة والاقتراب من الله – تبارك وتعالى – ومَن يُريد فهماً أعمق وأكثر حياةً وأكثر حيويةً وأكثر جمالاً وأكثر إحساساً وأكثر حقيقةً لله – تبارك وتعالى – سيُعطى، سيُعطى! وستتفتَّح أمامه آلاف الأبواب وآلاف السُبل، وسيكون فريداً، وسيتحدَّث عن تجربة لم يمر بها العارفون الكبار، مروا بغيرها وربما بأعمق منها، لكن لم يمروا بها ذاتها، لم يمروا! ولله طرائق – كما يقول العارفون وصدقوا – بعدد أنفاس الخلائق، لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق! هذا من فيض الكرم الإلهي، فحسرة الحسرات أن الفُرصة موجودة ومُتاحة للجميع لكننا لا نفعل.

قال حكيم يوماً اعتاد الناس أن يُسافِروا بعيداً بعيداً لكي يتمتعوا بشاهق الجبال، وأن يُسافِروا قصياً لكي ينعموا بمنظر الأمواج العالية في المُحيطات والبحار الصاخبة، وأن يتأمَّلوا طويلاً في الحركة الدوّارة للنجوم، ولكنهم ينسون أبداً ودائماً أن يُفكِّروا في أنفسهم! لماذا لا تعود إلى نفسك؟ الله يقول وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ۩؟ أول شيئ وأقصر طريق إلى الله هي طريق معرفة النفس، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ۩، سترى الله أدنى ما يكون في نفسك ومن نفسك، لديك أنت! وطبعاً ستراه في كل ما خلق، لا إله إلا هو!

في ظل هذه المُقدِّمة البسيطة والسريعة أُحِب أن أُعالِج مفهوم الشكر، لكن بطريقة – كما قلت – تبادلية تآثرية تحاورية تأملية، ليست بطريقة تقريرية تستدعي النصوص، قال الله، قال الرسول، قال الشيخ فلان، وقال العارف فلان، كلام كثير! لا يفيد كثيراً هذا، هذا أقرب لتعليم الأطفال، نحن علينا أن نتحدَّث عن زوايانا الخاصة الآن، أليس كذلك؟ والقرآن يسمح بهذا بشكل مُؤبَّد دائماً، لو نظر فيه كل البشر كل لحظة نظرة إلى أن تفنى حيواتهم لوجدوا فيه وفي كل لحظة جديداً، فهو الذي لا تفنى عجائبه، لأنه كلام الرب يا جماعة، كل شيئ من الله لا حد له، كُلي! كُلي القدرة والعطاء، كُلي الجود والكرم، القرآن يسمح بهذا، القرآن حين قابل الشكور بالظلوم الكفّار أشار إلى هذا المعنى، أنك حين لا تشكر فأنت لا تضير ولا تضر الله – تبارك وتعالى – شيئاً، أنت تضر نفسك، أنت تفقد فُرصة أن تنضج روحياً ونفسياً ووجدانياً وعقلياً، ومن ثم مسلكياً، أنت تبقى حصرماً، تبقى حصرماً! غير ناضح ومُر.

ومن هنا بعض حتى أهل الدين، بعض علماء الدين، وبعض المشايخ تجد فيهم مرارة عجيبة جداً، لماذا أنت مُر؟ يجب أن تكون حلواً، المُؤمِن حلو لطيف رقيق أنيس وأليف، يُحِب الناس مرآه، يُحِبون كلامه، يُحِبون لقياه، يُحِبون مُحادَثته ومُجاذَبة أهداب الحديث معه، لطيف! يعكس كثيراً من الصفات الإلهية، يرحم ضعفهم، يرحم هشاشتهم، يرحم مشروطياتهم، لا يحملهم على أحواله العالية، يعلم أنهم ربما يكونون أضعف من ذلك وربما يكونون خيراً منه، يفترض كل هذا! طبعاً هذا لم يأت من تحفظ نصوص وآيات وأحاديث، أتى من تجربة معيشة في عشرات السنين، تطور الشخصية!

سؤال بالأمس طرحته على أحد الإخوة، وطرحناه ربما في هذا المنبر مرةً: لِمَ اقتضت حكمة الله – تبارك وتعالى – أن يُعطي النبوة مُعظَم الأنبياء إن لم يكن تقريباً كلهم – لأن الاستثناءات غير ثابتة إلى الآن بشكل نهائي، ربما عيسى هو الأكثر وضوحاً، أما يحيى فغير واضح على كل حال – على رأس الأربعين؟ عموماً على رأس الأربعين كانوا يُعطون النبوة، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۩، بلوغ الأشد! حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۩، هو هذا في الأرجح، بلوغ الأشد هو بلوغ الأربعين، لماذا؟ هل تعرفون لماذا؟ هذا يُؤكِّد ما نقوله أيها الإخوة من فترة ليست ربما بالطويلة، ليس النص الإلهي – حتى النص الإلهي لا يفعل هذا، الله لم يشأ له أن يفعل هذا – وحده هو الذي يقوم بقطع المراحل، هو الذي يقوم بارتياد الآفاق، أنت مَن يفعل هذا! النص يرسم أُفقاً، وعليك أنت أن ترتاد هذا الأُفق، يدل على عالم شديد التعقيد والجمال والحُسن والبهاء والجلال، مُكتنِز بالمعنى، بالدلالات، وبالإيحاءات! ولكن أنت عليك أن ترتاد هذا العالم، أن تمخر عُباب هذا العالم، لكن لماذا سن الأربعين؟

