الرئيسية / التفريغات النصية / الإمام عليه السلام

الإمام عليه السلام

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ولا نظيرَ له ولا مثالَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا ونَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خلقهِ وأمينهُ على وحيهِ ونجيبهُ من عبادهِ، صَلَّى اللَّهُ – تعالى – عَلَيْهِ وعَلَى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المُبارَكين الميامين وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
عباد الله:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، كما أُحذِّركم وأُحذِّر نفسي من عصيانه – سبحانه – ومُخالَفة أمره لقوله جل من قائل:

مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۩

ثم أما بعد:

 

أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيتها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ۩ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ۩ يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا ۩ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ۩ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ۩

 

صدق الله العظيم وبلَّغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق، القائمين بالقسط. آمين اللهم آمين.
إخواني وأخواتي:

بخصوص قوله سبحانه وتعالى من قائل إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ۩ سبق القول أن السياق الكريم الأجل يُؤكِّد دخول أزواج النبيِ – صلى الله عليه وآله وسلم ورضيَ الله تعالى عنهن جمعاوات – في هذه الأهلية والسياق واضح وقاطع، فهذا الجزء من هذه الآية الجليلة – آية التطهير – مُكتنّفٌ من كلا جانبيه بالتصريحِ بشؤون تختص وتتعلَّق بأزواجه أمهات المُؤمِنين رضيَ الله تعالى عنهن وأرضاهن، هذا هو السياق ولا مُكابَرة، ودخولهن في أهليته – عليه الصلاة وأفضل السلام – لغوياً مسألة مُقرَّرة ومُمهَّدة ولا يُمكِن إنكارها من قولهم “أهلَّ به” إذا دخل بها فهى أهله، كما ورد في كتاب الله – تبارك وتعالى – أن موسى – عليه الصلاة وأفضل السلام – لما قضى الأجل وسار بأهله، فهذا تصريحٌ وهذه حقيقة لغوية لا يُمكِن أن يُكابَر عليها ولا يُمكِن أن تُنكَر، وفي عُرف الناس أيضاً يُقال للزوجة أهل “أتى ومعه أهله”، فهذه حقيقة عُرفية أيضاً، لذا من هاتين الحيثيتين أمهات المُؤمِنين – رضوان الله عليهن جمعاوات – داخلاتٌ دخولاً أولياً في هذه الآية الكريمة، ولكن هناك معنىً شرعي ثالث حدَّدته الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – لمعنى الأهلية، فمَن هم أهله؟ مَن هم أهل بيته؟ المعيار هو أنهم الذين حُرِموا الصدقةَ أو الذين تحرم عليهم الصدقة، فقد كان حراماً عليه هو – عليه الصلاة وأفضل السلام – أن يقبل صدقةً، أما الهدية فنعم، وأهله منه فتحرم عليهم الصدقة، وهذا ما صرَّح به حديث زيد بن أرقم – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – في صحيح مسلم لما سأله يزيد بن حيّان أو ابن حُصين وابن سبرة مَن أهله يا زيد؟ أليس نساؤه من أهله؟ فقال زيد بن أرقم: بلى، هن من أهله – يُريد في الحقيقة العُرفية بين الناس وأيضاً في اللغة وفي الوضع اللغوي، كأنه يقول أنا أتكلَّم عن الحقيقة الشرعية، وهذا معنى ثالث – ولكن أهله مَن حُرِمَ الصدقة، فمَن آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس؟ وفي الرواية التي أوردها مسلم بعد هذه مُباشَرةً يقول زيد بن أرقم مُعلِّلاً لقوله رضيَ الله عنه وأرضاه وإن المرأة تعيشُ أو تكونُ مع الرجلِ الدهر – أو قال العصر، أي المُدة المُتمادية – فإذا فارقها لحقت بأهلها، ولذلك لا يُقال إنها أهل بهذا المعنى وهى ليست من لحمه ودمه، فهؤلاء هم أهل النبي!

على كل حال أحد الشرّاح الكبار لصحيح البخاري وهو الإمام ابن بطَّال – رحمة الله تعالى عليه – نقل أن رأي الكافة – أي رأي كافة الفقهاء – أن أزواجه – رضوان الله تعالى عليهن – غير داخلات في أهله، فهكذا قال ابن بطَّال الذي هو أحد مشاهير أئمة أهل السُنة والجماعة فيما نقل عنه الحافظ ابن حجر، حيث قال “هذا رأي كافة الفقهاء، لم يُخالِف فيه إلا قلة من الحنابلة منهم ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولكن رأي كافة الفقهاء أن نساؤه لسنا من أهله بالمعنى الشرعي أي الذين ُحرِموا الصدقةَ أو تحرم عليهم الصدقة تتحدَّد المعنى”، لأنني وجدت بعض الناس يقول “أبو لهب من أهله”، وهذا غير صحيح، ليس هكذا الأمر، فنحن لا نتحدَّث عن كل مَن يمت إليه بوصلة نسب أو دم، وهذا معنىً شرعي وهذه حقيقة شرعية، وقبل أن يعترض الإنسان لابد أن يستفصل ويستفهم فلا تقل لي “إذن أبو لهب من أهل بيته وإذن كذا وكذا” ولا يترتب على هذا شيئ،فمَن تكلَّم فليتكلَّم بعلمٍ وإلا فليصمت، وإذا تكلَّمنا عن أهل بيته فمَن هو سيدهم بعد رسول الله؟ ومَن هو قائدهم؟ ومَن هو كبيرهم؟ أبو الحسن عليّ عليه السلام.

هل هو أفضل من أبناء رسول الله، أي أبناء فاطمة بنت محمد عليهم السلام أجمعين؟

نعم بشهادة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – الذي قال وأبوهما خيرٌ ومنهما، فالإمام عليّ خيرٌ من حسن وخيرٌ من حسين عليهم السلام أجمين.

أهل البيت هم الذين نُصلي عليهم في كل صلاة كما تعلمون وإلي هذا أشار الإمام الشافعي حيث قال:

كفاكم من عظيم القدر أنكم                       مَنْ لم يُصلَ عليكمْ لا صلاة له

وهذا صحيح “مَن لم يصل عليكمْ لا صلاة له”، ولكن كما يتردَّد كثيراً – عجباً وأي عجب – نُصلي عليهم في كل صلاة ولكن لا نتساءل لم جرى عليهم ما جرى؟ لا نتساءل عن أخبارهم ولا نتساءل عن أنبائهم، بل لا نزال نُبرِّرُ لمَن ظلمهم وشرَّدهم وذبَّحهم وسبهم ولعنهم، وهذا عجبٌ لا ينسلك في ذهن مُحترَم ولا يُمكِن أن يسوغ على قلب صادق مُفعَم بالتقوى ويُحِب الحقيقة ويُحِب الصدق، أما دعاوى الحب الكلامية الإنشائية – كما قلت في الخُطبة السابقة – فهذه لا تروج إلا على مثيل مَن يُطلِقها، حيث أنهم يقولون “نُحِبهم ونترضَّى عليهم”، لكن كيف تُحِبهم وتترضَّى عن أعدائهم؟ هذا هو المنطق التبريري العجيب، ولا أُريد أن أصفه بعبارة أقسى من هذا.