سن الأربعين أعتقد أنها السن المُناسِبة تماماً لكلٍ منا لو كانت الظروف عادية، الآن ظروفنا – خاصة في العالم العربي والإسلامي – ليست عادية، ليست طبيعية، ليست بشرية، وليست إنسانية! أن تتأخَّر سن زواج الإنسان – السن مُؤنَّثة – إلى الثلاثين والخمس والثلاثين والأربعين هذا وضع غير إنساني، هذا وضع كارثي، وضع فعلاً يُحطِّم الإنسان ويُفرِغه ويُضيِّع عليه فُرصة أن يتكامل كبشر، كإنسان! انتهى هذا، هذا عاش أشبه بآلة مُحطَّمة لا فائدة منها وسيموت هكذا، لماذا؟ لأن الله يقول اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۩، فترة الطفولة لعب، هذه فترة اللعب، وهي فترة بديعة وجميلة، فترة مُراهَقة البلوغ – في علم النفس المُراهَقة العادية في بداياتها – لهو، هذه فترة لهو وبعض الحماقات، فترة الشباب – الشباب بعد الخامسة والعشرين – فترة التزين، آخر موضة وآخر لبس وآخر كذا! وأيضاً يُداخِلها ويُتخامِها الإنجاز بلا شك، بعد ذلك التفاخر المُنجَزات الحاصلة، أحرزت كذا وعملت كذا، هذه المُنجَزات سيُعاد تثميرها واستثمارها وتكثيرها لتسمح بالتكاثر بعد ذلك، أنا الآن لست مُجرَّد أكاديمي أو جامعي، أنا لدي الآن ثلاث شهادات دكتوراة، ليس كذلك فحسب، وقطعت عشر سنوات أو ثنتي عشرة سنة أستاذاً في الجامعة، وترقيت من أستاذ مُساعِد إلى أستاذ، تكاثر الآن! ليس مُجرَّد شهادة، ليس مُجرَّد عمل ووظيفة، لا! إنما العمل والمُرتَّب العالي الباذخ الرافه، الآن تحوَّل إلى ملايين أو مئات الألوف، واشتريت بعض الفيلل وبعض العقارات وبعض الجُزر الصغيرة في بلاد الواق الواق، إلى آخره، تكاثر!

السؤال الآن: ثم ماذا؟ وبعد ذلك؟ انتبهوا! بعد ذلك يعلق أكثر الناس في الفخ – في فخ التكاثر – ويُصبِحون مسخرةً للناس، يقولون جاء هذا الفشّار الكبير الذي نعرفه، سيبدأ يُحدِّثنا عما نعرف، عن قصوره وفيلله، نعرف هذا! تباً له وللساعة التي فيها، ويأتي ويبدأ يُكاثِر، والآن زادت جُزري وزادت عقاراتي، وربحت أسهمي في كذا وكذا بمقدار أربعمائة وخمسين ألف يورو، نعرف هذا! مل الناس من هذا، لا تُعطي جديداً أنت بهذا، وأنت تتحدَّث عن مُتخارِج، عن شيئ لا يُساوي حقيقتك، لا يُساوي ذاتك، هات ما عندك! ليس عنده شيئ، لذلك يُصبِح مسخرة، وهو يظن أنه إنما يتميَّز ويتطاوس على الناس، هو يتطاوس لكن لا يتميَّز، ويُصبِح مسخرة من حيث لا يشعر، علق هذا المسكين! مثل الطاحونة التي لا تجد الآن ما تطحنه، فجعلت تطحن المطحون، تطحن الطِحن، لا يُوجَد شيئ! هذه حركة عبثية، هذا عبث Irreführend.

كأن الله يقول أنت انتهيت، استطعت أن تُلبي هذه الغرائز – غرائز اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر – وأعطيناك يا عبدنا فُرصة، حتى المعنى الديني والروحي الذي ادّعيت أنك أصبته ونلته أو نلت قسطاً وحظوظاً منه نحن جاملناك واعتبرنا أنه يتعلَّق بالمعنى الروحي، لكنه ليس جوهر المعنى الروحي، ما معنى الكلام هذا؟ غير واضح الكلام هذا! معنى هذا أن الله يقول حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ۩، ماذا كنت تفعل في أربعين سنة مُنقضية؟ ألم تشكر نعمة الله؟ هو كان لا يزال يشكر، الله يقول ذلك الشكر كله ما لا أعتد به حقيقةً، الشكر الآن هذا الذي أُريده، هذا الذي تعتد به السماء، شكر الذي بلغ الأربعين، وجاوز مراحل اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، الآن بدأ يفهم! لماذا؟ لأن الأربعين فُرصة لإعادة استكشاف معنى النعمة الإلهية، كيف؟

مُستحيل أن هذا أو ذاك أو ذاك أو حتى ربما ابن الثلاثين يُدرِك حقيقةً وبعمق وجداني وإنساني معنى بنوته لأبيه وأمه – والمعنى مُتضايف – وبالتالي معنى أمومة أمه له وأبوة أبيه له، لا يُدرِك هذا! يُحاوِل هو باسم التقليد الاجتماعي واحترام الأمر الديني ومُسايرة المُجتمَع أن يكون براً وأن يُقبِّل يدي والديه، وهذا جيد وهذا بر وهو بارٌ! لكنه ما لم يُجرِّب أن يصير أباً ويعيش الأبوة ويعرف كيف يتحرَّق ويتقطَّع قلب الأب لهفةً وخوفاً ومُحاذَرةً وحرصاً على ابنه لن يفهم لا معنى بنوته ولا معنى والدية والديه له، الآن بدأ يفهم! حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ۩، الآن فهمت ما معنى أن تجعل لي والدين، أن تجعلني ابناً لهما وأن أعيش في ظل حنانهما ورأفتهما وحنوهما وشفقتهما الوافرة، الآن بدأت أفهم! ابنه لا يفهم، عليه أن يخوض التجربة، في الأربعين تبدأ تفهم هذا تماماً!

أيها الإخوة:

من هذا المُنطلَق أين نعيش نحن الآن؟ كيف نكتب عنواناتنا – علماً بأن الجمع الصحيح لعنوان هو عنوانات – أو عناوينا كما هو دارج وليس هو الأفصح؟ نكتب هكذا: محمد إسماعيل مثلاً، شارع كذا وكذا وكذا، رقم كذا، فيينا، النمسا. انتهى، لا! عليك أن تُكمِل العنوان، انتبه: النمسا، أوروبا، الأرض، المجموعة الشمسية، مجرة الطريق اللبني، أي Milky Way Galaxy بالإنجليزية أو Milchstraße Galaxy بالألمانية، المجموعة المحلية، الكون، عوالم الله، قبضة الله. وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۩، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩، هذا عنوانك، هذا بيتك، هذه بيئتك! إن ما يجعل حياتك مُمكِنة واستقرارك ناجزاً ليس كونك تعيش في فيينا من النمسا في أوروبا، لا! ولا في الأرض، فيما ذكرت لك، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ۩، هذا بيتك، هذه بيئتك، حين تُفكِّر في نعمة أنك موجود وأنك تدب على الأرض وتعيش وتلقم وتشرب وتطعم وتنام وتستيقظ وتنمو وتصح وتعتل وتُنجِز وتُكثِّر وتُثمِّر فاعلم أن هذا لا بفضل وجودك على ظهر هذا الكوكب المعطاء السخي الكريم والجميل والبهي جداً والأزرق، إنما بفضل وجودك فيما ذكرنا، وفي النهاية – وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ۩ – بفضل وجود في قبضة الله – لا إله إلا هو – ضمن أكوان وعوالم لا يعلم عدتها ولا أمداءها ولا سعتها إلا هو، إلا هو! لا إله إلا هو، هذا ما يجعل حياتك مُمكِنة.

هنا قد يقول لي أحدكم هذه لُغة شعر يا أخي، نعم! أنا لست أفهم الآن الإيمان إلا على أنه فن وشعر، كل مُؤمِن لا يستطيع أن يصوغ إيمانه وتجربته شعراً وفناً وروايةً حقيقةً ليس مُؤمِناً، ما عرف الإيمان! هذا يُقلِّد الإيمان، يحكي الإيمان، فرقٌ كبيرٌ جداً بين مفهوم الإيمان وبين الإيمان، أليس كذلك؟ طبعاً! وليس فقط الإيمان، كل شيئ، اختر أي شيئ تُريده، فرقٌ كبيرٌ جداً بعظم الله ربما – لا إله إلا هو – بين الله وبين مفهومنا لله، أليس كذلك؟

قبل أيام ألهمني الله معنىً أحسب أنه جميل جداً – إن شاء الله – في دروس التفسير في رمضان المُبارَك هذا، كتعليق هامشي على النقاشات التي دارت ولا تزال تدور وستظل تدور في هذه الأمة المسكينة المرحومة حول عبودية الله وتجريد العبودية له، وهل يجوز أن نستغيث بغيره أو لا يجوز؟ وهل يجب فقط أن نستغيث بالله؟ وكان هذه قضية خلافية، شيئ عجيب جداً! يا عليّ عند إخواننا الشيعة، يا حُسين، يا عباس! ماذا تُريد من عليّ؟ عليّ مثلك تماماً، فقط يتميَّز عنك أنه هو أكثر افتقاراً لله منك، أدرك ضعفه وبشريته وفقره لله أكثر منك بكثير، ومن هنا أعطاه الله، تخلَّق بأوصافك يكسك من أوصافه، لا إله إلا هو! عليّ كان ربانياً وناطقاً باسم السماء لأنه كان أكثر عبودية، أكثر فقراً، محمد في أرفع طبقات الإعجاز والإدهاش عبَّر الله عنه بعنوان العبودية، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ۩، قال أَسْرَىٰ ۩، لم يقل سُبحان مَن سرى عبده، لا! لم يسر عبده، هو أُسرِيَ به، يبقى عبداً! إِنَّا لِلَّهِ ۩، نقول إِنَّا لِلَّهِ ۩، دائماً استحضر هذا المعنى، يا عليّ، يا حُسين! وعندنا يا جيلاني، يا دسوقي، يا بدوي، يا سيدي عبد القادر! ما لك ولهم يا مسكين؟ مسكين أنت، أنت جاهل، أنت لم تفهم الإيمان.