وستُصدَمون بنقلٍ ربما بعضكم لن يُسلِّم بصدقيته حتى يعود إليه فليعد إذن، وهو أن ابن تيمية – عفا الله عنه وسامحه أيها الإخوة – في المُجلَّد الرابع من فتواه تحدَّث مُفنِّداً شُبهة أو أزعومة أن مُعاوية دسَّ إلى الحسن – عليه السلام – مَن قتله بالسم، وقد دُسَّ إليه هذا مراراً، فالحسن سُقيَ السم مراراً حتى كانت الأخيرة هى المُهلِكة – أعلى الله مقامه في عليين مع جده وسائر النبيين والمُرسَلين – لكن ابن تيمية أتى بوجوه كثيرة ليُفنِّد هذه الأزعومة وقال “لم يثبت أن مُعاوية فعل هذا ودسَّ، ليس لدينا أي دليل قاطع”، ثم بعد ذلك في آخر المبحث قال “وإن فُرِض – بالتنزل يعني – أن شيئاً من ذلك كان فهذا من باب قتال بعضهم بعضاً”، فلماذا يفترض ابن تيمية هذا؟ هل تعرفون لماذا؟ كل إنسان عنده شيئ من ذكاء الذي هو ليس الذكاء الكامل، ودارسو التاريخ في الشرق والغرب يفهمون جيداً القاعدة التي تقول لا يُمكِن لا في التاريخ ولا في حياة الناس الواقعية أن مَن يُجرِم جريمة يأتي ويقول لك أنا فعلت هذا خاصة إذا كان ذا سُلطان أو كان مُتسلِّطاً والأمور بيده أو يسمح لمَن ضلع في هذه المُؤامِرة أو يُتيح له الفرصة أن يُبدي ذلك لأنه يعلم أن نهايته هى الهلاك المُحتَّم والإجهاز التام، ولكن المُؤرِّخ والإنسان حتى الدارس بنصف ذكاء يأخذ الأمور بالقرائن، فإذا ثبت أن هذا مات مسموماً وهذا عدو لفلان وذاك مات مسموماً وهذا أيضاً عدو لفلان والثالث مات مسموماً وهو عدو لفلان والرابع مات مسموماً وهو عدو لفلان فهذا يدل على أن الأسلوب واحد والطريقة واحدة والمُستفيد واحد، فلا نحتاج إلى كبير ذكاء حتى نُرجِّح مَن الفاعل، وعلى كل حال لا نقطع على غيب الأمور، نحن لا نقطعها على غيبها لأن القطع لله – تبارك وتعالى – ولكننا نُرجِّح فقط، لكن ابن تيمية لم يفته هذا وظل شيئ كالحسك في صدره يُدرِك أن الشُبهة تحوم بشكل أولي حول مُعاوية وليس غير مُعاوية، لذلك في آخر المبحث – وهذا هو مقصودي على كل حال الآن لأننا لم نأت لكي نفتح ملف سم الحسن عليه السلام – قال “وإن فُرِض أن شيئاً من ذلك كان – أي أن مُعاوية تورَّط في سم الحسن – فهذا من باب قتال بعضهم بعضاً”، أي أنه قال كما قاتل بعضهم بعضاً وتأوَّلوا واجتهدوا فالذي أصاب له أجران – طبعاً هذا يقوله ابن تيمية وغير ابن تيمية في مائة ألف موضع في كتبهم – والذي أخطأ كمُعاوية وحزبه لهم أجرٌ واحد، وهذا من باب قتال بعضهم بعضاً.

وأنا الآن أتساءل عن هذه التبريرية وهذه العقلية التسويغية، وقبل أن يعترض مُعترِض مِمَن يستمع إلى كلامي أنا أسأله بالله الذي رفع السماوات بغير عمد لو أن شيئاً من هذا اتفق لأهله وذوييه – لو أن ابنك مات مسموماً او أخواك مات مسموماً أو أبوك مات مسموماً أو أحدٌ من أهلك وحامتك وقرابتك – ثم رأيت القاضي أو مَن جعل نفسه قاضياً فضولياً ويتفضَّل بالحكم بين الناس يقول “على كل حال إن فرضنا أنه سمَّ ابنك او أخاك فهذا من باب الاختلاف الواقع بينكم، وقد جرت بينكم مُشاجَرات ومُضارَبات، فهو مُجتهِد في هذا على كل حال وقد يكون له أجر” فماذا سوف يحدث لك؟ سيُجنَّ جنونك، لن تقبل بهذا أبداً، فهذا ليس منطق العدل ولا منطق الإنصاف ولا هو منطق العقل – والله – أبداً، لكن هل تعرفون لماذا؟ هناك فرقٌ كبير – الآن سنتنزَّل ونُرخي العنان كما يُقال – بين أن نتقاتل في معركة ويُقال هناك شُبهة تأوّل وبين أن تغدر بي، فهذا غدر يا أخي، والنبي قال “الإيمان قيد الفتك”، علماً بأن هذا الحديث رواه مُعاوية فيا للعجب، وذلك حين أتى إلى المدينة وكان اقترف طبعاً عمَّاله في مصر جريمة قتل محمد بن أبي بكر الصديق وأُحرِقَ جسده الكريم في جوف حمار، فجزعت أم المُؤمِنين عائشة جزعاً شديداً جداً جداً جداً وصارت تقنت وتدعو على عمرو بن العاص ومُعاوية بن خُديج وقيل على مُعاوية أيضاً في الصلاة، فلما جاء مُعاوية وقالت له يا مُعاوية أما خشيت أن أدس لك مَن يقتلك كما قتلت أخي؟ قال لها “يا أم المُؤمِنين الإيمان يمنعك، الإيمان قيد الفتك، المُؤمِن لا يفتك”، ما شاء الله، وهذا إلى اليوم منطق أشباه مُعاوية حيث أنهم يحتجون بالأخلاق وبالقيم ولكن لكي يُقيِّدوا بها الناس أما هم فأحرار يفعلون ما يشاءون على منطق ابن تيمية الذي يُبرِّر له الغدر بالحسن على فرض أنه كان، فهو قال حتى لو فرضنا هذا فلا مُشكِلة لان هذا من باب قتال بعضهم بعضاً، وهذا عجيب يا ابن تيمية، أين عزب عنك عقلك يا شيخ الإسلام؟ هل يُمكِن أن تسم رجلاً تنازل لك عن الخلافة وعاهدت إليه وختمت على شروط من بينها أنه إن قضيت قبله تكون له الخلافة من بعدك ووافقت وختمت ثم نفترض أنه صحَّ أنه دسَّ له السم غدراً؟ أين الوفاء بالعهود؟ أين الوفاء بالمواثيق؟ وأين الغدر؟!
كلام ابن تيمية فقط عن موضوع اجتهد فأخطأ وأنه من باب قتال بعضهم بعضاً، وهذا غير صحيح، فلا والله الذي لا إله إلا هو ليس هذا من باب قتال بعضهم بعضاً، وأتحدى مَن يقوم ويقول هو من باب قتال بعضهم بعضاً كشيخ الإسلام ابن تيمية، أتحدى رجل عنده مسكة عقل يُردِّد هذا الكلام الفارغ، ولكن ما الذي يحدث؟ وما الذي حدث؟ هذا الذي يُجنِّن ولذلك أنا لا أستطيع حتى أن أترك هذا الموضوع الآن، فالذي حدث هو أن آل بيت رسول الله – عليهم السلام أجمعين – كانوا ومازالوا مُضطهَدين، ولكن حين أقول هذا الكلام يخرج لي بعض الناس قائلاً هل أنت تُريد أن تُشكِّكنا في حبنا؟ يا ما شاء الله عليك، هل تُحِب أنت؟ هل أنت مُتأكِّد من أنك تُحِب أهل البيت؟ فكيف إذن تُحِبهم ويروج عليك هذا الكلام ومثله فتُردِّد هذا الكلام وتكتب هذا الكلام وتعتذر عن إجرام المُجرِمين بمثل هذا الكلام؟ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ۩.

وعلى كل حال هذا ليس موضوع الخُطبة، موضوع الخُطبة اليوم هو حديث بل بالأحرى بعض حديث وبعض شيئ وقطرة من بحر وزهرة من بُستان عظيم عن الإمام عليّ عليه السلام، الإمام الذي خصَّه المُفكِّر والأديب اللبناني جورج جرداق بموسوعته من خمسة أجزاء “عليٌّ صوت العدالة الإنسانية” وهو مسيحي، نعم زهد فيه بعض المسلمين لكن لا يزهد فيه عشَّاق المجد والشرف والبطولة والعظمة المُفرَدة الباذخة، وأتحدى رجلاً يعرف للبطولةِ والشرف والقيمة والأخلاقية معنىً ثم يقرأ سيرة الإمام ولا يخرج عاشقاً له، أتحدى رجلاً في العالمين يعرف ما معنى البطولة وما معنى الشرف وما معنى الأخلاقية وما معنى الإيمان الوثيق وما معنى اليقين العميق وما معنى الرجولة وما معنى عفة النفس وما معنى بطولة النفس ويقرأ أبا الحسن ثم هو لا يعشقه، هذا مُستحيل، والله العظيم مُستحيل، أما الذي يقرأه ثم يزور عنه ويجفوه فهذا من النقصة، لأن فيه نقص في شخصيته وفي إنسانيته وفي آدميته، وسوف ترون مصداق هذا حتى لا يُقال “كلامُ عاطفي”، وهذا شيئ عجيب، فنحن نأتي بالأحاديث الصحاح الحسان الجياد الملاح المُتواتِر بعضها ثم يُقال “كلام عاطفي”، إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ۩، ولكن نعم نحن أول العاطفيين تبعاً لسيد المُرسَلين، ما نظن أن عاطفة محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً – كانت عاطفة هوى باطل، إنها عاطفة الحق فإذا أوصانا بأهل بيته وإذا حثَّ على أهل بيته وإذا علَّمنا أن نُصلي عليهم مع صلاتنا وبصلاتنا عليه حتى في الصلاة لله رب العالمين فهو يعرف ويعلم لماذا، ولكن هل تُريدون البرهان المُفصَّل؟ عليّ أول هذه البراهين وعليّ أكبر هذه البراهين، اقرأوا عليَّاً وستعلمون لماذا حثَّ النبيُ على أهل بيته ولماذا قطع وقرَّر أنهم مع الحق – عليٌّ مع الحق يدور حيث دار – وأن الكتاب والعترة لا يفترقان حتى يرد عليه الحوض يوم القيامة، وسوف تعلمون لماذا يقف في الناس – في ألوف الناس – ويقول “مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم وال مَن والاه وعاد مَن عاداه”، وهذا كلام جميل جداً، فالطريق لاحبة واسعة ومُتضِحة ولائحة، لكن مَن أراد أن يفوز – بحب الله ومُوالاة الله ورسوله فعليه بهذا الطريق، أما مَن أراد أن يبوء بالخسران وبمُعاداة رب العالمين فتلكم هى الطريق الشمال موجودة، عاد أهل البيت وتنكَّر لهم ونافق أعداءهم إذن، واليوم – كما أقول دائماً – نحن نُنافِق في القرن الخامس عشر ولا سيوف شاهرة ولا بدر حاضرة، ولكن بعض الناس عندهم بدر حاضرة – هناك بدر حاضرة – وأموال تجري كالشلالات لكي تُزوَّر الحقائق ويُزيَّف ما بقيَ من وعي المسلمين، لكن بحمد الله – تبارك وتعالى – يأبى إلا أن يُطلِع قرن الحقيقة دائماً وبالحق، فالحقيقة تفرض نفسها ولا يُمكِن أن تُغتال.