هذا سأُحلِّله في مقامين، هؤلاء يظنون أو يختزلون ويبتسرون الإيمان في مُعظَمه، وعجبي لهؤلاء بالذات! لأن هؤلاء هم الذين يدّعون أنهم لسان حال الحُب الإلهي، نعم! طبيعة العلاقة الأولى المهادية البدئية والدائمة بين الله وبين عباده – بين العبد وبين ربه – هي الحُب يا جماعة، الحُب! وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۩، الحُب! ليست الاستجداء والإعطاء، شيئ سيء جداً جداً أن تكتشف فجأة أن طبيعة علاقتك بالله تقوم فقط على الاستعطاء، حتى العبادة لديك هي أمور تُهيأ وتُنجَز من أجل ميزد من الاستعطاء، أعطني! كثِّر لي أموالي، نجِّح لي أولادي، أنجِز لي مقاصدي، متِّعني بصحتي وبقواي الظاهرة والباطنة، واجعل لي لسان صدق في العالمين، هذا ما تُريد فقط! ما هذا؟ ألا تشعر بالاستياء البالغ من ابنك إذا وجدت أن علاقتك معه تقوم على الاستعطاء فقط؟ مع أنك تُحِب أن يستعطيك وأن يستجديك، لكن تُحِب أن يُبرِز طبيعته الطفولية وهي امتنانية، الطفل كائن امتناني بامتياز، الكبير هو الذي لا يشعر بالامتنان، الكبير! الكبير هو الجاحد، حتى إزاء ربه – لا إله إلا هو – طبعاً، أنت حتى حين تستفيد معلومة من مصدر ما من أحد البشر ثم تأتي تُردِّدها على أنها من بنات أفكارك أنت جاحد، فاضلاً عن أنك جاحد برهن أو تبرهن تماماً أن هذه المعلومة لم تُساهِم في إثراء شخصيتك روحياً ووجدانياً، بالعكس! زادتك معرفياً لكن ليس روحياً، ليس إنسانياً! لأنك جاحد مُزيِّف، أنت لا تزال مُزوِّراً إلى الآن، ليس هذا الصحيح، الطفل يفعل هذا الامتنان بفطرية بريئة طهور وكريمة، لا يفعلها بطريقة رسمية، ليس شرطاً دائماً أن يُبادِر بكلمة شكراً أو يُعطيك قُبلة، لا! قد ينسى فرحاً بالعطية، لكنه يُبادِر في مُعظَم الأحيان إلى القول ها انظروا، ها انظروا إلى ما أعطاني فلان، فلان! بغض النظر عن أي شيئ، حتى وإن كان يعلم أن أباه لا يُحِب فلاناً كثيراً أو لا يُحِب فلانة قريبته كثيراً، ها انظروا ماذا أعطتني فلانة، إنه شخصية امتنانية، وعلى الكبير أن يتعلَّم الامتنان وبشكل واضح تماماً وألا يُقصِّر في هذا، ومَن لا يشكر الناس – النبي يقول – لا يشكر الله.

نعود، أنت ستشعر بالاستياء البالغ من طفلك إذا تمحَّض ابناً أو بنتاً استعاطئية فقط، لا يأتيك ليُعبِّر لك عن حُبه، عن شوقه، مُشتاق إليك، ما الأمر يا بابا؟ لا يُوجَد شيئ، لكن أُحِب يا بابا أن أضمك، أجمل من الدنيا وما فيها! هو يُحِب أن يضمك أو أن تضمه فقط، يُحِب أن يُعطيك قُبلة أو تُعطيه قُبلة، ثم ينصرف ليُزاوِل لهوه ومرحه، شيئ جميل جداً جداً! لكن تشعر بالاستياء حين تأنس من ابنك أنه لا يأتي إلا ليطلب وأنت تُعوِّده على لعب هذا الدور الجاحد الممسوخ المسخوط للإنسان، ما الأمر يا بابا؟ ماذا تُريد يا بابا؟ غلط! لا تُعوِّده على هذا، تتشوَّه شخصيته مُنذ الآن، ولله المثل الأعلى! الله أيضاً لا يُحِب من عبده أن يكون هكذا، هذا العبد المُنكَر صاحب المُنكَر! لا يُناجي الله في أوقات السعة تعبيراً عن لهفته وشوقه وحُبه.

بمُناسَبة ذكر الإمام عليّ – عليه السلام – العارف الكبير، سُئل لِمَ عبدت الله؟ فقال وجدته أهلاً للعبادة فعبدته، ليس من أجل أن يُعطيني وما إلى ذلك، لا! هو أهل للعبادة، بغض النظر عن الجنة والنار هو أهل للعبادة، معشوقنا ومحبوبنا، لا إله إلا هو! وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۩، الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال لها أفلا أكون عبدً شكوراً؟ كيف هذا؟ بغض النظر عن أنه غفر لي ما تقدَّم من ذنبي وما تأخَّر وأعطاني الدرجات العُلا لابد من الشكر، الشكر هو ماذا هنا الآن؟ انتبه! الشكر جوهره المحبة، الشكر يعكس المحبة لكن بطريقة مُعقَّدة.

على كل حال هؤلاء للأسف اختزلوا الدين ومسخوا العلاقة بين العبد والمعبود أو بين المربوب وربه إلى علاقة استجداء وشحاذة، استجداء دائماً! لا أكثر من هذا، هذه العلاقة فاسدة، علاقة منقوصة، ليست علاقة صحيحة، لا تُساهِم هذه العلاقة وحدها هكذا – وهي منقوصة – في إنضاجنا روحياً، بالعكس! هذه تُشوِّهنا روحياً، هذه العلاقة تُشوِّهنا روحياً، ولذلك بمقدار ما نتلهَّف على الاستعطاء ونستجدي ونجأر إلى الله بمقدار ما نعود سريعاً إلى كفر نعمة الله، أليس كذلك؟ ونُبدِّل نعمته كفراً، نعصيه بنعمته! لماذا؟ لأننا نُحِب أن نُمارِس شهواتنا، أيضاً هذه شهواتنا ونُريد أن نُمارِسها الآن! ما هذا؟ أين الشكر؟ ضاع الشكر هنا، ظلمنا أنفسنا وجحدنا بنعمة الرب، لا إله إلا هو! ولذلك أنا أستسمج مع مَن استمسج مِن النقّاد – وهم كثيرون – بيت مجنون بني عامر “قيس” حين يقول:

أَهيمُ بليلى ما حِييتُ وإِنْ أَمُتْ                         أُوَكِّلْ بليلى مَنْ يَهيمُ بها بَعْدِى.

كلا يا قيس، أعتقد أنه لم يقل هذا البيت في لحظة وجدانية صادقة، لا! قاله مُتكلِّفاً، أحب أن يأتي بمعنى جديد هنا الآن، لم يُعبِّر عن معنى أصيل، إنما أحب أن يبتدع معنىً جديداً في شعره، فسقط سقطة كُبرى مُنكَرة، الحُب بالذات ليس فيه نيابة ولا وكالة، لا يُمكِن! أليس كذلك؟ الحُب فيه صيغة تفردية، روحه التفرد، أليس كذلك؟

وبالمُناسَبة ربنا أعطانا هذا الوهم اللذيذ جداً جداً، الله حين تجلس هكذا أنت تُسبِّح بحمده، تُفكِّر في خلقه، تقرأ كتابه، تُحدِّثه بكلامه على مائدته – لا إله إلا هو – تشعر أنه فقط لك، وأنه مُتفرِّغ الآن لك، وهذا صحيح! هو لك، والعجب – لا إله إلا هو – أنه لكل أحد بنفس المعنى وبأعمق أيضاً من هذا المعنى بحسب كلٍ، بحسب حال كلٍ، لا يمنع، لا إله إلا الله! كما لا نُضار في شمس ولا في قمر، تقف وكأن الشمس تنظر إليك فقط، وتُرسِل أشعتها الباهرة على وجنتيك وفي عينيك، وهذا يرى كذلك، وهذا يرى كذلك، الملايين يرون كذلك! أليس كذلك؟ وهذه الشمس المخلوقة، فكيف بالخالق العظيم الكريم العلّام؟ لا إله إلا هو! يُعطيك هذا.

الحًب طبيعته حصرية امتيازية، فلا تقل لي أنا سأُوكِّل مَن يهيم بالله ومَن يُحِب الله بالنيابة عني، هذا سخف وسماجة، لا تقل لي أنا أستغيث بالجيلاني وبعليّ وبالحُسين لأنهم أقرب إلى الله مني وأحب إلى الله مني وهم سيُخاطِبونه عني، كلام فارغ! الإيمان حُب، أنا أُريد أن أخوض هذه التجربة، هل يُمكِن أن تُوكِّل أحداً يُحِب معشوقةً عنك تُريد أن تبني بها وأن تتزوَّجها؟ لا يُمكِن، يصير فيها دماء ورؤوس، أليس كذلك؟ فلماذا الآن مع الله تُضحي أنت بهذا الحُب؟ لأنك لا تُحِب الله، لا تُحِب الله! أنت تُريد أن تستعطي فقط، كل ما يهمك من الحُسين أو عليّ أو الجيلاني أن يُنقِذ لك ابنك المريض، فقط هذا هو! لكن لو كنت تفهم الإيمان على أنه حُب لقلت أنا سأُمارِس هذا الحُب في السراء والضراء، أليس كذلك؟

أنا أقول لكم مَن كان منا – وهذا المعنى أنا كُشِفت به حديثاً جداً في نفسي من خلال أيضاً تجربة – يشعر أنه لا يُحِب بعض أوقات السنة، بعض الفصول، وبعض الظواهر المُناخية حُبه منقوص لله، إيمانه بالله منقوص أيضاً، لا! المُؤمِن الفنان، المُؤمِن صاحب الرواية الحقيقية، والمُؤمِن الشاعر يجد جمال الله الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۩ وتعرَّف إلينا في كل شيئ أبدعه، يجد جمال الله في كل شيئ.