سأسألكم الآن: إذا قيل الإمام – إذا ذُكِر الصحابة وقيل الإمام – إلى مَن يتبادر اللفظ؟!

مُباشَرةً لدى كل المسلمين سُنةً وشيعة يتبادر إلى أبي الحسنين وإلى أبي الحسن، فإذا قيل الإمام يُفهم أن المقصود هو الإمام عليّ، فلماذا إذن؟ لماذا الأمة – هكذا سُنةً وشيعة – أعطته هذا اللقب؟ فإذا قيل الإمام عرفنا أن المُراد هو الإمام عليّ، فلا يُقال صاحب رسول الله عليّ بن أبي طالب، فمُعاوية صاحب وعليّ صاحب، هذا غير صحيح والأمة لا تقبل هذه الأخدوعة ولا تقبل هذا الكذب البارد، فالإمام وأمير المُؤمِنين هو عليّ، والإمام النسائي كتب كتابه العظيم واختصره بعد أن أداره على هذا وهو “خصائص أمير المُؤمِنين عليّ عليه السلام”، فنعم هو أمير المُؤمِنين وهو الإمام، لكن لماذا كان عليّ إماماً؟ ألأنه ابن عم رسول الله؟ ألأنه ترَّبى في حجره منذ نُعومة أظفاره؟ ألأنه زوج البتول ابنته الزهراء عليها السلام؟ لهذا ولغيره كثير، أحياناً علينا أن نفهم أن التفاضل لا يكون بالمواهب – هناك مواهب – ولكن يكون بالإنجازات، قليس لأحد أن يتطاول على غيره ولا أن يمتاز لأنه طويل فيقول “أنا طويل لأن وصل طولي إلى متر وتسعين سم”، فهذه موهبة إلهية، فهناك مَن هو طويل وأهبل فماذا نفعل؟ هو طويل وهابيل كما يُقال، وحتى لو كنت طويلاً وقوياً ماذا نفعل بك؟ وقد يقول لنا آخر “أنا صوتي جميل وكذلك شكلي” وبالتالي نحن نقول له ماذا نفعل بصوتك وشكلك؟ هذه موهبة إلهيه، وهناك من الكفّار مَن هم صوتهم أجمل من صوتك، فهذه موهبة، وكذلك الحال مع الشخص الذي شكله يُعتبَر صبوحاً وجميلاً، فماذا نفعل بشكلك يا أخي أو بشعرك الطويل والمُرسَل؟ ماذا نفعل بهذا؟ وهذا ينطبق كذلك على ابن فلان الذي هو من عائلة فلان، فماذا نفعل بنسبك؟ أين إنجازاتك؟ يقول الشاعر:

إن الفتى من يقول ها أنا ذا                   ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي

انت ابن فلان وابن علان وابن الأسرة الفلانية، فماذا نفعل؟ ماذا نفعل بهذا وبشكلك وبطولك وبعرضك؟ هذه مواهب إلهية، هذه مواهب الله التي يختص بها مَن يشاء، فأعطاها للكافر وللمسلم، وهناك من الكفّار مَن همأحسن منك في هذه المواهب، فإذا كنت تتحدَّث عن القوة وعن الطول وعن الجمال وما إلى ذلك فهناك كفّار أحسن منك، وكذلك في الذكاء والعبقرية سوف تجد أن الكفّار أذكى في أشياء كثيرة، فنحن ليس لدينا شخصاً آخراً مثل أينشتاين Einstein مثلاً، فهؤلاء كفّار ولا مُشكِلة في هذا، فينبغي أن يُنظَر في الإنجازات، والإنجازات في نظرنا – أُحِب أن أكون واضحاً لأنني أعشق الوضوح وأعشق أن الناس تُفكِّر بوضوح، لأن في الوضوح وفي النور يمتاز الحق من الباطل، ولكن في الغبش والغموض والإغماض الأمور تتداخل ولا يستطيع الإنسان أن يُميِّز ولا أن يُفرِّق، فلابد أن نكون واضحين إذن، فجوهر الفلسفة هو توضيح الأشياء كما يُقال، فإذا كنا نُريد أن نتفلسف علينا أن نُوضِّح الأشياء – ولدينا كمِليين وكمسلمين وكمُوحِّدين وكمُؤمِنين لابد أن تكون محكومة بقصد وجه الله وطلب رضوانه بالاستقامة الدينية، فلا تقل لي “جاهد وقاتل وفتح” لأن يا أخي هتلر Hitler فتح ونابليون Napoleon فتح أكثر منا وكذلك الإسكندر فتح أيضاً، فلا تقل لي “فتح البلاد للإسلام”، لأنه فتح البلاد وقتَّل الفاتحين، فرؤوس الفتح قتلوهم وذبحوهم، وهو فتح البلاد وأخذ عباد الله خولا وجعل أموالهم دولاً وخلى الدين دغلا ثم يُقال فتح البلاد، فتح البلاد وكثرت الغنائم والسبي والإماء والعبيد والخصيان بمئات الألوف، فتح البلاد وظلم الناس وأكل الأموال وتغوَّلها وبنى القصور، ورغم كل هذا يُقال لك “فتوحات إسلامية”، فعن ماذا تتحدَّثون؟ أنا أُريد عمر بن الخطاب وأُريد أبا بكر وأُريد عثماناً وأُريد عليّاً، ولكن حتى عثمان – لأنني لا أُحِب أن أُخالِف ضميري – عليه مُؤاخّذات ليست مني – مَن أنا؟ صعلوك – وإنما من الصحابة ومن التاريخ ومن الذين درسوا، فعثمان في الفترة الأخيرة من حياته فرَّط كثيراً بسبب موالاته لأقربائه، وهذا كان سبب الخروج عليه، وابن تيمية يعترف بأن من أسباب الثورة عليه وقتله مظلوماً شهيداً ضعفه حيث قال “ضعف”، فعثمان كان ضعيفاً، وأهل بيته وقرابته استغلوا هذا الضعف، فنُحِب أن نكون واضحين، فحتى مع هذا لا أستطيع أن أكذب على نفسي، فهنا عثمان فيه وفيه وبالتالي علينا أن ننتبه إلى هذا، فنشهد لأبي بكر وعمر وعليّ وعثمان في المُنتصَف الأول، أهلاً وسهلاً بهذا، هذا الإنجاز الذي نُريد، وهو إنجاز وفق معايير الكتاب والسُنة، إنجاز رباني مُحمَّدي ديني مُصطفوي يُمثِّل القيم والمُثل الإسلامية ويُجسِّدها في حياة الناس، وأول ما يتجسَّد في هذه القيم في شخوص هؤلاء الأكارم العظام الشيخين عثمان وعليّ، فهذا هو، لكن لا تقل لي بعد ذلك “فتح”، فنعم فتح ولكنه ظلم وخرَّب العالم وأنت تقول لي فتح، تذهب الفتوح وتجيء وتُأثى العروش وتُثَل وتُفتَح البلاد وتضيع لكن يبقى المبدأ وتبقى القيمة – ويبقى الحق ويبقى المعنى، فنحن نُريد الحق ونُريد المعنى، لا نُريد مَن يضحك علينا ويُزوِّر عقولنا لأننا سأمنا ومللنا – والله العظيم – حتى الثمالة من هذا الاستحماق.

نأتي إلى أبي الحسن لأن الحديث عنه يطول ولا ينقضي، فينقضي الدهر ولا ينقضي الحديث عن أبي حسن عليه السلام، هذا هو عليّ الذي جعل النبي حبه معياراً للإيمان وميزاناً، وأعتقد بعد هذه الخُطبة قد يلوح لنا بعض سر هذا التعيير بحبـ فلماذا بعليّ إذن؟ لكن ابن تيمية لم يُعجِبه هذا – عفا الله عنه وسامح للمرة الثالثة – لأنه أخذ حديثاً عن جابر يقول “ما كنا نعرف المُنافِقين إلا ببغضهم عليّاً”، وهذا المعنى لا يصح حيث يُوجَد خطأ إما من الرواي وإما من غير ذلك، فلا تقل لي “ما كنا نعرف المُنافِقين إلا ببغضهم عليّاً” لأن المُنافِق يُعرَف بصفات كثيرة في كتاب الله، قال الله وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ۩ وقال أيضاً وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ۩، فموجود لهم صفات في كتاب الله لكن ابن تيمية فقط أخذ من هنا، لكن يا ابن تيمية ماذا عن الأحاديث الأخرى الصحيحة؟ هناك أحاديث صحيحة عن عليّ وعن زيد وعن أبي سعيد وعن جابر وهى صحيحة ولكن ليس في صيغتها “ما كنا نعرف المُنافِقين إلا ببغضهم عليّاً”، لكن كنا نعرف المُنافِقين ببغضهم عليّاً، والنبي قال “لايُحِبك إلا مُؤمِن ولا يبغضك إلا مُنافِق”، فماذا تفعل؟ هذه الأحاديث صحيحة والمعنى صحيح، لكن هو ترك هذه الأحاديث كأنه لا يعرفها مع أنها في الصحيح وكأنه لم يسمع بها، وهذا شيئ غريب، فلماذا تُدّس الحقيقة؟ نضحك على مَن نحن؟ إذن نضحك على أنفسنا ونتشبَّث بحديث متنه فيه نكارة ومتنه غير صحيح وغير دقيق ونقول هذا المعنى غير صحيح إذن حب عليّ ليس معيار الإيمان، فكيف هذا؟ هل هذا هو النقاش العلمي؟ هل هكذا يُسكَت رسول الله؟ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ۩.

كان عليٌّ أول هاشمي يُولَد لهاشميين، أبوه هاشمي وهو أبو طالب سيد البطحاء وأمه هاشمية وهى فاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف – رضيَ الله تعالى عنها وأرضاها – هى أم حيدرة – أم عليّ – وهى ثاني امرأة أسلمت بعد خديجة أم المُؤمِنين، وهذا لا نسمع به كثيراً، بل وكل ما يتعلَّق بأهل البيت لا يُسمَع به كثيراً، لذلك عليكم أن تنتبهوا وأن تختبروا أن كل مَن قاتل مع عليّ باستثناء فئة يسيرة جداً من الصحابة الكبار – حتى المُهاجِرين السابقين البدريين الذين قاتلوا مع عليّ في الجمل وصفين – أحاديثهم قليلة جداّ جداّ جداّ لوجود حصار علمي وأدبي على أحاديثهم، فهل تسمعون بالأرقم ابن أبي الأرقم المخزومي؟ هذا من أول يوم وهو من السابقين، فهذا سابق وهذا شهد بدراً وأحد والمشاهد وقاتل مع عليّ في صفين ومع ذلك لا نكاد نسمع منه ولا عنه شيئاً لأن الماكينة الإعلامية لبني أُمية غيَّبته بالكامل، فممنوع أن نسمع عنه.
سعد بن أبي وقَّاص لم يُقاتِل مع عليّ وكان من المُعتزِلين ولكن لم يرض مرةً واحدة كما في صحيح مسلم بسب عليّ وردَّ على مُعاوية وعلى غير مُعاوية ودائماً كان يقول هذا ولا يرى نفسه أهلاً للخلافة قبل عليّ ولذلك مات ميتةً مشبوهة، ولذلك يُقال عن سعد أنه مات مسموماً، فطبعاً لم يمت ميتةً عادية وإنما مات ميتة مشبوهة، وأحاديث سعد قليلة رغم أنه من السابقين الأولين ومن الستة الأوائل، فأين أحاديث سعد؟ هذا الشيئ يُثير ألف سؤال وسؤال والله العظيم، فهذا شيئ غريب وعليكم أن تبحثوا هذا وأن تختبروه بأنفسكم.

تقول فاطمة بنت أسد رضوان الله عليه وعليها السلام: كنت ذات يوم قاصدةً إلى هُبل – أول صنم أُقيم للأسف في الحرم هذا، فتباً له ولمَن أقامه – ومعي هديي – ولم تدر أنها حامل، فكانت حاملاً ولكن لا يُدرى بهذا لأن الحمل كان في أول أيامه أو أسابيعه – فلقيني محمد – قبل أن يُبعَث عليه الصلاة وأفضل السلام – وقال يا أماه – أي يا أمي – اُعلِّمكِ شيئاً تكتمين علىّ؟ فقلت أجل، فقال خُذي هذا الهدي وقولي كفرت بهُبل وآمنت بالله وحده لا شريك له، أي لا تُقرِّبي لهُبل لأن النبي كان مُوحِّداً، ففعلت ولم تشعر بعد أشهر إلا وقد استبان حملها، فلما وضعته أتى النبي فطلبه وحمله بيديه وسماه عليّاً، فهو ابن التوحيد من أول يوم ومن أول لحظة وهو في بطن أمه، فحال الله بينها وبين أن تُقرِّب قرباناً لهُبل ببركة إرشاد رسول الله، حيث أنها أخذت بكلامه وقالت وذلك لما أعلم من صدقه، فقبل أن يكون نبياً تعرف أنه صادق في كل شيئ وذلك إذا نصح لك وإذا أرشدك وإذا دلَّك – عليه السلام – لأنه لا يدلك إلا على الخير.

فالنبي إذن سماه عليّاً، وكانت أمه أسمته حيدرة لكن غلب عليه إسم النبي أكثر من حيدرة، وقالت فاطمة أن النبي أعطاه لسانه – أي أمصه لسانه – حتى نام، فإذن ريقه اختلط بريق النبي من أول وهلة، ثم أصابت قريشاً شدةٌ ومَئونة أجهدتها جداً فاتفق النبي وعباس على أن يُخفِّفا عن أبي طالب أخي العباس وعم النبي فأخذ النبي عليّاً وهو أصغر أولاد أبي طالب وأخذ العباس عقيلاً، وبقيَ في حجر النبي، فغذاه بلبانه وكان قدوةً له من أول يوم مُنذ نعومة أظفاره، لما نُبِّيء – عليه الصلاة وأفضل السلام – دون أن يستشير أباه وافق النبي مُباشَرةً على دينه وتوحيده وانشرح صدره – صدر أبي الحسن الكبير – بالإسلام على صغر سنه، فقيل كان في حوالي التاسعة، وبعضهم قال ابن السادسة وإلى ابن الرابع عشرة، ولو أخذنا بالمُتوسِّط سوف نقول أنه كان في حوالي التاسعة لأول عهده بالإسلام، وكانت أمه ثاني امرأة تُعلِن إسلامها عليها السلام، وهى فاطمة بنت أسد التي أدلاها رسول الله بيده في حفرتها ودعا لها ونام قبلها في قبرها النبي ثم بعد ذلك أدلاها في قبرها، فهذه هى أم الإمام عليّ عليهما السلام.