اتركوا الابتذال وانتهاك المعاني وتفريغها بالتكرار، في زقزقة العصافير وفي خرير الماء وفي غروب الشمس، بلا شك هذه مظاهر إعجازية، لكن ابتُذِلت بكثرة التكرار المدرسي التعبيري، في المدارس التعبير الإنشائي السهل! اتركوا هذا وابحثوا عن جماله، عن روعته، عن بداعته، وعن الطمأنينة والسكينة والصفاء والرواء، ابحثوا عن هذا في الشطآن المهجورة، وفي الغابات غير المطروقة، ابحث عنه في قطرات الندى أو في قطرات المطر، وهي تطرق كأنها تُناجيك أو تُوشوِش وتهمس إليك على نافذة غرفتك، أليس كذلك؟ في عزيف الريح في ليلة شتوية مُظلِمة شديدة البرودة وأنت في فراشك الوثير المُمهَّد تسمعها تُؤذِن بانهيار مظر كريم مسحاح مغزار، فيه جمال هذا، فيه ما يُذكِّر بالله.

ولذلك اربط عيشك وتواجدك في هذه الأحوال بمُناجاة الله، بتسبيحه، باستغفاره، باستذكار نعمه، بالتأمل في جلاله، وبتلاوة كلامه بالذات، اربط! وسوف ترى أنك تُحِب الفصول كلها وتُحِب كل شيئ.

أكثر من هذا يحدث – ونحن ذكرنا موطننا وبيئتنا وبيتنا وعنواننا الذي هو أكبر بكثير من عنواننا الذي نحسب – حين تأخذ زهرة تشمها، وحدَّثتكم مرة بقصة، هذه القصة لا تزال تُوحي إلىّ بمعانٍ مُتجدِّدة، ربما أذكرها على المنبر الآن للمرة الثالثة، قصة أكبر ملياردير في العالم! وحدَّثني عنه مليونير عربي مُسلِم، التقاه لدقيقة واحدة، ليس عنده وقت طبعاً هذا! قال له سأسألك سؤالاً حيَّرني، وإن أجبتني أعطيتك شيئاً لا تملكه، قال له نعم، قد يكون، انظروا! عاقل، لم يصر أكبر ملياردير بالهبل، أي وهو أهبل “هطلاوي” كما يُقال، لا! عاقل جداً، لم يقل له ما عساك تُعطيني مما ليس عندي؟ يعرف أن الحياة كلها كنوز والوجود كله كنوز، وكلما أخذت منه يزداد ثراءً وكرماً، هناك أشياء كثيرة ليست عندنا، كثيرة جداً جداً جداً، قال له نعم، قد يكون، ربما تُعطيني شيئاً ليس عندي، سل سؤالك، قال له ما سر نجاحك هذا المالي والاقتصادي حتى أصبحت أكبر ملياردير في العالم؟ قال له سؤال جميل، سأُجيبك عنه بكلمة واحدة: الشكر، قال أنا دهشت، مُسلِم هذا ويقرأ القرآن! قال واستحضرت قوله تعالى لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۩، قلت مُستحيل، هذا ليس مُسلِماً، يظن المسكين أن هذه المعاني لا يعرفها إلا مَن حمل لافتة الإسلام، يحملها كل مَن له قلب وعقل يا إخواني، انتبهوا!

للأسف أنت تحمل الإسلام ولا تحمل هذه المعاني، لا تفهمها! تستهلك الشكر كلمات وأشعاراً وأحاديث وآيات دون أن تفقهها للأسف طبعاً، وتعصي الله بنعمه، وتزعم أنك من الشاكرين!

قال فادّعيت أنني لم أفهم، قلت له لم أفهم عليك يا سيدي، ما معنى هذا؟ قال سأُوضِّح لك بمثال واحد، قال أنا في كل صباح اعتدت أن أجلس إلى زوجتي في ساعات الصباح المُبكِّرة في البلكونة، ويكون أمامي شيئ من الزهور والورود في فازة ما، قال حين أتأمل وردة منها أشعر أن كل ما أُوتيت وكل مالي وكل ما عندي لا يفي بحق شكر هذه النعمة، شيئ عجيب! ما هذا؟ ما هذا الشخص؟ هذا من العارفين بالله، أنا أقول لكم هذا بغض النظر عن أنه يهودي أو نصراني أو هندوسي أو غير ذلك هو رجل عارف بالله، عارف بالله بمعنى غريب نحتاجه نحن، مَن ندّعي فهم الله ونظرية الإيمان الصحيحة! نحتاج مثل هذا التعمق.

ويليام بليك William Blake – الشاعر الصوفي العظيم، أنا تعلَّمت من هذا الشاعر أشياء كثيرة جداً – عنده أبيات عميقة، هي أشهر أبياته على الإطلاق، وحُق لها أن تكون الأشهر، يا ليتها كانت لعارف مُسلِم! وهناك أمثالها لكن ليس بهذه الوجازة، شيئ غريب إعجازي! يقول حين ترى الجنة في زهرة برية، وترى الدنيا في حبة رمل واحدة، فكأنما قبضت على السرمدية بيمينك، وعشت الخلود في ساعة زمن، الله أكبر! ما هذا؟ معنى هذا الكلام أنت حين تأخذ زهرة واحدة تتنسم ريحها وتستنشقه وتستنشق معه المعنى انظر ولكن لا بالباصرة، انظر بعين البصيرة في هذه الزهرة، أنا أزعم أنك سترى فيها شمساً وقمراً ومجراتٍ وظلاماً ونوراً وسحاباً سحاحاً ورعداً وبرقاً ومواد عضوية، كل هذه الأشياء! وترى فيها أيضاً يد الله تفعل وتصوغ، لا إله إلا هو! في هذه الزهرة، ولولا كل ما ذكرت ما نبتت هذه الزهرة، ما كانت هذه الزهرة، هذه ذاكرة الزهرة، لو كان لها ذاكرة – Memory – هذه ذاكرتها، لو كان لها خط حياة أو خط مينكوفسكي Minkowiski في الفيزياء هذه ستعود بك إلى بداية البيج بانج Big Bang، هذه الزهرة الوحيدة!

لا أدري كيف ويليام بليك William Blake في عصره فهم هذا المعنى! يقول حين ترى الجنة في زهرة برية، وترى الدنيا في حبة رمل واحدة، فكأنما قبضت على السرمدية بيمينك، وعشت الخلود في ساعة زمن، أي واحدة! هذا هو الشكر، من هنا يبدأ الشكر، من هنا يبدأ استجلاء المُؤمِن الشاعر الفنان الروائي، الذي يروي قصة الإيمان، يُقطِّع مقطوعات عن حقيقة العرفان، ولذلك – كما قلت لكم – كل مُسلِم ينبغي أن يكون فناناً بهذا المعنى وأن يكون شاعراً، له حكايته وله مُقطَّعاته وله قصائده وله دواوينه، حتى يشعر بهذا الإيمان، وحين يشعر بأن ساعته قد واتت بكل هدوء وبكل سلام وجمال يقول ها أنا ذا الآن مُستعِد أن أُسلِّم الروح إلى بارئها، أن أُسلِّم الوديعة، سأُعيدها إلى صائغها وصانعها وبارئها ومالكها الآن، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۩، وهي أكثر سلاماً، أكثر نضجاً، أكثر جمالاً، أكثر عمقاً، أكثر شفافيةً، أكثر رقةً، أكثر شاعريةً، وفي النهاية – ولا نهاية – وأكثر قرباً من الواحد ذي الجلال والبهاء، لا إله إلا هو! سأُسلِّمها، لست أخاف.

استُهلِك كثيراً خطابنا الديني فقط في الحديث عن الله كمصدر الخوف والفزع والترصد والانتقام وما إلى ذلك للأسف، وهذه إساءة بالغة، إساءة بالغة لمفهوم الله تبارك وتعالى! كما أساء الذين ينطقون بلسان الحُب الإلهي زعماً وتقليداً وترديداً فارغاً من المعنى إلى معنى الله – تبارك وتعالى – حين جعلوا العلاقة معه مُجرَّد علاقة استعطاء دائم، استعطاء مُتصِل! تعرفون – أنا أقول لكم بلُغة أنثروبولوجية، أنثروبولوجيا Anthropology الدين، وتاريخية الدين – هذا مفهوم بدائي لله تبارك وتعالى، مفهوم مارسته وتُمارِسه إلى الآن كل الشعوب البدائية في نظرتها إلى الله، الشعوب الجامدة الجاهلة الوثنية، كيف؟

كان شباب اليونان إذا فشلوا في استخراج كميات كبيرة من محاصيل الأرض – أي إذا بخلت عليهم الأرض بمحصول وفير ينتظرونه – يأتون إلى الإله بان Pan – والإله بان Pan عند الإغريق هو إله الرعي والخصب والمراعي – ويجلدونه بالأسواط، نحن عبدناك حتى تُعطينا، لماذا لم تُعطنا؟ إذن ستأخذ على رأسك، يضربونه! إلى وقت قريب وربما إلى اليوم بعض الفلّاحين والصيّادين البسطاء في إيطاليا رغم الصلوات إذا لم يجد عليهم البحر بكميات وافرة من الأسماك يرمون فيه تمثال العذراء، تذهب العذراء إلى جحيم البحر، هيا! نحن صلينا ولم يُعطِنا، فلماذا لم يُعِطنا؟ أين هذا؟ أكثر من هذا الصينيون، كانوا إذا دعوا ولم يُلبوا ولم يُعطوا يأتون إلى تمثال إله ويسيرون به في الشوارع ويُردِّدون بأصوات عالية صاخبة ناقمة أيها الروح، يا كلب لقد صنعنا لك معبداً، وغذوناك جيداً، وتعبَّدنا لك وقرَّبنا لك القرابين، ونذرنا لك الأضاحي، فلِمَ هذا الجحود يا كلب؟ بيا كلب يُخاطِبونه، ستقول لي ما هذا؟ انتبه، هذه البدائية الوثنية تتسلل إليك حين تضل طريق الإيمان الصحيح، قال تعالى لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ۩، شحّاذ كبير، أكبر شحّاذ هو! وهو مُحتاج، أليس كذلك؟ مُحتاج! قال وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ۩، قال لا تُوجَد رحمة لله، الله غير رحيم، أين رحمته؟ الله يقول هذا الإنسان البدائي المُتعجرِف، جماعة بان Pan والعذراء والإله الكلب المحقور هم هؤلاء، القرآن يتحدَّث عنهم، لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ۩، لا! لسنا كذلك، سنُعلِن هكذا – كما أعلنت لنفسي قبل أيام في لحظة تجلٍ – الآتي: نُحِبك يا رب وندعوك ونبتهل إليك ونتصل بك في السراء والضراء، في الربيع والشتاء والخريف والصيف، عند عزيف وزعيق الرياح، وعند هدوء النسيم العليل، نُحِبك هنا وهنا، في الليل المُظلِم ذي الدياجير نُحِبك، في الليل الباهر ذي الشعاع الآسر نُحِبك، نتعرَّف عليك، نأنس بك، نجدك دائماً، موجود! لا إله إلا هو – تبارك وتعالى بنعمته، بفضله، وبرحمته، كباراً نُحِبك، صغاراً نُحِبك، مرضى عليلين نُحِبك، أصحاء مُعافين نُحِبك، نُحِبك في حال البسط وفي حال القبض، إن أعطيت وإن منعت – والكل لك – نُحِبك، الكل لك! وأنت فوق الكل، وأنت أكبر من الكل، نُحِبك.