الإمام عليّ إذا ذُكِر ذُكِرَت البطولة والنجدة والبأس والجهاد، فلا فتى إلا عليّ، قال الرسول “لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتىً إلا عليّ”، وردَّدها المسلمون يوم خيبر، ويوم بدر تعرفون ما الذي حدث، فهذا معروف لذا نحن لا نُحِب أن نُطيل ولا أن نُطوِّل بذكره، ويوم أحد صُرِعَ البطل العظيم مُصعَب بن عُمير – رضيَ الله تعالى عنه وأرضاه – بعد ان أبدى عن وجه البطولة وأعرب عن بطولة باذخة واستُشهِد ووقع اللواء – لواء المُسلِمين – فتناول عليٌّ باليمين، ويقول عبد الله بن عباس أربع خصال كن لعليّ لسنا لغيره، أي لسنا لأحد غيره، كان أول العرب والعجم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن تُفرَض الصلاة ليلة المعراج كان النبي يخرج ظهراً أو صباحاً فيخرج معه عليّ فلا يعودان حتى يُمسيا ويُصليان، فعليّ كان معه إذن ولذا قال أنا الذي صليت معه قبل أن تُفرَض الصلاة، وهذا معنى أن ابن عباس قال كان أول العرب والعجم صلى مع رسول الله. صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً، ثم قال ودفع إليه رسول الله رايته، ففي مُعظم الحروب على الإطلاق عليّ يحمل الراية، يقول ابن عباس مُستتلياً وثبت معه حين فر غيره، فغيره عليّ كان يفر لكن هو لا يفر ولا حتى يوم حنين، لم يحدث هذا مرة ولم تُسجَّل على عليّ أنه فر مرةً، فلم يفر مرةً واحدة، أما الخصلة الرابعة فيقول ابن عباس أنه تولى – وطبعاً مع عمه العباس – غسله ودفنه، فالذي أدلاه ودفنه عمه والإمام عليّ أما الصحابة فكانوا مشغولين بأمر الخلافة في السقيفة، لكن هو كان مع رسول الله في هذه اللحظة الحرجة، لذا قال ابن عباس فهذه الخصال ليست إلا لعليّ، وهناك طبعاً خصال كثيرة، فخصاله بالمئين والأحاديث الصحاح في حقه بالمئين، يقول عبد الله ابن الإمام أحمد – رضيَ الله عنهما – بن حنبل سألت أبي يا أبتي ما هذه الأحاديث في فضائل مُعاوية؟ أي أن هناك عدد من الأحاديث في فضائل مُعاوية والآن يقرعوننا بها، فأين أنت من فضائل مُعاوية؟ لكن بكلمة واحدة دون الدخول في التفصيل – التفصيل له المُحاضَرات المُوسَّعة في عشرات الساعات – نقول أنه لم يصح في فضل مُعاوية حديثٌ واحد بخصوصه، وابن حجر مال إلى هذا في فتح الباري وهذا هو الحق، فهذا لم يصح ولذلك الإمام أحمد أشار إلى هذا عندما سأله ابنه عن فضائل مُعاوية فقال يا بُني إن عليّاً كان رجلاً له أعداء ففتَّش له أعداؤه عن عيبٍ فلم يجدوا – وناهيك بهذا، والله العظيم ناهيك برجل لم يجد له أعداؤه عيباً، نعم نحن لا نقول كالشيعة أنه معصوم لأنه ليس بمعصوم ولكن نقول دلّونا على أخطائه وعيوبه، أين هى؟ أين أخطأ؟ أين العيب في عليّ؟ – فعمدوا إلى رجلٍ عاداه – أي مُعاوية بن أبي سُفيان لأنه أكبر عدو لعليّ في وقته، كما كان أبو سُفيان أكبر عدو للرسول قبل أن يُسلِم وكما صار يزيد أكبر عدو للحسين وقتله، قاتل الله يزيد وأعوذ بالله منه، أعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق، وهكذا إذا ذُكِر يزيد نقول نعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فهذا ما نقوله إذا ذُكِر هذا اليزيد المنقوص المنكور المحقور – فافتروا له فضائل كياداً بعليّ”، أي لكي يكيدوا عليّاً وأتباع عليّ ألَّفوا فضائل لمُعاوية، فالإمام أحمد يقول لا تُوجَد أي أحاديث صحيحة في فضل مُعاوية بن أبي سُفيان، هو قال هكذا وبشكل واضح، لكن نعود الآن إلى الإمام عليّ، حيث أنه يوم أحد تلقٌّى الراية باليمين وسيفه بالأخرى وجعل يصول ويجول، فإذا بحامل راية المُشرِكين – سعد بن أبي طلحة يحمل الراية وكان فارساً مغواراً – يقول: يا أتباع محمد هل من مُبارِز؟ ألستم تزعمون أنكم تُعجِّلون بأسيافكم إلى النار ونُعجِّلكم بأسيافنا إلى الجنة؟ فاخرجوا إلىّ، هل من مُبارِز؟ فسمعه عليّ والأمر كان هزة عظيمة وأنتم تعرفون في أحد ماذا حدث لكنه قال أنا لها، فقال أنا لك يا ابن أبي طلحة، والله لا أريم حتى اُعجِّلك بسيفي هذا إلى النار، حتى تعرف مَن أتباع محمد، وتصاولا جولةً فاختلفا ضربتين، فالإمام عليّ ظل واقفاً وجُرِح جراحات كثيرة يوم أحد – سنتحدَّث عنها – وسقط الرجل فهوى عليه بسيفه لكي يُجلِّله بالعار والشنار والموت إلى النار فبدت سوءته – كأنه أبدى عنها – فانصرف عليّ الحيي الذي ما رأى عورةً قط، فقيل له لم لم تُدفِّف عليه؟ لم لم تُجهِز عليه؟ فقال بدت سوءته فعطفني عليه الرحم، فما هذا؟ ما هذا الفارس؟ هذا ليس فارساً غدَّاراً أو جباناً أو نقَّاضاً للعهود أو دسَّاساً أو صاحب أخاديع أويرشي الناس عن ضائرهم، ففي مثل هذه المعمعة الحمراء كانت البطولة وكان شرف نفس ومجادة العرق ونبل الأصل، هذا هو عليّ، فكيف يجمع البطولة والقوة والبأس والشجاعة إلى الرحمة والعفة واللطف والمعدلة؟ هذا شيئ غير طبيعي وشيئ غير عادي، والنبي كان يُدرِك هذا تماماً وسوف يأتيكم البرهان، وعلى كل حال الإمام عليّ قال بدت سوءته فعطفني عليه الرحم، فترك لأنه قرشي، الله أكبر يا أبا الحسن، إي يا ابن أبي طالب، هذا شيئ لا يُصدَّق، علماً بأن مثل هذا اتفق لعمرو بن العاص في صفين، علماً بأن في صفين كانت الناس تموت بالعشرات وبالمئات وبالألوف، هذه صفين وما أدراك ما صفين أو ما صُوفون على رأي بعضهم، هذه كانت شيئاً مُخيفاً، وعليّ يذوب كالملح في الماء، فلم يُقتَل المسلمون سواء من أهل الشام أومن أهل العراق؟ فبعث إلى مُعاوية قائلاً يا مُعاوية لم يُقتَل الناس بيني وبينك؟ هلا برزت إلىّ – أي نتبارز نحن الاثنان أو نحن القائدان – فمَن قتل صاحبه ظفر بالخلافة؟ أي أن المُنتصِر سوف يأخذ الإمارة لأن عليّ يعرف أن هذه أخدوعة، لذا قال هذه أخدوعة أو خدعة الصبي عن اللبن، فلا تقل لي دم عثمان لأن هذا أكبر كذب، ونحن نعرف هذا بل وكل الناس تعرف هذا إلا الذين يعبدون مُعاوية من دون الحقيقة ويقولون لك اجتهد فأخطأ، وهذا كلام فارغ على كل حال، لذا عليّ قال هذه خدعة الصبي عن اللبن، ومن ثم طلب المُبارَزة، فقال مُعاوية لعمرو بن العاص ما تقول يا أبا عبد الله؟ فقال لقد أنصفك الرجل، ابرز إليه، فغضب مُعاوية وقال والله يا ابن النابغة ما أردت إلا موتي، أي أنه يقول له أنه خبيث لأنه يُريد له أن يموت، وطبعاً عمرو بن العاص كان داهية أيضاً من دُهاة العرب الأربعة، فهو يُريد أن يموت مُعاوية فيُصبِح هو المُطالِب وربما يفوز بالخلافة، لأن كان عنده أيضاً عين على الخلافة وعلى الإمارة، ولكن لكي يدرأ عمرو غضبةَ مُعاوية – الغضبة الكُبرى – قال أنا مُبارِزٌ عليّ غداً، أي أنه سوف ينزل له، فسكت مُعاوية راضياً، ولكن مَن ذا الذي صارع عليّاً فعاد سالماً؟ هذا لن يحدث أبداً، فهو مُجندِّل الأبطال ومن ألقابه قتَّال الأقران.