هكذا أحضر نفسك هذا المعنى، هكذا أُدرج وسر على هذه الخُطة وفي هذا النهج، واجعل علاقتك بالله حُباً حقيقياً، ستُكافأ مُباشَرةً! بماذا؟ أول مُكافأة وأعظم مُكافأة ليس بحسنات ثقيلة وموازين مُثقَّلة – وإن شاء الله هذا حاصل بإذن الله – وجنات ونهر في مقعد صدق، لا! ستُكافأ بأن تكون عند مليك مُقتدِر في الدنيا قبل الآخرة، من الآن!

لابد من الاقتراب إليه يا جماعة، وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ۩، مُجرَّد الاقتراب إليه هو مُكافأة ذاته، هل تعرفون لماذا؟ لأن الاقتراب من الزهرة فقط – اليوم تحدَّث عن الزهرة كثيراً – الفوّاحة هو مُكافأة ذاته، حين تقترب منها تستنشق العبير بشكل انتشائي أوضح، هنا يحدث الانتشاء بهذا العبير، حين تقترب من الرب – لا إله إلا هو – أنت تتنسَّم ماذا؟ تستنشق ماذا؟ تستحوذ على ماذا؟ على العز والمعرفة والكرامة والبهاء والجلال والجمال والقدرة، أليس كذلك؟ والفيض والعطاء والرحمة والستر والمغفرة والعفو والنعمة، كل شيئ! فمُجرَّد الاقتراب منه – لا إله إلا هو – محبةً فيه وحُباً مُكافأة ذاته، وأنت لا تملك حين تُصبِح مُؤمِناً حقيقياً إلا أن تُحِب، الإيمان هو هكذا، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۩، أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۩ مِن كل مَن أحب ما أحب، المُؤمِن يبقى أشد حُباً لله تبارك وتعالى.

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحُسنى وصفاتك العُلا وكلماتك التامة أن تجعلنا مِمَن أحببته فأحبك ومِمَن أحبك فقرَّبته وأدنيته مِن قُربك وأفضت عليه وبسطت عليه ونشرت عليه مِن نعمك ورحماتك وأفضالك يا ولي، يا كريم، يا عفو، يا رحيم، يا رب العالمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صَلَىَ الله – تعالى – عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، اللهم أغننا بالافتقار إليك، ولا تُفقِرنا بالاستغناء عنك، اللهم أئذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقر عيوننا من عبادتك يا كريم، اجعل خشيتك أخوف الأشياء عندنا، واجعل محبتك أحب الأشياء إلى قلوبنا.
اللهم نسألك حُبك وحُب مَن أحبك وحُب العمل الذي يُقرِّبنا إلى حُبك، اللهم وما رزقتنا مما نُحِب فاجعله قوةً لنا فيما تُحِب، وما زويت عنا اللهم مما نُحِب فاجعله فراغاً له فيما تُحِب برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك أن ترحمنا في شهر رمضان، وأن تغفر لنا ذنبنا كله، دقه وجِله، ظاهره وخافيه برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم وأعتق فيه رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وقراباتنا ومشايخنا وكل مَن له حقٌ علينا برحمتك من نار جهنم يا رب العالمين، اجعل من عتقائك في هذه الليالي المُبارَكات الكريمات المبرورات.

اللهم إنا نسألك أن تُصلي وأن تُسلِّم على حبيبنا ومولانا وسيدنا رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته وخير ما جزيت رسولاً في رسالته، وعلى تابعيه وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلينا وعليكم والمُسلِمين والمُسلِمات معهم بفضله ورحمته ومنّه أجمعين. آمين اللهم آمين.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۩، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وسلوه من أفضاله يُعطِكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

فيينا (4/9/2009)

Comments

comments

شاهد أيضاً

3ilaj_takafat_almahana

علاج ثقافة المهانة

عقيب حول خطبتي “متلازمة المهانة” فيه دعوة إلى تأسيس ثقافة جديدة تقطع مع السائد يغلب …

اترك رد