يقول العلَّامة أبو الخطاب بن دحية في كتابه عن صفين لمُحاَكمة أهل صفين “كانت إذا استعلى قد، وإذا استعرض قط”، أي أنه إن ضرب من أعلى – كما ضرب مرحب وسيأتيكم في الخندق – فإنه يقد الإنسان من النصف مُباشَرة، فيقد رأسه وربما شيئاً من جسمه، وإذا استعرضه قطعه مُباشَرةً، لأن فيه قوة غير طبيعية، علماً بأنه كان يمشي بتؤدة وأدب، فإذا مشى إلى خصمة هرول، فكان يُهروِل ومعه السيف يُهروِل، وهذا شيئ مُخيف طبعاً!
لكن على كل حال عمرو بن العاص كان لابد أن يدرأ عن نفسه هذه الغضبة، وطبعاً ما هى إلا جولات يسيرة – وعمرو بن العاص فارس كبير ومعروف وكان مشهوداً له – حتى كان في الأرض، فأهوى عليه بسيفه الإمام عليّ فأبدى عن سوءته فتركه، وكان مُعاوية دائماً يُعيِّره بها، لكن ليس من الشرف وليس من البر أن يدرأ المرء عن نفسه الذل بمثل هذا، ولذلك يقول أبو فراس الحمداني “كما ردها يوماً بسوءته عمروُ”، فهكذا كان عليّاً ومن ثم تركه، وكان النبي يعلم أن هذه الخصلة في أبي الحسن، فكان لديه قوة بجانب الرحمة واللطف، لكن كيف؟!

أبو سُفيان لما نقضت قريش عهدها مع رسول الله بعد الحديبية باعتدائها على خزاعة حلفاء الرسول أُسقِطَ في يد سيد كنانة أبي سفيان، هى الحرب إذن، فأتى إلى المدينة وكله خزي وضعف واستكانة، فيتعرَّض إلى المسلمين فيفرون من أمامه ولا يُكلِّمه أي أحد، حتى جاء إلى أبي بكر قائلاً يا أبا بكر اشفع لي عند محمد، فقال ما أنا بفاعل، أي أنني لا أُريد، ثم قال لعمر يا عمر يا ابن الخطاب – يا أبا حفص – اشفع لي عند محمد، فاستنكر الفاروق أن يشفع له وقال والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، أي أن هذا من المُستحيل فليس عمر من يشفع لكم، تباً لكم إلى آخر الدهر، ولم يبق إلا أن يأتي أبا الحسن فأتاه في بيته وعنده بنت رسول الله البتول الزهراء فاطمة – عليهم السلام أجمعين – والحسن – عليه السلام – يدب بين يديها فقال لها يا بنت رسول الله مُري بُنيك هذا فليُجِر بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر، فقالت إنه صغير وما يبلغ ابني هذا أن يُجير بين الناس ولا يُجيرُ على رسول الله أحد، فقال يا أبا الحسن اشفع لنا عند محمد، فقال والله يا أبا سُفيان لقد عزم رسول الله على أمرٍ لا يقدر أحدٌ أن يُراجِعه فيه، وهو الفتح طبعاً، فالنبي أراد أن يفتح مكة وذلك بعد أن أذِن الله أن يُفتَح البيت الحرام وأن يُطهَّر من دنس الشرك والوثنية، فماذا يفعل؟ قال يا أبا الحسن قد اشتبهت علىّ الأمور واشتبكت فانصح لي ماذا أفعل؟ فلما رأى عليّ هذا الذل وهذا الخزي وهذا الانكسار – علماً بأن ليس من طبع عليّ أن يشفي غليله، ولا غليل له لأنه بطل، فهذه نفس بطل وهى نفس عظية جداً لا تعرف الحقد أبداً، إنه منطق الحق تجلى في رجل، فبالعكس هو يعرف الرحمة ويعرف أن يمد يده لمَن عثر ولمَن وقع حتى ولو كان خصمه بل حتى لو كان أخصم خصمه – قال له يا أبا سُفيان والله ما أجد لك شيئاً إلا أن تخرج فتجير بين الناس، أي اخرج وقل أنا أجرت بين الناس، وهذا كلام فارغ طبعاً لكنه قال له أجر بين الناس ثم ألحق بأرضك، فقال له وهل ترى هذا يا عليّ يُغني عني شيئاً؟ قال لا والله، وهكذا عليّ لا يُحسِن خداع مُعاوية بن أبي سُفيان ولا غير مُعاوية، فهو قال له أنه لا يرى أن هذا سوف يُغني عنه شيئاً ولكنه لا يرى له غير ذلك، فهذا هو أكثر شيئ يستطيع أن يقوم به، فلما عاد أبو سُفيان قال وهو يُحدِّث زوجه وأهله وعشيرته ووجدت ألينهم وأرحمهم ابن أبي طالب، أي أن أحسنهم هو عليّ، فهو أحسن من أبي بكر وأحسن من عمر ومن غيرهما، هو الوحيد الذي فعل معي كذا وكذا. فهذا هو عليّ الذي كان فيه رحمة وفيه رقة وتواضع، فكان شخصية عجيبة وغير عادية!

بعد فتح مكة بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – خالد بن الوليد – رضوان الله تعالى عليه – إلى تهامة للدعوة وليس للغزو فمر ببني جذيمة في ظروف مُلتبِسة مُعيَّنة حيث أساء بعضهم التعبير فأعمل السيف في جماعة عظيمة منهم فقتلهم، ولما بلغ الخبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غضب الرسول وحزن جداً ورفع يديه وقال ثلاث مرات اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد، ولكنه يعلم أنه لم يتعمَّد هذا، فخالد فعل هذا عن تسرع، فكما قال عمر بعد ذلك رضوان الله عليه “سيف خالد فيه رهق”، فهو فارس مُتسرِّع وبالتالي هو ليس كعليّ، فهو يتسرَّع ويرتكب أخطاءً كثيرة، وهذا معنى “سيف خالد فيه رهق”، ولذلك النبي قرَّر أن يديهم – أي أن يدفع دياتهم – فقال تعال يا عليّ خُذ هذه الأموال واغد إلى بني أيه جذيمة وانظر في الأمر واحكم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك.

فالنبي يعلم أن الحكم لله وأن لا مكان للثارات الجاهلية والأحقاد الجاهلية أبداً، فقال له احكم بما يُرضي الله لنا وعلينا، فهذا معنى “واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك”، الله أكبر.

المشهور في يوم فتح مكة أن الذي كان حاملاً للواء المسلمين – لواء رسول الله – هو الإمام عليّ، فالنبي دفع إليه لواءه يوم فتح مكة، وقيل لم يكن عليّاً هو الحامل ولكن هذا ضعيف، وحُكيَ أن شيخ وسيد الأنصار سعد بن عُبادة – رضوان الله تعالى – دخل ومعه لواء كتيبة عظيمة فكأن نشوة النصر استفزته وهزته فقال اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحَل الكعبة، أي أننا سوف نرتكب مجزرة اليوم في حق قريش التي فعلت وفعلت، وعمر سمع هذا فاستنكر أن يُفعَل هذا بقريش وهم الأقرباء ومن ثم هُرِع إلى النبي قائلاً يا رسول الله أدرك سعداً – سعد بن عُبادة – فأني ما آمن صولةً منه في قريش، أي أن هذا الرجل قد يُحدِث مذبحة، فنادى النبي عليّاً وقال له يا عليّ أسرع فأدرك سعداً وخُذ منه اللواء، أي أنه قال يا عليّ لأنه يعلم أن الإمام لا يُمكِن أن يفعل هذا لأن من المعروف عنه أنه فارس رحيم وأنه فارس قوي ثابت، فلا يستفزه النصر ولا غرور النصر ولا يُزهى بشيئ أبداً، هو شخصية غريبة استثنائية، وعلى كل حال هذا ما كان في أحد، أما في الخندق فقصته معروفة مع فارس العرب وفارس المُشرِكين عمرو بن عبد ود الرجل الطوال الضخم الذي ما استطاع أن يصرعه أصلاً وهذا شيئ غريب، فهذا الرجل لأن الكبر والزهو أدار عقله جعل يترقَّب في جماعة قليلة – نفر من فرسان الجاهلية ومن فرسان قريش – ثُغرةً في الخندق حتى وجدها فاقتحم بفرسه ومَن معه حتى صار إزاء المسلمين، هكذا تحدٍ ومُبارَزة طبعاً، فممنوع أن يرميه أي أحد بسهم وفقاً لشرف البطولة ومن ثم تجب المُبارَزة، فقال هذا الرجل هل من مُبارِز؟ فأرم الصحابة ولم يجرؤ أحد أن يقول أنا، فمَن يقول هذا لعمرو بن عبد ود؟ لا أحد، لكن عليّ كان يقول أنا يا رسول الله، فيُسكِته النبي ويقول له اجلس هذا عمرو يا عليّ، أي أن هذا ليس إنساناً عادياً، فقال عمرو هل من مُبارِز؟ وهو يُبكِّت المسلمين، كأنه يقول لهم ألستم تزعمون أنكم تروحون إلى الجنة؟ هلموا إذن، فهل من مُبارِز؟ وهكذا لكي يكسر نفوسهم، ولم يقم أي أحد من الصحابة في حين أن الإمام كان يقول أنا يا رسول الله، وفي المرة الثالثة أذِن له ودعا له، علماً بأن عليّاً كان شاباً صغيراً وهذا كان فارساً مُخضرَماً، فلما رآه قال له عليّ – عليه السلام – يا عمرو ألست قد درجت على أنه لا يُخيّرك أحد بين خلتين إلا أجبته إلا إحداهما؟ أي أنه يُريد أن يدعوه في البداية لأن المسألة لا تتعلَّق باستعراض العضلات، فقال بلى، أي أن هذه هى طريقتي وهذه هى عادتي، فقال فإني أدعوك إلى الله ورسوله والإسلام، فقال لا حاجة لي، فغضب والآن أصبح الرجل ضد عادته، فالرجل كان كريماً وكان عنده نوع من الكرم، أي من كرم النفس والمجادة أيضاً، فكنت لا تدعوه إلى خصلتين إلا أجابك إلى واحدة منهما لكنه الآن قال لا أُريد الإسلام، قال عليّ فإني أدعوك إلى النزال، أي إذن نازلني، فضحك أو تبسَّم عمرو، مع العلم أن الإمام كان ربعة، فلم يكن طويلاً، والعرب كانوا بشكل عام فيهم طول، لكن الإمام عليّ كان ربعة إلا أنه كان مُمتلئاً كالأسد، فكان كالليث وهو يمشي على الأرض، أما هذا الرجل فكان طوال ولذا تبسَّم وقال ألست ابن أبي طالب؟ فقال بلى، فقال أبوك كان صاحباً لي – صديقاً لي – وإني واللات – قال واللاتوالعياذ بالله – لا أُحِب أن أريق دمك، أي أنه يقول له اذهب يا ابن أخي فقد عفوت عنك، لكن الإمام عليّ قال أنا اُحِب أن أريق دمك، أي أنني سأقتلك، فغضب عمرو واستحمق ومن ثم نزل عن فرسه فعقره – قتل الفرس – ثم صاول عليّاً فإذا بعليّ يتصدى له كالسد المنيع في صولة من أعظم ما رأى الفرسان، وما هى إلا جولات يسيرة وإذا بالرجل سقط على الأرض يتشحب في دمه، لقد قتله عليّ وصرعه، فكبَّر رسول الله وكبَّر المسلمون، وعاد عليّ يتهلَّل وجهه بالبشر والسرور بالنصر المُمكَّن المظفور بعزة الله واعتنقه النبي، واستقبله شاعرهم بهذه الأبيات، وقيل أنها ليست لشاعرٍ وإنما للإمام عليّ:

نصر الحجارة من سفاهة رأيه                   ونصرت رب محمدٍ بصوابِ

لا تَحْسَبَنَّ الله خاذلٌ دينَهُ                            ونبيَّه يا معشر الأحزابِ

فهذا نصر إلهي وقع في الخندق، وكذلك الحال في يوم خيبر وما أدراكم ما خيبر؟ حيث الحصون المنيعة، وكان من ضمن الحصون ذلك الحصن الذي كان فيه فارس اليهود الأكبر والأشرس والمشهور بالفتك مرحب، فبعث النبي في المرة الأولى أبا بكر على رأس فرقة – كتيبة – ولكنهم عادوا ولم يُفتَح عليهم، لأن هذا حصنٌ منيع جداَ وصعب وبالتالي من المُحال أن يُفتَح، وفي المرة التالية بعث بعمر بن الخطاب على رأس كتيبة ويعود عمر ولا فتح، فيقول النبي بلهجة الواثق بوعد الله ومدده “لأُعطين الراية غداً رجلاً يُحِب الله ورسوله ويُحِبه الله ورسوله يُفتَح عليه”، الله أكبر، ويقول عمر رضوان الله عليه: فلم أتمنى الإمارة ولم أتطاول إليها إلا يوم إذ رجاء أن يكون مِمَن يُحِبه الله ورسوله – أي أنه أحب الإمارة لهذا السبب، وهذه شهادة له، فهذا أعظم تاج وأعظم نيشان وأعظم شهادة على الإطلاق، فالرسول قال ويُحِبه الله ورسوله – فلما أصبح جعلتُ أستشرفُ له – أي أنه يعلو بصدره ليرى مَن الذي سيقع عليه الاختيار حتى لا ينساه رسول الله – فقال أين عليّ؟ – الله أكبر – فقالوا هو بخير يشتكي عينيه، فدعا به فأوتيا به – وهذا بين رجلين – فبصق في عينيه النبي فعُفيا – أي أنه عاد يرى وهذه من المُعجِزات النبوية – ودفع إليه اللواء ودعا له وبشَّره بأن الله يفتح عليه.

نترك الآن الحكاية والرواية لأبي رافع مولى رسول الله – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم ورضيَ الله عن أبي رافع – فهو يقول: وذهب عليّ مع جماعته وقال لهم – صاح بهم – أنا عليّ بن أبي طالب، أي أنه يُشير إلى شهرته ومعرفة الناس به، فهو فارس العرب وهو فارسٌ كامل، علماً بأن الخبراء في الفروسية يقولون “عليٌّ فارسٌ كامل” فهو ليس ثلاثة أرباع فارس أو نصف فارس أو ربع فارس كما هو الحال مع كثير من الفرسان، وإنما هو فارسٌ كامل، وهذا هو المُراد بقوله أنا عليّ بن أبي طالب، فباغته مرحب بضربة أطارت ترسه من يده، فضاع الترس ولم يعد في يديه ترساً بعد أن أطاح به فارس اليهود هذا في خيبر، فماذا يفعل عليّ الآن؟!
يقول أبو رافع فما راعنا إلا وباب الحصن بيده – باب حصن خيبر بيد الإمام لكي يتترَّس به – وجعل يتترَّس ويضرب، وهوى بضربة على أم رأس مرحب، قالوا حتى سمعنا صوت سيفه اصطك بأسنانه، أي أنه فلق رأسه حتى أسنانه فقتله في لحظة من فوره، وكبَّر عليّ قائلاً الله أكبر حين قتل مرحب فارس اليهود ومن ثم فُتِحَ الحصن وكبَّر المسلمون.

يقول أبو رافع فوالله لقد ذهبت أنا وسبعة من أصحابي – من أصحاب رسول الله المُجاهِدين – نُحاوِل تحريك الباب – الباب الذي تترس به الإمام عليّ كان على الأرض وهم يُريدون حمله – فما استطعنا!

ثمانية رجال لم يستطعوا أن يُحرِّكوا هذا الباب، فكيف حملته بيد واحدة وكنت تترَّس به؟ هذا عليّ يا أخي، وهذه قوة ربانية ومدد إلهي، هذا هو فارس الإسلام عليه السلام.

هذا كان من جهة الفروسية، أما من جهة الزهد فقد شهد له عمر بن عبد العزيز – رضيَ الله عنه وأرضاه – قائلاً “أزهد الناس عليّ بن أبي طالب”، لكن لماذا قال هذا؟ أنا فكرت في هذا كثيراً، أليس أبا بكر من الزاهدين؟ أبو بكر عاش ومات زاهداً، واقرأوا كيف مات أبو بكر حتى تعرفوا هذا، أبو بكر حتى كُفِّنَ في ثوبه الذي كان عنده، أليس عمر من الزاهدين؟ معروف عمر ومُرقَّعة عمر وعيش عمر وحياة عمر، رضيَ الله تعالى عنهم جميعاً، فلماذا يقول عمر بن عبد العزيز عليّ أزهد الناس؟!

لم يلح لي جواباً عن هذا إلا لأنه شاركهم في الزهد في كل طيبات الدنيا وانفرد من بينهم ومن دونهم في أنه زهد في ما كان يراه حقاً له وهو الخلافة، فنحن نشهد ونُقِرّ بهذا، علماً بأن هذا في صحيح البخاري، فاقرأوا في غزوة خيبر حديث عائشة أم المُؤمِنين – رضيَ الله عنها – في قصة الفداك وغضب فاطمة وامتناع عليّ من البيعة ستة أشهر، وهذا هو الصحيح الذي أتى في صحيح البخاري، فلا تُحدِّثني عن بيع بعد يومين أو ثلاثة لأن كل هذا الكلام غير صحيح وهو مُخالِف لما في الصحيح، ففي الصحيح أنه كان بعد ستة أشهر، علماً بأنهم قالوا أن الإمام صرَح قائلاً “سبب غضبي لم يكن لأنني أحسدك يا أبا بكر أو لأنني نفست عليك خيراً ساقه الله إليك ولكن كنا نرى أننا أحق بهذا الأمر فاستُبِدَّ علينا”، يُريد أن يقول نحن آل محمد ونحن أحق بهذا الأمر، فعليّ كان يرى هذا، وهذا من حقه أن يراه طبعاً، لكن لماذا؟!

لأن أبا بكر وعمر وأبا عُبيدة – رضيَ الله عنهم وأرضاهم – احتجوا على الأنصار بأنهم من قريش وهذا جميل جداً، إذن بنفس المنطق أنا لست قرشياً، أنا من آل محمد وأنا أقرب الناس إليه، إذن أنا أحق بالخلافة، فإذا كانت هذه حُجة لكم فأنا أحق، أليس كذلك؟!

لذلك عليّ صرَّح في صحيح البخاري بأنه كان يرى أنه أحق بهذا الأمر، كأنه يقول على الأقل استشيروني، اجعلوا لي رأياً، لا تُبرِموا هذا الأمر وأنا مُنشغِل بدفن رسول الله، ولكنه – رضوان الله عليه وعليه السلام – رضيَ وبايع بعد ذلك وجاهد تحت إمرتهم وخلافتهم بل ونصح لهم وقضى لهم وكان لهم خير معوان وخير نصير، فهذا هو أعظم زهدن وهذا الذي فهمته من كلام عمر بن عبد العزيز، لأن الرجل زهد حتى في الخلافة وسامح بما يراه وفقاً لاجتهاده، فلا يأت لي أحد من الصعاليك الآن ويقول لي كان مُخطئاً لأنني سوف أقول له قطع الله لسانك، كيف تقول أنه كان مُخطئاً هنا؟ فهل لم يبق إلا أنت يا صعلوك لكي تُخطّيء أبا الحسن؟ ما شاء الله عليك، تعال وعلَّمه كيف يزهد في الدنيا على طريقة فلان وعلان، فهناك مَن قال “هذا من أخطاء عليّ”، كما قال
“هذا من أخطاء فاطمة”، فهو قال “فاطمة تُخطيء، وفاطمة – والله العظيم كلام يقشعر له بدني – وصحابة آخرون فيهم قوادح كثيرة”، ونحن نقول له جزاك الله عن نبيك خير الجزاء، جزاك الله عن نبيك في ابنته وفي أم ذريته خير الجزاء لأنك تقول فيها قوادح كثيرة كما لو كنت أنت المُنزَّه يا أخي، فلا كنت ولا كان علمك، نحن لا نُريدك ولا نُريد علمك ولا فتاواك يا أخي، ما هذا؟ كيف تقول هذا خطأ في عليّ أن يرى نفسه أحق؟ هذا اجتهاد عليّ يا حبيبي، فهل جاهدت جهاده؟ هل سابقت سبقه؟ هل زهدت في الدنيا زهده؟ هل لديك علمه أو لديك فصاحته أو لديك قرابته؟ لديك ماذا حتى تتقدَّم بين يديه وتُخطّئه؟ ما أعظم هذه الجرأة التي إن دلت فإنما تدل على شيئ نقص في العقل وشيئ في القلب.

رضيَ الله عن الحسن البصري الذي سُئل عنه فقال “لقد كان سهماً – والله – صائباً مِن مرامي الله في أعدائه – لذلك قال ابن عباس “لم يكن لأحد من أصحاب رسول الله نكاية في المُشرِكين كعليّ”، فأعظم صحابي وُتِرَ به المُشرِكون هو عليّ بن أبي طالب لأنه هو الذي جندَّل خيرة فرسانهم في المعارك وهذا أمرٌ معروف، ولذلك كرهته قريش ورغبت عنه لأنها موتورة معه والكل يعرف هذا، ولذلك يقول ابن عباس أنه أعظمهم نكاية في المُشرِكين -، وما كان لمال الله سروقا ولا كان بالنومة عن أمر الله، أقام من كتاب الله عزائمه حتى فاز منه برياضٍ، وكان رباني هذه الأمة – أو قال رهباني هذه الأمة – وذا فضلها وذا سابقتها وذا قرابتها، ذلكم عليّ بن أبي طالب”، الله أكبر، فالحسن البصري قال هذا هو عليّ لمَن يُريد أن يعرف مَن هو، ولذلك يروي الإمام عياض – علماً بأنني ذكرت هذا في الخُطبة السابقة – في الشفا عن أبي بكر بن عيّاش قائلاً “لو جاءني أبو بكر وعمر وعليّ لبدأتُ بعليّ ولأن أخر من السماء أحب إلىّ من أن أُقدِّمهما عليه لقرابته من رسول الله”، يقول النبي “إن الله جعل ذرية كل نبي من صلبه، وأبى أن يجعل ذريتي إلا من صلب عليّ”، وهذا هو الحق، فذرية محمد وآل محمد الذين نُصلي عليهم كل يوم كذا وكذا مرة هم من صلب عليّ، فكيف تأتي أنت وتُخطّيء عليّاً؟

عليّ كان يرى أنه الأحق، وهذا رأيه وهذا اجتهاده فنبخع ونخشع ونحترم هذا، هذا رأيه وصرَّح به لأنه الصادق الأبر، فهو لا يكذب ولا يُراوِغ ولا يدّعي، لذلك قال بكل صراحة “كنا نرى أننا أحق بهذا الأمر فاستُبِدَّ علينا”، أي أنكم استبددتم من دوننا ولم تأخذوا رأينا وهذا الذي أغضبنا وأحزننا، وعنده الحق أن يغضب وأن يحزن، فهو – عليه السلام – لا يحزن بباطل هو، لكنه سامح وأغضى وقال هذا أمر من أمور الدنيا، فما هذه الإمارة بالنسبة له؟ ولذا قال هذا أمر سخت به نفوس أقوام وشحَّت به نفوس آخرين، ولذا هو أعظم زهد لأنه قال أنا سخوت به وتنازلت عنه، ولذلك يقول عمر بن عبد العزيز أزهدُ الناس عليّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه وأرضاه.

للأسف أدركنا الوقت ونحن ما زلنا في البداية، نسأل الله أن يُتيح لنا فرصةً أخرى لكي نُكمِل هذا الحديث المهيب الخشوع الجليل عن هذا الإمام البطل وعن هذا السابق وعن هذا القدوة الذي سيبقى ما بقيت الدنيا قدوةً لطلّاب المعالي وقصّاد المجد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

(الخُطبة الثانية)

الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذابٌ شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد أيها الإخوة:

درسٌ من الدروس العظام الفخام التي ينبغي أن نعود وأن نأوب بها من حديث عليٍّ ما اعتاد الناس وأعادوا له حديثاً – عليه السلام – هو الثبات المُوقِن على المبدأ والإيمان الوثيق بالمسئولية والقضية دون أن يُخامِرنا يأس أو يتخوَّننا ملل أو يزيغنا شيئٌ من الهزاهز والدواهي والمرائر، فهذا الثبات الوثيق درس من أعظم الدروس التي نتلقَّاها من أبي الحسن في يومٍ – علماً بأنني سأختم بهذه الجُملة – كثير فيه التلوّن إلى ما شاء إبليس، فهناك تلوّن عجيب حتى في رجال الدين وحتى في علماء الدين، وهذا شيئ لا يكاد يُصدَّق وهو شيئ غير مسبوق ربما، حيث يُوجَد تلوّن عجيب جداً جداً جداً جداً، فهم يتلوَّنون بحسب دواعي المصلحة في كل ساعةٍ وساعة، وهذا شيئ لا يكاد يُصدَّق، ولذلك أتساءل الآن لم لا يُدرِك العامة هذا فيحسموا أمرهم ويفهموا لمَن يُعطون ويصغون بآذانهم فيقولون هذا يُسمَع له وهذا لا يُسمَع له؟ هل تعرفون لماذا؟ لأن ثقافتنا مُسمَّمة والله، ثقافتنا معطوبة لأنها تقوم على التناقض وتعايش المُتناقِضات وتعايش المُتقابِلات فضلاً عن أنها ثقافة تقوم على التبرير، ولذلك يُقال – كما قلنا في أول الخُطبة – لنا “حتى لو فرضنا أن الحسن سمَّه فلان فهذا من باب الاجتهاد وكل مُجتهِد مأجور، إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ۩، فلا يصدر هؤلاء المُتلوِّنون عن ما يطلبه الحق – لا إله إلا هو – وإنما يصدرون عن ما يطلبه الحاكمون في أكثر الحالات، وفي كثير من الحالات عن ما يطلبه المُستمِعون، ولكن مَن الذي يصدر عن ما يأمر به رب العالمين لا إله إلا هو؟!

 

(انتهت الخُطبة بحمد الله)

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

ibtilae

الابتلاء جوهر العبودية

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمدُهُ ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، …

اترك رد